الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١٣ من سورة الأحقاف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) تقدم تفسيرها في سورة " حم ، السجدة " .
وقوله : ( فلا خوف عليهم ) أي : فيما يستقبلون ، ( ولا هم يحزنون ) على ما خلفوا ،
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) يقول تعالى ذكره: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) الذي لا إله غيره ( ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك, ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من فزع يوم القيامة وأهواله ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم.
قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنونقوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا الآية تقدم معناها .
وقال ابن عباس : نزلت في أبي بكر الصديق والآية تعم .
أي: إن الذين أقروا بربهم وشهدوا له بالوحدانية والتزموا طاعتهوداموا على ذلك، و { اسْتَقَامُوا } مدة حياتهم { فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من كل شر أمامهم، { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا وراءهم.
" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "
«إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» على الطاعة «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
إن الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا على الإيمان به، فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة وأهواله، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم بعد مماتهم من حظوظ الدنيا.
ثم فصل - سبحانه - ما أعده للمحسين من جزيل الثواب فقال : ( إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله .
.
) أى : قالوا ذلك بألسنتهم ، وصدقت هذا القول قلوبهم ( ثُمَّ استقاموا ) بعد ذلك على صراط الله المستقيم ، بأن فعلوا بإخلاص وطاعة كل ما أمرهم - سبحانه - بفعله ، واجتنبوا بقوة كل ما أمرهم بإجتنابه ، وقوله : ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) خبر " إن " وجئ بالفاء فى خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط .أى : إن الذين قالوا ذلك ، ثم استقاموا وثبتوا على طاعتنا فلا خوف عليهم من لحوق مكروه بهم ، ولا هم يحزنون بسبب فوات محببو لديهم ، وإنما هم فى سعادة مستمرة ، وفى سرور دائم ، لا يعكره خوف من مستقبل مجهول ، ولا حزن على أمر قد مضى .
اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوّة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ وهاهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضاً من غير واسطة.
واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحاً فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول ألبتة عن العبد، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مسائل أولها: قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة ﴾ وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وهذا يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء.
وثالثها: أن قوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ يدل على إثبات العمل للعبد.
ورابعها: أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر، أو أي أثر كان موجوداً قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر.
وخامسها: كون العبد مستحقاً على الله تعالى، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين، لا جرم أردفه بهذا المعنى، فقال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت، وفي سورة لقمان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ بوالديه إحسانا ﴾ والباقون ﴿ حَسَنًا ﴾ .
واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح، فمن قرأ ﴿ إحسانا ﴾ فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ ولم يختلفوا فيه، والمراد أيضاً أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلاً حسناً، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة، كما يقال: هذا الرجل علم وكرم، وانتصب حسناً على المصدر، لأن معنى ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه ﴾ أمرناه أن يحسن إليهما إِحساناً.
ثم قال تعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿ كُرْهاً ﴾ بضم الكاف، والباقون بفتحها، قيل هما لغتان: مثل الضعف والضعف، والفقر والفقر، ومن غير المصادر: الدف والدف، والشهد والشهد، قال الواحدي: الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ فهذا بالضم، وقال: ﴿ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ فهذا في موضع الحال، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح، فما كان مصدراً أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسماً نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن.
المسألة الثانية: قال المفسرون.
حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة، وليس يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة، فإذا أثقلت فحينئذ ﴿ حَمَلَتْهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ يريد شدة الطلق.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن حق الأم أعظم، لأنه تعالى قال أولاً: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ فذكرهما معاً، ثم خص الأم بالذكر، فقال: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر، والأخبار مذكورة في هذا الباب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام، فكيف عبّر عنه بالفصال؟
قلنا: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلائمه، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالاً.
المسألة الثانية: دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، قال: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ فإذا أسقطت الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من الثلاثين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر.
روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم عليها، وذكر الطريق الذي ذكرناه، وعن عثمان أنه هم بذلك، فقرأ ابن عباس عليه ذلك.
واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضاً على أن الأمر كذلك، قال أصحاب التجارب: إن لتكوين الجنين زماناً مقدراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم، فلنفرض أنه يتم خلقه في ثلاثين يوماً، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون حتى صار المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر، فحينئذ ينفصل الجنين، فلنفرض أنه يتم خلقه في خمسة وثلاثين يوماً فيتحرك في سبعين يوماً، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مائة وأربعون يوماً صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام، وهو سبعة أشهر انفصل الولد، ولنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يوماً، فيتحرك في ثمانين يوماً، فينفصل عند مائتين وأربعين يوماً، وهو ثمانية أشهر، ولنفرض أنه تمت الخلقة في خمسة وأربعين يوماً، فيتحرك في تسعين يوماً، فينفصل عند مائتين وسبعين يوماً، وهو تسعة أشهر، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب.
قال جالينوس: إن كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة، وزعم أو علي بن سينا أنه شاهد ذلك، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن، وبحسب التجارب الطيبة شيئاً واحداً، وهو ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل، فليس في القرآن ما يدل عليه، قال أبو علي بن سينا: في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء، بلغني من حيث وثقت به كل الثقة، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال: أزمنة الولادة، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر، وربما وضعت في الثامن، وقلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر، والغالب هو الولادة بعد التاسع.
قال أهل التجارب: والذي قلناه من أنه إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربة، والله أعلم.
ثم قال المدة التي فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام فأولها: أن الرحم إذا اشتملت على المني ولم تقذفه إلى الخارج استدار المني على نفسه منحصراً إلى ذاته وصار كالكرة، ولما كان من شأن المني أن يفسده الحركات، لا جرم يثخن في هذا الوقت وبالحري أن خلق المني من مادة تجف بالحر إذا كان الغرض منه تكون الحيوان واستحصاف أجزائه ويصير المني زبداً في اليوم السادس.
وثانيها: ظهور النقط الثلاثة الدموية فيه إحداها: في الوسط وهو الموضع الذي إذا تمت خلقته كان قلباً والثاني: فوق وهو الدماغ والثالث: على اليمين وهو الكبد، ثم إن تلك النقط تتباعد ويظهر فيما بينها خيوط حمر، وذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع تسعة أيام.
وثالثها: أن تنفذ الدموية في الجميع فيصير علقة وذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير المجموع خمسة عشر يوماً.
ورابعها: أن يصير لحماً وقد تميزت الأعضاء الثلاثة، وامتدت رطوبة النخاع، وذلك إنما يتم باثني عشر يوماً فيكون المجموع سبعة وعشرين يوماً.
وخامسها: أن ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن يميز الحس في بعض ويخفى في بعض وذلك يتم في تسعة أيام أخرى فيكون المجموع ستة وثلاثين يوماً.
وسادسها: أن يتم انفصال هذه الأعضاء بعضها عن بعض ويصير بحيث يظهر ذلك الحس ظهوراً بيناً، وذلك يتم في أربعة أيام أخرى فيكون المجموع أربعين يوماً وقد يتأخر إلى خمسة وأربعين يوماً قال والأقل هو الثلاثون، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق في قوله صلى الله عليه وسلم: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً» قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة ووضع في الماء البارد ظهر شيء صغير متميز الأطراف.
المسألة الثالثة: هذه الآية دلّت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع، أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه، وأما أنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاماً كثيرة في الفقه، وأيضاً فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة، فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصوناً عن تهمة الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن الأجانب، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن المرأة، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ونفائس لطيفة، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها.
وروى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهراً، والصحيح ما قدمناه.
ثم قال تعالى: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والِدَيَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف المفسرون في تفسير الأشد، قال ابن عباس في رواية عطاء يريد ثماني عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة، واحتج الفراء عليه بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمانية عشر، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ فبعض هذه الأقسام قريب من بعض فكذا هاهنا، وقال الزجاج الأولى حمله على ثلاث وثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة، وذلك لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية، ولا شك أن الرطوبة الغريزية غالبة في أول العمر وناقصة في آخر العمر، والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام أولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد في ذواتها وللزيادة بحسب الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشوء والنماء.
والمرتبة الثانية: وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان وهذا هو سن الوقوف وهو سن الشباب.
والمرتبة الثالثة: وهي المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول: هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة والثاني: هو النقصان الظاهر وهو سن الشيخوخة، فهذا ضبط معلوم.
ثم هاهنا مقدمة أخرى وهي أن دور القمر إنما يكمل في مدة ثمانية وعشرين يوماً وشيء، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام كان كل قسم منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة، ولهذه الأسابيع تأثيرات عظيمة في اختلاف أحوال هذا العالم، إذا عرفت هذا فنقول إن المحققين من أصحاب التجارب قسموا مدة سن النماء والنشوء إلى أربعة أسابيع ويحصل للآدمي بحسب انتهاء كل سابوع من هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير يؤدي إلى كماله أما عند تمام السوابيع الأول من العمر فتصلب أعضاءه بعض الصلابة، وتقوى أفعاله أيضاً بعض القوة، وتتبدل أسنانه الضعيفة الواهية بأسنان قوية وتكون قوة الشهوة في هذا السابوع أقوى في الهضم مما كان قبل ذلك، وأما في نهاية السابوع الثاني فتقوى الحرارة وتقل الرطوبات وتتسع المجاري وتقوى قوة الهضم وتقوى الأعضاء وتصلب قوة وصلابة كافية ويتولد فيه مادة الزرع، وعند هذا يحكم الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعي رضي الله عنه، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة الغريزية قلت الرطوبات واعتدل الدماغ فتكمل القوى النفسانية التي هي الفكر والذكر، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل، فلا جرم حكمت الشريعة بالبلوغ وتوجه التكاليف الشرعية فما أحسن قول من ضبط البلوغ الشرعي بخمس عشرة سنة.
واعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال في ظاهر البدن أحدها: انفراق طرف الأرنبة لأن الرطوبة الغريزية التي هناك تنتقص فيظهر الانفراق.
وثانيها: نتوء الحنجرة وغلظ الصوت لأن الحرارة التي تنهض في ذلك الوقت توسع الحنجرة فتنتوء ويغلظ الصوت.
وثالثها: تغير ريح الإبط وهي الفضلة العفينة التي يدفعها القلب إلى ذلك الموضع وذلك لأن القلب لما قويت حرارته، لا جرم قويت على إنضاج المادة، ودفعها إلى اللحم الغددي الرخو الذي في الإبط.
ورابعها: نبات الشعر وحصول الاحتلام، وكل ذلك لأن الحرارة قويت فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر وعلى توليد مادة الزرع، وفي هذا الوقت تتحرك الشهوة في الصبايا وينهد ثديهن وينزل حيضهن وكل ذلك بسبب أن الحرارة الغريزية التي فيهن قويت في آخر هذا السابوع، وأما في السابوع الثالث فيدخل في حد الكمال وينبت للذكر اللحية ويزداد حسنه وكماله، وأما في السابوع الرابع فلا تزال هذه الأحوال فيه متكاملة متزايدة، وعند انتهاء السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد، أما مدة سن الشباب وهي مدة الوقوف السابوع واحد فيكون المجموع خمسة وثلاثين سنة.
ولما كانت هذه المدة إما قد تزداد، وإما قد تنقص بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة أربعين سنة.
وهذا هو السن الذي يحصل فيه الكمال اللائق بالإنسان شرعاً وطباً، فإن في هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعية بعض السكون وتنتهي له أفعال القوة الحيوانية غايتها، وتبتدئ أفعال القوة النفسانية بالقوة والكمال، وإذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شيء وبلوغه إلى الأربعين شيء آخر، فإن بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء، وأن بلوغه إلى الأربعين عبارة عن الوصول إلى آخر مدة الشباب، ومن ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتقاص، وتأخذ القوة العقلية والنطقية في الاستكمال وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن، فإن البدن عند الأربعين يأخذ في الانتقاص، والنفس من وقت الأربعين تأخذ في الاستكمال، ولو كانت النفس عين البدن لحصل للشيء الواحد في الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال، وهذا الكلام الذي ذكرناه ولخصناه مذكور في صريح لفظ القرآن، لأنا بينا أن عند الأربعين تنتهي الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية والحيوانية، وأما الكمالات الحاصلة بحسب القوى النطقية والعقلية فإنها تبتدئ بالاستكمال، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والدي ﴾ فهذا يدل على أن توجه الإنسان إلى عالم العبودية والاشتغال بطاعة الله إنما يحصل من هذا الوقت، وهذا تصريح بأن القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدئ بالاستكمال من هذا الوقت فسبحان من أودع في هذا الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة، قال المفسرون لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة، وأقول هذا مشكل بعيسى عليه السلام فإن الله جعله نبياً من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال الأغلب أنه ما جاءه الوحي إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول: اللّهم أوزعني أن أشكر نعمتك إليّ تمام الدعاء، وروي أنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يؤمر الحافظان أن أرفقا بعبدي من حداثة سنه، حتى إذا بلغ الأربعين قيل احفظا وحققا» فكان راوي هذا الحديث إذا ذكر هذا الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضي في التفسير.
المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ يدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة، وذلك لأن العقل كالناقص، فلابد له من رعاية الأبوين على رعاية المصالح ودفع الآفات، وفيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد دخوله في الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة، وذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه يخرج عن وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء والذكر الجميل.
المسألة الثالثة: حكى الواحدي عن ابن عباس وقوم كثير من متأخري المفسرين ومتقدميهم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قالوا والدليل عليه أن الله تعالى قد وقت الحمل والفصال هاهنا بمقدار يعلم أنه قد ينقص وقد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس في هذه الأحوال فوجب أن يكون المقصود منه شخصاً واحداً حتى يقال إن هذا التقدير اخبار عن حاله فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر.
ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والدي ﴾ ومعلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية إنساناً معيناً قال هذا القول، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السن، لأنه كان أقل سناً من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريباً من الأربعين وهو قد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، فثبت بما ذكرناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر، وإذا ثبت القول بهذه الصلاحية فنقول: ندعي أنه هو المراد من هذه الآية، ويدل عليه أنه تعالى قال في آخر هذه الآية ﴿ أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم فِي أصحاب الجنة ﴾ وهذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد وعند القرب من الأربعين، وعلي بن أبي طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا، فثبت أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ أَوْزِعْنِي ﴾ قال ابن عباس معناه ألهمني، قال صاحب الصحاح أوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي مغرى به، واستوزعت الله شكره، فأوزعني أي استلهمته فألهمني.
المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء: أحدها: أن يوفقه الله للشكر على نعمه والثاني: أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله الثالث: أن يصلح له في ذريته، وفي ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان: الأول: أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية والسعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه، والسعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة، والسعادات الخارجية هي سعادة الأهل والولد، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها الله تعالى على هذا الوجه.
والسبب الثاني: لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل، لأن الشكر من أعمال القلوب، والعمل من أعمال الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجارحة، وأيضاً المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، والأشرف يجب تقديمه في الذكر، وأيضاً الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية، والاشتغال بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة، وقضاء الحقوق الماضية يجري مجرى قضاء الدين، وطلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد.
ومعلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات، وأيضاً أنه قدم طلب التوفيق على الشكر، وطلب التوفيق على الطاعة على طلب أن يصلح له ذريته، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله، والمطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله، ومعلوم أن التعظيم لأمر الله يجب تقديمه على الشفقة على خلق الله.
المسألة السادسة: قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه الشكر على نعم الله، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى، ولو كان العبد مستقلاً بأفعاله لكان هذا الطلب عبثاً، وأيضاً المفسرون قالوا المراد من قوله: ﴿ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلاً فيه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ﴾ والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا فنقول العبد يشكر الله على نعمة الإيمان، فلو كان الإيمان من العبد لا من الله لكان ذلك شكراً لله تعالى على فعله لا على فعل غيره، وذلك قبيح لقوله تعالى: ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ فإن قيل: فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي أنعم بها على والديه؟
وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم، قلنا كل نعمة وصلت من الله تعالى إلى والديه، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه الله تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين.
وأما المطلوب الثاني: من المطالب المذكورة في هذا الدعاء، فهو قوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ .
واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحاً على قسمين: أحدهما: الذي يكون صالحاً عنده ويكون صالحاً أيضاً عند الله تعالى والثاني: الذي يظنه صالحاً ولكنه لا يكون صالحاً عند الله تعالى، فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحاً عند الله ويكون مرضياً عند الله.
والمطلوب الثالث: من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحْ لِى فِي ذُرّيَّتِى ﴾ لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ﴾ فإن قيل ما معنى ﴿ فِي ﴾ في قوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي ﴾ ؟
قلنا تقدير الكلام هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة، قال بعد ذلك ﴿ إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنّي مِنَ المسلمين ﴾ والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، وإلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح، وبعد أن دخلت في الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه.
واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، وقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ قال ابن عباس فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه، وقوله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي ﴾ قال ابن عباس لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث إلا لأبي بكر.
ثم قال تعالى: ﴿ أولئك ﴾ أي أهل هذا القول ﴿ الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك نتجاوز وكلاهما في المعنى واحد، لأن الفعل وإن كان مبنياً للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى، فهو كقوله: ﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ فبيّن تعالى بقوله: ﴿ أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها ﴿ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله، فإن قيل ولم قال تعالى: ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ والله يتقبل الأحسن وما دونه؟
قلنا الجواب من وجوه: الأول: المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي عادلا بني مروان الثاني: أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك، وهو وكل ما كان مندوباً واجباً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم ﴾ والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ويتجاوز عن سيئاتهم.
ثم قال: ﴿ فِي أصحاب الجنة ﴾ قال صاحب الكشاف ومعنى هذا الكلام مثل قولك: أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم، وقوله: ﴿ وَعْدَ الصدق ﴾ مصدر مؤكد، لأن قوله: ﴿ نتقبل ﴾ ، ﴿ نتجاوز ﴾ وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز، والمقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله تعالى فبيّن أنه صدق ولا شك فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمداً السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء.
وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار: قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم.
وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر ثم يقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.
وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
فإن قلت: لابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف، لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟
قلت: العامل في إذ محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف في قوله: ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [يوسف: 15] وقولهم: حينئذٍ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، فسيقولون هذا إفك قديم، فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف وكان قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مسبباً عنه كما صحَّ بإضمار أنّ قوله: ﴿ حتى يَقُولَ الرسول ﴾ [البقرة: 214] لمصادفة (حتى) مجرورها، والمضارع ناصبه.
وقولهم: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ كقولهم: أساطير الأوّلين ﴿ كتاب موسى ﴾ مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وهو ناصب ﴿ إِمَاماً ﴾ على الحال، كقولك: في الدار زيد قائماً.
وقرئ: ومن قبله كتاب موسى، على: وآتينا الذين قبله التوراة.
ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ كتاب مُّصَدِّقٌ ﴾ لكتاب موسى.
أو لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب.
وقرئ ﴿ مصدق لما بين يديه ﴾ ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال من ضمير الكتاب في مصدق، والعامل فيه (مصدق) ويجوز أن ينتصب حالاً عن كتاب لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة.
وجوّز أن يكون مفعولاً لمصدق، أي: يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول.
وقرئ: ﴿ لينذر ﴾ بالياء والتاء، ولينذر: من نذر ينذر إذا حذر ﴿ وبشرى ﴾ في محل النصب معطوف على محل لينذر، لأنه مفعول له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ والِاسْتِقامَةِ في الأُمُورِ الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ، وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَأخُّرِ رُتْبَةِ العَمَلِ وتَوَقُّفِ اعْتِبارِهِ عَلى التَّوْحِيدِ.
﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ.
﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى فَواتِ مَحْبُوبٍ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ.
﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، وخالِدِينَ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في أصْحابُ وجَزاءً مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ جُوزُوا جَزاءً.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا} على توحيد الله وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في القيامة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} عند الموت
﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ إلى آخِرِهِ أيْ إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فالعَمَلُ مُتَراخِي الرُّتْبَةِ عَنِ التَّوْحِيدِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ ﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ مَعَ بَقاءِ مَعْنى الِابْتِداءِ فَلا تَدْخُلُ في خَبَرِ لَيْتَ ولَعَلَّ وكانَ وإنْ كانَتْ أسْماؤُها مَوْصُولاتٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ السَّجْدَةِ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ما ذَكَرْنا فَلْيُراجَعْ <div class="verse-tafsir"
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: قال رؤساء المشركين لضعفاء المسلمين لَوْ كانَ خَيْراً يعني: لو كان هذا الدين حقاً مَّا سَبَقُونا إِلَيْهِ وقال قتادة: قال أناس من المشركين: نحن أعز، ونحن أغنى، ونحن أكرم، فلو كان خيراً، ما سبقنا إليه فلان وفلان.
قال الله تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 105 وآل عمران: 74] يعني: يختار لدينه، من كان أهلاً لذلك وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ يعني: لم يؤمنوا بهذا.
أي: القرآن كما اهتدى به أصحاب النبيّ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ يعني: القرآن كذب قديم، أي: تقادم من محمد .
قوله تعالى وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يعني: قد أنزل قبل هذا القرآن، الكتاب على موسى، يعني: التوراة إِماماً يقتدى به وَرَحْمَةً من العذاب، لمن آمن به وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ يعني: وأنزل إليك هذا الكتاب، مصدق للكتب التي قبله لِساناً عَرَبِيًّا بلغتكم، لتفهموا ما فيه لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: مشركي مكة.
قرأ نافع، وابن عامر لتنذر، بالتاء على معنى المخاطبة يعني: لتنذر أنت يا محمد.
والباقون بالياء، على معنى الخبر عنه، يعني: ليخوف محمد بالقرآن وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ يعني: بشارة بالجنة للموحدين إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
فاللَّه حَسْبِي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يُمْهِلُنِي، ثم رجَعَ القَوْلُ إلى الاستسلامِ إلى اللَّه، والاستنصارِ به عليهم، وانتظارِ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بما يُفِيضُونَ فيه مِنَ البَاطِلِ ومُرَادَّة الحَقِّ، وذلك يقتضي مُعَاقَبَتَهُمْ ففي اللفظ تهديد، والضمير في بِهِ عائدٌ على اللَّه عزَّ وجَلَّ.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَرجيةٌ واستدعاءٌ إلى التوبة، ثم أمره عزَّ وجلَّ أنْ يحتجَّ عليهم بأَنَّه لم يكن بِدْعاً من الرسل، والبِدْعُ والبَدِيعُ من الأشياءِ ما لم يُرَ مِثْلُهُ، المعنى: قد جاء قَبْلِي غيري قاله ابن عَبَّاس وغيره «١» .
ت: ولفظ البخاريِّ: وقال ابن عباس: بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: لَسْتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ «٢» ، واختلف الناسُ في قوله: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فقال ابن عباس وجماعةٌ: كان هذا في صَدْرِ الإسْلاَمِ، ثم بعد ذلك عَرَّفَهُ/ اللَّه عزَّ وجلَّ بأَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، وبأَنَّ المؤمنين لهم من اللَّه فضلٌ كبيرٌ، وهو الجَنَّةُ، وبأَنَّ الكافرين في نار جَهَنَّمَ «٣» والحديثُ الصَّحِيحُ الذي وقع في جنازة عُثْمانَ بنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ هذا «٤» ، وقالت فرقة: معنى الآية: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وقيل غير هذا.
وقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ معناه: الاِستسلامُ والتَّبَرِّي من عِلْمِ المُغَيَّبَاتِ، والوقوفُ مع النذارةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية، جوابُ هذا التوقيفِ محذوفٌ، تقديره: أَلَيْسَ قد ظلمتم؟!
ودَلَّ على هذا المُقَدَّرِ قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية «١» ، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وقد قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: فيَّ نَزَلَتْ، وقال مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجمهورُ: الشاهد موسَى بْنُ عِمْرَانَ ع، والآية مكية «٢» ، ورَجَّحَه الطَّبْرِيُّ «٣» .
وقوله: عَلى مِثْلِهِ يريد بالمثل التوراةَ، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أَنَّه من عند اللَّه سبحانه.
وقوله: فَآمَنَ، على هذا التأويل، يعني به تصديقَ موسى وتبشيره بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِنْ قَبْلِ القرآنِ كِتابُ مُوسى يعني: التوراة وَهذا كِتابٌ يعني القرآن مُصَدِّقٌ للتوراة التي تَضَمَّنَتْ خبره، وفي مصحف ابن مسعود «٤» : «مُصَدِّقٌ لِّمَا بَيْنَ يديه» والَّذِينَ ظَلَمُوا هم: الكفار، وعَبَّرَ عن المؤمنين بالمحسنين ليناسِبَ لفظ «الإحسان» في مقابلة «الظلم» .
ثم أخبر تعالى عن حُسْنِ [حال] المستقيمين، وذهب كَثِيرٌ من الناس إلى أَنَّ المعنى:
ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر الصديق- رضي اللَّه عنه- المعنى: ثم استقاموا بالدَّوَامِ على الإيمان «٥» قال ع «٦» : وهذا أَعَمُّ رجاءً وأَوْسَعُ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يُعَذَّبُ وَيَنْفُذُ عليه الوعيد، فهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ، وينتفي عنه الخوفُ والحُزْنُ الحَالُّ بالكَفَرَةِ.
وقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قد جعل اللَّه سبحانه الأعمالَ أَمَارَاتٍ على ما سَيَصِيرُ إليه العَبْدُ، لا أَنَّهَا توجب على الله شيئا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا.
.
.
﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ اليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
والثّانِي: «أنَّ امْرَأةً ضَعِيفَةَ البَصَرِ أسْلَمَتْ، وكانَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ يَهْزَؤُونَ بِها ويَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا هَذِهِ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أبُو الزِّنادِ.
والثّالِثُ: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ أسَلَمَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ إلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا اهْتَدَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمَتْ، قالَتْ أسَدُ وغَطَفانُ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ رِعاءُ الشّاءِ، يَعْنُونَ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ، لِأنَّهُ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَدَخَلْنا فِيهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ: [هُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، قالَ]: هو قَوْلُ المُشْرِكِينَ.
فَقَدْ خَرَجَ في "الَّذِينَ كَفَرُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: اليَهُودُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ أيْ: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ﴿ ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ .
فَمَن قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ: أرادُوا: إنّا أعَزُّ وأفْضَلُ؛ ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، [قالَ]: أرادُوا: لِأنّا أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، يَعْنُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.
﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ.
وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَهْتَدُوا، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالتَّوْارَةِ.
﴿ إمامًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَبِيًّا؛ وذُكِرَ "لِسانًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، تُرِيدُ: جاءَنِي زَيْدٌ صالِحًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتّاءِ.
وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَتَيْنِ.
و "الَّذِينَ ظَلَمُوا" المُشْرِكِينَ ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: وهو بُشْرى ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وهُمُ المُوَحِّدُونَ يُبَشِّرُهم بِالجَنَّةِ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [فُصِّلَتْ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا" بِألِفٍ.
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّها.
قالَ الفَرّاءُ: والنَّحْوِيُّونَ يَسْتَحِبُّونَ الضَّمَّ هاهُنا، ويَكْرَهُونَ الفَتْحَ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: حَمَلَتْهُ عَلى مَشَقَّةٍ ﴿ وَوَضَعَتْهُ ﴾ عَلى مَشَقَّةٍ.
﴿ وَفِصالُهُ ﴾ أيْ: فِطامُهُ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَفَصْلُهُ" بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا" يُرِيدُ بِهِ شِدَّةَ الطَّلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ قُدِّرَتْ لِأقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ؛ فَأمّا الأشُدُّ، فَفِيهِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ بُلُوغُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ وقْتُ كَمالِ الإنْسانِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِحْكامِ شَأْنِهِ وتَمْيِيزِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشُدُّ الرَّجُلِ غَيْرُ أشُدِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ أشُدَّ الرَّجُلِ: الِاكْتِهالُ والحُنْكَةُ وأنْ يَشْتَدَّ رَأْيُهُ وعَقْلُهُ، وذَلِكَ ثَلاثُونَ سَنَةً، ويُقالُ: ثَمانٍ وثَلاثُونَ سَنَةً، وأشُدُّ الغُلامِ: أنْ يَشْتَدَّ خَلْقُهُ ويَتَناهى نَباتُهُ.
وقَدْ ذَكَرْنا بَيانَ الأشُدِّ في [الأنْعامِ: ١٥٣] وفي [يُوسُفَ: ٢٢] وهَذا تَحْقِيقُهُ.
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّها] نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ وهو ابْنُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وهم يُرِيدُونَ الشّامَ في تِجارَةٍ، فَنَزَلُوا مَنزِلًا فِيهِ سِدْرَةٌ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ في ظِلِّها، ومَضى أبُو بَكْرٍ إلى راهِبٍ هُناكَ يَسْألُهُ عَنِ الدِّينِ، فَقالَ [لَهُ]: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي في ظِلِّ السِّدْرَةِ؟
فَقالَ: ذاكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ: هَذا واللَّهِ نَبِيٌّ، وما اسْتَظَلَّ تَحْتَها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى إلّا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ، فَوَقَعَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ اليَقِينُ والتَّصْدِيقُ، فَكانَ لا يُفارِقُ رَسُولَ اللَّهِ في أسْفارِهِ وحَضَرِهِ، فَلَمّا نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً وأبُو بَكْرٍ ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً- صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمّا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ: رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ؛ قالُوا: فَلَمّا بَلَغَ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأجابَهُ اللَّهُ، فَأسْلَمَ والِداهُ وأوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهُمْ، ولَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [العَنْكَبُوتِ: ٨]، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عَلى العُمُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ١٩] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْزِعْنِي ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَهُ اللَّهُ -يَعْنِي أبا بَكْرٍ- فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، واسْتَجابَ لَهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَآمَنُوا، ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلى كُلِّ ما تُحِبُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُتَقَبَّلُ" "وَيُتَجاوَزُ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ فِيهِما.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: "نَتَقَبَّلُ" "وَنَتَجاوَزُ" بِالنُّونِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "يَتَقَبَّلُ" "وَيَتَجاوَزُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ فِيهِما، يَعْنِي أهْلَ هَذا القَوْلِ.
والأحْسَنُ بِمَعْنى الحَسَنِ.
﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مَن يُتَجاوَزُ عَنْهُمْ، وهم أصْحابُ الجَنَّةِ.
وقِيلَ: "فِي" بِمَعْنى "مَعَ" .
﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ بِمَعْنى الوَعْدِ، لِأنَّهُ وعَدَهُمُ القَبُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ" ﴾ لِلْقُرْآنِ، و ﴿ "كِتابُ مُوسى" ﴾ هو التَوْراةُ.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ.
و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا" ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ" ﴾ أيِ: القُرْآنُ، و ﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا" ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى" ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"، ﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.
ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.
وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ ، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".
وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ : « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ : « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"، ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟
قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟
قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟
قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟
قالَ: أباكَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا" ﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ.
قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ: إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".
وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي" ﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ.
و ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ : الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".
﴾ <div class="verse-tafsir"
استئناف بياني أوثر بصريحه جانب المؤمنين من المستمعين للقرآن لأنهم لما سمعوا البشرى تطلعوا إلى صفة البشرى وتعييننِ المحسنين ليضعوا أنفسهم في حق مواضعها، فأجيبوا بأن البشرى هي نَفي الخوف والحزن عنهم، وأنهم أصحاب الجنة وأن المحسنين هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا في أعمالهم.
وأشير بمفهومه إلى التعريض بالذين ظلموا فإن فيه مفهوم القصر من قوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة ﴾ .
وتعريفُهم بطريق الموصولية لما تؤذن به الصلة من تعليل كرامتهم عند الله لأنهم جمعوا حسنَ معاملتهم لربهم بتوحيده وخوفه وعبادته، وهو ما دل عليه ﴿ قالوا ربنا الله ﴾ إلى حسن معاملتهم أنفسهم وهو معنى ﴿ ثم استقاموا ﴾ .
وجيء في صلة الموصول بفعل ﴿ قالوا ﴾ لإيجاز المقول وغنيته عن أن يقال: اعترفوا بالله وحده وأطاعوه.
والمراد: أنهم قالوا ذلك واعتقدوا معناه إذ الشأن في الكلام الصدق وعملوا به لأن الشأن مطابقة العمل للاعتقاد.
﴿ ثمَّ ﴾ للتراخي الرتبي: وهو الارتقاء والتدرج، فإن مراعاة الاستقامة أشق من حصول الإيمان لاحتياجها إلى تكرر مراقبة النفس، فأما الإيمان فالنظر يقتضيه واعتقاده يحصل دفعة لا يحتاج إلى تجديد ملاحظة.
فهذا وجه التراخي الرتبي من جهة، وإن كان الإيمان أرقى درجة من العمل من حيث إنه شرط في الاعتداد بالعمل ولذلك عطف ب ﴿ ثم ﴾ التي للتراخي في قوله تعالى: ﴿ ثمّ كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 12 17]، فالاعتباران مختلفان باختلاف المقام المسوق فيه الكلام كما يظهر بالتأمل هنا وهناك، وتقدم نظيره في سورة فصّلت.
ودخول الفاء على خبر الموصول وهو ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ لمعاملة الموصول معاملة الشرط كأنه قيل: إن قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم، ومثله كثير في القرآن، فأفاد تسبب ذلك في أمنهم من الخوف والحزن.
و ﴿ عليهم ﴾ خبر عن خوف، أي لا خوف يتمكن منهم ويصيبهم ويلحقهم.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لتخصيص المسند إليه بالخبر نحو: ما أنا قلتُ هذا، أي أن الحزن منتف عنهم لا عن غيرهم، والمراد بالغير: من لم يتصف بالإيمان والاستقامة في مراتب الكفر والعصيان، فجنس الخوف ثابت لمن عداهم على مراتب توقع العقاب حتى في حالة الوجل من عدم قبول الشفاعة فيهم ومن توقع حرمانهم من نفحَات الله تعالى.
واستحضارهم بطريق اسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة ﴾ للتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرد من الإخبار عنهم بما بعد الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة، كما تقدم في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في أول سورة البقرة (5).
وأصحاب الجنة } أدل على الاختصاص بالجنة من أن يقال: أولئك في الجنة وأولئك لهم الجنة لما في ﴿ أصحاب ﴾ من معنى الاختصاص وما في الإضافة أيضاً.
وقوله: ﴿ جزاء بما كانوا يعملون ﴾ تصريح بما استفيد من تعليل الصلة في الخبر ومن اقتضاء اسم الإشارة جدارتهم بما بعده وما أفاده وصف أصحاب وما أفادته الإضافة، وهذا من تمام العناية بالتنويه بهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ كانَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مِن عَنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ شَهِدَ عَلى اليَهُودِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ آمِينُ بْنُ يامِينَ، قالَ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أنا شاهِدٌ مِثْلَ شَهادَتِهِ ومُؤْمِنٌ كَإيمانِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ مُوسى مِثْلُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ، والتَّوْراةُ مِثْلُ القُرْآنِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَلَمْ يَكُنْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
الرّابِعُ: هو مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ مُوسى الَّذِي هو مِثْلُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما شَهِدَ عَلى التَّوْراةِ الَّتِي هي مِثْلُ القُرْآنِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِرَسُولِ اللَّهِ وبِالقُرْآنِ واسْتَكْبَرَ الباقُونَ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: فَآمَنَ مَن آمَنَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ هو وكَفَرْتُمْ.
وَقالَ ابْنُ عِيسى: الكَلامُ عَلى سِياقِهِ ولَكِنْ حُذِفَ مِنهُ جَوابٌ ﴿ (إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ) ﴾ وفي المَحْذُوفِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَآمَنَ، أتُؤْمِنُونَ؟
قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ أفَما تُهْلَكُونَ، قالَهُ مَذْكُورٌ.
الثّالِثُ: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ مِن جَوابِهِ: فَمَن أضَلُّ مِنكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ دَعاهُ النَّبِيُّ إلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ فَأجابَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ فَأتاهُ زَعِيمُهم فَأسْلَمَ، ثُمَّ دَعاهُمُ الزَّعِيمُ فَأسْلَمُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقالُوا: غِفارُ الخُلَفاءِ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ.
فَنَزَلَتْ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.
الثّانِي: أنَّ زُنَيْرَةَ أسْلَمَتْ فَأُصِيبَ بَصَرُها، فَقالُوا لَها: أصابَكِ اللّاتِ والعُزّى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْها بَصَرَها، فَقالَ عُظَماءُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرٌ ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَنَزَلَتْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم عامِرٌ وغَطَفانُ وأسَدٌ وحَنْظَلَةُ قالُوا لِمَن أسْلَمَ مِن غِفارٍ وأسْلَمَ وغَطَفانَ وجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأشْجَعَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ رُعاةُ البُهْمِ.
فَنَزَلَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَهَذِهِ المُعارَضَةُ مِنَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ مِن أقْبَحِ المُعارَضاتِ لِانْقِلابِها عَلَيْهِمْ لِكُلِّ مَن خالَفَهم حَتّى يُقالَ لَهُمْ: لَوْ كانَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ما عُدْنا عَنْهُ، ولَوْ كانَ تَكْذِيبُكم لِلرَّسُولِ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ.
﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي إلى الإيمانِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: بِالقُرْآنِ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَيَقُولُونَ هَذا القُرْآنُ كَذِبٌ قَدِيمٌ، تَشْبِيهًا بِدِينِ مُوسى القَدِيمِ، تَكْذِيبًا بِهِما جَمِيعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: عَلى أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: عَلى أنْ أخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ والعَمَلَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ إلى مَوْتِهِمْ، رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.
﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ.
﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: قال ناس من المشركين: نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة، فكان عمر رضي الله عنه يضربها على اسلامها.
وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بنو غفار وأسلم كانوا الكثير من الناس فتنة يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ روى الأسود بن هلال (١) (٢) (٣) (١) هو: الأسود بن هلال المحاربي كوفي قتل في الجماجم سنة نيف وثمانين، وقيل: أدرك الجاهلية وحديثه عن الصحابة في الصحيحين وغيرهما عن معاذ بن جبل.
انظر: "أسد الغابة" 1/ 88، و"الإصابة" 1/ 105.
(٢) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 12/ 2/ 15، وذكره القرطبي في "الجامع" 15/ 358.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ الضمير في قبله للقرآن وكتاب موسى هو التوراة، وإماماً حال، ومعناه: يقتدي به ﴿ وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ الإشارة بهذا إلى القرآن، ومعنى مصدق مصدق بما قبله من الكتب، وقد ذكرنا ذلك في [البقرة: 89] ولسان حال من الضمير في مصدق، وقيل: مفعول بمصدق أي صدق ذا لسان عربي وهو محمد صلى الله عليه وسلم، واختار هذا ابن عطية ﴿ استقاموا ﴾ ذكر في حم [السجدة: 30].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: على الغيبة.
والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.
الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.
الباقون: بالضم وفصله يعقوب.
الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.
الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.
الباقون: بهمزة واحدة.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.
التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.
وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".
والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.
فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.
والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.
عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.
قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.
ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.
وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.
وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.
ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.
ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.
ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.
وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟
فسكت رسول الله وأنزل الله الآية.
وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ فبين الله ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.
والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.
وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.
و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.
ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.
وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.
والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.
وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.
ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .
ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".
قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.
القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد وإيمانه تصديقه ذلك.
القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟
والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟
ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".
وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.
وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.
قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.
وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.
وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.
والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.
وقيل: كذب ككذب عيسى قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".
وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.
وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.
قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.
وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.
وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.
ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.
وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".
والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.
والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.
ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.
وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.
وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.
قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.
وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.
وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.
ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.
وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.
هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.
وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".
على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".
قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.
وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.
وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.
عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.
ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.
والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.
سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.
ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.
وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.
عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.
وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.
والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.
وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.
وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.
وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.
ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.
والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.
وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.
وفي الحديث أن رسول الله دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟
قالوا: نحن يومئذ خير.
قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.
فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.
والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: بينات أنها من الله .
أو بينات: واضحات، ما يبين لهم ما عليهم مما لهم، وما لبعض على بعض وما لله عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل أن يكون الحق الذي قالوا: إنه سحر، هو تلك الآيات البينات التي ذكر أنها بينت عليهم قالوا لها: إنها سحر، ودل قولهم: إنها سحر، على أنها كانت معجزات خارجات عن وسعهم، حيث نسبوها إلى السحر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ هذا حرف المنابذة، يقول: إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي ﴾ يقول علي إثم ذلك وجرمه، وإنما يقال هذا عند انتهاء الحجج والبراهين غايتها، وحتى لا يطمع منهم القبول والنجع فيهم، ويؤيس منهم، فعند ذلك يقال وينابذ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي: بما تخوضون فيه، يقول هذا ويذكر؛ لئلا يقولوا ولا يدعوا غفلته عن ذلك؛ بل يذكرهم أنه كان عالماً بما يسرون ويعلنون.
وقيل: ﴿ تُفِيضُونَ ﴾ من قولهم: أفاضوا، إذا علموا وتحدثوا؛ وهو قول القتبي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يشهدون في الآخرة: أنّه قد بلغ رسالته.
والثاني: أي: كفى به شهيداً بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منهم من الشرك والتكذيب، ومني من التبليغ، فهو شاهد بما كان مني ومنكم في الدنيا من سرّ وعلانية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ذكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ذكر من غاية سفههم وتعنتهم - والله أعلم - كأنه يقول: إنكم وإن بلغتم في السفه ما بلغتم فإنكم إذا رجعتم عن ذلك وتبتم يغفر لكم ما كان منكم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ إن كان على حقيقة العبادة فهو صلة قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...
﴾ الآية [الأحقاف: 4]؛ يقول - والله أعلم -: ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، ولا له شرك في السماوات وما ذكر، وترك عبادة من خلق السماوات، وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، وأتى بالحجج والبراهين على ذلك؛ أي: لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.
وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله: ﴿ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ أي: ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يملك إجابته، ولا يسمع دعاءه، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه، ويقدر قضاء ما يدعون ويسألون؛ أي: لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئاً من ذلك على دعاء من يملك ذلك كله؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ كأن هذا إنما ذكر - والله أعلم - لإنكار أهل مكة الرسل من البشر، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم، فقال عند ذلك: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أي: لست أنا بأول رسول من البشر؛ بل لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها، فما بالكم تنكرون رسالتي؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي كانوا من البشر؟!
والله أعلم.
قال أبو عوسجة: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً ﴾ أي: ما أنا بأولهم، قد أرسل قبلي.
وقال القتبي: وما كنت بدءاً منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم: أرسل، وأختص للرسالة، وأختار لها، وأبعث إليكم، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما أدعوكم إليه، والله أعلم.
والثاني: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ من إخراجي من بين أظهركم وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم، أمروا بالخروج من بين أظهرهم، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم؛ أي: ما أدري أيفعل بي وبكم ما ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم، والله أعلم.
والثالث: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ مخافة التغيير عليه والتبديل؛ ولم يزل الرسل - عليهم السلام - يخافون تغيير الأحوال عليهم، وتبديل ما أنعم عليهم، وذهاب ما اختصوا هم به؛ كقول إبراهيم - -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ وقال شعيب - -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ الآية [الأعراف: 89]، وما ذكر في سورة يوسف - -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [يوسف: 76]، وقول يوسف - -: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقول يعقوب - -: ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ، وقول رسول الله : "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" لم تزل كانت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - على خوف من تغيير الأحوال التي كانوا عليها، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ أتغير على وعليكم الأحوال التي نحن عليها اليوم أم نترك على ذلك؟
وحقيقة هذا الكلام على الاستقصاء قد مرت، والله أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل: "أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول الله وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول الله ما كانوا يلقون منهم، فقال: إني لم أومر بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر إلى أرض أخرى ذات..." كذا؛ فاستبشروا بذلك، [و]مكثوا بعد ذلك زماناً لا يرون شيئاً مما ذكر، " فشكوا إليه ثانياً بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما قلت لنا من الخروج عنهم، فقال: إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟" أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن يكون؛ فإنه لا يُظن بأصحابه - م - أن يقولوا له: ما نرى الذي قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي أن يقول لهم: "أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به وحي من السماء" ؛ جواباً لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، والله أعلم.
وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم بالخروج من بينهم، والله أعلم.
والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ...
﴾ الآية.
قال بعضهم: إن عبد الله بن سلام آمن برسول الله وشهد أنه رسول الله، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين.
وقال بعضهم: شهد ابن يامين أولا: أنه رسول، وآمن وصدقه، ثم شهد بمثله ابن سلام، والله أعلم.
والأشبه في هذا أن يكون قوله - -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ التوراة أو موسى - - على ذلك، كقوله - : ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ شهد كتاب رسول الله ورسوله - - والله أعلم.
ولأن عبد الله بن سلام إنما أسلم بالمدينة، وكذلك ابن يامين، وهذه السورة مكية، لكنهم يقولون: هذه السورة مكية إلا هذه الآيات الثلاث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا القول من الأجلة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات والأعمال الصالحة، قالوا: إنا قد سبقناهم في الخيرات سوى ذلك، فلو كان ذلك الذي تدعونا إليه خيراً ما سبقونا كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي: وإذ لم يهتدوا به هم من بيننا فيقولون: هذا القرآن إفك قديم، أي: كذب قديم، فكأن قولهم: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ بحق الاحتجاج، وقولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ تكذيب منهم ورد لذلك.
ثم قوله: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يقولون - والله أعلم -: لم يزل من ادعى الرسالة يدعي على الله ما يدعي محمد من إنزال الكتاب عليهم، وبعثه إياهم ابن سلام إلى الناس يطلب الرسالة له عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ أي: إماماً يقتدى به، ورحمة لمن اتبعه في دفع العذاب عنه.
وقوله - -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ ﴾ ذكر - هاهنا - مصدق، ولم يذكر أنه مصدق لماذا؟
لكن قد ذكر في غير آي من القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يحتمل: أي: موافقاً لما لم يحرف ولم يغير من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب قد حرفوها وغيروها، ولم يحرف هذا الكتاب، وقد حفظه الله - - عن التبديل والتغيير، فهو مصدق موافق لما لم يغير ولم يحرف من تلك الكتب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي: أنزله بلسان عربي؛ ليعلم أنه لم يأخذه محمد من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب كانت على غير لسان العرب، ولسانه عربي، ولكن جاءه من الله - - بلسانه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ فمن قرأ: ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ بالتاء فتأويله: لتنذر يا محمد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ أي: لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا فيما تقدم تفسير النذارة والبشارة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ الاستقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أي: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ على ذلك القول الذي قالوا، وثبتوا على ذلك، ولم تتغير، ولم تتبدل حالتهم تلك، والله أعلم.
والثاني: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ بحق الوفاء بالعلم بما أعطوا بلسانهم وقلوبهم ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولكن بالتفضل والرحمة، وذكر جزاءه الأعمال فضلا منه.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين قالوا: ربنا الله لا رب لنا غيره، ثم استقاموا على الإيمان والعمل الصالح، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه في الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا، ولا على ما خلفوه وراءهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.m1XrD"