الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٣٥ من سورة الأحقاف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٥ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) أي : على تكذيب قومهم لهم .
وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال ، وأشهرها أنهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وخاتم الأنبياء كلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - قد نص الله على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي " الأحزاب " و " الشورى " ، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل ، وتكون ) من ) في قوله : ( من الرسل ) لبيان الجنس ، والله أعلم .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي ، حدثنا السري بن حيان ، حدثنا عباد بن عباد ، حدثنا مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق قال : قالت لي عائشة [ رضي الله عنها ] : ظل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صائما ثم طواه ، ثم ظل صائما ثم طواه ، ثم ظل صائما ، [ ثم ] قال : " يا عائشة ، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد .
يا عائشة ، إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم ، فقال : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) وإني - والله - لأصبرن كما صبروا جهدي ، ولا قوة إلا بالله " ( ولا تستعجل لهم ) أي : لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم ، كقوله : ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ) [ المزمل : 11 ] ، وكقوله ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) [ الطارق : 17 ] .
( كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) ، كقوله ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) [ النازعات : 46 ] ، وكقوله ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) [ يونس : 45 ] ، [ وحاصل ذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ حين عاينوا يوم القيامة وشدائدها وطولها ] .
وقوله : ( بلاغ ) قال ابن جرير : يحتمل معنيين ، أحدهما : أن يكون تقديره : وذلك لبث بلاغ .
والآخر : أن يكون تقديره : هذا القرآن بلاغ .
وقوله : ( فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) أي : لا يهلك على الله إلا هالك ، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب .
آخر تفسير سورة الأحقاف .
القول في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , مثبته على المضيّ لما قلَّده من عبْء الرسالة, وثقل أحمال النبوّة صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لَقُوا فيه من قومهم من المكاره, ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد ( فَاصْبِرْ ) يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذّبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار ( كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) على القيام بأمر الله, والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره, ما نالهم فيه من شدّة.
وقيل: إن أولي العزم منهم, كانوا الذين امتُحِنوا في ذات الله في الدنيا بِالمحَن, فلم تزدهم المحن إلا جدّا في أمر الله, كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثنى ثوابة بن مسعود, عن عطاء الخُراسانيّ, أنه قال ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) كنا نحدث أن إبراهيم كان منهم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) قال: كلّ الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ الله رسولا إلا كان ذا عزم, فاصبر كما صبروا.
حدثنا ابن سنان القزّاز, قال: ثنا عبد الله بن رجاء, قال: ثنا إسرائيل, عن سالم, عن سعيد بن جُبير, في قوله ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) قال: سماه الله من شدته العزم.
وقوله ( وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) يقول: ولا تستعجل عليهم بالعذاب, يقول: لا تعجل بمسألتك ربك ذلك لهم فإن ذلك نازل بهم لا محالة ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) يقول: كأنهم يوم يرون عذاب الله الذي يعدهم أنه منـزله بهم, لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار, لأنه ينسيهم شدّة ما ينـزل بهم من عذابه, قدر ما كانوا في الدنيا لبثوا, ومبلغ ما فيها مكثوا من السنين والشهور, كما قال جل ثناؤه: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ .
وقوله بَلاغٌ ) فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ذلك لبث بلاغ, بمعنى: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى أجلهم, ثم حذفت ذلك لبث, وهي مرادة في الكلام اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليها.
والآخر: أن يكون معناه: هذا القرآن والتذكير بلاغ لهم وكفاية , إن فكَّروا واعتبروا فتذكروا.
وقوله ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) يقول تعالى ذكره: فهل يهلك الله بعذابه إذا أنـزله إلا القوم الذين خالفوا أمره, وخرجوا عن طاعته وكفروا به.
ومعنى الكلام: وما يهلك الله إلا القوم الفاسقين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) تعلموا ما يهلك على الله إلا هالك ولى الإسلام ظهرَه أو منافق صدّق بلسانه وخالف بعمله.
ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ أُمَّتِي هَمَّ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ, وَإِنْ عَملها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
وَأَيُّمَا عَبْدٍ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ, فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً, ثُمَّ كَانَ يَتْبَعُهَا, وَيَمْحُوهَا اللَّهُ وَلا يَهْلِكُ إلا هَالِكٌ".
آخر تفسير سورة الأحقاف
قوله تعالى : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون .قوله تعالى : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وقال ابن عباس : ذوو الحزم والصبر ، قال مجاهد : هم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد عليهم الصلاة والسلام .
وهم أصحاب الشرائع .
وقال أبو العالية : إن أولي العزم : نوح ، وهود ، وإبراهيم .
فأمر الله - عز وجل - نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعهم .
وقال السدي : هم ستة : إبراهيم ، وموسى ، وداود ، وسليمان ، وعيسى ، ومحمد ، صلوات الله عليهم أجمعين .
وقيل : نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ولوط ، وموسى ، وهم المذكورون على النسق في سورتي ( الأعراف والشعراء ) وقال مقاتل : هم ستة : نوح صبر على أذى قومه مدة .
وإبراهيم صبر على النار .
وإسحاق صبر على الذبح .
ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر .
ويوسف صبر على البئر والسجن .
وأيوب صبر على الضر .
وقال ابن جريج : إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب ، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم .
وقال الشعبي والكلبي ومجاهد أيضا : هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة .
وقيل : هم نجباء الرسل المذكورون في سورة ( الأنعام ) وهم ثمانية عشر : إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ونوح ، وداود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهارون ، وزكرياء ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط .
واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ ص: 204 ] وقال ابن عباس أيضا : كل الرسل كانوا أولي عزم .
واختاره علي بن مهدي الطبري ، قال : وإنما دخلت من للتجنيس لا للتبعيض ، كما تقول : اشتريت أردية من البز وأكسية من الخز .
أي : اصبر كما صبر الرسل .
وقيل : كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متى ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يكون مثله ، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه ، فابتلاه الله بثلاث : سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله ، وسلط الذئب على ولده فأكله ، وسلط عليه الحوت فابتلعه ، قال أبو القاسم الحكيم .
وقال بعض العلماء : أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم ، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل ، فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم ، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل ، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ببني إسرائيل ، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي الله بني إسرائيل ، فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب .
وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض ، فمنهم من نشر بالمناشير ، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات ، ومنهم من حرق بالنار .
والله أعلم .وقال الحسن : أولو العزم أربعة : إبراهيم ، وموسى ، وداود ، وعيسى ، فأما إبراهيم فقيل له : أسلم قال أسلمت لرب العالمين ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه ، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به .
وأما موسى فعزمه حين قال له قومه : إنا لمدركون .
قال كلا إن معي ربي سيهدين وأما داود فأخطأ خطيئته فنبه عليها ، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة ، فقعد تحت ظلها .
وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة وقال : ( إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ) فكأن الله تعالى يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : اصبر ، أي : كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ، واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى ، مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى .
ثم قيل هي : منسوخة بآية السيف .
وقيل : محكمة ، والأظهر أنها منسوخة ; لأن السورة مكية .
وذكر مقاتل : أن هذه الآية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، فأمره الله - عز وجل - أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل ، تسهيلا عليه وتثبيتا له .
والله أعلم .[ ص: 205 ] ولا تستعجل لهم قال مقاتل : بالدعاء عليهم .
وقيل : في إحلال العذاب بهم ، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة .
ومفعول الاستعجال محذوف ، وهو العذاب .
كأنهم يوم يرون ما يوعدون قال يحيى : من العذاب .
النقاش : من الآخرة .
لم يلبثوا أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب ، وهو مقتضى قول يحيى .
وقال النقاش : في قبورهم حتى بعثوا للحساب .
إلا ساعة من نهار يعني في جنب يوم القيامة .
وقيل : نساهم هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا .
بلاغ أي هذا القرآن بلاغ ، قاله الحسن .
فبلاغ رفع على إضمار مبتدإ ، دليله قوله تعالى : هذا بلاغ للناس ولينذروا به وقوله : إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين .
والبلاغ بمعنى التبليغ .
وقيل : أي : إن ذلك اللبث بلاغ ، قاله ابن عيسى ، فيوقف على هذا على بلاغ وعلى نهار وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على ولا تستعجل ثم ابتدأ لهم على معنى لهم بلاغ .
قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ، لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام ، - وهي رافعة - بشيء ليس منهما .
ويجوز في العربية : بلاغا وبلاغ ، النصب على معنى إلا ساعة بلاغا ، على المصدر أو على النعت للساعة .
والخفض على معنى من نهار بلاغ .
وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن .
وروي عن بعض القراء ( بلغ ) على الأمر ، فعلى هذه القراءة يكون الوقف على من نهار ثم يبتدئ ( بلغ )فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أي الخارجون عن أمر الله ، قاله ابن عباس وغيره .
وقرأ ابن محيصن ( فهل يهلك إلا القوم ) على إسناد الفعل إلى القوم .
وقال ابن عباس : إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها ، وهي : بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم ، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها .
كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون صدق الله العظيم .
وعن قتادة : لا يهلك الله إلا هالكا مشركا .
وقيل : هذه أقوى آية في الرجاء .
والله أعلم .
ثم أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم.فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى الله وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل صادعا بأمر الله مقيما على جهاد أعداء الله صابرا على ما يناله من الأذى، حتى مكن الله له في الأرض وأظهر دينه على سائر الأديان وأمته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليما.وقوله: { وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب فإن هذا من جهلهم وحمقهم فلا يستخفنك بجهلهم ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو الله عليهم بذلك فإن كل ما هو آت قريب، و { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا } في الدنيا { إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل.{ بَلَاغٌ } أي: هذه الدنيا متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة ودفع وقت حاضر قليل.أو هذا القرآن العظيم الذي بينا لكم فيه البيان التام بلاغ لكم، وزاد إلى الدار الآخرة، ونعم الزاد والبلغة زاد يوصل إلى دار النعيم ويعصم من العذاب الأليم، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق وأجل نعمة أنعم الله بها عليهم.{ فَهَلْ يُهْلَكُ } بالعقوبات { إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } أي: الذين لا خير فيهم وقد خرجوا عن طاعة ربهم ولم يقبلوا الحق الذي جاءتهم به الرسل.وأعذر الله لهم وأنذرهم فبعد ذلك إذ يستمرون على تكذيبهم وكفرهم نسألالله العصمة.آخر تفسير سورة الأحقاف، والحمد لله رب العالمين
( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) قال ابن عباس : ذوو الحزم .
وقال الضحاك : ذوو الجد والصبر .
واختلفوا فيهم ، فقال ابن زيد : كل الرسل كانوا أولي عزم ، لم يبعث الله نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ، ورأي وكمال عقل ، وإنما أدخلت " من " للتجنيس لا للتبعيض ، كما يقال : اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز .
وقال بعضهم : الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى ، لعجلة كانت منه ، ألا ترى أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : " ولا تكن كصاحب الحوت " ؟
.
وقال قوم : هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام ، وهم ثمانية عشر ، لقوله تعالى بعد ذكرهم : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ( الأنعام - 90 ) .
وقال الكلبي : هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين .
وقيل : هم ستة : نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، وموسى ، عليهم السلام ، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء .
وقال مقاتل : هم ستة : نوح ، صبر على أذى قومه ، وإبراهيم ، صبر على النار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ويعقوب ، صبر على فقد ولده وذهاب بصره ، ويوسف ، صبر على البئر والسجن ، وأيوب ، صبر على الضر .
وقال ابن عباس وقتادة : هم نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، أصحاب الشرائع ، فهم مع محمد - صلى الله عليه وسلم - خمسة .
قلت : ذكرهم الله على التخصيص في قوله : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم " ( الأحزاب - 7 ) ، وفي قوله تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " ( الشورى - 13 ) .
أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي ، حدثنا أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ الحافظ ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، أخبرنا محمد بن الحجاج ، أخبرنا السري بن حيان ، أخبرنا عباد بن عباد ، حدثنا مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق قال : قالت عائشة قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها ، والصبر على مجهودها ، ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم ، وقال : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وإني والله لا بد لي من طاعته ، والله لأصبرن كما صبروا ، وأجهدن كما جهدوا ، ولا قوة إلا بالله " .
قوله تعالى : ( ولا تستعجل لهم ) أي ولا تستعجل العذاب لهم ، فإنه نازل بهم لا محالة ، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم ، فأمر بالصبر وترك الاستعجال .
ثم أخبر عن قرب العذاب فقال : ( كأنهم يوم يرون ما يوعدون ) من العذاب في الآخرة ( لم يلبثوا ) [ في الدنيا ] ( إلا ساعة من نهار ) أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار ، لأن ما مضى وإن كان طويلا كأن لم يكن .
ثم قال : ( بلاغ ) أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم ، والبلاغ بمعنى التبليغ ( فهل يهلك ) بالعذاب إذا نزل ( إلا القوم الفاسقون ) الخارجون من أمر الله .
قال الزجاج : تأويله : لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون ، ولهذا قال قوم : ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية .
(فاصبر) على أذى قومك (كما صبر أولو العزم) ذوو الثبات والصبر على الشدائد (من الرسل) قبلك فتكون ذا عزم، ومن للبيان فكلهم ذوو عزم وقيل للتبعيض فليس منهم آدم لقوله تعالى "" ولم نجد له عزما "" ولا يونس لقوله تعالى "" ولا تكن كصاحب الحوت "" (ولا تستعجل لهم) لقومك نزول العذاب بهم، قيل كأنه ضجر منهم فأحب نزول العذاب بهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال للعذاب فإنه نازل لا محالة (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) من العذاب في الآخرة لطوله (لم يلبثوا) في الدنيا في ظنهم (إلا ساعة من نهار) هذا القرآن (بلاغ) تبليغ من الله إليكم (فهل) أي لا (يهلك) عند رؤية العذاب (إلا القوم الفاسقون) أي الكافرون.
فاصبر -أيها الرسول- على ما أصابك مِن أذى قومك المكذبين لك، كما صبر أولو العزم من الرسل من قبلك- وهم، على المشهور: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأنت منهم- ولا تستعجل لقومك العذاب؛ فحين يقع ويرونه كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، هذا بلاغ لهم ولغيرهم.
ولا يُهْلَكُ بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن أمره وطاعته.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على مكرهم فقال : ( فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل ) .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر على أذى قومك ، كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل ، أى : أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء .
.
وهم - على أشهر الأقوال - : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم جميعا - .وقوله : ( وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ) نهى منه - تعالى - لنبيه عن استعجال العذاب لهم .
أى : ولا تستعجل لهم العذاب .
فالمفعول محذوف للعلم به .
.
ثم بين - سبحانه ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال : ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ .
.
) .
أى : اصبر - ايها الرسول - على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل .
ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آتيهم لا ريب فيه ، وكأنهم عندما يرون هذا العذاب ويحل بهم ، لم يلبثوا فى الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا ، لأن شدة هذا العذاب تنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها .وقوله - تعالى - : ( بَلاَغٌ ) خبر لمبتدأ محذوف أى : هذا الذى أنذرتكم به ، أو هذا القرآن بلاغ كاف فى وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه ، وتبليغ من الرسول - صلى الله عليه وسلم إليكم .( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون ) كلا ، إنه لا يهلك بعذاب الله - تعالى - إلا القوم الخارجون عن طاعته ، الواقعون فى معصيته فالاستفهام للنفى .
.وبعد فهذا تفسير لسورة " الأحقاف نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة وهي التوحيد والنبوة والمعاد، وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ويوجسون صدره، فقال تعالى: ﴿ فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل ﴾ أي أولو الجد والصبر والثبات، وفي الآية قولان.
الأول: أن تكون كلمة ﴿ مِنَ ﴾ للتبعيض ويراد بأولو العزم بعض الأنبياء قيل هم نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر وموسى قال له قومه ﴿ فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّآ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ﴾ وداود بكى على زلته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال الله تعالى في آدم ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ وفي يونس ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ .
والقول الثاني: أن كل الرسل أولو عزم ولم يبعث الله رسولاً إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال وعقل، ولفظة من في قوله: ﴿ مَّنَ الرسل ﴾ تبيين لا تبعيض كما يقال كسيته من الخز وكأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم.
ثم قال: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ ومفعول الاستعجال محذوف، والتقدير لا تستعجل لهم بالعذاب، قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه بعض الضجر، وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب، وأنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وعند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ، كأنه ساعة من النهار، أو كأن لم يكن لهول ما عاينوا، أو لأن الشيء إذا مضى صار كأنه لم يكن، وإن كان طويلاً قال الشاعر: كأن شيئاً لم يكن إذا مضى *** كأن شيئاً لم يزل إذا أنى واعلم أنه تم الكلام هاهنا، ثم قال تعالى: ﴿ بلاغ ﴾ أي هذا بلاغ، ونظيره قوله تعالى: ﴿ هذا بلاغ لّلنَّاسِ ﴾ أي هذا الذي وعظتم به فيه كفاية في الموعظة أو هذا تبليغ من الرسل، فهل يهلك إلا الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿ أُوْلُواْ العزم ﴾ أولوا الجد والثبات والصبر.
و ﴿ مِنْ ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد بأولى العزم: بعض الأنبياء.
قيل: هم نوح، صبر على أذى قومه: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على ا لذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه: إنا لمدركون، قال: كلا إنّ معي ربي سيهدين، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها.
وقال الله تعالى في آدم: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وفي يونس: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ [القلم: 48] ويجوز أن تكون للبيان، فيكون أولو العز صفة الرسل كلهم ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل ﴾ لكفار قريش بالعذاب، أي: لا تدع لهم بتعجيله؛ فإنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذٍ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ﴿ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ ﴾ أي هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة.
أو هذا تبليغ من الرسول عليه السلام ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ إلا الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه.
ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ: بلغ فهل يهلك: وقرئ ﴿ بلاغاً ﴾ ، أي بلغوا بلاغاً: وقرئ ﴿ يهلك ﴾ بفتح الياء وكسر اللام وفتحها، من هلك وهلك.
ونهلك بالنون ﴿ إِلاَّ القوم الفاسقون ﴾ .
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا» .
﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أُولُو الثَّباتِ والجِدِّ مِنهم فَإنَّكَ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومِنَ لِلتَّبْيِينِ، وقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ، وأُولُو العَزْمِ أصْحابُ الشَّرائِعِ اجْتَهَدُوا في تَأْسِيسِها وتَقْرِيرِها وصَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّها ومُعاداةِ الطّاعِنِينَ فِيها، ومَشاهِيرُهُمْ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى صَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: الصّابِرُونَ عَلى بَلاءِ اللَّهِ كَنُوحٍ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ، كانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ، وإبْراهِيمُ عَلى النّارِ وذَبْحِ ولَدِهِ والذَّبِيحُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ عَلى فَقْدِ الوَلَدِ والبَصَرِ، ويُوسُفُ عَلى الجُبِّ والسَّجْنِ، وأيُّوبُ عَلى الضُّرِّ، ومُوسى قالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿ إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ﴿ قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةَ، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ.
﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ.
﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ ﴾ اسْتَقْصَرُوا مَن هَوْلِهِ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا حَتّى يَحْسُبُوها ساعَةً.
﴿ بَلاغٌ ﴾ هَذا الَّذِي وُعِظْتُمْ بِهِ أوْ هَذِهِ السُّورَةُ بَلاغٌ أيْ كِفايَةٌ، أوْ تَبْلِيغٌ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «بَلِّغْ»، وقِيلَ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَهم وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ لَهم وقْتٌ يَبْلُغُونَ إلَيْهِ كَأنَّهم إذا بَلَغُوهُ ورَأوْا ما فِيهِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ عُمْرِهِمْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْ بَلِّغُوا بَلاغًا.
﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنِ الِاتِّعاظِ أوِ الطّاعَةِ، وقُرِئَ «يَهْلَِكُ» بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها مَن هَلِكَ وهَلَكَ، و «نُهْلِكُ» بِالنُّونِ ونَصْبِ القَوْمِ.
عَنِ النَّبِيِّ «مَن قَرَأ سُورَةَ الأحْقافِ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ رَمْلَةٍ في الدُّنْيا».»
{فاصبر كما صبر أولوا العزم} اولوا الجد والثبات والصبر {من الرسل} من التبعيض والمراد باولى العزم ما ذكر في الاحزاب واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن
نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم ويونس ليس منهم لقوله ولا تكن كصاحب الحوت وكذا آدم لقوله ولم نجد له عزما او لبيان فيكون اولوا العزم صفة
الرسل كلهم {ولا تستعجل لهم} لكفار قريش بالعذاب اى لا تدع لهم بتعجيله فانه نال بهم لا محالة وان تأخر {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} ى انهم يستقصرون حينئذ مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ساعة من نهار {بلاغ} هذا بلاغ اى هذا الذي وعظتم به كفايه في الموعظة او هذا تبليغ من الرسول {فهل يهلك} هلاك عذاب والمعنى فلن يهلك بعذاب الله {إلا القوم الفاسقون} اى المشركون الخارجون عن الإتعاظ به والعمل بموجبة قال عليه السلام من قرأ سورة الأحقاف كتب الله له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا
سورة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل سورة القتال مدنية وقيل مكية وهى ثمان وثلاثون اية او تسع وثلاثون اية
بسم الله الرحمن الرحيم
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ عاقِبَةُ أمْرِ الكَفَرَةِ ما ذُكِرَ فاصْبِرْ عَلى ما يُصِيبُكَ مِن جِهَتِهِمْ أوْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَحَقَّقْتَهُ مِن قُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ (فاصْبِرْ) وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَها عاطِفَةً لِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ، والسَّبَبِيَّةُ فِيها ظاهِرَةٌ واقْتَصَرَ في البَحْرِ عَلى كَوْنِها لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى إخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وقالَ: المَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ حالُهم فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَزْمُ يُطْلَقُ عَلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في الشَّيْءِ وعَلى الصَّبْرِ عَلَيْهِ، ( ومِنَ ) بَيانِيَّةٌ كَما في ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( الرُّسُلِ ) فَيَكُونُ أُولُو العَزْمِ صِفَةَ جَمِيعِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ والجُبّائِيُّ وجَماعَةٌ أيْ ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ ﴾ الرُّسُلُ المُجِدُّونَ المُجْتَهِدُونَ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ الَّذِينَ لا يَصْرِفُهم عَنْهُ صارِفٌ ولا يَعْطِفُهم عَنْهُ عاطِفٌ والصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيما عَهِدَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ أوْ قَضاهُ وقَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةٍ أوْ بِدُونِها.
وعَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ جُرَيْجٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ( مِنَ ) لِلتَّبْعِيضِ فَأُولُو العَزْمِ بَعْضُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في عِدَّتِهِمْ وتَعْيِينِهِمْ عَلى أقْوالٍ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ وهُمُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ وقِيلَ: تِسْعَةٌ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا.
وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى الإلْقاءِ في النّارِ.
والذَّبِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الذَّبْحِ.
ويَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى فَقْدِ ولَدِهِ.
ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى البِئْرِ والسِّجْنِ وأيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿ إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ فَقالَ: ﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ وداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها يَعْنِي الدُّنْيا مَعْبَرَةٌ فاعْبُرُوها ولا تُعَمِّرُوها، وقِيلَ: سَبْعَةٌ آدَمُ ونُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وداوُدُ وسُلَيْمانُ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ وهم نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ ومُوسى وداوُدُ وسُلَيْمانُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهم سِتَّةٌ ولَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الأمْرِ بِالقِتالِ وقالَ: هم نُوحٌ وإبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ ويُوسُفُ وأيُّوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم نُوحٌ وهُودٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظاهِرُهُ القَوْلُ بِأنَّهم خَمْسَةٌ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى وظاهِرُهُ القَوْلُ بِأنَّهم أرْبَعَةٌ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ.
وقَوْلُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ: إنَّ أصَحَّها القَوْلُ بِأنَّهم خَمْسَةٌ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ ونَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ مِن أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ونَظَمَهم بَعْضُ الأجِلَّةِ فَقالَ: أُولُو العَزْمِ نُوحٌ والخَلِيلُ المُمَجَّدُ ومُوسى وعِيسى والحَبِيبُ مُحَمَّدُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وتَأسِّي نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَن أُمِرَ بِالتَّأسِّي بِهِ ولَمْ يَرِدْ أنَّ أصَحَّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ في الآيَةِ أُولَئِكَ الخَمْسَةُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ يَصْبِرَ كَصَبْرِهِ نَفْسِهِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ، وعَلى هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ فِيما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أنَّهم ثَلاثَةٌ نُوحٌ وإبْراهِيمُ وهُودٌ ورَسُولُ اللَّهِ رابِعٌ لَهُمْ، ولَعَلَّ الأوْلى في الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ وإنْ صارَ أُولُو العَزْمِ بَعْدُ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ الخَمْسَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ الإطْلاقِ لِاشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ كَما في الأعْلامِ الغالِبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ومُكابَدَةِ الشَّدائِدِ مُطْلَقًا كَما صَبَرَ إخْوانُكَ الرُّسُلُ قَبْلَكَ ﴿ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ أيْ لِكَفّارِ مَكَّةَ بِالعَذابِ أيْ لا تَدْعُ بِتَعْجِيلِهِ فَإنَّهُ عَلى شَرَفِ النُّزُولِ بِهِمْ ﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إلا ساعَةً ﴾ يَسِيرَةً ﴿ مِن نَهارٍ ﴾ لِما يُشاهِدُونَ مِن شِدَّةِ العَذابِ وطُولِ مُدَّتِهِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ (مِنَ النَّهارِ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلاغٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا الَّذِي وعَظْتُمْ بِهِ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ أوْ تَبْلِيغٌ مِنَ الرَّسُولِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإشارَةَ إلى القُرْآنِ أوْ ما ذُكِرَ مِنَ السُّورَةِ.
وأُيِّدَ تَفْسِيرُ ﴿ بَلاغٌ ﴾ بِتَبْلِيغٍ بِقِراءَةِ أبِي مِجْلَزٍ وأبِي سِراجٍ الهُذَلِيِّ (بَلِّغْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِقِراءَةِ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا في رِوايَةٍ (بَلَّغَ) بِصِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفْعِيلِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الإشارَةِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: ( بَلاغٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( لَهم ) السّابِقُ فَيُوقَفُ عَلى ﴿ ولا تَسْتَعْجِلْ ﴾ ويُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَهم ) وتَكُونُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مُعْتَرَضَةً بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ والمَعْنى لَهُمُ انْتِهاءً وبُلُوغٌ إلى وقْتٍ فَيَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ ومُخالَفَةِ الظّاهِرِ إذِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُ ( لَهم ) بِتَسْتَعْجِلْ.
وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى (بَلاغًا) بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ بَلِّغْ بَلاغًا أوْ بَلِّغْنا بَلاغًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا (بَلاغٍ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِنَهارٍ.
﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنِ الِاتِّعاظِ أوْ عَنِ الطّاعَةِ، وفي الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ ما فِيها.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ ( يَهْلِكُ ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
وعَنْهُ أيْضًا ( يَهْلَكُ ) بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ وهي لُغَةٌ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ (نُهْلِكُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِنَ الإهْلاكِ ( القَوْمَ الفاسِقِينَ ) بِالنَّصْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُمْ ﴾ إلى الآخَرِ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ لَها خاصِّيَّةً مِن بَيْنِ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الدُّعاءِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إذا طَلَبْتَ حاجَةً وأحْبَبْتَ أنْ تَنْجَحَ فَقُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ الحَلِيمُ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها.
كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بِلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ وعَزائِمَ مُغْفِرَتِكَ والسَّلامَةَ مِن كُلِّ إثْمٍ والغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ والنَّجاةَ مِنَ النّارِ اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلّا غَفَرْتَهُ ولا هَمًّا إلّا فَرَّجْتَهُ ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ ولا حاجَةً مِن حَوائِجِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا قَضَيْتَها بِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ)».
قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ وذلك، أن النبيّ لما بعث، خرت الأصنام على وجوهها في تلك الليلة.
فصاح إبليس صيحة، فاجتمع إليه جنوده، فقال لهم: قد عرض أمر عظيم، امضوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها.
يعني: امشوا وانظروا ماذا حدث من الأمر.
وروى ابن عباس: أنه لما بعث النبي حيل بين الشياطين وبين السماء، وأرسل عليهم الشهب، فجاؤوا إلى إبليس، فأخبروه بذلك، قال: هذا الأمر حادث، اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فجاء نفر منهم، فوجدوا النبيّ يصلي تحت نخلة في سوق عكاظ، ومعه ابن مسعود وأصحابه، وكان يقرأ سورة طه في الصلاة.
وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن رجل، عن زر بن حبيش، في قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ قال: كانوا تسعة أحدهم: زوبعة أتوه ببطن نخلة يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا وروى عكرمة، عن الزبير قال: كان النبيّ يقرأ في العشاء الأخيرة، فلما حضروا النبيّ ، قال بعضهم، لبعض أنصتوا للقرآن واستمعوا فَلَمَّا قُضِيَ يعني: فرغ النبيّ من القراءة والصلاة وَلَّوْا يعني: رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال مقاتل: يعني: المؤمنين.
وقال الكلبي: يعني: مخوفين.
وقال مجاهد: ليس في الجن رسل، وإنما الرسل في الإنس، والنذارة في الجن.
ثم قرأ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يعني: أنذروا قومهم من الجن قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا من محمد كِتاباً يعني: قراءة القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى يعني: أنزل على النبي مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله من الكتب يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يعني: يدعو إلى توحيد الله تعالى من الشرك، كما هو في سائر الكتب وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه، يعني: دين الله تعالى، وهو الإسلام يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعني: النبيّ وَآمِنُوا بِهِ يعني: صدقوا به وبكتابه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ومن صلة في الكلام.
يعني: يغفر لكم ذنوبكم إن صدقتم.
وآمنتم وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يعني: يؤمنكم من عذاب النار وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ يعني: من لم يجب رسول الله ، بما يدعو إليه من الإيمان فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لا يستطيع أن يهرب في الأرض، من عذاب الله تعالى.
ويقال: معناه فلن يجد الله عاجزاً عن طلبه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يعني: ليس له أنصار يمنعونه، مما نزل به من العذاب أُولئِكَ فِي ضَلالٍ يعني: في خطأ مُبِينٍ وذكر في الخبر، أنهم لما أنذرهم وخوفهم، جاء جماعة منهم إلى النبيّ بمكة، فلقيهم بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن، فأمرهم ونهاهم، وكان معه عبد الله بن مسعود، وَخَطَّ لَهُ النبيّ خطاً، وقال له: «لاَ تَخْرُجْ مِنْ هَذَا الخَطِّ، فَإِنَّكَ إنْ خَرَجْتَ لَنْ تَرَانِي إلَى يَوْمِ القِيَامَة، فلما رجع إليه قال: يا نبي الله سمعت هَدَّتين أي: صوتين فقال النبيّ : أمَّا إِحْدَاهُمَا: فَإنِّي سَلَّمْتُ عَليْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلاَم، وأمّا الثَّانِيَة: فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا الرِّزْقَ فَأَعْطَيْتُهُمْ عَظْماً رِزْقاً لهم، وَأَعْطَيْتَهُم رَوْثاً رِزْقاً لِدَوَابِّهِمْ» .
ثم قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا.
ويقال: أو لم يخبروا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ يعني: لم يعجز عن خلق السموات والأرض، فكيف يعجز عن بعث الموتى.
ويقال: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ يعني: لم يعيه خلقهن، ولم يعى بخلقهن بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى لأنهم كانوا مقرين بأن الله، هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم، فأخبرهم الله تعالى، بأن الذي كان قادراً على خلق السموات والأرض، يكون قادراً على إحيائهم بعد الموت.
ثم قال بَلى يعني: هو قادر على البعث إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والبعث.
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني: يكشف الغطاء عنها.
ويقال: يساق الذين كفروا إلى النار.
ويقال لهم: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ يعني: أليس هذا العذاب الذي ترون حقاً، وكنتم تكذبون به قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه الحق، وَرَبّنَا هو الله.
ويقال: والله إنه لحق، فيقرون حين لا ينفعهم إقرارهم.
قال: فيقال لهم: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: تجحدون فَاصْبِرْ يا محمد، يعني: اصبر على أذى أهل مكة، وتكذيبهم.
كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ يعني: أولو الحزم، وهو أن يصبر في الأمور، ويثبت عليها، وذلك أن النبيّ ، أراد أن يدعو عليهم، فأمره الله تعالى بالصبر، كما صبر نوح، وكما صبر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.
وقال السدي: أولو العزم، الذين أمروا بالقتال من الرسل.
وقال أبو العالية: أولو العزم من الرسل، كانوا ثلاثة والنبي رابعهم، إبراهيم وهود ونوح، فأمره الله تعالى أن يصبر كما صبروا.
وقال مقاتل: أولو العزم من الرسل اثني عشر نبياً في بيت المقدس، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات، أن اخرجوا من بين أقوامكم، فلم يخرجوا.
فقال الله تعالى: يمضي العذاب عليكم مع قومكم فتشاوروا فاختاروا هلاك أنفسهم بينهم وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يعني: لا تستعجل لهم بالعذاب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ يعني: العذاب قد أتاهم من قريب في الآخرة، فلقربه كأنهم يرونه في الحال.
ويقال: في الآية تقديم وتأخير، كأنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً في الدنيا يعني: إذا أتاهم ذلك اليوم، يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل.
فذلك قوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يعني: من نهار الدنيا.
ويقال: يعني: في القبور.
وقال أبو العالية: معناه كأنهم يرون، حين يظنون أنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً من نهار.
ثم قال بَلاغٌ يعني: ذلك بلاغ وبلغه وأجل، فإذا بلغوا أجلهم ذلك فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ يعني: هل يهلك في العذاب، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون.
ويقال: معناه لا يهلك مع رحمة الله وفضله، إلا القوم الفاسقون.
ويقال: بلاغ يعني: هذا الذي ذكر بلاغ.
أي: تمام العظة.
ويقال: هو من الإبلاغ، أي: هذا إرسال وبيان لهم كقوله هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
في غير هذا، وأَنَّهم ذكروا المُتَّفَقَ عليه، انتهى.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهي التوراة والإنجيل، وداعي الله هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم وَآمِنُوا بِهِ أي: باللَّه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ...
الآية.
ت: وذكر الثعلبيُّ خلافاً في مُؤمني الجِنِّ، هل يُثَابُونَ على الطاعةِ ويدخُلُونَ الجَنَّة، أو يُجَارُونَ من النار فقطْ؟
اللَّه أعلم بذلك، قال الفخر: والصحيحُ أَنَّهم في حُكْمِ بني آدم يستحِقُّون الثوابَ على الطاعة، والعقابَ على المعصية، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى قال الضَّحَّاكُ: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون «١» ، انتهى، وقد تَقَدَّمَ ما نقلناه عن البخاريِّ في سورة الأنعام أَنَّهُمْ يُثَابُونَ.
وقوله سبحانه: وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ ...
الآية: يحتملُ أَنْ يكون مِنْ تمامِ كلام المُنْذِرِين، ويحتمل أَنْ يكونَ من كلام اللَّه عزَّ وجلَّ، و «المُعْجِزُ» :
الذاهبُ في الأَرض الذي يُعْجَزُ طالِبَهُ فلا يَقْدِرُ عليه.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا الضمير لقريش وذلك أَنَّهم أنكروا البعث وعَوْدَ الأجساد، وهُمْ مع ذلك معترِفُونَ بأَنَّ اللَّه تعالى خَلَقَ السموات والأَرْضَ، فَأُقِيمَتْ عليهم الحُجَّةُ مِنْ أقوالهم- ص-: قال أبو حَيَّان «٢» : والباء في قوله: بِقادِرٍ زائدة، انتهى.
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ المعنى: واذكرْ يومَ، وهذا وعيدٌ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، / وهذا عَرْضُ مباشرةٍ.
وقوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ أي: يقال لهم: أليس هذا بالحق؟
قالُوا بَلى وَرَبِّنا فصدَّقوا بذلك حيث لا ينفعهم التصديقُ، فَرُوِيَ عن الحَسَنِ أنه قال: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النارِ، وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أَنَّهُ العَدْل «٣» .
واخْتُلِفَ في تعيين أُولى الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، ولا محالةَ أنّ لكل نبيّ ورسول عزما وصبرا.
وقوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ معناه: ولا تستعجلْ لهم عذاباً فإنَّهم إليه صائرون، ولا تَسْتَطِلْ تعميرَهُمْ في هذه النِّعْمَةِ فَإنَّهم يوم يَرَوْنَ العذاب كأنهم لَم يَلْبَثُوا في الدنيا إلاَّ ساعةً لاِحتقارهم ذلك لأَنَّ المنقضيَ من الزمان يصير عَدَماً.
ت: وإذا علمتَ- أَيُّها الأخُ- أَنَّ الدنيا أضغاثُ أحْلاَم، كان من الحزم اشتغالُكَ الآنَ بتَحْصِيلِ الزادِ لِلْمَعَاد، وحِفْظِ الحَواسِّ، ومراعاةِ الأنفاس، ومراقبة مَوْلاَك، فَآتَّخِذْهُ صاحباً، وذَرِ الناس جانباً قال أبو حامد الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه-: اعلم أَنَّ صاحبك الذي لا تفارقُهُ في حَضَرِكَ وسَفَرِكَ، ونَوْمِكَ ويَقَظَتِكَ، بل في حياتك، وموتك- هو رَبُّك، ومولاك، وسَيِّدُك، وخالقك، ومهما ذكرتَهُ فهو جَلِيسُكَ إذ قال تعالى: «أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي» ، ومهما انكسر قلبُكَ حُزْناً على تَقْصِيرِكَ في حق دِينِكَ، فهو صَاحِبُكَ ومُلاَزِمُكَ إذْ قال: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبهمْ مِنْ أَجْلِي» «١» فلو عرفته يا أخي حَقَّ معرفتِهِ لاَتَّخذْتَهُ صَاحِباً، وتركْتَ الناَّسَ جانباً، فإنْ لم تَقْدِرْ/ على ذلك في جميع أوقاتك، فَإيَّاكَ أنْ تُخْلِيَ ليلَكَ ونهارَكَ عَنْ وَقْتٍ تخلُو فيه بموْلاَكَ، وتَلذَّذُ بمناجاتِهِ، وعند ذلك فعليكَ بآدَابِ الصُّحْبَةِ مع اللَّه تعالى، وآدابُهَا: إطراقُ الطَّرْفِ، وجَمْعُ الهَمِّ، ودَوَامُ الصَّمْتِ، وسُكُونُ الجَوَارِحِ، ومُبَادَرَةُ الأَمْرِ، واجتنابُ النَّهْي، وقِلَّةُ الاِعتراضِ عَلَى الْقَدَرِ، ودَوَامُ الذِّكْرِ باللسان، ومُلاَزَمَةُ الفِكْر، وإيثارُ الحَقِّ، واليَأْسُ من الخَلْقِ، والخضوعُ تحْتَ الهيبَةِ والانْكِسَارُ تحت الحياء، والسُّكُونُ عن حِيَلِ الكَسْب ثِقَةً بالضَّمَان، والتَوَكُّلُ على فَضْل اللَّه معرفةً بحسن اختياره وهذا كله ينبغي أنْ يكون شعارَكَ، في جميع لَيْلِكَ ونَهَارِك، فإنَّهُ آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق كُلُّهم يفارقُونَكَ في بَعْضِ أوقاتك، انتهى من «بداية الهداية» .
وقوله: بَلاغٌ يحتمل معانيَ:
أحدُهَا: أَنْ يكون خبر مبتدإ محذوفٍ، أي: هذا إنذارٌ وتبليغٌ.
ويحتمل أنْ يريد: كأنْ لم يلبثوا إلاَّ ساعةً كانَتْ بلاغَهُمْ، وهذا كما تَقُولُ: متاعٌ قليلٌ، وقيل غَيْرُ هذا، وقرأ أبو مجلز وغيره «٢» : بَلاغٌ على الأمر، وقرأ الحسن بن أبي
الحَسَنِ: بَلاغٌ بالخفْضِ نعتاً ل نَهارٍ «١» .
وقوله سبحانه: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ وقُرِىءَ شَاذاً «٢» : فَهَلْ يُهْلَكُ ببناء الفعل للفاعل، وفي هذه الآية وعيدٌ مَحْضٌ، وإنذارٌ بَيِّنٌ وذلك أنّ الله عز وجل جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئةَ بمثلها، وغفر الصغائر باجتنابِ الكبائرِ، ووعد الغفرانَ على التوبة، فلن يهلك على اللَّه إلاَّ هالَكَ كما قال صلّى الله عليه وسلّم، قال الثعلبيُّ: يقال: إن قوله تعالى:
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أرجى آية في كتاب الله/ عزّ وجلّ للمؤمنين.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا.
.
.
﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ.
والرُّؤْيَةُ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ.
﴿ وَلَمْ يَعْيَ ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ؛ يُقالُ: عَيَّ فُلانٌ بِأمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ، إذا لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ، وأعْيَيْتُ، إذا تَعِبْتَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقادِرٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والزَّجّاجِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: "يَقْدِرُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ مَكانَ الباءِ وسُكُونِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ أيْ: ذَوُو الحَزْمِ والصَّبْرِ؛ وفِيهِمْ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ الرَّياحِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمَّ تُصِبْهم فِتْنَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ العَرَبُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهم إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والسّادِسُ: أنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم آدَمُ، ولا يُونُسُ، ولا سُلَيْمانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالجِهادِ والقِتالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.
والثّامِنُ: أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إلّا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: "مَن" دَخَلَتْ لِلتَّجْنِيسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، كَما تَقُولُ: قَدْ رَأيْتُ الثِّيابَ مِنَ الخَزِّ والجِبابَ مِنَ القَزِّ.
والتّاسِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ [الأنْعامِ: ٨٣ -٨٦]، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
والعاشِرُ: أنَّهم جَمِيعُ الأنْبِياءِ إلّا يُونُسَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ النَّبِيُّ ضَجِرَ بَعْضَ الضَّجَرِ، وأحَبَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِمَن أبى مِن قَوْمِهِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إلا ساعَةً مِن نَهارٍ ﴾ لِأنَّ ما مَضى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وإنْ كانَ طَوِيلًا.
وقِيلَ: لِأنَّ مِقْدارَ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا قَلِيلٌ في جَنْبِ مُكْثِهِمْ في عَذابِ الآخِرَةِ.
وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلاغٌ ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَلاغٌ عَنِ اللَّهِ إلَيْكم.
وَفِي مَعْنى وصْفِ القُرْآنِ بِالبَلاغِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ البَلاغَ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: الكِفايَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما أخْبَرْناهم بِهِ لَهم فِيهِ كِفايَةٌ وغِنًى.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعْنى: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، ذَلِكَ لُبْثُ بِلاغٍ، أيْ: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى آجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَتْ "ذَلِكَ لُبْثُ" اكْتِفاءً بِدَلالَةٍ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلَيْها.
وَقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَلِّغْ" بِكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها وسُكُونِ الغَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَهْلِكُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ ﴿ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟!
.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ وسِواهُمْ، و"العَرْضُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَرْضُ مُباشَرَةٍ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ حَقًّا وقَدْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؟
فَيُجِيبُونَ: بَلى ورَبِّنا، فَذَلِكَ تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّهم لِيَعُذَّبُونِ في النارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، فَيَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المَحاوِرُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاصْبِرْ" ﴾ الفاءُ عاطِفَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوُصاةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإخْبارِ عن حالِ الكَفَرَةِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ، أيْ: هَذِهِ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى، فَلا تَسْتَعْجِلُ أنْتَ فِيما حَمَلَتْهُ، واصْبِرْ لَهُ، ولا تَخَفْ في اللهِ أحَدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الرُسُلِ ﴾ تَبْعِيضٌ، والمُرادُ مَن حُفِظَتْ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ شِدَّةٌ ومُجاهَدَةٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وغَيْرِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، هَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ: والرُسُلُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ كُلُّهم أُولُو العَزْمِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ يَتَضَمَّنُ رُسُلًا وغَيْرَهُمْ، فَبَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ جِنْسَ الرُسُلِ خاصَّةً تَعْظِيمًا لَهُمْ، ولِتَكُونَ القُدْوَةُ المَضْرُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ أشْرَفَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ هَذا القَوْلَ عن عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَبَرِيِّ، وحُكِيَ عن أبِي القاسِمِ الحَكِيمِ أنَّهُ قالَ: الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ كُلُّهم أُولُو عَزْمٍ إلّا يُونُسُ ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ بِعَقِبِ ذِكْرِهِمْ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى بَصَرُهُ، وقالَ "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السَجْنِ، وأيُّوبُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ قالَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، أُوذِيَ بِأكْثَرِ مِن هَذا فَصَبَرَ"»، ولا مَحالَةَ أنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ورَسُولٍ عَزْمًا وصَبْرًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: لا تَسْتَعْجِلُ لَهم عَذابًا، فَإنَّهم إلَيْهِ صائِرُونَ، ولا تَسْتَطِلْ تَعْمِيرَهم في هَذِهِ النِعْمَةِ، فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ العَذابَ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُنْيا إلّا ساعَةً، لِاحْتِقارِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ المُنْقَضِي مِنَ الزَمانِ إنَّما يَصِيرُ عَدَمًا، فَكَثِيرُهُ الَّذِي ساءَتْ عاقِبَتُهُ كالقَلِيلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ساعَةً مِنَ النَهارِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلاغٌ" وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، المَعْنى: هَذا بَلاغٌ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِـ"هَذا" إمّا إلى القُرْآنِ والشَرْعِ، أيْ: هَذا إنْذارٌ وتَبْلِيغٌ، وإمّا إلى المُدَّةِ الَّتِي تَكُونُ كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً كانَتْ بَلاغَهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَتاعٌ قَلِيلٌ" ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى.
والثانِي: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
والثالِثُ: ما قالَهُ أبُو مَجْلَزٍ، فَإنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا تَسْتَعْجِلْ"، ويَقُولُ: "بَلاغٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ"، وقَدَحَ الناسُ في هَذا القَوْلِ بِكَثِيرَةِ الحائِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعِيسى: "بَلاغًا"، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ في قِراءَةِ الرَفْعِ، ولَيْسَ يَدْخُلُها قَوْلُ أبِي مِجْلَزٍ، ونَصَبَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ: "بَلِّغْ" عَلى الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَلاغٍ" بِالخَفْضِ نَعْتًا للنَّهارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَهَلْ يُهْلَكُ" ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ بَعْضُهم -فِيما حَكى هارُونُ-: "فَهَلْ يَهْلَكُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ وكَسْرِ اللامِ، وحَكاها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ أيْضًا بِفَتْحِ الياءِ واللامِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي مَرْغُوبٌ عنها.
ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَبِيِّ : "فَهَلْ يَهْلَكُ"» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ "إلّا القَوْمَ الفاسِقِينَ" بِالنَصْبِ.
وفِي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ مَحْضٌ وإنْذارٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، وأمَرَ بِالطاعَةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِالجَنَّةِ، ونَهى عَنِ الكُفْرِ وأوعَدَ عَلَيْهِ بِالنارِ، « "فَلَنْ يَهْلَكَ عَلى اللهِ إلّا هالِكٌ"» كَما قالَ .
قالَ الثَعْلَبِيًّ: يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ أرْجى آيَةً في كِتابِ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
﴿ تَكْفُرُونَ * فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ ﴾ تفريع على ما سبق في هذه السورة من تكذيب المشركين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بجعلهم القرآن مفترى واستهزائهم به وبما جاء به من البعث ابتداء من قوله: ﴿ وإذا تُتْلَى عليهم آياتنا بيّنات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ﴾ [الأحقاف: 7]، وما اتصل به من ضَرْب المَثل لهم بعاد.
فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما لقيه منهم من أذى، وضرب له المثل بالرسل أولي العزم.
ويجوز أن تكون الفاء فصيحة.
والتقدير: فإذا علمت ما كان من الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا.
وأولوا العزم: أصحاب العزم، أي المتصفون به.
والعزم: نية محققة على عمل أو قول دون تردد.
قال تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكّل على الله ﴾ [آل عمران: 159] وقال: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ [البقرة: 235].
وقال سعد بن ناشب من شعراء الحماسة يعني نفسه: إذا هَمَّ ألقَى بين عينيه عزمه *** ونكَّب عن ذكر العواقب جانباً والعزم المحمود في الدين: العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة، وقوامه الصبر على المكروه وباعث التقوى، وقوته شدة المراقبة بأن لا يتهاون المؤمن عن محاسبته نفسه قال تعالى: ﴿ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ [آل عمران: 186] وقال: ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبلُ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ [طه: 115].
وهذا قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف، وعلى هذا تكون ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من الرسل ﴾ تبعيضية.
وعن ابن عباس أنه قال: كل الرسل أولو عزم، وعليه تكون ﴿ مِن ﴾ بيانية.
وهذه الآية اقتضت أن محمداً صلى الله عليه وسلم من أولي العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل أمر ربه، فصبره مثيل لصبرهم، ومَن صَبَرَ صَبْرَهم كان منهم لا محالة.
وأعقبَ أمره بالصبر بنهيه عن الاستعجال للمشركين، أي الاستعجال لهم بالعذاب، أي لا تطلب منا تعجيله لهم وذلك لأن الاستعجال ينافي العزم ولأن في تأخير العذاب تطويلاً لمدة صبر الرسول صلى الله عليه وسلم بكسب عزمه قوة.
ومفعول ﴿ تستعجل ﴾ محذوف دل عليه المقام، تقديره: العذاب أو الهلاك.
واللام في ﴿ لهم ﴾ لام تعدية فعل الاستعجال إلى المفعول لأجله، أي لا تستعجل لأجلهم، والكلام على حذف مضاف إذ التقدير: لا تستعجل لهلاكهم.
وجملة ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ﴾ تعليل للنهي عن الاستعجال لهم بالعذاب بأن العذاب واقع بهم فلا يؤثر في وقوعه تطويل أجله ولا تعجيله، قال مرة بن عداء الفقعسي، ولعله أخذ قولَه من هذه الآية: كأنك لم تُسبق من الدّهر ليلةً *** إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب وهم عند حلوله منذ طول المدة يشبه حالهم حال عدم المهلة إلا ساعة قليلة.
و ﴿ من نهار ﴾ وصف الساعة، وتخصيصها بهذا الوصف لأن ساعة النهار تبدو للناس قصيرة لما للناس في النهار من الشواغل بخلاف ساعة الليل تطول إذ لا يجد الساهر شيئاً يشغله.
فالتنكير للتقليل كما في حديث الجمعة قوله صلى الله عليه وسلم " وفيه ساعة يُستجاب فيها الدعاء "، وأشار بيده يقللها، والساعة جزء من الزمن.
﴿ نَّهَارٍ ﴾ .
فذلكة لما تقدم بأنه بلاغ للناس مؤمِنهم وكافِرهم ليعلم كلٌّ حَظّه من ذلك، فقوله: ﴿ بلاغ ﴾ خبر مبتدإ محذوف تقديره: هذا بلاغ، على طريقة العنوان والطالع نحوَ ما يُكتب في أعلى الظهير: «ظهير من أمير المؤمنين»، أو ما يكتب في أعلى الصكوك نحو: «إيداع وصية»، أو ما يكتب في التآليف نحو ما في «الموطأ» «وقوت الصلاة».
ومنه ما يكتب في أعالي المنشورات القضائية والتجارية كلمة: «إعلان».
وقد يظهر اسم الإشارة كما في قوله تعالى: ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ [إبراهيم: 52]، وقول سيبويه: «هذا باب علم ما الكلم من العربية»، وقال تعالى: ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ [الأنبياء: 106].
والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً على طريقة الفذلكة والتحصيل مثل جملة ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ [البقرة: 196]، ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ [البقرة: 134].
﴿ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم ﴾ .
فرع على جملة ﴿ كأنهم يوم يرون ما يُوعدون ﴾ إلى ﴿ من نهار ﴾ ، أي فلا يصيبُ العذاب إلا المشركين أمثالهم.
والاستفهام مستعمل في النفي، ولذلك صحّ الاستثناء منه كقوله تعالى: ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه ﴾ [البقرة: 130].
ومعنى التفريع أنه قد اتضح مما سمعت أنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون، وذلك من قوله: ﴿ قل ما كنتُ بِدْعاً من الرسل ﴾ [الأحقاف: 9]، وقوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ [الأحقاف: 12، 13]، وقوله: ﴿ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ﴾ [الأحقاف: 27] الآية.
والإهلاك مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي، فإن ما حكي فيما مضى بعضه إهلاك حقيقي مثل ما في قصة عاد، وما في قوله: ﴿ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ﴾ ، وبعضه مجازي وهو سوء الحال، أي عذاب الآخرة: وذلك فيما حكي من عذاب الفاسقين.
وتعريف ﴿ القوم ﴾ تعريف الجنس، وهو مفيد العموم، أي كل القوم الفاسقين فيعم مشركي مكة الذين عناهم القرآن فكان لهذا التفريع معنى التذييل.
والتعبير بالمضارع في قوله: ﴿ فهل يُهلَك ﴾ على هذا الوجه لتغليب إهلاك المشركين الذي لمّا يقَعْ على إهلاك الأمم الذين قبلهم.
ولك أن تجعل التعريف تعريف العهد، أي القوم المتحدث عنهم في قوله: ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون ﴾ الآية، فيكون إظهاراً في مقام الإضمار للإيماء إلى سبب إهلاكهم أنه الإشراك.
والمراد بالفسق هنا الفسق عن الإيمان وهو فسق الإشراك.
وأفاد الاستثناء أن غيرهم لا يهلكون هذا الهلاك، أو هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ فِيهِمْ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ و الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العَرَبُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: مَن لَمْ تُصِبْهُ فِتْنَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَن أصابَهُ مِنهم بَلاءٌ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّهم أُولُوا العَزْمِ، حَكاهُ يَحْيى.
السّادِسُ: أنَّهم أُولُوا الصَّبْرِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَجْزَعُوا.
وَرَوَتْ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَرْضَ عَنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَلى مَخْبُوئِها» .
وفي أُولِي العَزْمِ مِنهم سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ أُولُوا العَزْمِ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ.
فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنهم نُوحٌ وهُودٌ وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهم نُوحٌ وهُودٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ ومُوسى، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ.
الخامِسُ: أنَّهم إبْراهِيمُ ومُوسى وداوُدُ وسُلَيْمانُ وعِيسى ومُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: أنَّ مِنهم إسْماعِيلَ ويَعْقُوبَ وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ ولا سُلَيْمانُ ولا آدَمُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: بِالعَذابِ وهَذا وعِيدٌ.
﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ العَذابِ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا حَتّى جاءَهُمُ العَذابُ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ يَحْيى.
الثّانِي: في قُبُورِهِمْ حَتّى بُعِثُوا لِلْحِسابِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ النَّقّاشِ.
﴿ بَلاغٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ بَلاغٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ هَذا القُرْآنَ بَلاغٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ بَلاغٌ، وهو حُلُولُ ما وعَدَهُ إمّا مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا أوِ العَذابِ في الآخِرَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ هَذا البَلاغِ.
﴿ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ قالَ يَحْيى: المُشْرِكُونَ.
وَذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما أصابَهُ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ تَسْهِيلًا عَلَيْهِ وتَثْبِيتًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً، ثم طوى، ثم ظل صائماً ثم طوى، ثم ظل صائماً، قال: يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد.
يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴾ ، وإني والله لأصبرنَّ كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: أولوا العزم من الرسل النبي صلى الله عليه وسلم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي العالية ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴾ قال: نوح وهود وإبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا وكانوا ثلاثة ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابعهم قال نوح: ﴿ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ﴾ [ يونس: 71] إلى آخرها فظهر لهم المفارقة وقال هود حين ﴿ قالوا: إن نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ﴾ [ هود: 53] فأظهر لهم المفارقة قال لإِبراهيم ﴿ لقد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم ﴾ [ الممتحنة: 4] إلى آخر الآية فأظهر لهم المفارقة وقال يا محمد: ﴿ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ﴾ [ الأنعام: 56] فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة فقرأها على المشركين فأظهر لهم المفارقة.
وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ أولوا العزم ﴾ قال: هم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: ﴿ أولوا العزم ﴾ إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس آدم منهم ولا يونس ولا سليمان.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: ﴿ أولوا العزم ﴾ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴾ قال: هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: بلغني أن أولي العزم من الرسل كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ﴾ قال: تعلموا والله ما يهلك على الله إلا هالك مشرك ولى الإِسلام ظهره أو منافق صدق بلسانه وخالف بقلبه.
وأخرج الطبراني في الدعاء عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا طلبت وأحببت أن تنجح فقل: لا إله إلا إله وحده لا شريك له العلي العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم الحمد لله، رب العالمين كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عيشة أو ضحاها كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا همّاً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين» .
قوله: ﴿ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ تفسير العزم قد تقدَّم ذكره [البقرة:227، وآل عمران: 159] قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: يريد نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، ونحو هذا روى معمر عن قتادة (١) وقال أبو العالية: هم ثلاثة: نوح وإبراهيم وهود، ومحمد - - رابعهم (٢) وقال الحسن: هم أربعة إبراهيم وموسى ودواد وعيسى، أما إبراهيم فإنه ابتلي في نفسه وولده ووطنه فوجد صادقًا، وأما موسى فإنه عزم ولم يشك حين قال له قومه: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ﴾ .
وأما داود فإنه لما نُبِّهَ على زلته بكى أربعين سنة، وأما عشى فإنه لم يضع في الدنيا لبنة على لبنة (٣) وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح (٤) (٥) وقال الكلبي: هم أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين (٦) وأما أهل المعاني والمحققون من العلماء فإنهم قالوا: كل الرسل أولو العزم، ولم يبعث الله رسولاً إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل.
و (من) في قوله: (من الرسل) تبيين لا تبعيض (٧) وهذا قول ابن زيد (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد العذاب، ومفعول الاستعجال محذوف من الكلام، وهو ما ذكره ابن عباس (١٠) - ضجر بعض الضمير وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك منهم قريب (١١) ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ ﴾ أي: من العذاب في الآخرة: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ﴾ وقال الكلبي: لم يمكثوا في القبور إلا ساعة (١٢) (١٣) كأنَّ شيئًا لم يَكُنْ إذا مَضَى ...
كأنَّ شيئًا لم يَزَل إذا أَتَى (١٤) وتم الكلام (١٥) ﴿ بَلَاغٌ ﴾ أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم كما قال: ﴿ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ﴾ الآية، والبلاغ بمعنى التبليغ، وهذا مذهب المفسرين والقراء، من أن قوله (بلاغ) ابتداء كلام آخر (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: العاصون الخارجون عن أمر الله.
يعني: أن العذاب لا يقع إلا بهم فيما بلغهم محمد - - عن الله، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية (١٨) قال أبو إسحاق تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وتفضله إلا القوم الفاسقون (١٩) (١) أخرج ذلك الطبري عن عطاء 13/ 2/ 37، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 288 ، و"البغوي" 7/ 272، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 219، و"تفسير الوسيط" 4/ 116.
(٢) نظر: "تفسير الماوردي" 5/ 288، و"زاد المسير" 7/ 392، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 220، و"تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 237.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 ب.
و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 221، عن الحسن، وانظر: تفسير الحسن 2/ 286.
(٤) هذا على القول بأن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو قول ضعيف.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 31، 32، و"الثعلبي" 10/ 121 ب، و"البغوي" 7/ 272.
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 271، عن الكلبي، و"تفسير الوسيط" 4/ 116.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 298، و"تفسير البغوي" 7/ 271 (٨) أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد.
انظر: تفسيره 13/ 2/ 37، و"تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 271.
(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تنوير المقباس" ص 506.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 37، و"تفسير الثعلبي" 122/ 10 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 272، فقد ذكروا المعنى ولم ينسبوه لابن عباس.
(١١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 22، و"زاد المسير" 7/ 393، و"تفسير الوسيط" 4/ 117.
(١٢) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 289، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 222، وقد نسبا القول للنقاش.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 32، و"تفسير الطبري" 13/ 2 / 37.
(١٤) لم أقف عليه.
(١٥) انظر: "القطع والائتناف" ص 664.
(١٦) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 12 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 273، و"زاد المسير" 7/ 393، و"القطع والائتناف" للنحاس ص 664، و"النشر في القراءات العشر" ص 482.
(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 32.
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 448، و"تفسير البغوي" 7/ 273، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 222، و"تفسير الوسيط" 4/ 117.
(١٩) انظر:"معاني القرآن" للزجاج 4/ 448.
﴿ فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل ﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي اصبر على تكذيب قومك وألولوا العزم هم، نوح وإبراهيم وعيسى وموسى، وقيل هم الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام لقوله: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ [الأنعام: 90]، وقيل: كل من لقي من أمته شدة، وقيل: الرسل كلهم أولوا عزم، فمن الرسل على هذا لبيان الجنس وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ أي لا تستعجل نزول العذاب بهم، فإنهم صائرون إليه فإنهم إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لاستقصار أعمارهم ﴿ بَلاَغٌ ﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره: هذا الذي وعظتم به بلاغ بمعنى: كفاية في الموعظة، أو بلاغ من الرسول عليه الصلاة والسلام، أي بلغ هذه المواعظ والبراهين.
القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.
﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.
والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.
﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.
الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.
هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.
وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .
﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.
والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.
وقيل: بين عمان ومهرة.
والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.
الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.
قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.
ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.
والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.
والتدمير الإهلاك والاستئصال.
وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.
ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.
وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.
وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.
وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.
وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.
قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.
ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.
فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.
والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.
ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.
قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.
وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.
وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.
فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.
فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.
وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه حتى أوحى الله إليه.
والقول الثاني "أنه أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟
فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.
قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.
فلما رجع رسول الله سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله : أمعك ماء؟
قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.
فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.
وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.
وقيل: اثني عشر ألفاً.
ولنرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.
والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي من القراءة.
وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله إلى قومهم، ومنه يعلم أنه كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.
وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.
و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".
واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟
فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.
والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.
وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.
قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.
قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.
قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟
والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم" .
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...
﴾ الآية.
والإشكال: ما معنى قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ، وهم لم يشاهدوا خلقهما، ولم يروا، لكن قال بعضهم: أي: أولم يخبروا؟
وقال بعضهم: أولم يعلموا؟
أي: قد أخبروا وعلموا؛ ذكر هذا لأنهم كانوا مقرين جميعاً أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ يقول - والله أعلم - أي: لما علموا أن الله - وتعالى - هو خلق السماوات والأرض، ولم يضعفه خلق ما ذكر، ولم يعجزه ذلك عن تدبير ما يحتاج ذلك إليه من الإمساك والقيام بما به قوام ما خلق فيهن من الخلائق وإصلاحهم، فإذ لم يعجز عما ذكره لا يحتمل أن يكون عاجزاً عن إحياء الموتى، أو عن شيء ألبتة.
أو يقول: حيث لم يعي؛ ولم يظهر فيه الضعف في خلق ما ذكر، ثم لا أحد يملك أن يعمل عملا إلا ويظهر فيه الضعف، فإذا لم يعجز ولم يضعف في خلق ما ذكر؛ دل ذلك على أنه إنما لم يضعفه؛ لأن قدرته ذاتية، ومن كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء، فأما غيره إنما يعمل بأسباب فيقدر على العمل على قدر الأسباب ويعجز ربما عنه، والله أعلم.
أو يقول: إذ قد عرفتم أن الله - - هو خلق السماوات والأرض، ثم لا يحتمل أن يخلقهما عبثاً باطلا؛ إذ لو لم يكن بعث كان خلقهما باطلا عبثاً، وأصله ما ذكرنا بدءاً: أن من قدر على إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما بلا احتذاء تقدم ولا استعانة بغير، ثم الإمساك والقوام على التدبير الذي دبر إلى آخر الدهر، لا يحتمل أن يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة.
قال أبو عوسجة والقتبي: قوله: ﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ يقال: عييت بهذا: أي: لم أحسنه، ولم أقو عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ﴾ مرة قيل لهم: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ ومرة قيل لهم: ﴿ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ﴾ يقص هذا عليهم يومئذ ليعترفوا بالذي كانوا ينكرون في الدنيا؛ لأنهم كانوا ينكرون في الدنيا الرسل والآيات، وكانوا ينكرون كون البعث وعذابه، فيعرضون على النار، فيقال لهم: هذا الذي وعدتم في الدنيا، أليس هو حقا؟
فيعترفون ويقولون: ﴿ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ﴾ فيقال: لهم: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ في الدنيا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يلزم الرسل الصبر من وجوه ستة: ثلاثة مما خصوا هم بها، لا يشركهم غيرهم فيها، وثلاثة مما يشترك غيرهم فيها؛ فأما الثلاثة التي خصوا بها: أحدها: هم بعثوا لتبليغ الرسالة إلى الفراعنة والأكابر والجبابرة الذين كانت عادتهم وهمتهم القتل، وإهلاك من خالفهم وعصى أمرهم ومذهبهم، فلم يعذروا في ترك تبليغ الرسالة إليهم مع ما ذكرنا من خوف الهلاك والقتل، فأمّا غيرهم من الناس قد أبيح لهم كتمان الدين الحق منهم حتى لا يهلكوا.
والثاني: ألزمهم الصبر بالمقام بين أظهر قومهم واحتمال ما كان يلحقهم منهم من الاستهزاء بهم، والافتراء عليهم، والتكذيب لهم، وأنواع الأذى الذي كان منهم إلى الرسل، لم يؤذن لهم بمفارقتهم لذلك؛ ولذلك قال: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ ﴾ ، لم يكن منه سوى الخروج من بين قومه لسلامة دينه لو لم يسلموا، ثم أصابه ما أصاب بذلك الخروج لما لم يؤذن له بالخروج، والله أعلم.
والثالث: لم يجعل لهم الدعاء على قومهم بالهلاك والعذاب وإن كان منهم من التمرد والتعنت ما كان.
فهذه الثلاثة من المعاملة مما خص الرسل - عليهم السلام - بها من بين سائر الناس.
وأما الثلاثة التي يشترك فيها غيرهم: أحدها: أمروا بالصبر على ما يصيبهم وينزل من البلايا والشدائد.
والثاني: أمروا بالمحافظة على العبادات [التي] جعلت عليهم، ومحافظة حدودها، والصبر على القيام بها.
والثالث: أمروا بالصبر على ترك قضاء الشهوة، وترك إعطاء النفس هواها [و]مناها.
فهذه الثلاثة لهم فيما بينهم وبين ربهم، وهي مما يشترك فيها غيرهم، والثلاثة الأولى لهم فيما بينهم وبين الخلق، وهم قد خصّوا بتلك الثلاثة دون غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
قال بعضهم: أولو العزم من الرسل هم: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، ويوسف، وموسى - عليهم الصلاة والسلام - وهؤلاء عدوا نفراً منهم.
وقال بعضهم: هم الرسل جميعاً.
وجائز أن يكون أولو العزم من الرسل هم الذين كان منهم الصبر على ما ذكرنا من المعاملة مع قومهم.
وقيل: أولو العزم هم الذين كانوا أبداً المتيقظين، القائمين بأمر الله، الحافظين لحدوده، وقال في آدم - -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ أي: لا تستعجل عليهم بالهلاك والنقمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: كأنك لا توعدهم بالعذاب إلا ساعة من النهار، وعذاب ساعة من النهار مما لا يحملهم على ترك قضاء شهواتهم، ومنع ما هم فيه من الأحوال.
والثاني: كأنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوه استقصروا المقام في الدنيا، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ استقصروا المقام في الدنيا إذا عاينوا يوم القيامة وأهوالها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلاَغٌ ﴾ قال بعضهم: الإبلاغ.
وقيل: البلاغ من البلغة؛ أي: زاد يبلغ به السفر حيث يريد، والله [أعلم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ كأنه يقول: لا يهلك الهلاك الدائم المؤبد إلا القوم الفاسقون، وإلا الهلاك الذي ليس هو بالهلاك الدائم المؤبد مما يهلك الفاسق وغير الفاسق إذ يكون حقّاً على الكل.
أو يقول: لا يهلك هلاك العذاب إلا الفاسق، فأما الهلاك الذي هو هلاك النجاة والفوز عن شدائد الدنيا فمما يهلك به الصالح، والله أعلم.
فاصبر -أيها الرسول- على تكذيب قومك لك مثل ما صبر أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، ولا تستعجل لهم العذاب، كأن المكذبين من قومك يوم يرون ما يوعدون من العذاب في الآخرة لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لطول عذابهم، هذا القرآن المنزل على محمد بلاغ وكفاية للإنس والجن، فإنه لا يُهْلَكُ بالعذاب إلا القوم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.
من فوائد الآيات من حسن الأدب الاستماع إلى المتكلم والإنصات له.
سرعة استجابة المهتدين من الجنّ إلى الحق رسالة ترغيب إلى الإنس.
الاستجابة إلى الحق تقتضي المسارعة في الدعوة إليه.
الصبر خلق الأنبياء - عليهم السلام -.