الآية ١١ من سورة الحجرات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ١١ من سورة الحجرات

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌۭ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًۭا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 171 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الحجرات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينهى تعالى عن السخرية بالناس ، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم ، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " الكبر بطر الحق وغمص الناس " ويروى : " وغمط الناس " والمراد من ذلك : احتقارهم واستصغارهم ، وهذا حرام ، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له ; ولهذا قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ) ، فنص على نهي الرجال وعطف بنهي النساء .

وقوله : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي : لا تلمزوا الناس .

والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون ، كما قال [ تعالى ] : ( ويل لكل همزة لمزة ) [ الهمزة : 1 ] ، فالهمز بالفعل واللمز بالقول ، كما قال : ( هماز مشاء بنميم ) [ القلم : 11 ] أي : يحتقر الناس ويهمزهم طاعنا عليهم ، ويمشي بينهم بالنميمة وهي : اللمز بالمقال ; ولهذا قال هاهنا : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) ، كما قال : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) [ النساء : 29 ] أي : لا يقتل بعضكم بعضا .

قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي : لا يطعن بعضكم على بعض .

وقوله : ( ولا تنابزوا بالألقاب ) أي : لا تتداعوا بالألقاب ، وهي التي يسوء الشخص سماعها .

قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال : حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال : فينا نزلت في بني سلمة : ( ولا تنابزوا بالألقاب ) قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فكان إذا دعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله ، إنه يغضب من هذا .

فنزلت : ( ولا تنابزوا بالألقاب ) ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل ، عن وهيب ، عن داود ، به .

وقوله : ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) أي : بئس الصفة والاسم الفسوق وهو : التنابز بالألقاب ، كما كان أهل الجاهلية يتناعتون ، بعدما دخلتم في الإسلام وعقلتموه ، ( ومن لم يتب ) أي : من هذا ( فأولئك هم الظالمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله, لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين ( عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ) يقول: المهزوء منهم خير من الهازئين ( وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ) يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات, عسى المهزوء منهنّ أن يكنّ خيرا من الهازئات.

واختلف أهل التأويل في السخرية التي نهى الله عنها المؤمنين في هذه الآية, فقال بعضهم: هي سخرية الغنيّ من الفقير, نهي أن يسخر من الفقير لفقره.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ) قال: لا يهزأ قوم بقوم أن يسأل رجل فقير غنيا, أو فقيرا, وإن تفضل رجل عليه بشيء فلا يستهزئ به.

وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل الإيمان أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ) قال: ربما عثر على المرء عند خطيئته عسى أن يكونوا خيرا منهم, وإن كان ظهر على عثرته هذه, وسترت أنت على عثرتك, لعلّ هذه التي ظهرت خير له في الآخرة عند الله, وهذه التي سترت أنت عليها شرّ لك, ما يدريك لعله ما يغفر لك; قال: فنهي الرجل عن ذلك, فقال ( لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ) وقال في النساء مثل ذلك.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية, فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره, ولا لذنب ركبه, ولا لغير ذلك.

وقوله ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولا يغتب بعضكم بعضا أيها المؤمنون, ولا يطعن بعضكم على بعض; وقال : ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) فجعل اللامز أخاه لامزا نفسه, لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره, وطلب صلاحه, ومحبته الخير.

ولذلك رُوي الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: " المُؤْمِنُونَ كالجَسَدِ الواحِد إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالحُمَّى والسَّهَر ".

وهذا نظير قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بمعنى: ولا يقتل بعضكم بعضا.

وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) قال: لا تطعنوا.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) يقول: ولا يطعن بعضكم على بعض.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, مثله.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) يقول: لا يطعن بعضكم على بعض.

قوله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) يقول: ولا تداعوا بالألقاب; والنبز واللقب بمعنى واحد, يُجمع النبز: أنبازا, واللقب: ألقابا.

واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية, فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبز بها الملقَّب, وقالوا: إنما نـزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية, فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضا بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا داود, عن عامر, قال: قال أبو جبيرة بن الضحاك: فينا نـزلت هذه الآية في بني سلمة, قدِم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وما منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة, فكان إذا دعا الرجل بالاسم, قلنا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا, فنـزلت هذه الآية ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ )...

الآية كلها.

حدثني محمد بن المثنى, قال: ثنا عبد الوهاب, قال: ثنا داود, عن عامر, عن أبي جُبيرة بن الضحاك, قال: كان أهل الجاهلية يسمون الرجل بالأسماء, فدعا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا باسم من تلك الأسماء, فقالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا, فأنـزل الله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ).

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, قال: ثني أبو جُبيرة بن الضحاك, فذكر عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, نحوه.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: أخبرنا داود عن الشعبيّ, قال: ثني أبو جبيرة بن الضحاك, قال: نـزلت في بني سلمة ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: قَدِم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة, فكان يدعو الرجل, فتقول أمه: إنه يغضب من هذا قال, فنـزلت ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ).

وقال مرّة: كان إذا دعا باسم من هذا, قيل: يا رسول الله إنه يغضب من هذا, فنـزلت الآية.

وقال آخرون: بل ذلك قوم الرجل المسلم للرجل المسلم: يا فاسق, يا زان.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري, قال: ثنا أبو الأحوص, عن حصين, قال: سألت عكرِمة, عن قول الله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: هو قول الرجل للرجل: يا منافق, يا كافر.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال أخبرنا حصين, عن عكرِمة, في قوله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق, يا منافق.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن حصين, عن عكرِمة ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: يا فاسق, يا كافر.

قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد أو عكرِمة ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: يقول الرجل للرجل: يا فاسق, يا كافر.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: دُعي رجل بالكفر وهو مسلم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) يقول الرجل: لا تقل لأخيك المسلم: ذاك فاسق, ذاك منافق, نهى الله المسلم عن ذلك وقدّم فيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) يقول: لا يقولنّ لأخيه المسلم: يا فاسق, يا منافق.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) قال: تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق.

وقال آخرون: بل ذلك تسمية الرجل الرجل بالكفر بعد الإسلام, والفسوق والأعمال القبيحة بعد التوبة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ )...

الآية, قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها, وراجع الحقّ, فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: قال الحسن: كان اليهودي والنصرانيّ يسلم, فيلقب فيقال له: يا يهوديّ, يا نصراني, فنهوا عن ذلك.

والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب؛ والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة, وعمّ الله بنهية ذلك, ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض, فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها.

وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها, ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض, لأن كلّ ذلك مما نهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا.

وقوله ( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ) يقول تعالى ذكره : ومن فعل ما نهينا عنه, وتقدّم على معصيتنا بعد إيمانه, فسخر من المؤمنين, ولمز أخاه المؤمن, ونبزه بالألقاب, فهو فاسق ( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ) يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقا, بئس الاسم الفسوق, وترك ذكر ما وصفنا من الكلام, اكتفاء بدلالة قوله ( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ ) عليه.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثنا به يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, وقرأ ( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ) قال: بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام, وهو على الإسلام.

قال: وأهل هذا الرأي هم المعتزلة, قالوا: لا نكفره كما كفره أهل الأهواء, ولا نقول له مؤمن كما قالت الجماعة, ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقا فهو سارق, وإن كان خائنا سموه خائنا; وإن كان زانيا سموه زانيا قال: فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة, فلا بقول هؤلاء قالوا, ولا بقول هؤلاء, فسموا بذلك المعتزلة.

فوجه ابن زيد تأويل قوله ( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ) إلى من دعي فاسقا, وهو تائب من فسقه, فبئس الاسم ذلك له من أسمائه...

وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام, وذلك أن الله تقدّم بالنهي عما تقدّم بالنهي عنه في أوّل هذه الآية, فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدّم على بغيه, أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهى عنه, لا أن يخبر عن قُبح ما كان التائب أتاه قبل توبته, إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح, فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح.

وقوله ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) يقول تعالى ذكره : ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب, أو لمزه إياه, أو سخريته منه, فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم, فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) قال: ومن لم يتب من ذلك الفسوق فأولئك هم الظالمون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم قيل عند الله .

وقيل : خيرا منهم أي : معتقدا وأسلم باطنا .

والسخرية : الاستهزاء .

سخرت منه أسخر سخرا ( بالتحريك ) ومسخرا وسخرا ( بالضم ) .

وحكى أبو زيد سخرت به ، وهو أردأ اللغتين .

وقال الأخفش : سخرت منه وسخرت به ، وضحكت منه وضحكت به ، وهزئت منه وهزئت به ، كل يقال .

والاسم السخرية والسخري ، وقرئ بهما قوله تعالى : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وقد تقدم .

وفلان سخرة ، يتسخر في العمل .

يقال : خادم سخرة .

ورجل سخرة أيضا يسخر منه .

وسخرة ( بفتح الخاء ) يسخر من الناس .[ ص: 294 ] الثانية : واختلف في سبب نزولها ، فقال ابن عباس : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر ، فإذا سبقوه إلى مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول ، فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ أصحابه مجالسهم منه ، فربض كل رجل منهم بمجلسه ، وعضوا فيه فلا يكاد يوسع أحد لأحد حتى يظل الرجل لا يجد مجلسا فيظل قائما ، فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطى رقاب الناس ويقول : تفسحوا تفسحوا ، ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينه وبينه رجل فقال له : تفسح .

فقال له الرجل : قد وجدت مجلسا فاجلس!

فجلس ثابت من خلفه مغضبا ، ثم قال : من هذا ؟

قالوا فلان ، فقال ثابت : ابن فلانة!

يعيره بها ، يعني أما له في الجاهلية ، فاستحيا الرجل ، فنزلت .

وقال الضحاك : نزلت في وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أول ( السورة ) استهزءوا بفقراء الصحابة ، مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم ، لما رأوا من رثاثة حالهم ، فنزلت في الذين آمنوا منهم .

وقال مجاهد : هو سخرية الغني من الفقير .

وقال ابن زيد : لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله ، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة .

وقيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما ، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة .

فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت .وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته ، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ، والاستهزاء بمن عظمه الله .

ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل : لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع .

وعن عبد الله بن مسعود : البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا .

وقوم في اللغة للمذكرين خاصة .

قال زهير :وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساءوسموا قوما لأنهم يقومون مع داعيهم في الشدائد .

وقيل : إنه جمع قائم ، ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين .

وقد يدخل في القوم النساء مجازا ، وقد مضى في ( البقرة ) بيانه .الثالثة : قوله تعالى : ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر .

وقد قال الله تعالى : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه فشمل الجميع .قال المفسرون : نزلت في امرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - سخرتا من أم سلمة ، وذلك أنها ربطت خصريها بسبيبة - وهو ثوب أبيض ، ومثلها السب - وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرها ، فقالت عائشة لحفصة - رضي الله عنهما : انظري!

ما تجر خلفها كأنه لسان كلب ، فهذه كانت سخريتهما .

وقال أنس وابن زيد : نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عيرن أم سلمة بالقصر .

وقيل : نزلت في عائشة ، أشارت بيدها إلى أم سلمة ، يا نبي الله إنها لقصيرة .

وقال عكرمة عن ابن عباس : إن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن النساء يعيرنني ، ويقلن لي يا يهودية بنت يهوديين!

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هلا قلت إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد .

فأنزل الله هذه الآية .الرابعة : في صحيح الترمذي عن عائشة قالت : حكيت للنبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، فقال : ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا .

قالت فقلت : يا رسول الله ، إن صفية امرأة - وقالت بيدها - هكذا ، يعني أنها قصيرة .

فقال : ( لقد مزجت بكلمة لو مزج بها البحر لمزج ) .

وفي البخاري عن عبد الله بن زمعة قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس .

وقال : لم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .

وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة ، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال .

ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه .

فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية .

ويترتب عليها عدم [ ص: 296 ] الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة ، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة .

بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة ، لا تلك الذات المسيئة .

فتدبر هذا ، فإنه نظر دقيق ، وبالله التوفيق .قوله تعالى : ولا تلمزوا أنفسكم فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولا تلمزوا أنفسكم اللمز : العيب ، وقد مضى في ( براءة ) عند قوله تعالى : ومنهم من يلمزك في الصدقات وقال الطبري : اللمز باليد والعين واللسان والإشارة .

والهمز لا يكون إلا باللسان .

وهذه الآية مثل قوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم أي : لا يقتل بعضكم بعضا ; لأن المؤمنين كنفس واحدة ، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه .

وكقوله تعالى : فسلموا على أنفسكم يعني يسلم بعضكم على بعض .

والمعنى : لا يعب بعضكم بعضا .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير : لا يطعن بعضكم على بعض .

وقال الضحاك : لا يلعن بعضكم بعضا .

وقرئ : ( ولا تلمزوا ) بالضم .

وفي قوله : أنفسكم تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه ، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .

وقال بكر بن عبد الله المزني : إذا أردت أن تنظر العيوب جمة فتأمل عيابا ، فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه وقيل : من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره .

قال الشاعر :المرء إن كان عاقلا ورعا أشغله عن عيوبه ورعه كما السقيم المريض يشغلهعن وجع الناس كلهم وجعهوقال آخر :لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله سترا عن مساويكاواذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحدا منهم بما فيكا[ ص: 297 ] الثانية : قوله تعالى : ولا تنابزوا بالألقاب النبز ( بالتحريك ) اللقب ، والجمع : الأنباز .

والنبز ( بالتسكين ) المصدر ، تقول : نبزه ينبزه نبزا ، أي : لقبه .

وفلان ينبز بالصبيان أي : يلقبهم ، شدد للكثرة .

ويقال النبز والنزب لقب السوء .

وتنابزوا بالألقاب : أي : لقب بعضهم بعضا .

وفي الترمذي عن أبي جبيرة بن الضحاك قال : كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة فيدعى ببعضها فعسى أن يكره ، فنزلت هذه الآية : ولا تنابزوا بالألقاب قال هذا حديث حسن .

وأبو جبيرة هذا هو أخو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري .

وأبو زيد سعيد بن الربيع صاحب الهروي ثقة .

وفي مصنف أبي داود عنه قال : فينا نزلت هذه الآية ، في بني سلمة ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول الله ، إنه يغضب من هذا الاسم ، فنزلت هذه الآية : ولا تنابزوا بالألقاب فهذا قول .وقول ثان - قال الحسن ومجاهد : كان الرجل يعير بعد إسلامه بكفره يا يهودي يا نصراني ، فنزلت .

وروي عن قتادة وأبي العالية وعكرمة .

وقال قتادة : هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق ، وقاله مجاهد والحسن أيضا .وقد روي أن أبا ذر - رضي الله عنه - كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنازعه رجل فقال له أبو ذر : يا ابن اليهودية!

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ترى هاهنا أحمر وأسود ما أنت بأفضل منه ) يعني بالتقوى ، ونزلت : [ ص: 298 ] ولا تنابزوا بالألقاب وقال ابن عباس : التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب ، فنهى الله أن يعير بما سلف .

يدل عليه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من عير مؤمنا بذنب تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ويفضحه فيه في الدنيا والآخرة .الثالثة : وقع من ذلك مستثنى من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ولم يكن له فيه كسب يجد في نفسه منه عليه ، فجوزته الأمة واتفق على قوله أهل الملة .

قال ابن العربي : وقد ورد لعمر الله من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه في صالح حزرة ; لأنه صحف ( خرزة ) فلقب بها .

وكذلك قولهم في محمد بن سليمان الحضرمي : مطين ; لأنه وقع في طين ونحو ذلك مما غلب على المتأخرين ، ولا أراه سائغا في الدين .

وقد كان موسى بن علي بن رباح المصري يقول : لا أجعل أحدا صغر اسم أبي في حل ، وكان الغالب على اسمه التصغير بضم العين .

والذي يضبط هذا كله : أن كل ما يكره الإنسان إذا نودي به فلا يجوز لأجل الأذية .

والله أعلم .قلت : وعلى هذا المعنى ترجم البخاري رحمه الله في ( كتاب الأدب ) من الجامع الصحيح .

في ( باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير لا يراد به شين الرجل ) قال : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما يقول ذو اليدين ) قال أبو عبد الله بن خويز منداد : تضمنت الآية المنع من تلقيب الإنسان بما يكره ، ويجوز تلقيبه بما يحب ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقب عمر بالفاروق ، وأبا بكر بالصديق ، وعثمان بذي النورين ، وخزيمة بذي الشهادتين ، وأبا هريرة بذي الشمالين وبذي اليدين ، في أشباه ذلك .

الزمخشري : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( من حق المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب أسمائه إليه ) .

ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن ، قال عمر - رضي الله عنه - : أشيعوا الكنى فإنها منبهة .

ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق ، وعمر بالفاروق ، وحمزة بأسد الله ، وخالد بسيف الله .

وقل من المشاهير في [ ص: 299 ] الجاهلية والإسلام من ليس له لقب .

ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها - من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير .

قال الماوردي : فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره .

وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجل الألقاب .قلت : فأما ما يكون ظاهرها الكراهة إذا أريد بها الصفة لا العيب فذلك كثير .

وقد سئل عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول : حميد الطويل ، وسليمان الأعمش ، وحميد الأعرج ، ومروان الأصغر ، فقال : إذا أردت صفته ولم ترد عيبه فلا بأس به .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال : رأيت الأصلع - يعني عمر - يقبل الحجر .

في رواية الأصيلع .قوله تعالى : ومن لم يتب أي عن هذه الألقاب التي يتأذى بها السامعون .

فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا أيضًا، من حقوق المؤمنين، بعضهم على بعض، أن { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ } بكل كلام، وقول، وفعل دال على تحقير الأخ المسلم، فإن ذلك حرام، لا يجوز، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخور به خيرًا من الساخر، كما هو الغالب والواقع، فإن السخرية، لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحل بكل خلق ذميم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم" ثم قال: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } أي: لا يعب بعضكم على بعض، واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه بالنار.كما قال تعالى: { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } الآية، وسمي الأخ المؤمن نفسًا لأخيه، لأن المؤمنين ينبغي أن يكون هكذا حالهم كالجسد الواحد، ولأنه إذا همز غيره، أوجب للغير أن يهمزه، فيكون هو المتسبب لذلك.{ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } أي: لا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا.{ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب.{ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } فهذا [هو] الواجب على العبد، أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابلة [على] ذمه.{ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } فالناس قسمان: ظالم لنفسه غير تائب، وتائب مفلح، ولا ثم قسم ثالث غيرهما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ) الآية ، قال ابن عباس : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر ، فكان إذا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه ، فيسمع ما يقول ، فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ ركعة من صلاة الفجر ] ، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم ، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد ، فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا يجلس فيه قام قائما كما هو ، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخطى رقاب الناس ، ويقول : تفسحوا تفسحوا ، فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبينه وبينه رجل ، فقال له : تفسح ، فقال الرجل : قد أصبت مجلسا فاجلس ، فجلس ثابت خلفه مغضبا ، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل ، فقال : من هذا ؟

قال : أنا فلان ، فقال ثابت : ابن فلانة ، وذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية ، فنكس الرجل رأسه واستحيا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال الضحاك : نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم ، كانوا يستهزءون بفقراء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة ، لما رأوا من رثاثة حالهم ، فأنزل الله تعالى في الذين آمنوا منهم : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ) أي رجال من رجال .

و " القوم " : اسم يجمع الرجال والنساء ، وقد يختص بجمع الرجال ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ) .

روي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عيرن أم سلمة بالقصر .

وعن عكرمة عن ابن عباس : أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب ، قال لها النساء : يهودية بنت يهوديين .

( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي لا يعب بعضكم بعضا ، ولا يطعن بعضكم على بعض ( ولا تنابزوا بالألقاب ) التنابز : التفاعل من النبز ، وهو اللقب ، وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به .

قال عكرمة : هو قول الرجل للرجل : يا فاسق يا منافق يا كافر .

وقال الحسن : كان اليهودي والنصراني يسلم ، فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني ، فنهوا عن ذلك .

قال عطاء : هو أن تقول لأخيك : يا كلب يا حمار يا خنزير .

وروي عن ابن عباس قال : " التنابز بالألقاب " : أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله .

( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) .

أي بئس الاسم أن يقول : يا يهودي أو يا فاسق بعد ما آمن وتاب ، وقيل معناه : إن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق ، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق ( ومن لم يتب ) من ذلك ( فأولئك هم الظالمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا يسخر» الآية، نزلت في وفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين كعمار وصهيب، والسخرية: الازدراء والاحتقار «قوم» أي رجال منكم «من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم» عند الله «ولا نساء» منكم «من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم» لا تعيبوا فتعابوا، أي لا يعب بعضكم بعضا «ولا تنابزوا بالألقاب» لا يدعون بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه يا فاسق يا كافر «بئس الاسم» أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز «الفسوق بعد الإيمان» بدل من الاسم أنه فسق لتكرره عادة «ومن لم يتب» من ذلك «فأولئك هم الظالمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشريعته لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين؛ عسى أن يكون المهزوء به منهم خيرًا من الهازئين، ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات؛ عسى أن يكون المهزوء به منهنَّ خيرًا من الهازئات، ولا يَعِبْ بعضكم بعضًا، ولا يَدْعُ بعضكم بعضًا بما يكره من الألقاب، بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ومن لم يتب من هذه السخرية واللمز والتنابز والفسوق فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب هذه المناهي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين نداء رابعا ، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض ، أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ .

.

.

) .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى قوم من بنى تميم ، سخروا من بلال ، وسلمان ، وعمار ، وخباب .

.

لما رأوا من رثاثة حالهم ، وقلة ذات يدهم .ومن المعروف بين العلماء ، أن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب .وقوله : ( يَسْخَرْ ) من السخرية ، وهى احتقار الشخص لغيره بالقول أو بالفعل ، يقال : سخر فلان من فلان ، إذا استهزأ به ، وجعله مثار الضحك ، ومنه قوله - تعالى - حكاية من نوح مع قومه : ( .

.

قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) قال صاحب الكشاف : والقوم : الرجال خاصة ، لأنهم القوام بأمور النساء .

.

واختصاص القوم بالرجال صريح فى الآية ، وفى قوله الشاعر : أقوم آل حصن أم نساء .وأما قولهم فى قوم فرعون وقوم عاد : هم الذكور والإِناث ، فليس لفظ القوم بمتعاطف للفريقين ، ولكن قصد ذكر الذكور ، وترك ذكر الإِناث لأنهن توابع لرجالهن .أى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، لا يحترق بعضكم بعضا ولا يستهزئ بعضكم من بعض .وقوله : ( عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ) تعليل للنهى عن السخرية .

أى : عسى أن يكون المسخور منه خيرا عند الله - تعالى - من الساخر ، إذ أقدار الناس عنده - تعالى - ليست على حسب المظاهر والأحساب .

.

وإنما هى على حسب قوة الإِيمان ، وحسن العمل .وقوله : ( وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ) معطوف على النهى السابق ، فى ذكر النساء بعد القوم قرينة على أن المراد بالقوم الرجال خاصة .أى : عليكم يا معشر الرجال أن تبتعدوا عن احتقار غيركم من الرجال ، وعليكن يا جماعة النساء أن تقلعن إقلاعا تاما من السخرية من غيركن .ونكر - سبحانه - لفظ ( قَوْمٌ ) و ( نِسَآءٌ ) للإِشعار بأن هذا النهى موجه إلى جميع الرجال والنساء ، لأن هذه السخرية منهى عنها بالنسبة للجميع .وقد جاء النهى عن السخرية موجها إلى جماعة والنساء ، جريا على ما كان جاريا فى الغالب ، من أن السخرية كانت تقع فى المجامع والمحافل ، وكان الكثيرون يشتركون فيها على سبيل التلهى والتلذذ .ثم قال - تعالى - ( وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ ) أى : ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة سواء أكان على وجه يضحك أم لا ، وسواء كان بحضرة الملموز أم لا ، فهو أعم من السخرية التى هى احتقار الغير بحضرته ، فالجملة الكريمة من باب عطف العام على الخاص .يقال : لمز فلان فلانا ، إذا عابه وانتقصه ، وفعله من باب ضرب ونصر .ومنهم من يرى أن اللمز ما كان سخرية ولكن على وجه الخفية ، وعليه يكون العطف من باب عطف الخاص على العام ، مبالغة فى النهى عنه حتى لكأنه جنس آخر .أى : ولا يعب بعضكم بعضا بأى وجه من وجوه العيب .

سواء أكان ذلك فى حضور الشخص أم فى غير حضوره .وقال - سبحانه - ( وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ ) مع أن اللامز يلمز غيره ، للإِشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم ، فكأنما عاب نفسه ، كما قال - تعالى : ( .

.

.

فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) وقوله : ( وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب ) أى : ولا يخاطب أحدكم غيره بالألفاظ التى يكرهها ، بأن يقول له أحمق ، أو يا أعرج ، أو يا منافق .

.

أو ما يشبه ذلك من الألقاب السيئة التى يكرهها الشخص .فالتنابر : التعاير والتداعى بالألقاب المكروهة ، يقال : نبزه ينبزه - كضربه يضربه - إذا ناداه بلقب يكرهه ، سواء أكان هذا اللقب للشخص أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما .وقوله - تعالى - : ( بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان ) تعليل للنهى عن هذه الرذائل والمراد بالاسم : ما سبق ذكره من السخرية واللمز التنابر بالألقاب ، والمخصوص بالذم محذوف .

أى : بئس الفعل فعلكم أن تذكروا إخوانكم فى العقيدة بما يكرهونه وبما يخرجهم عن صفات المؤمنين الصادقين ، بعد أن هداهم الله - تعالى - وهداكم إلى الإِيمان .وعلى هذا فالمراد من الآية نهى المؤمنين أن ينسبوا إخوانهم فى الدين إلى الفسوق بعد اتصافهم بالإِيمان .قال صاحب الكشاف : الاسم ههنا بمعنى الذِّكْر ، من قولهم : فلان طار اسمه فى الناس بالكرم أو باللؤم ، كما يقال : طار ثناؤه وَصِيتُه .

.

كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين .

.

أن يذكروا بالفسق .ويصح أن يكون المراد من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن ارتكابهم لهذه الرذائل ، لأن ارتكابهم لهذه الراذائل ، يؤدى بهم إلى الفسوق والخروج عن طاعة الله - تعالى - بعد أن اتصفوا بصفة الإِيمان .وقد أشار إلى هذا المعنى الإِمام ابن جرير فقال ما ملخصه : وقوله ( بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان ) .

يقول - تعالى - ومن فعل ما نهينا عنه ، وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه ، فسخر من المؤمنين ، ولمز أخاه المؤمن ونبره بالألقاب ، فهو فاسق ، بئس الاسم الفوق بعد الإِيما ، ، يقول : فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه .

أن تسموا فساقا - بعد أن وصفهم بصفة الإِيمان .وقال الإِمام الفخر الرازى ما ملخصه : هذا أى قوله - تعالى - ( بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان ) من تام الزجر كأنه - تعالى - يقول : يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا فإن من يفعل ذلك يفسق بعد إيمانه ، والمؤمن يقبح منه أن يأتى بعد إيمانه بفسوق .

.

ويصير التقدير : بئس الفسوق بعد الإِيمان .ويبدو لنا أن هذا الرأى أنسب للسياق ، إذ المقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن السخرية أو اللمز أو التنابز بالألقاب ، لأن تعودهم على ذلك يؤدى بهم إلى الفسوق عن طاعة الله - تعالى - والخروج عن آدابه ، وبئس الوصف وصفهم بذلك أى : بالفسق بعد الإِيمان .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون ) أى : ومن لم يتب عن ارتكاب هذه الرذائل ، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ، حيث وضعوا العصيان موضع الطاعة ، والفسوق فى موضع الإِيمان .هذا ، ومن الإِحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب الابتعاد عن أن يعيب المسلم أخاه المسلم ، أو يحتقره ، أو يناديه بلقب سيئ .قال الآلوسى : انفق العلماء على تحريم تلقيب الإِنسان بما يكره ، سواء كان صفة له أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما .ويستثنى من ذلك نداء الرجل قبيح فى نفسه ، لا على قصد الاستخفاف به ، كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته ، كقول المحدثين : سليمان الأعمش ، وواصل الأحدب.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقد بينا أن السورة للإرشاد بعد إرشاد فبعد الإرشاد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي صلى الله عليه وسلم ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، وقد ذكرنا أن المؤمن إما أن يكون حاضراً وإما أن يكون غائباً، فإن كان حاضراً فلا ينبغي أن يسخر منه ولا يلتفت إليه بما ينافي التعظيم، وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض وهي السخرية واللمز والنبز، فالسخرية هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته، وحينئذ لا يذكر ما فيه من المعايب، وهذا كما قال بعض الناس تراهم إذا ذكر عندهم عدوهم يقولون هو دون أن يذكر، وأقل من أن يلتفت إليه، فقال لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم الثاني: هو اللمز وهو ذكر ما في الرجل من العيب في غيبته وهذا دون الأول، لأن في الأول لم يلتفت إليه ولم يرض بأن يذكره أحد وإنما جعله مثل المسخرة الذي لا يغضب له ولا عليه الثالث: هو النبز وهو دون الثاني، لأن في هذه المرتبة يضيف إليه وصفاً ثابتاً فيه يوجب بغضه وحط منزلته، وأما النبز فهو مجرد التسمية وإن لم يكن فيه وذلك لأن اللقب الحسن والاسم المستحسن إذا وضع لواحد وعلق عليه لا يكون معناه موجوداً فإن من يسمى سعداً وسعيداً قد لا يكون كذلك، وكذا من لقب إمام الدين وحسام الدين لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة وزينة، وكذلك النبز بالمروان ومروان الحمار لم يكن كذلك وإنما كان ذلك سمة ونسبة، ولا يكون اللفظ مراداً إذا لم يرد به الوصف كما أن الأعلام كذلك، فإنك إذا قلت لمن سمي بعبد الله أنت عبد الله فلا تعبد غيره، وتريد به وصفه لا تكون قد أتيت باسم علمه إشارة، فقال لا تتكبروا فتستحقروا إخوانكم وتستصغروهم بحيث لا تلتفتوا إليهم أصلاً وإذا نزلتم عن هذا من النعم إليهم فلا تعيبو (هم) طالبين حط درجتهم والغض عن منزلتهم، وإذا تركتم النظر في معايبهم ووصفهم بما يعيبهم فلا تسموهم بما يكرهونه ولا تهولوا هذا ليس بعيب يذكر فيه إنما هو اسم يتلفظ به من غير قصد إلى بيان صفة وذكر في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ ﴾ القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء فائدة: وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسة إلى الرجال، لأن المرأة في نفسها ضعيفة، فإذا لم يلتفت الرجال إليها لا يكون لها أمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: النساء لحم على وضم إلا ما رددت عنه وأما المرأة فلا يوجد منها استحقار الرجل وعدم التفاتها إليه لاضطرارها في دفع حوائجها (إليه)، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فيوجد فيهم هذا النوع من القبح وهذا أشهر.

المسألة الثانية: قال في الدرجة العالية التي هي نهاية المنكر ﴿ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ ﴾ كسراً له وبغضاً لنكره، وقال في المرتبة الثانية ﴿ لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ جعلهم كأنفسهم لما نزلوا درجة رفعهم الله درجة وفي الأول جعل المسخور منه خيراً، وفي الثاني جعل المسخور منه مثلاً، وفي قوله: ﴿ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ ﴾ حكمة وهي أنه وجد منهم النكر الذي هو مفض إلى الإهمال وجعل نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ  ﴾ فصار هو خيراً، ويمكن أن يقال المراد من قوله: ﴿ أَن يَكُونُواْ ﴾ يصيروا فإن من استحقر إنساناً لفقره أو وحدته أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير، ويضعف هو ويقوى الضعيف.

المسألة الثالثة: قال تعالى: ﴿ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ ﴾ ولم يقل نفس من نفس، وذلك لأن هذا فيه إشارة إلى منع التكبر والمتكبر في أكثر الأمر يرى جبروته على رؤوس الأشهاد، وإذا اجتمع في الخلوات مع من لا يلتفت إليه في الجامع يجعل نفسه متواضعاً، فذكرهم بلفظ القوم منعاً لهم عما يفعلونه.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا عاب عائب نفساً فكأنما عاب نفسه وثانيهما: هو أنه إذا عابه وهو لا يخلو من عيب يحاربه المعيب فيعيبه فيكون هو بعيبه حاملاً للغير على عيبه وكأنه هو العائب نفسه وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ أي إنكم إذا قتلتم نفساً قتلتم فتكونوا كأنكم قتلتم أنفسكم ويحتمل وجهاً آخر ثالثاً وهو أن تقول لا تعيبوا أنفسكم أي كل واحد منكم فإنكم إن فعلتم فقد عبتم أنفسكم، أي كل واحد عاب كل واحد فصرتم عائبين من وجه معيبين من وجه، وهذا الوجه هاهنا ظاهر ولا كذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

المسألة الخامسة: إن قيل قد ذكرتم أن هذا إرشاد للمؤمنين إلى ما يجب أن يفعله المؤمن عند حضوره بعد الإشارة إلى ما يفعله في غيبته، لكن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُواْ ﴾ قيل فيه بأنه العيب خلف الإنسان والهمز هو العيب في وجه الإنسان، نقول ليس كذلك بل العكس أولى، وذلك لأنا إذا نظرنا إلى قلب الحروف دللن على العكس، لأن لمز قلبه لزم وهمز قلبه هزم، والأول: يدل على القرب، والثاني: على البعد، فإن قيل اللمز هو الطعن والعيب في الوجه كان أولى مع أن كل واحد قيل بمعنى واحد.

المسألة السادسة: قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ ولم يقل لا تنبزوا، وذلك لأن اللماز إذا لمز فالملموز قد لا يجد فيه في الحال عيباً يلمزه به، وإنما يبحث ويتبعه ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز من جانب، وأما النبز فلا يعجز كل واحد عن الإتيان به، فإن من نبز غيره بالحمار وهو ينبزه بالثور وغيره، فالظاهر أن النبز يفضي في الحال إلى التنابز ولا كذلك اللمز.

وقوله تعالى: ﴿ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان ﴾ .

قيل فيه إن المراد ﴿ بِئْسَ ﴾ أن يقول للمسلم يا يهودي بعد الإيمان أي بعد ما آمن فبئس تسميته بالكافر، ويحتمل وجهاً أحسن من هذا: وهو أن يقال هذا تمام للزجر، كأنه تعالى قال: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ولا تلمزوا ولا تنابزوا فإنه إن فعل يفسق بعد ما آمن، والمؤمن يقبح منه أن يأتي بعد إيمانه بفسوق فيكون قوله تعالى: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ  ﴾ ويصير التقدير بئس الفسوق بعد الإيمان، وبئس أن تسموا بالفاسق بسبب هذه الأفعال بعد ما سميتموهم مؤمنين.

قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون ﴾ وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال هذه الأشياء من الصغائر فمن يصر عليه يصير ظالماً فاسقاً وبالمرة الواحدة لا يتصف بالظلم والفسق فقال ومن لم يترك ذلك ويجعله عادة فهو ظالم وثانيهما: أن يقال قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴾ ﴿ وَلاَ تَلْمِزُواْ ﴾ ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ منع لهم عن ذلك في المستقبل، وقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ ﴾ أمرهم بالتوبة عما مضى وإظهار الندم عليها مبالغة في التحذير وتشديداً في الزجر، والأصل في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ لا تتنابزوا أسقطت إحدى التاءين، كما أسقط في الاستفهام إحدى الهمزتين فقال: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُم  ﴾ والحذف هاهنا أولى لأن تاء الخطاب وتاء الفاعل حرفان من جنس واحد في كلمة وهمزة الاستفهام كلمة برأسها وهمزة أنذرتهم أخرى واحتمال حرفين في كلمتين أسهل من احتماله في كلمة، ولهذا وجب الإدغام في قولنا: مد، ولم يجب في قولنا امدد، و(في) قولنا: مر، (دون) قوله: أمر ربنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوّام بأمور النساء.

قال الله تعالى: ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ [النساء: 34] وقال عليه الصلاة والسلام: «النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه» والذابون هم الرجال، وهو في الأصل جمع قائم، كصوّم وزوّر: في جمع صائم وزائر.

أو تسمية بالمصدر.

عن بعض العرب: إذا أكلت طعاماً أحببت نوماً وأبغضت قوماً.

أي قياماً، واختصاص القوم بالرجال: صريح في الآية وفي قول زهير: أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن، وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين: أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض؛ وأن تقصد إفادة الشياع، وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة على التوحيد، إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية، واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به، فيؤدي ذلك- وإن أوجده واحد- إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقوماً.

وقول تعالى: ﴿ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ ﴾ كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء.

والمعنى وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيراً من الساخر، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند الله؛ خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله والاستهانة بمن عظمه الله، ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمر بن شرحبيل: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه: خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه.

وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ عسوا أن يكونوا ﴾ وعسين أن يكن، فعسى على هذه القراءة هي ذات الخبر كالتي في قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ [محمد: 22] وعلى الأولى هي التي لا خبر لها كقوله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا ﴾ [البقرة: 216] .

واللمز: الطعن والضرب باللسان.

وقرئ: ﴿ ولا تلمزوا ﴾ بالضم.

والمعنى: وخصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء من عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس» وعن الحسن رضي الله عنه في ذكر الحجاج: أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول: يا أبا سعيد يا أبا سعيد، وقال لما مات: اللَّهم أنت أمته فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط.

وقيل: معناه لا يعب بعضكم بعضاً، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه.

وقيل: معناه لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة.

والتنابز بالألقاب: التداعي بها: تفاعل من نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون ويقال: النبز والنزب: لقب السوء والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة لكونه تقصيراً به وذمّاً له وشيئاً، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه» ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن.

قال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكنى فإنها منبهة.

ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصدّيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقلَّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.

روي عن الضحاك أن قوماً من بني تميم استهزؤوا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى حذيفة.

فنزلت.

وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة.

وعن ابن عباس أن أمّ سلمة ربطت حقويها بسبنيّة وسدلت طرفها خلفها وكانت تجرّه، فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها كأنه لسان كلب.

وعن أنس: عيرت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ سلمة بالقصر.

وعن عكرمة عن ابن عباس أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا قلت إن أبي هرون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد» ، روي: أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع؛ فأتى يوماً وهو يقول: تفسحوا لي، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال لرجل: تنح، فلم يفعل، فقال: من هذا؟

فقال الرجل: أنا فلان، فقال: بل أنت ابن فلانة، يريد: أمّاً كان يعير بها في الجاهلية، فخجل الرجل فنزلت، فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً ﴿ الاسم ﴾ هاهنا بمعنى الذكر، من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته.

وحقيقته: ما سما من ذكره وارتفع بين الناس.

ألا ترى إلى قولهم: أشاد بذكره؛ كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسق.

وفي قوله: ﴿ بَعْدَ الايمان ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة والثاني: أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي يا فاسق، فنهوا عنه، وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهي عن التنابز.

والثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ﴾ أيْ لا يَسْخَرْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن بَعْضٍ إذْ قَدْ يَكُونُ المَسْخُورُ مِنهُ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السّاخِرِ، والقَوْمُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجالِ لِأنَّهُ إمّا مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في الجَمْعِ أوْ جَمْعٌ لِقائِمٍ كَزائِرٍ وزُوَّرٍ، والقِيامُ بِالأُمُورِ وظِيفَةُ الرِّجالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ وحَيْثُ فُسِّرَ بِالقَبِيلَيْنِ كَقَوْمِ عادٍ وفِرْعَوْنَ، فَإمّا عَلى التَّغْلِيبِ أوِ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الرِّجالِ عَلى ذِكْرِهِنَّ لِأنَّهُنَّ تَوابِعُ، واخْتِيارُ الجَمْعِ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ تَغْلِبُ في المَجامِعِ وعَسى بِاسْمِها اسْتِئْنافٌ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلنَّهْيِ ولا خَبَرَ لَها لِإغْناءِ الِاسْمِ عَنْهُ.

وقُرِئَ «عَسَوْا أنْ يَكُونُوا» و «عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ» فَهي عَلى هَذا ذاتُ خَبَرٍ.

﴿ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تَلْمِزُونَ بِهِ فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّمْزَ فَقَدَ لَمَزَ نَفْسَهُ.

واللَّمْزُ الطَّعْنُ بِاللِّسانِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ.

﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ ولا يَدْعُ بَعْضُكم بَعْضًا بِلَقَبِ السُّوءِ، فَإنَّ النَّبْزَ مُخْتَصٌّ بِلَقَبِ السُّوءِ عُرْفًا.

﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ أيْ بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذْكَرُوا بِالفُسُوقِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الإيمانَ واشْتِهارِهِمْ بِهِ، والمُرادُ بِهِ إمّا تَهْجِينُ نِسْبَةِ الكُفْرِ والفِسْقِ إلى المُؤْمِنِينَ خُصُوصًا إذْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، «أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يَقُلْنَ لِي يا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيِّينَ، فَقالَ لَها: «هَلّا قُلْتِ إنَّ أبِي هارُونُ وعَمِّي مُوسى وزَوْجِي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».» أوِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ التَّنابُزَ فِسْقٌ والجَمْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ مُسْتَقْبَحٌ.

﴿ وَمَن لَمْ يَتُبْ ﴾ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ بِوَضْعِ العِصْيانِ مَوْضِعَ الطّاعَةِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْعَذابِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ كُونُوا مِنهُ عَلى جانِبٍ، وإبْهامُ الكَثِيرِ لِيَحْتاطَ في كُلِّ ظَنٍّ ويَتَأمَّلَ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ مِن أيِّ القَبِيلِ، فَإنَّ مِنَ الظَّنِّ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ كالظَّنِّ حَيْثُ لا قاطِعَ فِيهِ مِنَ العَمَلِيّاتِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما يَحْرُمُ كالظَّنِّ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ وظَنُّ السَّوْءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وما يُباحُ كالظَّنِّ في الأُمُورِ المَعاشِيَّةِ.

﴿ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ﴾ مُسْتَأْنِفٌ لِلْأمْرِ، والإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ.

والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ يَكْسِرُها.

﴿ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ ولا تَبْحَثُوا عَنْ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، تَفَعُّلٌ مِنَ الجَسِّ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ كالتَّلَمُّسِ، وقُرِئَ بِالحاءِ مِنَ الحِسِّ الَّذِي هو أثَرُ الجَسِّ وغايَتُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْحَواسِّ الخَمْسِ: الجَواسُّ.

وَفِي الحَدِيثِ: «لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِهِمْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتّى يَفْضَحَهُ ولَوْ في جَوْفِ بَيْتِهِ».» ﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ ولا يَذْكُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِالسُّوءِ في غَيْبَتِهِ.

«وَسُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الغَيْبَةِ فَقالَ: «أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».» ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ تَمْثِيلٌ لِما يَنالُهُ المُغْتابُ مِن عِرْضِ المُغْتابِ عَلى أفْحَشِ وجْهٍ مَعَ مُبالَغاتِ الِاسْتِفْهامِ المُقَرَّرِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى أحَدٍ لِلتَّعْمِيمِ وتَعْلِيقِ المُحِبَّةِ بِما هو في غايَةِ الكَراهَةِ، وتَمْثِيلِ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ وجَعْلِ المَأْكُولِ أخًا ومَيْتًا وتَعْقِيبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ تَقْرِيرًا وتَحْقِيقًا لِذَلِكَ.

والمَعْنى إنْ صَحَّ ذَلِكَ أوْ عُرِضَ عَلَيْكم هَذا فَقَدَ كَرِهْتُمُوهُ ولا يُمْكِنُكم إنْكارُ كَراهَتِهِ، وانْتِصابُ مَيْتًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّحْمِ أوِ الأخِ وشَدَّدَهُ نافِعٌ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَنِ اتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ وتابَ مِمّا فَرَطَ مِنهُ، والمُبالَغَةُ في ال ( تَوّابٌ ) لِأنَّهُ بَلِيغٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ إذْ يَجْعَلُ صاحِبَها كَمَن لَمْ يُذْنِبْ، أوْ لِكَثْرَةِ المَتُوبِ عَلَيْهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، رُوِيَ: «أنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ بَعَثا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  يَبْغِي لَهُما إدامًا، وكانَ أُسامَةُ عَلى طَعامِهِ فَقالَ: ما عِنْدِي شَيْءٌ فَأخْبَرَهُما سَلْمانُ فَقالا: لَوْ بَعَثْناهُ إلى بِئْرِ سَمِيحَةَ لَغارَ ماؤُها، فَلَمّا راحا إلى رَسُولِ اللَّهِ  قالَ لَهُما: «ما لِي أرى حَضْرَةَ اللَّحْمِ في أفْواهِكُما»، فَقالا: ما تَناوَلْنا لَحْمًا، فَقالَ: «إنَّكُما قَدِ اغْتَبْتُما» فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} القوم الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء قال الله تعالى الرجال قوامون على النساء وهو في الاصل جمع فائم كصوم وزورق في جمع صائم وزائر واختصاص القوم بالرجال صريح الآية إذ لو كانت النساء داخلة في قوم لم يقل ولا نساء وحقق ذلك زهير في قوله ...

وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء ...

وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأتهن توابع لرجالهن وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض وأن يقصد إفادة الشياع وأن يصير كل جماعة منهم منهية من السخرية وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على التوحيد إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه وقوله عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً منهم كلام مستأنف ورد مورد جوبا المستخير عن علة النهي وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء والمعنى وجوب أن يعتقد كل واحد أن

المسخور منه ربما كان عند الله خيراً من الساخر إذ لا اطلاع للناس إلا على الظواهر ولا علم لهم بالسرائر والذي يزن عند الله خلوص الضمائر فينبغي أن لا يجتريء احد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه اذ رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى وعن ابن مسعود رضى الله عنه البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلت لخشيت أن أحول كلباً {وَلاَ تَلْمِزُوآ أَنفُسَكُمْ} ولا تطعنوا أهل دينكم واللمز الطعن والضرب باللسان وَلاَ تَلْمُزُواْ يعقوب وسهل والمؤمنون كنفس واحدة فإذا عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه وقيل معناه لا تفعلوا ما تلمزون به لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة {وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب} التنابز بالألقاب التداعي بها والنبز لقب السوء والتقليب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به وذماً له فأما ما يحبه فلا بأس به ورُوي أن قوماً من بني تميم استهزءوا ببلال وخباب وعمار وصهيب فنزلت وعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة وكانت قصيرة وعن انس رضى الله عنه عيرت نساء النبى صلى الله عليه وسلم ام سلمة

بالقصر ورُوي أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع فأتى يوماً وهو يقول تفسحوا حتى انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل تنح فلم يفعل فقال من هذا فقال الرجل أنا فلان فقال بل أنت ابن فلانة يريد أماً كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل فنزلت فقال ثابت لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً {بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان} الاسم ههنا بمعنى الذكر من قولهم طار اسمه في الناس بالكرام أو باللؤم وحقيقته ما سما من ذكره

وارتفع بين الناس كأنه قيل بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق وقوله بَعْدَ الإيمان استقباح للجمع بين الايمان وبين الفسق الذى يخطره الإيمان كما تقول بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة وقيل كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود يا يهودى يا فاسق فنهو عنه وقيل لهم بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} عما نهي عنه {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} وحد وجمع للفظ من ومعناه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴾ أيْ مِنكم ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ آخَرِينَ مِنكم أيْضًا، فالتَّنْكِيرُ في المَوْضِعِيَّةِ لِلتَّبْعِيضِ، والسَّخْرُ الهُزُؤُ كَما في القامُوسِ، وفي الزَّواجِرِ النَّظَرُ إلى المَسْخُورِ مِنهُ بِعَيْنِ النَّقْصِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: السُّخْرِيَةُ الِاسْتِحْقارُ والِاسْتِهانَةُ والتَّنْبِيهُ عَلى العُيُوبِ والنَّقائِصِ بِوَجْهٍ يُضْحَكُ مِنهُ وقَدْ تَكُونُ بِالمُحاكاةِ بِالفِعْلِ والقَوْلِ أوِ الإشارَةِ أوِ الإيماءِ أوِ الضَّحِكِ عَلى كَلامِ المَسْخُورِ مِنهُ إذا تَخَبَّطَ فِيهِ أوْ غَلِطَ أوْ عَلى صَنْعَتِهِ أوْ قُبْحِ صُورَتِهِ، وقالَ بَعْضٌ: هو ذِكْرُ الشَّخْصِ بِما يَكْرَهُ عَلى وجْهٍ مُضْحِكٍ بِحَضْرَتِهِ، واخْتِيرَ أنَّهُ احْتِقارُهُ قَوْلًا أوْ فِعْلًا بِحَضْرَتِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وعَلَيْهِ ما قِيلَ المَعْنى: لا يَحْتَقِرُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بَعْضًا.

والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ سَخِرُوا مِن بِلالٍ وسَلْمانَ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وصُهَيْبٍ وابْنِ نُهَيْرَةَ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اشْتِمالُها عَلى نَهْيِ النِّساءِ عَنِ السُّخْرِيَةِ كَما لا يَضُرُّ اشْتِمالُها عَلى نَهْيِ الرِّجالِ عَنْها فِيما رُوِيَ أنَّ عائِشَةَ وحَفْصَةَ رَأتا أُمَّ سَلَمَةَ رَبَطَتْ حَقْوَيْها بِثَوْبٍ أبْيَضَ وسَدَلَتْ طَرَفَهُ خَلْفَها فَقالَتْ عائِشَةُ لِحَفْصَةَ تُشِيرُ إلى ما تَجُرُّ خَلْفَها: كَأنَّهُ لِسانُ كَلْبٍ فَنَزَلَتْ، وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَسْخَرُ مِن زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ الهِلالِيَّةِ وكانَتْ قَصِيرَةً فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ كانَ يَمْشِي بِالمَدِينَةِ فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: هَذا ابْنُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَكاهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِمُوجِبِهِ أيْ عَسى أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ مِنهم خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ السّاخِرِينَ فَرُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى لَأبَرَّهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَحْتَقِرُ بَعْضٌ بَعْضًا عَسى أنْ يَصِيرَ المُحْتَقَرُ- اسْمُ مَفْعُولٍ- عَزِيزًا ويَصِيرَ المُحْتَقِرُ ذَلِيلًا فَيَنْتَقِمُ مِنهُ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: لا تُهِينُ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ والقَوْمُ جَماعَةُ الرِّجالِ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا نِساءٌ ﴾ أيْ ولا يَسْخَرُ نِساءٌ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴿ مِن نِساءٍ ﴾ مِنهُنَّ ﴿ عَسى أنْ يَكُنَّ ﴾ أيِ المَسْخُوراتِ ﴿ خَيْرًا مِنهُنَّ ﴾ أيْ مِنَ السّاخِراتِ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمُ آلِ حِصْنٍ أمْ نِساءُ وهُوَ إمّا مَصْدَرٌ كَما في قَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ: إذا أكَلْتُ طَعامًا أحْبَبْتُ نَوْمًا وأبْغَضْتُ قَوْمًا أيْ قِيامًا نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في جَماعَةِ الرِّجالِ، وإمّا اسْمُ جَمْعٍ لِقائِمٍ كَصَوْمٍ لِصائِمٍ وزُورٍ لِزائِرٍ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمُ الجَمْعَ مُرِيدًا بِهِ المَعْنى اللُّغَوِيَّ وإلّا فَفَعْلَ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ لِغَلَبَتِهِ في المُفْرَداتِ، ووَجْهُ الِاخْتِصاصِ بِالرِّجالِ أنَّ القِيامَ بِالأُمُورِ وظِيفَتُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ وقَدْ يُرادُ بِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ تَغْلِيبًا كَما قِيلَ في قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الذُّكُورُ والإناثُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الذُّكُورُ أيْضًا ودَلَّ عَلَيْهِنَّ بِالِالتِزامِ العادِيِّ لِعَدَمِ الِانْفِكاكِ عادَةً، والنِّساءُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وكَذا النِّسْوانِ والنِّسْوَةُ جَمْعُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ لَفْظِها، وجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ في المَوْضِعَيْنِ دُونَ المُفْرَدِ كَأنْ يُقالَ: لا يَسْخَرْ رَجُلٌ مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٌ مِنِ امْرَأةٍ مَعَ أنَّهُ الأصْلُ الأشْمَلُ الأعَمُّ قِيلَ جَرْيًا عَلى الأغْلَبِ مِن وُقُوعِ السُّخْرِيَةِ في مَجامِعِ النّاسِ فَكَمْ مِن مُتَلَذِّذٍ بِها وكَمْ مِن مُتَألِّمٍ مِنها فَجُعِلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِ السّاخِرِ والمَسْخُورِ مِنهُ، وقِيلَ: لِأنَّ النَّهْيَ ورَدَ عَلى الحالَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ الجَماعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وعُمُومُ الحُكْمِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، ﴿ وعَسى ﴾ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن كُلِّ ما أُسْنِدَتْ فِيهِ إلى أنْ والفِعْلِ قِيلَ تامَّةٌ لا تَحْتاجُ إلى خَبَرٍ وأنْ وما بَعْدَها في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها ناقِصَةٌ وسَدَّ ما بَعْدَها مَسَدَّ الجُزْأيْنِ ولَهُ مَحَلّانِ بِاعْتِبارَيْنِ أوْ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ، والتَّحَكُّمُ مُنْدَفِعٌ بِأنَّهُ الأصْلُ في مَنصُوبِها بِناءً عَلى أنَّها مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ (عَسَوْا أنْ يَكُونُوا) .

(وعَسَيْنَ عَنْ أنْ يَكُنَّ) فَعَسى عَلَيْها ذاتَ خَبَرٍ عَلى المَشْهُورِ مِن أقْوالِ النُّحاةِ، وفِيهِ الإخْبارُ عَنِ الذّاتِ بِالمَصْدَرِ أوْ يُقْدَّرُ مُضافٌ مَعَ الِاسْمِ أوِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو في مِثْلِ ذَلِكَ بِمَعْنى قارَبَ وأنْ وما مَعَها مَفْعُولٌ أوْ قَرُبَ وهو مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الجارِّ ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ لا يَعِبْ بَعْضُكم بَعْضًا بِقَوْلٍ أوْ إشارَةٍ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَمَتى عابَ المُؤْمِنُ المُؤْمِنَ فَكَأنَّهُ عابَ نَفْسَهُ، فَضَمِيرُ ﴿ تَلْمِزُوا ﴾ لِلْجَمِيعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، ( وأنْفُسَكم ) عِبارَةٌ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ جُعِلَ ما هو مِن جِنْسِهِمْ بِمَنزِلَةِ أنْفُسِهِمْ وأُطْلِقَ الأنْفُسُ عَلى الجِنْسِ اسْتِعارَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ وهَذا غَيْرُ النَّهْيِ السّابِقِ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ بِناءً عَلى أنَّ السُّخْرِيَةَ احْتِقارُ الشَّخْصِ مُطْلَقًا عَلى وجْهٍ مُضْحِكٍ بِحَضْرَتِهِ، واللَّمْزُ التَّنْبِيهُ عَلى مَعايِبِهِ سَواءٌ كانَ عَلى مُضْحِكٍ أمْ لا؟

وسَواءٌ كانَ بِحَضْرَتِهِ أمْ لا كَما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ، وجُعِلَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِإفادَةِ الشُّمُولِ كَشارِبِ الخَمْرِ وكُلُّ فاسِقٍ مَذْمُومٌ، ولا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ التَّنْبِيهُ المَذْكُورُ احْتِقارًا، ومِنهم مَن يَقُولُ: السُّخْرِيَةُ الِاحْتِقارُ واللَّمْزُ التَّنْبِيهُ عَلى المَعايِبِ أوْ تَتَبُّعُها والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ وقِيلَ: اللَّمْزُ مَخْصُوصٌ بِما كانَ مِنَ السُّخْرِيَةِ عَلى وجْهِ الخُفْيَةِ كالإشارَةِ فَهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِجَعْلِ الخاصِّ كَجِنْسٍ آخَرَ مُبالَغَةً، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المَعْنى وخُصُّوا أنْفُسَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ بِالِانْتِهاءِ عَنْ عَيْبِها والطَّعْنِ فِيها ولا عَلَيْكم أنْ تَعِيبُوا غَيْرَكم مِمَّنْ لا يَدِينُ بِدِينِكم ولا يَسِيرُ بِسِيرَتِكُمْ، فَفي الحَدِيثِ «(اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ يَحْذَرَهُ النّاسُ)» وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى الِاخْتِصاصِ.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هو مِن دَلِيلِ الخِطابِ لَكِنْ إنَّ في هَذا الوَجْهِ تَعَسُّفًا.

والوَجْهُ الآخَرُ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ أوْجَهُ لِمُوافَقَتِهِ ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ ﴾ و ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ و ﴿ ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ وفي الكَشْفِ أخْذُ الِاخْتِصاصِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الأصْلِ وهو لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَلْمِزُوا مَن هو عَلى صِفَتِكم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ، وتُعِقِّبَ قَوْلُ الطَّيِّبِيِّ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ يُفِيدُ العَلِيَّةَ والِاخْتِصاصَ مَعًا فَيُوافِقُ ما سَبَقَ ويُؤْذِنُ بِالفَرْقِ بَيْنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ وهو مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَلْمِزُوا المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم أنْفُسُكم ولا تَعَسُّفَ فِيهِ بِوَجْهٍ إلى آخِرِ ما قالَ فَلْيُتَأمَّلْ.

والإنْصافُ أنَّ المُتَبادِرَ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَفْعَلُوا ما تَلْمِزُونَ بِهِ فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّمْزَ فَقَدَ لَمَزَ نَفْسَهُ فَأنْفُسَكم عَلى ظاهِرِهِ والتَّجَوُّزُ في ﴿ تَلْمِزُوا ﴾ أُطْلِقَ فِيهِ المُسَبِّبُ عَلى السَّبَبِ والمُرادُ لا تَرْتَكِبُوا أمْرًا تُعابُونَ بِهِ، وهو بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ وغَيْرُ مُناسِبٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنابَزُوا ﴾ وكَوْنُهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ إذْ أُسْنِدَ فِيهِ ما لِلْمُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، وكَذا كَوْنُهُ كالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ لا يَدْفَعُ كَوْنَهُ مُخالِفًا لِلظّاهِرِ، وكَذا كَوْنُ المُرادِ بِهِ لا تَتَسَبَّبُوا إلى الطَّعْنِ فِيكم بِالطَّعْنِ عَلى غَيْرِكم كَما في الحَدِيثِ «(مِنَ الكَبائِرِ أنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ)».

وفُسِّرَ بِأنَّهُ إنْ شَتَمَ والِدِي غَيْرَهُ شَتَمَ الغَيْرُ والِدَيْهِ أيْضًا.

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (لا تَلْمُزُوا) بِضَمِّ المِيمِ ﴿ ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ أيْ لا يَدْعُ بَعْضُكم بَعْضًا بِاللَّقَبِ، قالَ في القامُوسِ: التَّنابُزُ التَّعايُرُ والتَّداعِي بِالألْقابِ ويُقالُ نَبَزَهُ يَنْبِزُهُ نَبْزًا بِالفَتْحِ والسُّكُونِ لَقَّبَهُ كَنَبَزَهُ والنَّبَزُ بِالتَّحْرِيكِ وكَذا النَّزَبُ اللَّقَبُ وخُصَّ عُرْفًا بِما يَكْرَهُهُ الشَّخْصُ مِنَ الألْقابِ.

وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ لَفْظَ اللَّقَبِ في القَدِيمِ كانَ في الذَّمِّ أشْهَرُ مِنهُ في المَدْحِ، والنَّبْزُ في الذَّمِّ خاصَّةٌ، وظاهِرُ تَفْسِيرِ التَّنابُزِ بِالتَّداعِي بِالألْقابِ اعْتِبارُ التَّجْرِيدِ في الآيَةِ لِئَلّا يُسْتَدْرَكَ ذِكْرُ الألْقابِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: التَّنابُزُ التَّرامِي أيْ لا تَتَرامُوا بِالألْقابِ ويُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ، والمَنهِيُّ عَنْهُ هو التَّلْقِيبُ بِما يَتَداخَلُ المَدْعُوُّ بِهِ كَراهَةً لِكَوْنِهِ تَقْصِيرًا بِهِ وذَمًّا لَهُ وشَيْنًا.

قالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى تَحْرِيمِ تَلْقِيبِ الإنْسانِ بِما يَكْرَهُ سَواءٌ كانَ صِفَةً لَهُ أوْ لِأبِيهِ أوْ لِأُمِّهِ أوْ غَيْرِهِما فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وكانَ بِهِ وقْرٌ فَكانُوا يُوَسِّعُونَ لَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَسْمَعَ فَأتى يَوْمًا وهو يَقُولُ: تَفَسَّحُوا حَتّى انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لِرَجُلٍ: تَنَحَّ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقالَ: مَن هَذا؟

فَقالَ الرَّجُلُ: أنا فُلانٌ فَقالَ: بَلْ أنْتَ ابْنُ فُلانَةَ يُرِيدُ أُمًّا كانَ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ فَخَجِلَ الرَّجُلُ فَنَزَلَتْ فَقالَ ثابِتٌ: لا أفْخَرُ عَلى أحَدٍ في الحَسَبِ بَعْدَها أبَدًا.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ الضَّحّاكِ قالَ: فِينا نَزَلَتْ في بَنِي سَلَمَةَ ﴿ ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ ولَيْسَ فِينا رَجُلٌ إلّا ولَهُ اسْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ فَكانَ إذا دَعا أحَدًا مِنهم بِاسْمٍ مِن تِلْكَ الأسْماءِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ يَكْرَهُهُ فَنَزَلَتْ ﴿ ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابَ مِنها وراجَعَ الحَقَّ فَنَهى اللَّهُ تَعالى أنْ يُعَيَّرَ بِما سَلَفَ مِن عَمَلِهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ هو أنْ يُقالَ اليَهُودِيُّ أوِ النَّصْرانِيُّ أوِ المَجُوسِيُّ إذا أسْلَمَ يا يَهُودِيُّ أوْ يا نَصْرانِيُّ أوْ يا مَجُوسِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، ولَعَلَّ مَأْخَذَهُ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صَفِيَّةَ بِنْتِ حَيِيٍّ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يَقُلْنَ لِي يا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيِّينَ فَقالَ لَها: هَلّا قُلْتِ: إنَّ أبِي هارُونُ وعَمِّي مُوسى وزَوْجِي مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا ذُكِرَ داخِلٌ في عُمُومِ ( لا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ) عَلى ما سَمِعْتَ فَلا يَخْتَصُّ التَّنابُزُ بِقَوْلِ يا يَهُودِيُّ ويا فاسِقُ ونَحْوَهُما، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ارْتِكابِ التَّنابُزِ أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ، وهو ذَمٌّ عَلى اجْتِماعِ الفِسْقِ وهو ارْتِكابُ التَّنابُزِ والإيمانِ عَلى مَعْنًى لا يَنْبَغِي أنْ يَجْتَمِعا فَإنَّ الإيمانَ يَأْبى الفِسْقَ كَقَوْلِهِمْ: بِئْسَ الشَّأْنُ بَعْدَ الكَبْرَةِ الصَّبْوَةُ يُرِيدُونَ اسْتِقْباحَ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّبْوَةِ وما يَكُونُ في حالِ الشَّبابِ مِنَ المَيْلِ إلى الجَهْلِ وكِبَرِ السِّنِّ.

( والِاسْمُ ) هُنا بِمَعْنى الذِّكْرِ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ اسْمُهُ في النّاسِ بِالكَرَمِ أوِ اللُّؤْمِ فَلا تَأْبى هَذِهِ الآيَةُ حَمْلَ ما تَقَدَّمَ عَلى النَّهْيِ عَنِ التَّنابُزِ مُطْلَقًا، وفِيها تَسْمِيَتُهُ فُسُوقًا، وقِيلَ: ﴿ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ أيْ بَدَلَهُ كَما في قَوْلِكَ لِلْمُتَحَوِّلِ عَنِ التِّجارَةِ إلى الفِلاحَةِ: بِئْسَتِ الحِرْفَةُ الفِلاحَةُ بَعْدَ التِّجارَةِ، وفِيهِ تَغْلِيظٌ بِجَعْلِ التَّنابُزِ فِسْقًا مُخْرِجًا عَنِ الإيمانِ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ.

وذِكْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ مِن أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ فاسِقٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ حَقِيقَةً، وقِيلَ: مَعْنى النَّهْيِ السّابِقِ لا يَنْسِبَنَّ أحَدُكم غَيْرَهُ إلى فِسْقٍ كانَ فِيهِ بَعْدَ اتِّصافِهِ بِضِدِّهِ، ومَعْنى هَذا بِئْسَ تَشْهِيرُ النّاسِ وذِكْرُهم بِفِسْقٍ كانُوا فِيهِ بَعْدَ ما اتَّصَفُوا بِضِدِّهِ، فَيَكُونُ الكَلامُ نَهْيًا عَنْ أنْ يُقالَ لِيَهُودِيٍّ أسْلَمَ يا يَهُودِيُّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لَفْظًا وسِياقًا ومُبالَغَةً، والجُمْلَةُ عَلى كُلٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّنابُزِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هي عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أوْ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ، وعَلى هَذا اقْتَصَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الزَّواجِرِ.

ويُسْتَثْنى مِنَ النَّهْيِ الأخِيرِ دُعاءُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِلَقَبٍ قَبِيحٍ في نَفْسِهِ لا عَلى قَصْدِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ والإيذاءِ لَهُ كَما إذا دَعَتْ لَهُ الضَّرُورَةُ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِ كَقَوْلِ المُحَدِّثِينَ: سُلَيْمانُ الأعْمَشُ وواصِلٌ الأحْدَبُ، وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ لِعَلْقَمَةَ: تَقُولُ أنْتَ ذَلِكَ يا أعْوَرُ ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى دُعاءِ الضَّرُورَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ في حالِ مُخاطَبَتِهِ عَلْقَمَةَ لِقَوْلِهِ يا أعْوَرُ، ولَعَلَّ الشُّهْرَةَ مَعَ عَدَمِ التَّأذِّي وعَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِخْفافِ كافِيَةٌ في الجَوازِ، ويُقالُ ما كانَ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن ذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ في الرِّوايَةِ عَمَّنِ اشْتُهِرَ بِذَلِكَ كَسُلَيْمانَ المُتَقَدِّمِ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ الَّذِي يُقالُ لَهُ الأعْمَشُ، هَذا وغُويِرَ بَيْنَ صِيغَتَيْ ( تَلْمِزُوا وتَنابَزُوا ) لِأنَّ المَلْمُوزَ قَدْ لا يَقْدِرُ في الحالِ عَلى عَيْبٍ يَلْمِزُ بِهِ لامِزَهُ فَيَحْتاجُ إلى تَتَبُّعِ أحْوالِهِ حَتّى يَظْفَرَ بِبَعْضِ عُيُوبِهِ بِخِلافِ النَّبْزِ فَإنَّ مَن لُقِّبَ بِما يَكْرَهُ قادِرٌ عَلى تَلْقِيبِ الآخَرِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ حالًا فَوَقَعَ التَّفاعُلُ كَذا في الزَّواجِرِ، وقِيلَ: قِيلَ ﴿ تَنابَزُوا ﴾ لِأنَّ النَّهْيَ ورَدَ عَلى الحالَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ القَوْمِ، ويُعْلَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ التَّلْقِيبَ لَيْسَ مُحَرَّمًا عَلى الإطْلاقِ بَلِ المُحَرَّمُ ما كانَ بِلَقَبِ السُّوءِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ التَّلْقِيبَ بِالألْقابِ الحَسَنَةِ مِمّا لا خِلافَ في جَوازِهِ، وقَدْ لُقِّبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالعَتِيقِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: «(أنْتَ عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النّارِ)» وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالفارُوقِ لِظُهُورِ الإسْلامِ يَوْمَ إسْلامِهِ، وحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأسَدِ اللَّهِ لِما أنَّ إسْلامَهُ كانَ حَمِيَّةً فاعْتَزَّ الإسْلامُ بِهِ، وخالِدٍ بِسَيْفِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ  : «(نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ سَيْفٌ مِن سُيُوفٍ اللَّهِ)».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْقابِ الحَسَنَةِ، وألْقابُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ وما زالَتِ الألْقابُ الحَسَنَةُ في الأُمَمِ كُلِّها مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ تَجْرِي في مُخاطَباتِهِمْ ومُكاتَباتِهِمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ اللَّقَبِ والكُنْيَةِ في أنَّ الدُّعاءَ بِالقَبِيحِ المَكْرُوهِ مِنها حَرامٌ ورُبَّما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الرّاغِبِ: اللَّقَبُ اسْمٌ يُسَمّى بِهِ الإنْسانُ سِوى اسْمِهِ الأوَّلِ ويُراعى فِيها المَعْنى بِخِلافِ العِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ: وقَلَّما أبْصَرَتْ عَيْناكَ ذا لَقَبٍ.

إلّا ومَعْناهُ أنْ فَتَّشْتَ في لَقَبِهِ بِدُخُولِهِ في مَفْهُومِهِ لَكِنَّ الشّائِعَ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ «( كَنُّوا أوْلادَكُمْ)».

قالَ عَطاءٌ: مَخافَةُ الألْقابِ.

وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أشِيعُوا الكُنى فَإنَّها سُنَّةٌ.

ولَنا في الكُنى كَلامٌ نَفِيسٌ ذَكَرْناهُ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ ﴿ ومَن لَمْ يَتُبْ ﴾ عَمّا نُهى عَنْهُ مِنَ التَّنابُزِ أوْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ أوْ مُطْلَقًا ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ بِوَضْعِ العِصْيانِ مَوْضِعَ الطّاعَةِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْعَذابِ، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ ثانِيًا مُراعاةً لِلَّفْظِ ومُراعاةً لِلْمَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما وذلك أن النبيّ  خرج إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من الأمور وهو على حماره، فبال الحمار وهو راكب عليه يكلم الأنصار.

فقال عبد الله بن أبي المنافق: خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار، ثم قال: أف.

وأمسك على أنفه فشق على النبيّ  قوله، فانصرف عبد الله بن رواحة.

فقال: اتقوا هذا لحمار رسول الله  ، والله لبوله أطيب ريحاً منك.

فاقتتلا فاجتمع قوم ابن رواحة وهم الأوس، وقوم عبد الله بن أبي وهم الخزرج، فكان بينهم ضرب النعال، والأيدي، والسعف، ورجع النبيّ  فأصلح بينهم.

فأنزل الله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالعدل فكره بعضهم الصلح، فأنزل قوله: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى يعني: استطالت فلم ترجع إلى الصُّلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي يعني: تظلم حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يعني: ترجع إلى ما أمر الله عز وجل.

وروى أسباط عن السدي قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد، فأبغضت زوجها، وأرادت أن تلحق بأهلها، وكان قد جعلها في غرفة له، وأمر أهله أن يحفظوها، وخرج إلى حاجة له، فأرسلت إلى أهلها، فجاء ناس من أهلها، وأرادوا أن يذهبوا بها، فاقتتلوا بالنعال، والتلاطم.

فنزل قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية.

ثم صارت الآية عامة في جميع المسلمين.

إذا اقتتل فريقان من المسلمين، وجب على المؤمنين الإصلاح بين الفريقين.

فإن ظهر أن أحد الفريقين ظالم، فإنه يقاتل ذلك الفريق حتى يرجع إلى حكم الله.

ثم قال: فَإِنْ فاءَتْ يعني: رجعت إلى الصلح فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ يعني: بالحق وَأَقْسِطُوا يعني: اعدلوا بين الفريقين، ولا تميلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني: العادلين.

ثم قال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يعني: كالأخوة في التعاون لأنهم على دين واحد.

كما قال النبيّ  : «المُؤْمِنَ للمُؤْمِن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعْضاً» وَرُوي عنه أنه قال: «المُؤْمِنُونَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِر الأَعْضَاءِ إِلَى الحُمَّى وَالسَّهَرِ» .

ثم قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يعني: الفريقين من المؤمنين مثل الأوس والخزرج.

فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ قرأ ابن سيرين: إِخْوَانِكُم بالنون.

وقرأ يعقوب الحضرمي: بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ بالتاء.

يعني: جمع الأخ.

وقراءة العامة أَخَوَيْكُمْ بالياء على تثنية الأخ.

يعني: بين كل أخوين.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: اخشوا الله عز وجل، ولا تعصوه، لكي ترحموا، فلا تعذبوا.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ يعني: لا يستهزئ الرجل من أخيه.

وقال بعضهم: الآية نزلت في ثابت بن قيس، حيث عيّر الذي لم يوسع له في المكان، وقال بعضهم: الآية نزلت في الذين ينادونه من وراء الحجرات.

استهزءوا من ضعفاء المسلمين، عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ يعني: أفضل منهم، وأكرم على الله تعالى وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ يعني: لا تستهزئ امرأة من امرأة، وذلك أن عائشة  ا قالت: إن أم سلمة جميلة لولا أنها قصيرة عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ يعني: أفضل.

ثم صارت الآية عامة في الرجال والنساء، فلا يجوز أحد أن يسخر من صاحبه، أو من أحد من خلق الله تعالى.

وقال ابن مسعود  : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أكون مثله.

ثم قال: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا يطعن بعضكم بعضاً.

وقال القتبي: ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم كما قال: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: 12] .

يعني: بأمثالهم.

ثم قال: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ يعني: لا تسموا باللقب.

وقال محمد بن كعب القرظي: هو الرجل يكون على دين من الأديان، فيسلم، فيدعونه بدينه الأول: يا يهودي، ويا نصراني.

ويقال: لا تعيروا المسلم بالملة التي كان عليها، ولا تسموه بغير دين الإسلام.

وقال أهل اللغة: الألقاب والأنباز واحد.

ومنه قيل في الحديث: «قومٌ نَبْزُهُمُ الرَّافِضَةُ» أي: لقبهم وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي: لا تداعوا بها.

ويقال: هو اللقب الذي يكرهه الرجل.

يعني: أنه ينبغي للمؤمن أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه.

وقرأ بعضهم وَلا تَلْمِزُوا بضم الميم.

وقراءة العامة: بالكسر، وهما لغتان.

يقال: لمز فلان فلاناً، يلمز ويلمزه إذا عابه.

وذكر في التفسير أن الآية نزلت في مالك بن أبي مالك، وعبد الله بن أبي حدرد، وذلك أن أبا مالك كان على المقاسم.

فقال لعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي: يا أعرابي.

فقال له عبد الله: يا يهودي.

فأمرهما رسول الله  أن يدخلا عليه، حتى تظهر توبتهما، فنزل بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يعني: بئس التسمية لإخوانكم بالكفر وهم مؤمنون وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من قوله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فأوثقا أنفسهما حتى قبلت توبتهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هو معلوم في الحديث الطويل، ومدافعة الفئة الباغية مُتَوَجِّهَةٌ في كل حال، [وأَمَّا التَهَيُّؤُ] لقتالهم فمع الولاة، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «حَكَمَ اللَّهُ في الْفِئَةِ البَاغِيَةِ أَلاَّ يُجْهَزَ على جَرِيحِهَا، وَلا يُطْلَبَ هَارِبُهَا، وَلاَ يُقْتَلَ أسيرها، ولا يقسم فيئها» «١» وتَفِيءَ معناه: ترجع، وقرأ الجمهور: «بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» وذلك رعايةً لحال أَقَلِّ عدد يقع فيه القتال والتشاجر، وقرأ ابن عامر: «بَيْنَ إخْوَتِكُمْ» «٢» وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ: «بَيْنَ إخْوَانِكُمْ» »

وهي قراءة حسنة لأَنَّ الأكثر في جمع الأخ في الدِّينِ ونحوه من غير النسب/: «إخْوَان» ، والأكثر في جمعه من النسب: «إِخْوَة» و «آخَاء» ، وقد تتداخل هذه الجموعُ، وكُلُّها في كتاب اللَّه.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية: هذه الآية والتي بعدها نزلت في خُلُقِ أهل الجاهلية وذلك أَنَّهم كانوا يجرون مع شهواتِ نفوسهم، لم يقومهم أمر من اللَّه ولا نهي، فكان الرجل يسخر، ويلمز، وينبز بالألقاب، ويَظُنُّ الظنونَ، ويتكلم بها، ويغتاب، ويفتخر بنسبه، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطَّالة، فنزلت هذه الآية تأديباً لهذه الأُمَّةِ، وروى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ واللفظ له عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عرضه، وماله، ودمه، التّقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشرّ أن يحتقر

أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» «١» انتهى، ويسخر معناه: يستهزىء، وقد يكون ذلك المُسْتَهْزَأُ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب واقع على الذُّكْرَان، وهو من أسماء الجَمْع ومن هذا قول زُهَيْر: [من الوافر]

وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي ...

أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ «٢»

وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء، فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، وتَلْمِزُوا معناه: يطعن بعضُكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللَّمْزُ بالقول وبالإشارة ونحوه مِمَّا يفهمه آخر، والهَمْزُ لا يكون إلاَّ باللسان، وحكى الثعلبيُّ أَنَّ اللمز ما كان في المشهد، والهَمْزَ ما كان في المغيب، وحكى الزهراويُّ عكس ذلك.

وقوله تعالى: أَنْفُسَكُمْ معناه: بعضكم بعضاً كما قال تعالى: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٦٦] كأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم/ إخوة كما قال صلّى الله عليه وسلّم:

«كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشتكى مِنْهُ عُضْوٌ تداعى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ والحمى» «٣» ، وهم كما قال أيضاً: «كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» ، والتنابز: التَّلَقُّبُ، والتَّنَبزُ واللقب واحدٌ، واللقب- يعني المذكور في الآية- هو: ما يُعْرَفُ به الإنسان من الأسماء التي يَكْرَهُ سماعَهَا، وليس من هذا قول المُحَدِّثِينَ: سليمان الأعمش، وواصل الأحدب ونحوه مِمَّا تدعو الضرورة إليه، وليس فيه قصد استخفاف وأذى، وقال ابن زيد: معنى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي: لا يَقُلْ أحد لأحد: يا يهوديُّ، بعد إسلامه، ولا: يا فاسقُ، بعد توبته، ونحو هذا.

وقوله سبحانه: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يحتمل معنيين:

أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فُسَّاقاً بالمعصية بعد إيمانكم.

والثاني: بئس قول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه وعن حذيفةَ- رضي اللَّه عنه- قال: شكوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ؟!

إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» «١» رواه النسائي واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي رواية للنسائي: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَأَتُوبُ إلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» «٢» ، والذَّرَبُ- بفتح الذال والراء- هو الفُحْشُ، انتهى من «السلاح» ، ومنه عن ابن عمر: «إنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ:

رَبِّ اغفر لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ» «٣» رَوَاه أبو داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، / وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح غريب، انتهى.

ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وأَلاَّ يعملوا ولا يتكلموا بحسبه لما في ذلك وفي التجسس من التقاطُع والتَّدَابُرِ، وحكم على بعضه أَنَّه إثم، إذ بعضُه ليس بإثم، والظَّنُّ المنهيُّ عنه هو أَنْ تَظُنَّ شرًّا برجل ظاهره الصلاح، بلِ الواجب أنْ تزيل الظن وحكمه، وتتأوَّلَ الخيرَ قال ع «٤» : وما زال أولو العزم يحترسون من سُوءِ الظنِ، ويجتنبون ذرائعه، قال النوويُّ: واعلم أَنَّ سوء الظن حرام، مثل القول، فكما يَحْرُمُ أَنْ تحدّث غيرك بمساوئ إنسان- يَحْرُمُ أَنْ تحدث نفسَك بذلك، وتسيءَ الظّنّ به وفي الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» «٥» والأحاديث بمعنى ما ذكرناه

كثيرة، والمراد بذلك عَقْدُ القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأَمَّا الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه صاحبه- فَمَعْفُوٌّ عنه باتفاق العلماء لأَنَّهُ لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفِكاك عنه، انتهى.

قال أبو عمر في «التمهيد» : وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وعِرْضَهُ، وأَلاَّ يُظَنَّ بِهِ إلاَّ الْخَيْرَ» «١» انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده: أَنَّ عمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكِرَ عنده رجل بفضل أو صلاح قال: كيف هو إذا ذُكِرَ عنده إخوانه؟

فإنْ قالوا: إنَّه يتنقَّصهم، وينالُ منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإنْ قالوا:

إنَّه يذكر منهم جميلاً وخيراً، ويُحْسِنُ الثَّنَاءَ عليهم، قال: هو كما تقولون إن شاء اللَّه، انتهى من «التمهيد» ، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم/ قال: «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ» «٢» انتهى.

وقوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تبحثوا عن مخبَّآت أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزءوا بالظواهر الحسنة، وقرأ الحسن وغيره: «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء المهملة قال بعض الناس: التَجَسُّسُ بالجيم في الشَّرِّ، وبالحاء في الخير، قال ع «٣» : وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال.

ت: وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها.

وَلا يَغْتَبْ معناه: لا يذكرْ أحدُكم من أخيه شيئاً هو فيه، ويكره سماعه، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا ذَكَرْتَ مَا في أَخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإذَا ذَكَرْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّه» «١» ، وفي حديث آخر: «الغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: وَإنْ كَان حَقًّا؟

قَالَ: إذَا قُلْتَ بَاطِلاً فَذَلِكَ هُوَ الْبُهْتَانُ» «٢» وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، قِيلَ: وَكَيْفَ؟!

قال: لأَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَغْتَابُ لاَ يُتَابُ عَلَيْهِ حتى يَسْتَحِلَّ» «٣» ، قال ع «٤» : وقد يموت من اغْتِيبَ، أو يأبى، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟!

قَالَ: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ» «٥» انتهى.

والغِيبَةُ مشتقة من «غَابَ يَغِيبُ» وهي القول في الغائب، واسْتُعْمِلَتْ في المكروه، ولم يُبَحْ في هذا المعنى إلاَّ ما تدعو الضرورةُ إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف/ بمن استنصح في الخطاب ونحوهم: لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ» وما يقال في الفَسَقَةِ أيضاً، وفي وُلاَةِ الجَوْرِ، ويقصد به: التحذير منهم ومنه قوله ع:

«أعن الفاجر ترعوون؟!

اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ، مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ إذا لم تذكروه؟!» «٦» .

ت: وهذا الحديث خَرَّجه أيضاً أبو بكر ابن الخطيب بسنده عن بَهْزٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أترعوون عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ، اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ» «١» ولم يذكر في سنده مَطْعَناً، انتهى، ومنه قوله ع: «بِئْسَ ابنُ الْعَشِيرَةِ» «٢» .

ثُمَّ مَثَّلَ تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، ووقف تعالى على جهة التوبيخ بقوله:

أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ أي: فكذلك فاكرهوا الغِيبَةَ، قال أبو حيان «٣» : فَكَرِهْتُمُوهُ قيل: خبر بمعنى الأَمر، أي: فاكرهوه، وقيل على بابه، فقال الفَرَّاءُ: فقد كرهتموه، فلا تفعلوه، انتهى.

وقد روى البخاريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» «٤» وفي رواية مسلم: «مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ- إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ» «٥» وفي الصحيحين عنه صلّى الله عليه وسلّم:

«أَيُّ رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بها أحدهما» «٦» انتهى، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أسْبابٍ؛ فَأمّا أوَّلُها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ فَنَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جاءَ يَوْمًا يُرِيدُ الدُّنُوَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، وكانَ بِهِ صَمَمٌ، فَقالَ لِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ: افْسَحْ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: قَدْ أصَبْتَ مَجْلِسًا، فَجَلَسَ مُغْضَبًا، ثُمَّ قالَ الرَّجُلُ: مَن أنْتَ؟

قالَ: أنا فُلانٌ.

فَقالَ ثابِتٌ: أنْتَ ابْنُ فُلانَةٍ؟!

فَذَكَرَ أمًّا لَهُ كانَ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ، فَأغْضى الرَّجُلُ ونَكَّسَ رَأْسَهُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ »، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ وفْدَ تَمِيمٍ اسْتَهْزَؤُوا بِفُقَراءِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  لِما رَأوْا مِن رَثاثَةِ حالِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ ﴾ فَنَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ نِساءَ رَسُولِ اللَّهِ  عَيَّرْنَ أمَّ سَلَمَةَ بِالقِصَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ [الآيَةُ]، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ عائِشَةَ اسْتَهْزَأتْ مِن قِصَرِ أمِّ سَلَمَةَ.

والثّانِي: أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ  سَخِرَتا مِن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وكانَتْ أمُّ سَلَمَةَ قَدْ خَرَجَتْ ذاتَ يَوْمٍ وقَدْ رَبَطَتْ أحَدَ طَرَفَيْ جِلْبابِها عَلى حَقْوِها، وأرْخَتِ الطَّرَفَ الآخَرَ خَلْفَها، ولا تَعَلَمُ، فَقالَتْ إحْداهُما لِلْأُخْرى: انْظُرِي ما خَلْفَ أمِّ سَلَمَةَ كَأنَّهُ لِسانُ كَلْبٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أخْطُبَ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يُعَيِّرْنَنِي ويَقُلْنَ: يا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيِّينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "هَلّا قُلْتِ: إنَّ أبِي هارُونُ، وإنَّ عَمِّي مُوسى، وإنَّ زَوْجِي مُحَمَّدٌ،» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ فَنَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدِمَ المَدِينَةَ ولَهم ألْقابٌ يَدْعُونَ بِها، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْعُو الرَّجُلَ بِلَقَبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّهم يَكْرَهُونَ هَذا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ ،» قالَهُ أبُو جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّ أبا ذَرٍّ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مُنازَعَةٌ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: يا ابْنَ اليَهُودِيَّةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ الأنْصارِيَّ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدِ الأسْلَمِيِّ كَلامٌ، فَقالَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يا يَهُودِيُّ، فَنَزَلَتْ فِيهِما ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ ﴾ أيْ: لا يَسْتَهْزِئُ غَنِيٌّ بِفَقِيرٍ، ولا مَسْتُورٌ عَلَيْهِ ذَنْبُهُ بِمَن لَمْ يُسْتَرْ عَلَيْهِ، ولا ذُو حَسَبٍ بِلَئِيمِ الحَسَبِ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَقَّصُهُ بِهِ، عَسى أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا [مِنهُ] .

وقَدْ بَيَّنّا في [البَقَرَةِ: ٥٤] أنَّ القَوْمَ اسْمُ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ ﴾ و "تَلْمِزُوا" بِمَعْنى تَعِيبُوا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [التَّوْبَةِ: ٥٨] .

والمُرادُ بِالأنْفُسِ هاهُنا: الإخْوانُ.

والمَعْنى: لا تَعِيبُوا إخْوانَكم مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم كَأنْفُسِكم.

والتَّنابُزُ: التَّفاعُلُ مِنَ النَّبْزِ، وهو مَصْدَرٌ، والنَّبَزُ الِاسْمُ.

والألْقابُ جَمْعُ لَقَبٍ، وهو اسْمٌ يُدْعى بِهِ الإنْسانُ سِوى الِاسْمِ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ أيْ: لا تَتَداعَوا بِها.

و "الألْقابُ" و "الأنْبازُ" واحِدٌ، ومِنهُ الحَدِيثُ: "نَبْزُهُمُ الرّافِضَةُ" أيْ: لَقَبُهم.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ الألْقابِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَعْيِيرُ التّائِبِ بِسَيِّئاتٍ قَدْ كانَ عَمِلَها، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ تَسْمِيَتُهُ بَعْدَ إسْلامِهِ بِدِينِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ لِلْيَهُودِيِّ إذا أسْلَمَ: يا يَهُودِيُّ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: يا كافِرُ، يا مُنافِقُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَسْمِيَتُهُ بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ، كَقَوْلِهِ: يا زانِي؛ يا سارِقُ، يا فاسِقُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أهْلُ العِلْمِ: والمُرادُ بِهَذِهِ الألْقابِ: ما يَكْرَهُهُ المُنادى بِهِ، أوْ يُعَدُّ ذَمًّا لَهُ.

فَأمّا الألْقابُ الَّتِي تُكْسِبُ حَمْدًا وتَكُونُ صِدْقًا، فَلا تُكْرَهُ، كَما قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ: عَتِيقٌ، ولِعُمَرَ: فارُوقٌ، ولِعُثْمانَ: ذُو النُّورَيْنِ، ولَعَلِيٍّ: أبُو تُرابٍ، وَلِخالِدٍ: سَيْفُ اللَّهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ ﴾ أيْ: تَسْمِيَتُهُ فاسِقًا أوْ كافِرًا وقَدْ آمَنَ، ﴿ وَمَن لَمْ يَتُبْ ﴾ مِنَ التَّنابُزِ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الضّارُّونَ لِأنْفُسِهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: هم أظْلَمُ مِنَ الَّذِينَ قالُوا لَهم ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآياتُ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في خَلْقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْرُونَ مَعَ شَهَواتِ نُفُوسِهِمْ، لَمْ يُقَوِّمْهم أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى ولا نَهْيٌ، فَكانَ الرَجُلُ يَسْخَرُ ويَلْمِزُ ويَنْبِزُ بِالألْقابِ ويَظُنُّ الظُنُونَ فَيَتَكَلَّمُ بِها ويَغْتابُ ويَفْتَخِرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أخْلاقِ النُفُوسِ الباطِلَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ لِهَذِهِ الآياتِ أسْبابًا، فَمِمّا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَمْشِي بِالمَدِينَةِ مُسَلَّحًا، فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: هَذا ابْنُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ  ، والقَوِيُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ تَقْوِيمًا لِسائِرِ الخَلْقِ، ولَوْ تَتَبَّعْتَ الأسْبابَ لَكانَتْ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى.

و"يَسْخَرُ" مَعْناهُ: يَسْتَهْزِئُ، والهُزْءُ إنَّما يَتَرَتَّبُ مَتى ضَعُفَ امْرُؤٌ إمّا لِصِغَرٍ وإمّا لِعِلَّةٍ حادِثَةٍ أو لِرَزِيَّةٍ أو لِنَقِيصَةٍ يَأْتِيها، فَيُنْهِي المُؤْمِنُونَ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ في هَذِهِ الأُمُورِ وغَيْرِها نَهْيًا عامًّا، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ خَيْرًا مِنَ الساخِرِ.

و"القَوْمُ" في كَلامِ العَرَبِ واقِعٌ عَلى الذُكْرانِ، وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ كالرَهْطِ وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ القِيامِ أو جَمْعِ قائِمٍ ضَعِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو زُهَيْرٌ: وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أقْوَمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟

وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ القَوْمِ بِالذُكْرانِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ الذُكْرانِ نِساءٌ فَيُقالُ لَهُمْ: "قَوْمٌ" عَلى تَغْلِيبِ حالِ الذُكُورِ، ثُمَّ نَهى تَعالى النِساءَ عَمّا نَهى عنهُ الرِجالَ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "عَسَوْا أنْ يَكُونُوا"و"عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ".

و"تَلْمِزُوا" مَعْناهُ: يَطْعَنُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذِكْرِ النَقائِصِ ونَحْوِهِ، وقَدْ يَكُونُ "اللَمْزُ" بِالقَوْلِ وبِالإشارَةِ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَفْهَمُهُ آخَرُ، و"الهَمْزُ" لا يَكُونُ إلّا بِاللِسانِ، وهو مُشَبَّهٌ بِالهَمْزِ بِالعُودِ ونَحْوِهِ مِمّا يَقْتَضِي المُماسَّةَ، قالَ الشاعِرُ: ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ "اللَمْزَ" ما كانَ في المَشْهَدِ، وأنَّ "الهَمْزَ" ما كانَ في المَغِيبِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ عَكْسٌ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: الهَمْزُ أنْ تَعِيبَ بِالحَضْرَةِ واللَمْزُ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ،  ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَلْمِزُوا" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ بِضَمِّها، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: هي عَرَبِيَّةٌ، قِراءَتُنا بِالضَمِّ وأحْيانًا بِالكَسْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ ، كَأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إذْ هم إخْوَةٌ فَهم كَما قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كالجَسَدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى سائِرُهُ بِالسَهَرِ والحُمّى"،» وهم كَما قالَ أيْضًا: « "كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا".» و"التَنابُزُ": التَلَقُّبُ، والنَبْزُ واللَقَبُ واحِدٌ، إذِ اللَقَبُ هو ما يُعْرَفُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَكْرَهُ سَماعَها، ورُوِيَ «أنَّ بَنِي سَلَمَةَ كانُوا قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الألْقابُ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  رَجُلًا مِنهم فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَغْضَبُ مِن هَذا الِاسْمِ، ثُمَّ دَعا آخِرَ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ المُحَدِّثِينَ: سُلَيْمانُ الأعْمَشُ، وواصِلُ الأحْدَبُ.

ونَحْوُهُ مِمّا تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ ولَيْسَ فِيهِ قَصْدُ اسْتِخْفافٍ وأذًى، وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لِعَلْقَمَةَ: وتَقُولُ أنْتَ ذَلِكَ يا أعْوَرُ؟

وأسْنَدَ النَقّاشُ إلى عَطاءٍ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كُفُّوا أولادَكُمْ"،» قالَ عَطاءٌ، مَخافَةُ الألْقابِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ.

مَعْنى: ﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ أيْ: لا يَقِلُّ أحَدٌ لِآخَرَ: يا يَهُودِيُّ بَعْدَ إسْلامِهِ، ولا يا "فاسِقُ" بَعْدَ تَوْبَتِهِ، ونَحْوُ هَذا، وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، وابْنَ أبِي حَدْرَدٍ تَلاحَيا، فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: يا أعْرابِيُّ، يُرِيدُ أنْ يُبْعِدَهُ مِنَ الهِجْرَةِ، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: يا يَهُودِيُّ؛ لِمُخالَطَةِ الأنْصارِ اليَهُودَ في يَثْرِبَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما بِئْسَ اسْمٌ تَكْتَسِبُونَهُ بِعِصْيانِكم ونَبْزِكم بِالألْقابِ فَتَكُونُونَ فُسّاقًا بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ إيمانِكُمْ، والثانِي بِئْسَ ما يَقُولُ الرَجُلُ لِأخِيهِ يا فاسِقُ بَعْدَ إيمانِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الفُسُوقُ والإيمانُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، ثُمَّ شَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمُ النَهْيَ بِأنْ حَكَمَ بِظُلْمِ مَن لَمْ يَتُبْ ويُقْلِعْ عن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي نَهى عنها.

ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَنِّ، وأنْ لا يَعْمَلُوا ولا يَتَكَلَّمُوا بِحَسَبِهِ لِما في ذَلِكَ وفي التَجَسُّسِ مِنَ التَقاطُعِ والتَدارِ وحَكَمَ عَلى بَعْضِهِ أنَّهُ إثْمٌ؛ إذْ بَعْضُهُ لَيْسَ بِإثْمٍ ولا يَلْزَمُ اجْتِنابَهُ، وهو ظَنُّ الخَيْرِ بِالناسِ، وحُسْنُهُ بِاللهِ تَعالى، والمَظْنُونُ مِن شَهاداتِ الشُهُودِ، والمَظْنُونُ بِهِ مِن أهْلِ الشَرِّ، فَإنَّ ذَلِكَ سُقُوطُ عَدالَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ هي مَن حُكْمِ الظَنِّ بِهِ، وظَنُّ الخَيْرِ بِالمُؤْمِنِ مَحْمُودٌ، والظَنُّ المَنهِيُّ عنهُ هو أنْ تَظُنَّ سُوءًا بِرَجُلٍ ظاهِرُهُ الصَلاحُ، بَلِ الواجِبُ يُزِيلُ الظَنَّ وحَكَمَهُ ويَتَأوَّلُ الخَيْرَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "إثْمٌ" مَعْناهُ: كَذِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيُّ  : « "إيّاكم والظَنَّ فَإنَّ الظَنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ".» وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ﴾ أيّ إذا تَكَلَّمَ الظانُّ أثِمَ، وما لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهو في فُسْحَةٍ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ الخَواطِرِ الَّتِي يُبِيحُها قَوْلُ النَبِيِّ  : « "الحَزْمُ سُوءُ الظَنِّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما زالَ أُولُو العِلْمِ يَحْتَرِسُونَ مِن سُوءِ الظَنِّ ويَسُدُّونَ ذَرائِعَهُ، قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: إنِّي لَأعُدُّ عُراقَ قِدْرِي مَخافَةَ الظَنِّ، وكانَ أبُو العالِيَةِ يَخْتِمُ عَلى بَقِيَّةِ طَعامِهِ مَخافَةَ سُوءِ الظَنِّ بِخادِمِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأمانَةُ خَيْرٌ مِنَ الخاتَمِ، والخاتَمُ خَيْرٌ مِن ظَنِّ السُوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَجَسَّسُوا"، أيْ: لا تَبْحَثُوا عَلى مُخَبَّآتِ أُمُورِ الناسِ، وادْفَعُوا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، واجْتَزُّوا بِالظَواهِرِ الحَسَنَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والهُذَلِيُّونَ: "وَلا تَحَسَّسُوا" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: التَجَسُّسُ بِالجِيمِ- في الشَرِّ، والتَحَسُّسُ بِالحاءِ- في الخَيْرِ، وهَكَذا ورَدَ القُرْآنُ ولَكِنْ قَدْ يَتَداخَلانِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: التَجَسُّسُ: ما كانَ مِن وراءَ وراءَ، والتَحَسُّسُ: الدُخُولُ والِاسْتِعْلامُ، وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "وَلا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحاسَدُوا ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا".» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ حَدِيثَ حِراسَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ ابْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ووُجُودُهُما الشُرْبُ في رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثَهُ في ذَلِكَ مَعَ أبِي مِحْجَنٍ الثَقَفِيِّ، وقالَ زَيْدُ بْنُ وهْبٍ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟

فَقالَ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَجَسُّسِ، فَإنْ يَظْهَرْ لَنا أمْرٌ أخَذْنا بِهِ.

"وَلا يَغْتَبْ" مَعْناهُ: ولا يَذْكُرْ أحَدُكم مِن أخِيهِ شَيْئًا هو فِيهِ يَكْرَهُ سَماعَهُ، ورُوِيَ «أنَّ عائِشَةَ رِضى الله تَعالى عنها قالَتْ عَنِ امْرَأةٍ: ما رَأيْتُ أجْمَلَ مِنها إلّا أنَّها قَصِيرَةٌ، فَقالَ لَها النَبِيُّ  : "اغْتَبْتَها، نَظَرْتَ إلى أسْوَأِ ما فِيها فَذَكَرْتَهُ"،» وقَدْ قالَ النَبِيُّ  : « "إذا ذَكَرْتَ ما في أخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإذا ذَكَرْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "الغَيْبَةُ أنْ تَذَكُرَ المُؤْمِنَ بِما يَكْرَهُ"، قِيلَ: وإنْ كانَ حَقًّا؟

قالَ: إذا قُلْتَ باطِلًا فَذَلِكَ هو البُهْتانُ"،» وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وأبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ: إذا مَرَّ بِكَ رَجُلٌ أقْطَعُ فَقُلْتَ: ذَلِكَ الأقْطَعُ، كانَ ذَلِكَ غَيْبَةً، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن جابِرٍ عَنِ النَبِيِّ  قالَ: « "الغَيْبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِنا، لِأنَّ الزانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَغْتابُ يَتُوبُ فَلا يُتابُ عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَحِلَّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَمُوتُ مَنِ اغْتَبْتَ، أو يَأْبى، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنِّي قَدِ اغْتَبْتُكَ فَحَلِّلْنِي، فَقالَ: إنِّي لا أُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللهُ، والغَيْبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن "غابَ يَغِيبُ"، وهي القَوْلُ في الغائِبِ، واسْتُعْمِلَتْ في المَكْرُوهِ، ولَمْ يَبُحْ في هَذا المَعْنى إلّا ما تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ كَتَجْرِيحِ الشُهُودِ، وفي التَعْرِيفِ لِمَنِ اسْتَنْصَحَ في الخِطابِ ونَحْوِهِ لِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "أمّا مُعاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ"،» وما يُقالُ في الفَسَقَةِ أيْضًا وفي وُلاةِ الجَوْرِ ويَقْصِدُ بِهِ التَحْذِيرَ مِنهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعَنِ الفاجِرِ تَرْعَوْنَ؟

اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ حَتّى يَعْرِفَهُ الناسُ إذا لَمْ تَذْكُرُوهُ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ: « "بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ".» ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى الغَيْبَةَ بِأكْلِ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ المَيِّتِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ الغَيْبَةَ بِأكْلِ اللَحْمِ، فَمِنهُ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: فَإذا لاقَيْتُهُ عَظَّمَنِي ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعَ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذْ أكَلُوا لَحْمِي وفَرْتُ لُحُومَهم ∗∗∗ وإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهم مَجْدا فَوَقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ فالجَوابُ عن هَذا: لا، وهم في حُكْمِ مَن يَقُولُها، فَخُوطِبُوا عَلى أنَّهم قالُوا: لا، فَقِيلَ لَهُمْ: "فَكَرِهْتُمُوهُ"، وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغَيْبَةَ الَّتِي هي نَظِيرُ ذَلِكَ، وعَلى هَذا المُقَدَّرِ يُعْطَفُ قَوْلُهُ: "واتَّقُوا اللهَ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الرُمّانِيُّ: كَراهِيَةُ هَذا اللَحْمِ يَدْعُو إلَيْها الطَبْعُ، وكَراهِيَةُ الغَيْبَةِ يَدْعُو إلَيْها العَقْلُ، وهو أحَقُّ أنْ يُجابَ لِأنَّهُ بَصِيرٌ عالِمٌ، والطَبْعُ أعْمى جاهِلٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيْتًا" بِسُكُونِ الياءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ بِكَسْرِهِا مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَكَرِهْتُمُوهُ" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الراءِ.

ورَواها أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  .

ثُمَّ أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ تَوّابٌ رَحِيمٌ إبْقاءً مِنهُ تَعالى وإمْهالًا وتَمْكِينًا مِنَ التَوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ تُرْحَمُونَ * ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن ﴾ لما اقتضت الأخوة أن تَحْسُن المعاملة بين الأخوين كان ما تقرر من إيجاب معاملة الإخوة بين المسلمين يقتضي حسن المعاملة بين آحادهم، فجاءت هذه الآيات منبهة على أمور من حسن المعاملة قد تقع الغفلة عن مراعاتها لكثرة تفشّيها في الجاهلية لهذه المناسبة، وهذا نداء رابع أريد بما بَعده أمرُ المسلمين بواجب بعض المجاملة بين أفرادهم.

وعن الضحاك: أن المقصود بنو تميم إذ سخروا من بلال وعَمار وصهيب، فيكون لنزول الآية سبب متعلق بالسبب الذي نزلت السورة لأجله وهذا من السخرية المنهي عنها.

وروى الواحدي عن ابن عباس أن سبب نزولها: «أن ثابت بن قيس بن شمَّاس كان في سمعه وَقْر وكان إذا أتى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أوسِعوا له ليجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول فجاء يوماً يتخطى رقاب الناس فقال رجل: قد أصبتَ مجلساً فاجلِس.

فقال ثابت: مَنْ هذا؟

فقال الرجل: أنا فلان.

فقال ثابت: ابنُ فلانة وذكر أمًّا له كان يُعيّر بها في الجاهلية، فاستحيا الرجل.

فأنزل الله هذه الآية»، فهذا من اللمز.

وروي عن عكرمة: «أنها نزلت لما عَيّرت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة بالقِصَر»، وهذا من السخرية.

وقيل: عير بعضهن صفية بأنها يهودية، وهذا من اللمز في عرفهم.

وافتتحت هذه الآيات بإعادة النداء للاهتمام بالغرض فيكون مستقلاً غير تابع حسبما تقدم من كلام الفخر.

وقد تعرضت الآيات الواقعة عقب هذا النداء لصنف مُهمّ من معاملة المسلمين بعضهم لبعض مما فشا في الناس من عهد الجاهلية التساهلُ فيها.

وهي من إساءة الأقوال ويقتضي النهي عنها الأمر بأضدادها.

وتلك المنهيات هي السخرية واللمز والنبز.

والسَّخر، ويقال السخرية: الاستهزاء، وتقدم في قوله: ﴿ فيسخرون منهم ﴾ في سورة براءة (79)، وتقدم وجه تعديته ب (من).

والقوم: اسم جمع: جماعة الرجال خاصة دون النساء، قال زهير: وما أدري وسوف أخال أدري *** أقوم آلُ حصن أم نساء؟

وتنكير قوم } في الموضعين لإفادة الشياع، لئلا يتوهم نهي قوم معينين سخروا من قوم معينين.

وإنما أسند ﴿ يسخر ﴾ إلى ﴿ قوم ﴾ دون أن يقول: لا يسخر بعضُكم من بعض كما قال: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ [الحجرات: 12] للنهي عما كان شائعاً بين العرب من سخرية القبائل بعضها من بعض فوجّه النهي إلى الأقوام.

ولهذا أيضاً لم يقل: لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة.

ويفهم منه النهي عن أن يسخر أحد من أحد بطريق لحن الخطاب.

وهذا النهي صريح في التحريم.

وخص النساء بالذكر مع أن القوم يشملهم بطريق التغليب العرفي في الكلام، كما يشمل لفظُ ﴿ المؤمنين ﴾ المؤمنات في اصطلاح القرآن بقرينة مقام التشريع، فإن أصله التساوي في الأحكام إلا ما اقتضى الدليل تخصيص أحد الصنفين به دفعاً لتوهم تخصيص النهي بسخرية الرجال إذ كان الاستسخار متأصلاً في النساء، فلأجل دفع التوهم الناشئ من هذين السيئين على نحو ما تقدم في قوله من آية القصاص ﴿ والأنثى بالأنثى ﴾ في سورة العقود (178).

وجملة عسى أن يكونوا خيراً منهم } مستأنفة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين تفيد المبالغة في النهي عن السخرية بذكر حالة يكثر وجودها في المسخُورية، فتكون سخرية الساخر أفظع من الساخر، ولأنه يثير انفعال الحياء في نفس الساخرة بينه وبين نفسه.

وليست جملة ﴿ عسى أن يكونوا خيراً منهم ﴾ صفةً لقوم من قومه: ﴿ من قوم ﴾ وإلا لصار النهي عن السخرية خاصاً بما إذا كان المسخور به مظنة أنه خير من الساخر، وكذلك القول في جملة ﴿ عسى أن يكُنَّ خيراً منهنّ ﴾ وليست صفة ل ﴿ نسَاء ﴾ من قوله: ﴿ من نسَاء ﴾ .

وتشابه الضميرين في قوله: ﴿ أن يكونوا خيراً منهم ﴾ وفي قوله: ﴿ أنْ يَكُنَّ خيراً منهن ﴾ لا لبس فيه لظهور مرجع كل ضمير، فهو كالضمائر في قوله تعالى: ﴿ وعَمروها أكثَر مما عمَروها ﴾ في سورة الروم (9)، وقول عباس بن مرداس: عُدنا ولولا نحن أحْدَق جمعهم *** بالمسلمين وأحرَزُوا ما جَمَّعوا مِّنْهُنَّ وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ}.

اللمز: ذكر ما يَعُده الذاكر عيباً لأحد مواجهةً فهو المباشرة بالمكروه.

فإن كان بحق فهو وقاحة واعتداء، وإن كان باطلاً فهو وقاحة وكذب، وكان شائعاً بين العرب في جاهليتهم قال تعالى: ﴿ ويل لكلِّ هُمَزة لُمزة ﴾ [الهمزة: 1] يعني نفراً من المشركين كان دأبهم لَمز رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون بحالة بين الإشارة والكلام بتحريك الشفتين بكلام خفيّ يعرِف منه المواجه به أنه يذمّ أو يتوعد، أو يتنقص باحتمالات كثيرة، وهو غير النبز وغير الغِيبة.

وللمفسرين وكتب اللغة اضطراب في شرح معنى اللمز وهذا الذي ذكرته هو المنخول من ذلك.

ومعنى ﴿ لا تلمزوا أنفسكم ﴾ لا يلمز بعضكم بعضاً فَنُزِّلَ البعضُ الملموز نَفْساً للامزه لتقرر معنى الأخوة، وقد تقدم نظيره عند قوله: ﴿ ولا تخرجونَ أنفسكم من دياركم ﴾ في سورة البقرة (84).

والتنابز: نبز بعضهم بعضاً، والنبْز بسكون الباء: ذكر النَبَز بتحريك الباء وهو اللقب السوء، كقولهم: أنف الناقة، وقُرْقُور، وبطَة.

وكان غالب الألقاب في الجاهلية نبزا.

قال بعض الفزاريين: أكنيه حين أناديه لأكرمه *** ولا ألقبه والسَّؤْأةُ اللقب روي برفع السوأْةُ اللقب فيكون جرياً على الأغلب عندهم في اللقب وأنه سوأة.

ورواه ديوان الحماسة} بنصب السوأةَ على أن الواو واو المعية.

وروي بالسوأة اللقبا أي لا ألقبه لقباً ملابساً للسوءة فيكون أراد تجنب بعض اللقب وهو ما يدل على سُوء ورواية الرفع أرجح وهي التي يقتضيها استشهاد سيبويه ببيت بعده في باب ظن.

ولعل ما وقع في «ديوان الحماسة» من تغييرات أبي تمام التي نسب إليه بعضها في بعض أبيات الحماسة لأنه رأى النصب أصح معنى.

فالمراد ب ﴿ الألقاب ﴾ في الآية الألقاب المكروهة بقرينة ﴿ ولا تنابزوا ﴾ .

واللقب ما أشعر بخسّة أو شرف سواء كان ملقباً به صاحبه أم اخترعه له النابز له.

وقد خصص النهي في الآية ب ﴿ الألقاب ﴾ التي لم يتقادم عهدها حتى صارت كالأسماء لأصحابها وتنوسي منها قصد الذم والسب خُصّ بما وقع في كثير من الأحاديث كقول النبي صلى الله عليه وسلم " أصدق ذو اليدين "، وقوله لأبي هريرة «يا أبا هِرّ»، ولُقب شاول ملك إسرائيل في القرآن طالوت، وقول المحدثين الأعرج لعبد الرحمن بن هرمز، والأعمش لسليمان من مَهران.

وإنما قال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ بصيغة الفعل الواقع من جانب واحد وقال: ﴿ ولا تَنابزوا ﴾ بصيغة الفعل الواقع من جانبين، لأن اللمز قليل الحصول فهو كثير في الجاهلية في قبائل كثيرة منهم بنو سلمة بالمدينة قاله ابن عطية.

﴿ بالالقاب بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ ﴾ .

تذييل للمنهيات المتقدمة وهو تعريض قوّي بأن ما نُهوا عنه فُسوق وظلم، إذ لا مناسبة بين مدلول هذه الجملة وبين الجمل التي قبلها لولا معنى التعريض بأن ذلك فسوق وذلك مذموم ومعاقب عليه فدلّ قوله: ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ ، على أن ما نهوا عنه مذموم لأنه فسوق يعاقب عليه ولا تزيله إلا التوبة فوقع إيجاز بحذف جملتين في الكلام اكتفاء بما دل عليه التذييل، وهذا دال على اللمز والتنابز معصيتان لأنهما فسوق.

وفي الحديث " سباب المسلم فسوق " ولفظ ﴿ الاسم ﴾ هنا مطلق على الذكر، أي التسمية، كما يقال: طار اسمه في الناس بالجود أو باللؤم.

والمعنى: بئس الذِكر أن يذكر أحد بالفسوق بعد أن وُصِف بالإيمان.

وإيثار لفظ الاسم هنا من الرشاقة بمكان لأن السياق تحذير من ذكر الناس بالأسماء الذميمة إذ الألقاب أسماء فكان اختيار لفظ الاسم للفسوق مشاكلة معنوية.

ومعنى البعديَّة في قوله: ﴿ بعد الإيمان ﴾ : بعدَ الاتصاف بالإيمان، أي أن الإيمان لا يناسبه الفسوق لأن المعاصي من شأن أهل الشرك الذين لا يزعهم عن الفسوق وازع، وهذا كقول جميلة بنت أُبيّ حين شكت للنبيء صلى الله عليه وسلم أنها تكره زوجها ثابت بن قيس وجاءت تطلب فراقه: «لا أعيب على ثابت في دين ولا في خُلق ولكنّي أكره الكفر بعد الإسلام تريد التعريض بخشية الزنا وإني لا أطيقه بغضاً».

وإذ كان كل من السخرية واللمز والتنابز معاصي فقد وجبت التوبة منها فمن لم يتب فهو ظالم: لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك فكان ظلمه شديداً جداً.

فلذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم كأنه لا ظالم غيرهم لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا.

والتوبة واجبة من كل ذنب وهذه الذنوب المذكورة مراتب وإدمان الصغائر كبيرة.

وتوسيط اسم الإشارة لزيادة تمييزهم تفظيعاً لحالهم وللتنبيه، بل إنهم استحقوا قصر الظلم عليهم لأجل ما ذكر من الأوصاف قبل اسم الإشارة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أمّا القَوْمُ فَهُمُ الرِّجالُ خاصَّةً، لِذَلِكَ ذَكَرَ بَعْدَهُمُ النِّساءَ.

وَيُسَمْىَ الرِّجالُ قَوْمًا لِقِيامِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في الأُمُورِ، ولِأنَّهم يَقُومُونَ بِالأُمُورِ دُونَ النِّساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءٌ وَفِي هَذِهِ السُّخْرِيَةِ المَنهِيِّ عَنْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِهْزاءُ الغَنِيِّ بِالفَقِيرِ إذا سَألَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِهْزاءُ المُسْلِمِ بِمَن أعْلَنَ فِسْقَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ اسْتِهْزاءُ الدُّهاةِ بِأهْلِ السَّلامَةِ.

﴿ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَيَحْتَمِلُ: خَيْرًا مِنهم مُعْتَقَدًا وأسْلَمَ باطِنًا.

﴿ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَلْمِزُوا أهْلَ دِينِكم.

الثّانِي: لا تَلْمِزُوا بَعْضَكم بَعْضًا: واللَّمْزُ: العَيْبُ.

وَفي المُرادِ بِهِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَطْعَنُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: لا تَخْتالُوا فَيَخُونُ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: لا يَلْعَنْ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ في النَّبْزِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّقَبُ الثّابِتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الثّانِي: أنَّ النَّبْزَ القَوْلُ القَبِيحُ، وفِيهِ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ وضْعُ اللَّقَبِ المَكْرُوهِ عَلى الرَّجُلِ ودُعاؤُهُ بِهِ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: رُوِيَ «أنَّ وفْدَ بَنِي سُلَيْمٍ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ  ولِلرَّجُلِ مِنهُمُ اسْمانِ وثَلاثَةٌ فَكانَ يَدْعُو الرَّجُلَ بِالِاسْمِ فَيُقالُ إنَّهُ يَكْرَهُ هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» الثّانِي: أنَّهُ تَسْمِيَةُ الرَّجُلِ بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ بَعْدَ الإسْلامِ.

..

يا فاسِقُ.

..

يا سارِقُ، يا زانِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُعَيِّرُهُ بَعْدَ الإسْلامِ بِما سَلَفَ مِن شِرْكِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: أنْ يُسَمِّيَهُ بَعْدَ الإسْلامِ بِاسْمِ دِينِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، لِمَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ.

..

يا يَهُودِيُّ، ومِنَ النَّصارى.

..

يا نَصْرانِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

فَأمّا مُسْتَحَبُّ الألْقابِ ومُسْتَحْسَنُها فَلا يُكْرَهُ، وقَدْ وصَفَ النَّبِيُّ  عَدَدًا مِن أصْحابِهِ بِأوْصافٍ فَصارَتْ لَهم مِن أجْمَلِ الألْقابِ.

واخْتُلِفَ في مَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها «نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شُمْسانَ وكانَ في أُذُنِهِ ثِقَلٌ فَكانَ يَدْنُو مِن رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى يَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَجاءَ ذاتَ يَوْمٍ وقَدْ أخَذَ النّاسُ مَجالِسَهم فَقالَ: (تَفَسَّحُوا فَفَعَلُوا إلّا رَجُلًا كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ  فَإنَّهُ لَمْ يُفْسِحْ وقالَ: (قَدْ أصَبْتُ مَوْضِعًا فَنَبَذَهُ ثابِتٌ، بِلَقَبٍ كانَ لِأُمِّهِ مَكْرُوهًا، فَنَزَلَتْ»، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، وكانَ عَلى المَغْنَمِ فَقالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدَ: يا أعْرابِيُّ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يا يَهُودِيُّ، فَتَشاكَيا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ فِيهِما، حَكاهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ نادَوْا رَسُولَ اللَّهِ  مِن وراءِ الحُجُراتِ عِنْدَ اسْتِهْزائِهِمْ بِمَن مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الفُقَراءِ والمَوالِي فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.

الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عائِشَةَ وقَدْ عابَتْ أُمَّ سَلَمَةَ.

واخْتَلَفُوا في الَّذِي عابَتْها بِهِ فَقالَ مُقاتِلٌ: عابَتْها بِالقِصَرِ، وقالَ غَيْرُهُ: عابَتْها بِلِباسٍ تَشَهَّرَتْ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ﴾ قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يسخر قوم من قوم ﴾ قال: لا يستهزئ قوم بقوم إن يكن رجلاً غنياً أو فقيراً [ 7] أو يعقل رجل عليه فلا يستهزئ به.

أما قوله تعالى: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ .

أخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ قال: لا يطعن بعضكم على بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ قال: لا يطعن بعضكم على بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ قال: لا تطعنوا.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ بنصب التاء وكسر الميم.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ قال: اللمز الغيبة.

أما قوله تعالى: ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ .

أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والبغوي في معجمه وابن حبان والشيرازي في الألقاب والطبراني وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه قال: فينا نزلت في بني سلمة ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله إسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا يا رسول الله إنه يكره هذا الإِسم، فأنزل الله: ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: كان هذا الحي من الأنصار قل رجل منهم إلا وله إسمان أو ثلاثة فربما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل منهم ببعض تلك الأسماء، فيقال يا رسول الله إنه يكره هذا الاسم، فأنزل الله: ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: إن يسميه بغير اسم الإِسلام يا خنزير يا كلب يا حمار.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: أن يقول إذا كان الرجل يهودياً فأسلم يا يهودي يا نصراني يا مجوسي، ويقول للرجل المسلم يا فاسق.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في الآية قال: كان اليهودي يسلم فيقال له يا يهودي، فنهوا عن ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: لا تقل لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية في الآية، قال: هو قول الرجل لصاحبه يا فاسق يا منافق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ قال: يدعى الرجل بالكفر وهو مسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان ﴾ قال: أن يقول الرجل لأخيه يا فاسق.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي ﴿ بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان ﴾ قال: الرجل يكون على دين من هذه الأديان فيسلم فيدعوه بدينه الأول يا يهودي يا نصراني.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ الآية، قال مقاتل: يقول: لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك بما يتنقصه به، ولعله خير منه عند الله (١) ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ ونحو هذا قال مجاهد (٢) (٣) (٤) وما أَدْرِي وسَوْفَ إِخالُ أدْرِي ...

أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ (٥) وعلى هذا تدل الآية لأن الله تعالى فصل بينهما فذكر الرجال بلفظ القوم، ثم ذكر النساء فقال: ﴿ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني اللمز في اللغة: العيب (٦) ﴿ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: لا يطعن بعضكم على بعض (٧) ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، وقد مر.

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ التنابز: تفاعل من النبز، وهو المصدر والنبز الاسم، وهو كاللقب.

قال المبرد: ويقال: لبني فلان نبز يعرفون به إذا كان لقباً متابعاً (٨) (٩) قال عكرمة والحسن ومجاهد وقتادة: وهو أن يقول المسلم لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق (١٠) وقال المقاتلان: لا تدعوا مسلماً بغير اسم أهل دينه، وهو أن تقول: يا يهودي يا نصراني، تدعوه بالدين الذي كان عليه في الشرك، نهاهم الله أن يتنابزوا بذلك (١١) وروي عن طلحة بن عمرو أنه قال: قلت لعطاء: يا أبا محمد ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ ما هذا الذي نهى عنه؟

قال: كل شيء أخرجت به أخاك من الإسلام، يا كلب يا حمار يا خنزير ونحو هذا (١٢) (١٣) وقال الشعبي: قال أبو جبيرة (١٤)  - المدينة [وليس له رجل (١٥)  - يدعو الرجل فيقول: يا فلان، فيقال: يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم، قال: ففينا أنزل الله: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ (١٦) (١٧) ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ قال أبو إسحاق: أي: بئس الاسم أن يقول له: يا يهودي يا نصراني، وقد آمن (١٨) وقال غيره: معنى هذا: أن من دعا أخاه بلقب يكرهه لزمه اسم الفسق لمخالفة النهي، والله تعالى يقول ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ من فعل ما نهى الله عنه من السخرية واللمز والنبز فسق بذلك (١٩) ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ﴾ أي: من هذه الأشياء ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: من لم يتب فهو ظالم (٢٠) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.

(٢) أخرجه الطبري 13/ 131 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 611.

(٣) انظر كتاب: العين (قوم) 5/ 231، "تهذيب اللغة" (قوم) 9/ 356.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (قوم) 9/ 356، "اللسان" (قوم) 12/ 505.

(٥) انظر: "ديوان زهير" ص 73، و"العين" (قوم) 5/ 231، "تهذيب اللغة" (قام) 9/ 356، "اللسان" (قوم) 12/ 505.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (لمز) 13/ 220.

(٧) أخرج ذلك الطبري 13/ 132 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 332 لابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير، وأيضًا نسبه إلى هؤلاء القرطبي 16/ 327.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) انظر: كتاب "العين" (لقلب) 5/ 172، "تهذيب اللغة" (لقلب) 9/ 177.

(١٠) أخرج ذلك الطبري 13/ 131 - 132 عن عكرمة ومجاهد وقتادة، ونسبه الثعلبي لقتادة وعكرمة 10/ 166 أ، ونسبه القرطبي 16/ 328 لقتادة ومجاهد والحسن.

(١١) أخرج ذلك الطبري 13/ 132 عن الحسن، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 95، ونسب القرطبي 16/ 328 هذا القول للحسن ومجاهد.

(١٢) ذكر ذلك البغوي 7/ 344 ونسبه لعطاء، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 564 لعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء، ونسبه في "الوسيط" 4/ 155 لعطاء.

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) هو: زيد بن جبيرة بن محمد بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري أبو جبيرة المدني، روى عن: أبيه ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الطوالة، وعنه: سويد بن عبد العزيز ويحيى بن أيوب والليث ونافع بن يزيد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.

انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 99، "تهذيب التهذيب" 3/ 400.

(١٥) نص العبارة في تفسير الثعلبي: (وما منا رجل إلا له اسمان ...) وهو الأصوب.

انظر: 10/ 166 أ.

(١٦) أخرجه الترمذي عن أبي جبيرة، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انظر: "سنن الترمذي" كتاب: تفسير القرآن باب (50) ومن سورة الحجرات 5/ 388، وأخرجه أبو يعلى في مسنده 12/ 253، وقال حسين سليم أسد محقق "المسند": إسناده صحيح.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.

(١٩) ذكر نحو ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 133 - 134، والبغوي في "تفسيره" 7/ 344، والقرطبي في "الجامع" 16/ 328.

(٢٠) انظر: "زاد المسير" 7/ 469 عن ابن عباس: بلفظ: (الضارون لأنفسهم بمعصيتهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ نهى عن السخرية وهي الاستهزاء بالناس ﴿ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ أي لعل المسخور منه خير من الساخر عند الله، وهذا تعليل للنهي ﴿ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ ﴾ لما كان القوم لا يقع إلا على الذكور عطف النساء عليهم ﴿ وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لا يطعن بعضكم على بعض واللمز: العيب، سواء كان بقول أو إشارة أو غير ذلك، وسنذكر الفرق بينه وبين الهمز في سورة الهمزة ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ هنا بمنزلة قوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ [النور: 61] ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب ﴾ أي لا يدعُ أحد أحداً بلقب، والتنابز بالألقاب التداعي بها، وقد أجاز المحدثون أن يقال الأعمش والأعرج ونحوه إذا دعت إليه الضرورة ولم يقصد النقص والاستخفاف.

﴿ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان ﴾ يريد بالاسم أن يسمى الإنسان فاسقاً بعد أن سمي مؤمناً، وفي ذلك ثلاثة أوجه: أحدها استقباح الجمع بين الفسق وبين الإيمان، فمعنى ذلك أن من فعل شيئاً من هذه الأشياء التي نهى عنها فهو فاسق وإن كان مؤمناً، والآخر بئس ما يقوله الرجل للآخر يا فاسق بعد إيمانه، كقولهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، الثالث أن يُعجل من فَسَقَ غير مؤمن وهذا على مذهب المعتزلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.

﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.

الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بين محل النبي  وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.

ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.

والأظهر أن هذا إرشاد عام.

وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله  : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.

فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.

فقال عمر: ما أردت خلافك.

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.

وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي  فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.

وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.

وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.

وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي  .

وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.

وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.

قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.

وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله  كالتقديم بين يدي الله.

قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.

وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.

وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله  بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.

ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.

وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله  بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله  فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.

فقال له رسول الله  : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.

وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله  استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.

وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله  أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.

قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.

ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.

والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.

وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.

ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.

والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.

وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.

ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.

ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.

فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.

قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.

أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.

وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.

يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله  وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.

قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.

ففي الحديث أنه  قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.

وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.

ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.

ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.

والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.

روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي  وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.

فدخلوا المسجد ونادوا النبي  من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له  .

والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.

وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.

فتأذى رسول الله  من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.

فقال لهم: فيم جئتم؟

فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.

فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.

فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي  ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.

فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.

ثم دنا من رسول الله  وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.

وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.

وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.

أما إخبار الله  عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله  .

وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي  فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.

وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي  أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.

سئل رسول الله  عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.

ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.

ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله  إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.

فهم النبي  بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي  وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي  فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.

وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.

قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.

والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.

ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.

والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.

واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه  ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.

ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.

والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.

ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.

ومدن بالمكان أقام به.

قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله  أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.

وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.

واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.

وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله  فصار فاسقاً بكذبه.

وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.

ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.

نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.

ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.

وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.

قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.

والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.

قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.

ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.

وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.

وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.

ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله  الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.

فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.

قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.

وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.

والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.

وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.

وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.

ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.

قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.

ثم علمهم حكماً آخر.

في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله  : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.

فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.

فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله  فأصلح بينهم.

وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.

وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.

والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة  ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.

وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.

وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.

وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.

والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.

ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم  ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.

وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".

مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.

واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.

وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.

ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.

والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله  ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ  : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ  حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.

وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي  ليست بسكن لنا.

واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه  ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.

أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.

والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.

والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.

والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.

واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ  زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي  وما أنكر عليه أحد.

وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.

وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.

قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.

وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.

وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.

والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.

روي أن النبي  قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.

ثم شرع في تأديبات آخر.

والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.

قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله  أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.

فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.

فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.

فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.

وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله  من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.

وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.

فقال له عبد الله: يا يهودي.

وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.

ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.

وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله  فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.

فقال لها رسول الله  : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.

وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.

وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.

وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.

وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.

عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.

قوله  ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.

والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.

قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.

وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.

قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.

وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.

ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.

وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.

وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.

ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.

وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي  "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.

عن النبي  "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.

ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله  "من الحزم سوء الظن" وعن النبي  "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.

قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.

والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.

تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه  ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.

قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.

عن النبي  أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.

فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.

تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله  عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.

وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.

وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.

شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.

والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.

أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.

أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.

وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.

وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله  فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.

فلما راحا إلى رسول الله  قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟

فقالا: ما تناولنا لحماً.

فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.

قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله  بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.

واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.

ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .

وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي  : من الذاكر فلانة؟

فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.

فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟

قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.

قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.

وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي  بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.

وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.

وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.

وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.

فأتى جبريل  فأخبره.

وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.

ويروى أن رسول الله  رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي  : فاشتراه رجل وكان رسول الله  يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.

فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.

فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.

وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.

والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.

وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله  أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.

فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.

ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.

وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.

وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.

أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.

فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.

والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.

عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.

يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه  "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.

﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.

وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.

قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله  : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.

أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.

﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.

ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.

ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.

يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.

ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.

وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.

فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".

﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.

ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.

وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.

وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.

ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.

وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.

والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟

وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.

يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.

قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.

ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.

وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.

وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.

ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ ظاهر الآية نهي للجماعة عن سخرية جماعة؛ لأن السخرية إنما تقع وتكون في الأغلب بين قوم وقوم، وقلما تقع بين الأفراد والآحاد؛ فعلى ذلك جرى النهي، ولكن يكون ذلك النهي للجماعة والأفراد والآحاد جميعاً، والله أعلم.

لم يحتمل السخرية المذكورة في الآية وجهينن: أحدهما: في الأفعال، يقول: لا يسخر قوم من قوم في الأفعال عسى أن يكونوا خيراً منهم في النية في تلك الأفعال أو خيراً منهم؛ أي: أفعالهم أخلص عند الله من أفعال أولئك، وأقرب إلى القبول.

والثاني: سخرية في الخلقة، وذلك راجع إلى منشئها، لا إليهم، وهم قد رضوةا بالخلقة التي أنشئوا عليها، وعسى أن يكونوا هم على تلك الخلقة عندهم خيراً منهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عسى أن يصيروا من بعدهم خيراً من تلك الأحوال والأفعال التي هم عليها اليوم.

والثاني: عسى أن يكونوا هم عند الله خيراً منهم في الحال؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ أخبر أن الأكرم منهم عند الله -  - هو أتقاهم، ولا ما افتخروا بما هو أسباب الفخار عندهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ﴾ ذكر سخرية نساء من نساء؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم، وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية، والله أعلم.

ويحتمل أنه خص هؤلاء بهؤلاء كما خص القصاص في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...

﴾ الآية [البقرة: 178]، ثم جمع بين الأحرار والعبيد، والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم، فاشتركوا جميعاً في ذلك: الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، فعلى ذلك ذكر المعنى الذي به نهاهم عن السخرية، وهو ما ذكر ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ فذلك المعنى يجمع سخرية الرجال من النساء، وسخرية النساء من الرجال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ واللمز: هو الطعن.

ثم منهم من يقول: هو الطعن باللسان.

ومنهم من يقول: بالشدق والشفة.

ومنهم من يقول: بالعين؛ وحاصله هو الطعن فيه.

وقال القتبي: اللمز: هو العيب؛ أي: لا تعيبوا.

وقال أبو عوسجة: هو شبه العيب.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: تذكروا مساوى أنفسكم عند الناس.

وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم، وألا يهتلكوا سترهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾ أي: لا تدعوا بالألقاب، والنبز: اللقب؛ يقال: نبزت فلاناً: أي: لقبته، وفي الحجيث: "قوم نبزهم الرافضة" أي: لقبهم، ولو قال: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ لكان كافياً، لكن كأنه قال: ولا تظهروا ألقابهم فيسوءهم ما أظهرتم من اللقب، والله أعلم.

طثم قال بعض أهل التأويل: إنما نهو عن ذلك؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق، ويلقبونهم بذلك، ويقولون: يا كافر، يا فاسق، ونحو ذلك، ودل على ذلك قوله -  -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ .

وجائز أن يلقبوا بذلك وبغيره من الألقاب، فنهوا عن أن يسموهم بغير أسمائهم التي كانت لهم، وأن يعرفوا بأسمائهم اتي لهم، ونهوا عن التعريف بالألقاب وتغيير الأنساب والأسماء التي لهم إذا كان التعريف بذلك يسوءهم ويغطيهم، والله أعلم.

ثم قال الله -  -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ أي: واضعون الشيء في غير موضعه، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا؛ أي: بئس النسبة إلى الفسق التي كانت والتسمية بها بعد الإيمان إلى الاسم والفعل الذي كان له ومنه قبل الإيمان؛ كأنه قال: لا تسموهم بتلك [الأسماء] بعد الإيمان، والله أعلم.

والثاني: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ أي: بئس ما اختار من اسم الفسق بعدما كان اختار اسم الإيمان وفعله، فهذا يرجع إلى اختيار الفسق بعد الإيمان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ .

هاهنا أسماء ثلاثة يجب أن يتعرف ما محلها؟

وما قدرها؟

وكيف أسبابها؟

أحدها: الظن، والثاني: الشك، والثالث: العلم واليقين.

أما الظن فكأه هو الذي له ظاهر الأسباب التي لها خوف الزوال والانتقال.

والشك هو الذي فقد ظاهر أسبابه، أو له استواء الأسباب، ومقابلة بعضها بعضاً، فهو المتردد بين الحالين، لا يقر قلبه على شيء.

واليقين هو الذي له الأسباب الظاهرة التي ليس لها خوف الزوال الانتقال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ﴾ كأنه نهى أن يحقق أو يعمل في صاحبه بسوء على ظاهر الأسباب التي هي على شرف الزوال وطرف الانتقال يجوز أن تكون غير متحققه في الأصل أو زائلة، والله أعلم.

ثم في الآية دليل على أنه ليس كل ظن يجتنب عنه، ولا كل الظن يكون إثما؛ لأنه استثنى منه بعضه بقوله: ﴿ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ فجائز أن يكون ما استثنى من الظن، ولا يأمر بالاجتناب عنه هو ما يغلب عليه الأسباب، وغالب الأسباب ربما تعمل عمل العلم واليقين بحق المكره على شيء يرخص له أو يباح العمل إذا رأى من ظاهر المكره أنه فاعل به ما أوعده، وإن كان يجوز ألا يفعل به أو لا يقدر على ما أوعده، وعلى ذلك موضوع عامة الأحكام والشرائع بين الخلق أنها على غالب الظن وضعت ليس على التحقيق، والله أعلم.

ويحتمل أن يرجع ما استثنى من الظن القليل الذي لا إثم فيه إلى الظن الحسن؛ إذ يجوز أن يظن بالإنسان الظن الحسن؛ ولا إثم فيه، إنما الأمر بالاجتناب إلى الظن بالسوء على غير تحقيق أسباب أو غير تحقيق عين ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ التجسس: هو تكلف طلب المساوئ في الناس من غير أن يظهر منهم أسبابها شيء، فنهى عن تكليف طلب ذلك أو من الإظهار وأمر بالستر، ويمثل ذلك روي في الأخبار عن النبي  .

وروي عن ابن مسعود -  - أنه قيل له: هل لك في فلان يعطر لحيته خمراً، فقال عبد الله بن مسعود -  -: إن يظهر لنا شيء نأخذه، وإلا فإن الله -  - قد نهانا عن التجسس، والله أعلم.

وفرق بعضهم بين التجسس والتحسس، فقال بعضهم: بالجيم في الشرور والمساوئ، وبالحاء في الخير وفيما يباح طلبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ الغيبة ترجع إلى وجهين: أحدهما: أن يذكر ما فيه من مساوئ الأفعال التي سترها عن أعين الناس مما يكره إظهار ذلك عنه.

والثاني: يذكر ما فيه من قبح الأحوال والأخلاق التي لا يكاد يذكر ذلك منه أو يظهر، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  أنه نهى أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره، فقيل: إنما كنا نذكره بالشيء الذي فيه، لا بما ليس فيه، قال: "ذلك البهتان".

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ أي: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد موته، فكأنه يقول: فإذا لم يحب هذا وكرهه؛ بل يستقذره كل استقذار فالغيبة هي تناول من أخيك وهو حي، فهو في القبح يبلغ التناول منه بعد موته، فإنه كان لا أحد يتناول من لحم أخيه بعد موته، لا في حال اختياره، ولا في حال اضطراره، فلا تغتابوا ولا تذكروا منه ما فيه؛ فإنه في القبح ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ﴾ تأويل الآية على وجهين: أحدهما: إنما خلقناكم جميعاً من أصل واحد، وهو آدم وحواء - عليهما السلام - فيكونون جميعاً إخوة وأخوات، وليس لبعض الإخوة والأخوات الافتخار والفضيلة على بعض بالآباء والقبائل التي جعلنا لهم، إنما القبائل وما ذكر للتعارف والفضيلة والكرامة فيما ذكر ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ مع ما لو كان في ذلك فضيلة وافتخار، فالكل في النسبة إليهم على السواء؛ فلا معنى لانفراد البعض بالافتخار.

والثاني: يحتمل: إنا خلقنا كل واحد منكم من الملوك والأتباع، والحر والعبد، والذكر والأنثى من ماء الذكر والأنثى، فليس لأحد على أحد من تلك الجهة التي يفتخرون بها الافتخار والفضيلة؛ إذ كانوا جميعاً من نطفة مذرة منتنة تستقذرها الطباع.

ذكر هذا؛ ليتركوا التفاخر والتطاول بالأنساب والقبائل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ ، ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ : قال بعضهم: الشعوب أكبر من القبائل، فالشعوب هم الأصول، والقبائل: الأفخاذ منهم، فالشعوب للعرب، والأمم والقرون للعجم.

وقال بعضهم: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب.

وقال أبو عوسجة: الشعوب: الضروب، وهي القبائل، والواحد: شعب، والشعب الاجتماع؛ يقال: شعبت الإناء: إذا انكسر فجمعته وأصلحته، ويسمى من يصلح الإناء: شعاباً، والشعب: التفريق - أيضاً - والشعوب: المنية، ونحو ذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ أي: جعل فيكم هذه القبائل؛ ليعرف بعضكم بعضاً بالنسبة إلى القبائل والأفخاذ؛ فيقال: فلان التميمي والهاشمي؛ إذ كل أحد لا يعرف بأبيه وجده.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ بين الله -  - بما به تكومن الفضيلة والكرامة، وهي التقوى، لا فيما يرون ويفتخرون بذلك، وهو النسبة إلى الآباء والقبائل؛ بل ذلك لما ذكر من التعارف؛ وهذا لأن التقوى فعله، وهو إتيان الطاعات والاجتناب عن المعاصي، وذلك مما يأتيه تعظيماً لأمر الله -  - ونهيه.

وجائز أن تنال الفضيلة والكرامة بفضل الله وكرمه بناء على فعله، فأمّا ما لا فعل له في التولد من آباء كرام فأنى يستحق الفضل بذلك لو كان افتخاراً بما يكون للآباء بمباشرتهم أسباب حصول الأولالد ليوحدوا الله -  - ويتمسكوا بطاعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، لا يستهزئ قوم منكم بقوم، عسى أن يكون المستهزَأ بهم خيرًا عند الله، والعبرة بما عند الله، ولا يستهزئ نساء من نساء عسى أن يكون المستهزَأ بهن خيرًا عند الله، ولا تعيبوا إخوتكم فهم بمنزلة أنفسكم، ولا يُعَبِّرْ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه، كما كان حال بعض الأنصار قبل مجيء رسول الله  ، ومن فعل ذلك منكم فهو فاسق، بئست الصفة صفة الفسق بعد الإيمان، ومن لم يتب من هذه المعاصي فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب ما فعلوه من المعاصي.

من فوائد الآيات وجوب التثبت من صحة الأخبار، خاصة التي ينقلها من يُتَّهم بالفسق.

وجوب الإصلاح بين من يتقاتل من المسلمين، ومشروعية قتال الطائفة التي تصر على الاعتداء وترفض الصلح.

من حقوق الأخوة الإيمانية: الصلح بين المتنازعين والبعد عما يجرح المشاعر من السخرية والعيب والتنابز بالألقاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.VLQvP"

مزيد من التفاسير لسورة الحجرات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله