الآية ٣٣ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٣٣ من سورة الأحقاف

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( أولم يروا ) أي : هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة ، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ( أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ) أي : ولم يكرثه خلقهن ، بل قال لها : " كوني " فكانت ، بلا ممانعة ولا مخالفة ، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة ، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟

كما قال في الآية الأخرى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ غافر : 57 ] ، ولهذا قال : ( بلى إنه على كل شيء قدير ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) يقول تعالى ذكره: أولم ينظر هؤلاء المنكرون إحياء الله خلقه من بعد وفاتهم, وبعثه إياهم من قبورهم بعد بلائهم, القائلون لآبائهم وأمهاتهم أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فلم يبعثوا بأبصار قلوبهم, فيروا ويعلموا أن الله الذي خلق السموات السبع والأرض, فابتدعهنّ من غير شيء, ولم يعي بإنشائهنّ, فيعجز عن اختراعهنّ وإحداثهنّ( بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) فيخرجهم من بعد بلائهم في قبورهم أحياء كهيئتهم قبل وفاتهم.

واختلف أهل العربية في وجه دخول الباء في قوله ( بِقَادِرٍ ) فقال بعض نحويي البصرة: هذه الباء كالباء في قوله كَفَى بِاللَّهِ وهو مثل تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وقال بعض نحويي الكوفة: دخلت هذه الباء للمَ; قال: والعرب تدخلها مع الجحود إذا كانت رافعة لما قبلها, وتدخلها إذا وقع عليها فعل يحتاج إلى اسمين مثل قولك: ما أظنك بقائم, وما أظنّ أنك بقائم, وما كنت بقائم, فإذا خلعت الباء نصبت الذي كانت تعمل فيه, بما تعمل فيه من الفعل, قال: ولو ألقيت الباء من قادر في هذا الموضع رفع, لأنه خبر لأن, قال: وأنشدني بعضهم: فَمَــا رَجَــعَتْ بخائِبَــةٍ رِكـابٌ حَــكِيمُ بــنُ المُســيِّبِ مُنْتهَاهـا (3) فأدخل الباء في فعل لو ألقيت منه نصب بالفعل لا بالباء, يقاس على هذا ما أشبهه.

وقال بعض من أنكر قول البصريّ الذي ذكرنا قوله: هذه الباء دخلت للجحد, لأن المجحود في المعنى وإن كان قد حال بينهما بأنّ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) قال: فإنَّ اسم يَرَوْا وما بعدها في صلتها, ولا تدخل فيه الباء, ولكن معناه جحد, فدخلت للمعنى.

وحُكي عن البصريّ أنه كان يأبى إدخال إلا وأن النحويين من أهل الكوفة يجيزونه, ويقولون: ما ظننت أن زيدا إلا قائما, وما ظننت أن زيدا بعالم.

وينشد: وَلَسْــتُ بِحــالِفٍ لَوَلَــدْتُ مِنْهُـمْ عَــــلى عَمِّيَّـــةٍ إلا زِيـــادًا (4) قال: فأدخل إلا بعد جواب اليمين, قال: فأما كَفَى بِاللَّهِ , فهذه لم تدخل إلا لمعنى صحيح, وهي للتعجب, كما تقول لظَرُفَ بزيد.

قال: وأما تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ فأجمعوا على أنها صلة.

وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت الباء في قوله (بقادِرٍ) للجَحْد, لما ذكرنا لقائلي ذلك من العلل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( بِقَادِرٍ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار, عن أبي إسحاق والجَحْدريّ والأعرج ( بقادِرٍ ) وهي الصحيحة عندنا لإجماع قرّاء الأمصار عليها.

وأما الآخرون الذين ذكرتهم فإنهم فيما ذُكر عنهم كانوا يقرءون ذلك " يقدر " بالياء.

وقد ذُكر أنه في قراءة عبد الله بن مسعود ( أنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قَادِرٌ ) بغير باء, ففي ذلك حجة لمن قرأه " بقادِرٍ" بالباء والألف.

وقوله ( بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: بلى, يقدر الذي خلق السموات والأرض على إحياء الموتى: أي الذي خلق ذلك على كلّ شيء شاء خلقه, وأراد فعله, ذو قدرة لا يعجزه شيء أراده, ولا يُعييه شيء أراد فعله, فيعييه إنشاء الخلق بعد الفناء, لأن من عجز عن ذلك فضعيف, فلا ينبغي أن يكون إلها من كان عما أراد ضعيفا.

----------------- الهوامش: (3) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 303 ) قال : وقوله تعالى : " أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض بقادر " : دخلت الباء للم .

والعرب تدخلها مع الجحود إذا كانت رافعة لما قبلها ، أو يدخلونها إذا وقع عليها فعل محتاج إلى اسمين مثل قولك : ما أظنك بقائم ، وما أظن بقائم ، وما كنت بقائم ، فإذا خلعت الباء ، نصبت الذي كانت تعمل فيه بما تعمل فيه من الفعل .

ولو ألقيت الباء من " قادر " في هذا الموضع رفع، لأنه خبر لأن ، وأنشدني بعضهم : " فما رجعت بخائبة ...

البيت " .

فادخل الباء في فعل لو ألقيت منه ، نصب بالفعل لا بالباء .

يقاس على هذا ما أشبهه ؛ وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأ " يقدر " مكان " بقادر " ، كما قرأ حمزة : " وما أنت بهادي العمي " ، وقراءة العوام " بهاد العمي " .

أ هـ .

(4) هذا بيت لم ينسبه المؤلف ، ونقله عن بعض النحويين .

وليس في معاني القرآن للفراء .

وهو موضع خلاف بين البصريين والكوفيين .

فالبصريون يأبون دخول ( إلا ) بعد جواب اليمين ، والكوفيون يجيزونه ويستشهدون بالبيت على ذلك ، كما قال المؤلف .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير .[ ص: 202 ] قوله تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض الرؤية هنا بمعنى العلم .

وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية .

ومعنى لم يعي يعجز ويضعف عن إبداعهن .

يقال : عي بأمره وعيي إذا لم يهتد لوجهه ، والإدغام أكثر .

وتقول في الجمع عيوا ، مخففا ، وعيوا أيضا بالتشديد .

قالعيوا بأمرهم كما عيت ببيضتها الحمامةوعييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه .

وأعياني هو .

وقرأ الحسن ( ولم يعي ) بكسر العين وإسكان الياء ، وهو قليل شاذ ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة ، نحو غاية وآية .

ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده الفراء ، وهو قول الشاعر :فكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها فتعيبقادر قال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله : وكفى بالله شهيدا وقوله : تنبت بالدهن .

وقال الكسائي والفراء والزجاج : الباء فيه خلف الاستفهام والجحد في أول الكلام .

قال الزجاج : والعرب تدخلها مع الجحد تقول : ما ظننت أن زيدا بقائم .

ولا تقول : ظننت أن زيدا بقائم .

وهو لدخول ما ودخول أن للتوكيد .

والتقدير : أليس الله بقادر ، كقوله تعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر .

وقرأ ابن مسعود والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب ( يقدر ) واختاره أبو حاتم ; لأن دخول الباء في خبر ( أن ) قبيح .

واختار أبو عبيد قراءة العامة ; لأنها في قراءة عبد الله ( خلق السماوات والأرض قادر ) بغير باء .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا استدلال منه تعالى على الإعادة بعد الموت بما هو أبلغ منها، وهو أنه الذي خلق السماوات والأرض على عظمهما وسعتهما وإتقان خلقهما من دون أن يكترث بذلك ولم يعي بخلقهن فكيف تعجزه إعادتكم بعد موتكم وهو على كل شيء قدير؟\"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ) لم يعجز عن إبداعهن ( بقادر ) هكذا قراءة العامة ، واختلفوا في وجه دخول الباء فيه ، فقال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتأكيد ، كقوله : " تنبت بالدهن " .

وقال الكسائي ، والفراء : العرب تدخل الباء في الاستفهام مع الجحد ، فتقول : ما أظنك بقائم .

وقرأ يعقوب : " يقدر " بالياء على الفعل ، واختار أبو عبيدة قراءة العامة لأنها في قراءة عبد الله قادر بغير باء .

( على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولم يروْا» يعلموا، أي منكرو البعث «أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يَعْيَ بخلقهن» لم يعجز عنه «بقادر» خبر أن وزيدت الباء فيه لأن الكلام في قوة أليس الله بقادر «على أن يحيي الموتى بلى» هو قادر على إحياء الموتى «إنه على كل شيءٍ قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أغَفَلوا ولم يعلموا أنَّ الله الذي خلق السموات والأرض على غير مثال سبق، ولم يعجز عن خلقهن، قادر على إحياء الموتى الذين خلقهم أوّلا؟

بلى، ذلك أمر يسير على الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، إنه على كل شيء قدير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم ، وبيَّن ما سيكونون عليه من خزى يوم القيامة ، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذاهم .

فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ .

.

.

إِلاَّ القوم الفاسقون ) .والهمزة فى قوله : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله .

.

.

) للاستفهام الإِنكارى ، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام .

.أى : بلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته ( وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ) أى : ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن ، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب ، أو المعنى : ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه ، مأخوذ من قولهم : عيى فلان بأمره ، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل .وقوله : ( بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ) فى محل رفع خبر ( أَن ) ، والباء فى قوله - تعالى - ( بِقَادِرٍ ) مزيدة للتأكيد .فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم ، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد الكون ، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم .وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإِنكار ، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد .وقوله : ( بلى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى ، لأن لفظ ( بلى ) يؤتى به فى الجواب لإِبطال النفى السابق ، وتقرير نقيضه ، بخلاف لفظ ( نعم ) فإنه يقرر النفى نفسه .أى : بل إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى ، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم المختار، ثم فرع عليه فرعين: الأول: إبطال قول عبدة الأصنام والثاني: إثبات النبوّة وذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة، وأجاب عنها، ولما كان أكثر إعراض كفار مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا واستغراقهم في استيفاء طيباتهم وشهواتها، وبسبب أنه كان يثقل عليهم الانقياد لمحمد والاعتراف بتقدمه عليهم ضرب لذلك مثلاً وهم قوم عاد فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أبادهم الله وأهلكهم، فكان ذلك تخويفاً لأهل مكة بإصرارهم على إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه بإثبات نبوته في الجن، وإلى هاهنا قد تم الكلام في التوحيد وفي النبوة، ثم ذكر عقيبهما تقرير مسألة المعاد ومن تأمل في هذا البيان الذي ذكرناه علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد، وأما القصص فالمراد من ذكرها ما يجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول.

المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادراً على البعث، والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة على أنه ﴿ هُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ ولا شك أن خلقها أعظم وأفخم من إعادة هذا الشخص حياً بعد أن صار ميتاً، والقادر على الأقوى الأكمل لابد وأن يكون قادراً على الأقل والأضعف، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّهُ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ والمقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن ممكناً في نفسه لما وقع أولاً، والله تعالى قادر على كل الممكنات، فوجب كونه قادراً على تلك الإعادة، وهذه الدلائل يقينية ظاهرة.

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ بِقَادِرٍ ﴾ إدخاله الباء على خبر إن، وإنما جاز ذلك لدخول حرف النفي على أن وما يتعلق بها، فكأنه قيل أليس الله بقادر، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيداً بقائم جاز، ولا يجوز ظننت أن زيداً بقائم، والله أعلم.

المسألة الرابعة: يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه ﴿ أَفَعَيِينَا بالخلق الأول  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر والنشر ذكر بعض أحوال الكفار فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ على النار أَلَيْسَ هذا بالحق قَالُواْ بلى وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فقوله: ﴿ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ التقدير يقال لهم أليس هذا بالحق والمقصود التهكم بهم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بقادر ﴾ محله الرفع؛ لأنه خبر أن، يدل عليه قراءة عبد الله ﴿ قادر ﴾ وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على أن وما في حيزها.

وقال الزجاج: لو قلت: ما ظننت أنّ زيداً يقائم: جاز، كأنه قيل: أليس الله بقادر.

ألا ترى إلى وقوع بلى مقرّره للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا لرؤيتهم.

وقرئ: ﴿ يقدر ﴾ ، ويقال: عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه.

ومنه: ﴿ أَفَعَيِينَا بالخلق الاول ﴾ [ق: 15].

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ ولَمْ يَتْعَبْ ولَمْ يَعْجِزْ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ واجِبَةٌ لا تَنْقُصُ ولا تَنْقَطِعُ بِالإيجادِ أبَدَ الآبادِ.

﴿ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ أيْ قادِرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ يَعْقُوبَ «يَقْدِرُ»، والباءُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أنَّ وما في حَيِّزِها ولِذَلِكَ أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقُدْرَةِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَكُونُ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ، كَأنَّهُ صَدَّرَ السُّورَةَ بِتَحْقِيقِ المَبْدَأِ أرادَ خَتْمَها بِإثْباتِ المَعادِ.

﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَقُولُهُ: ﴿ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ﴾ والإشارَةُ إلى العَذابِ.

﴿ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِكُفْرِكم في الدُّنْيا، ومَعْنى الأمْرِ هو الإهانَةُ بِهِمْ والتَّوْبِيخُ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)

{أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن} هو كقوله ومامسنا من لغوب ويقال عييت بالامر اذا لم تعرف وجهه {بقادر} محله الرفع لانه خبر ان يدل عليه قراءة عبد الله قادر وانما دخلت الباء لا شتمال النفى في اول الاية على ان وما في حيزها وقال الزجاج لو قلت ما ظننت ان زيدا بقائم جاز كانه قيل اليس الله بقادر الا ترى الى وقو بلى مقررة للقدرة على كل شىء من البعث وغير لالرؤيتهم {على أن يحيي الموتى بلى} هو جواب النفى {إنه على كل شيء قدير}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَهُ الِاسْتِفْهامُ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿ أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ أيْ لَمْ يَتْعَبْ بِذَلِكَ أصْلًا مِن عَيِيَ كَفَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ بِمَعْنى تَعِبَ كَأعْيا، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْيَيْتُ مِنَ التَّعَبِ وعَيِيتُ مِنِ انْقِطاعِ الحِيلَةِ والعَجْزِ والتَّحَيُّرِ في الأمْرِ وأنْشَدُوا: عُيُّوا بِأمْرِهِمْ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَةُ أيْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ خَلْقِهِنَّ ولَمْ يَتَحَيَّرْ فِيهِ، واخْتارَ بَعْضُهم عَدَمَ الفَرْقِ، وقَرَأ الحَسَنُ (ولَمْ يَعِيَ) بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ كَما قالُوا في بَقِيَ بَقى بِفَتْحِ القافِ وألِفٍ بَعْدَها وهي لُغَةُ طَيِّئٍ، ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعْلٍ مَفْتُوحِ العَيْنِ بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ مَكْسُورُها فَجاءَ يَعِي فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ حَذَفَ الياءَ فَبَقِيَ يَعِي بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ فَسَكَنَتِ الياءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقادِرٍ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ لِأنَّهُ خَبَرٌ أنْ والباءُ زائِدَةٌ فِيهِ، وحَسَّنَ زِيادَتَها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ، وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ قِياسًا عَلى هَذا، قالَ أبُو حَيّانَ: والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: أوَلَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ﴿ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ ولِذَلِكَ أُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَقْرِيرًا لِلْقُدْرَةِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَكُونُ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ هَذا مُشِيرٌ إلى كُبْرى لِصُغْرى سَهْلَةِ الحُصُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إحْياءُ المَوْتى شَيْءٌ وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لَهُ فَيَنْتِجُ أنَّ إحْياءَ المَوْتى مَقْدُورٌ لَهُ، ويَلْزَمُهُ أنَّهُ تَعالى ( قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى.

) وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعِيسى والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ ويَعْقُوبُ (يَقْدِرُ) بَدَلَ ( بِقادِرٍ ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ وهَذِهِ القِراءَةُ عَلى ما قِيلَ مُوافِقَةٌ أيْضًا لِلرَّسْمِ العُثْمانِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ وذلك، أن النبيّ  لما بعث، خرت الأصنام على وجوهها في تلك الليلة.

فصاح إبليس صيحة، فاجتمع إليه جنوده، فقال لهم: قد عرض أمر عظيم، امضوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها.

يعني: امشوا وانظروا ماذا حدث من الأمر.

وروى ابن عباس: أنه لما بعث النبي  حيل بين الشياطين وبين السماء، وأرسل عليهم الشهب، فجاؤوا إلى إبليس، فأخبروه بذلك، قال: هذا الأمر حادث، اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فجاء نفر منهم، فوجدوا النبيّ  يصلي تحت نخلة في سوق عكاظ، ومعه ابن مسعود وأصحابه، وكان يقرأ سورة طه في الصلاة.

وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن رجل، عن زر بن حبيش، في قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ قال: كانوا تسعة أحدهم: زوبعة أتوه ببطن نخلة يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا وروى عكرمة، عن الزبير قال: كان النبيّ  يقرأ في العشاء الأخيرة، فلما حضروا النبيّ  ، قال بعضهم، لبعض أنصتوا للقرآن واستمعوا فَلَمَّا قُضِيَ يعني: فرغ النبيّ  من القراءة والصلاة وَلَّوْا يعني: رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال مقاتل: يعني: المؤمنين.

وقال الكلبي: يعني: مخوفين.

وقال مجاهد: ليس في الجن رسل، وإنما الرسل في الإنس، والنذارة في الجن.

ثم قرأ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يعني: أنذروا قومهم من الجن قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا من محمد  كِتاباً يعني: قراءة القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى يعني: أنزل على النبي  مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله من الكتب يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يعني: يدعو إلى توحيد الله تعالى من الشرك، كما هو في سائر الكتب وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه، يعني: دين الله تعالى، وهو الإسلام يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعني: النبيّ  وَآمِنُوا بِهِ يعني: صدقوا به وبكتابه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ومن صلة في الكلام.

يعني: يغفر لكم ذنوبكم إن صدقتم.

وآمنتم وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يعني: يؤمنكم من عذاب النار وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ يعني: من لم يجب رسول الله  ، بما يدعو إليه من الإيمان فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لا يستطيع أن يهرب في الأرض، من عذاب الله تعالى.

ويقال: معناه فلن يجد الله عاجزاً عن طلبه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يعني: ليس له أنصار يمنعونه، مما نزل به من العذاب أُولئِكَ فِي ضَلالٍ يعني: في خطأ مُبِينٍ وذكر في الخبر، أنهم لما أنذرهم وخوفهم، جاء جماعة منهم إلى النبيّ  بمكة، فلقيهم بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن، فأمرهم ونهاهم، وكان معه عبد الله بن مسعود، وَخَطَّ لَهُ النبيّ  خطاً، وقال له: «لاَ تَخْرُجْ مِنْ هَذَا الخَطِّ، فَإِنَّكَ إنْ خَرَجْتَ لَنْ تَرَانِي إلَى يَوْمِ القِيَامَة، فلما رجع إليه قال: يا نبي الله سمعت هَدَّتين أي: صوتين فقال النبيّ  : أمَّا إِحْدَاهُمَا: فَإنِّي سَلَّمْتُ عَليْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلاَم، وأمّا الثَّانِيَة: فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا الرِّزْقَ فَأَعْطَيْتُهُمْ عَظْماً رِزْقاً لهم، وَأَعْطَيْتَهُم رَوْثاً رِزْقاً لِدَوَابِّهِمْ» .

ثم قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا.

ويقال: أو لم يخبروا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ يعني: لم يعجز عن خلق السموات والأرض، فكيف يعجز عن بعث الموتى.

ويقال: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ يعني: لم يعيه خلقهن، ولم يعى بخلقهن بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى لأنهم كانوا مقرين بأن الله، هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم، فأخبرهم الله تعالى، بأن الذي كان قادراً على خلق السموات والأرض، يكون قادراً على إحيائهم بعد الموت.

ثم قال بَلى يعني: هو قادر على البعث إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والبعث.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني: يكشف الغطاء عنها.

ويقال: يساق الذين كفروا إلى النار.

ويقال لهم: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ يعني: أليس هذا العذاب الذي ترون حقاً، وكنتم تكذبون به قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه الحق، وَرَبّنَا هو الله.

ويقال: والله إنه لحق، فيقرون حين لا ينفعهم إقرارهم.

قال: فيقال لهم: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: تجحدون فَاصْبِرْ يا محمد، يعني: اصبر على أذى أهل مكة، وتكذيبهم.

كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ يعني: أولو الحزم، وهو أن يصبر في الأمور، ويثبت عليها، وذلك أن النبيّ  ، أراد أن يدعو عليهم، فأمره الله تعالى بالصبر، كما صبر نوح، وكما صبر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقال السدي: أولو العزم، الذين أمروا بالقتال من الرسل.

وقال أبو العالية: أولو العزم من الرسل، كانوا ثلاثة والنبي  رابعهم، إبراهيم وهود ونوح، فأمره الله تعالى أن يصبر كما صبروا.

وقال مقاتل: أولو العزم من الرسل اثني عشر نبياً في بيت المقدس، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات، أن اخرجوا من بين أقوامكم، فلم يخرجوا.

فقال الله تعالى: يمضي العذاب عليكم مع قومكم فتشاوروا فاختاروا هلاك أنفسهم بينهم وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يعني: لا تستعجل لهم بالعذاب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ يعني: العذاب قد أتاهم من قريب في الآخرة، فلقربه كأنهم يرونه في الحال.

ويقال: في الآية تقديم وتأخير، كأنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً في الدنيا يعني: إذا أتاهم ذلك اليوم، يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل.

فذلك قوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يعني: من نهار الدنيا.

ويقال: يعني: في القبور.

وقال أبو العالية: معناه كأنهم يرون، حين يظنون أنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً من نهار.

ثم قال بَلاغٌ يعني: ذلك بلاغ وبلغه وأجل، فإذا بلغوا أجلهم ذلك فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ يعني: هل يهلك في العذاب، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون.

ويقال: معناه لا يهلك مع رحمة الله وفضله، إلا القوم الفاسقون.

ويقال: بلاغ يعني: هذا الذي ذكر بلاغ.

أي: تمام العظة.

ويقال: هو من الإبلاغ، أي: هذا إرسال وبيان لهم كقوله هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تُهْلِكُ، و «والدمار» : الهلاك، وقوله: كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم، ومعناه الخُصُوصُ في كُلِّ ما أُمِرَتْ بتدميره، وروي أَنَّ هذه الريح رمتهم أجمعين في البَحْرِ.

ثم خاطب جلَّ وعلا قريشاً على جهة الموعظة بقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ فَ «مَا» بمعنى «الذي» ، و «إن» نافية وقعتْ مكان «مَا» لمختلف اللفظ، ومعنى الآية:

ولقد أعطيناهُمْ من القُوَّةِ والغنى والبَسْطِ في الأموال والأجسامِ- ما لم نُعْطِكُمْ، ونالهم بسَبَبِ كُفْرِهِمْ هذا العَذَابُ فأنتم أحرى بذلك إذا تماديتم في كفركم، وقالت فرقة: «إنْ» شرطية، والجواب محذوف، تقديره: في الذي إنْ مَكَّنَّاكم فيه طغيتم، وهذا تَنَطُّعٌ في التأويل، و «ما» نافية في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ويقوِّي ذلك دخولُ «مِنْ» في قوله:

مِنْ شَيْءٍ، وقالت فرقةٌ: بل هي استفهام على جهة التقرير ومِنْ شَيْءٍ- على هذا- تأكيدٌ وهذا على غير مذهب سيبَوَيْهِ في دخول «مِنْ» في الجواب.

وقوله عز وجل: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ...

الآية، مخاطبة لقريشٍ على جهة التمثيلِ وَصَرَّفْنَا الْآياتِ يعني: لهذه القرى.

وقوله سبحانه: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ ...

الآية، يعني: فهلا نَصَرَتْهُمْ أصنامُهُمْ، بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: انتلفوا عنهم وقت/ الحاجة وَذلِكَ إِفْكُهُمْ إشارةٌ إلى قولهم في الأصنامِ: إنها آلهةٌ.

وقوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يحتمل أَنْ تكون «ما» مصدريةً، فلا تحتاج إلى عائد، ويحتمل أَنْ تكون بمعنى «الذي» فهناك عائد محذوف، تقديره: يفترونه.

وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)

وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ...

الآية، ابتداءُ وَصْفِ قِصَّةِ الجِنِّ ووفادتهم على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد اختلفت الرُّوَاةُ هِنَا: هَلْ هذا الجِنُّ هُمُ الوَفْدُ أوِ

المُتَجَسِّسُونَ؟

واختلفتِ الرواياتُ أيضاً عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغيرهِ في هذا الباب.

والتحرير في هذا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاءه نَفَرٌ من الجِنِّ دون أَنْ يَشْعُرَ بهم، وهم المتجسِّسون المتفرِّقون من أَجْلِ رَجْمِ الشُّهُبِ الذي حَلَّ «١» بِهِمْ، وهؤلاءِ هُمُ المرادُ بقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ...

[الجن: ١] الآية، ثم بعد ذلك وفد عليه وَفْدُهُمْ حَسْبَمَا وَرَدَ في ذلك من الآثار «٢» .

وقوله: نَفَراً يقتضي أَنَّ المصروفين كانوا رجالاً لا أنثى فيهم، والنَّفَرُ والرَّهْطُ هم:

القوم الذين لا أنثى فيهم.

وقوله تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فيه تَأَدُّبٌ مع العلم، وتعليم كيف يُتَعَلَّمُ فَلَمَّا قُضِيَ أي: فرغ من تلاوة القرآنِ واستماع الجن، قال جابر بن عبد الله وغيره: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لمّا قرأ عليهم سورة «الرحمن» فكان إذَا قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشَيْءٍ مِنْ آلائك نُكَذِّبُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، ولَمَّا وَلَّتْ هذه الجملةُ تفرَّقَتْ/ على البلاد مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، وقولهم: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً يَعْنُونَ: القرآن.

ت: وقولهم: مِنْ بَعْدِ مُوسى يحتمل أَنَّهُمْ لم يعلموا بِعِيسَى قاله ابن عباس «٣» ، أوْ أَنَّهم على دِينِ اليهودِ، قاله عطاء «٤» نقل هذا الثعلبيّ، ويحتمل ما تقدّم ذكره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ احْتَجَّ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا.

.

.

﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ.

والرُّؤْيَةُ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ.

﴿ وَلَمْ يَعْيَ ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ؛ يُقالُ: عَيَّ فُلانٌ بِأمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ، إذا لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ، وأعْيَيْتُ، إذا تَعِبْتَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقادِرٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والزَّجّاجِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "يَقْدِرُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ مَكانَ الباءِ وسُكُونِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ أيْ: ذَوُو الحَزْمِ والصَّبْرِ؛ وفِيهِمْ عَشْرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ الرَّياحِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمَّ تُصِبْهم فِتْنَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ العَرَبُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والسّادِسُ: أنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم آدَمُ، ولا يُونُسُ، ولا سُلَيْمانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالجِهادِ والقِتالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.

والثّامِنُ: أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إلّا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: "مَن" دَخَلَتْ لِلتَّجْنِيسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، كَما تَقُولُ: قَدْ رَأيْتُ الثِّيابَ مِنَ الخَزِّ والجِبابَ مِنَ القَزِّ.

والتّاسِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ [الأنْعامِ: ٨٣ -٨٦]، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والعاشِرُ: أنَّهم جَمِيعُ الأنْبِياءِ إلّا يُونُسَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ النَّبِيُّ  ضَجِرَ بَعْضَ الضَّجَرِ، وأحَبَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِمَن أبى مِن قَوْمِهِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إلا ساعَةً مِن نَهارٍ ﴾ لِأنَّ ما مَضى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وإنْ كانَ طَوِيلًا.

وقِيلَ: لِأنَّ مِقْدارَ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا قَلِيلٌ في جَنْبِ مُكْثِهِمْ في عَذابِ الآخِرَةِ.

وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلاغٌ ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَلاغٌ عَنِ اللَّهِ إلَيْكم.

وَفِي مَعْنى وصْفِ القُرْآنِ بِالبَلاغِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ البَلاغَ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: الكِفايَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما أخْبَرْناهم بِهِ لَهم فِيهِ كِفايَةٌ وغِنًى.

وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعْنى: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، ذَلِكَ لُبْثُ بِلاغٍ، أيْ: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى آجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَتْ "ذَلِكَ لُبْثُ" اكْتِفاءً بِدَلالَةٍ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلَيْها.

وَقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَلِّغْ" بِكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها وسُكُونِ الغَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَهْلِكُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ ﴿ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟!

.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿ يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى  لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا  وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا.

و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و ﴿ "الحَقِّ" ﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.

و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.

، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ" ﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿ أجِيبُوا داعِيَ اللهِ ﴾ ، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ.

والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ" ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ" ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و ﴿ "بَلى" ﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقوله: ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ﴾ [الأحقاف: 17، 18] فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرّأهم على إحالة البعث، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة بالاحتجاج على البعث بقوله تعالى: ﴿ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ [الأحقاف: 3] الآية ويتصل بقوله: ﴿ والذي قال لوالديه أفَ لكما أتِعَدَانني أن أخرج إلى قوله: أساطير الأولين ﴾ [الأحقاف: 17].

والواو عاطفة جملة الاستفهام، وهو استفهام إنكاري، والرؤية عِلمية.

واختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة مشاهدة، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم، وذلك من شأنه أن يفرض بالعقل إلى أن الله كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات.

ووقعت ﴿ أنّ ﴾ مع اسمها وخبرها سادّة مسدّ مفعولي ﴿ يروا ﴾ .

ودخلت الباء الزائدة على خبر ﴿ أنّ ﴾ وهو مثبت وموكَّد، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على الخبر المنفي، لأن ﴿ أن ﴾ وقعت في خبر المنفي وهو ﴿ أولم يروا ﴾ .

ووقع ﴿ بلى ﴾ جواباً عن الاستفهام الإنكاري.

ولا يريبك في هذا ما شاع على ألسنة المعربين أن الاستفهام الإنكاري في تأويل النفي، وهو هنا اتصل بفعل منفي ب (لم) فيصير نفي النفي إثباتاً، فكان الشأن أن يكون جوابه بحرف (نعم) دون ﴿ بلى ﴾ ، لأن كلام المعربين أرادوا به أنه في قوة منفي عند المستفهم به، ولم يريدوا أنه يعامل معاملة النفي في الأحكام.

وكون الشيء بمعنى شيء لا يقتضي أن يعطَى جميع أحكامه.

ومحل التعجيب هو خبر ﴿ أنّ ﴾ وأما ما قبله فالمشركون لا ينكرونه فلا تعجيب في شأنه.

ووقوع الباء في خبر ﴿ أنّ ﴾ وهو ﴿ بقادر ﴾ باعتبار أنه في حيّز النفي لأن العامل فيه وهو حرف ﴿ أنّ ﴾ وقع في موضع مفعولي فِعل ﴿ يروا ﴾ الذي هو منفي فسرى النفي للعامل ومعموله، فقرن بالباء لأجل ذلك، وفي «الكشاف» «قال الزجاج لو قلت: ما ظننت أن زيداً بقائم جاز، كأنه قيل: أليس الله بقادر» اه.

وقال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله: ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ [النساء: 79] يريدان أنها زائدة في الإثبات على وجه الندور.

وأما موقع الجواب بحرف ﴿ بلى ﴾ فهو جواب لمحذوف دل عليه التعجيب من ظنهم أن الله غيرُ قادر على أن يحيي الموتى، فإن ذلك يتضمن حكاية عنهم أن الله لا يحيي الموتى، فأجيب بقوله: ﴿ بلى ﴾ تعليماً للمسلمين وتلقيناً لما يجيبونهم به.

وحرف ﴿ بلى ﴾ لما كان جواباً كان قائماً مقام جملة تقديرها: هو قادر على أن يحيي الموتى.

وجملة ﴿ ولم يَعْيَ بخلقهن ﴾ عطف على جملة ﴿ الذي خلق السماوات والأرض ﴾ .

وقوله: ﴿ لم يعييَ ﴾ مضارع عَيِيَ من باب رضي، ومصدره العِيّ بكسر العين وهو العجز عن العمل أو عن الكلام، ومنه العيّ في الكلام، أي عسر الإبَانِة.

وتعديته بالباء هنا بلاغة ليفيد انتفاء عجزه عن صنعها وانتفاء عجزه في تدبير مقاديرها ومناسباتها، فكانت باء الملابسة صالحة لتعليق الخلق بالعي بمعنييه.

وكثير من أيمة اللغة يرون أن العِيّ يطلق على التعب وعن عجز الرأي وعجز الحيلة.

وعن الكسائي والأصمعي: العِيُّ خاص بالعجز في الحيلة والرأي.

وأما الإعياء فهو التعب من المشي ونحوه، وفعله أعيا، وهذا ما درج عليه الراغب وصاحب «القاموس».

وظاهر الأساس: أن أعيا لا يكون إلا متعدياً، أي همزته همزة تعدية فهذا قول ثالث.

وزعم أبو حيان أن مثله مقصور على السماع.

قلت: وهو راجع إلى تنازع العاملين.

وعلى هذا الرأي يكون قوله تعالى هنا ﴿ ولم يَعْي ﴾ دالاً على سَعة علمه تعالى بدقائق ما يقتضيه نظام السماوات والأرض ليوجدهما وافيين به.

وتكون دلالته على أنه قدير على إيجادهما بدلالة الفحوى أو يكون إيكال أمر قدرته على خلقهما إلى علم المخاطبين، لأنهم لم ينكروا ذلك، وإنما قصد تنبيههم إلى ما في نظام خلقهما من الدقائق والحِكم ومن جملتها لزوم الجزاء على عمل الصالحات والسيئات.

وعليه أيضاً تكون تعدية فعل ﴿ يَعْيَ ﴾ بالباء متعينة.

وقرأ الجمهور ﴿ بقادر ﴾ بالموحدة بصيغة اسم الفاعل.

وقرأه يعقوب ﴿ يقدر ﴾ بتحتية في أوله على أنه مضارع من القدرة، وتكون جملة ﴿ يقدر ﴾ في محل خبر ﴿ أنَّ ﴾ .

وجملة ﴿ إنه على كل شيء قدير ﴾ تذييل لجملة ﴿ بلى ﴾ لأن هذه تفيد القدرة على خلق السماوات والأرض وإحياء الموتى وغير ذلك من الموجودات الخارجة عن السماوات والأرض.

وتأكيد الكلام بحرف (أنَّ) لرد إنكارهم أن يمكن إحياء الله الموتى، لأنهم لما أحالوا ذلك فقد أنكروا عموم قدرته تعالى على كل شيء.

ولهذه النكتة جيء في القدرة على إحياء الموتى بوصف ﴿ قادر ﴾ ، وفي القدرة على كل شيء بوصف ﴿ قدير ﴾ الذي هو أكثر دلالة على القدرة من وصف ﴿ قادر ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ فِيهِمْ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ و الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ العَرَبُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.

الثّالِثُ: مَن لَمْ تُصِبْهُ فِتْنَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: مَن أصابَهُ مِنهم بَلاءٌ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الخامِسُ: أنَّهم أُولُوا العَزْمِ، حَكاهُ يَحْيى.

السّادِسُ: أنَّهم أُولُوا الصَّبْرِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَجْزَعُوا.

وَرَوَتْ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَرْضَ عَنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَلى مَخْبُوئِها» .

وفي أُولِي العَزْمِ مِنهم سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ أُولُوا العَزْمِ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ.

فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنهم نُوحٌ وهُودٌ وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهم نُوحٌ وهُودٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ ومُوسى، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ.

الخامِسُ: أنَّهم إبْراهِيمُ ومُوسى وداوُدُ وسُلَيْمانُ وعِيسى ومُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: أنَّ مِنهم إسْماعِيلَ ويَعْقُوبَ وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ ولا سُلَيْمانُ ولا آدَمُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: بِالعَذابِ وهَذا وعِيدٌ.

﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ العَذابِ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا حَتّى جاءَهُمُ العَذابُ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ يَحْيى.

الثّانِي: في قُبُورِهِمْ حَتّى بُعِثُوا لِلْحِسابِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ النَّقّاشِ.

﴿ بَلاغٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ بَلاغٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ هَذا القُرْآنَ بَلاغٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ بَلاغٌ، وهو حُلُولُ ما وعَدَهُ إمّا مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا أوِ العَذابِ في الآخِرَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ هَذا البَلاغِ.

﴿ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ قالَ يَحْيى: المُشْرِكُونَ.

وَذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ أُحُدٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما أصابَهُ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ تَسْهِيلًا عَلَيْهِ وتَثْبِيتًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الزبير ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾ قال: بنخلة، قال: ورسوله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبداً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ إلى قوله: ﴿ ضلال مبين ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾ الآية قال: كانوا تسعة عشر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صُرِفَتِ الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وكان أشراف الجن بنصيبين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: كانوا من أهل نصيبين أتوه ببطن نخلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بت الليلة أقرأ على الجن رفقاً بالحجون» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم شجرة.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل أين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن فقال: قرأ عليهم بشعب يقال له الحجون.

وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟

قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حرا، فأخبرناه فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: هم اثنا عشر ألفاً من جزيرة الموصل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: كانوا سبعة ثلاثة من أهل حران وأربعة من نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وماصر والارد واينان والأقحم وسرق.

وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه عن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجاً فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب فما لبث أن ماتت فلفها رجل في خرقة ودفنها، ثم قدمنا مكة فإنا لبالمسجد الحرام إذ وقف علينا شخص فقال: أيكم صاحب عمرو؟

قلنا: ما نعرف عمراً.

قال: أيكم صاحب الجان؟

قالوا: هذا.

قال: أما أنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل والواقدي عن أبي جفعر رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشر من النبوة.

وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان والأرد واينان والأحقب جاؤوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون، فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم لساعة من الليل بالحجون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ ﴾ قال مقاتل (١) (٢) واختلفوا في وجه دخول الباء في قوله: ﴿ بقادر ﴾ وهو خبر (أن) والباء لا تدخل في خبرها، فقال أبو عبيدة: مجازها قادر، والعرب تؤكد الكلام بالباء وهي مُسْتغنًى عنها (٣) وقال الأخفش: هذه الباء كالباء في قوله: ﴿ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا  ﴾ وقوله: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ (٤) وقال الفراء: دخلت الباء لِلَم، والعرب تدخلها مع الجحد مثل قولك: ما أظنك بقائم، وما أظن أنك بقائم، وأنشد: فَما رَجَعَتْ بخاَئِبةٍ رِكَابُ ...

حَكِيمُ بنُ المسَيَّبِ مُنْتهَاها (٥) وهذا مذهب الكسائي (٦) (٧) وزاد أبو علي شرحًا فقال: هذا من الحمل على المعنى، وأدخل الباء لما كان الكلام في معنى: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ  ﴾ .

قال: ومثل ذلك من الحمل على المعنى: بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ...

إلاَّ رَوَاكدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاءُ (٨) ومُشَجَّجٌ أمَّا سَواءُ قَذَاله ...

فبدا وغيب سَارَه المَعْزَاءُ (٩) (١٠) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 30.

(٢) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.

انظر: "تفسيره" 12/ 30، وأورده الواحدي في "أسباب النزول" ص 385، والبغوي في "تفسيره" 7/ 28.

(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 694.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 56، 57، وانظر: "مغني اللبيب" 1/ 94، و"تفسير الطبري" 13/ 2/ 35، وانظر: "الجنى الداني في حروف المعاني" للمرادي ص 55، وقد نسبه: للقحيف العقيلي.

وانظر: "بصائر ذوي التمييز" للفيروزابادي 2/ 195.

(٦) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 174.

(٧) انظر:"معاني القرآن" للزجاج 4/ 447.

(٨) معنى بادت: تغيرت وبليت، أي: غير البيود آيهن، والآي: جمع آية، وهي آثار الديار وعلاماتها، والبلى: تقادم العهد، والرواكد: الأثافي لركودها وثبوتها، والهباء: الغبار جعل الجمر كالهباء لقدمه وانسحاقه.

(٩) هذا موضع الشاهد والمشجج: الوتد من أوتاد الخباء وتشجيجه: ضرب رأسه لتثبيته، والقذال: عني به أعلى الوتد وهو من الدابة معقد العذار بير الأذنين وسواؤه: وسطه، وساره: سائره أي جميعه، وهي لغة في سائره.

والمعزاء: == الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة جمعها الأماعز، وكانوا ينحرون النزول في الصلابة ليكونوا بمعزل عن السيل، والشاهد فيه رفع مشجج على المعنى.

والبيتان لذي الرمة وقيل للشماخ.

انظر: ملحقات "ديوان ذي الرمة" 3/ 184، و"ديوان الشماخ" ص 428، و"الكتاب" لسيبويه 1/ 173، و"اللسان" (شجج) 2/ 304.

(١٠) انظر: "الحجة" لأبي علي 5/ 313، 6/ 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ الآية: احتجاج على بعث الأجساد بخلق السموات والأرض ﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ يقال: عييتَ بالأمر إذا لم تعرفه، فالمعنى أنه تعالى علم كيف خلق السموات والأرض، وأحكم خلقتها، فلا شك أنه قادر على إحياء الموتى ﴿ بِقَادِرٍ ﴾ في موضع رفع لأنه خبر أن، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وخبرها ﴿ بلى ﴾ جواب لما تقدم، أي هو قادر على أن يحي الموتى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.

﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.

﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.

هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .

﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه  أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.

والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.

وقيل: بين عمان ومهرة.

والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.

الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.

ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.

والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.

والتدمير الإهلاك والاستئصال.

وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.

ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.

وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.

وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.

وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.

قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.

ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.

فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.

والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.

قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.

وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.

وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.

فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي  بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.

فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.

وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه  حتى أوحى الله إليه.

والقول الثاني "أنه  أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟

فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله  شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.

قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي  ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.

فلما رجع رسول الله  سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله  : أمعك ماء؟

قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.

فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.

وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.

وقيل: اثني عشر ألفاً.

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.

والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي  أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي  من القراءة.

وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله  إلى قومهم، ومنه يعلم أنه  كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.

وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.

و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".

واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.

والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.

قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.

قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.

قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟

والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله  في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم"  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية.

والإشكال: ما معنى قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ، وهم لم يشاهدوا خلقهما، ولم يروا، لكن قال بعضهم: أي: أولم يخبروا؟

وقال بعضهم: أولم يعلموا؟

أي: قد أخبروا وعلموا؛ ذكر هذا لأنهم كانوا مقرين جميعاً أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ يقول - والله أعلم - أي: لما علموا أن الله -  وتعالى - هو خلق السماوات والأرض، ولم يضعفه خلق ما ذكر، ولم يعجزه ذلك عن تدبير ما يحتاج ذلك إليه من الإمساك والقيام بما به قوام ما خلق فيهن من الخلائق وإصلاحهم، فإذ لم يعجز عما ذكره لا يحتمل أن يكون عاجزاً عن إحياء الموتى، أو عن شيء ألبتة.

أو يقول: حيث لم يعي؛ ولم يظهر فيه الضعف في خلق ما ذكر، ثم لا أحد يملك أن يعمل عملا إلا ويظهر فيه الضعف، فإذا لم يعجز ولم يضعف في خلق ما ذكر؛ دل ذلك على أنه إنما لم يضعفه؛ لأن قدرته ذاتية، ومن كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء، فأما غيره إنما يعمل بأسباب فيقدر على العمل على قدر الأسباب ويعجز ربما عنه، والله أعلم.

أو يقول: إذ قد عرفتم أن الله -  - هو خلق السماوات والأرض، ثم لا يحتمل أن يخلقهما عبثاً باطلا؛ إذ لو لم يكن بعث كان خلقهما باطلا عبثاً، وأصله ما ذكرنا بدءاً: أن من قدر على إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما بلا احتذاء تقدم ولا استعانة بغير، ثم الإمساك والقوام على التدبير الذي دبر إلى آخر الدهر، لا يحتمل أن يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة.

قال أبو عوسجة والقتبي: قوله: ﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ يقال: عييت بهذا: أي: لم أحسنه، ولم أقو عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ﴾ مرة قيل لهم: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ  ﴾ ومرة قيل لهم: ﴿ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ﴾ يقص هذا عليهم يومئذ ليعترفوا بالذي كانوا ينكرون في الدنيا؛ لأنهم كانوا ينكرون في الدنيا الرسل والآيات، وكانوا ينكرون كون البعث وعذابه، فيعرضون على النار، فيقال لهم: هذا الذي وعدتم في الدنيا، أليس هو حقا؟

فيعترفون ويقولون: ﴿ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ﴾ فيقال: لهم: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ في الدنيا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يلزم الرسل الصبر من وجوه ستة: ثلاثة مما خصوا هم بها، لا يشركهم غيرهم فيها، وثلاثة مما يشترك غيرهم فيها؛ فأما الثلاثة التي خصوا بها: أحدها: هم بعثوا لتبليغ الرسالة إلى الفراعنة والأكابر والجبابرة الذين كانت عادتهم وهمتهم القتل، وإهلاك من خالفهم وعصى أمرهم ومذهبهم، فلم يعذروا في ترك تبليغ الرسالة إليهم مع ما ذكرنا من خوف الهلاك والقتل، فأمّا غيرهم من الناس قد أبيح لهم كتمان الدين الحق منهم حتى لا يهلكوا.

والثاني: ألزمهم الصبر بالمقام بين أظهر قومهم واحتمال ما كان يلحقهم منهم من الاستهزاء بهم، والافتراء عليهم، والتكذيب لهم، وأنواع الأذى الذي كان منهم إلى الرسل، لم يؤذن لهم بمفارقتهم لذلك؛ ولذلك قال: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ  ﴾ ، لم يكن منه سوى الخروج من بين قومه لسلامة دينه لو لم يسلموا، ثم أصابه ما أصاب بذلك الخروج لما لم يؤذن له بالخروج، والله أعلم.

والثالث: لم يجعل لهم الدعاء على قومهم بالهلاك والعذاب وإن كان منهم من التمرد والتعنت ما كان.

فهذه الثلاثة من المعاملة مما خص الرسل - عليهم السلام - بها من بين سائر الناس.

وأما الثلاثة التي يشترك فيها غيرهم: أحدها: أمروا بالصبر على ما يصيبهم وينزل من البلايا والشدائد.

والثاني: أمروا بالمحافظة على العبادات [التي] جعلت عليهم، ومحافظة حدودها، والصبر على القيام بها.

والثالث: أمروا بالصبر على ترك قضاء الشهوة، وترك إعطاء النفس هواها [و]مناها.

فهذه الثلاثة لهم فيما بينهم وبين ربهم، وهي مما يشترك فيها غيرهم، والثلاثة الأولى لهم فيما بينهم وبين الخلق، وهم قد خصّوا بتلك الثلاثة دون غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .

قال بعضهم: أولو العزم من الرسل هم: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، ويوسف، وموسى - عليهم الصلاة والسلام - وهؤلاء عدوا نفراً منهم.

وقال بعضهم: هم الرسل جميعاً.

وجائز أن يكون أولو العزم من الرسل هم الذين كان منهم الصبر على ما ذكرنا من المعاملة مع قومهم.

وقيل: أولو العزم هم الذين كانوا أبداً المتيقظين، القائمين بأمر الله، الحافظين لحدوده، وقال في آدم -  -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ أي: لا تستعجل عليهم بالهلاك والنقمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: كأنك لا توعدهم بالعذاب إلا ساعة من النهار، وعذاب ساعة من النهار مما لا يحملهم على ترك قضاء شهواتهم، ومنع ما هم فيه من الأحوال.

والثاني: كأنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوه استقصروا المقام في الدنيا، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ  ﴾ استقصروا المقام في الدنيا إذا عاينوا يوم القيامة وأهوالها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلاَغٌ ﴾ قال بعضهم: الإبلاغ.

وقيل: البلاغ من البلغة؛ أي: زاد يبلغ به السفر حيث يريد، والله [أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ كأنه يقول: لا يهلك الهلاك الدائم المؤبد إلا القوم الفاسقون، وإلا الهلاك الذي ليس هو بالهلاك الدائم المؤبد مما يهلك الفاسق وغير الفاسق إذ يكون حقّاً على الكل.

أو يقول: لا يهلك هلاك العذاب إلا الفاسق، فأما الهلاك الذي هو هلاك النجاة والفوز عن شدائد الدنيا فمما يهلك به الصالح، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَوَلم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث أن الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض ولم يعجز عن خلقهنّ مع ضخامتهن واتساعهنّ قادر على أن يحيي الموتى للحساب والجزاء؟!

بلى، إنه لقادر على إحيائهم، إنه سبحانه على كل شيء قدير، فلا يعجز عن إحياء الموتى.

<div class="verse-tafsir" id="91.QLp3d"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل