الآية ٢٢ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٢٢ من سورة الأحقاف

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فأجابه قومه قائلين : ( أجئتنا لتأفكنا ) أي : لتصدنا ( عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) استعجلوا عذاب الله وعقوبته ، استبعادا منهم وقوعه ، كقوله : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) [ الشورى : 18 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) يقول تعالى ذكره: قالت عاد لهود, إذ قال لهم لا تعبدوا إلا الله: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم, أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه, وإلى اتباعك على قولك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ) قال: لتزيلنا, وقرأ إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا قال: تضلنا وتزيلنا وتأفكنا( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ) من العذاب على عبادتنا ما نعبد من الآلهة ( إِنْ كُنْتُ ) من أهل الصدق في قوله وعداته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فيه وجهان : أحدهما : لتزيلنا عن عبادتها بالإفك .

الثاني : لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع ، قاله الضحاك قال عروة بن أذينة :إن تك عن أحسن الصنيعة مأ فوكا ففي آخرين قد أفكوايقول : إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا .

فأتنا بما تعدنا هذا يدل على أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد .

إن كنت من الصادقين أنك نبي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا } أي: ليس لك من القصد ولا معك من الحق إلا أنك حسدتنا على آلهتنا فأردت أن تصرفنا عنها.{ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وهذا غاية الجهل والعناد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا أجئتنا لتأفكنا ) [ لتصرفنا ] ( عن آلهتنا ) أي عن عبادتها ( فأتنا بما تعدنا ) [ من العذاب ] ( إن كنت من الصادقين ) أن العذاب نازل بنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا» لتصرفنا عن عبادتها «فأتنا بما تعدنا» من العذاب على عبادتها «إن كنت من الصادقين» في أنه يأتينا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالوا: أجئتنا بدعوتك؛ لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟

فأتنا بما تعدنا به من العذاب، إن كنت من أهل الصدق في قولك ووعدك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة والإِذعان ، بل قابلوا دعوة نبيهم لهم بالإِعراض والاستخفاف ، وقد حكى القرآن ذلك بقوله : ( قالوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) .

أى : قال هود له - على سبيل الإِنكار والسفاهة - أجئتنا بهذه الدعوة ( لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ) أى : لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا التى ألفنا عبادتها يقال : أَفَك فلان فلانا عن الشئ ، إذا صرفه عنه .ثم أضافو إلى هذا الإِنكار ، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدى والاستهزاء فقالوا : ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ) .

أى : إن كان الأمر كما تقول فأتتا بما تعدنا به من العذاب العظيم ، ( إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) فيما أخبرتنا به .وهكذا نلمس فى ردهم سوء الظن ، وعدم الفهم ، واستعجال العذاب ، والإِصرار على الباطل الذى ألفوه .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبوّة، وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إليها، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِي حياتكم الدنيا ﴾ فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوة وجاهاً منهم، ثم إن الله تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة هاهنا ليعتبر بها أهل مكة، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع، وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال، وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا، وقوله تعالى: ﴿ واذكر أَخَا عَادٍ ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هوداً عليه السلام ﴿ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ ﴾ أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله: ﴿ بالأحقاف ﴾ قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ من قبله ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ من بعده والمعنى أن هوداً عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب.

واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.

ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ الإفك الصرف، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب ﴿ عَنْ ءالِهَتِنَا ﴾ وعن عبادتها ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ معاجلة العذاب على الشرك ﴿ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ في وعدك، فعند هذا قال هود ﴿ إِنَّمَا العلم عِندَ الله ﴾ وإنما صلح هذا الكلام جواباً لقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ لأن قولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، إنما علم ذلك عند الله تعالى ﴿ وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ وهو التحذير عن العذاب، وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ ﴿ ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ وهذا يحتمل وجوهاً الأول: المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني: أراكم قوماً تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث: ﴿ إِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً، ولكن لم يظهر أيضاً لكم كوني كاذباً فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما: أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله: ﴿ عَارِضاً ﴾ كما قال: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ  ﴾ ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى ما في قوله: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق، وقوله: ﴿ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ استبشروا و ﴿ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ والمعنى ممطر إيانا، قيل كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا: ﴿ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ فقال: ﴿ بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ﴾ من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال: ﴿ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

ثم وصف تلك الريح فقال: ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيء ﴾ أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات ﴿ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم ﴿ فَأَصْبَحُواْ ﴾ يعني عاداً ﴿ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم، وأحال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، وروي أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحاً لينة هادئة طيبة، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم».

ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به».

المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة ﴿ لاَ يرى ﴾ بالياء وضمها ﴿ مساكنهم ﴾ بضم النون، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ﴿ لاَّ ترى ﴾ على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب، وفي بعض الروايات عن عاصم ﴿ لاَّ ترى ﴾ بالتاء ﴿ مساكنهم ﴾ بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم.

وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية.

ثم قال تعالى: ﴿ كذلك نَجْزِي القوم المجرمين ﴾ والمقصود منه تخويف كفار مكة، فإن قيل لما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ فكيف يبقى التخويف حاصلاً؟

قلنا: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلاً قبل نزوله.

ثم إنه تعالى خوف كفار مكة، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ ﴾ قال المبرّد ما في قوله: ﴿ فِيمَا ﴾ بمنزلة الذي.

و ﴿ إن ﴾ بمنزلة ما والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالاً، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة.

والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وهذا غلط لوجوه: الأول: أن الحكم بأن حرفاً من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني: أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث: أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى، قال تعالى: ﴿ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا  ﴾ وقال: ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً ﴾ والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئاً.

ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وقوله: ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ﴾ بمنزلة التعليل، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول: ضربته إذ أساء، والمعنى ضربته لأنه أساء، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الإفك: الصرف.

يقال أفكه عن رأيه ﴿ عَنْ ءَالِهَتِنَا ﴾ عن عبادتها ﴿ بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ من معاجلة العذاب على الشرك ﴿ إِن كُنتَ ﴾ صادقاً في وعدك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ ﴾ يَعْنِي هُودًا.

﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ جَمْعُ حِقْفٍ وهو رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ انْحِناءٌ مِنِ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ إذا اعْوَجَّ، وكانُوا يَسْكُنُونَ بَيْنَ رِمالٍ مُشْرِفَةٍ عَلى البَحْرِ بِالشَّجَرِ مِنَ اليَمَنِ.

﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ﴾ الرُّسُلُ.

﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ قَبْلَ هُودٍ وبَعْدَهُ والجُمْلَةُ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ.

﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ أيْ لا تَعْبُدُوا، أوْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ إنْذارٌ مِن مَضَرَّتِهِ.

﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هائِلٍ بِسَبَبِ شِرْكِكم.

﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا ﴾ لِتَصْرِفَنا.

﴿ عَنْ آلِهَتِنا ﴾ عَنْ عِبادَتِها.

﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ مِنَ العَذابِ عَلى الشِّرْكِ.

﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في وعْدِكَ.

﴿ قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ لا عِلْمَ لِي بِوَقْتِ عَذابِكم ولا مَدْخَلَ لِي فِيهِ فَأسْتَعْجِلَ بِهِ، وإنَّما عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَيَأْتِيكم بِهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ.

﴿ وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ إلَيْكم وما عَلى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ.

﴿ وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ لا تَعْلَمُونَ أنَّ الرُّسُلَ بُعِثُوا مُبَلِّغِينَ مُنْذِرِينَ لا مُعَذِّبِينَ مُقْتَرِحِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ} أي قوم هود أَجِئْتَنَا {لِتَأْفِكَنَا} لتصرفنا فالأفك الصرف يقال افكه عن رأيه {عن آلهتنا} عن عبادتها

{فأتنا بما تعدنا} من معالجة العذاب على الشرك {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} في وعيدك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ ﴿ لِتَأْفِكَنا ﴾ أيْ لِتَصْرِفْنا- كَما قالَ الضَّحّاكُ - مِنَ الإفْكِ بِمَعْنى الصَّرْفِ، وقِيلَ: أيْ لِتُنْزِيلَنا بِالإفْكِ وهو الكَذِبُ ﴿ عَنْ آلِهَتِنا ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِها ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ مِن مُعاجَلَةِ العَذابِ عَلى الشِّرْكِ في الدُّنْيا ﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في وعْدِكَ بِنُزُولِهِ بِنا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعني: واذكر لأهل مكة.

ويقال: معناه واصبر على ما يقولون، واذكر هود إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ يعني: خوف قومه بموضع.

يقال له: الأحقاف.

روى منصور، عن مجاهد قال: الأحقاف الأرض.

ويقال: جبل بالشام، ويسمى الأحقاف.

وقال القتبي: الأحقاف جمع حقف، وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه، واستطال وانحنى وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يعني: مضت من قبل هود وَمِنْ خَلْفِهِ يعني: ومن بعده.

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: خوفهم أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله، ووحدوه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: أعلم أنكم، إن لم تؤمنوا، يصبكم عذاب يوم كبير قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا يعني: لتصرفنا عن عبادة آلهتنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أن العذاب نازل بنا قالَ هود إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم العذاب عند الله، يجيء بأمر الله، وإنَّما عليَّ تبليغ الرسالة، وليس بيدي إتيان العذاب.

فذلك قوله: وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: ما يوحي الله إليَّ لأدعوكم إلى التوحيد وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ لما قيل لكم، ولما يراد بكم من العذاب.

فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ يعني: لما رأوا العذاب مقبلاً، وكانت السحابة إذا جاءت من قبل ذلك الوادي، أمطروا.

وقال القتبي: العارض: السحاب قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يعني: هذه سحابة، وغيم ممطرنا.

أي: تمطر به حروثنا، لأن المطر كان حبس عنهم.

فقال هود: ليس هذا عارض بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ يعني: الريح والعذاب رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ أي: متلف.

وروى عطاء، عن عائشة قالت: كان رسول الله  ، إذا رأى رياحاً مختلفة تلون وجهه، وتغير وخرج، ودخل وأقبل، وأدبر فذكرت ذلك له فقال: وما يدريك لعله كما قال الله: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ فإذا أمطرت سري عنه ويقول وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف: 57] .

ثم قال تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها يعني: تهلك الريح كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا، أي: بإذنه تعالى فَأَصْبَحُوا أي: فصاروا من العذاب بحال لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ وقد ذكرناه في سورة الأعراف.

قرأ حمزة، وعاصم لا يُرَى بضم الياء، مَسَاكِنُهُمْ بضم النون على معنى فعل، ما لم يسم فاعله، يعني: لا يرى شيء، وقد هلكوا كلهم.

وقرأ الباقون لاَّ تَرى بالتاء على معنى المخاطبة.

ومعناه لا ترى شيئاً أيها المخاطب، لو كنت حاضراً، ما رأيت إلا مساكنهم.

ثم قال: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا نعاقب القوم المشركين عند التكذيب وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ يعني: أعطيناهم الملك والتمكين فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ يعني: مَا لم نمكن لكم، ولم نعطكم يا أهل مكة.

وقال القتبي: إن الخفيفة قد تزاد في الكلام، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت به، يعني: ما رأيت ولا سمعت به، يعني: مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ومعنى الآية وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وقال الزجاج: إنْ هاهنا مكان ما، يعني: فيما مكناكم فيه.

ويقال معناه: ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه.

وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً يعني: جعلنا لهم سمعاً ليسمعوا المواعظ، وأبصاراً لينظروا في الدلائل، وأفئدة ليتفكروا في خلق الله تعالى.

فَما أَغْنى عَنْهُمْ يعني: لم ينفعهم من العذاب سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ لم يسمعوا الهدى، ولم ينظروا في الدلائل، ولم يتفكروا في خلقه إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني: بدلائله وَحاقَ بِهِمْ يعني: نزل بهم من العذاب مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: العذاب الذي كانوا يجحدون به، ويستهزئون.

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعني: أهلكنا قبلكم يا أهل مكة بالعذاب، ما حولكم من القرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أي: بينا لهم الدلائل، والحجج، والعلامات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: يرجعون عن كفرهم، قبل أن يهلكوا.

قوله تعالى: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ يعني: فهلا نصرهم.

يعني: كيف لم يمنعهم من العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً يعني: عبدوا مِن دُونِ الله، مَا يتقربون بها إلى الله آلِهَةً يعني: أصناماً، كما قال في آية أخرى مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3] بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ يعني: الآلهة لم تنفعهم شيئاً.

ويقال: اشتغلوا بأنفسهم.

ويقال: بطلت عنهم.

وَذلِكَ إِفْكُهُمْ يعني: كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يختلفون.

وذكر أبو عبيدة بإسناده، عن عبد الله بن عباس، أنه قرأ أَفَكَهُمْ بنصب الألف والفاء والكاف.

يعني: ذلك الفعل أضلهم، وأهلكهم وصرفهم عن الحق، وقراءة العامة بضده.

وَذَلِكَ إفْكهم يعني: ذلك الفعل، وهو عبادتهم.

وقولهم: وكذبهم ويقال: وَذَلِكَ إفْكُهُمْ اليوم، كما كان إفك من كان قبلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ...

الآية، المعنى: واذكر يومَ يُعْرَضُ، وهذا العرض هو بالمباشرة أَذْهَبْتُمْ أي: يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا و «الطَّيِّبَاتُ» هنا: المَلاَذُّ، وهذه الآية، وإنْ كانت في الكُفَّار، فهي رادعة لأُولي النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمالِ الطَّيِّبَاتِ ومن ذلك قولُ عُمَرَ- رضي اللَّه عنه-: أتَظُنُّونَ أَنَّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَّعَامِ؟

ذلك لُبَابُ البُرِّ بِصِغَارِ المعزى، ولكنِّي رأيتُ اللَّه تعالى نعى على قومٍ أَنَّهم أَذْهَبُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حياتِهِمُ الدنيا، ذكَرَ هذا في كلامِهِ مع الرَّبيع بْنِ زِيَادٍ «١» ، وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوَلِيدِ حينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَقُدِّمَ إليه طعام طَيِّبٌ، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراءِ المسلمينَ الَّذِينَ ماتوا ولم يَشْبَعُوا من خُبْزِ الشَّعِير؟

فقال خالدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فبكى عُمَرُ، وقال: لَئِنْ كَانَ حَظُّنَا في الحُطَامَ، وذَهَبُوا بالجَنَّةِ- فَقَدْ بَانُوا بُوْناً بَعِيداً «٢» ، وقال جابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اشتريت لحماً بدرهم، فرآني عمر، فقال:

أو كلّما اشتهى أَحَدُكم شَيْئاً اشتراه فأكَلَهُ؟!

أما تخشى أنْ تكون من أهل هذه الآية، وتلا:

أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «٣» ت: والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ جِدًّا، فمنها ما رواه أبو داود في سُنَنِهِ، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ أَنَّ رجُلاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رَحَلَ إلى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو بِمَصْرَ، فَقَدِمَ عليه، فقال: أَمَا إنِّي لم آتِكَ زَائِراً/ ولكنْ سَمِعْتُ أَنا وأَنْتَ حَدِيثاً مِنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رَجَوْتُ أَنْ يكونَ عندَكَ منْهُ عِلْمٌ، قال: ما هو؟

قال:

كذا وكذا، قال: فمالي أَرَاكَ شَعْثاً وأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟!

قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان ينهى عن كثيرٍ من الإرفَاهِ «٤» ، قال: فما لي لا أرى عَلَيْكَ حِذَاءً؟

قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يأمرنا أَنْ نَحْتَفِيَ أحياناً، وروى أبو داوُدَ عَنْ أَبي أُمَامَةَ قال: ذكر أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، يوما عنده الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ؟

إِنَّ البذاذة من

الإيمَانِ، إن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» «١» قال أبو داوُدَ: يعني: التَّقَحُّلَ، وفسر أبو عمر بن عبد البَرِّ: «البَذَاذَةَ» بِرَثِّ الْهَيْئَةِ، ذكر ذلك في «التمهيد» ، وكذلك فَسَّرَهَا غيره، انتهى، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ خَرَجَ في أَصْحَابِهِ إلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُم!

ثُمَّ أَقْبَلَ على أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاَءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إخْوانُنَا، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، وَأَتَوا على آجَالِهِمْ فَمَضَوْا فِيهَا وَبَقِينَا في آجالِنَا، فَمَا يَجْعَلُهُمْ خَيْراً مِنَّا؟!

قال: هَؤُلاَءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَخَرَجُوا وَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي؟

قال: فَلَمَّا سَمِعَهَا الْقَوْمُ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُوا بِهَا، وَقَالُوا: إنَّا لَمُحاسَبُونَ بِمَا/ أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا، وَإنهُ لَمُنْتَقَصٌ بِهِ مِنْ أُجُورِنَا» «٢» انتهى،، ومنها حديثُ ثَوْبَانَ في «سنن أَبي دَاوُدَ» : قال ثَوْبَانُ: كانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِإنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ، وَقَدْ عَلَّقَتْ مِسْحاً أوْ سِتْراً على بَابِهَا، وَحَلَّتِ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّما مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رأى فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ القُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُمَا عَنْهُمَا، فانطلقا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُمَا، وَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اذهب بِهِمَا إلَى آلِ فُلاَنٍ إنَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حَيَاتِهُمْ الدُّنْيَا، يَا ثَوْبَانُ، اشتر لِفَاطِمَةَ قَلاَدَةً مِنْ عَصْبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» انتهى «٣» ، - ص-: قرأ الجمهور: «أَذْهَبْتُمْ» على الخبر، أي: فيقال لهم: أذهبتم طَيِّبَاتكم، وابن كثير بهمزة بعدها مَدَّة مُطَوَّلَةً، وابن عامر بهمزتين حقّقها ابن ذَكْوَانَ، ولَيَّنَ الثانيةَ هشامٌ وابن كثير في روايةٍ «٤» ، والاستفهامُ هنا على معنى التوبيخ والتقريرِ، فهو خبر في المعنى، ولهذا حَسُنَتِ الفاء في قوله: فَالْيَوْمَ، ولو كان استفهاما محضا لما دخلت الفاء، انتهى، وعَذابَ الْهُونِ هو الذي اقترن به هوانٌ، فالهُونُ والهوان بمعنى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ ﴾ يَعْنِي هُودًا ﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ قالَ الخَلِيلُ: الأحْقافُ: الرِّمالُ العِظامُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُ الأحْقافِ: حِقْفٌ، وهو مِنَ الرَّمْلِ: ما أشْرَفَ مِن كُثْبانِهِ واسْتَطالَ وانْحَنى.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ما اسْتَطالَ مِنَ الرَّمْلِ ولَمْ يَبْلُغْ أنْ يَكُونَ جَبَلًا.

واخْتَلَفُوا في المَكانِ الَّذِي سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ وادٍ، ذَكَرَهُ عَطِيَّةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضٌ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا يَنْزِلُونَ ما بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، واليَمَنَ كُلَّهُ.

والثّالِثُ: أنَّ الأحْقافَ: رِمالٌ مُشْرِفَةٌ عَلى البَحْرِ بِأرْضٍ يُقالُ لَها: الشِّحْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ﴾ أيْ: قَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِ هُودٍ ومِن بَعْدِهِ بِإنْذارِ أُمَمِها ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ ؛ والمَعْنى: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ قَبْلَ هُودٍ ولا بَعْدَهُ إلّا بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ.

وهَذا كَلامٌ اعْتُرِضَ بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وكَلامِهِ لِقَوْمِهِ.

ثُمَّ عادَ إلى كَلامِ هُودٍ فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَأْفِكَنا ﴾ أيْ: لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا بِالإفْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: هو يَعْلَمُ مَتى يَأْتِيكُمُ العَذابُ.

﴿ فَلَمّا رَأوْهُ ﴾ يَعْنِي ما يُوعَدُونَ في قَوْلِهِ: "بِما تَعِدُنا" ﴿ عارِضًا ﴾ أيْ: سَحابٌ يَعْرِضُ مِن ناحِيَةِ السَّماءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العارِضُ: السَّحابُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المَطَرُ قَدْ حُبِسَ عَنْ عادٍ، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَلَمّا رَأوْها فَرِحُوا و ﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ، فَنَشَأتِ الرِّيحُ مِن تِلْكَ السَّحابَةِ، ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأمْوالِ.

قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَقَدْ كانَتِ الرِّيحُ تَحْتَمِلُ الظَّعِينَةَ فَتَرْفَعُها حَتّى تُرى كَأنَّها جَرادَةٌ، ﴿ فَأصْبَحُوا ﴾ يَعْنِي عادًا ﴿ لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "لا يُرى" بِرَفْعِ الياءِ "إلّا مَساكِنُهُمْ" بِرَفْعِ النُّونِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرِيُّ: "لا تُرى" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "لا تَرى" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ.

"إلّا مَسْكَنَهُمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.

وهَذا لِأنَّ السُّكّانَ هَلَكُوا، فَقِيلَ: أصْبَحُوا وقَدْ غَطَّتْهُمُ الرِّيحُ بِالرَّمْلِ فَلا يُرَوْنَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.

والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟

ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟

فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟

أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.

وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و ﴿ "خَلَتِ": ﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا" ﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جواب عن قوله: ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله ﴾ [الأحقاف: 21]، ولذلك جاء فعل ﴿ قالوا ﴾ مفصولاً على طريق المحاورة.

والاستفهام إنكار.

والمجيء مستعار للقصد بطلب أمر عظيم، شبه طروّ الدعوة بعد أن لم يكن يدعو بها بمجيء جاء لم يكن في ذلك المكان.

والأفك بفتح الهمزة: الصرَّف، وأرادوا به معنى الترك، أي لنترك عبادة آلهتنا.

وهذا الإنكار تعريض بالتكذيب فلذلك فرع عليه ﴿ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ﴾ فصرحوا بتكذيبه بطريق المفهوم.

والمعنى: ائتنا بالعذاب الذي تَعِدنا به، أي عذاب اليوم العظيم، وإنما صرَفوا مراد هود بالعذاب إلى خصوص عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث وبهذا يؤذن قوله بعده ﴿ فلما رأوه عارضاً ﴾ [الأحقاف: 24] وقوله: ﴿ بل هو ما استعجلتم به ﴾ [الأحقاف: 24].

وأرادوا: ائتنا به الآن لأن المقام مقام تكذيب بأن عبادة آلهتهم تجر لهم العذاب.

و ﴿ من الصادقين ﴾ أبلغ في الوصف بالصدق من أن يقال: إن كنت صادقاً، كما تقرر في قوله تعالى: ﴿ وكان من الكافرين ﴾ في سورة البقرة (34)، أي إن كنت في قولك هذا من الذين صدَقوا، أي فإن لم تأت به فما أنت بصادق فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ وهو هُودٌ بُعِثَ إلى عادٍ، وكانَ أخاهم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ لِأنَّهُ مُناسِبٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ أخا أحَدٍ مِنهم.

﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ وهي جَمْعُ حِقْفٍ، وهو ما اسْتَطالَ واعْوَجَّ مِنَ الرَّمْلِ العَظِيمِ، ولا يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ جَبَلًا.

وَمِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ باتَ إلى أرْطاةَ حِقْفٌ أحْقَفا ٦ أيْ رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُشْرِقٌ.

وَفِيما أُرِيدَ بِالأحْقافِ هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأحْقافَ رِمالٌ مُشْرِقَةٌ كالجِبالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وشاهِدُهُ ما تَقَدَّمَ، وقالَ هي رِمالٌ مُشْرِقَةٌ عَلى البَحْرِ بِالسَّحَرِ في اليَمَنِ.

الثّانِي: أنَّ الأحْقافَ أرْضٌ مِن حَسْمِي تُسَمّى الأحْقافَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ يُسَمّى الأحْقافَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: هو ما بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الخامِسُ: هو وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرَوى أبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: خَيْرُ وادٍ بَيْنَ في النّاسِ وادٍ بِمَكَّةَ، ووادٍ نَزَلَ بِهِ آدَمُ بِأرْضِ الهِنْدِ، وشَرُّ وادِيَيْنِ في النّاسِ وادِي الأحْقافِ، ووادٍ بِحَضْرَمَوْتِ يُدْعى بَرْهُوتَ تُلْقى فِيهِ أرْواحُ الكُفّارِ، وخَيْرُ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ زَمْزَمَ، وشَرُّ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ بَرْهُوتَ وهي ذَلِكَ الوادِي حَضْرَمَوْتُ.

﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ قَدْ بُعِثَ الرُّسُلُ مِن قَبْلِ هُودٍ ومِن بَعْدِهِ، قالَ الفَرّاءُ، مِن بَيْنِ يَدَيْهِ مِن قَبْلِهِ، ومِن خَلْفِهِ مِن بَعْدِهِ وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتُزِيلَنا عَنْ عِبادَتِها بِالإفْكِ.

الثّانِي: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا بِالمَنعِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ ﴾ يَعْنِي السَّحابَ.

وَأنْشَدَ الأخْفَشُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ وإذا نَظَرْتَ إلى أسِرَّةِ وجْهِهِ ∗∗∗ بَرِقَتْ كَبَرْقِ العارِضِ المِنهالِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ عارِضًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهُ أخَذَ في عَرْضِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَمْلَأُ آفاقَ السَّماءِ، قالَ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ مارٌّ مِنَ السَّماءِ.

والعارِضُ هو المارُّ الَّذِي لا يَلْبَثُ وهَذا أشْبَهُ.

﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ حَسِبُوهُ سَحابًا يُمْطِرُهُمْ، وكانَ المَطَرُ قَدْ أبْطَأ عَلَيْهِمْ.

﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ كانُوا حِينَ أوْعَدَهم هُودٌ اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِهْزاءً مِنهم بِوَعِيدِهِ، فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ بَعْدَ طُولِ الجَدْبِ أكْذَبُوا هُودًا وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا.

ذُكِرَ أنَّ القائِلَ ذَلِكَ مِن قَوْمِ عادٍ، بَكْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ.

فَلَمّا نَظَرَ هُودٌ إلى السَّحابِ قالَ: بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أيِ الَّذِي طَلَبْتُمْ تَعْجِيلَهُ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ وهي الدَّبُّورُ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» فَنَظَرَ بَكْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ إلى السَّحابِ فَقالَ: إنِّي لَأرى سَحابًا مَرْمَدًا، لا يَدَعُ مِن عادٍ أحَدًا.

فَذَكَرَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أنَّها كانَتْ تَأْتِيهِمْ بِالرَّجُلِ الغائِبِ حَتّى تَقْذِفُهُ في نادِيهِمْ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: واعْتَزَلَ هُودٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَظِيرَةٍ ما يُصِيبُهُ هو ومَن مَعَهُ فِيها إلّا ما يَلِينُ عَلى الجُلُودِ وتَلْتَذُّ الأنْفُسُ بِهِ، وإنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظَّعْنِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ شاعِرَهم قالَ في ذَلِكَ فَدَعا هُودٌ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دَعْوَةً أضْحَوْا هُمُودًا ∗∗∗ عَصَفَتْ رِيحٌ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ تَرَكَتْ عادًا خَمُودًا ∗∗∗ سُخِّرَتْ سَبْعَ لَيالٍ ∗∗∗ لَمْ تَدَعْ في الأرْضِ عُودًا وَعَمَّرَ هُودٌ في قَوْمِهِ بَعْدَهم مِائَةً وخَمْسِينَ سَنَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحمنا الله وأخا عاد» وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: خير واديين في الناس وادي مكة ووادي أرم بأرض الهند، وشرّ واديين في الناس وادي الأحقاف وواد بحضرموت يدعى برهوت يلقى فيه أرواح الكفار، وخير بئر في الناس زمزم، وشر بئر في الناس برهوت، وهي في ذاك الوادي الذي بحضرموت.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأحقاف جبل بالشام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الأحقاف جبل بالشام يسمى الأحقاف.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأحقاف الأرض.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأحقاف جساق من جسمي.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن عاداً كانوا أحياء باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله بالأحقاف قال: تلال من أرض اليمن.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله ﴾ قال: لم يبعث الله رسولاً ألا بأن يعبد الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتأفكنا ﴾ قال لتزيلنا، وقرأ ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ﴾ قال: يضلنا ويزيلنا ويأفكنا واحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهذا معنى قول مقاتل، فقالوا لهود: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لتصدنا عن عبادة آلهتنا (١) وقال أبو إسحاق: لتصرفنا عنها بالإفك (٢) (٣) ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ إن العذاب نازل بنا، قال هود: (١) انظر: "الطبري" 13/ 2/ 24، و"القرطبي" 16/ 205، و"تفسير مقاتل" 4/ 23.

(٢) أفَكَ يأفِكُ وأفِكَ يَأفَكْ إذا كذب، والإفْكُ: الإثم، والإفك: الكذب.

انظر: "تهذيب اللغة" (أفك) 10/ 396.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واذكر أَخَا عَادٍ ﴾ يعني هوداً عليه السلام ﴿ بالأحقاف ﴾ جمع حقف وهو الكدس من الرمل، واختلف أين كانت فقيل بالشام، وقيل: بين عُمان ومُهْرة وقيل: بين عُمان وحَضْرَموت، والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النذر ﴾ أي تقدمت من قبله ومن بعده، والنذر جمع نذير، فإن قيل: كيف يتصور تقدمها من بعده؟

فالجواب أن هذه الجملة اعتراض، وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلاً متقدمين قبل هود وبعده، وقيل: معنى من خلفه في زمانه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.

﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.

﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.

هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .

﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه  أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.

والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.

وقيل: بين عمان ومهرة.

والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.

الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.

ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.

والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.

والتدمير الإهلاك والاستئصال.

وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.

ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.

وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.

وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.

وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.

قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.

ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.

فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.

والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.

قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.

وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.

وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.

فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي  بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.

فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.

وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه  حتى أوحى الله إليه.

والقول الثاني "أنه  أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟

فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله  شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.

قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي  ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.

فلما رجع رسول الله  سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله  : أمعك ماء؟

قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.

فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.

وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.

وقيل: اثني عشر ألفاً.

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.

والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي  أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي  من القراءة.

وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله  إلى قومهم، ومنه يعلم أنه  كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.

وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.

و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".

واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.

والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.

قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.

قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.

قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟

والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله  في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم"  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: اذكر نبأ أخي عاد، وهو هود -  - بما عامله قومه من سوء المعاملة، وما قاسى هو منهم؛ لتتسلى بذلك [عن] بعض ما عامل به قومك معك، والله أعلم.

والثاني: واذكر نبأ عاد بما نزل بهم من العذاب والاستئصال بتكذيبهم الرسل، والاستكبار عليهم، والاستهزاء بهم؛ لتحذر به قومك في تكذيبك والاستهزاء بك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ ﴾ أي: خوف قومه بالأحقاف.

وقد اختلف في تأويل الأحقاف: [قال بعضهم]: هو اسم أرض خوفهم بنزول العذاب هنالك.

وقال بعضهم: هي جبال من رمل مستطيلة مرتفعة.

وقال القتبي: الأحقاف: واحدة: حقف، وهو الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى.

وقال أبو عوسجة: الأحقاف: رمل بشحر عمان، وهي منازل عاد فيما زعموا وشحر تلاوة.

وقيل: الحقف: تل معوج.

وقال بعضهم: الأحقاف: الجبل حين نضب الماء زمان الغرف كان ينضب عن المكان من الجبل ويبقى أثره، وينضب من مكان أسفل من ذلك ويبقى أثره دون ذلك؛ فذلك الأحقاف.

وقيل - أيضاً -: الأحقاف: جبل بالشام.

وقيل: هو المكان الذي كان منازل عاد ومقامهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: خلت الرسل من قبل هود [و]من بعده، عليه الصلاة والسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ كأن الخطاب بهذا وقع للكل؛ يقول: ثم الرسل - عليهم السلام - ينذرون قومهم بأنواع العذاب عند تكذيبهم إياهم، ولم يزل الرسل - عليهم السلام - من قبل ومن بعد، دعوا الناس إلى عبادة الله -  - ونهوهم عن عبادة غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ حقيقة الخوف؛ لما لم ييئس من إيمانهم واتباعهم إياه؛ لذلك لم يقطع فيهم القول بنزول العذاب بهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون الخوف هو العلم حقيقة؛ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم إن ختمتم على ما أنتم عليه، وقد يذكر الخوف في موضع العلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ أي: قالوا لهود -  -: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

وقال بعضهم: لتردّنا عن عبادة آلهتنا.

وقال بعضهم: لتكذبنا في آلهتنا، والإفك: الكذب؛ وكله واحد.

وأصل الإفك: الصرف؛ كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ كانوا يقولون ذلك استهزاء به منهم، ولم يزل الكفرة يسألون ويستعجلون العذاب الذي كاوا يوعدون استهزاء منهم وتكذيباً بما يوعدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

أجابهم هود -  - أن العلم بنزول العذاب ووقته عند الله، وأبلغكم ما أرسلت به من الدعاء إلى توحيد الله -  - والنهي عن عبادة غيره.

أو يقول: أبلغكم ما أمرت من التبليغ بنزول العذاب بكم، ولست أبلغكم أنه متى ينزل بكم؟

لما لم أومر به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ دين الله، أو تجهلون آيات الله وقبولها، أو تجهلون نعم الله وإحسانه، أو تجهلون أمر الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ .

قال بعضهم: العارض: السحاب، فقالوا: هذا سحاب ممطرنا، وكان حقيقة العارض الريح التي فيها عذاب أليم ظنوا أنها سحاب، ولم تكن سحاباً، ولكن كانت ريحاً، لكن من ذلك الجانب كان يأتيهم السحاب الممطر؛ [لذلك] ﴿ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ ﴾ كأن هوداً -  - قال لهم: ليس هو بعارض ممطر، ولكن هو ما استعجلتم به من العذاب حيث: قلتم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ هو ريح فيها عذاب أليم.

ثم وصف تلك الريح فقال كما أخبر الله -  - بقوله - عز وجل -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ يخرج قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: تدمر كل شيء أرسلت وأمرت بتدميره، لا تجاوز أمر ربها، ولا تدمر ما لم ترسل ولم تؤمر بتدميره؛ كقوله -  -: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ  ﴾ هذه الآية تفسر قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أتت عليه وأمرت بتدميره، فأما ما لم تؤمر بتدميره فلا؛ على ما ذكر في تلك الآية، والله أعلم.

والثاني: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: عند من عاينها وتأمّلها عنده أنها تدمر كل شيء، لا تبقي شيئاً على وجه الأرض؛ لشدتها وقوتها، لكنها لا تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنها لا تدمر هوداً وأتباعه، وهم فيهم وبقرب منهم، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ أي: يأتيه أسباب الموت وما به يموت لو كان فيه أمر الموت، فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: تدمر كل شيء عند من عاينها ونظر في أحوالها وأهوالها أن لو كان لها أمر بذلك، لكنها لم تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ في ظاهر هذه الآية أنها قد أبقت مساكنهم ولم تدمرها، وكذلك قال في آية أخرى: ﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ  ﴾ قال بعضهم: إنهم لما التجئوا إلى مساكنهم وهربوا منها كانت تدخل الريح مساكنهم وتخرجهم منها فتلقيهم في صحاريهم وأفنيتهم موتى.

وقال بعضهم: تنزع مفاصلهم، وتقطعها، ثم تلقيهم في أفنيتهم؛ على ما وصف، وشبههم بأعجاز نخل منقعر، فالريح التي تعمل في إخراج أهلها من مساكنهم وإبقائهم في الفيافي، لأن تعمل في هدم المساكن والمنازل أولى، وكذلك إذا عملت في نزع المفاصل وقطعها ففي نقض البنيان والمساكن أولى، ومع ذلك لم تعمل في هدم مساكنهم؛ فدل ما ذكرنا أنها لم تجاوز أمر ربها في الإهلاك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل: ﴿ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: أي: لم تترك الريح من عاد ومما لهم إلا مساكنهم التي ذكر.

والثاني: ﴿ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ إلا آثار مساكنهم.

فعلى أحد التأويلين تركت لهم المساكن، لم تهلكها، وعلى التأويل الآخر: تركت آثار مساكنهم، فأما نفس مساكنهم فقد أهلكتها.

وهذان التأويلان خرجا على ما ذكرنا من التأويلين في قوله -  -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، فالأول على التأويل [الأول] في قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أرسلت وأمرت بتدميره، ولم تؤمر بتدمير مساكنهم، فبقيت، والتأويل الثاني على التأويل الثاني في قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عند من عاينها ونظر إليها؛ لشدتها وقوتها، فتدمر مساكنهم - أيضاً - فلا ترى إلا آثارها، لكن سماها: مساكن باسم ما قد كان، وأنه أمر مستعمل في عرف لسان اللغة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ كأن المجرم هو الذي يديم اكتساب الجرم والإثم.

وقال بعضهم: هو الوثاب في الجرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ...

﴾ الآية، [اختلف] فيه: قال بعضهم: ﴿ إِن ﴾ هاهنا في موضع "لم" كأنه يقول: ولقد مكناهم فيما لم نمكن لكم من القوة، والشدة، والعقل، والبصيرة، وغير ذلك، وذلك قوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ أي: قد مكنا عاداً فيما ذكرنا ما لم نمكن لكم يأهل مكة في ذلك؛ ثم إذا أتاهم عذاب الله بتكذيبهم الرسل لم يملكوا دفع عذابه، فأنتم حيث لم نمكن لكم ذلك أحرى ألا تملكوا دفع عذابه إذا نزل بكم بتكذيبكم الرسول، عليه الصلاة والسلام.

قال بعضهم: إن حرف ﴿ إِن ﴾ صلة زائدة؛ فيكون تقدير الآية كأن يقول: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد، ثم لم يملكوا دفع العذاب عن أنفسهم، فأنتم لا تملكون - أيضاً - دفعه عن أنفسكم، وكان لهم ما لكم مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ على التأويل الأول؛ حيث ذكرنا أنهم مكنوا ما لم يمكن هؤلاء، يكون ما ذكر من السمع والبصر والفؤاد لا يراد به أعيانها حقيقة، لكن السمع يكون كناية عن العقل؛ كقوله -  -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ ذكر السمع، ثم فسر به العقل، ويكون قوله: ﴿ وَأَبْصَاراً ﴾ أريد به: البصائر، فالبصر يذكر ويراد به البصيرة؛ إذ قد وصفهم الله -  - بذلك بقوله: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَاْ...

 ﴾ إلى قوله ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ  ﴾ ويكون قوله: ﴿ وَأَفْئِدَةً ﴾ كناية عن القوى؛ فالفؤاد يكنى به عن القوة؛ يخبر -  - أنهم مكنوا من العقل والبصيرة والقوة ما لم تمكنوا أنتم يأهل مكة، ثم لم يقدروا على دفع عذاب الله إذا نزل بهم، فأنتم كيف تملكون دفعه، وليس لكم تلك الأسباب؟!

وعلى التأويل الثاني: كأن المراد هو حقيقة ما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد؛ فيكون معناه ما ذكرنا: أن لكم هذه الأسباب مثل ما لهم، ثم هم لم يقدروا على دفع ما حل بهم من العذاب، فأنتم لم تقدروا أيضاً بها، والله أعلم.

ثم بين الله -  وتعالى - الذي بهم نزل ما نزل من العذاب؛ حيث قال: ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وكان استهزاؤهم مرة بما يوعد لهم الرسل - عليهم السلام - بالعذاب، ومرة كانوا يستهزئون بالرسل - عليهم السلام - لما يدعوهم إلى ما دعوا، والله أعلم.

ثم عذب عاداً بالريح التي وصفها الله -  - في سورة الحاقة، وذكر فيها؛ حيث قال: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ آية [الحاقة: 6] أي: شديدة عادية ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً...

﴾ الآية [الحاقة: 7]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ خلق الله -  - البشر على طبع وبنية وحال يحذرون ما ينزل بأشكالهم وأمثالهم بذنوب ارتكبوها، ويتعظون بغيرهم؛ فكأنه يقول: احذروا صنع الذين أهلكوا من حولكم وبقربكم؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولكم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل وعنادهم واستهزائهم بهم؛ يحذرهم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولهم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ، قوله: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: جعلنا للرسل - عليهم السلام - آيات أقاموها على قومهم ما يعلمهم ذلك، ويخبرهم على صدقهم، فردّوها وكذبوهم بها، فعند ذلك أهلكناهم، فعلى ذلك جعلنا لمحمد  من الآيات ما تعلمكم يأهل مكة وتخبركم عن صدقه، وتدلكم على رسالته، فلا تردوها حتى لا ينزل بكم ما نزل بهم، والله أعلم.

والثاني: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ أي: نشرنا في الآفاق والأطراف النائية ما حل بأولئك ونزل بهم بتكذيب الرسل، وما كان منهم من العناد والرد ما يلزم من بلغه ذلك الخبر، واتصل به ما نزل بأولئك الرجوع عن مثل صنيعهم، ومثل معاملتهم.

فأحد التأويلين يرجع إلى انتشار ما نزل بأولئك في الآفاق؛ ليرجعوا عن ذلك؛ فيصير ذلك آية لهم؛ فيحملهم على الرجوع عن صنيع أولئك؛ ليرجعوا عن ذلك.

والثاني: إخبار أنه جعل لكل رسول ونبي آية على صدقه، ودلالة على رسالته؛ أي: لم يهلكهم إلا بعد لزومهم التصديق لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الله -  - والآخر: يرجع إلى الأصنام التي عبدوها واتخذوها آلهة: فأما الذي يرجع إلى الله  يقول: لولا نصرهم الله؛ أي: هلا نصرهم الله عند نزول العذاب بهم ولا يهلكهم لو كان عبادتهم الأصنام مما تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون شفعاء عنده، يقول - والله أعلم -: لو كان ظنكم حقّاً أن ذلك مما يقربكم إلى الله هلا نصركم الله عند نزول ذلك بكم، فإذا لم ينصر الله -  - أولئك بل أهلكهم فاعلموا أنه ليس الأمر كما توهمتم وظننتم، والله أعلم.

والثاني: يقول - والله أعلم -: لو كان للأصنام التي تعبدونها شفاعة عند الله -  - على ما زعمتم هلا نصروا أولئك ودفعوا الهلاك عنهم بشفاعتهم، وإذ لم يفعلوا ذلك، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم، فعلى ذلك لا يملكون دفع ذلك عنكم إذا نزل بكم [ما نزل] بأولئك، والله أعلم.

وتفسير ﴿ فَلَوْلاَ ﴾ هاهنا: هلا، وهلا تستعمل في الماضي؛ فيكون معناه: لم تفعل؛ أي: لم تنصرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ ﴾ أي: ظل هؤلاء عنها.

أو ضل الأصنام عنهم، فلم يكن لهم منهم ما طمعوا ورجوا بسبب عبادتهم إياها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يحتمل أن يكون إفكهم وافتراؤهم هو قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال له قومه: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟!

لن يكون لك ذلك، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقًا فيما تدّعيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.azD6G"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله