الآية ٢٤ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٢٤ من سورة الأحقاف

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ) أي : لما رأوا العذاب مستقبلهم ، اعتقدوا أنه عارض ممطر ، ففرحوا واستبشروا به ، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر ، قال الله تعالى : ( بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ) أي : هو العذاب الذي قلتم : ( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) يقول تعالى ذكره: فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه, فرأوه سحابا عارضا في ناحية من نواحي السماء ( مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ) والعرب تسمي السحاب الذي يُرَى في بعض أقطار السماء عشيا, ثم يصبح من الغد قد استوى, وحبا بعضه إلى بعض عارضا, وذلك لعرضه في بعض أرجاء السماء حين نشأ, كما قال الأعشى: يـا مـن يَـرَى عارضا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ كأنَّمَـا الْـبَرْقُ فـي حافاتِـهِ الشُّـعَلُ (3) ( قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) ظنا منهم برؤيتهم إياه أن غيثا قد أتاهم يَحيون به, فقالوا: هذا الذي كان هودٌ يعدنا, وهو الغيث.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ )...

الآية, وذُكر لنا أنهم حبس عنهم المطر زمانا, فلما رأوا العذاب مقبلا( قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) .

وذُكر لنا أنهم قالوا: كذب هود كذب هود; فلما خرج نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الله فشامه, قال: ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ساق الله السحابة السوداء التي اختار قَيْلُ ابن عنـز بما فيها من النقمة إلى عاد, حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له المغيث, فلما رأوها استبشروا( قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) : يقول الله عزّ وجلّ: ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .

وقوله ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هود لقومه لما قالوا له عند رؤيتهم عارض العذاب, قد عرض لهم في السماء هذا عارض ممطرنا نحيا به, ما هو بعارض غيث, ولكنه عارض عذاب لكم, بل هو ما استعجلتم به: أي هو العذاب الذي استعجلتم به, فقلتم: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) والريح مكرّرة على ما في قوله ( هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ) كأنه قيل: بل هو ريح فيها عذاب أليم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون, قال: كان هود جلدا في قومه, وإنه كان قاعدا في قومه, فجاء سحاب مكفهرّ,( قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) فَقَالَ : ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) قال: فجاءت ريح فجعلت تلقي الفسطاط, وتجيء بالرجل الغائب فتلقيه.

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن جدّه, قال: قال سليمان, ثنا أبو إسحاق, عن عمرو بن ميمون, قال: لقد كانت الريح تحمل الظعينة فترفعها حتى تُرى كأنها جرادة.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ )...

إلى آخر الآية, قال: هي الريح إذا أثارت سحابا,( قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) , فقال نبيهم: بل ريح فيها عذاب أليم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فلما رأوه عارضا قال المبرد : الضمير في رأوه يعود إلى غير مذكور ، وبينه قوله : عارضا فالضمير يعود إلى السحاب ، أي : فلما رأوا السحاب عارضا .

فعارضا نصب على التكرير ، سمي بذلك لأنه يبدو في عرض السماء .

وقيل : نصب على الحال .

وقيل : يرجع الضمير إلى قوله : فأتنا بما تعدنا فلما رأوه حسبوه سحابا يمطرهم ، وكان المطر قد أبطأ عنهم ، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا .

وكان قد جاءهم من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثا ، قاله ابن عباس وغيره .

قال الجوهري : والعارض السحاب يعترض في الأفق ، ومنه قوله تعالى : هذا عارض ممطرنا [ ص: 191 ] أي : ممطر لنا ; لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفة لعارض وهو نكرة .

والعرب إنما تفعل مثل هذا في الأسماء المشتقة من الأفعال دون غيرها .

قال جرير :يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرماناولا يجوز أن يقال : هذا رجل غلامنا .

وقال أعرابي بعد الفطر : رب صائمة لن تصومه ، وقائمة لن تقومه ، فجعله نعتا للنكرة وأضافه إلى المعرفة .قلت : قوله : ( لا يجوز أن يكون صفة لعارض ) خلاف قول النحويين ، والإضافة في تقدير الانفصال ، فهي إضافة لفظية لا حقيقية ; لأنها لم تفد الأول تعريفا ، بل الاسم نكرة على حاله ، فلذلك جرى نعتا على النكرة .

هذا قول النحويين في الآية والبيت .

ونعت النكرة نكرة .

و ( رب ) لا تدخل إلا على النكرة .بل هو أي قال هود لهم .

والدليل عليه قراءة من قرأ ( قال هود بل هو ) وقرئ ( قل بل ما استعجلتم به هي ريح ) أي : قال الله : قل بل هو ما استعجلتم به ، ويعني قولهم : فأتنا بما تعدنا ريح فيها عذاب أليم والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه ، وخرج هود من بين أظهرهم ، فجعلت تحمل الفساطيط وتحمل الظعينة فترفعها كأنها جرادة ، ثم تضرب بها الصخور .

قال ابن عباس : أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم ، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش ، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم ، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال ، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، ولهم أنين ، ثم أمر الله الريح فكشف عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر ، فهي التي قال الله تعالى فيها : تدمر كل شيء بأمر ربها أي : كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها .

قال ابن عباس : أي : كل شيء بعثت إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي: العذاب { عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } أي: معترضا كالسحاب قد أقبل على أوديتهم التي تسيل فتسقي نوابتهم ويشربون من آبارها وغدرانها.{ قَالُوا } مستبشرين: { هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } أي: هذا السحاب سيمطرنا.قال تعالى: { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ } أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم حيث قلتم: { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } { رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما رأوه ) يعني ما يوعدون به من العذاب ( عارضا ) سحابا يعرض أي يبدو في ناحية من السماء ثم يطبق السماء ( مستقبل أوديتهم ) فخرجت عليهم سحابة سوداء من واد لهم يقال له : " المغيث " وكانوا قد حبس عنهم المطر ، فلما رأوها استبشروا ( قالوا هذا عارض ممطرنا ) يقول الله تعالى : ( بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ) فجعلت الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما رأوه» أي ما هو العذاب «عارضا» سحابا عرض في أفق السماء «مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا» أي ممطر إيانا، قال تعالى: «بل هو ما استعجلتم به» من العذاب «ريح» بدل من ما «فيها عذاب أليم» مؤلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما رأوا العذاب الذي استعجلوه عارضًا في السماء متجهًا إلى أوديتهم قالوا: هذا سحاب ممطر لنا، فقال لهم هود عليه السلام: ليس هو بعارض غيث ورحمة كما ظننتم، بل هو عارض العذاب الذي استعجلتموه، فهو ريح فيها عذاب مؤلم موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يجمل السياق بعد ذلك ما كان بين هود وقومه من جدال طويل ، ليصل إلى العذاب الذى استعجلوه فيقول : ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ) والفاء فى قوله ( فَلَمَّا رَأَوْهُ .

.

.

) فصيحة .والضمير فى قوله ( رَأَوْهُ ) يعود إلى ( مَّا ) فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ) والمراد به العذاب .قال الشوكانى : الضمير فى " رأوه " يرجع إلى " ما " فى قوله ( بِمَا تَعِدُنَآ ) .

وقال المبرد والزجاج : الضمير فى " رأوه " يعود إلى غير مذكور ، وبينه قوله ( عَارِضاً ) ، فالضمير يعود إلى السحاب .

أى : فلما رأوا السحاب عارضا ، فعارضا نصب على التكرير ، أى : التفسير .

وسمى الحساب عارضا لأنه يبدو فى عرض السماء .

قال الجوهرى : العارض : السحاب يعترض فى الأفق .والمعنى : وأتى العذاب الذى استعجله قوم هود إليهم ، فلما رأوه بأعينهم ، متمثلا فى سحاب يظهر فى أفق السماء ، ومتجها نحو أوديتهم ومساكنهم .( قَالُواْ ) وهم يجهلون أنه العذاب الذى استعجلوه ( هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ) أى : هذا سحاب ننتظر من ورائه المطر الذى ينفعنا .

.قيل : إنها حبس عنهم المطر لفترة طويلة ، فلما رأوا السحاب فى أفق السماء ، استبشروا وفرحوا وقالوا : ( هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ) .وهنا جاءهم الرد على لسان هود بأمر ربه ، فقال لهم : ( بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .أى : قال لهم هود - عليه السلام - ليس الأمر كما توقعتم من أن هذا العارض سحاب تنزل منه الأمطار عليكم ، بل الحق أن هذا العارض هو العذاب الذى استعجلتم نزوله ، وهو يتمثل فى ريح عظيمة تحمل العذاب المهلك الأليم لكم .فقوله : ( رِيحٌ ) يصح أن يكون بدلا من " ما " أو من " هو " فى قوله ( بَلْ هُوَ مَا استعجلتم ) كما يصح أن يكون خبر المبتدأ محذوف ، وجملة ( فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) صفة لقوله : ( رِيحٌ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبوّة، وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إليها، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِي حياتكم الدنيا ﴾ فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوة وجاهاً منهم، ثم إن الله تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة هاهنا ليعتبر بها أهل مكة، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع، وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال، وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا، وقوله تعالى: ﴿ واذكر أَخَا عَادٍ ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هوداً عليه السلام ﴿ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ ﴾ أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله: ﴿ بالأحقاف ﴾ قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ من قبله ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ من بعده والمعنى أن هوداً عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب.

واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.

ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ الإفك الصرف، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب ﴿ عَنْ ءالِهَتِنَا ﴾ وعن عبادتها ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ معاجلة العذاب على الشرك ﴿ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ في وعدك، فعند هذا قال هود ﴿ إِنَّمَا العلم عِندَ الله ﴾ وإنما صلح هذا الكلام جواباً لقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ لأن قولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، إنما علم ذلك عند الله تعالى ﴿ وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ وهو التحذير عن العذاب، وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ ﴿ ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ وهذا يحتمل وجوهاً الأول: المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني: أراكم قوماً تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث: ﴿ إِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً، ولكن لم يظهر أيضاً لكم كوني كاذباً فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما: أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله: ﴿ عَارِضاً ﴾ كما قال: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ  ﴾ ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى ما في قوله: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق، وقوله: ﴿ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ استبشروا و ﴿ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ والمعنى ممطر إيانا، قيل كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا: ﴿ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ فقال: ﴿ بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ﴾ من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال: ﴿ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

ثم وصف تلك الريح فقال: ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيء ﴾ أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات ﴿ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم ﴿ فَأَصْبَحُواْ ﴾ يعني عاداً ﴿ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم، وأحال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، وروي أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحاً لينة هادئة طيبة، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم».

ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به».

المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة ﴿ لاَ يرى ﴾ بالياء وضمها ﴿ مساكنهم ﴾ بضم النون، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ﴿ لاَّ ترى ﴾ على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب، وفي بعض الروايات عن عاصم ﴿ لاَّ ترى ﴾ بالتاء ﴿ مساكنهم ﴾ بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم.

وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية.

ثم قال تعالى: ﴿ كذلك نَجْزِي القوم المجرمين ﴾ والمقصود منه تخويف كفار مكة، فإن قيل لما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ فكيف يبقى التخويف حاصلاً؟

قلنا: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلاً قبل نزوله.

ثم إنه تعالى خوف كفار مكة، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ ﴾ قال المبرّد ما في قوله: ﴿ فِيمَا ﴾ بمنزلة الذي.

و ﴿ إن ﴾ بمنزلة ما والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالاً، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة.

والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وهذا غلط لوجوه: الأول: أن الحكم بأن حرفاً من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني: أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث: أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى، قال تعالى: ﴿ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا  ﴾ وقال: ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً ﴾ والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئاً.

ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وقوله: ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ﴾ بمنزلة التعليل، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول: ضربته إذ أساء، والمعنى ضربته لأنه أساء، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ في الضمير وجهان: أن يرجع إلى ما تعدنا، وأن يكون مبهماً قد وضح أمره بقوله: ﴿ عَارِضًا ﴾ إما تمييزاً وإما حالاً.

وهذا الوجه أعرب وأفصح.

والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء.

ومثله: الحبى والعنان، من حبا وعنّ: إذا عرض.

وإضافة مستقبل وممطر مجازية غير معروفة؛ بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفاً للنكرة ﴿ بَلْ هُوَ ﴾ القول قبله مضمر، والقائل: هود عليه السلام، والدليل عليه قراءة من قرأ: ﴿ قال هود، بل هو ﴾ وقرئ: ﴿ قل بل ما استعجلتم به هي ريح ﴾ ، أي قال الله تعالى: قل ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء ﴾ تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية.

وقرئ يدمر كل شيء من دمر دماراً إذا هلك ﴿ لاَّ ترى ﴾ الخطاب للرائي من كان.

وقرئ: ﴿ لا يرى ﴾ ، على البناء للمفعول بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء وهي عن الحسن رضي الله عنه: لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنم.

ومنه بيت ذي الرمّة: وَمَا بَقِيَتْ إِلاَّ الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وليست بالقوية.

وقرئ: ﴿ لا ترى إلا مسكنهم ﴾ ، و ﴿ لا يرى إلا مسكنهم ﴾ .

وروى أنّ الريح كانت كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة.

وقيل: أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار.

وروي: أوّل ما عرفوا به أنه عذاب: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم؛ فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنه، فاحتملتهم فطرحتهم في البحر.

وروى أنّ هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس.

وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء وتدمغهم بالحجارة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به وإذا رأى مخيلة: قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له: يا رسول الله ما تخاف؟

فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا» فإن قلت: ما فائدة إضافة الرب إلى الريح؟

قلت: الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده.

وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وجل يعضد ذلك ويقوّيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا ﴾ سَحابًا عَرَضَ في أُفُقِ السَّماءِ.

﴿ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ ﴾ مُتَوَجِّهَ أوْدِيَتِهِمْ، والإضافَةُ فِيهِ لَفْظِيَّةٌ وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ أيْ يَأْتِينا بِالمَطَرِ.

﴿ بَلْ هُوَ ﴾ أيْ قالَ هُودٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو ﴿ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ مِنَ العَذابِ، وقُرِئَ «قُلْ» «بَلْ»: ﴿ رِيحٌ ﴾ هي رِيحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ ما.

﴿ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ صِفَتُها وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ تُدَمِّرُ ﴾ تُهْلِكُ.

﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

﴿ بِأمْرِ رَبِّها ﴾ إذْ لا تُوجَدُ نابِضَةُ حَرَكَةٍ ولا قابِضَةُ سُكُونٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وفي ذِكْرِ الأمْرِ والرَّبِّ وإضافَةِ إلى الرِّيحِ فَوائِدُ سَبَقَ ذِكْرُها مِرارًا، وقُرِئَ «يَدْمُرُ كُلُّ شَيْءٍ» مِن دَمَرَ دَمارًا إذا هَلَكَ فَيَكُونُ العائِدُ مَحْذُوفًا أوِ الهاءُ في رَبِّها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لِكُلِّ مُمْكِنٍ فَناءً مَقْضِيًّا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وتَكُونُ الهاءُ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ فَأْصْبَحُواْ لا تُرى إلاَّ مَساكِنُهم أيْ فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم ﴿ فَأصْبَحُوا ﴾ بِحَيْثُ لَوْ حَضَرْتَ بِلادَهم لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ بِالياءِ المَضْمُومَةِ ورَفْعِ المَساكِنِ.

﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أحَسَّ بِالرِّيحِ اعْتَزَلَ بِالمُؤْمِنِينَ في الحَظِيرَةِ وجاءَتِ الرِّيحُ فَأمالَتِ الأحْقافَ عَلى الكَفَرَةِ، وكانُوا تَحْتَها سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْهم واحْتَمَلَتْهم فَقَذَفَتْهم في البَحْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلَمَّا رَأَوْهُ} الضمير يرجع إلى مَا تَعِدُنَا أو هو مبهم وضح أمره بقوله {عَارِضاً} إما تمييزاً أو حالاً والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} رُوي أن المطر قد احتبس عنه فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم فقالوا هذا سحاب يأتينا بالمطر

وأظهروا من ذلك فرحاً وإضافة مستقبل وممطر مجازية غير معرفة بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفاً للنكرة {بَلْ هُوَ} أي قال هو دبل هو ويدل عليه قراءة من قرأ قَالَ هو دبل هُوَ {مَا استعجلتم بِهِ} من العذاب ثم فسره فقال {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَأتاهم فَلَمّا رَأوْهُ، وضَمِيرُ النَّصْبِ قِيلَ راجِعٌ إلى (ما) في ﴿ بِما تَعِدُنا ﴾ وكَوْنُ المَرْئِيِّ هو المَوْعُودَ بِاعْتِبارِ المَآلِ والسَّبَبِيَّةُ لَهُ وإلّا فَلَيْسَ هو المَرْئِيَّ حَقِيقَةً، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ ﴿ عارِضًا ﴾ وهو إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ أيْ أبْيَنُ وأظْهَرُ لِما أشَرْنا إلَيْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الخَفاءِ وأفْصَحُ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ والإيضاحُ غَبَّ التَّعْمِيَةَ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ نَحْوَ رُبَّهُ رَجُلًا لَقِيتُهُ وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ نَحْوَ نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو، وأمّا أنَّ الحالَ تُوَضِّحُ المُبْهَمَ وتُفَسِّرُهُ فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ جَلالَةَ جارِ اللَّهِ وإمامَتَهُ في العَرَبِيَّةِ، والعارِضُ السَّحابُ الَّذِي يَعْرِضُ في أُفُقِ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يا مَن رَأى عارِضًا أرَّقَتْ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ وقَوْلُ الأعْشى: يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَّعْلُ ﴿ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ ﴾ أيْ مُتَوَجِّهَ أوْدِيَتِهِمْ وفي مُقابَلَتِها وهي جَمْعُ وادٍ وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوَ نادٍ وأنْدِيَةٍ وجائِزٍ لِلْخَشَبَةِ المُمْتَدَّةِ في أعْلى السَّقْفِ وأجْوِزَةٍ والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ ولِذَلِكَ وقَعا صِفَتَيْنِ لِلنَّكِرَةِ وأطْلَقَ عَلَيْها الزَّمَخْشَرِيُّ مَجازِيَّةً ووَجْهُ التَّجَوُّزِ أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ لِلتَّوَسُّعِ والتَّخْفِيفِ حَيْثُ لَمْ تَفِدْ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما كانَ قَبْلُ فَكَما أنَّ إجْراءَ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ مَجازٌ كَذَلِكَ إجْراءُ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ مَجْرى المُضافِ إلَيْهِ في الِاخْتِصاصِ ولَمْ يَرِدْ أنَّها مِن بابِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ والكَلامُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ قَبْلَهُ أيْ قالَ هُودٌ بَلْ هو إلَخْ لِأنَّ الخِطابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فِيما سَبَقَ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم قُلْ بَلْ هو إلَخْ لِلْقِراءَةِ بِهِ أيْضًا والِاحْتِياجِ إلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إضْرابٌ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن مَقُولِ مَن قالَ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا وقَدَّرَ البَغَوِيُّ قالَ اللَّهُ بَلْ هو إلَخْ ويَنْفَكُّ النَّظْمُ الجَلِيلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى.

وقُرِئَ (بَلْ ما اسْتَعْجَلْتُمْ) أيْ بَلْ هُوَ، وقَرَأ قَوْمٌ (ما اسْتُعْجِلْتُمْ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ ﴿ رِيحٌ ﴾ بَدَلٌ مِن ( ما ) أوْ مِن ( هو ) أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي أوْ هو رِيحٌ ﴿ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ صِفَةُ ( رِيحٌ ) لِكَوْنِهِ جُمْلَةً بَعْدَ نَكِرَةٍ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعني: واذكر لأهل مكة.

ويقال: معناه واصبر على ما يقولون، واذكر هود إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ يعني: خوف قومه بموضع.

يقال له: الأحقاف.

روى منصور، عن مجاهد قال: الأحقاف الأرض.

ويقال: جبل بالشام، ويسمى الأحقاف.

وقال القتبي: الأحقاف جمع حقف، وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه، واستطال وانحنى وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يعني: مضت من قبل هود وَمِنْ خَلْفِهِ يعني: ومن بعده.

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: خوفهم أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله، ووحدوه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: أعلم أنكم، إن لم تؤمنوا، يصبكم عذاب يوم كبير قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا يعني: لتصرفنا عن عبادة آلهتنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أن العذاب نازل بنا قالَ هود إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم العذاب عند الله، يجيء بأمر الله، وإنَّما عليَّ تبليغ الرسالة، وليس بيدي إتيان العذاب.

فذلك قوله: وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: ما يوحي الله إليَّ لأدعوكم إلى التوحيد وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ لما قيل لكم، ولما يراد بكم من العذاب.

فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ يعني: لما رأوا العذاب مقبلاً، وكانت السحابة إذا جاءت من قبل ذلك الوادي، أمطروا.

وقال القتبي: العارض: السحاب قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يعني: هذه سحابة، وغيم ممطرنا.

أي: تمطر به حروثنا، لأن المطر كان حبس عنهم.

فقال هود: ليس هذا عارض بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ يعني: الريح والعذاب رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ أي: متلف.

وروى عطاء، عن عائشة قالت: كان رسول الله  ، إذا رأى رياحاً مختلفة تلون وجهه، وتغير وخرج، ودخل وأقبل، وأدبر فذكرت ذلك له فقال: وما يدريك لعله كما قال الله: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ فإذا أمطرت سري عنه ويقول وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف: 57] .

ثم قال تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها يعني: تهلك الريح كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا، أي: بإذنه تعالى فَأَصْبَحُوا أي: فصاروا من العذاب بحال لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ وقد ذكرناه في سورة الأعراف.

قرأ حمزة، وعاصم لا يُرَى بضم الياء، مَسَاكِنُهُمْ بضم النون على معنى فعل، ما لم يسم فاعله، يعني: لا يرى شيء، وقد هلكوا كلهم.

وقرأ الباقون لاَّ تَرى بالتاء على معنى المخاطبة.

ومعناه لا ترى شيئاً أيها المخاطب، لو كنت حاضراً، ما رأيت إلا مساكنهم.

ثم قال: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا نعاقب القوم المشركين عند التكذيب وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ يعني: أعطيناهم الملك والتمكين فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ يعني: مَا لم نمكن لكم، ولم نعطكم يا أهل مكة.

وقال القتبي: إن الخفيفة قد تزاد في الكلام، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت به، يعني: ما رأيت ولا سمعت به، يعني: مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ومعنى الآية وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وقال الزجاج: إنْ هاهنا مكان ما، يعني: فيما مكناكم فيه.

ويقال معناه: ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه.

وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً يعني: جعلنا لهم سمعاً ليسمعوا المواعظ، وأبصاراً لينظروا في الدلائل، وأفئدة ليتفكروا في خلق الله تعالى.

فَما أَغْنى عَنْهُمْ يعني: لم ينفعهم من العذاب سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ لم يسمعوا الهدى، ولم ينظروا في الدلائل، ولم يتفكروا في خلقه إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني: بدلائله وَحاقَ بِهِمْ يعني: نزل بهم من العذاب مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: العذاب الذي كانوا يجحدون به، ويستهزئون.

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعني: أهلكنا قبلكم يا أهل مكة بالعذاب، ما حولكم من القرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أي: بينا لهم الدلائل، والحجج، والعلامات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: يرجعون عن كفرهم، قبل أن يهلكوا.

قوله تعالى: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ يعني: فهلا نصرهم.

يعني: كيف لم يمنعهم من العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً يعني: عبدوا مِن دُونِ الله، مَا يتقربون بها إلى الله آلِهَةً يعني: أصناماً، كما قال في آية أخرى مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3] بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ يعني: الآلهة لم تنفعهم شيئاً.

ويقال: اشتغلوا بأنفسهم.

ويقال: بطلت عنهم.

وَذلِكَ إِفْكُهُمْ يعني: كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يختلفون.

وذكر أبو عبيدة بإسناده، عن عبد الله بن عباس، أنه قرأ أَفَكَهُمْ بنصب الألف والفاء والكاف.

يعني: ذلك الفعل أضلهم، وأهلكهم وصرفهم عن الحق، وقراءة العامة بضده.

وَذَلِكَ إفْكهم يعني: ذلك الفعل، وهو عبادتهم.

وقولهم: وكذبهم ويقال: وَذَلِكَ إفْكُهُمْ اليوم، كما كان إفك من كان قبلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم أمر تعالى نِبِيَّه بذكر هود وقومه عادٍ على جهة المثال لقريشٍ، وقد تقدَّم قَصَصَ عادٍ مُسْتَوفًى في «سورة الأعراف» ، فلينظر هناك، والصحيحُ من الأقوال أَنَّ بلادَ عادٍ كانت باليمن، ولهم كانَتْ إرَمُ ذاتُ العمادِ، وبِالْأَحْقافِ: جَمْعُ «حِقْفٍ» وهو الجبل المستطيل المُعْوَجُّ/ من الرَّمْلِ.

وقوله سبحانه: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ خَلَتِ معناه: مضت إلى الأرض الخلاء، والنُّذُرُ جمع نَذِيرٍ، وقولهم: لِتَأْفِكَنا معناه: لِتَصْرِفَنَا، وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا تصميم منهم على التكذيب، وتعجيز له في زعمهم.

قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)

وقوله سبحانه: قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ...

الآية، المعنى: قال لهم هود: إنَّ هذا الوعيد ليس من قِبَلِي، وإنما الأمر فيه إلى اللَّه، وعِلْمُ وقته عنده، وإنَّما عَلَيَّ أَنْ أُبَلِّغَ فقطْ، والضميرُ في رَأَوْهُ يحتمل أنْ يعودَ على العذاب، ويحتمل أنْ يعودَ على الشيء المرئِيِّ الطالِعِ عليهم، وهو الذي فَسَّرَهُ قوله: عارِضاً و «العَارِض» : هو ما يَعْرِضُ في الجَوِّ من السحاب المُمْطِر قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند تفسيره قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] : كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ: «عَارِضٌ» لأَنَّه مَنَعَ من رؤيتها ومن رؤية البدر والكواكب، انتهى، ورُوِيَ في معنى قوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أَنَّ هؤلاء القومَ كانوا قد قَحَطُوا مُدَّةً، فطلع هذا العارض من جهة كانوا يُمْطَرُونَ بها أبداً، جاءهم من قِبَلِ وادٍ لهم يسمونه المُغِيثَ، قال ابن عباس: ففرحوا به، وقالوا: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا، وقد كذب هودٌ فيما أوعد به، فقال لهم هود ع: ليس الأمر كما رأيتم، بل هو ما/ استعجلتم به في قولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [الأحقاف: ٢٢] ، ثم قال: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ وفي قراءة ابن مسعود «١» : «مُمْطِرُنَا قَالَ هُودٌ: بل هو ريح» بإظهار المقدّر وتُدَمِّرُ معناه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ ﴾ يَعْنِي هُودًا ﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ قالَ الخَلِيلُ: الأحْقافُ: الرِّمالُ العِظامُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُ الأحْقافِ: حِقْفٌ، وهو مِنَ الرَّمْلِ: ما أشْرَفَ مِن كُثْبانِهِ واسْتَطالَ وانْحَنى.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ما اسْتَطالَ مِنَ الرَّمْلِ ولَمْ يَبْلُغْ أنْ يَكُونَ جَبَلًا.

واخْتَلَفُوا في المَكانِ الَّذِي سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ وادٍ، ذَكَرَهُ عَطِيَّةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضٌ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا يَنْزِلُونَ ما بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، واليَمَنَ كُلَّهُ.

والثّالِثُ: أنَّ الأحْقافَ: رِمالٌ مُشْرِفَةٌ عَلى البَحْرِ بِأرْضٍ يُقالُ لَها: الشِّحْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ﴾ أيْ: قَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِ هُودٍ ومِن بَعْدِهِ بِإنْذارِ أُمَمِها ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ ؛ والمَعْنى: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ قَبْلَ هُودٍ ولا بَعْدَهُ إلّا بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ.

وهَذا كَلامٌ اعْتُرِضَ بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وكَلامِهِ لِقَوْمِهِ.

ثُمَّ عادَ إلى كَلامِ هُودٍ فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَأْفِكَنا ﴾ أيْ: لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا بِالإفْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: هو يَعْلَمُ مَتى يَأْتِيكُمُ العَذابُ.

﴿ فَلَمّا رَأوْهُ ﴾ يَعْنِي ما يُوعَدُونَ في قَوْلِهِ: "بِما تَعِدُنا" ﴿ عارِضًا ﴾ أيْ: سَحابٌ يَعْرِضُ مِن ناحِيَةِ السَّماءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العارِضُ: السَّحابُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المَطَرُ قَدْ حُبِسَ عَنْ عادٍ، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَلَمّا رَأوْها فَرِحُوا و ﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ، فَنَشَأتِ الرِّيحُ مِن تِلْكَ السَّحابَةِ، ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأمْوالِ.

قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَقَدْ كانَتِ الرِّيحُ تَحْتَمِلُ الظَّعِينَةَ فَتَرْفَعُها حَتّى تُرى كَأنَّها جَرادَةٌ، ﴿ فَأصْبَحُوا ﴾ يَعْنِي عادًا ﴿ لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "لا يُرى" بِرَفْعِ الياءِ "إلّا مَساكِنُهُمْ" بِرَفْعِ النُّونِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرِيُّ: "لا تُرى" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "لا تَرى" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ.

"إلّا مَسْكَنَهُمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.

وهَذا لِأنَّ السُّكّانَ هَلَكُوا، فَقِيلَ: أصْبَحُوا وقَدْ غَطَّتْهُمُ الرِّيحُ بِالرَّمْلِ فَلا يُرَوْنَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ" ﴾ بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و ﴿ أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.

والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"، ﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا  ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ  ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و ﴿ "رِيحٌ" ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و ﴿ "مُمْطِرُنا" ﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"، ﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.

وَ ﴿ "تُدَمِّرُ" ﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ" ﴾ رَفْعًا.

التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ" ﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ وَنَحْوُ قَوْلِهِ: ...................

∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عنهُمْ ﴾ ، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عنهُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع بقية القصة على ما ذكر منها، أي فلما أراد الله إصابتهم بالعذاب ورأوهُ عارض قالوا: ﴿ هذا عارض ﴾ إلى آخره، ففي الكلام تقدير يدل عليه السياق، ويسمى التفريع فيه فصيحة، وقد طوي ذكر ما حدث بين تكذيبهم هوداً وبين نزول العذاب بهم، وذكر في كتب تاريخ العرب أنهم أصابهم قحط شديد سنين، وأن هوداً فارقهم فخرج إلى مكة ومات بها، وقد قيل إنه دفن في الحِجر حول الكعبة، وتقدم في سورة الحجر.

وقولهم: ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ يشير إلى أنهم كانوا في حاجة إلى المطر.

وورد في سورة هود (52) قول هود لهم: ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يُرسِل السماء عليكم مدراراً ﴾ وقصتهم مبسوطة في تفسيرنا لسورة هود.

وضمير رأوه } عائد إلى ﴿ ما تعَدِنا ﴾ [الأحقاف: 22]، وهو العذاب.

وأطلق على المرئي ضمير العذاب لأن المَرئِي سبب العذاب وهو ما حملته الريح.

و ﴿ عارضاً ﴾ حال منه، والعارض: السحاب الذي يعترض جو السماء أي رأوه كالعارض.

وليس المراد عارض المطر لأنه ليس كذلك وكيف قد أبطل قولهم: ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ بقوله: ﴿ بل هو ما استعجلتم به ريح ﴾ .

و ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ نعت ل ﴿ عارضاً ﴾ .

والاستقبال: التوجه قبالة الشيء، أي سائراً نحو أوديتهم.

وأودية: جمع وادٍ جمعاً نادراً مثل نادٍ وأندية.

ويطلق الواد على محلة القوم ونزلهم إطلاقاً أغلبياً لأنّ غالب منازلهم في السهول ومقارّ المياه.

وفي حديث سعد بن معاذ بمكة بعد الهجرة وما جرى بينه وبين أبي جهل من تحاور ورفع صوته على أبي جهل فقال له أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم سَيِّد أهل الوادي.

وجمع الأودية باعتبار كثرة منازلهم وانتشارها.

والعارض في قولهم: ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ : السحاب العظيم الذي يعرض في الأفق كالجبل، و ﴿ ممطرنا ﴾ نعت ل ﴿ عارض ﴾ .

وقوله: ﴿ بل هو ما استعجلتم به ﴾ مقول لقول محذوف، يجوز أن يكون من قول هود إن كان هود بين ظَهرانيهم ولم يكن خرج قبل ذلك إلى مكة أو هو من قول بعض رجالهم رأى مخائل الشرّ في ذلك السحاب.

قيل: القائل هو بكر بن معاوية من قوم عاد.

قال لما رآه: «إني لأَرى سحاباً مرمداً لا تدع من عاد أحداً» لعله تبين له الحق من إنذار هود حين رأى عارضاً غير مألوف ولم ينفعه ذلك بعد أن حلّ العذاب بهم، أو كان قد آمن من قبل فنجّاه الله من العذاب بخارق عادة.

وإنّما حذف فعل القول لتمثيل قائل القول كالحاضر وقت نزول هذه الآية، وقد سمع كلامهم وعلم غرورهم فنطق بهذا الكلام ترويعاً لهم.

وهذا من استحضار الحالة العجيبة كقول مالك بن الريب: دعاني الهوى من أهل وُدِّي وجِيرتي *** بذي الشَّيِّطَيْن فالتفتُّ ورائيا فتخيل داعياً يدعوه فالتفت، وهذا من التخيّل في الكلام البليغ.

وجعل العذاب مظروفاً في الريح مبالغة في التسبب لأن الظرفيّة أشدّ ملابسة بين الظرف والمظروف من ملابسة السبب والمسبب.

والتدمير: الإهلاك، وقد تقدم.

و ﴿ كل شيء ﴾ مستعمل في كثرة الأشياء فإن (كُلاَّ) تأتي كثيراً في كلامهم بمعنى الكثرة.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولو جاءتهم كل آية ﴾ في سورة يونس (97).

والمعنى: تدمر ما من شأنه أن تُدمره الريح من الإنسان والحيوان والديار.

وقوله: بأمر ربها } حال من ضمير ﴿ تدمر ﴾ .

وفائدة هذه الحال تقريب كيفية تدميرها كلَّ شيء، أي تدميراً عجيباً بسبب أمر ربها، أي تسخيره الأشياء لها فالباء للسببية.

وأضيف الرب إلى ضمير الريح لأنها مسخرّة لأمر التكوين الإلهي فالأمر هنا هو أمر التكوين.

﴿ فأصبحوا ﴾ أي صاروا، وأصبح هنا من أخوات صار.

وليس المراد: أن تدميرهم كان ليلاً فإنهم دمّروا أياماً وليالي، فبعضهم هلك في الصباح وبعضهم هلك مساء وليلاً.

والخطاب في قوله: ﴿ لا ترى ﴾ لمن تتأتّى منه الرؤية حينئذٍ إتماماً لاستحضار حالة دمارهم العجيبة حتى كأن الآية نازلة في وقت حدوث هذه الحادثة.

والمراد بالمساكن: آثارها وبقاياها وأنقاضها بعد قلع الريح معظمها.

والمعنى: أن الريح أتت على جميعهم ولم يبق منهم أحد من ساكني مساكنهم.

وقوله: ﴿ كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾ أي مثل جزاء عاد نجزي القوم المجرمين، وهو تهديد لمشركي قريش وإنذار لهم وتوطئة لقوله: ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكَّنَّاكم فيه ﴾ [الأحقاف: 26].

وقرأ الجمهور ﴿ لا ترى ﴾ بالمثناة الفوقية مبنياً للفاعل وبنصب ﴿ مساكنهم ﴾ وقرأه عاصم وحمزة وخلف بياء تحتية مبنياً للمجهول وبرفع ﴿ مساكنُهم ﴾ وأجرى على الجمع صيغة الغائب المفرد لأن الجمع مستثنى ب ﴿ إلاّ ﴾ وهي فاصلة بينه وبين الفعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ وهو هُودٌ بُعِثَ إلى عادٍ، وكانَ أخاهم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ لِأنَّهُ مُناسِبٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ أخا أحَدٍ مِنهم.

﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ وهي جَمْعُ حِقْفٍ، وهو ما اسْتَطالَ واعْوَجَّ مِنَ الرَّمْلِ العَظِيمِ، ولا يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ جَبَلًا.

وَمِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ باتَ إلى أرْطاةَ حِقْفٌ أحْقَفا ٦ أيْ رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُشْرِقٌ.

وَفِيما أُرِيدَ بِالأحْقافِ هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأحْقافَ رِمالٌ مُشْرِقَةٌ كالجِبالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وشاهِدُهُ ما تَقَدَّمَ، وقالَ هي رِمالٌ مُشْرِقَةٌ عَلى البَحْرِ بِالسَّحَرِ في اليَمَنِ.

الثّانِي: أنَّ الأحْقافَ أرْضٌ مِن حَسْمِي تُسَمّى الأحْقافَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ يُسَمّى الأحْقافَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: هو ما بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الخامِسُ: هو وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرَوى أبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: خَيْرُ وادٍ بَيْنَ في النّاسِ وادٍ بِمَكَّةَ، ووادٍ نَزَلَ بِهِ آدَمُ بِأرْضِ الهِنْدِ، وشَرُّ وادِيَيْنِ في النّاسِ وادِي الأحْقافِ، ووادٍ بِحَضْرَمَوْتِ يُدْعى بَرْهُوتَ تُلْقى فِيهِ أرْواحُ الكُفّارِ، وخَيْرُ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ زَمْزَمَ، وشَرُّ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ بَرْهُوتَ وهي ذَلِكَ الوادِي حَضْرَمَوْتُ.

﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ قَدْ بُعِثَ الرُّسُلُ مِن قَبْلِ هُودٍ ومِن بَعْدِهِ، قالَ الفَرّاءُ، مِن بَيْنِ يَدَيْهِ مِن قَبْلِهِ، ومِن خَلْفِهِ مِن بَعْدِهِ وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتُزِيلَنا عَنْ عِبادَتِها بِالإفْكِ.

الثّانِي: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا بِالمَنعِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ ﴾ يَعْنِي السَّحابَ.

وَأنْشَدَ الأخْفَشُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ وإذا نَظَرْتَ إلى أسِرَّةِ وجْهِهِ ∗∗∗ بَرِقَتْ كَبَرْقِ العارِضِ المِنهالِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ عارِضًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهُ أخَذَ في عَرْضِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَمْلَأُ آفاقَ السَّماءِ، قالَ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ مارٌّ مِنَ السَّماءِ.

والعارِضُ هو المارُّ الَّذِي لا يَلْبَثُ وهَذا أشْبَهُ.

﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ حَسِبُوهُ سَحابًا يُمْطِرُهُمْ، وكانَ المَطَرُ قَدْ أبْطَأ عَلَيْهِمْ.

﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ كانُوا حِينَ أوْعَدَهم هُودٌ اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِهْزاءً مِنهم بِوَعِيدِهِ، فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ بَعْدَ طُولِ الجَدْبِ أكْذَبُوا هُودًا وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا.

ذُكِرَ أنَّ القائِلَ ذَلِكَ مِن قَوْمِ عادٍ، بَكْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ.

فَلَمّا نَظَرَ هُودٌ إلى السَّحابِ قالَ: بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أيِ الَّذِي طَلَبْتُمْ تَعْجِيلَهُ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ وهي الدَّبُّورُ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» فَنَظَرَ بَكْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ إلى السَّحابِ فَقالَ: إنِّي لَأرى سَحابًا مَرْمَدًا، لا يَدَعُ مِن عادٍ أحَدًا.

فَذَكَرَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أنَّها كانَتْ تَأْتِيهِمْ بِالرَّجُلِ الغائِبِ حَتّى تَقْذِفُهُ في نادِيهِمْ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: واعْتَزَلَ هُودٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَظِيرَةٍ ما يُصِيبُهُ هو ومَن مَعَهُ فِيها إلّا ما يَلِينُ عَلى الجُلُودِ وتَلْتَذُّ الأنْفُسُ بِهِ، وإنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظَّعْنِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ شاعِرَهم قالَ في ذَلِكَ فَدَعا هُودٌ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دَعْوَةً أضْحَوْا هُمُودًا ∗∗∗ عَصَفَتْ رِيحٌ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ تَرَكَتْ عادًا خَمُودًا ∗∗∗ سُخِّرَتْ سَبْعَ لَيالٍ ∗∗∗ لَمْ تَدَعْ في الأرْضِ عُودًا وَعَمَّرَ هُودٌ في قَوْمِهِ بَعْدَهم مِائَةً وخَمْسِينَ سَنَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ قال: هو السحاب.

وأخرج سعبد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن مردويه «عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه.

قلت يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيته عرف في وجهك الكراهية.

قال يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، فإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه، فسألته فقال لا أدري لعله كما قال قوم عاد ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم ﴾ قال غيم فيه مطر، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم، ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوماً لهم أنين، ثم أمر الريح فكشف عنهم الرمل وطرحتهم في البحر فهو قوله: ﴿ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا فيها إلا مثل الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها ﴿ قالوا هذا عارض ممطرنا ﴾ فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضره» .

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فتح الله على عاد من الريح إلا موضع الخاتم أرسلت عليهم فحملت البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر ﴿ قالوا هذا عارض ممطرنا ﴾ مستقبل أوديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا، قال: عتت على خزَّانِها حتى خرجت من خلال الأبواب» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال: كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكفهر فقالوا ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ فقال هود ﴿ بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ﴾ فجعلت تلقي الفسطاط وتجيء بالرجل الغائب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا.

وأخرج عبد بن حميد عن ميمون رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لا ترى إلا مساكنهم ﴾ بالتاء والنصب.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لا يرى إلا مساكنهم ﴾ بالياء ورفع النون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ ذكر المبرد في الضمير في (رأوه) قولين أحدهما: أنه عاد إلى غير مذكور وبَيَّنه قولُه تعالى: ﴿ عَارِضًا ﴾ (١) ﴿ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ  ﴾ ولم يذكر الأرض، ولكن يدل عليها العلم بها وما دل عليه الكلام، وعلى هذا الضمير يعود إلى السحاب كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضًا، وهذا قول المفسرين واختيار الزجاج (٢) ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ ، فلما رأوا ما يوعدون (٣) قال أبو زيد: العارض السحاب يراها في ناحية السماء (٤) وقال أبو عبيدة: العارض من السحاب الذي يرى في قطر من أقطار السماء بالعشي، ثم يصبح وقد حبا حتى استوى (٥) (٦) قوله: ﴿ مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ قال المفسرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث (٧) (٨) ﴿ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾ والمعنى: ممطر إيانا، وهذا كقوله: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ ، وقد مر.

قال عمرو بن ميمون: كان هو قاعدًا في قومه فجاء سحاب مكفهر (٩) ﴿ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ (١٠) ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ (١١) ﴿ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، قال ابن عباس: كانت الريح تطير بهم بين السماء والأرض حتى أهلكتهم (١٢) (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 205.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، و"تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.

(٣) ذكر القولين السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 141.

(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.

(٧) المُغِيث: بالضم ثم الكسر وآخره ثاء مثلثة: اسم الوادي الذي هلك فيه قوم عاد، وقال أبو منصور: بين معدن النَّقْرة والرَّبذة ماء يعرف ماوان ماء وشروب.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 162.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، "تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب.

(٩) قال الأصمعي: (المكفهِرَ من السحاب: الذي يَغلَظ ويركَبْ بعضهُ بعضًا)، انظر: "تهذيب اللغة" (المكفهر) 6/ 508.

(١٠) أخرج ذلك الطبري عن عمرو بن ميمون انظر "تفسيره" 13/ 2/ 26.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.

(١٢) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس 16/ 206، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 113.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ العارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء، والضمير في رأوه يعود على ما تعدنا أو على المرئي المبهم الذي فسره قوله: ﴿ عَارِضاً ﴾ قال الزمخشري: وهذا أعرب وأفصح، وروي أنهم كانوا قد قحطوا مدّة، فلما رأوا هذا العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به فقال لهم هود عليه السلام: بل هو ما استعجلتم به من العذاب وقوله: ﴿ رِيحٌ ﴾ بدل من ﴿ مَا استعجلتم ﴾ أو خبر ابتداء مضمر ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ عموم يراد به الخصوص.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.

﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.

﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.

هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .

﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه  أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.

والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.

وقيل: بين عمان ومهرة.

والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.

الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.

ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.

والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.

والتدمير الإهلاك والاستئصال.

وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.

ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.

وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.

وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.

وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.

قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.

ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.

فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.

والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.

قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.

وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.

وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.

فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي  بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.

فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.

وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه  حتى أوحى الله إليه.

والقول الثاني "أنه  أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟

فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله  شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.

قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي  ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.

فلما رجع رسول الله  سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله  : أمعك ماء؟

قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.

فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.

وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.

وقيل: اثني عشر ألفاً.

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.

والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي  أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي  من القراءة.

وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله  إلى قومهم، ومنه يعلم أنه  كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.

وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.

و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".

واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.

والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.

قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.

قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.

قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟

والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله  في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم"  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: اذكر نبأ أخي عاد، وهو هود -  - بما عامله قومه من سوء المعاملة، وما قاسى هو منهم؛ لتتسلى بذلك [عن] بعض ما عامل به قومك معك، والله أعلم.

والثاني: واذكر نبأ عاد بما نزل بهم من العذاب والاستئصال بتكذيبهم الرسل، والاستكبار عليهم، والاستهزاء بهم؛ لتحذر به قومك في تكذيبك والاستهزاء بك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ ﴾ أي: خوف قومه بالأحقاف.

وقد اختلف في تأويل الأحقاف: [قال بعضهم]: هو اسم أرض خوفهم بنزول العذاب هنالك.

وقال بعضهم: هي جبال من رمل مستطيلة مرتفعة.

وقال القتبي: الأحقاف: واحدة: حقف، وهو الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى.

وقال أبو عوسجة: الأحقاف: رمل بشحر عمان، وهي منازل عاد فيما زعموا وشحر تلاوة.

وقيل: الحقف: تل معوج.

وقال بعضهم: الأحقاف: الجبل حين نضب الماء زمان الغرف كان ينضب عن المكان من الجبل ويبقى أثره، وينضب من مكان أسفل من ذلك ويبقى أثره دون ذلك؛ فذلك الأحقاف.

وقيل - أيضاً -: الأحقاف: جبل بالشام.

وقيل: هو المكان الذي كان منازل عاد ومقامهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: خلت الرسل من قبل هود [و]من بعده، عليه الصلاة والسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ كأن الخطاب بهذا وقع للكل؛ يقول: ثم الرسل - عليهم السلام - ينذرون قومهم بأنواع العذاب عند تكذيبهم إياهم، ولم يزل الرسل - عليهم السلام - من قبل ومن بعد، دعوا الناس إلى عبادة الله -  - ونهوهم عن عبادة غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ حقيقة الخوف؛ لما لم ييئس من إيمانهم واتباعهم إياه؛ لذلك لم يقطع فيهم القول بنزول العذاب بهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون الخوف هو العلم حقيقة؛ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم إن ختمتم على ما أنتم عليه، وقد يذكر الخوف في موضع العلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ أي: قالوا لهود -  -: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

وقال بعضهم: لتردّنا عن عبادة آلهتنا.

وقال بعضهم: لتكذبنا في آلهتنا، والإفك: الكذب؛ وكله واحد.

وأصل الإفك: الصرف؛ كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ كانوا يقولون ذلك استهزاء به منهم، ولم يزل الكفرة يسألون ويستعجلون العذاب الذي كاوا يوعدون استهزاء منهم وتكذيباً بما يوعدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

أجابهم هود -  - أن العلم بنزول العذاب ووقته عند الله، وأبلغكم ما أرسلت به من الدعاء إلى توحيد الله -  - والنهي عن عبادة غيره.

أو يقول: أبلغكم ما أمرت من التبليغ بنزول العذاب بكم، ولست أبلغكم أنه متى ينزل بكم؟

لما لم أومر به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ دين الله، أو تجهلون آيات الله وقبولها، أو تجهلون نعم الله وإحسانه، أو تجهلون أمر الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ .

قال بعضهم: العارض: السحاب، فقالوا: هذا سحاب ممطرنا، وكان حقيقة العارض الريح التي فيها عذاب أليم ظنوا أنها سحاب، ولم تكن سحاباً، ولكن كانت ريحاً، لكن من ذلك الجانب كان يأتيهم السحاب الممطر؛ [لذلك] ﴿ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ ﴾ كأن هوداً -  - قال لهم: ليس هو بعارض ممطر، ولكن هو ما استعجلتم به من العذاب حيث: قلتم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ هو ريح فيها عذاب أليم.

ثم وصف تلك الريح فقال كما أخبر الله -  - بقوله - عز وجل -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ يخرج قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: تدمر كل شيء أرسلت وأمرت بتدميره، لا تجاوز أمر ربها، ولا تدمر ما لم ترسل ولم تؤمر بتدميره؛ كقوله -  -: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ  ﴾ هذه الآية تفسر قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أتت عليه وأمرت بتدميره، فأما ما لم تؤمر بتدميره فلا؛ على ما ذكر في تلك الآية، والله أعلم.

والثاني: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: عند من عاينها وتأمّلها عنده أنها تدمر كل شيء، لا تبقي شيئاً على وجه الأرض؛ لشدتها وقوتها، لكنها لا تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنها لا تدمر هوداً وأتباعه، وهم فيهم وبقرب منهم، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ أي: يأتيه أسباب الموت وما به يموت لو كان فيه أمر الموت، فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: تدمر كل شيء عند من عاينها ونظر في أحوالها وأهوالها أن لو كان لها أمر بذلك، لكنها لم تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ في ظاهر هذه الآية أنها قد أبقت مساكنهم ولم تدمرها، وكذلك قال في آية أخرى: ﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ  ﴾ قال بعضهم: إنهم لما التجئوا إلى مساكنهم وهربوا منها كانت تدخل الريح مساكنهم وتخرجهم منها فتلقيهم في صحاريهم وأفنيتهم موتى.

وقال بعضهم: تنزع مفاصلهم، وتقطعها، ثم تلقيهم في أفنيتهم؛ على ما وصف، وشبههم بأعجاز نخل منقعر، فالريح التي تعمل في إخراج أهلها من مساكنهم وإبقائهم في الفيافي، لأن تعمل في هدم المساكن والمنازل أولى، وكذلك إذا عملت في نزع المفاصل وقطعها ففي نقض البنيان والمساكن أولى، ومع ذلك لم تعمل في هدم مساكنهم؛ فدل ما ذكرنا أنها لم تجاوز أمر ربها في الإهلاك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل: ﴿ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: أي: لم تترك الريح من عاد ومما لهم إلا مساكنهم التي ذكر.

والثاني: ﴿ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ إلا آثار مساكنهم.

فعلى أحد التأويلين تركت لهم المساكن، لم تهلكها، وعلى التأويل الآخر: تركت آثار مساكنهم، فأما نفس مساكنهم فقد أهلكتها.

وهذان التأويلان خرجا على ما ذكرنا من التأويلين في قوله -  -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، فالأول على التأويل [الأول] في قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أرسلت وأمرت بتدميره، ولم تؤمر بتدمير مساكنهم، فبقيت، والتأويل الثاني على التأويل الثاني في قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عند من عاينها ونظر إليها؛ لشدتها وقوتها، فتدمر مساكنهم - أيضاً - فلا ترى إلا آثارها، لكن سماها: مساكن باسم ما قد كان، وأنه أمر مستعمل في عرف لسان اللغة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ كأن المجرم هو الذي يديم اكتساب الجرم والإثم.

وقال بعضهم: هو الوثاب في الجرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ...

﴾ الآية، [اختلف] فيه: قال بعضهم: ﴿ إِن ﴾ هاهنا في موضع "لم" كأنه يقول: ولقد مكناهم فيما لم نمكن لكم من القوة، والشدة، والعقل، والبصيرة، وغير ذلك، وذلك قوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ أي: قد مكنا عاداً فيما ذكرنا ما لم نمكن لكم يأهل مكة في ذلك؛ ثم إذا أتاهم عذاب الله بتكذيبهم الرسل لم يملكوا دفع عذابه، فأنتم حيث لم نمكن لكم ذلك أحرى ألا تملكوا دفع عذابه إذا نزل بكم بتكذيبكم الرسول، عليه الصلاة والسلام.

قال بعضهم: إن حرف ﴿ إِن ﴾ صلة زائدة؛ فيكون تقدير الآية كأن يقول: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد، ثم لم يملكوا دفع العذاب عن أنفسهم، فأنتم لا تملكون - أيضاً - دفعه عن أنفسكم، وكان لهم ما لكم مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ على التأويل الأول؛ حيث ذكرنا أنهم مكنوا ما لم يمكن هؤلاء، يكون ما ذكر من السمع والبصر والفؤاد لا يراد به أعيانها حقيقة، لكن السمع يكون كناية عن العقل؛ كقوله -  -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ ذكر السمع، ثم فسر به العقل، ويكون قوله: ﴿ وَأَبْصَاراً ﴾ أريد به: البصائر، فالبصر يذكر ويراد به البصيرة؛ إذ قد وصفهم الله -  - بذلك بقوله: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَاْ...

 ﴾ إلى قوله ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ  ﴾ ويكون قوله: ﴿ وَأَفْئِدَةً ﴾ كناية عن القوى؛ فالفؤاد يكنى به عن القوة؛ يخبر -  - أنهم مكنوا من العقل والبصيرة والقوة ما لم تمكنوا أنتم يأهل مكة، ثم لم يقدروا على دفع عذاب الله إذا نزل بهم، فأنتم كيف تملكون دفعه، وليس لكم تلك الأسباب؟!

وعلى التأويل الثاني: كأن المراد هو حقيقة ما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد؛ فيكون معناه ما ذكرنا: أن لكم هذه الأسباب مثل ما لهم، ثم هم لم يقدروا على دفع ما حل بهم من العذاب، فأنتم لم تقدروا أيضاً بها، والله أعلم.

ثم بين الله -  وتعالى - الذي بهم نزل ما نزل من العذاب؛ حيث قال: ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وكان استهزاؤهم مرة بما يوعد لهم الرسل - عليهم السلام - بالعذاب، ومرة كانوا يستهزئون بالرسل - عليهم السلام - لما يدعوهم إلى ما دعوا، والله أعلم.

ثم عذب عاداً بالريح التي وصفها الله -  - في سورة الحاقة، وذكر فيها؛ حيث قال: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ آية [الحاقة: 6] أي: شديدة عادية ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً...

﴾ الآية [الحاقة: 7]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ خلق الله -  - البشر على طبع وبنية وحال يحذرون ما ينزل بأشكالهم وأمثالهم بذنوب ارتكبوها، ويتعظون بغيرهم؛ فكأنه يقول: احذروا صنع الذين أهلكوا من حولكم وبقربكم؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولكم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل وعنادهم واستهزائهم بهم؛ يحذرهم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولهم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ، قوله: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: جعلنا للرسل - عليهم السلام - آيات أقاموها على قومهم ما يعلمهم ذلك، ويخبرهم على صدقهم، فردّوها وكذبوهم بها، فعند ذلك أهلكناهم، فعلى ذلك جعلنا لمحمد  من الآيات ما تعلمكم يأهل مكة وتخبركم عن صدقه، وتدلكم على رسالته، فلا تردوها حتى لا ينزل بكم ما نزل بهم، والله أعلم.

والثاني: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ أي: نشرنا في الآفاق والأطراف النائية ما حل بأولئك ونزل بهم بتكذيب الرسل، وما كان منهم من العناد والرد ما يلزم من بلغه ذلك الخبر، واتصل به ما نزل بأولئك الرجوع عن مثل صنيعهم، ومثل معاملتهم.

فأحد التأويلين يرجع إلى انتشار ما نزل بأولئك في الآفاق؛ ليرجعوا عن ذلك؛ فيصير ذلك آية لهم؛ فيحملهم على الرجوع عن صنيع أولئك؛ ليرجعوا عن ذلك.

والثاني: إخبار أنه جعل لكل رسول ونبي آية على صدقه، ودلالة على رسالته؛ أي: لم يهلكهم إلا بعد لزومهم التصديق لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الله -  - والآخر: يرجع إلى الأصنام التي عبدوها واتخذوها آلهة: فأما الذي يرجع إلى الله  يقول: لولا نصرهم الله؛ أي: هلا نصرهم الله عند نزول العذاب بهم ولا يهلكهم لو كان عبادتهم الأصنام مما تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون شفعاء عنده، يقول - والله أعلم -: لو كان ظنكم حقّاً أن ذلك مما يقربكم إلى الله هلا نصركم الله عند نزول ذلك بكم، فإذا لم ينصر الله -  - أولئك بل أهلكهم فاعلموا أنه ليس الأمر كما توهمتم وظننتم، والله أعلم.

والثاني: يقول - والله أعلم -: لو كان للأصنام التي تعبدونها شفاعة عند الله -  - على ما زعمتم هلا نصروا أولئك ودفعوا الهلاك عنهم بشفاعتهم، وإذ لم يفعلوا ذلك، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم، فعلى ذلك لا يملكون دفع ذلك عنكم إذا نزل بكم [ما نزل] بأولئك، والله أعلم.

وتفسير ﴿ فَلَوْلاَ ﴾ هاهنا: هلا، وهلا تستعمل في الماضي؛ فيكون معناه: لم تفعل؛ أي: لم تنصرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ ﴾ أي: ظل هؤلاء عنها.

أو ضل الأصنام عنهم، فلم يكن لهم منهم ما طمعوا ورجوا بسبب عبادتهم إياها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يحتمل أن يكون إفكهم وافتراؤهم هو قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما جاءهم ما استعجلوا به من العذاب، فرأوه سحابًا معترضًا في جهة من السماء متجهًا لأوديتهم قالوا: هذا عارض مصيبنا بالمطر، قال لهم هود: ليس الأمر كما ظننتم من أنه سحاب ممطركم، بل هو العذاب الذي استعجلتموه، فهو ريح فيها عذاب مؤلم.

<div class="verse-tafsir" id="91.5KePm"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر