الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ١٢ من سورة الحجرات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 230 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن ، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله ; لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، فليجتنب كثير منه احتياطا ، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا ، وأنت تجد لها في الخير محملا .
وقال أبو عبد الله بن ماجه : حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري ، حدثنا عبد الله بن عمر قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالكعبة ويقول : " ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك .
والذي نفس محمد بيده ، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ، ماله ودمه ، وأن يظن به إلا خير .
تفرد به ابن ماجه من هذا الوجه .
وقال مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا " .
رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن العتبي [ ثلاثتهم ] ، عن مالك ، به .
وقال سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقاطعوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " .
رواه مسلم والترمذي - وصححه - من حديث سفيان بن عيينة ، به .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي العدوي ، حدثنا بكر بن عبد الوهاب المدني ، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري ، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال ، عن أبيه ، عن جده حارثة بن النعمان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث زمات لأمتي : الطيرة ، والحسد وسوء الظن " .
فقال رجل : ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه ؟
قال : " إذا حسدت فاستغفر الله ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فأمض " .
وقال أبو داود : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن زيد قال : أتي ابن مسعود ، رضي الله عنه برجل ، فقيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمرا .
فقال عبد الله : إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .
سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا ليث ، عن إبراهيم بن نشيط الخولاني ، عن كعب بن علقمة ، عن أبي الهيثم ، عن دخين كاتب عقبة قال : قلت لعقبة : إن لنا جيرانا يشربون الخمر ، وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم .
قال : لا تفعل ، ولكن عظهم وتهددهم .
قال : ففعل فلم ينتهوا .
قال : فجاءه دخين فقال : إني قد نهيتهم فلم ينتهوا ، وإني داع لهم الشرط فيأخذونهم .
قال : لا تفعل ، ولكن عظهم وتهددهم .
قال : ففعل فلم ينتهوا .
قال : فجاءه دخين فقال : إني قد نهيتهم فلم ينتهوا ، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم .
فقال له عقبة : ويحك لا تفعل ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها " .
ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد ، به نحوه .
وقال سفيان الثوري ، عن ثور ، عن راشد بن سعد ، عن معاوية قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم " أو : " كدت أن تفسدهم " .
فقال أبو الدرداء : كلمة سمعها معاوية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله بها .
رواه أبو داود منفردا به من حديث الثوري ، به .
وقال أبو داود أيضا : حدثنا سعيد بن عمرو الحضرمي ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن جبير بن نفير ، وكثير بن مرة ، وعمرو بن الأسود ، والمقدام بن معدي كرب ، وأبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس ، أفسدهم " .
[ وقوله ] : ( ولا تجسسوا ) أي : على بعضكم بعضا .
والتجسس غالبا يطلق في الشر ، ومنه الجاسوس .
وأما التحسس فيكون غالبا في الخير ، كما قال تعالى إخبارا عن يعقوب [ عليه السلام ] أنه قال : ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ) [ يوسف : 87 ] ، وقد يستعمل كل منهما في الشر ، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا " .
وقال الأوزاعي : التجسس : البحث عن الشيء .
والتحسس : الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون ، أو يتسمع على أبوابهم .
والتدابر : الصرم .
رواه ابن أبي حاتم .
وقوله : ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) فيه نهي عن الغيبة ، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ، ما الغيبة ؟
قال : " ذكرك أخاك بما يكره " .
قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟
قال : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " .
ورواه الترمذي عن قتيبة ، عن الدراوردي ، به .
وقال : حسن صحيح .
ورواه ابن جرير عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن العلاء .
وهكذا قال ابن عمر ، ومسروق ، وقتادة ، وأبو إسحاق ، ومعاوية بن قرة .
وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني علي بن الأقمر ، عن أبي حذيفة ، عن عائشة قالت : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : حسبك من صفية كذا وكذا !
- قال غير مسدد : تعني قصيرة - فقال : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " .
قالت : وحكيت له إنسانا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما أحب أني حكيت إنسانا ، وإن لي كذا وكذا " .
ورواه الترمذي من حديث يحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ووكيع ، ثلاثتهم عن سفيان الثوري ، عن علي بن الأقمر ، عن أبي حذيفة سلمة بن صهيبة الأرحبي ، عن عائشة ، به .
وقال : حسن صحيح .
وقال ابن جرير : حدثني ابن أبي الشوارب : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا سليمان الشيباني ، حدثنا حسان بن المخارق ; أن امرأة دخلت على عائشة ، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي : إنها قصيرة - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اغتبتيها " .
والغيبة محرمة بالإجماع ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته ، كما في الجرح والتعديل والنصيحة ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر : " ائذنوا له ، بئس أخو العشيرة " ، وكقوله لفاطمة بنت قيس - وقد خطبها معاوية وأبو الجهم - : " أما معاوية فصعلوك ، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " .
وكذا ما جرى مجرى ذلك .
ثم بقيتها على التحريم الشديد ، وقد ورد فيها الزجر الأكيد ; ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت ، كما قال تعالى : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) ؟
أي : كما تكرهون هذا طبعا ، فاكرهوا ذاك شرعا ; فإن عقوبته أشد من هذا وهذا من التنفير عنها والتحذير منها ، كما قال عليه السلام ، في العائد في هبته : " كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه " ، وقد قال : " ليس لنا مثل السوء " .
وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه عليه السلام ، قال في خطبة [ حجة ] الوداع : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا " .
وقال أبو داود : حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، حدثنا أسباط بن محمد ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل المسلم على المسلم حرام : ماله وعرضه ودمه ، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " .
ورواه الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد ، عن أبيه ، به .
وقال : حسن غريب .
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا الأسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن سعيد بن عبد الله بن جريج ، عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته " .
تفرد به أبو داود .
وقد روي من حديث البراء بن عازب ، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا إبراهيم بن دينار ، حدثنا مصعب بن سلام ، عن حمزة بن حبيب الزيات ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء بن عازب قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسمع العواتق في بيوتها - أو قال : في خدورها - فقال : " يا معشر من آمن بلسانه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته " .
طريق أخرى عن ابن عمر : قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي : أخبرنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا يحيى بن أكثم ، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني ، عن الحسين بن واقد ، عن أوفى بن دلهم ، عن نافع ، عن ابن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ; فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " .
قال : ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك ، وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك .
قال أبو داود : وحدثنا حيوة بن شريح ، حدثنا بقية ، عن ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن وقاص بن ربيعة ، عن المستورد أنه حدثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم ، ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم .
ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة " .
تفرد به أبو داود .
وحدثنا ابن مصفى ، حدثنا بقية وأبو المغيرة قالا حدثنا صفوان ، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟
قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم " .
تفرد به أبو داود ، وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي ، به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، حدثنا أبو هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري [ رضي الله عنه ] قال : قلنا : يا رسول الله ، حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك ؟
.
.
.
قال : " ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير ، رجال ونساء موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب أحدهم فيحذون منه الحذوة من مثل النعل ثم يضعونه في في أحدهم ، فيقال له : " كل كما أكلت " ، وهو يجد من أكله الموت - يا محمد - لو يجد الموت وهو يكره عليه فقلت : يا جبرائيل ، من هؤلاء ؟
قال : هؤلاء الهمازون اللمازون أصحاب النميمة .
فيقال : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) وهو يكره على أكل لحمه .
هكذا أورد هذا الحديث ، وقد سقناه بطوله في أول تفسير " سورة سبحان " ولله الحمد .
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا الربيع ، عن يزيد ، عن أنس ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن يصوموا يوما ولا يفطرن أحد حتى آذن له .
فصام الناس ، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : ظللت منذ اليوم صائما ، فائذن لي فأفطر فيأذن له ، ويجيء الرجل فيقول ذلك ، فيأذن له حتى جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين ، فائذن لهما فليفطرا فأعرض عنه ، ثم أعاد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما صامتا ، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس ؟
اذهب ، فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا " .
ففعلتا ، فقاءت كل واحدة منهما علقة علقة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار " .
إسناد ضعيف ، ومتن غريب .
وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون : حدثنا سليمان التيمي قال : سمعت رجلا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد - مولى رسول الله - أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن رجلا أتى رسول الله فقال : يا رسول الله ، إن هاهنا امرأتين صامتا ، وإنهما كادتا تموتان من العطش - أراه قال : بالهاجرة - فأعرض عنه - أو : سكت عنه - فقال : يا نبي الله ، إنهما - والله قد ماتتا أو كادتا تموتان .
فقال : ادعهما .
فجاءتا ، قال : فجئ بقدح - أو عس - فقال لإحداهما : " قيئي " فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح .
ثم قال للأخرى : قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما ودما عبيطا وغيره حتى ملأت القدح .
فقال : إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس .
وهكذا قد رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي ، كلاهما عن سليمان بن طرخان التيمي ، به مثله أو نحوه .
ثم رواه أيضا من حديث مسدد ، عن يحيى القطان ، عن عثمان بن غياث ، حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان ، عن سعد - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم أمروا بصيام ، فجاء رجل في نصف النهار فقال : يا رسول الله ، فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد .
فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : " ادعهما " .
فجاء بعس - أو : قدح - فقال لإحداهما : " قيئي " ، فقاءت لحما ودما عبيطا وقيحا ، وقال للأخرى مثل ذلك ، فقال : " إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ، أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحا " .
وقال البيهقي : كذا قال " عن سعد " ، والأول - وهو عبيد - أصح .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد ، حدثنا أبي أبو عاصم ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير عن ابن عم لأبي هريرة أن ماعزا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني قد زنيت فأعرض عنه - قالها أربعا - فلما كان في الخامسة قال : " زنيت " ؟
قال : نعم .
قال : " وتدري ما الزنا ؟
" قال : نعم ، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا .
قال : " ما تريد إلى هذا القول ؟
" قال : أريد أن تطهرني .
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر ؟
" .
قال : نعم ، يا رسول الله .
قال : فأمر برجمه فرجم ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين يقول أحدهما لصاحبه : ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب .
ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مر بجيفة حمار فقال : أين فلان وفلان ؟
انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " قالا : غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا ؟
قال : " فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه ، والذي نفسي بيده ، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها " ] إسناده صحيح ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثني أبي ، حدثنا واصل - مولى ابن عيينة - حدثني خالد بن عرفطة ، عن طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فارتفعت ريح جيفة منتنة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون ما هذه الريح ؟
هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين " .
طريق أخرى : قال عبد بن حميد في مسنده : حدثنا إبراهيم بن الأشعث ، حدثنا الفضيل بن عياض ، عن سليمان ، عن أبي سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن جابر قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فهاجت ريح منتنة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن نفرا من المنافقين اغتابوا ناسا من المسلمين ، فلذلك بعثت هذه الريح " وربما قال : " فلذلك هاجت هذه الريح " .
وقال السدي في قوله : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) : زعم أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر يخدمهما ويخف لهما ، وينال من طعامهما ، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم وبقي سلمان نائما ، لم يسر معهم ، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه ، فضربا الخباء فقالا : ما يريد سلمان - أو : هذا العبد - شيئا غير هذا : أن يجيء إلى طعام مقدور ، وخباء مضروب !
فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلب لهما إداما ، فانطلق فأتى رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] ومعه قدح له ، فقال : يا رسول الله ، بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك ؟
قال : " ما يصنع أصحابك بالأدم ؟
قد ائتدموا " .
فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلقا حتى أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : لا والذي بعثك بالحق ، ما أصبنا طعاما منذ نزلنا .
قال : " إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما " .
قال : ونزلت : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) ، إنه كان نائما .
وروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه " المختارة " من طريق حبان بن هلال ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار ، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما ، فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما ، فقالا : إن هذا لنئوم ، فأيقظاه ، فقالا له : ائت رسول الله فقل له : إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ، ويستأدمانك .
فقال : " إنهما قد ائتدما " فجاءا فقالا : يا رسول الله ، بأي شيء ائتدمنا ؟
فقال : " بلحم أخيكما ، والذي نفسي بيده ، إني لأرى لحمه بين ثناياكما " .
فقالا : استغفر لنا يا رسول الله فقال : " مراه فليستغفر لكما " .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحكم بن موسى ، حدثنا محمد بن مسلم ، عن محمد بن إسحاق ، عن عمه موسى بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أكل من لحم أخيه في الدنيا ، قرب له لحمه في الآخرة ، فيقال له : كله ميتا كما أكلته حيا .
قال : فيأكله ويكلح ويصيح " .
غريب جدا .
وقوله : ( واتقوا الله ) أي : فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فراقبوه في ذلك واخشوا منه ، ( إن الله تواب رحيم ) أي : تواب على من تاب إليه ، رحيم بمن رجع إليه ، واعتمد عليه .
قال الجمهور من العلماء : طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ، ويعزم على ألا يعود .
وهل يشترط الندم على ما فات ؟
فيه نزاع ، وأن يتحلل من الذي اغتابه .
وقال آخرون : لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه ، فطريقه إذا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها ، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته ، فتكون تلك بتلك ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن الحجاج ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن سليمان ; أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من حمى مؤمنا من منافق يعيبه ، بعث الله إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم .
ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه ، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " .
وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله - وهو ابن المبارك - به بنحوه .
وقال أبو داود أيضا : حدثنا إسحاق بن الصباح ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا الليث : حدثني يحيى بن سليم ; أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول : سمعت جابر بن عبد الله ، وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه ، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته .
وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه ، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته " .
تفرد به أبو داود .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله, لا تقربوا كثيرا من الظنّ بالمؤمنين, وذلك أن تظنوا بهم سوءا, فإن الظانّ غير محقّ, وقال جلّ ثناؤه : ( اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ) ولم يقل: الظنّ كله, إذ كان قد أذن للمؤمنين &; 22-304 &; أن يظن بعضهم ببعض الخير, فقال : لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ فأذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين أن يظنّ بعضهم ببعض الخير وأن يقولوه, وإن لم يكونوا من قيله فيهم على يقين.
وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثني أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ) يقول: نهى الله المؤمن أن يظنّ بالمؤمن شرّا.
وقوله ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) يقول: إن ظنّ المؤمن بالمؤمن الشرّ لا الخير إثم, لأن الله قد نهاه عنه, ففعل ما نهى الله عنه إثم.
وقوله ( وَلا تَجَسَّسُوا ) يقول: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض, ولا يبحث عن سرائره, يبتغي بذلك الظهور على عيوبه ، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره ، وبه فحمدوا أو ذموا ، لا على ما لا تعلمونه من سرائره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَلا تَجَسَّسُوا ) يقول: نهى الله المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( وَلا تَجَسَّسُوا ) قال: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) هل تدرون ما التجسس أو التجسيس؟
هو أن تتبع, أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سرّه.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَلا تَجَسَّسُوا ) قال: البحث.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) قال: حتى أنظر في ذلك وأسأل عنه, حتى أعرف حقّ هو, أم باطل؟; قال: فسماه الله تجسسا, قال: يتجسس كما يتجسس الكلاب، وقرأ قول الله ( وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) وقوله ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) يقول: ولا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه ذلك أن يقال له في وجهه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك, والأثر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: حدثني يزيد بن مخلد الواسطيّ, قال: ثنا خالد بن عبد الله الطحان, عن عبد الرحمن بن إسحاق, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: " سُئل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن الغيبة, فقال: هُوَ أنْ تَقُولَ لأخِيكَ ما فِيهِ, فإنْ كُنْتَ صَادِقا فَقَدِ اغْتَبْتَهُ, وَإنْ كُنْتَ كاذِبا فَقَدْ بَهَتَّهُ".
حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, بنحوه.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: سمعت العلاء يحدّث, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " هَلْ تَدْرُونَ ما الغيبة؟
قال: قالوا الله ورسوله أعلم; قال: ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا لَيْسَ فِيه, قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول له; قال: إنْ كان فِيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ, وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ ".
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا سعيد بن الربيع, قال: ثنا شعبة, عن العباس, عن رجل سمع ابن عمر يقول: " إذا ذكرت الرجل بما فيه, فقد اغتبته, وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بَهَتَّهُ".
وقال شعبة مرّة أخرى: " وإذا ذكرته بما ليس فيه, فهي فِرْية قال أبو موسى: هو عباس الجَريريّ.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن سليمان, عن عبد الله بن مرّة, عن مسروق قال: إذا ذكرت الرجل بأسوأِ ما فيه فقد اغتبته, وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, قال: إذا قلت في الرجل ما ليس فيه فقد بَهَته.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عمر بن عبيد, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, قال الغيبَة: أن يقول للرجل أسوأ ما يعلم فيه, والبهتان: أن يقول ما ليس فيه.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني معاوية بن صالح, عن كثير بن الحارث, عن القاسم, مولى معاوية, قال: سمعت ابن أمّ عبد يقول: ما التقم أحد لقمة أشرّ من اغتياب المؤمن, إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه, وإن قال فيه ما لا يعلم فقد بَهَتَه.
حدثنا أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق, قال: إذا ذكرت الرجل بما فيه فقد اغتبته, وإذا ذكرته بما ليس فيه فذلك البهتان.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت يونس, عن الحسن أنه قال في الغيبة: أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله, فإذا ذكرته بما ليس فيه فذلك البهتان.
حدثنا ابن أبي الشوارب, قال: ثنا عبد الواحد بن زياد, قال: ثنا سليمان الشيبانيّ, قال: ثنا حسان بن المخارق " أن امرأة دخلت على عائشة; فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, أي أنها قصيرة, فقال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: اغْتَبْتِها ".
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا شعبة, عن أبي إسحاق, قال: لو مرّ بك أقطع, فقلت: ذاك الأقطع, كانت منك غيبة; قال: وسمعت معاوية بن قرة يقول ذلك.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: سمعت معاوية بن قُرة يقول: لو مرّ بك رجل أقطع, فقلت له: إنه أقطع كنت قد اغتبته, قال: فذكرت ذلك لأبي إسحاق الهمداني فقال: صدق.
حدثني جابر بن الكرديّ, قال: ثنا ابن أبي أويس, قال: ثني أخي أبو بكر, عن حماد بن أبي حميد, عن موسى بن وردان, عن أبي هريرة " أن رجلا قام عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فرأوا في قيامه عجزا, فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا, فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أكَلْتُم أخاكُمْ واغَتَبْتُمُوه ".
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عثمان بن سعيد, قال: ثنا حبان بن عليّ العنـزيّ عن مثنى بن صباح, عن عمرو بن شعيب, عن معاذ بن جبل, قال: " كنا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكر القوم رجلا فقالوا: ما يأكل إلا ما أطعم, وما يرحل إلا ما رحل له, وما أضعفه; فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: اغْتَبْتُمْ أخاكُمْ, فقالوا يا رسول الله وغيبته أن نحدّث بما فيه؟
قال: بحَسْبِكُمْ أنْ تُحَدِّثُوا عن أخِيكُمْ ما فِيه ".
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا خالد بن محمد, عن محمد بن جعفر, عن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إذَا ذَكَرْتَ أخاكَ بما يَكْرَهُ فإنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ, وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ".
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: " كنا نحدّث أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه, وتعيبه بما فيه, وإن كذبت عليه فذلك البهتان ".
وقوله ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين أيحبّ أحدكم أيها القوم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته ميتا, فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه, لأن الله حرّم ذلك عليكم, فكذلك لا تحبوا أن تغتابوه في حياته, فاكرهوا غيبته حيا, كما كرهتم لحمه ميتا, فإن الله حرّم غيبته حيا, كما حرم أكل لحمه ميتا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) قال: حرّم الله على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء, كما حرّم المَيْتة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) قالوا: نكره ذلك, قال: فكذلك فاتقوا الله.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) يقول: كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها, فكذلك فاكره غيبته وهو حيّ.
وقوله ( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: فاتقوا الله أيها الناس, فخافوا عقوبته بانتهائكم عما نهاكم عنه من ظنّ أحدكم بأخيه المؤمن ظنّ السوء, وتتبع عوراته, والتجسس عما ستر عنه من أمره, واغتيابه بما يكرهه, تريدون به شينه وعيبه, وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها ربكم ( إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) يقول: إن الله راجع لعبده إلى ما يحبه إذا رجع العبد لربه إلى ما يحبه منه, رحيم به بأن يعاقبه على ذنب أذنبه بعد توبته منه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) فقرأته عامة قرّاء المدينة بالتثقيل ( مَيِّتا ), وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة ( مَيْتا ) بالتخفيف, وهما قراءتان عندنا معروفتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .فيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن قيل : إنها نزلت في رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتابا رفيقهما .
وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى الرجلين الموسرين فيخدمهما .
فضم سلمان إلى رجلين ، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيئ لهما شيئا ، فجاءا فلم يجدا طعاما وإداما ، فقالا له : انطلق فاطلب لنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما وإداما ، فذهب فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اذهب إلى أسامة بن زيد فقل له إن كان عندك فضل من طعام فليعطك وكان أسامة خازن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذهب إليه ، فقال أسامة : ما عندي شيء ، فرجع إليهما فأخبرهما ، فقالا : قد كان عنده ولكنه بخل .
ثم بعثا [ ص: 300 ] سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا ، فقالا : لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها .
ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شيء ، فرآهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ) فقالا : يا نبي الله ، والله ما أكلنا في يومنا هذا لحما ولا غيره .
فقال : ( ولكنكما ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة ) فنزلت : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ذكره الثعلبي .
أي : لا تظنوا بأهل الخير سوءا إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير .الثانية : ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا لفظ البخاري .
قال علماؤنا : فالظن هنا وفي الآية هو التهمة .
ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها ، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك .
ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى : ولا تجسسوا وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه ، ويتبصر ويستمع لتحقيق ما وقع له من تلك التهمة .
فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك .
وإن شئت قلت : والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها ، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب .
وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح ، وأونست منه الأمانة في الظاهر ، فظن الفساد به والخيانة محرم ، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث .وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء .
وعن الحسن : كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام ، وأنت اليوم في زمن اعمل واسكت وظن في الناس ما شئت .الثالثة : للظن حالتان : حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها ، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن ، كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات .
والحالة الثانية : أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده ، فهذا هو الشك ، فلا يجوز الحكم به ، وهو المنهي عنه على ما قررناه آنفا .
وقد أنكرت جماعة من المبتدعة تعبد الله بالظن وجواز العمل به ، تحكما في الدين ودعوى في المعقول .
وليس في ذلك أصل يعول عليه ، فإن البارئ تعالى لم يذم جميعه ، وإنما أورد الذم [ ص: 301 ] في بعضه .
وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة إياكم والظن فإن هذا لا حجة فيه ; لأن الظن في الشريعة قسمان : محمود ومذموم ، فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان والمظنون به عند بلوغه .
والمذموم ضده ، بدلالة قوله تعالى : إن بعض الظن إثم ، وقوله : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ، وقوله : وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب كذا ولا أزكي على الله أحدا .
وقال : إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض خرجه أبو داود .
وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز ، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح ، قاله المهدوي .الرابعة : قوله تعالى : ولا تجسسوا قرأ أبو رجاء والحسن باختلاف وغيرهما ( ولا تحسسوا ) بالحاء .
واختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ، فقال الأخفش : ليس تبعد إحداهما من الأخرى ; لأن التجسس البحث عما يكتم عنك .
والتحسس ( بالحاء ) طلب الأخبار والبحث عنها .
وقيل : إن التجسس ( بالجيم ) هو البحث ، ومنه قيل : رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور .
وبالحاء : هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه .
وقول ثان في الفرق : أنه بالحاء تطلبه لنفسه ، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره ، قاله ثعلب .
والأول أعرف .
جسست الأخبار وتجسستها أي : تفحصت عنها ، ومنه الجاسوس .
ومعنى الآية : خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين ، أي : لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله .
وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم فقال أبو الدرداء : كلمة سمعها معاوية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله تعالى بها .
وعن المقدام بن معدي كرب عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم ) .
وعن زيد بن وهب قال : أتي ابن مسعود فقيل : هذا [ ص: 302 ] فلان تقطر لحيته خمرا .
فقال عبد الله : إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .
وعن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته .
وقال عبد الرحمن بن عوف : حرست ليلة مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط ، فقال عمر : هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف ، وهم الآن شرب فما ترى!
؟
قلت : أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه ، قال الله تعالى : ولا تجسسوا وقد تجسسنا ، فانصرف عمر وتركهم .
وقال أبو قلابة : حدث عمر بن الخطاب أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته ، فانطلق عمر حتى دخل عليه ، فإذا ليس عنده إلا رجل ، فقال أبو محجن : إن هذا لا يحل لك!
قد نهاك الله عن التجسس ، فخرج عمر وتركه .
وقال زيد بن أسلم : خرج عمر وعبد الرحمن يعسان ، إذ تبينت لهما نار فاستأذنا ففتح الباب ، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح ، فقال عمر : وأنت بهذا يا فلان ؟
فقال : وأنت بهذا يا أمير المؤمنين!
قال عمر : فمن هذه منك ؟
قال امرأتي ، قال فما في هذا القدح ؟
قال ماء زلال ، فقال للمرأة : وما الذي تغنين ؟
فقالت :تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبهلزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفنيوأكرم بعلي أن تنال مراكبهثم قال الرجل : ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين!
قال الله تعالى : ولا تجسسوا قال صدقت .قلت : لا يفهم من هذا الخبر أن المرأة كانت غير زوجة الرجل ; لأن عمر لا يقر على الزنى ، وإنما غنت بتلك الأبيات تذكارا لزوجها ، وأنها قالتها في مغيبه عنها .
والله أعلم .وقال عمرو بن دينار : كان رجل من أهل المدينة له أخت فاشتكت ، فكان يعودها فماتت فدفنها .
فكان هو الذي نزل في قبرها ، فسقط من كمه كيس فيه دنانير ، فاستعان ببعض أهله فنبشوا [ ص: 303 ] قبرها فأخذ الكيس ثم قال : لأكشفن حتى أنظر ما آل حال أختي إليه ، فكشف عنها فإذا القبر مشتعل نارا ، فجاء إلى أمه فقال : أخبريني ما كان عمل أختي ؟
فقالت : قد ماتت أختك فما سؤالك عن عملها!
فلم يزل بها حتى قالت له : كان من عملها أنها كانت تؤخر الصلاة عن مواقيتها ، وكانت إذا نام الجيران قامت إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم ، فتجسس عليهم وتخرج أسرارهم ، فقال : بهذا هلكت !الخامسة : قوله تعالى : ولا يغتب بعضكم بعضا نهى - عز وجل - عن الغيبة ، وهي أن تذكر الرجل بما فيه ، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان .
ثبت معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أتدرون ما الغيبة ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : ذكرك أخاك بما يكره قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟
قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته .
يقال : اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه ، والاسم الغيبة ، وهي ذكر العيب بظهر الغيب .قال الحسن : الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى : الغيبة والإفك والبهتان .
فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه .
وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه .
وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه .وعن شعبة قال : قال لي معاوية - يعني ابن قرة - : لو مر بك رجل أقطع ، فقلت هذا أقطع كان غيبة .
قال شعبة : فذكرته لأبي إسحاق فقال صدق .
وروى أبو هريرة أن الأسلمي ماعزا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهد على نفسه بالزنى فرجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فسمع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ، فسكت عنهما .
ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال : أين فلان وفلان ؟
فقالا : نحن ذا يا رسول الله ، قال : انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار فقالا : يا نبي الله ومن يأكل من هذا!
قال : فما نلتما من عرض أخيكما أشد من الأكل منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها .السادسة : قوله تعالى : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا مثل الله الغيبة بأكل الميتة ; لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه .وقال ابن عباس : إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر ، وكذا الغيبة حرام [ ص: 304 ] في الدين وقبيح في النفوس .
وقال قتادة : كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا .
واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية .
قال الشاعر [ المقنع الكندي ] :فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداوقال - صلى الله عليه وسلم - : ما صام من ظل يأكل لحوم الناس .
فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم .
فمن تنقص مسلما أو ثلم عرضه فهو كالآكل لحمه حيا ، ومن اغتابه فهو كالآكل لحمه ميتا .
وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟
قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم .
وعن المستورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن أقام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة .
وقد تقدم قوله - صلى الله عليه وسلم - : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين .
وقوله للرجلين : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما .
وقال أبو قلابة الرقاشي : سمعت أبا عاصم يقول : ما اغتبت أحدا مذ عرفت ما في الغيبة .
وكان ميمون بن سياه لا يغتاب أحدا ، ولا يدع أحدا يغتاب أحدا عنده ، ينهاه فإن انتهى وإلا قام .
وذكر الثعلبي من حديث أبي هريرة قال : قام رجل من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأوا في قيامه عجزا فقالوا : يا رسول الله ما أعجز فلانا!
فقال : أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه .
وعن سفيان الثوري قال : أدنى الغيبة أن تقول إن فلانا جعد قطط ، إلا أنه يكره ذلك .
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إياكم وذكر الناس فإنه داء ، وعليكم بذكر الله فإنه شفاء .
وسمع علي بن الحسين - رضي الله عنهما رجلا يغتاب آخر ، فقال : إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس .
وقيل : لعمرو بن عبيد : لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك ، قال : إياه فارحموا .
وقال رجل للحسن : بلغني أنك تغتابني!
فقال : لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي .[ ص: 305 ] السابعة : ذهب قوم إلى أن الغيبة لا تكون إلا في الدين ولا تكون في الخلقة والحسب .
وقالوا : ذلك فعل الله به .
وذهب آخرون إلى عكس هذا فقالوا : لا تكون الغيبة إلا في الخلق والخلق والحسب .
والغيبة في الخلق أشد ; لأن من عيب صنعة فإنما عيب صانعها .
وهذا كله مردود .
أما الأول فيرده حديث عائشة حين قالت في صفية : إنها امرأة قصيرة ، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته .
خرجه أبو داود .
وقال فيه الترمذي : حديث حسن صحيح ، وما كان في معناه حسب ما تقدم .
وإجماع العلماء قديما على أن ذلك غيبة إذا أريد به العيب .
وأما الثاني فمردود أيضا عند جميع العلماء ; لأن العلماء من أول الدهر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين بعدهم لم تكن الغيبة عندهم في شيء أعظم من الغيبة في الدين ; لأن عيب الدين أعظم العيب ، فكل مؤمن يكره أن يذكر في دينه أشد مما يكره في بدنه .
وكفى ردا لمن قال هذا القول قوله - عليه السلام - : إذا قلت في أخيك ما يكره فقد اغتبته .
.
.
الحديث .
فمن زعم أن ذلك ليس بغيبة فقد رد ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - نصا .
وكفى بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وذلك عام للدين والدنيا .
وقول النبي : من كانت عنده لأخيه مظلمة في عرضه أو ماله فليتحلله منه .
فعم كل عرض ، فمن خص من ذلك شيئا دون شيء فقد عارض ما قال النبي صلى الله عليه وسلم .الثامنة : لا خلاف أن الغيبة من الكبائر ، وأن من اغتاب أحدا عليه أن يتوب إلى الله عز وجل .
وهل يستحل المغتاب ؟
اختلف فيه ، فقالت فرقة : ليس عليه استحلاله ، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه .
واحتجت بأنه لم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه ، فليس ذلك بمظلمة يستحلها منه ، وإنما المظلمة ما يكون منه البدل والعوض في المال والبدن .
وقالت فرقة : هي مظلمة ، وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه .
واحتجت بحديث يروى عن الحسن قال : كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته .
وقالت فرقة : هي مظلمة وعليه الاستحلال منها .
واحتجت بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته .
خرجه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - [ ص: 306 ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون له دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه .
وقد تقدم هذا المعنى في سورة ( آل عمران ) عند قوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء .
وقد روي من حديث عائشة أن امرأة دخلت عليها فلما قامت قالت امرأة : ما أطول ذيلها!
فقالت لها عائشة : لقد اغتبتيها فاستحليها .
فدلت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها مظلمة يجب على المغتاب استحلالها .
وأما قول من قال : إنما الغيبة في المال والبدن ، فقد أجمعت العلماء على أن على القاذف للمقذوف مظلمة يأخذه بالحد حتى يقيمه عليه ، وذلك ليس في البدن ولا في المال ، ففي ذلك دليل على أن الظلم في العرض والبدن والمال ، وقد قال الله تعالى في القاذف : فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون .
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بهت مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في طينة الخبال .
وذلك كله في غير المال والبدن .
وأما من قال : إنها مظلمة ، وكفارة المظلمة أن يستغفر لصاحبها ، فقد ناقض إذ سماها مظلمة ثم قال : كفارتها أن يستغفر لصاحبها ; لأن قوله مظلمة تثبت ظلامة المظلوم ، فإذا ثبتت الظلامة لم يزلها عن الظالم إلا إحلال المظلوم له .
وأما قول الحسن فليس بحجة ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه .وقد ذهب بعضهم إلى ترك التحليل لمن سأله ، ورأى أنه لا يحل ما حرم الله عليه ، منهم سعيد بن المسيب قال : لا أحلل من ظلمني .
وقيل : لابن سيرين : يا أبا بكر ، هذا رجل سألك أن تحلله من مظلمة هي لك عنده ، فقال : إني لم أحرمها عليه فأحلها ، إن الله حرم الغيبة عليه ، وما كنت لأحل ما حرم الله عليه أبدا .
وخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على التحليل ، وهو الحجة والمبين .
والتحليل يدل على الرحمة وهو من وجه العفو ، وقد قال تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله .التاسعة : ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المجاهر ، فإن في الخبر من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس .
[ ص: 307 ] فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه .
وروي عن الحسن أنه قال : ثلاثة ليس لهم حرمة : صاحب الهوى ، والفاسق المعلن ، والإمام الجائر .
وقال الحسن لما مات الحجاج : اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته - وفي رواية شينه - فإنه أتانا أخيفش أعيمش ، يمد بيد قصيرة البنان ، والله ما عرق فيها غبار في سبيل الله ، يرجل جمته ويخطر في مشيته ، ويصعد المنبر فيهدر حتى تفوته الصلاة .
لا من الله يتقي ، ولا من الناس يستحي ، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون ، لا يقول له قائل : الصلاة أيها الرجل .
ثم يقول الحسن : هيهات!
حال دون ذلك السيف والسوط .
وروى الربيع بن صبيح عن الحسن قال : ليس لأهل البدع غيبة .
وكذلك قولك للقاضي تستعين به على أخذ حقك ممن ظلمك فتقول فلان ظلمني أو غضبني أو خانني أو ضربني أو قذفني أو أساء إلي ، ليس بغيبة .
وعلماء الأمة على ذلك مجمعة .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك : لصاحب الحق مقال .
وقال : مطل الغني ظلم وقال لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .
ومن ذلك الاستفتاء ، كقول هند للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي ، فآخذ من غير علمه ؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعم فخذي .
فذكرته بالشح والظلم لها ولولدها ، ولم يرها مغتابة ; لأنه لم يغير عليها ، بل أجابها عليه الصلاة والسلام بالفتيا لها .
وكذلك إذا كان في ذكره بالسوء فائدة ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه .
فهذا جائز ، وكان مقصوده ألا تغتر فاطمة بنت قيس بهما .
قال جميعه المحاسبي رحمه الله .العاشرة : قوله تعالى : ميتا وقرئ ( ميتا ) وهو نصب على الحال من اللحم .
ويجوز أن ينصب على الأخ ، ولما قررهم - عز وجل - بأن أحدا منهم لا يجب أكل جيفة أخيه عقب [ ص: 308 ] ذلك بقوله تعالى : فكرهتموه وفيه وجهان : أحدهما : فكرهتم أكل الميتة فكذلك فاكرهوا الغيبة ، روي معناه عن مجاهد .
الثاني : فكرهتم أن يغتابكم الناس فاكرهوا غيبة الناس .
وقال الفراء : أي : فقد كرهتموه فلا تفعلوه .
وقيل : لفظه خبر ومعناه أمر ، أي : اكرهوه .
واتقوا الله عطف عليه .
وقيل : عطف على قوله : اجتنبوا .
ولا تجسسوا إن الله تواب رحيم
نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فـ { إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه.{ وَلَا تَجَسَّسُوا } أي: لا تفتشوا عن عورات المسلمين، ولا تتبعوها، واتركوا المسلم على حاله، واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت، ظهر منها ما لا ينبغي.{ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } والغيبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: { ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه } ثم ذكر مثلاً منفرًا عن الغيبة، فقال: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } شبه أكل لحمه ميتًا، المكروه للنفوس غاية الكراهة، باغتيابه، فكما أنكم تكرهون أكل لحمه، وخصوصًا إذا كان ميتًا، فاقد الروح، فكذلك، [فلتكرهوا] غيبته، وأكل لحمه حيًا.{ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } والتواب، الذي يأذن بتوبة عبده، فيوفقه لها، ثم يتوب عليه، بقبول توبته، رحيم بعباده، حيث دعاهم إلى ما ينفعهم، وقبل منهم التوبة، وفي هذه الآية، دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأن الغيبة من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر.
( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ) قيل : نزلت الآية في رجلين اغتابا رفيقهما ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ، ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب ، فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره ، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام فلم يهيئ لهما شيئا ، فلما قدما قالا له : ما صنعت شيئا ؟
قال : لا ، غلبتني عيناي ، قالا له : انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطلب لنا منه طعاما ، فجاء سلمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله طعاما ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انطلق إلى أسامة بن زيد ، وقل له : إن كان عنده فضل من طعام وإدام فليعطك ، وكان أسامة خازن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى رحله ، فأتاه فقال : ما عندي شيء ، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما ، فقالا كان عند أسامة طعام ولكن بخل ، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا ، فلما رجع قالا لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، ثم انطلقا يتجسسان ، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
فلما جاءا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهما : " ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما " ، قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما ، قال : بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة ، فأنزل الله - عز وجل - : " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن " ، وأراد : أن يظن بأهل الخير سوءا ( إن بعض الظن إثم ) قال سفيان الثوري : الظن ظنان : أحدهما إثم ، وهو أن تظن وتتكلم به ، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم .
( ولا تجسسوا ) التجسس : هو البحث عن عيوب الناس ، نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا " أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن الحسن الطوسي بها ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا يحيى بن أكثم ، أخبرنا الفضل بن موسى الشيباني ، عن الحسين بن واقد ، عن أوفى بن دلهم ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - ما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورات المسلمين ، يتتبع الله عورته ، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " .
قال : ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك .
وقال زيد بن وهب : قيل لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا ، فقال : إنا قد نهينا عن التجسس ، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) يقول : لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه مما هو فيه .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني ، حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتدرون ما الغيبة ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟
قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو الطاهر الحارثي ، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فقالوا : لا يأكل حتى يطعم ، ولا يرحل حتى يرحل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اغتبتموه " فقالوا : إنما حدثنا بما فيه ، قال : " حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه " .
قوله - عز وجل - : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) قال مجاهد : لما قيل لهم " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " قالوا : لا ، قيل : ( فكرهتموه ) أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا .
قال الزجاج : تأويله : إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحم أخيك ، وهو ميت لا يحس بذلك .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، حدثنا ابن أبي شيبة ، حدثنا الفريابي ، حدثنا محمد بن المصفى ، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج ، حدثني صفوان بن عمرو ، حدثنا راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير ، عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟
فقال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " .
قال ميمون بن سياه : بينا أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول : كل ، قلت : يا عبد الله ولم آكل ؟
قال : بما اغتبت عبد فلان ، فقلت : والله ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا ، قال : لكنك استمعت ورضيت به ، فكان ميمون لا يغتاب أحدا ولا يدع أحدا يغتاب عنده أحدا .
( واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) .
«يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم» أي مؤثم وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهم كثير بخلافه بالفساق منهم فلا إثم فيه في نحو يظهر منهم «ولا تجسسوا» حذف منه إحدى التاءين لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها «ولا يغتب بعضكم بعضا» لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه «أيجب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا» بالتخفيف والتشديد، أي لا يحسن به «فكرهتموه» أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول «واتقوا الله» أي عقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه «إن الله توَّاب» قابل توبة التائبين «رحيم» بهم.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اجتنبوا كثيرًا من ظن السوء بالمؤمنين؛ إن بعض ذلك الظن إثم، ولا تُفَتِّشوا عن عورات المسلمين، ولا يقل بعضكم في بعضٍ بظهر الغيب ما يكره.
أيحب أحدكم أكل لحم أخيه وهو ميت؟
فأنتم تكرهون ذلك، فاكرهوا اغتيابه.
وخافوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه.
إن الله تواب على عباده المؤمنين، رحيم بهم.
ثم وجه - سبحانه - إلى عباده المؤمنين نداء خامسا ، نهاهم فيه عن أن يظن بعضهم ببعض ظنا سيئا بدون مبرر ، كما نهاهم عن التجسس وعن الغيبة ، حتى تبقى للمسلم حرمته وكرامته .
.
فقال - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا .
.
) .وقوله - تعالى - ( اجتنبوا ) من الاجتناب يقال : اجتنب فلان فلانا إذا ابتعد عنه ، حتى لكأنه فى جانب والآخر فى جانب مقابل .والمراد بالظن المنهى عنه هنا : الظن السيئ بأهل الخير والصلاح بدون دليل أو برهان .قال بعض العلماء ما ملخصه : والظن أنواع : منه ما هو واجب ، ومنه ما هو محرم ، ومنه ما هو مباح .فالمحرم : كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ، الظاهر العدالة ، ففى الحديث الشريف : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .
.
" وفى حديث آخر : " إن الله حرم من المسلم ودمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " .وقلنا : كسوء الظن بالناس ، إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى الغير ، وأما إن تظن شرا لتتقيه ، ولا يتعدى أثر ذلك إلى الغير فذلك محمود غير مذموم ، وهو محل ما ورد من أن " من الحزم سوء الظن " .أى : يا من آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا ، ابتعدوا ابتعادا تاما عن الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين ، لأن هذه الظنون السيئة التى لا تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هى مجرد تم ، تؤدى إلى تولد الشكوك والمفاسد .
.
فيما بينكم .وجاء - سبحانه - بلفظ " كثيرا " منكرا لكى يحتاط المسلم فى ظنونه ، فيبتعد عما هو محرم منها ، ولا يقدم إلا على ما هو واجب أو مباح منها - كما سبق أن أشرنا - .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ ) .أى : إن الكثير من الظنون يؤدى بكم إلى الوقوع فى الذنوب والآثام فابتعدوا عنه .قال ابن كثير : ينهى الله عباده المؤمنين عن كثير من الظن ، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس من غير محله ، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، فليجتنب كثيرا منه احتياطا .
.
" عن حارثة بن النعمان : قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ثلاث لازمات لأمتى : " الطيرة والحسد وسوء الظن " : فقال رجل : ما الذى يذهبن يا رسول الله من هن فيه؟
قال : " إذا حدست فاستغفر الله ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض " " .وأخرج البيهقى فى شعب الإِيمان عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض إخوانى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ضع أمر أخيك على أحسنه ، ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن يكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها فى الخير محملا ، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه .
.وقوله - سبحانه - : ( وَلاَ تَجَسَّسُواْ ) أى : خذوا ما ظهر من أحوال الناس ولا بتحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم .أو عوراتهم ومعايبهم ، فإن من تتبع عورات الناس فضحه الله - تعالى - .فالتجسس مأخوذ من الجس ، وهو البحث عما خفى من أمور الناس ، وقرأ الحس وأبو رجاء : ( ولا تحسسوا ) من الحس ، وهما بمعنى واحد .
وقيل هما متغايران التجسس - بالجيم - معرفة الظاهر ، وأن التحسس - بالحاء - تتبع البواطن وقيل بالعكس .
.وعلى أية حال فالمراد هنا من التجسس والتحسس : النهى عن تتبع عورات المسلمين ، أخرج أبو داود وغيره " عن أبى برزة الأسلمى قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه .
لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عورات المسلمين ، فضحه الله - تعالى - فى قعر بيته " .وعن معاوية بن أبى سفيان قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " .ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الغيبة فقال : ( وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ) والغيبة - بكسر الغين - أن تذكر غيرك فى غيابه بما يسوءه يقال : اغتاب فلان فلانا ، إذا ذكره بسوء فى غيبته ، سواء أكان هذا الذكر بريح اللفظ أم بالكناية ، أم بالإِشارة ، أم بغير ذلك .روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتدرون ما الغيبة؟
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : ذكرك أخاك بما يركه .
قيل : أرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟
قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه " .ثم ساق - سبحانه - تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال : ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) .
والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيا ، فضلا عن أكله ميتا .والضمير فى قوله : ( فَكَرِهْتُمُوهُ ) يعود على الأكل المفهوم من قوله ( يَأْكُلَ ) و ( مَيْتاً ) حال من اللحم أو من الأخ .أى : اجتنبوا أن تذكروا غيركم بسوء فى غيبته ، فإن مثل من يغتاب أخاه المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت ، ولا شك أن كل عاقل يكره ذكل وينفر منه أشد النفور .ورحم الله - صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة : قوله - تعالى - : ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ .
.
) تمثيل وتصوير لما يناله المتغاب من عرض غيره على أفظع وجه وأفحشه .وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذى معناه التقرير ، ومنها : جعل ما هو الغاية فى الكراهة موصولا بالمحبة ، ومنها : إسناد الفعل إلى أحدكم ، والإِشعار بأن أحدا من الأحديث لا يحب ذلك ، ومنها : أنه -سبحانه - لم يقتصر على تمثل الاغتياب بأكل لحم الإِنسان ، وإنما جعله أخا ، ومنها : أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ وإنما جعله ميتا ..وانتصب " ميتا " على الحال من اللحم أو من الأخ .
.
وقوله : ( فَكَرِهْتُمُوهُ ) فيه معنى الشرط .
أى : إن صح هذا فقد كرهتموه - فلا تفعلوه - وهى الفاء الفصيحة .والحق أن المتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ أسلوب وأحكمه ، لأنها من الكبائر والقبائح التى إلى تنزق شمل المسلمين ، وإيقاد نار الكراهية فى الصدور .قال الآلوسى ما ملخصه : وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة ، وتنحصر فى ستة أسباب :الأول : التظلم ، إذ من حق المظلوم أن يشكو ظالمه إلى من تتوسم فيه إزالة هذا الظلم .الثان : الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته .الثالث : الاستفتاء ، إذ يجوز للمستفتى أن يقول للمفتى : ظلمنى فلان بكذا .الرابع : تحذير المسلمين من الشر ، كتجريح الشهود والرواة والمتصدين للإِفتاء بغير علم .الخامس : المجاهرون بالعاصى وبارتكاب المنكرات ، فإنه يجوز ذكرهم بما تجاروا به .
.السادس : التعريف باللقب الذى لا يقصد به الإِساءة كالأعمش والأعرج .ثم ختم - سبحانه - الاية الكريمة بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإِنابة فقال : ( واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ) .
أى : واتقوا - أيها المؤمنون - بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما أمركم - سبحانه - باجتنابه ، إن الله - تعالى - كثير القبول لتوبة عابده ، الذين يتوبون من قريب ، ويرجعون إلى طاعته رجوعا مصحواب بالندم على ما فرط منهم من ذنوب ، ومقرونا بالعزم على عدم العودة إلى تلك الذنوب لا فى الحال ولا فى الاستقبال .
ومستوفيا لكل ما تستلزمه التوبة الصادقة من شروط .وهو - أيضا - واسع الرحمة لعباده المؤمنين ، المستقيمين على أمره .وبذلك نرى هذه الآية الكريمة قد نهت المسلمين عن رذائل ، يؤدى تركها إلى سعادتهم ونجاحهم ، وفتحت لهم باب التوبة لكى يقلع عنها من وقع فيها .
.
لأن الظن هو السبب فيما تقدم وعليه تبنى القبائح، ومنه يظهر العدو المكاشح والقائل إذا أوقف أموره على اليقين فقلما يتيقن في أحد عيباً فيلمزه به، فإن الفعل في الصورة قد يكون قبيحاً وفي نفس الأمر لا يكون كذلك، لجواز أن يكون فاعله ساهياً أو يكون الرائي مخطئاً، وقوله: ﴿ كَثِيراً ﴾ إخراج للظنون التي عليها تبنى الخيرات قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ظنوا بالمؤمن خيراً» وبالجملة كل أمر لا يكون بناؤه على اليقين، فالظن فيه غير مجتنب مثاله حكم الحاكم على قول الشهود وبراءة الذمة عند عدم الشهود إلى غير ذلك فقوله: ﴿ اجتنبوا كَثِيراً ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ ﴾ إشارة إلى الأخذ بالأحوط كما أن الطريق المخوفة لا يتفق كل مرة فيه قاطع طريق، لكنك لا تسلك لاتفاق ذلك فيه مرة ومرتين، إلا إذا تعين فتسلكه مع رفقة كذلك الظن ينبغي بعد اجتهاد تام ووثوق بالغ.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ إتماماً لما سبق لأنه تعالى لما قال: ﴿ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن ﴾ فهم منه أن المعتبر اليقين فيقول القائل أنا أكشف فلاناً يعني أعلمه يقيناً وأطلع على عيبه مشاهدة فأعيب فأكون قد اجتنبت الظن فقال تعالى: ولا تتبعوا الظن، ولا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب الناس.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن في غيبته وفيه معان أحدها: في قوله تعالى: ﴿ بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ فإنه للعموم في الحقيقة كقوله: ﴿ لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ وأما من اغتاب فالمغتاب أولاً يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يغتابه فلم يقل ولا تغتابوا أنفسكم لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيبه من اغتابه، والعيب حامل على العيب ثانيها: لو قال قائل هذا المعنى كان حاصلاً بقوله تعالى: لا تغتابوا، مع الاقتصار عليه نقول لا، وذلك لأن الممنوع اغتياب المؤمن فقال: ﴿ بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ وأما الكافر فيعلن ويذكر بما فيه وكيف لا والفاسق يجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة ثالثها: قوله تعالى: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ﴾ دليل على أن الاغتياب الممنوع اغتياب المؤمن لا ذكر الكافر، وذلك لأنه شبهه بأكل لحم الأخ، وقال من قبل ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ ﴾ فلا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا منع إلا من شيء يشبه أكل لحم الأخ ففي هذه الآية نهى عن اغتياب المؤمن دون الكافر رابعها: ما الحكمة في هذا التشبيه؟
نقول هو إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهذا من باب القياس الظاهر، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك آلم، وقوله: ﴿ لَحْمَ أَخِيهِ ﴾ آكد في المنع لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو، فقال أصدق الأصدقاء من ولدته أمك، فأكل لحمه أقبح ما يكون، وقوله تعالى: ﴿ مَيْتًا ﴾ إشارة إلى دفع وهم، وهو أن يقال القول في الوجه يؤلم فيحرم، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم، فقال أكل لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم، كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه، وفيه معنى: وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتاً، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي الميت فلا يأكل لحم الآدمي، فكذلك المغتاب أن وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب، وقوله تعالى: ﴿ مَيْتًا ﴾ حال عن اللحم أو عن الأخ، فإن قيل اللحم لا يكون ميتاً، قلنا بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبين من حي فهو ميت فسمى الغلفة ميتاً، فإن قيل إذا جعلناه حال عن الأخ، لا يكون هو الفاعل ولا المفعول فلا يجوز جعله حال، كما يقول القائل: مررت بأخي زيد قائماً، ويريد كون زيداً قائماً، قلنا يجوز أن يقال من أكل لحمة فقد أكل، فصار الأخ مأكولاً مفعولاً، بخلاف المرور بأخي زيد، فيجوز أن تقول ضربت وجهه آثماً أي وهو آثم، أي صاحب الوجه، كما أنك إذا ضربت وجهه فقد ضربته، ولا يجوز أن تقول مزقت ثوبه آثماً، فتجعل الآثم حالاً من غيرك، وقوله تعالى: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: العائد إليه الضمير يحتمل وجوهاً الأول: وهو الظاهر أن يكون هو الأكل، لأن قوله تعالى: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ ﴾ معناه أيحب أحدكم الأكل، لأن أن مع الفعل تكون للمصدر، يعني فكرهتم الأكل الثاني: أن يكون هو اللحم، أي فكرهتم اللحم الثالث: أن يكون هو الميت في قوله: ﴿ مَيْتًا ﴾ وتقديره: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً فكرهتموه، فكأنه صفة لقوله: ﴿ مَيْتًا ﴾ ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير، يعني الميتة إن أكلت في الندرة لسبب كان نادراً، ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً، فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة.
المسألة الثانية: الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ تقتضي وجود تعلق، فما ذلك؟
نقول فيه وجوه: أحدها: أن يكون ذلك تقدير جواب كلام، كأنه تعالى لما قال: ﴿ أَيُحِبُّ ﴾ قيل في جوابه ذلك.
وثانيها: أن يكون الاستفهام في قوله: ﴿ أَيُحِبُّ ﴾ للانكار كأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه إذاً ولا يحتاج إلى إضمار.
وثالثها: أن يكون ذلك التعلق هو تعلق المسبب بالسبب، وترتبه عليه كما تقول: جاء فلان ماشياً فتعب، لأن المشي يورث التعب، فكذا قوله: ﴿ مَيْتًا ﴾ لأن الموت يورث النفرة إلى حد لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت، فكيف يقربه بحيث يأكل منه، ففيه إذاً كراهة شديدة، فكذلك ينبغي أن يكون حال الغيبة.
ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴾ عطف على ما تقدم من الأوامر والنواهي، أي اجتنبوا واتقوا، وفي الآية لطائف: منها أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة مرتبة بيانها، هو أنه تعالى قال: ﴿ اجتنبوا كَثِيراً ﴾ أي لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على الظن، ثم إذا سئلتم على المظنونات، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها، ثم إن علمتم منها شيئاً من غير تجسس، فلا تقولوه ولا تفشوه عنهم ولا تعيبوا، ففي الأول نهى عما لم أن يعلم، ثم نهى عن طلب ذلك العلم، ثم نهى عن ذكر ما علم، ومنها أن الله تعالى لم يقل اجتنبوا تقولوا أمراً على خلاف ما تعلمونه، ولا قال اجتنبوا الشك، بل أول ما نهى عنه هو القول بالظن، وذلك لأن القول على خلاف العلم كذب وافتراء، والقول بالشك، والرجم بالغيب سفه وهزء، وهما في غاية القبح، فلم ينه عنه اكتفاء بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ لأن وصفهم بالإيمان يمنعهم من الافتراء والارتياب الذي هو دأب الكافر.
وإنما منعهم عما يكثر وجوده في المسلمين، لذلك قال في الآية ﴿ لاَ يَسْخَرْ ﴾ ومنها أنه ختم الآيتين بذكر التوبة، فقال في الأولى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون ﴾ وقال في الأخرى ﴿ إِنَّ الله تَوَّابٌ ﴾ لكن في الآية الأولى لما كان الابتداء بالنهي في قوله: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ ﴾ ذكر النفي الذي هو قريب من النهي، وفي الآية الثانية لما كان الابتداء بالأمر في قوله: ﴿ اجتنبوا ﴾ ذكر الارتياب الذي هو قريب من الأمر.
<div class="verse-tafsir"
يقال: جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته: جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولين.
قال الله عز وجل: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام ﴾ [إبراهيم: 35] ثم يقال في مطاوعه: اجتنب الشر فتنقص المطاوعة مفعولاً.
والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة: ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ ﴾ ؟
فإن قلت: بَيِّن الفصل بيْنَ ﴿ كَثِيراً ﴾ ، حيث جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة.
قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين.
لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر؛ ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطاً بما يكثر من دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنباً، وما اتصف منه بالقلة مرخصاً في تظننه.
والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر: كان حراماً واجب الاجتناب؛ وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء» وعن الحسن: كنا في زمان الظنُّ بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت.
وعنه: لا حرمة لفاجر.
وعنه: إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب.
وقد روي: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له.
والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب.
ومنه قيل لعقوبته: الأثام، فعال منه: كالنكال والعذاب والوبال، قال: لَقَدْ فَعَلَتْ هاذي النَّوَى بِيَ فَعْلَة ** أَصَابَ النَّوَى قَبْلَ المَمَاتِ أَثَامُهَا والهمزة فيه عن الواو، كأنه يثم الأعمال: أي يكسرها بإحباطه.
وقرئ: ﴿ ولا تحسسوا ﴾ بالحاء والمعنيان متقاربان.
يقال: تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه: تفعل من الجس، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس، لما في اللمس من الطلب.
وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء ﴾ [الجن: 8] والتحسس: التعرّف من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان: الحواس بالحاء والجيم، والمراد النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه.
وعن مجاهد.
خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهنّ.
قال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين: فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته» وعن زيد بن وهب: قلنا لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة بن أبي معيط تقطر لحيته خمراً؟
فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به.
غابه واغتابه: كغاله واغتاله.
والغيبة من الاغتياب، كالغيلة من الاغتيال: وهي ذكر السوء في الغيبة.
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: «أن تذكر أخاك بما يكره.
فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الغيبة إدام كلاب الناس ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ ﴾ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه.
وفيه مبالغات شتى: منها الاستفهام الذي معناه التقرير.
ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة.
ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك.
ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخاً.
ومنها أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتاً.
وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي.
وانتصب ﴿ مَيْتًا ﴾ على الحال من اللحم.
ويجوز أن ينتصب عن الأخ.
وقرئ: ﴿ ميِّتا ﴾ ولما قرّرهم عز وجل بأنّ أحداً منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله تعالى: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ معناه: فقد كرهتموه واستقرّ ذلك.
وفيه معنى الشرط، أي: إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: فتحققت- بوجوب الإقرار عليكم وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره: لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه- كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أيضاً أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين.
وقرئ: ﴿ فكرهتموه ﴾ أي: جبلتم على كراهته.
فإن قلت: هلا عدّى بإلى كما عدّى في قوله: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر ﴾ وأيهما القياس؟
قلت: القياس تعدّيه بنفسه، لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه، تقول: كرهت الشيء، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول.
وأما تعدّيه بإلى، فتأوّل وإجراء لكره مجرى بغض، لأنّ بعض منقول من بغض إليه الشيء فهو بغيض إليه، كقولك: حب إليه الشيء فهو حبيب إليه.
والمبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفواً عنه بالتوبة.
أو لأنه بليغ في قبول التوبة، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط، لسعة كرمه.
والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقتيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليك بثواب المتقين التائبين.
وعن ابن عباس: أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما، فنام عن شأنه يوماً، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداماً، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان بذلك، فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحماً فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ﴾ أيْ لا يَسْخَرْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن بَعْضٍ إذْ قَدْ يَكُونُ المَسْخُورُ مِنهُ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السّاخِرِ، والقَوْمُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجالِ لِأنَّهُ إمّا مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في الجَمْعِ أوْ جَمْعٌ لِقائِمٍ كَزائِرٍ وزُوَّرٍ، والقِيامُ بِالأُمُورِ وظِيفَةُ الرِّجالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ وحَيْثُ فُسِّرَ بِالقَبِيلَيْنِ كَقَوْمِ عادٍ وفِرْعَوْنَ، فَإمّا عَلى التَّغْلِيبِ أوِ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الرِّجالِ عَلى ذِكْرِهِنَّ لِأنَّهُنَّ تَوابِعُ، واخْتِيارُ الجَمْعِ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ تَغْلِبُ في المَجامِعِ وعَسى بِاسْمِها اسْتِئْنافٌ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلنَّهْيِ ولا خَبَرَ لَها لِإغْناءِ الِاسْمِ عَنْهُ.
وقُرِئَ «عَسَوْا أنْ يَكُونُوا» و «عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ» فَهي عَلى هَذا ذاتُ خَبَرٍ.
﴿ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تَلْمِزُونَ بِهِ فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّمْزَ فَقَدَ لَمَزَ نَفْسَهُ.
واللَّمْزُ الطَّعْنُ بِاللِّسانِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ.
﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ ولا يَدْعُ بَعْضُكم بَعْضًا بِلَقَبِ السُّوءِ، فَإنَّ النَّبْزَ مُخْتَصٌّ بِلَقَبِ السُّوءِ عُرْفًا.
﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ أيْ بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذْكَرُوا بِالفُسُوقِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الإيمانَ واشْتِهارِهِمْ بِهِ، والمُرادُ بِهِ إمّا تَهْجِينُ نِسْبَةِ الكُفْرِ والفِسْقِ إلى المُؤْمِنِينَ خُصُوصًا إذْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، «أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يَقُلْنَ لِي يا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيِّينَ، فَقالَ لَها: «هَلّا قُلْتِ إنَّ أبِي هارُونُ وعَمِّي مُوسى وزَوْجِي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».» أوِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ التَّنابُزَ فِسْقٌ والجَمْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ مُسْتَقْبَحٌ.
﴿ وَمَن لَمْ يَتُبْ ﴾ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ.
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ بِوَضْعِ العِصْيانِ مَوْضِعَ الطّاعَةِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْعَذابِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ كُونُوا مِنهُ عَلى جانِبٍ، وإبْهامُ الكَثِيرِ لِيَحْتاطَ في كُلِّ ظَنٍّ ويَتَأمَّلَ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ مِن أيِّ القَبِيلِ، فَإنَّ مِنَ الظَّنِّ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ كالظَّنِّ حَيْثُ لا قاطِعَ فِيهِ مِنَ العَمَلِيّاتِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما يَحْرُمُ كالظَّنِّ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ وظَنُّ السَّوْءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وما يُباحُ كالظَّنِّ في الأُمُورِ المَعاشِيَّةِ.
﴿ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ﴾ مُسْتَأْنِفٌ لِلْأمْرِ، والإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ.
والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ يَكْسِرُها.
﴿ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ ولا تَبْحَثُوا عَنْ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، تَفَعُّلٌ مِنَ الجَسِّ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ كالتَّلَمُّسِ، وقُرِئَ بِالحاءِ مِنَ الحِسِّ الَّذِي هو أثَرُ الجَسِّ وغايَتُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْحَواسِّ الخَمْسِ: الجَواسُّ.
وَفِي الحَدِيثِ: «لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِهِمْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتّى يَفْضَحَهُ ولَوْ في جَوْفِ بَيْتِهِ».» ﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ ولا يَذْكُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِالسُّوءِ في غَيْبَتِهِ.
«وَسُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الغَيْبَةِ فَقالَ: «أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».» ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ تَمْثِيلٌ لِما يَنالُهُ المُغْتابُ مِن عِرْضِ المُغْتابِ عَلى أفْحَشِ وجْهٍ مَعَ مُبالَغاتِ الِاسْتِفْهامِ المُقَرَّرِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى أحَدٍ لِلتَّعْمِيمِ وتَعْلِيقِ المُحِبَّةِ بِما هو في غايَةِ الكَراهَةِ، وتَمْثِيلِ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ وجَعْلِ المَأْكُولِ أخًا ومَيْتًا وتَعْقِيبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ تَقْرِيرًا وتَحْقِيقًا لِذَلِكَ.
والمَعْنى إنْ صَحَّ ذَلِكَ أوْ عُرِضَ عَلَيْكم هَذا فَقَدَ كَرِهْتُمُوهُ ولا يُمْكِنُكم إنْكارُ كَراهَتِهِ، وانْتِصابُ مَيْتًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّحْمِ أوِ الأخِ وشَدَّدَهُ نافِعٌ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَنِ اتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ وتابَ مِمّا فَرَطَ مِنهُ، والمُبالَغَةُ في ال ( تَوّابٌ ) لِأنَّهُ بَلِيغٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ إذْ يَجْعَلُ صاحِبَها كَمَن لَمْ يُذْنِبْ، أوْ لِكَثْرَةِ المَتُوبِ عَلَيْهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، رُوِيَ: «أنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ بَعَثا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَبْغِي لَهُما إدامًا، وكانَ أُسامَةُ عَلى طَعامِهِ فَقالَ: ما عِنْدِي شَيْءٌ فَأخْبَرَهُما سَلْمانُ فَقالا: لَوْ بَعَثْناهُ إلى بِئْرِ سَمِيحَةَ لَغارَ ماؤُها، فَلَمّا راحا إلى رَسُولِ اللَّهِ قالَ لَهُما: «ما لِي أرى حَضْرَةَ اللَّحْمِ في أفْواهِكُما»، فَقالا: ما تَناوَلْنا لَحْمًا، فَقالَ: «إنَّكُما قَدِ اغْتَبْتُما» فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن} يقال جنبه الشر إذا أبعده عنه وحقيقته جعله في جانب فيعدى إلى مفعولين قال الله تعالى واجنبنى وبنى ان نعبد الاصنام ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولاً والمأمور باجتنابه بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى قوله {إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ} قال الزجاج هو ظنك باهل الخير سوء فاما اهل الفسق فلما أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم أو معناه اجتناباً كثيراً أو احترزوا من الكثير ليقع التحرز عن البعض والإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ومنه قيل لعقوبته الآثام فعال منه كالنكال والعذاب {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم يقال تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه تفعل من الجس وعن مجاهد خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله وقال سهل لا تبحثوا عن طلب معايب ما ستره الله على عباده {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب وهي من الاغتياب كالغيلة من الاغتيال وفي الحديث هو أن تذكر أخاك بما يكره فإن كان فيه فهو غيبة وإلا فهو بهتان وعن ابن عباس الغيبة إدام كلاب الناس {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} مَيِّتًا مدني وهذا
تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على افحش وجه وفيه مبالغات منها الاستفهام الذي معناه التقرير ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة وصولا بالمحبة ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخاً ومنها ان لم يقتصر عل لحم الأخ حتى جعل ميتاً وعن قتادة كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي وانتصب مَيْتًا على الحال من اللحم
أو من أخيه ولما قررهم بأن أحداً منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله {فَكَرِهْتُمُوهُ} أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل فليتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الذين {واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} التواب البليغ في قبول التوبة والمعنى واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين ورُوي أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوما فبعثاه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداماً وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها فلما جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما فقالا ما تناولنا لحماً قال إنكما قد اغتبتما ومن اغتاب مسلماً فقد أكل لحمه ثم قرأ الآية وقيل غيبة الخلق إنما تكون من الغيبة عن الحق
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ أيْ تَباعَدُوا مِنهُ، وأصْلُ اجْتَنِبْهُ كانَ عَلى جانِبٍ مِنهُ ثُمَّ شاعَ في التَّباعُدِ اللّازِمِ لَهُ، وتَنْكِيرُ ( كَثِيرًا ) لِيُحْتاطَ في كُلِّ ظَنٍّ ويُتَأمَّلَ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ مِن أيِّ القَبِيلِ، فَإنَّ مِنَ الظَّنِّ ما يُباحُ اتِّباعُهُ كالظَّنِّ في الأُمُورِ المَعاشِيَّةِ، ومِنهُ ما يَجِبُ كالظَّنِّ حَيْثُ لا قاطِعَ فِيهِ مِنَ العَمَلِيّاتِ كالواجِباتِ الثّابِتَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِنهُ ما يَحْرُمُ كالظَّنِّ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ وظَنِّ السَّوْءِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ «(أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مِنَ المُسْلِمِ دَمَهُ وعِرْضَهُ وأنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنُّ السَّوْءِ)».
وعَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَن أساءَ بِأخِيهِ الظَّنَّ فَقَدْ أساءَ بِرَبِّهِ الظَّنَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ » ويُشْتَرَطُ في حُرْمَةِ هَذا أنْ يَكُونَ المَظْنُونُ بِهِ مِمَّنْ شُوهِدَ مِنهُ التَّسَتُّرُ والصَّلاحُ وأُونِسَتْ مِنهُ الأمانَةُ، وأمّا مَن يَتَعاطى الرَّيْبَ والمُجاهَرَةَ بِالخَبائِثِ كالدُّخُولِ والخُرُوجِ إلى حاناتِ الخَمْرِ وصُحْبَةِ الغَوانِي الفاجِراتِ وإدْمانِ النَّظَرِ إلى المُرَدِ فَلا يَحْرُمُ ظَنُّ السَّوْءِ فِيهِ وإنْ كانَ الظّانُّ لَمْ يَرَهُ يَشْرَبُ الخَمْرَ ولا يَزْنِي ولا يَعْبَثُ بِالشَّبابِ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كَتَبَ إلَيَّ بَعْضُ إخْوانِي مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ ضَعْ أمْرَ أخِيكَ عَلى أحْسَنِهِ ما لَمْ يَأْتِكَ ما يَغْلِبُكَ، ولا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وأنْتَ تَجِدُ لَها في الخَيْرِ مَحْمَلًا، ومَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، ومَن كَتَمَ سِرَّهُ كانَتِ الخِيَرَةُ في يَدِهِ، وما كافَيْتَ مَن عَصى اللَّهَ تَعالى فِيكَ بِمِثْلِ أنْ تُطِيعَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، وعَلَيْكَ بِإخْوانِ الصِّدْقِ فَكُنْ في اكْتِسابِهِمْ فَإنَّهم زِينَةٌ في الرَّخاءِ وعُدَّةٌ عِنْدَ عَظِيمِ البَلاءِ ولا تَهاوَنْ بِالحَلِفِ فَيُهِينْكَ اللَّهُ تَعالى، ولا تَسْألَنَّ عَمّا لَمْ يَكُنْ حَتّى يَكُونَ ولا تَضَعْ حَدِيثَكَ إلّا عِنْدَ مَن تَشْتَهِيهِ، وعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وإنْ قَتَلَكَ، واعْتَزِلْ عَدُوَّكَ واحْذَرْ صَدِيقَكَ إلّا الأمِينَ ولا أمِينَ إلّا مَن خَشِيَ اللَّهَ تَعالى، وشاوِرْ في أمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ.
وعَنِ الحَسَنِ كُنّا في زَمانٍ الظَّنُّ بِالنّاسِ حَرامٌ وأنْتَ اليَوْمَ في زَمانٍ اعْمَلْ واسْكُتْ وظُنَّ بِالنّاسِ ما شِئْتَ، واعْلَمْ أنَّ ظَنَّ السَّوْءِ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فالأمْرُ واضِحٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ اخْتِيارِيًّا فالمَنهِيُّ عَنْهُ العَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنِ احْتِقارِ المَظْنُونِ بِهِ وتَنْقِيصِهِ وذِكْرِهِ بِما ظُنَّ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: نَظِيرُ ذَلِكَ في الحَسَدِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ، ولا يَضُرُّ العَمَلُ بِمُوجِبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الظّانِّ نَفْسِهِ كَما إذا ظَنَّ بِشَخْصٍ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ سُوءًا فَتَحَفَّظَ مِن أنْ يَلْحَقَهُ مِنهُ أذًى عَلى وجْهٍ لا يَلْحَقُ ذَلِكَ الشَّخْصَ بِهِ نَقْصٌ، وهو مَحْمَلُ خَبَرِ «(إنَّ مِنَ الحَزْمِ سُوءَ الظَّنِّ)،» وخَبَرِ الطَّبَرانِيِّ «(احْتَرِسُوا مِنَ النّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ)»، وقِيلَ: المَنهِيُّ عَنْهُ الِاسْتِرْسالُ مَعَهُ وتَرْكُ إزالَتِهِ بِنَحْوِ تَأْوِيلِ سَبَبِهِ مِن خَبَرٍ ونَحْوَهُ، وإلّا فالأمْرُ الغَيْرُ الِاخْتِيارِيِّ نَفْسُهُ لا يَكُونُ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ، وفي الحَدِيثِ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ثَلاثٌ لازِماتٌ أُمَّتِي الطِّيَرَةُ والحَسَدُ وسُوءُ الظَّنِّ فَقالَ رَجُلٌ: ما يُذْهِبُهُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّنْ هُنَّ فِيهِ؟
قالَ: إذا حَسَدْتَ فاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وإذا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ وإذا تَطَيَّرْتَ فامْضِ)».
أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ حارِثَةَ بْنِ النُّعْمانِ ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ بِالأمْرِ بِالِاجْتِنابِ أوْ لِمُوجِبِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، والإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ لِعُقُوبَتِهِ الأثامُ فَعالٌ مِنهُ كالنَّكالِ، قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ فَعَلَتْ هَذِي النَّوى بِي فِعْلَةً أصابَ النَّوى قَبْلَ المَماتِ أثامُها والهَمْزَةُ فِيهِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ يَكْسِرُها لِكَوْنِهِ يَضْرِبُها في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يُحْبِطْها قَطْعًا.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُلْتَزَمَةٌ في تَصارِيفِهِ تَقُولُ: أثِمَ يَأْثَمُ فَهو آثِمٌ وهَذا إثْمٌ وتِلْكَ آثامٌ، وإنَّ أثِمَ مِن بابِ عَلِمَ، ووَثَمَ مِن بابِ ضَرَبَ، وإنَّهُ ذَكَرَهُ في بابِ الهَمْزَةِ في الأساسِ، والواوِيُّ مُتَعَدٍّ وهَذا لازِمٌ.
﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ ولا تَبْحَثُوا عَنْ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ ومَعايِبِهِمْ وتَسْتَكْشِفُوا عَمّا سَتَرُوهُ، تَفَعَّلٌ مِنَ الجَسِّ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ كاللَّمْسِ فَإنَّ مَن يَطْلُبُ الشَّيْءَ يَجُسُّهُ ويَلْمِسُهُ فَأُرِيدَ بِهِ ما يَلْزَمُهُ، واسْتِعْمالُ التَّفَعُّلِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ سِيرِينَ (ولا تَحَسَّسُوا) بِالحاءِ مِنَ الحَسِّ الَّذِي هو أثَرُ الجَسِّ وغايَتُهُ، ولِهَذا يُقالُ لِمَشاعِرِ الإنْسانِ الحَواسُّ والجَواسُّ بِالحاءِ والجِيمِ، وقِيلَ التَّجَسُّسُ والتَّحَسُّسُ مُتَّحِدانِ ومَعْناهُما مَعْرِفَةُ الأخْبارِ، وقِيلَ: التَّجَسُّسُ بِالجِيمِ تَتَبُّعُ الظَّواهِرِ وبِالحاءِ تَتَبُّعُ البَواطِنِ، وقِيلَ: الأوَّلُ أنْ تَفَحَّصَ بِغَيْرِكَ والثّانِي أنْ تَفَحَّصَ بِنَفْسِكَ، وقِيلَ: الأوَّلُ في الشَّرِّ والثّانِي في الخَيْرِ، وهَذا بِفَرْضِ صِحَّتِهِ غَيْرُ مُرادٍ هُنا والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ المُرادَ عَلى القِراءَتَيْنِ النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ العَوْراتِ مُطْلَقًا وعَدُّوهُ مِنَ الكَبائِرِ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ولَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ قَلْبَهُ لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَضَحَهُ اللَّهُ تَعالى في قَعْرِ بَيْتِهِ)».
وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نادى بِذَلِكَ حَتّى أسْمَعَ العَواتِقَ في الخِدْرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قُلْنا لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ مُعَيْطٍ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟
فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ فَإنْ ظَهَرَ لَنا شَيْءٌ أخَذَنا بِهِ.
وقَدْ يُحْمَلُ مَزِيدُ حُبِّ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى التَّجَسُّسِ ويُنْسِي النَّهْيَ فَيُعْذَرُ مُرْتَكِبُهُ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
أخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ عَنْ ثَوْرٍ الكِنْدِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَعِسُ بِالمَدِينَةِ فَسَمِعَ صَوْتَ رَجُلٍ في بَيْتٍ يَتَغَنّى فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ فَوَجَدَ عِنْدَهُ امْرَأةً وعِنْدَهُ خَمْرٌ فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ أظْنَنْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْتُرُكَ وأنْتَ عَلى مَعْصِيَةٍ؟
فَقالَ: وأنْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ عَصَيْتُ اللَّهَ تَعالى واحِدَةً فَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ تَعالى في ثَلاثٍ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ وقَدْ تَجَسَّسْتَ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها ﴾ وقَدْ تَسَوَّرْتَ وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ﴾ ودَخَلْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ إذَنٍ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَهَلْ عِنْدَكم مِن خَيْرٍ إنْ عَفَوْتُ عَنْكَ؟
قالَ: نَعَمْ فَعَفا عَنْهُ وخَرَجَ وتَرَكَهُ.
وفي رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ فُلانًا لا يَصْحُو فَقالَ: انْظُرْ إلى السّاعَةِ الَّتِي يَضَعُ فِيها شَرابَهُ فَأْتِنِي فَأتاهُ فَقالَ: قَدْ وضَعَ شَرابَهُ فانْطَلَقا حَتّى اسْتَأْذَنا عَلَيْهِ فَعَزَلَ شَرابَهُ ثُمَّ دَخَلا فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي لَأجِدُ رِيحَ شَرابٍ يا فُلانُ أنْتَ بِهَذا فَقالَ: يا ابْنَ الخَطّابِ وأنْتَ بِهَذا ألَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ تَعالى أنْ تَتَجَسَّسَ؟
فَعَرَفَها عُمَرُ فانْطَلَقَ وتَرَكَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ انْزِجارَ شَرَبَةِ الخَمْرِ ونَحْوِهِمْ إذا تَوَقَّفَ عَلى التَّسَوُّرِ عَلَيْهِمْ جازَ احْتِجاجًا بِفِعْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ السّابِقِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ ما يُخالِفُ ذَلِكَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والخَرائِطِيُّ أيْضًا عَنْ زُرارَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُ حَرَسَ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْلَةً المَدِينَةَ فَبَيْنَما هم يَمْشُونَ شَبَّ لَهم سِراجٌ في بَيْتٍ فانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ فَلَمّا دَنَوْا مِنهُ إذا بابٌ مُجافٍ عَلى قَوْمٍ لَهم فِيهِ أصْواتٌ مُرْتَفِعَةٌ ولَغَطٌ فَقالَ عُمَرُ: وأخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أتَدْرِي بَيْتُ مَن هَذا؟
هَذا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الآنَ شَرِبَ قالَ: أرى أنْ قَدْ أتَيْنا ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنا فانْصَرَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْهم وتَرَكَهُمْ، ولَعَلَّ القِصَّةَ إنْ صَحَّتْ غَيْرُ واحِدَةٍ، ومِنَ التَّجَسُّسِ عَلى ما قالَ الأوْزاعِيُّ الِاسْتِماعُ إلى حَدِيثِ القَوْمِ وهم لَهُ كارِهُونَ فَهو حَرامٌ أيْضًا.
﴿ ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ أيْ لا يَذْكُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِما يَكْرَهُ في غَيْبَتِهِ فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ قِيلَ: أفَرَأيْتَ لَوْ كانَ في أخِي ما أقُولُ قالَ: إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ)» رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم.
والمُرادُ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ صَرِيحًا أوْ كِنايَةً ويَدْخُلُ في الأخِيرِ الرَّمْزُ والإشارَةُ ونَحْوَهُما إذا أدَّتْ مُؤَدّى النُّطْقِ فَإنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ الغِيبَةِ الإيذاءُ بِتَفْهِيمِ الغَيْرِ نُقْصانَ المُغْتابِ وهو مَوْجُودٌ حَيْثُ أفْهَمَتِ الغَيْرَ ما يَكْرَهُهُ المُغْتابُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ مِن طُرُقِ الإفْهامِ، وهي بِالفِعْلِ كَأنْ تَمْشِيَ مِشْيَةَ أعْظَمِ الأنْواعِ كَما قالَهُ الغَزالِيُّ، والمُرادُ بِما يَكْرَهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ أوْ خَلْقِهِ أوْ خُلُقِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ زَوْجَتِهِ أوْ مَمْلُوكِهِ أوْ خادِمِهِ أوْ لِباسِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وخَصَّهُ القَفّالُ بِالصِّفاتِ الَّتِي لا تَذُمُّ شَرْعًا فَذِكْرُ الشَّخْصِ بِما يَكْرَهُ مِمّا يُذَمُّ شَرْعًا لَيْسَ بِغَيْبَةٍ عِنْدَهُ ولا يَحْرُمُ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : «(اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ يَحْذَرْهُ النّاسُ)».
وما ذَكَرَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والحَدِيثُ ضَعِيفٌ وقالَ أحْمَدُ: مُنْكَرٌ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى فاجِرٍ مُعْلِنٍ بِفُجُورِهِ.
والمُرادُ بِقَوْلِنا: غَيْبَتُهُ غَيْبَتُهُ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ سَواءٌ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ الذِّكْرِ أوْ لا، وفي الزَّواجِرِ لا فَرْقَ في الغِيبَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ في غَيْبَةِ المُغْتابِ أوْ بِحَضْرَتِهِ هو المُعْتَمَدُ، وقَدْ يُقالُ شُمُولُ الغِيبَةِ لِلذِّكْرِ بِالحُضُورِ عَلى نَحْوِ شُمُولِ سُجُودِ السَّهْوِ لِما كانَ عَنْ تَرْكِ ما يَسْجُدُ لَهُ عَمْدًا ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ تَمْثِيلٌ لِما يَصْدُرُ عَنِ المُغْتابِ مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْهُ ومِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِصاحِبِهِ عَلى أفْحَشِ وجْهٍ وأشْنَعِهِ طَبْعًا وعَقْلًا وشَرْعًا مَعَ مُبالَغاتٍ مِن فُنُونٍ شَتّى، الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَقَعُ إلّا في كَلامٍ هو مُسَلَّمٌ عِنْدَ كُلِّ سامِعٍ حَقِيقَةً أوِ ادِّعاءً، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى- أحَدٍ- إيذانًا بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدَيْنِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ وتَعْلِيقُ المَحَبَّةِ بِما هو في غايَةِ الكَراهَةِ، وتَمْثِيلُ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ، وجَعْلُ المَأْكُولِ أخًا لِلْآكِلِ ومَيْتًا، وتَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ حَمْلًا عَلى الإقْرارِ وتَحْقِيقًا لِعَدَمِ مَحَبَّةِ ذَلِكَ أوْ لِمَحَبَّتِهِ الَّتِي لا يَنْبَغِي مِثْلُها، وفي المَثَلِ السّائِرِ كُنِّيَ عَنِ الغِيبَةِ بِأكْلِ الإنْسانِ لِلَحْمِ مِثْلِهِ لِأنَّها ذِكْرُ المَثالِبِ وتَمْزِيقُ الأعْراضِ المُماثِلِ لَأكْلِ اللَّحْمِ بَعْدَ تَمْزِيقِهِ في اسْتِكْراهِ العَقْلِ والشَّرْعِ لَهُ، وجَعْلُهُ مَيْتًا لِأنَّ المُغْتابَ لا يَشْعُرُ بِغِيبَتِهِ، ووَصْلُهُ بِالمَحَبَّةِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ المَيْلِ إلَيْها مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها، وقالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: ضُرِبَ المَثَلُ لِأخْذِ العِرْضِ بِأكْلِ اللَّحْمِ لِأنَّ اللَّحْمَ سَتْرٌ عَلى العَظْمِ والشّاتِمُ لِأخِيهِ كَأنَّهُ يُقَشِّرُ ويَكْشِفُ ما عَلَيْهِ وكَأنَّهُ أوْلى مِمّا في المَثَلِ، والفاءُ في ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ ويُقَدَّرُ مَعَهُ قَدْ أيْ إنْ صَحَّ ذَلِكَ أوْ عُرِضَ عَلَيْكم هَذا فَقَدَ كَرِهْتُمُوهُ ولا يُمْكِنُكم إنْكارُ كَراهَتِهِ، والجَزائِيَّةُ بِاعْتِبارِ التَّبَيُّنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْأكْلِ وقِيلَ: لِلَحْمِ، وقِيلَ: لِلْمَيِّتِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لِلِاغْتِيابِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلُ، والمَعْنى فاكْرَهُوهُ كَراهِيَتَكم لِذَلِكَ الأكْلِ، وعُبِّرَ بِالماضِي لِلْمُبالَغَةِ، وإذا أُوِّلَ بِما ذُكِرَ يَكُونُ إنْشاءً غَيْرَ مُحْتاجٍ لِتَقْدِيرِ قَدْ، وانْتِصابُ ( مَيْتًا ) عَلى الحالِ مِنَ اللَّحْمِ أوِ الأخِ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والحالُ في مِثْلِ ذَلِكَ جائِزٌ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ.
وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ ( فَكُرِّهْتُمُوهُ) بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الرّاءِ، ورَواها الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ قِيلَ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: امْتَثِلُوا ما قِيلَ لَكم واتَّقُوا اللَّهَ.
وقالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلا تَفْعَلُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ فَهو عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ المُقَدَّرِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَمّا قِيلَ لَهم ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكُمْ ﴾ إلَخْ كانَ الجَوابُ لا مُتَعَيَّنًا فَكَأنَّهم قالُوا: لا نُحِبُّ فَقِيلَ لَهم ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ ويُقَدَّرُ فَكَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغَيِبَةَ الَّتِي هي نَظِيرُهُ واتَّقُوا اللَّهَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى فاكْرَهُوا المُقَدَّرِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى فَكَرِهْتُمُوهُ بِناءً عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا أمْرٌ مَعْنًى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا ولا يَخْفى الأوْلى مِن ذَلِكَ: وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ لِأنَّهُ تَعالى تَوّابٌ رَحِيمٌ لِمَنِ اتَّقى واجْتَنَبَ ما نُهِيَ عَنْهُ وتابَ مِمّا فَرَطَ مِنهُ، وتَوّابٌ أيْ مُبالَغَةٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ والمُبالَغَةُ إمّا بِاعْتِبارِ الكَيْفِ إذْ يَجْعَلُ سُبْحانَهُ التّائِبَ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ أوْ بِاعْتِبارِ الكَمِّ لِكَثْرَةِ المَتُوبِ عَلَيْهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ سَلْمانَ الفارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مَعَ رَجُلَيْنِ في سَفَرٍ يَخْدِمُهُما ويَنالُ مِن طَعامِهِما وأنَّهُ نامَ يَوْمًا فَطَلَبَهُ صاحِباهُ فَلَمْ يَجِداهُ فَضَرَبا الخِباءَ وقالا: ما يُرِيدُ سَلْمانُ شَيْئًا غَيْرَ هَذا أنْ يَجِيءَ إلى طَعامٍ مَعْدُودٍ وخِباءٍ مَضْرُوبٍ فَلَمّا جاءَ سَلْمانُ أرْسَلاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَطْلُبُ لَهُما إدامًا فانْطَلَقَ فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَنِي أصْحابِي لِتُؤْدِمَهم إنْ كانَ عِنْدَكَ قالَ: ما يَصْنَعُ أصْحابُكَ بِالإدامِ؟
لَقَدِ ائْتَدَمُوا فَرَجَعَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَخَبَّرَهُما فانْطَلَقا فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالا: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصَبْنا طَعامًا مُنْذُ نَزَلْنا قالَ: إنَّكُما قَدِ ائْتَدَمْتُما بِسَلْمانَ فَنَزَلَتْ».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: زَعَمُوا أنَّها نَزَلَتْ في سَلْمانَ الفارِسِيِّ أكَلَ ثُمَّ رَقَدَ فَنُفِخَ فَذَكَرَ رَجُلانِ أكْلَهُ ورُقادَهُ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ الضِّياءُ المُقَدِّسِيُّ في المُخْتارَةِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَتِ العَرَبُ تَخْدِمُ بَعْضُها بَعْضًا في الأسْفارِ وكانَ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلٌ يَخْدِمُهُما فَناما فاسْتَيْقَظا ولِمَ يُهَيِّئْ لَهُما طَعامًا فَقالا: إنَّ هَذا لَنَؤُومٌ فَأيْقَظاهُ فَقالا: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ إنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يُقْرِآنِكَ السَّلامَ ويَسْتَأْدِمانِكَ فَقالَ: إنَّهُما ائْتَدَما فَجاءا فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ بِأيِّ شَيْءٍ ائْتَدَمْنا قالَ بِلَحْمِ أخِيكُما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأرى لَحْمَهُ بَيْنَ ثَناياكُما فَقالا: اسْتَغْفِرْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: مُراهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُما».
وهَذا خَبَرٌ صَحِيحٌ ولا طَعْنَ فِيهِ عَلى الشَّيْخَيْنِ سَواءٌ كانَ ما وقَعَ مِنهُما قَبْلَ النُّزُولِ أوْ بَعْدَهُ حَيْثُ لَمْ يَظُنّا بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِما أنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ مِمّا يَكْرَهُها ذَلِكَ الرَّجُلُ: هَذا والآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُرْمَةِ الغِيبَةِ.
وقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ الإجْماعَ عَلى أنَّها مِنَ الكَبائِرِ، وعَنِ الغَزالِيِّ وصاحِبِ العُدَّةِ أنَّهُما صَرَّحا بِأنَّها مِنَ الصَّغائِرِ وهو عَجِيبٌ مِنهُما لِكَثْرَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الكَبائِرِ، وقُصارى ما قِيلَ في وجْهِ القَوْلِ بِأنَّها صَغِيرَةٌ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ يَلْزَمُ فِسْقُ النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا الفَذَّ النّادِرَ مِنهم وهَذا حَرَجٌ عَظِيمٌ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ فُشُوَّ المَعْصِيَةَ وارْتِكابَ جَمِيعِ النّاسِ لَها فَضْلًا عَنِ الأكْثَرِ لا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ صَغِيرَةً، وهَذا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنِ ارْتِكابِ أكْثَرِ النّاسِ لَها لَمْ يَكُنْ قَبْلُ.
عَلى أنَّ الإصْرارَ عَلَيْها قَرِيبٌ مِنها في كَثْرَةِ الفُشُوِّ في النّاسِ وهو كَبِيرَةٌ بِالإجْماعِ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ الحَرَجُ العَظِيمُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في عِظَمِ الحَرَجِ السّابِقِ، مَعَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ لا يُقاوِمُ تِلْكَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ، ولَعَلَّ الأوْلى في الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «(بَيْنَما أنا أُماشِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو آخِذٌ بِيَدِي ورَجُلٌ عَنْ يَسارِي فَإذا نَحْنُ بِقَبْرَيْنِ أمامَنا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّهُما لَيُعَذَّبانِ وما يُعَذَّبانِ بِكَبِيرٍ وبَكى إلى أنْ قالَ: وما يُعَذَّبانِ إلّا في الغِيبَةِ والبَوْلِ)».
ولا يَتِمُّ أيْضًا، فَقَدْ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: المَعْنى وما يُعَذَّبانِ في أمْرٍ كانَ يَكْبُرُ عَلَيْهِما ويَشُقُّ فِعْلُهُ لَوْ أراداهُ لا أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ كَبِيرٍ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَبِيرًا وهُما يُعَذَّبانِ فِيهِ، فالحَقُّ أنَّها مِنَ الكَبائِرِ.
نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِنها ما هو مِنَ الصَّغائِرِ كالغِيبَةِ الَّتِي لا يَتَأذّى بِها كَثِيرًا نَحْوَ عَيْبِ المَلْبُوسِ والدّابَّةِ، ومِنها ما لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ في أنَّهُ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ كَغِيبَةِ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ بِألْفاظِ الفِسْقِ والفُجُورِ ونَحْوِها مِنَ الألْفاظِ الشَّدِيدَةِ الإيذاءِ، والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّكُوتِ عَلَيْها مَعَ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِها حُكْمَها، ويَجِبُ عَلى المُغْتابِ أنْ يُبادِرَ إلى التَّوْبَةِ بِشُرُوطِها فَيُقْلِعُ ويَنْدَمُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِيَخْرُجَ مِن حَقِّهِ ثُمَّ يَسْتَحِلُّ المُغْتابُ خَوْفًا لِيَحِلَّهُ فَيَخْرُجُ عَنْ مَظْلِمَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: يَكْفِيهِ الِاسْتِغْفارُ عَنِ الِاسْتِحْلالِ، واحْتَجَّ بِخَبَرِ «(كَفّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ)»، وأفْتى الخَيّاطِيُّ بِأنَّها إذا لَمْ تَبْلُغِ المُغْتابَ كَفاهُ النَّدَمُ والِاسْتِغْفارُ، وجَزَمَ ابْنُ الصَّبّاغِ بِذَلِكَ وقالَ: نَعَمْ إذا كانَ تَنَقُّصُهُ عِنْدَ قَوْمٍ رَجَعَ إلَيْهِمْ وأعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وتَبِعَهُما كَثِيرُونَ مِنهُمُ النَّوَوِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ وغَيْرِهِ، وقالَ الزَّرْكَشِيُّ: هو المُخْتارُ وحَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ وأنَّهُ ناظَرَ سُفْيانَ فِيهِ، وما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى لُزُومِ التَّحْلِيلِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِالأفْضَلِ أوْ بِما يَمْحُو أثَرَ الذَّنْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الفَوْرِ، وما ذُكِرَ في غَيْرِ الغائِبِ والمَيِّتِ أمّا فِيهِما فَيَنْبَغِي أنْ يُكْثِرَ لَهُما الِاسْتِغْفارَ، ولا اعْتِبارَ بِتَحْلِيلِ الوَرَثَةِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الخَيّاطِيُّ وغَيْرُهُ، وكَذا الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ بِناءً عَلى الصَّحِيحِ مِنَ القَوْلِ بِحُرْمَةِ غِيبَتِهِما.
قالَ في الخادِمِ: الوَجْهُ أنْ يُقالَ يَبْقى حَقُّ مُطالَبَتِهِما إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ إنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِحْلالُ والتَّحْلِيلُ في الدُّنْيا بِأنْ ماتَ الصَّبِيُّ صَبِيًّا والمَجْنُونُ مَجْنُونًا ويَسْقُطُ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِالنَّدَمِ، وهَلْ يَكْفِي الِاسْتِحْلالُ مِنَ الغِيبَةِ المَجْهُولَةِ أمْ لا؟
وجْهانِ، والَّذِي رَجَّحَهُ في الأذْكارِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْرِفَتِها لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَسْمَحُ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، وكَلامُ الحَلِيمِيِّ وغَيْرِهِ يَقْتَضِي الجَزْمَ بِالصِّحَّةِ لِأنَّ مَن سَمَحَ بِالعَفْوِ مِن غَيْرِ كَشْفٍ فَقَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ مَهْما كانَتِ الغِيبَةُ، ويَنْدُبُ لِمَن سُئِلَ التَّحْلِيلَ أنْ يُحَلِّلَ ولا يَلْزَمُهُ لِأنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ مِنهُ وفَضْلٌ، وكانَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ واقْتَدى بِهِمْ والِدِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ يَمْتَنِعُونَ مِنَ التَّحْلِيلِ مَخافَةَ التَّهاوُنِ بِأمْرِ الغِيبَةِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ خَبَرُ «(أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَكُونَ كَأبِي ضَمْضَمٍ كانَ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ قالَ: إنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلى النّاسِ)».
ومَعْناهُ لا أطْلُبُ مَظْلِمَةً مِنهم ولا أُخاصِمُهم لا أنَّ الغِيبَةَ تَصِيرُ حَلّالًا لِأنَّ فِيها حَقًّا لِلَّهِ تَعالى ولِأنَّهُ عَفْوٌ وإباحَةٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وسُئِلَ الغَزالِيُّ عَنْ غِيبَةِ الكافِرِ فَقالَ: هي في حَقِّ المُسْلِمِ مَحْذُورَةٌ لِثَلاثِ عِلَلٍ: الإيذاءُ، وتَنْقِيصُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَضْيِيعُ الوَقْتِ بِما لا يَعْنِي.
والأُولى تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، والثّانِيَةُ الكَراهَةَ، والثّالِثَةُ خِلافُ الأُولى.
وأمّا الذِّمِّيُّ فَكالمُسْلِمِ فِيما يَرْجِعُ إلى المَنعِ عَنِ الإيذاءِ لِأنَّ الشَّرْعَ عَصَمَ عِرْضَهُ ودَمَهُ ومالَهُ.
وقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(مَن سَمَّعَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَلَهُ النّارُ)».
ومَعْنى سَمَّعَهُ أسْمَعَهُ ما يُؤْذِيهِ ولا كَلامَ بَعْدَ هَذا في الحُرْمَةِ.
وأمّا الحَرْبِيُّ فَغِيبَتُهُ لَيْسَتْ بِحَرامٍ عَلى الأُولى وتُكْرَهُ عَلى الثّانِيَةِ وخِلافُ الأُولى عَلى الثّالِثَةِ، وأمّا المُبْتَدِعُ فَإنْ كَفَرَ فَكالحَرْبِيِّ وإلّا فَكالمُسْلِمِ وأمّا ذِكْرُهُ بِبِدْعَتِهِ فَلَيْسَ مَكْرُوهًا.
وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَفْسِيرِ الغِيبَةِ: «(ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ)».
فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لَيْسَ أخًا لَكَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وسائِرِ أهْلِ المِلَلِ ومَن أخْرَجَتْهُ بِدْعَتُهُ إلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ لا غِيبَةَ لَهُ ويَجْرِي نَحْوُهُ في الآيَةِ، والوَجْهُ تَحْرِيمُ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ كَما تَقَرَّرَ وهو وإنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنَ الآيَةِ ولا مِنَ الخَبَرِ المَذْكُورِ مَعْلُومٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ ما ذُكِرَ وذَلِكَ الدَّلِيلِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَجِبُ الغِيبَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِها وتَنْحَصِرُ في سِتَّةِ أسْبابٍ: الأوَّلُ: التَّظَلُّمُ فَلِمَن ظُلِمَ أنْ يَشْكُوَ لِمَن يَظُنُّ لَهُ قُدْرَةً عَلى إزالَةِ ظُلْمِهِ لا تَخْفِيفِهِ.
الثّانِي: الِاسْتِعانَةُ عَلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِذِكْرِهِ لِمَن يَظُنُّ قُدْرَتَهُ عَلى إزالَتِهِ.
الثّالِثُ الِاسْتِفْتاءُ فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِي أنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي فُلانٌ بِكَذا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أوْ ما طَرِيقُ تَحْصِيلِ حَقِّي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والأفْضَلُ أنْ يُبْهِمَهُ.
الرّابِعُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ كَجَرْحِ الشُّهُودِ والرُّواةِ والمُصَنِّفِينَ والمُتَصَدِّينَ لِإفْتاءٍ أوْ إقْراءٍ مَعَ عَدَمِ أهْلِيَّةٍ فَتَجُوزُ إجْماعًا بَلْ تُحَبُّ، وكَأنْ يُشِيرَ وإنْ لَمْ يَسْتَشِرْ عَلى مُرِيدِ تَزَوُّجٍ أوْ مُخالَطَةٍ لِغَيْرِهِ في أمْرٍ دِينِيٍّ أوْ دُنْيَوِيٍّ ويَقْتَصِرُ عَلى ما يَكْفِي فَإنْ كَفى نَحْوَ لا يَصْلُحُ لَكَ فَذاكَ وإنِ احْتاجَ إلى ذِكْرِ عَيْبٍ ذَكَرَهُ أوْ عَيْبَيْنِ فَكَذَلِكَ وهَكَذا ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى ما يَكْفِي، ومِن ذَلِكَ أنْ يَعْلَمَ مِن ذِي وِلايَةٍ قادِحًا فِيها كَفِسْقٍ أوْ تَغَفُّلٍ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى عَزْلِهِ وتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ الخالِي مِن ذَلِكَ أوْ عَلى نُصْحِهِ وحَثِّهِ لِلِاسْتِقامَةِ، والخامِسُ أنْ يَتَجاهَرَ بِفِسْقِهِ كالمَكّاسِينَ وشَرَبَةِ الخَمْرِ ظاهِرًا فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِما تَجاهَرُوا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ مِمّا مَرَّ.
السّادِسُ لِلتَّعْرِيفِ بِنَحْوِ لَقَبٍ كالأعْوَرِ، والأعْمَشِ فَيَجُوزُ وإنْ أمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِهِ.
نَعَمِ الأوْلى ذَلِكَ إنْ سَهُلَ ويُقْصَدُ التَّعْرِيفُ لا التَّنْقِيصُ، وأكْثَرُ هَذِهِ السِّتَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ويَدُلُّ لَها مِنَ السُّنَّةِ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ مَذْكُورَةٌ في مَحَلِّها كالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قُبْحِ الغِيبَةِ وعِظَمِ آثامِها وأكْثَرُ النّاسِ بِها مُولَعُونَ ويَقُولُونَ: هي صابُونُ القُلُوبِ وإنَّ لَها حَلاوَةً كَحَلاوَةِ التَّمْرِ وضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ وهي في الحَقِيقَةِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ: الغِيبَةُ إدامُ كِلابِ النّاسِ.
نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يُحِبُّ ويَرْضى.
وما أحْسَنَ ما جاءَ التَّرْتِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ إلَخْ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وفَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: جاءَ الأمْرُ أوَّلًا بِاجْتِنابِ الطَّرِيقِ الَّتِي لا تُؤَدِّي إلى العِلْمِ وهو الظَّنُّ ثُمَّ نَهى ثانِيًا عَنْ طَلَبِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ الظَّنِّ لِيَصِيرَ عِلْمًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ ثُمَّ نَهى ثالِثًا عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ إذا عُلِمَ فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ ظَنٌّ فَعِلْمٌ بِالتَّجَسُّسِ فاغْتِيابٌ، وقالَ ابْنُ حَجْرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهُ تَعالى خَتَمَ كُلًّا مِنَ الآيَتَيْنِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ رَحْمَةً بِعِبادِهِ وتَعَطُّفًا عَلَيْهِمْ لَكِنْ لَمّا بُدِئَتِ الأُولى بِالنَّهْيِ خُتِمَتْ بِالنَّفْيِ في ﴿ ومَن لَمْ يَتُبْ ﴾ لِتَقارُبِهِما ولَمّا بُدِئَتِ الثّانِيَةُ بِالأمْرِ في ( اجْتَنِبُوا ) خُتِمَتْ بِهِ في ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ إلى إلَخْ وكانَ حِكْمَةُ ذِكْرِ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ في الأُولى فَقَطْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَتُبْ ﴾ إلَخْ أنَّ ما فِيها أفْحَشُ لِأنَّهُ إيذاءٌ في الحَضْرَةِ بِالسُّخْرِيَةِ أوِ اللَّمْزِ أوِ النَّبْزِ بِخِلافِهِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ أمْرٌ خَفِيٌّ إذْ كُلُّ مِنَ الظَّنِّ والتَّجَسُّسِ والغِيبَةِ يَقْتَضِي الإخْفاءَ وعَدَمَ العِلْمِ بِهِ غالِبًا انْتَهى فَلا تَغْفَلْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يعني: لا تحققوا الظن إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ يعني: معصية أي: إِنَّ ظن السوء بالمسلم معصية.
وقال سفيان الثوري: الظن ظنان.
ظن فيه إثم، وظن لا إثم فيه.
فالظن الذي فيه إثم، أن يظن ويتكلم به.
وأما الظن الذي لا إثم فيه، فهو أن يظن، ولا يتكلم به، لأنه قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولم يقل: جميع الظن إثم.
ثم قال: وَلا تَجَسَّسُوا يعني: لا تطلبوا، ولا تبحثوا عن عيب أخيكم وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً روى أسباط عن السدي قال: كان سلمان الفارسي في سفر مع ناس فيهم عمر، فنزلوا منزلاً، فضربوا خيامهم، وصنعوا طعامهم، ونام سلمان، فقال بعض القوم لبعض: ما يريد هذا العبد إلا أن يجد خياماً مضروبة، وطعاماً مصنوعاً، فلما استيقظ سلمان، قالوا له: انطلق إلى رسول الله ، والتمس لنا إداماً نأتدم به.
فأتى رسول الله ، فقال- -: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ ائْتَدَمُوا» .
فأخبرهم.
فقالوا: ما طعمنا بعد، وما كذب رسول الله .
فأتوه، فقال: «ائْتَدَمْتُمْ مِنْ صَاحِبِكُمْ، حِينَ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ وَهُوَ نَائِمٌ» ، ثم قرأ: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ يعني: فكما تكرهون أكل لحمه ميتاً، فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء وهو غائب.
ويقال: كان سلمان في سفر مع أبي بكر وعمر ما، وكان يطبخ لهما، فنزلوا منزلاً، فلم يجد ما يصلح لهم أمر الطعام، فبعثاه إلى النبيّ لينظر عنده شيئاً من الطعام، فقال أسامة: لم يبق عند النبيّ شيء من الطعام، فرجع إليهما، فقالا: إنه لو ذهب إلى بئر كذا، ليبس ماؤها، فنزلت هذه الآية.
ويقال: نزلت في شأن زيد بن ثابت، وذلك أن نفراً ذكروا فيه شيئاً، فنزل: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً قرأ نافع: مَيِّتاً بتشديد الياء، والخفض.
والباقون بالجزم.
وقال أهل اللغة: الميت.
والميت واحد مثل ضيق وضيّق، وهين وهيّن، ولين وليّن.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في الغيبة، وتوبوا إليه إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ يعني: قابل التوبة رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قال مقاتل: وذلك أن النبيّ لما فتح مكة، أمر بلالاً ليؤذن.
فقال الحارث بن هشام.
أما وجد رسول الله غير هذا الغراب.
يعني: بلال.
فنزل يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يعني: آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ يعني: رؤوس القبائل، مثل مضر، وربيعة وَقَبائِلَ يعني: الأفخاذ مثل بني سعد، وبني عامر.
لِتَعارَفُوا في النسب إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ يعني: وإن كان عبداً حبشياً أسود مثل بلال.
وقال في رواية الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس، كان في أذنيه ثقل، وكان يدنو من رسول الله ليسمع كلامه فأبطأ يوماً واحداً وقد أخذ الناس مجالسهم فجاء فتخطى رقابهم حتى جلس قريباً من النبيّ .
فقال رجل من القوم: هذا يتخطى رقابنا، فلم لا يجلس حيث وجد المكان؟
فقال ثابت: من هذا؟
فقالوا: فلان.
فقال ثابت: يا ابن فلانة، وكان يعيّر بأمه، فخجل.
فنزلت هذه الآية.
فقال النبيّ : «مَنْ عَيَّرَ فُلاناً بِأُمِّهِ» ؟
فقال ثابت بن قيس: أنا قد ذكرت شيئاً.
فقرأ هذه الآية عليه، فاستغفر ثابت.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس ما قال: القبائل، والأفخاذ: الصغار، والشعوب: الجمهور مثل مضر.
وقال الضحاك: الشعوب: الأفخاذ الصغار، والقبائل مثل بني تميم، وبني أسد.
وقال القتبي: الشعوب أكثر من القبيلة.
وقال الزجاج: الشعب أعظم من القبيلة، ومعناه: إني لم أخلقكم شعوباً وقبائل لتتفاخروا، وإنما خلقناكم كذلك لتعارفوا.
روي عن النبيّ أنه قال: «إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يقولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: إنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لأنْفُسِكُمْ نَسَباً، وَجَعَلْتُ لِنَفْسِي نَسَباً، فَرفَعْتُم نَسَبَكُم، وَوَضَعْتُمْ نَسَبي، فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي، وَأَضَعُ نَسَبَكُم.
يعني: قلت: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقلتم: أنتم فلان وفلان» .
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأتقيائكم خَبِيرٌ بافتخاركم قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال ابن عباس: نزلت في بني أسد، قدموا على رسول الله في قحط أصابهم، فجاؤوا بأهاليهم، وذراريهم، يطلبون الصدقة، وأظهروا الإسلام، وقالوا: يا رسول الله نحن أسلمنا طوعاً، وقدمنا بأهالينا، فأعطنا من الغنيمة أكثر مما تعطي غيرنا.
ويقال: كانت قبيلتان جهينة، ومزينة، قدموا بأهاليهم.
فنزلت الآية قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا يعني: صدقنا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا يعني: لم تصدقوا في السر، كما صدقتم في العلانية وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا يعني: دخلنا في الانقياد، والخضوع.
ويقال: استسلمنا مخافة القتل والسبي وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: التصديق.
ويقال: لم يدخل حب الإيمان في قلوبكم وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في السر، كما تطيعونه في العلانية لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً يعني: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً.
قرأ أبو عمرو: لا يألتكم بالألف والهمز.
والباقون: لاَ يَلِتْكُمْ بغير ألف ولا همز.
ومعناهما واحد يقال: لاته يلته وألته يألته إذا نقص حقه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لو صدقوا بقلوبهم، ثم بيّن الله عز وجل لهم من المصدق.
<div class="verse-tafsir"
هو معلوم في الحديث الطويل، ومدافعة الفئة الباغية مُتَوَجِّهَةٌ في كل حال، [وأَمَّا التَهَيُّؤُ] لقتالهم فمع الولاة، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «حَكَمَ اللَّهُ في الْفِئَةِ البَاغِيَةِ أَلاَّ يُجْهَزَ على جَرِيحِهَا، وَلا يُطْلَبَ هَارِبُهَا، وَلاَ يُقْتَلَ أسيرها، ولا يقسم فيئها» «١» وتَفِيءَ معناه: ترجع، وقرأ الجمهور: «بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» وذلك رعايةً لحال أَقَلِّ عدد يقع فيه القتال والتشاجر، وقرأ ابن عامر: «بَيْنَ إخْوَتِكُمْ» «٢» وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ: «بَيْنَ إخْوَانِكُمْ» »
وهي قراءة حسنة لأَنَّ الأكثر في جمع الأخ في الدِّينِ ونحوه من غير النسب/: «إخْوَان» ، والأكثر في جمعه من النسب: «إِخْوَة» و «آخَاء» ، وقد تتداخل هذه الجموعُ، وكُلُّها في كتاب اللَّه.
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية: هذه الآية والتي بعدها نزلت في خُلُقِ أهل الجاهلية وذلك أَنَّهم كانوا يجرون مع شهواتِ نفوسهم، لم يقومهم أمر من اللَّه ولا نهي، فكان الرجل يسخر، ويلمز، وينبز بالألقاب، ويَظُنُّ الظنونَ، ويتكلم بها، ويغتاب، ويفتخر بنسبه، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطَّالة، فنزلت هذه الآية تأديباً لهذه الأُمَّةِ، وروى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ واللفظ له عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عرضه، وماله، ودمه، التّقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشرّ أن يحتقر
أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» «١» انتهى، ويسخر معناه: يستهزىء، وقد يكون ذلك المُسْتَهْزَأُ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب واقع على الذُّكْرَان، وهو من أسماء الجَمْع ومن هذا قول زُهَيْر: [من الوافر]
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي ...
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ «٢»
وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء، فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، وتَلْمِزُوا معناه: يطعن بعضُكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللَّمْزُ بالقول وبالإشارة ونحوه مِمَّا يفهمه آخر، والهَمْزُ لا يكون إلاَّ باللسان، وحكى الثعلبيُّ أَنَّ اللمز ما كان في المشهد، والهَمْزَ ما كان في المغيب، وحكى الزهراويُّ عكس ذلك.
وقوله تعالى: أَنْفُسَكُمْ معناه: بعضكم بعضاً كما قال تعالى: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٦٦] كأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم/ إخوة كما قال صلّى الله عليه وسلّم:
«كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشتكى مِنْهُ عُضْوٌ تداعى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ والحمى» «٣» ، وهم كما قال أيضاً: «كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» ، والتنابز: التَّلَقُّبُ، والتَّنَبزُ واللقب واحدٌ، واللقب- يعني المذكور في الآية- هو: ما يُعْرَفُ به الإنسان من الأسماء التي يَكْرَهُ سماعَهَا، وليس من هذا قول المُحَدِّثِينَ: سليمان الأعمش، وواصل الأحدب ونحوه مِمَّا تدعو الضرورة إليه، وليس فيه قصد استخفاف وأذى، وقال ابن زيد: معنى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي: لا يَقُلْ أحد لأحد: يا يهوديُّ، بعد إسلامه، ولا: يا فاسقُ، بعد توبته، ونحو هذا.
وقوله سبحانه: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يحتمل معنيين:
أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فُسَّاقاً بالمعصية بعد إيمانكم.
والثاني: بئس قول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه وعن حذيفةَ- رضي اللَّه عنه- قال: شكوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ؟!
إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» «١» رواه النسائي واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي رواية للنسائي: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَأَتُوبُ إلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» «٢» ، والذَّرَبُ- بفتح الذال والراء- هو الفُحْشُ، انتهى من «السلاح» ، ومنه عن ابن عمر: «إنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ:
رَبِّ اغفر لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ» «٣» رَوَاه أبو داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، / وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح غريب، انتهى.
ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وأَلاَّ يعملوا ولا يتكلموا بحسبه لما في ذلك وفي التجسس من التقاطُع والتَّدَابُرِ، وحكم على بعضه أَنَّه إثم، إذ بعضُه ليس بإثم، والظَّنُّ المنهيُّ عنه هو أَنْ تَظُنَّ شرًّا برجل ظاهره الصلاح، بلِ الواجب أنْ تزيل الظن وحكمه، وتتأوَّلَ الخيرَ قال ع «٤» : وما زال أولو العزم يحترسون من سُوءِ الظنِ، ويجتنبون ذرائعه، قال النوويُّ: واعلم أَنَّ سوء الظن حرام، مثل القول، فكما يَحْرُمُ أَنْ تحدّث غيرك بمساوئ إنسان- يَحْرُمُ أَنْ تحدث نفسَك بذلك، وتسيءَ الظّنّ به وفي الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» «٥» والأحاديث بمعنى ما ذكرناه
كثيرة، والمراد بذلك عَقْدُ القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأَمَّا الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه صاحبه- فَمَعْفُوٌّ عنه باتفاق العلماء لأَنَّهُ لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفِكاك عنه، انتهى.
قال أبو عمر في «التمهيد» : وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وعِرْضَهُ، وأَلاَّ يُظَنَّ بِهِ إلاَّ الْخَيْرَ» «١» انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده: أَنَّ عمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكِرَ عنده رجل بفضل أو صلاح قال: كيف هو إذا ذُكِرَ عنده إخوانه؟
فإنْ قالوا: إنَّه يتنقَّصهم، وينالُ منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإنْ قالوا:
إنَّه يذكر منهم جميلاً وخيراً، ويُحْسِنُ الثَّنَاءَ عليهم، قال: هو كما تقولون إن شاء اللَّه، انتهى من «التمهيد» ، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم/ قال: «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ» «٢» انتهى.
وقوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تبحثوا عن مخبَّآت أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزءوا بالظواهر الحسنة، وقرأ الحسن وغيره: «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء المهملة قال بعض الناس: التَجَسُّسُ بالجيم في الشَّرِّ، وبالحاء في الخير، قال ع «٣» : وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال.
ت: وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها.
وَلا يَغْتَبْ معناه: لا يذكرْ أحدُكم من أخيه شيئاً هو فيه، ويكره سماعه، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا ذَكَرْتَ مَا في أَخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإذَا ذَكَرْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّه» «١» ، وفي حديث آخر: «الغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: وَإنْ كَان حَقًّا؟
قَالَ: إذَا قُلْتَ بَاطِلاً فَذَلِكَ هُوَ الْبُهْتَانُ» «٢» وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، قِيلَ: وَكَيْفَ؟!
قال: لأَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَغْتَابُ لاَ يُتَابُ عَلَيْهِ حتى يَسْتَحِلَّ» «٣» ، قال ع «٤» : وقد يموت من اغْتِيبَ، أو يأبى، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟!
قَالَ: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ» «٥» انتهى.
والغِيبَةُ مشتقة من «غَابَ يَغِيبُ» وهي القول في الغائب، واسْتُعْمِلَتْ في المكروه، ولم يُبَحْ في هذا المعنى إلاَّ ما تدعو الضرورةُ إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف/ بمن استنصح في الخطاب ونحوهم: لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ» وما يقال في الفَسَقَةِ أيضاً، وفي وُلاَةِ الجَوْرِ، ويقصد به: التحذير منهم ومنه قوله ع:
«أعن الفاجر ترعوون؟!
اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ، مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ إذا لم تذكروه؟!» «٦» .
ت: وهذا الحديث خَرَّجه أيضاً أبو بكر ابن الخطيب بسنده عن بَهْزٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أترعوون عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ، اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ» «١» ولم يذكر في سنده مَطْعَناً، انتهى، ومنه قوله ع: «بِئْسَ ابنُ الْعَشِيرَةِ» «٢» .
ثُمَّ مَثَّلَ تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، ووقف تعالى على جهة التوبيخ بقوله:
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ أي: فكذلك فاكرهوا الغِيبَةَ، قال أبو حيان «٣» : فَكَرِهْتُمُوهُ قيل: خبر بمعنى الأَمر، أي: فاكرهوه، وقيل على بابه، فقال الفَرَّاءُ: فقد كرهتموه، فلا تفعلوه، انتهى.
وقد روى البخاريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» «٤» وفي رواية مسلم: «مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ- إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ» «٥» وفي الصحيحين عنه صلّى الله عليه وسلّم:
«أَيُّ رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بها أحدهما» «٦» انتهى، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنَ أنْ يَظُنَّ بِالمُؤْمِنِ شَرًّا.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ مِن أخِيهِ كَلامًا لا يُرِيدُ بِهِ سُوءًا أوْ يَدْخُلُ مَدْخَلًا لا يُرِيدُ بِهِ [سُوءًا]، فَيَراهُ أخُوهُ المُسْلِمُ فَيَظُنُّ بِهِ سُوءًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يَظُنَّ بِأهْلِ الخَيْرِ سُوءًا.
فَأمّا أهْلُ السُّوءِ والفِسْقِ، فَلَنا أنْ نَظُنَّ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي ظَهَرَ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْ جَمِيعِ الظَّنِّ؛ والظَّنُّ عَلى أرْبَعَةِ أضْرُبٍ.
مَحْظُورٌ، ومَأْمُورٌ بِهِ، ومُباحٌ، ومَندُوبٌ إلَيْهِ، فَأمّا المَحْظُورُ، فَهو سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى، والواجِبُ: حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وكَذَلِكَ سُوءُ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ مَحْظُورٌ، وأمّا الظَّنُّ المَأْمُورُ بِهِ، فَهو ما لَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يُوصَلُ إلى العِلْمِ بِهِ، وقَدْ تَعَبَّدَنا بِتَنْفِيذِ الحُكْمِ فِيهِ، والِاقْتِصارُ عَلى غالِبِ الظَّنِّ، وإجْراءُ الحُكْمِ عَلَيْهِ واجِبٌ، وذَلِكَ نَحْوُ ما تَعَبَّدَنا بِهِ مِن قَبُولِ شَهادَةِ العُدُولِ، وتَحَرِّي القِبْلَةِ، وتَقْوِيمِ المُسْتَهْلَكاتِ، وأُرُوشِ الجِناياتِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِمَقادِيرِها تَوْقِيفٌ، فَهَذا وما كانَ مِن نَظائِرِهِ قَدْ تُعُبِّدْنا فِيهِ بِأحْكامِ غالِبِ الظُّنُونِ.
فَأمّا الظَّنُّ المُباحُ، فَكالشّاكِّ في الصَّلاةِ إذا كانَ إمامًا، أمَرَهُ النَّبِيُّ بِالتَّحَرِّي والعَمَلِ عَلى ما يَغْلِبُ في ظَنِّهِ، وإنْ فَعَلَهُ كانَ مُباحًا، وإنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى البِناءِ عَلى اليَقِينِ كانَ جائِزًا ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « "إذا ظَنَنْتُمْ فَلا تُحَقِّقُوا"،» وهَذا مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَعْرِضُ في قَلْبِ الإنْسانِ في أخِيهِ فِيما يُوجِبُ الرِّيبَةَ، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُحَقِّقَهُ.
وأمّا الظَّنُّ المَندُوبُ إلَيْهِ، فَهو إحْسانُ الظَّنِّ بِالأخِ المُسْلِمِ يُنْدَبُ إلَيْهِ ويُثابُ عَلَيْهِ.
فَأمّا ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: « "احْتَرِسُوا مِنَ النّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ"،» فالمُرادُ: الِاحْتِراسُ بِحِفْظِ المالِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إنْ تَرَكْتُ بابِي مَفْتُوحًا خَشِيتُ السُّرّاقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو ما تَكَلَّمَ بِهِ مِمّا ظَنَّهُ مِنَ السُّوءِ بِأخِيهِ المُسْلِمِ، فَإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَلا بَأْسَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يَأْثَمُ بِنَفْسِ ذَلِكَ الظَّنِّ وإنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِالحاءِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّجَسُّسُ والتَّحَسُّسُ واحِدٌ، وهو التَّبَحُّثُ، ومِنهُ الجاسُوسُ.
ورُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: التَّجَسُّسُ، بِالجِيمِ: البَحْثُ عَنْ عَوْراتِ النّاسِ، وبِالحاءِ: الِاسْتِماعُ لِحَدِيثِ القَوْمِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: التَّجَسُّسُ: البَحْثُ عَنْ عَيْبِ المُسْلِمِينَ وعَوْراتِهِمْ؛ فالمَعْنى: لا يَبْحَثْ أحَدُكم عَنْ عَيْبِ أخِيهِ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهِ إذْ سَتَرَهُ اللَّهُ.
وقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَذا الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقالَ: إنّا نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ، فَإنْ يَظْهَرْ لَنا شَيْءٌ نَأْخُذْهُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ أيْ: لا يَتَناوَلْ بَعْضُكم بَعْضًا بِظَهْرِ الغَيْبِ بِما يَسُوؤُهُ.
وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ ما الغِيبَةُ؟
قالَ: "ذَكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ" .
قالَ: أرَأيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ.
قالَ: "إنْ كانَ في أخِيكَ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ" .» ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ لِلْغِيبَةِ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ وقَرَأ نافِعٌ "مَيِّتًا" بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وبَيانُهُ أنَّ ذِكْرَكَ بِسُوءٍ مَن لَمْ يَحْضُرْ، بِمَنزِلَةِ أكْلِ لَحْمِهِ وهو مَيِّتٌ لا يُحِسُّ بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا تَأْكِيدٌ لِتَحْرِيمِ الغِيبَةِ، لِأنَّ أكْلَ لَحْمِ المُسْلِمِ مَحْظُورٌ، ولِأنَّ النُّفُوسَ تَعافُهُ مِن طَرِيقِ الطَّبْعِ، فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الغِيبَةُ بِمَنزِلَتِهِ في الكَراهَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "فَكُرِّهْتُمُوهُ" بِرَفْعِ الكافِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ: وقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلا تَفْعَلُوهُ، ومَن قَرَأ "فَكَرِهْتُمُوهُ" أيْ: فَقَدْ بُغِّضَ إلَيْكُمْ، والمَعْنى واحِدٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: كَما تَكْرَهُونَ أكْلَ لَحْمِهِ مَيِّتًا، فَكَذَلِكَ تَجَنَّبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غائِبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: في الغِيبَةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ ﴾ عَلى مَن تابَ رَحِيم بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآياتُ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في خَلْقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْرُونَ مَعَ شَهَواتِ نُفُوسِهِمْ، لَمْ يُقَوِّمْهم أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى ولا نَهْيٌ، فَكانَ الرَجُلُ يَسْخَرُ ويَلْمِزُ ويَنْبِزُ بِالألْقابِ ويَظُنُّ الظُنُونَ فَيَتَكَلَّمُ بِها ويَغْتابُ ويَفْتَخِرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أخْلاقِ النُفُوسِ الباطِلَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ .
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ لِهَذِهِ الآياتِ أسْبابًا، فَمِمّا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَمْشِي بِالمَدِينَةِ مُسَلَّحًا، فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: هَذا ابْنُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ، والقَوِيُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ تَقْوِيمًا لِسائِرِ الخَلْقِ، ولَوْ تَتَبَّعْتَ الأسْبابَ لَكانَتْ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى.
و"يَسْخَرُ" مَعْناهُ: يَسْتَهْزِئُ، والهُزْءُ إنَّما يَتَرَتَّبُ مَتى ضَعُفَ امْرُؤٌ إمّا لِصِغَرٍ وإمّا لِعِلَّةٍ حادِثَةٍ أو لِرَزِيَّةٍ أو لِنَقِيصَةٍ يَأْتِيها، فَيُنْهِي المُؤْمِنُونَ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ في هَذِهِ الأُمُورِ وغَيْرِها نَهْيًا عامًّا، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ خَيْرًا مِنَ الساخِرِ.
و"القَوْمُ" في كَلامِ العَرَبِ واقِعٌ عَلى الذُكْرانِ، وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ كالرَهْطِ وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ القِيامِ أو جَمْعِ قائِمٍ ضَعِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو زُهَيْرٌ: وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أقْوَمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟
وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ القَوْمِ بِالذُكْرانِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ الذُكْرانِ نِساءٌ فَيُقالُ لَهُمْ: "قَوْمٌ" عَلى تَغْلِيبِ حالِ الذُكُورِ، ثُمَّ نَهى تَعالى النِساءَ عَمّا نَهى عنهُ الرِجالَ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "عَسَوْا أنْ يَكُونُوا"و"عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ".
و"تَلْمِزُوا" مَعْناهُ: يَطْعَنُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذِكْرِ النَقائِصِ ونَحْوِهِ، وقَدْ يَكُونُ "اللَمْزُ" بِالقَوْلِ وبِالإشارَةِ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَفْهَمُهُ آخَرُ، و"الهَمْزُ" لا يَكُونُ إلّا بِاللِسانِ، وهو مُشَبَّهٌ بِالهَمْزِ بِالعُودِ ونَحْوِهِ مِمّا يَقْتَضِي المُماسَّةَ، قالَ الشاعِرُ: ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟
فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ "اللَمْزَ" ما كانَ في المَشْهَدِ، وأنَّ "الهَمْزَ" ما كانَ في المَغِيبِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ عَكْسٌ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: الهَمْزُ أنْ تَعِيبَ بِالحَضْرَةِ واللَمْزُ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ، ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَلْمِزُوا" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ بِضَمِّها، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: هي عَرَبِيَّةٌ، قِراءَتُنا بِالضَمِّ وأحْيانًا بِالكَسْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ، كَأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إذْ هم إخْوَةٌ فَهم كَما قالَ رَسُولُ اللهِ : « "كالجَسَدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى سائِرُهُ بِالسَهَرِ والحُمّى"،» وهم كَما قالَ أيْضًا: « "كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا".» و"التَنابُزُ": التَلَقُّبُ، والنَبْزُ واللَقَبُ واحِدٌ، إذِ اللَقَبُ هو ما يُعْرَفُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَكْرَهُ سَماعَها، ورُوِيَ «أنَّ بَنِي سَلَمَةَ كانُوا قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الألْقابُ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ رَجُلًا مِنهم فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَغْضَبُ مِن هَذا الِاسْمِ، ثُمَّ دَعا آخِرَ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ المُحَدِّثِينَ: سُلَيْمانُ الأعْمَشُ، وواصِلُ الأحْدَبُ.
ونَحْوُهُ مِمّا تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ ولَيْسَ فِيهِ قَصْدُ اسْتِخْفافٍ وأذًى، وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لِعَلْقَمَةَ: وتَقُولُ أنْتَ ذَلِكَ يا أعْوَرُ؟
وأسْنَدَ النَقّاشُ إلى عَطاءٍ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "كُفُّوا أولادَكُمْ"،» قالَ عَطاءٌ، مَخافَةُ الألْقابِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ.
مَعْنى: ﴿ وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ أيْ: لا يَقِلُّ أحَدٌ لِآخَرَ: يا يَهُودِيُّ بَعْدَ إسْلامِهِ، ولا يا "فاسِقُ" بَعْدَ تَوْبَتِهِ، ونَحْوُ هَذا، وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، وابْنَ أبِي حَدْرَدٍ تَلاحَيا، فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: يا أعْرابِيُّ، يُرِيدُ أنْ يُبْعِدَهُ مِنَ الهِجْرَةِ، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: يا يَهُودِيُّ؛ لِمُخالَطَةِ الأنْصارِ اليَهُودَ في يَثْرِبَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما بِئْسَ اسْمٌ تَكْتَسِبُونَهُ بِعِصْيانِكم ونَبْزِكم بِالألْقابِ فَتَكُونُونَ فُسّاقًا بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ إيمانِكُمْ، والثانِي بِئْسَ ما يَقُولُ الرَجُلُ لِأخِيهِ يا فاسِقُ بَعْدَ إيمانِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الفُسُوقُ والإيمانُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، ثُمَّ شَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمُ النَهْيَ بِأنْ حَكَمَ بِظُلْمِ مَن لَمْ يَتُبْ ويُقْلِعْ عن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي نَهى عنها.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَنِّ، وأنْ لا يَعْمَلُوا ولا يَتَكَلَّمُوا بِحَسَبِهِ لِما في ذَلِكَ وفي التَجَسُّسِ مِنَ التَقاطُعِ والتَدارِ وحَكَمَ عَلى بَعْضِهِ أنَّهُ إثْمٌ؛ إذْ بَعْضُهُ لَيْسَ بِإثْمٍ ولا يَلْزَمُ اجْتِنابَهُ، وهو ظَنُّ الخَيْرِ بِالناسِ، وحُسْنُهُ بِاللهِ تَعالى، والمَظْنُونُ مِن شَهاداتِ الشُهُودِ، والمَظْنُونُ بِهِ مِن أهْلِ الشَرِّ، فَإنَّ ذَلِكَ سُقُوطُ عَدالَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ هي مَن حُكْمِ الظَنِّ بِهِ، وظَنُّ الخَيْرِ بِالمُؤْمِنِ مَحْمُودٌ، والظَنُّ المَنهِيُّ عنهُ هو أنْ تَظُنَّ سُوءًا بِرَجُلٍ ظاهِرُهُ الصَلاحُ، بَلِ الواجِبُ يُزِيلُ الظَنَّ وحَكَمَهُ ويَتَأوَّلُ الخَيْرَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "إثْمٌ" مَعْناهُ: كَذِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيُّ : « "إيّاكم والظَنَّ فَإنَّ الظَنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ".» وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ﴾ أيّ إذا تَكَلَّمَ الظانُّ أثِمَ، وما لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهو في فُسْحَةٍ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ الخَواطِرِ الَّتِي يُبِيحُها قَوْلُ النَبِيِّ : « "الحَزْمُ سُوءُ الظَنِّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما زالَ أُولُو العِلْمِ يَحْتَرِسُونَ مِن سُوءِ الظَنِّ ويَسُدُّونَ ذَرائِعَهُ، قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: إنِّي لَأعُدُّ عُراقَ قِدْرِي مَخافَةَ الظَنِّ، وكانَ أبُو العالِيَةِ يَخْتِمُ عَلى بَقِيَّةِ طَعامِهِ مَخافَةَ سُوءِ الظَنِّ بِخادِمِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأمانَةُ خَيْرٌ مِنَ الخاتَمِ، والخاتَمُ خَيْرٌ مِن ظَنِّ السُوءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَجَسَّسُوا"، أيْ: لا تَبْحَثُوا عَلى مُخَبَّآتِ أُمُورِ الناسِ، وادْفَعُوا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، واجْتَزُّوا بِالظَواهِرِ الحَسَنَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والهُذَلِيُّونَ: "وَلا تَحَسَّسُوا" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: التَجَسُّسُ بِالجِيمِ- في الشَرِّ، والتَحَسُّسُ بِالحاءِ- في الخَيْرِ، وهَكَذا ورَدَ القُرْآنُ ولَكِنْ قَدْ يَتَداخَلانِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: التَجَسُّسُ: ما كانَ مِن وراءَ وراءَ، والتَحَسُّسُ: الدُخُولُ والِاسْتِعْلامُ، وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "وَلا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحاسَدُوا ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا".» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ حَدِيثَ حِراسَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ ابْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ووُجُودُهُما الشُرْبُ في رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثَهُ في ذَلِكَ مَعَ أبِي مِحْجَنٍ الثَقَفِيِّ، وقالَ زَيْدُ بْنُ وهْبٍ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟
فَقالَ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَجَسُّسِ، فَإنْ يَظْهَرْ لَنا أمْرٌ أخَذْنا بِهِ.
"وَلا يَغْتَبْ" مَعْناهُ: ولا يَذْكُرْ أحَدُكم مِن أخِيهِ شَيْئًا هو فِيهِ يَكْرَهُ سَماعَهُ، ورُوِيَ «أنَّ عائِشَةَ رِضى الله تَعالى عنها قالَتْ عَنِ امْرَأةٍ: ما رَأيْتُ أجْمَلَ مِنها إلّا أنَّها قَصِيرَةٌ، فَقالَ لَها النَبِيُّ : "اغْتَبْتَها، نَظَرْتَ إلى أسْوَأِ ما فِيها فَذَكَرْتَهُ"،» وقَدْ قالَ النَبِيُّ : « "إذا ذَكَرْتَ ما في أخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإذا ذَكَرْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "الغَيْبَةُ أنْ تَذَكُرَ المُؤْمِنَ بِما يَكْرَهُ"، قِيلَ: وإنْ كانَ حَقًّا؟
قالَ: إذا قُلْتَ باطِلًا فَذَلِكَ هو البُهْتانُ"،» وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وأبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ: إذا مَرَّ بِكَ رَجُلٌ أقْطَعُ فَقُلْتَ: ذَلِكَ الأقْطَعُ، كانَ ذَلِكَ غَيْبَةً، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن جابِرٍ عَنِ النَبِيِّ قالَ: « "الغَيْبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِنا، لِأنَّ الزانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَغْتابُ يَتُوبُ فَلا يُتابُ عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَحِلَّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَمُوتُ مَنِ اغْتَبْتَ، أو يَأْبى، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنِّي قَدِ اغْتَبْتُكَ فَحَلِّلْنِي، فَقالَ: إنِّي لا أُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللهُ، والغَيْبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن "غابَ يَغِيبُ"، وهي القَوْلُ في الغائِبِ، واسْتُعْمِلَتْ في المَكْرُوهِ، ولَمْ يَبُحْ في هَذا المَعْنى إلّا ما تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ كَتَجْرِيحِ الشُهُودِ، وفي التَعْرِيفِ لِمَنِ اسْتَنْصَحَ في الخِطابِ ونَحْوِهِ لِقَوْلِ النَبِيِّ : « "أمّا مُعاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ"،» وما يُقالُ في الفَسَقَةِ أيْضًا وفي وُلاةِ الجَوْرِ ويَقْصِدُ بِهِ التَحْذِيرَ مِنهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعَنِ الفاجِرِ تَرْعَوْنَ؟
اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ حَتّى يَعْرِفَهُ الناسُ إذا لَمْ تَذْكُرُوهُ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ: « "بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ".» ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى الغَيْبَةَ بِأكْلِ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ المَيِّتِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ الغَيْبَةَ بِأكْلِ اللَحْمِ، فَمِنهُ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: فَإذا لاقَيْتُهُ عَظَّمَنِي ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعَ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذْ أكَلُوا لَحْمِي وفَرْتُ لُحُومَهم ∗∗∗ وإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهم مَجْدا فَوَقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ فالجَوابُ عن هَذا: لا، وهم في حُكْمِ مَن يَقُولُها، فَخُوطِبُوا عَلى أنَّهم قالُوا: لا، فَقِيلَ لَهُمْ: "فَكَرِهْتُمُوهُ"، وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغَيْبَةَ الَّتِي هي نَظِيرُ ذَلِكَ، وعَلى هَذا المُقَدَّرِ يُعْطَفُ قَوْلُهُ: "واتَّقُوا اللهَ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الرُمّانِيُّ: كَراهِيَةُ هَذا اللَحْمِ يَدْعُو إلَيْها الطَبْعُ، وكَراهِيَةُ الغَيْبَةِ يَدْعُو إلَيْها العَقْلُ، وهو أحَقُّ أنْ يُجابَ لِأنَّهُ بَصِيرٌ عالِمٌ، والطَبْعُ أعْمى جاهِلٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيْتًا" بِسُكُونِ الياءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ بِكَسْرِهِا مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَكَرِهْتُمُوهُ" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الراءِ.
ورَواها أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ .
ثُمَّ أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ تَوّابٌ رَحِيمٌ إبْقاءً مِنهُ تَعالى وإمْهالًا وتَمْكِينًا مِنَ التَوْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أعيد النداء خامس مرة لاختلاف الغرض والاهتمام به وذلك أن المنهيات المذكورة بعد هذا النداء من جنس المعاملات السيئة الخفية التي لا يتفطن لها من عومل بها فلا يدفعها فما يزيلها من نفس من عامله بها.
ففي قوله تعالى: ﴿ اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ تأديب عظيم يبطل ما كان فاشياً في الجاهلية من الظنون السيئة والتهم الباطلة وأن الظنون السيئة تنشأ عنها الغيرة المفرطة والمكائد والاغتيالات، والطعن في الأنساب، والمبادأة بالقتال حذراً من اعتداء مظنون ظناً باطلاً، كما قالوا: خذ اللص قبْلَ أن يَأخُذَك.
وما نجمت العقائد الضالة والمذاهب الباطلة إلا من الظنون الكاذبة قال تعالى: ﴿ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران: 154] وقال: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ [الزخرف: 20] وقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء ﴾ [الأنعام: 148] ثم قال: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ [الأنعام: 148].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» ولما جاء الأمر في هذه الآية باجتناب كثير من الظن علمنا أن الظنون الآثمة غير قليلة، فوجب التمحيص والفحص لتمييز الظن الباطل من الظن الصادق.
والمراد ب ﴿ الظن ﴾ هنا: الظن المتعلق بأحوال الناس وحذف المتعلّق لتذهب نفس السامع إلى كل ظن ممكن هو إثم.
وجملة ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ استئناف بياني لأن قوله: ﴿ اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ يستوقف السامع ليتطلب البيان فأعلموا أن بعض الظن جرم، وهذا كناية عن وجوب التأمل في آثار الظنون ليعرضوا ما تفضي إليه الظنون على ما يعلمونه من أحكام الشريعة، أو ليسألوا أهل العلم على أن هذا البيان الاستئنافي يقتصر على التخويف من الوقوع في الإثم.
وليس هذا البيان توضيحاً لأنواع الكثير من الظن المأمور باجتنابه، لأنها أنواع كثيرة فنبه على عاقبتها وتُرك التفصيل لأن في إبهامه بعثاً على مزيد الاحتياط.
ومعنى كونه إثماً أنه: إمّا أن ينشأ على ذلك الظن عمل أو مجرد اعتقاد، فإن كان قد ينشأ عليه عمل من قول أو فعل كالاغتياب والتجسس وغير ذلك فليقدِّر الظانّ أن ظنه كاذب ثم لينظر بعدُ في عمله الذي بناه عليه فيجده قد عامل به من لا يستحق تلك المعاملة من اتهامه بالباطل فيأثم مما طوى عليه قلبه لأخيه المسلم، وقد قال العلماء: إن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز.
وإن لم ينشأ عليه إلا مجرد اعتقاد دون عمل فليقدِّر أن ظنه كان مخطئاً يجد نفسه قد اعتقد في أحد ما ليس به، فإن كان اعتقادا في صفات الله فقد افترى على الله وإن كان اعتقاداً في أحوال الناس فقد خسر الانتفاع بمن ظنه ضاراً، أو الاهتداء بمن ظنه ضالاً، أو تحصيل العلم ممن ظنه جاهلاً ونحو ذلك.
ووراء ذلك فالظن الباطل إذا تكررت ملاحظته ومعاودة جولانه في النفس قد يصير علماً راسخاً في النفس فتترتب عليه الآثار بسهولة فتصادف من هو حقيق بضدها كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أن تُصِيبُوا قوما بجهالة فتُصبحُوا على ما فعلتم نادمين ﴾ [الحجرات: 6].
والاجتناب: افتعال مِن جنَّبه وأجنبه، إذا أبعده، أي جعله جانباً آخر، وفعله يُعدّى إلى مفعولين، يقال: جَنبه الشرَّ، قال تعالى: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيّ أن نعبد الأصنام ﴾ [إبراهيم: 35].
ومطاوعه اجتَنب، أي ابتعد، ولم يسمع له فعل أمر إلا بصيغة الافتعال.
ومعنى الأمر باجتناب كثير من الظن الأمر بتعاطي وسائل اجتنابه فإن الظن يحصل في خاطر الإنسان اضطراراً عن غير اختيار، فلا يعقل التكليف باجتنابه وإنما يراد الأمر بالتثبت فيه وتمحيصه والتشكك في صدقه إلى أن يتبين موجبه بدون تردد أو برجحان أو يتبين كذبه فتكذب نفسك فيما حدثتك.
وهذا التحذير يراد منه مقاومة الظنون السيئة بما هو معيارها من الأمارات الصحيحة.
وفي الحديث «إذا ظننتم فلا تحققوا» على أن الظن الحسن الذي لا مستند له غير محمود لأنه قد يوقع فيما لا يحد ضره من اغترار في محل الحذر ومن اقتداء بمن ليس أهلاً للتأسي.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية حين مات في بيتها عثمان بن مظعون وقال: «رحمة الله عليك أبا السايب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله وما يدريككِ أن الله أكرمه.
فقالت: يا رسول الله ومن يكرمه الله؟
فقال: أمَّا هو فقد جاءه اليقين وإنّي أرجو له الخير وإنّي والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي.
فقالت أم عطية: والله لا أزكّي بعده أحداً» وقد علم من قوله: ﴿ كثيراً من الظن ﴾ وتبيينِه بأن بعض الظن إثم أن بعضاً من الظن ليس إثماً وأنا لم نؤمر باجتناب الظن الذي ليس بإثم لأن ﴿ كثيراً ﴾ وصف، فمفهوم المخالفة منه يدلّ على أن كثيراً من الظنّ لم نؤمر باجتنابه وهو الذي يبينه ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ أي أن بعض الظن ليس إثماً، فعلى المُسلم أن يكون معيارُه في تمييز أحد الظنين من الآخر أن يعرضه على ما بينته الشريعة في تضاعيف أحكامها من الكتاب والسنة وما أجمعت عليه علماء الأمة وما أفاده الاجتهاد الصحيح وتتبع مقاصد الشريعة، فمنه ظن يجب اتباعه كالحَذر من مكائد العدّو في الحرب، وكالظنّ المستند إلى الدليل الحاصل من دلالة الأدلة الشرعية، فإن أكثر التفريعات الشرعية حاصلة من الظن المستند إلى الأدلة.
وقد فتح مفهوم هذه الآية باب العمل بالظن غير الإثم إلا أنها لا تقوم حجة إلاّ على الذين يَرون العمل بمفهوم المخالفة وهو أرجح الأقوال فإن معظم دلالات اللغة العربية على المفاهيم كما تقرر في أصول الفقه.
وأما الظن الذي هو فهم الإنسان وزكانته فذلك خاطر في نفسه وهو أدْرَى فمعتاده منه من إصابه أو ضدها قال أوس بن حجر: الألمعيُ الذي يظن بك الظ *** ن كأن قَدْ رأى وقد سمِعا ﴿ إِثْمٌ وَلاَ ﴾ .
التجسس من آثار الظن لأن الظن يبعث عليه حين تدعو الظانَّ نفسُه إلى تحقيق ما ظنه سراً فيسلك طريق التجنيس فحذرهم الله من سلوك هذا الطريق للتحقق ليسلكوا غيره إن كان في تحقيق ما ظن فائدة.
والتجسّس: البحث بوسيلة خفيّة وهو مشتق من الجس، ومنه سمي الجاسوس.
والتجسّس من المعاملة الخفية عن المتجسس عليه.
ووجه النهي عنه أنه ضرب من الكيد والتطلع على العورات.
وقد يرى المتجسس من المتجسس عليه ما يسوءه فتنشأ عنه العداوة والحقد.
ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش.
وذلك ثلم للأخوة الإسلامية لأنه يبعث على إظهار التنكر ثم إن اطلع المتجسس عليه على تجسس الآخر ساءه فنشأ في نفسه كره له وانثلمت الأخوة ثلمة أخرى كما وصفنا في حال المتجسِّس، ثم يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه.
وإذ قد اعتبر النهي عن التجسس من فروع النهي عن الظن فهو مقيد بالتجسس الذي هو إثم أو يفضي إلى الإثم، وإذا علم أنه يترتب عليه مفسدة عامة صار التجسس كبيرة.
ومنه التجسس على المسلمين لمن يبتغي الضُرّ بهم.
فالمنهي عنه هو التجسس الذي لا ينجرّ منه نفع للمسلمين أو دفع ضر عنهم فلا يشمل التجسس على الأعداء ولا تجسس الشُرَط على الجناة واللصوص.
﴿ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ﴾ .
الاغتياب: افتعال من غَابه المتعدي، إذا ذَكره في غيبه بما يسوءه.
فالاغتياب ذكر أحد غائب بما لا يُحب أن يُذكَر به، والاسم منه الغِيبة بكسر الغين مثل الغِيلة.
وإنما يكون ذكره بما يكره غيبه إذا لم يكن ما ذكره به مما يثلم العِرض وإلا صار قذعا.
وإنما قال: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ دون أن يقول: اجتنبوا الغيبة.
لقصد التوطئة للتمثيل الوارد في قوله: ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ﴾ لأنه لما كان ذلك التمثيل مشتملاً على جانب فاعل الاغتياب ومفعولِه مُهّد له بما يدلّ على ذاتين لأن ذلك يزيد التمثيل وضوحاً.
والاستفهام في ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ﴾ تقريري لتحقق أن كل أحد يقر بأنه لا يحب ذلك، ولذلك أجيب الاستفهام بقوله: ﴿ فكرهتموه ﴾ .
وإنما لم يرد الاستفهام على نفي محبة ذلك بأن يقال: ألا يحب أحدكم، كما هو غالب الاستفهام التقريري، إشارة إلى تحقق الإقرار المقرَّر عليه بحيث يترك للمقرّر مجالاً لعدم الإقرار ومع ذلك لا يسعه إلا الإقرار.
مثُلّت الغيبة بأكل لحم الأخ الميت وهو يستلزم تمثيل المولوع بها بمحبة أكل لحم الأخ الميت، والتمثيل مقصود منه استفظاع الممثَّل وتشويهه لإفادة الإغلاظ على المغتابين لأن الغيبة متفشية في الناس وخاصة في أيام الجاهلية.
فشبهت حالة اغتياب المسلم مَن هو أخوه في الإسلام وهو غائب بحالة أكل لحم أخيه وهو ميت لا يدافع عن نفسه، وهذا التمثيل للهيئة قابل للتفريق بأن يشبه الذي اغتاب بآكل لحم، ويشبه الذي اغتيب بأخ، وتشبه غَيْبته بالمَوت.
والفاء في قوله: ﴿ فكرهتموه ﴾ فاء الفصيحة، وضمير الغائب عائد إلى ﴿ أحدكم ﴾ ، أو يعود إلى ﴿ لحم ﴾ .
والكراهة هنا: الاشمئزاز والتقذر.
والتقدير: إن وقع هذا أو إن عرض لكم هذا فقد كرهتموه.
وفاء الفصيحة تفيد الإلزام بما بعدها كما صرح به الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ فقد كذبوكم بما تقولون ﴾ في سورة الفرقان، أي تدل على أن لا مناص للمواجه بها من التزام مدلول جواب شرطها المحذوف.
والمعنى: فتعيّن إقراركم بما سئلتم عنه من الممثَّل به (إذ لا يستطاع جَحْدَهُ) تحققتْ كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أن تكرهوا نظيره الممثَّل وهو الغِيبة فكأنه قيل: فاكرهوا الممثل كما كرهتم الممثل به.
وفي هذا الكلام مبالغات: منها الاستفهام التقريري الذي لا يقع إلا على أمر مسلّم عند المخاطب فجعلك للشيء في حيّز الاستفهام التقريري يقتضي أنك تدّعي أنه لا ينكره المخاطب.
ومنها جعل ما هو شديد الكراهة للنفس مفعولاً لفعل المحبة للإشعار بتفظيع حالة ما شبه به وحالة من ارتضاه لنفسه فلذلك لم يقل: أيَتحمل أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، بل قال: ﴿ أيحب أحدكم ﴾ .
ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ احد ﴾ للإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك.
ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتّى جَعل الإنسان أخاً.
ومنها أنه لم يقتصر على كون المأكول لحم الأخ حتى جعل الأخَ ميتاً.
وفيه من المحسنات الطباق بين ﴿ أيحب ﴾ وبين ﴿ فكرهتموه ﴾ .
والغِيبة حرام بدلالة هذه الآية وآثار من السنة بعضها صحيح وبعضها دونه.
وذلك أنها تشتمل على مفسدة ضُعف في أخوة الإسلام.
وقد تبلغ الذي اغتيب فتقدح في نفسه عداوة لمن اغتابه فينثلم بناء الأخوة، ولأن فيها الاشتغال بأحوال الناس وذلك يلهي الإنسان عن الاشتغال بالمهم النافع له وترك ما لا يعنيه.
وهي عند المالكية من الكبائر وقلّ من صرح بذلك، لكن الشيخ عليّاً الصعيدي في «حاشية الكفاية» صرح بأنها عندنا من الكبائر مطلقاً.
ووجهُه أن الله نهَى عنها وشنّعها.
ومُقتضى كلام السجلماسي في كتاب «العمل الفاسي» أنها كبيرة.
وجعلها الشافعية من الصغائر لأن الكبيرة في اصطلاحهم فِعل يؤذن بقلة اكتراث فاعله بالدين ورقة الديانة كذا حدّها إمامُ الحرمين.
فإذا كان ذلك لوجه مصلحة مثل تجريح الشهود ورواة الحديث وما يقال للمستشير في مخالطة أو مصاهرة فإن ذلك ليس بغِيبة، بشرط أن لا يتجاوز الحد الذي يحصل به وصف الحالة المسؤول عنها.
وكذلك لا غيبة في فاسق بذكر فسقه دون مجاهرة له به.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما استؤذن عنده لعُيينة بن حصن ﴿ بئس أخو العشيرة ﴾ ليحذّره من سمعه إذ كان عيينة يومئذ منحرفاً عن الإسلام.
وعن الطبري صاحب «العُدة» في فروع الشافعية أنها صغيرة، قال المحلي وأقره الرافعي ومن تبعه.
قلت: وذكر السجلماسي في نظمه في المسائل التي جرى بها عمل القضاة في فاس فقال: ولا تجرح شاهداً بالغيبه *** لأنها عمت بها المصيبه وذكر في شرحه: أن القضاة عملوا بكلام الغزالي.
وأما عموم البلوى فلا يوجب اغتفار ما عمّت به إلاّ عند الضرورة والتعذر كما ذكر ذلك عن أبي محمد بن أبي زيد.
وعندي: أن ضابط ذلك أن يكثر في الناس كثرةً بحيث يصير غير دالّ على استخفاف بالوازع الديني فحيئذٍ يفارقها معنى ضعف الديانة الذي جعله الشافعية جزءاً من ماهية الغِيبة.
﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ ﴾ .
عطف على جُمل الطلب السابقة ابتداء من قوله: ﴿ اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ هذا كالتذييل لها إذ أمر بالتقوى وهي جُماع الاجتناب والإمتثال فمن كان سالماً من التلبس بتلك المنهيات فالأمر بالتقوى يجنبه التلبس بشيء منها في المستقبل، ومن كان متلبساً بها أو ببعضها فالأمر بالتقوى يجمع الأمر بالكف عما هو متلبس به منها.
وجملة ﴿ إن الله تواب رحيم ﴾ تذييل للتذييل لأن التقوى تكون بالتوبة بعد التلبس بالإثم فقيل: ﴿ إن الله تواب ﴾ وتكون التقوى ابتداء فيرحم الله المتقي، فالرحيم شامل للجميع.
<div class="verse-tafsir"
بِالمُسْلِمِ تَوَهُّمًا مِن غَيْرِ أنْ تَعْلَمَهُ يَقِينًا.
﴿ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ظَنَّ السَّوْءِ.
الثّانِي: أنْ يَتَكَلَّمَ بِما ظَنَّهُ فَيَكُونُ إثْمًا، فَإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ لَمْ يَكُنْ إثْمًا، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
﴿ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو أنْ يَتَّبِعَ عَثَراتِ المُؤْمِنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: هو البَحْثُ عَمّا خَفِيَ حَتّى يَظْهَرَ، قالَهُ الأوْزاعِيُّ.
وَفِي التَّجَسُّسِ والتَّحَسُّسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَرَأ الحَسَنُ بِالحاءِ.
وَقالَ الشّاعِرُ تَجَنَّبَتْ سُعْدى أنْ تَشِيدَ بِذِكْرِها إذا زُرْتَ سُعْدى الكاشِحَ المُتَحِسِّسَ وَقالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: الجاسُوسُ: صاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ، والنّامُوسُ صاحِبُ سِرِّ الخَيْرِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّجَسُّسَ بِالجِيمِ هو البَحْثُ، ومِنهُ قِيلَ رَجُلٌ جاسُوسٌ إذا كانَ يَبْحَثُ عَنِ الأُمُورِ وبِالحاءِ هو ما أدْرَكَهُ الإنْسانُ بِبَعْضِ حَواسِّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالحاءِ أنْ يَطْلُبَهُ لِنَفْسِهِ وبِالجِيمِ أنْ يَكُونَ رَسُولًا لِغَيْرِهِ.
والتَّجَسُّسُ أنْ يَجُسَّ الأخْبارَ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ.
﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ والغِيبَةُ: ذِكْرُ العَيْبِ بِظَهْرِ الغَيْبِ، قالَ الحَسَنُ: الغِيبَةُ ثَلاثَةٌ كُلُّها في كِتابِ اللَّهِ: الغِيبَةُ والإفْكُ والبُهْتانُ، فَأمّا الغِيبَةُ، فَأنْ تَقُولَ في أخِيكَ ما هو فِيهِ.
وَأمّا الإفْكُ، فَأنْ تَقُولَ فِيهِ ما بَلَغَكَ عَنْهُ.
وَأمّا البُهْتانُ فَأنْ تَقُولَ فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ.
وَرَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الغِيبَةِ قالَ: (هُوَ أنْ تَقُولَ لِأخِيكَ ما فِيهِ فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ كُنْتَ كاذِبًا فَقَدْ بَهَتَّهُ» .
﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ كَما يَحْرُمُ أكْلُ لَحْمِهِ مَيْتًا يَحْرُمُ غِيبَتُهُ حَيًّا.
الثّانِي: كَما يَمْتَنِعُ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَمْتَنِعَ عَنْ غِيبَتِهِ حَيًّا، قالَهُ قَتادَةُ.
واسْتَعْمَلَ أكْلَ اللَّحْمِ مَكانَ الغِيبَةِ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ بِذَلِكَ جارِيَةٌ قالَ الشّاعِرُ فَإنْ أكَلُوا لَحْمِي وفَّرْتُ لُحُومَهم ∗∗∗ وإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهم مَجْدًا ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَكَرِهْتُمْ أكْلَ المَيْتَةِ، كَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغِيبَةَ.
الثّانِي: فَكَرِهْتُمْ أنْ يَعْلَمَ بِكُمُ النّاسُ فاكْرَهُوا غِيبَةَ النّاسِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ قال: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءاً.
وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك» .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه إن الله يقول ﴿ اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن طلحة بن عبد الله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الظن يخطئ ويصيب» .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيراً» .
وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.
وأخرج البيهقي في الشعب عن سعيد بن المسيب قال: كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ومن كتم سره كانت الخيرة في يده وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحق فيهينك الله، ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون، ولا تضع حديثك إلا عند من يشتهيه، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن الخطاب قال: من تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً، وكن في اكتساب الاخوان فإنهم جنة عند الرخاء وعدة عند البلاء، وآخِ الإِخوان على قدر التقوى، وشاور في أمرك الذين يخافون الله.
وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والبخاري في الأدب عن سلمان قال: إني لأعد العراق على خادمي مخافة الظن.
وأخرج البخاري في الأدب عن أبي العالية قال: كنا نؤمر أن نختم على الخادم ونكيل ونعدها كراهية أن يتعودوا خلق سوء، ويظن أحدنا ظن سوء.
وأخرج الطبراني عن حارثة بن النعمان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن فقال رجل ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟
قال: إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامضِ» .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه عز وجل، إن الله تعالى يقول: ﴿ اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ » .
أما قوله تعالى: ﴿ ولا تجسسوا ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تجسسوا ﴾ قال: نهى الله المؤمن أن يتبع عورات أخيه المؤمن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تجسسوا ﴾ قال: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هل تدرون ما التجسس؟
هو أن تتبع عيب أخيك فتطلع على سره.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس مع عمر بن الخطاب ليلة المدينة، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجافٍ على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟
قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب، فما ترى؟
قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: ﴿ ولا تجسسوا ﴾ فقد تجسسنا، فانصرف عنهم وتركهم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي أن عمر بن الخطاب فقد رجلاً من أصحابه فقال لابن عوف: انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر، فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحاً وهو جالس وامرأته تصب له في إناء فتناوله إياه، فقال عمر لابن عوف: هذا الذي شغله عنا، فقال ابن عوف لعمر وما يدريك ما في الإِناء؟
فقال عمر: إنا نخاف أن يكون هذا التجسس، قال: بل هو التجسس، قال: وما التوبة من هذا؟
قال: لا تعلمه بما أطلعت عليه من أمره، ولا يكونن في نفسك إلا خير، ثم انصرفا.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: إن فلاناً لا يصحو، فدخل عليه عمر رضي الله عنه، فقال: إني لأجد ريح شراب يا فلان، أنت بهذا؟
فقال الرجل: يا ابن الخطاب وأنت بهذا، ألم ينهك الله أن تتجسس؟
فعرفها عمر فانطلق وتركه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن زيد بن وهب قال: أتي ابن مسعود رضي الله عنه فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال عبدالله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه «عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان في قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من اتبع عورات المسلمين فضحه الله في قعر بيته» .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنى، فتسوّر عليه، فوجد عنده امرأة وعنده خمر، فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته، فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على أن أكون عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث.
قال الله: ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد تجسست، وقال: ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها ﴾ [ البقرة: 189] وقد تسوّرت عليَّ ودخلت عليَّ بغير إذن، وقال الله: ﴿ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ [ النور: 27] قال عمر رضي الله عنه: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟
قال: نعم، فعفا عنه وخرج وتركه.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي «عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في الخدر ينادي بأعلى صوته يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإِيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته» .
وأخرج ابن مردويه «عن بريدة رضي الله عنه قال: صلينا الظهر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انفتل أقبل علينا غضبان متنفراً ينادي بصوت يسمع العواتق في جوف الخدور يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه لا تذموا المسلمين، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من يطلب عورة أخيه المسلم هتك الله ستره وأبدى عورته ولو كان في جوف بيته» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإِيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته حتى يخرقها عليه في بطن بيته» .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أشاد على مسلم عورته يشينه بها بغير حق شانه الله بها في الخلق يوم القيامة» .
وأخرج الحاكم والترمذي عن جبير بن نفير قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بالناس صلاة الصبح فلما فرغ أقبل بوجهه على الناس رافعاً صوته حتى كاد يسمع من في الخدور وهو يقول: «يا معشر الذين أسلموا بألسنتهم، ولم يدخل الإِيمان في قلوبهم لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عثراتهم، فإنه من يتبع عثرة أخيه المسلم يتبع الله عثرته، ومن يتبع الله عثرته يفضحه وهو في قعر بيته، فقال قائل يا رسول الله: وهل على المسلمين من ستر؟
فقال صلى الله عليه وسلم: ستور الله على المؤمن أكثر من أن تحصى، إن المؤمن ليعمل الذنوب فتهتك عنه ستوره ستراً ستراً حتى لا يبقى عليه منها شيء، فيقول الله للملائكة استروا على عبدي من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس، فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار، فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة: ربنا إنه قد غلبنا واعذرنا فيقول الله استروا عبدي من الناس، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار، فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة يا ربنا: إنه قد غلبنا وأعذرنا، فيقول الله استروا عبدي من الناس فإن الناس يعيّرون ولا يغيّرون، فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس، فإن تاب قبل الله منه، وإن عاد قالت الملائكة: ربنا إنه قد غلبنا وأعذرنا، فيقول الله للملائكة: تخلو عنه فلو عمل ذنباً في بيت مظلم في ليلة مظلمة في حجر أبدى الله عنه وعن عورته» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: المؤمن في سبعين حجاباً من نور، فإذا عمل خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجاب من تلك الحجب، فلا يزال كلما عمل خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجاب من تلك الحجب، فإذا عمل كبيرة من الكبائر هتك عنه تلك الحجب كلها إلا حجاب الحياء، وهو أعظمها حجاباً، فإن تاب تاب الله عليه ورد تلك الحجب كلّها، فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل الأخرى قبل أن يتوب هتك حجاب الحياء فلم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً، فإذا كان مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً، فإذا كان خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا فظاً غليظاً، فإذا كان فظاً غليظاً نزعت منه ربقة الإِسلام، فإذا نزعت منه ربقة الإِسلام لم تلقه إلا لعيناً ملعناً شيطاناً رجيماً.
قوله تعالى: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ الآية.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ الآية قال: حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ الآية قال: زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسي أكل ثم رقد فنفخ فذكر رجلان أكله ورقاده فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما، وأن سلمان نام يوماً فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا: ما يريد سلمان شيئاً غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما إداماً، فانطلق، فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك، قال: ما يصنع أصحابك بالأدم قد ائتدموا؟
فرجع سلمان فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا.
قال: إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما فنزلت ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية في رجل كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل بعض الصحابة إليه يطلب منه إداماً فمنع، فقالوا له: إنه لبخيل وخيم، فنزلت في ذلك.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ قال: أن يقول للرجل من خلفه هو كذا يسيء الثناء عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضاً ﴾ قال: ذكر لنا أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه وتعيبه بما فيه، فإن أنت كذبت عليه فذاك البهتان يقول كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها فكذلك فأكره لحمها وهو حي.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قيل يا رسول الله: ما الغيبة؟
قال ذكرك أخاك بما يكره قال يا رسول الله: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .
وأخرج عبد بن حميد والخرائطي في مساوي الأخلاق عن المطلب بن حنطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغيبة أن تذكر المرء بما فيه فقال إنما كنا نرى أن نذكره بما ليس فيه ذاك البهتان» .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة «أن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرجت، فقالت عائشة يا رسول الله: ما أجملها وأحسنها لولا أن بها قصراً، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اغتبتيها يا عائشة، فقالت يا رسول الله: إنما قلت شيئاً هو بها.
فقال يا عائشة إذا قلت شيئاً بها فهي غيبة، وإذا قلت ما ليس بها فقد بهتها» .
وأخرج عبد بن حميد عن عون بن عبدالله قال: إذا قلت للرجل بما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته.
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة قال: لو مر بك أقطع فقلت هذا الأقطع كانت غيبة.
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه ذكر عنده رجل فقال: ذاك الأسود، قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ قالوا: نكره ذلك.
قال: فاتقوا الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والخرائطي في مساوي الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان «عن عائشة قالت: لا يغتب بعضكم بعضاً فإني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت امرأة طويلة الذيل، فقلت يا رسول الله: إنها الطويلة الذيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الفظي فلفظت بضعة لحم» .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لحق قوماً فقال لهم: تخللوا، فقال القوم والله يا نبي الله ما طعمنا اليوم طعاماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله: إني لأرى لحم فلان بين ثناياكم، وكانوا قد اغتابوه» .
وأخرج الضياء المقدسي في المختارة عن أنس قال: «كانت العرب يخدم بعضها بعضاً في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمها فناما فاستيقظا ولم يهيء لهما طعاماً فقالا إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا: إئتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأذناك، فقال: إنهما إئتدما فجاءاه، فقالا يا رسول الله: بأي شيء إئتدمنا؟
قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما، فقالا: إستغفر لنا يا رسول الله.
قال: مراه فليستغفر لكما» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول «عن يحيى بن أبي كثير أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ومعه أبو بكر وعمر، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه لحماً، فقال: أو ليس قد ظللتم من اللحم شباعاً؟
قالوا: من أين فوالله ما لنا باللحم عهد منذ أيام، فقال: من لحم صاحبكم الذي ذكرتم.
قالوا يا نبي الله: إنما قلنا إنه لضعيف ما يعيننا على شيء.
قال: ذلك فلا تقولوا فرجع إليهم الرجل فأخبرهم بالذي قال، فجاء أبو بكر، فقال يا نبي الله طاعلى صماخي واستغفر لي ففعل، وجاء عمر فقال: يا نبي الله طاعلى صماخي واستغفر لي ففعل» .
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له لحمه في الآخرة فيقال له كله ميتاً كما أكلته حياً فإنه ليأكله ويكلح ويصيح» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه «عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس، فجاء منهما رسول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إن هاهنا امرأتين صامتا وقد كادتا أن تموتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني بهما فجاءتا فدعا بعس أو قدح، فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، وقال للأخرى قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس» .
وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة أنها سألت عن الغيبة فأخبرت أنها أصبحت يوم الجمعة وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وأتتها جارة لها من نساء الأنصار فاغتابتا وضحكتا برجال ونساء فلم يبرحا على حديثهما من الغيبة حتى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم منصرفاً من الصلاة، فلما سمعتا صوته سكتتا، فلما قام بباب البيت ألقى طرف ردائه على أنفه، ثم قال: أفّ أخرجا فاستقيئا ثم طهرا بالماء، فخرجت أم سلمة فقاءت لحماً كثيراً قد أحيل، فلما رأت كثرة اللحم تذكرت أحدث لحم أكلته فوجدته في أول جمعتين مضتا، فسألها عما قاءت فأخبرته، فقال: ذاك لحم ظللت تأكلينه فلا تعودي أنت ولا صاحبتك فيما ظللتما فيه من الغيبة، وأخبرتها صاحبتها أنها قاءت مثل الذي قاءت من اللحم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي مالك الأشعري عن كعب بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن حرام على المؤمن لحمه عليه حرام أن يأكله ويغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه» .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري في الأدب وأبو يعلى وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح «عن أبي هريرة أن ماعزاً لما رجم سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسار النبي صلى الله عليه وسلم ثم مر بجيفة حمار فقال: أين فلان وفلان إنزلا فكلا من جيفة هذا الحمار فقالا: وهل يؤكل هذا؟
قال: فإنا أكلتكما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبخاري في الأدب والخرائطي عن عمرو بن العاص أنه مر على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل من لحم رجل مسلم.
وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال: إنهما لا يعذبان في كبير، وبكى، أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول فدعا بجريدة رطبة فكسرها، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر فقال: أما إنه سيهون من عذابهما ما كانا رطبتين» .
وأخرج البخاري في الأدب عن ابن مسعود قال: من اغتيب عنده مؤمن فنصره جزاه الله بها خيراً في الدنيا والآخرة، ومن اغتيب عنده فلم ينصره جزاه الله بها في الدنيا والآخرة شراً، وما التقم أحد لقمة شراً من اغتياب مؤمن، إن قال فيه ما يعلم فقد إغتابه، ومن قال فيه ما لا يعلم فقد بهته.
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون الناس» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع في الرجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً وقم عنهم، ثم تلا هذه الآية ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ﴾ » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الربا نيف وسبعون باباً أهونهن باباً مثل من نكح أمه في الإِسلام، ودرهم الربا أشد من خمس وثلاثين زنية، وأشر الربا وأربى وأخبث الربا انتهاك عرض المسلم وانتهاك حرمته» .
وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» .
وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي وأبو يعلى والطبراني والحاكم عن المستورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسي برجل مسلم ثوباً فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة أو رياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يصوموا يوماً ولا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: ظللت منذ اليوم صائماً فأذن لي فلأفطرن فيأذن له، حتى جاء رجل فقال يا رسول الله إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين فأذن لهما فليفطرا فأعرض عنه، ثم أعاد عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس، اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا ففعلتا فقاءت كل واحدة منهما علقمة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو صامتا وبقي فيهما لأكلتهما النار» .
وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لا يتوضأ أحدكم من الكلمة الخبيثة يقولها لأخيه ويتوضأ من الطعام الحلال.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما قالا: الحدث حدثان حدث من فيك وحدث من نومك، وحدث الفم أشد الكذب والغيبة.
وأخرج البيهقي عن إبراهيم قال: الوضوء من الحدث وأذى المسلم.
وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: أعيدا وضوءكما وصلاتكما وأمضيا في صومكما، واقضيا يوماً آخر مكانه، قالا: لم يا رسول الله؟
قال: قد اغتبتما فلاناً» .
وأخرج الخرائطي وابن مردويه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أقبلت امرأة قصيرة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، قالت: فأشرت بإبهامي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد اغتبتها» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلاً قام من عند النبي صلى الله عليه وسلم فرؤي في مقامه عجز، فقال بعضهم: ما أعجز فلاناً: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أكلتم الرجل واغتبتموه» .
وأخرج البيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما أعجز!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إغتبتم الرجل، قالوا يا رسول الله: قلنا ما فيه، قال: لو قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه» .
وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القوم رجلاً فقالوا: ما يأكل إلا ما أطعم، ولا يرحل إلا ما رحل له، وما أضعفه!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إغتبتم أخاكم.
قالوا يا رسول الله: وغيبة بما يحدث فيه؟
فقال: بحسبكم أن تحدثوا عن أخيكم بما فيه» .
وأخرج أبو داود والدارقطني في الأفراد والخرائطي والطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم، ولكنها الحسنات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذكروا الله فإن العبد إذا قال سبحان الله وبحمده كتب الله له بها عشراً، ومن عشر إلى مائة، ومن مائة إلى ألف، ومن زاد زاده الله، ومن استغفر غفر الله له، ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط من الله، ومن قذف مؤمناً أو مؤمنة حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج، ومن مات وعليه دين اقتص من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يرمي رجلاً بكلمة تشينه إلا حبسه الله يوم القيامة في طينة الخبال حتى يأتي منها بالمخرج» .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: بلغني أنه يقال للعبد يوم القيامة: قم فخذ حقك من فلان، فيقول: ما لي قبله حق، فيقال: بلى ذكرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغيبة أشد من الزنا، قالوا يا رسول الله: وكيف الغيبة أشد من الزنا؟
قال: إن الرجل ليزني فيتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه» .
وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغيبة أشد من الزنا، فإن صاحب الزنا يتوب وصاحب الغيبة ليس له توبة» .
وأخرج البيهقي من طريق غياث بن كلوب الكوفي عن مطرف عن سمرة بن جندب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض البيت اللحم» فسألت مطرفاً ما يعني باللحم؟
قال: الذي يغتاب فيه الناس.
وبإسناده عن أبيه قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بين يدي حجام، وذلك في رمضان، وهما يغتابان رجلاً، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم» .
قال البيهقي: غياث هذا مجهول.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أربى الربا إستطالة المرء في عرض أخيه» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال: إذا اغتاب رجل رجلاً فلا يخبره به ولكن يستغفر الله.
وأخرج البيهقي بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن شعبة قال: الشكاية والتحذير ليسا من الغيبة.
وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ثلاثة ليست لهم غيبة الإِمام الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته.
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: ليس لأهل البدع غيبة.
وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي.
وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» .
وأخرج البيهقي وضعفه من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أترعون عن ذكر الفاجر؟
أذكروه بما فيه كي يعرفه الناس ويحذره الناس» .
وأخرج البيهقي عن الحسن البصري قال: ثلاثة ليس لهم حرمة في الغيبة: فاسق معلن الفسق، والأمير الجائر، وصاحب البدعة المعلن البدعة.
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة فترجح السيئات، فتجيء بطاقة فتوضع في كفة الحسنات فترجح بها، فيقول يا رب ما هذه البطاقة؟
فما من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا وقد استقبلت به، فقيل: هذا ما قيل فيك وأنت منه بريء فينجو بذلك» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: البهتان على البريء أثقل من السموات.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ وهو أن يظن بأخيه المسلم سوءاً [كأنه] (١) ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ يعني: ما أعلن وأبدى مما ظن بأخيه، هذا قول المقاتلين (٢) وقال أبو إسحاق: أمر الله باجتناب كثير من الظن وهو أن يظن بأهل الخير سوءاً، فأما أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم (٣) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ قال الليث: الجَسُّ: جَسُّ الخَبَر، والجَاسُوسُ: العينُ يَتَجَسَّسُ الأخبار، والتجسس: البحث (٤) وقال يحيى بن أبي كثير: التجسس البحث عن باطن أمور الناس، وأكثر ما يقال ذلك في الشر (٥) (٦) (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ يقال: اغتاب فلان فلاناً اغتياباً وغيبة يغتابه، قال الأزهري: وروي عن بعضهم أنه سمع: غابه يغيبه، إذا عابه وذكر منه ما يسوؤه مما هو فيه (٩) (١٠) وروي ذلك عن النبي - - قال:"من ذكر رجلاً بما فيه فقد اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته" (١١) قال مقاتل: ثم ضرب للغيبة مثلاً فقال: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ﴾ بقوله، فكما كرهتم أكل لحم الميت، فكذلك فاكرهوا الغيبة لإخوانكم (١٢) وقال أبو إسحاق: تأويله: إن ذِكْرَكَ بسوء من لم يحضرك بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحيى بذلك، ويقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس (١٣) وهذا استفهام معناه: التقرير، كأنه قيل لهم: لم تحبون أكل لحم أخيكم ميتاً؟
وعطف قوله (فكرهتموه) على معنى لفظ الاستفهام (١٤) ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ فقوله: ﴿ وَوَضَعْنَا ﴾ : عطف على معنى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ لا على لفظه، ألا ترى أنه لا يقال: ألم وضعنا، ولكن معنى (ألم نشرح) لا على لفظه ولكن معنى (ألم نشرح) قد شرحنا، فعطف على معناه، كذلك هذه الآية، قاله المبرد (١٥) (١٦) قال صاحب "النظم": التأويل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً وقد كرهتم ذلك، أي: فاكرهوا الغيبة أيضًا، فإنها مثل أكلكم لحوم أخوانكم (١٧) وقال مجاهد: لما قيل لهم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟)، قالوا: لا، فقيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً (١٨) ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ عطف على المعنى، كأنه لما قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، قالوا: لا، فقيل لهم لما قالوا لا: فكرهتموه، أي: كرهتم أكل لحمه ميتاً، فكذلك فاكرهوا غيبته (١٩) قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ معطوف على هذا الفعل المقدر، ولا يكون قوله (فكرهتموه) بمعنى فاكرهوه واتقوا الله؛ لأن لفظ الخبر لا يوضع للأمر في كل موضع، ولأن قوله فكرهتموه محمول على المعنى الذي ذكرنا، فمعنى الخبر فيه صحيح (٢٠) قال مقاتل: واتقوا الله في الغيبة ﴿ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ ﴾ علي من تاب ﴿ رَحِيمٌ ﴾ به (٢١) (١) كذا في الأصل، ولعلها: (لأنه).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، "تفسير الماوردي" 5/ 334، وقد نسبه لمقاتل بن حيان، ونسبه في "الوسيط" للمقاتلين، انظر 4/ 155.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36 - 37.
(٤) انظر كتاب: العين (جسس) 6/ 5، "تهذيت اللغة" (جسس) 10/ 448.
(٥) ورد هذا القول في "اللسان" غير منسوب، انظر: "اللسان" (جسس) 6/ 38، وأورد نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" منسوبًا ليحيى بن أبي كثير 7/ 471.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، وذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 156 ولم ينسبه.
(٧) أخرج ذلك الطبري 13/ 135 عن ابن عباس.
(٨) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (غيب) 8/ 215.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 135، "الثعلبي" 10/ 168 أ، "الماوردي" 5/ 334، "زاد المسير" 7/ 471، "القرطبى" 16/ 334، "تفسير الوسيط" 4/ 156.
(١١) أخرج ذلك مسلم عن أبي هريرة بلفظ: "أتدرون ما الغيبة؟
" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته".
انظر: صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب (20) تحريم الغيبة 3/ 2001، وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، انظر: "سنن الترمذي" كتاب: البر والصلة باب (23) ما == جاء في "الغيبة" 4/ 329، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب: الأدب باب (40) في الغيبة 5/ 191، عن أبي هريرة، وأخرجه الطبري 13/ 137 عن أبي هريرة.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 37.
(١٤) انظر: "روح المعاني" للألوسي 26/ 158.
(١٥) لم أقف عليه، وقد ذكر قريبًا من هذا النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 215.
(١٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 73.
(١٧) لم أقف عليه.
(١٨) أخرج نحوه الطبري 13/ 373 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 612 ، وأورده البغوي 7/ 346 بهذا النص.
(١٩) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 212.
(٢٠) المصدر السابق.
(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن ﴾ يعني ظن السوء بالمسلمين، وأما ظن الخير فهو حسن ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ ﴾ قيل: في معنى الإثم هنا الكذب لقوله صلى الله عليه وسلم: «الظن أكذب الحديث» لأنه قد لا يكون مطابقاً للأمر، وقيل: إنما يكون إثماً إذا تكلم به وأما إذا لم تكلم به فهو في فسحة لأنه لا يقدر على دفع الخواطر، واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة سد الذرائع في الشرع، لأنه أمر باجتناب كثير من الظن، وأخبر أن بعضه إثم باجتناب الأكثر من الإثم احترازاً من الوقوع في البعض الذي هو إثم ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ أي لا تبحثوا عن مخبآت الناس وقرأ الحسن: تحسسوا بالحاء والتجسس بالجيم في الشر وبالحاء في الخير، وقيل: التجسس ما كان من وراء والتحسس بالحاء الدخول والاستعلام ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ المعنى: لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو سمعه، والغية هي ما يكره الإنسان ذكره من خُلُقه أو خَلْقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك، وفي الحديث: «أنه عليه الصلاة والسلام قال: الغية أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره، قيل يا رسول الله وإن كان حقاً، قال إذا قلت باطلاً فذلك بهتان» وقد رُخص في الغيبة في مواضع منها: في التجريح في الشهادة، والرواية، والنكاح، وشبهه وفي التحذير من أهل الضلال، ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ وقرأ نافع: مَيْتاً شبه الله الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتاً، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم، ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتاً لأن الجيفة مستقذرة، ويجوز أن يكون ميتاً حال من الأخ أو من لحمه، وقيل: فكرهتموه إخبار عن حالهم بعد التقرير.
كأنه لما قررهم قال: هل يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً أجابوا فقالوا: لا نحب ذلك فقال لهم.
فكرهتموه وبعد هذا محذوف تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي تشبهه، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه، وعلى هذا المحذوف يعطف قوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ ، قال أبو علي الفارسي، وقال الرماني: كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل، وهو أحق أن يجاب لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل، وقال الزمخشري: في هذه الآية مبالغات كثيرة منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحد من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتاً، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله أخاً له.
<div class="verse-tafsir"
" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.
﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.
الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بين محل النبي وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.
ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.
والأظهر أن هذا إرشاد عام.
وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.
فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.
فقال عمر: ما أردت خلافك.
فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.
وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.
وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.
وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.
وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي .
وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.
وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.
قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.
وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله كالتقديم بين يدي الله.
قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.
وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.
وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.
ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.
وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.
فقال له رسول الله : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.
وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.
وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.
قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.
ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.
والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.
وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.
ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.
والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.
وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.
ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.
ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.
فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.
قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.
أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.
وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.
يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.
قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.
ففي الحديث أنه قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.
وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.
ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.
ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.
والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.
روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.
فدخلوا المسجد ونادوا النبي من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له .
والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.
وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.
فتأذى رسول الله من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.
فقال لهم: فيم جئتم؟
فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.
فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.
فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.
فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.
ثم دنا من رسول الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.
وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.
وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.
أما إخبار الله عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله .
وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.
وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.
سئل رسول الله عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.
ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.
ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.
فهم النبي بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.
قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.
والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.
ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.
والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.
واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.
ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.
والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.
ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.
ومدن بالمكان أقام به.
قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.
وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.
واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.
وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله فصار فاسقاً بكذبه.
وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.
ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.
نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.
ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.
وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.
قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.
والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.
قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.
ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.
وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.
وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.
ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.
فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.
قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.
وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.
والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.
وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.
ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.
وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.
ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.
قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.
ثم علمهم حكماً آخر.
في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.
فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.
فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله فأصلح بينهم.
وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.
وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.
والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.
وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.
وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.
وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.
والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.
ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.
وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".
مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.
واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.
وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.
ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.
والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.
وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي ليست بسكن لنا.
واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.
أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.
والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.
والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.
والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.
واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي وما أنكر عليه أحد.
وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.
وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.
قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.
وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.
وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.
والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.
روي أن النبي قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.
ثم شرع في تأديبات آخر.
والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.
قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.
فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.
فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.
فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.
وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.
وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.
فقال له عبد الله: يا يهودي.
وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.
ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.
وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.
فقال لها رسول الله : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.
وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.
وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.
وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.
وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.
عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.
قوله ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.
والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.
قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.
وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.
قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.
وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.
ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.
وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.
وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.
ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.
وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.
عن النبي "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.
ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله "من الحزم سوء الظن" وعن النبي "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.
قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.
والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.
تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.
قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
عن النبي أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.
فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.
تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.
وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.
وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.
شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.
والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.
أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.
أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.
وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.
وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.
فلما راحا إلى رسول الله قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟
فقالا: ما تناولنا لحماً.
فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.
قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.
واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.
ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .
وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي : من الذاكر فلانة؟
فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.
فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟
قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.
قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.
وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.
وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.
وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.
وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.
فأتى جبريل فأخبره.
وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
ويروى أن رسول الله رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي : فاشتراه رجل وكان رسول الله يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.
فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.
فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.
وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.
والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.
وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.
فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.
ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.
وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.
وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.
أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.
والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.
عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.
يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.
﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.
وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.
قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.
أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.
﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.
ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.
ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.
يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.
ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.
وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.
فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.
ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.
وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.
وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.
ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.
وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.
والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟
وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.
يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.
قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.
ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.
وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.
وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.
ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ ظاهر الآية نهي للجماعة عن سخرية جماعة؛ لأن السخرية إنما تقع وتكون في الأغلب بين قوم وقوم، وقلما تقع بين الأفراد والآحاد؛ فعلى ذلك جرى النهي، ولكن يكون ذلك النهي للجماعة والأفراد والآحاد جميعاً، والله أعلم.
لم يحتمل السخرية المذكورة في الآية وجهينن: أحدهما: في الأفعال، يقول: لا يسخر قوم من قوم في الأفعال عسى أن يكونوا خيراً منهم في النية في تلك الأفعال أو خيراً منهم؛ أي: أفعالهم أخلص عند الله من أفعال أولئك، وأقرب إلى القبول.
والثاني: سخرية في الخلقة، وذلك راجع إلى منشئها، لا إليهم، وهم قد رضوةا بالخلقة التي أنشئوا عليها، وعسى أن يكونوا هم على تلك الخلقة عندهم خيراً منهم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عسى أن يصيروا من بعدهم خيراً من تلك الأحوال والأفعال التي هم عليها اليوم.
والثاني: عسى أن يكونوا هم عند الله خيراً منهم في الحال؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ أخبر أن الأكرم منهم عند الله - - هو أتقاهم، ولا ما افتخروا بما هو أسباب الفخار عندهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ﴾ ذكر سخرية نساء من نساء؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم، وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية، والله أعلم.
ويحتمل أنه خص هؤلاء بهؤلاء كما خص القصاص في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...
﴾ الآية [البقرة: 178]، ثم جمع بين الأحرار والعبيد، والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم، فاشتركوا جميعاً في ذلك: الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، فعلى ذلك ذكر المعنى الذي به نهاهم عن السخرية، وهو ما ذكر ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ فذلك المعنى يجمع سخرية الرجال من النساء، وسخرية النساء من الرجال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ واللمز: هو الطعن.
ثم منهم من يقول: هو الطعن باللسان.
ومنهم من يقول: بالشدق والشفة.
ومنهم من يقول: بالعين؛ وحاصله هو الطعن فيه.
وقال القتبي: اللمز: هو العيب؛ أي: لا تعيبوا.
وقال أبو عوسجة: هو شبه العيب.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: تذكروا مساوى أنفسكم عند الناس.
وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم، وألا يهتلكوا سترهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾ أي: لا تدعوا بالألقاب، والنبز: اللقب؛ يقال: نبزت فلاناً: أي: لقبته، وفي الحجيث: "قوم نبزهم الرافضة" أي: لقبهم، ولو قال: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ لكان كافياً، لكن كأنه قال: ولا تظهروا ألقابهم فيسوءهم ما أظهرتم من اللقب، والله أعلم.
طثم قال بعض أهل التأويل: إنما نهو عن ذلك؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق، ويلقبونهم بذلك، ويقولون: يا كافر، يا فاسق، ونحو ذلك، ودل على ذلك قوله - -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ .
وجائز أن يلقبوا بذلك وبغيره من الألقاب، فنهوا عن أن يسموهم بغير أسمائهم التي كانت لهم، وأن يعرفوا بأسمائهم اتي لهم، ونهوا عن التعريف بالألقاب وتغيير الأنساب والأسماء التي لهم إذا كان التعريف بذلك يسوءهم ويغطيهم، والله أعلم.
ثم قال الله - -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ أي: واضعون الشيء في غير موضعه، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا؛ أي: بئس النسبة إلى الفسق التي كانت والتسمية بها بعد الإيمان إلى الاسم والفعل الذي كان له ومنه قبل الإيمان؛ كأنه قال: لا تسموهم بتلك [الأسماء] بعد الإيمان، والله أعلم.
والثاني: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ أي: بئس ما اختار من اسم الفسق بعدما كان اختار اسم الإيمان وفعله، فهذا يرجع إلى اختيار الفسق بعد الإيمان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ .
هاهنا أسماء ثلاثة يجب أن يتعرف ما محلها؟
وما قدرها؟
وكيف أسبابها؟
أحدها: الظن، والثاني: الشك، والثالث: العلم واليقين.
أما الظن فكأه هو الذي له ظاهر الأسباب التي لها خوف الزوال والانتقال.
والشك هو الذي فقد ظاهر أسبابه، أو له استواء الأسباب، ومقابلة بعضها بعضاً، فهو المتردد بين الحالين، لا يقر قلبه على شيء.
واليقين هو الذي له الأسباب الظاهرة التي ليس لها خوف الزوال الانتقال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ﴾ كأنه نهى أن يحقق أو يعمل في صاحبه بسوء على ظاهر الأسباب التي هي على شرف الزوال وطرف الانتقال يجوز أن تكون غير متحققه في الأصل أو زائلة، والله أعلم.
ثم في الآية دليل على أنه ليس كل ظن يجتنب عنه، ولا كل الظن يكون إثما؛ لأنه استثنى منه بعضه بقوله: ﴿ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ فجائز أن يكون ما استثنى من الظن، ولا يأمر بالاجتناب عنه هو ما يغلب عليه الأسباب، وغالب الأسباب ربما تعمل عمل العلم واليقين بحق المكره على شيء يرخص له أو يباح العمل إذا رأى من ظاهر المكره أنه فاعل به ما أوعده، وإن كان يجوز ألا يفعل به أو لا يقدر على ما أوعده، وعلى ذلك موضوع عامة الأحكام والشرائع بين الخلق أنها على غالب الظن وضعت ليس على التحقيق، والله أعلم.
ويحتمل أن يرجع ما استثنى من الظن القليل الذي لا إثم فيه إلى الظن الحسن؛ إذ يجوز أن يظن بالإنسان الظن الحسن؛ ولا إثم فيه، إنما الأمر بالاجتناب إلى الظن بالسوء على غير تحقيق أسباب أو غير تحقيق عين ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ التجسس: هو تكلف طلب المساوئ في الناس من غير أن يظهر منهم أسبابها شيء، فنهى عن تكليف طلب ذلك أو من الإظهار وأمر بالستر، ويمثل ذلك روي في الأخبار عن النبي .
وروي عن ابن مسعود - - أنه قيل له: هل لك في فلان يعطر لحيته خمراً، فقال عبد الله بن مسعود - -: إن يظهر لنا شيء نأخذه، وإلا فإن الله - - قد نهانا عن التجسس، والله أعلم.
وفرق بعضهم بين التجسس والتحسس، فقال بعضهم: بالجيم في الشرور والمساوئ، وبالحاء في الخير وفيما يباح طلبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ الغيبة ترجع إلى وجهين: أحدهما: أن يذكر ما فيه من مساوئ الأفعال التي سترها عن أعين الناس مما يكره إظهار ذلك عنه.
والثاني: يذكر ما فيه من قبح الأحوال والأخلاق التي لا يكاد يذكر ذلك منه أو يظهر، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي أنه نهى أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره، فقيل: إنما كنا نذكره بالشيء الذي فيه، لا بما ليس فيه، قال: "ذلك البهتان".
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ أي: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد موته، فكأنه يقول: فإذا لم يحب هذا وكرهه؛ بل يستقذره كل استقذار فالغيبة هي تناول من أخيك وهو حي، فهو في القبح يبلغ التناول منه بعد موته، فإنه كان لا أحد يتناول من لحم أخيه بعد موته، لا في حال اختياره، ولا في حال اضطراره، فلا تغتابوا ولا تذكروا منه ما فيه؛ فإنه في القبح ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ﴾ تأويل الآية على وجهين: أحدهما: إنما خلقناكم جميعاً من أصل واحد، وهو آدم وحواء - عليهما السلام - فيكونون جميعاً إخوة وأخوات، وليس لبعض الإخوة والأخوات الافتخار والفضيلة على بعض بالآباء والقبائل التي جعلنا لهم، إنما القبائل وما ذكر للتعارف والفضيلة والكرامة فيما ذكر ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ مع ما لو كان في ذلك فضيلة وافتخار، فالكل في النسبة إليهم على السواء؛ فلا معنى لانفراد البعض بالافتخار.
والثاني: يحتمل: إنا خلقنا كل واحد منكم من الملوك والأتباع، والحر والعبد، والذكر والأنثى من ماء الذكر والأنثى، فليس لأحد على أحد من تلك الجهة التي يفتخرون بها الافتخار والفضيلة؛ إذ كانوا جميعاً من نطفة مذرة منتنة تستقذرها الطباع.
ذكر هذا؛ ليتركوا التفاخر والتطاول بالأنساب والقبائل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ ، ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ : قال بعضهم: الشعوب أكبر من القبائل، فالشعوب هم الأصول، والقبائل: الأفخاذ منهم، فالشعوب للعرب، والأمم والقرون للعجم.
وقال بعضهم: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب.
وقال أبو عوسجة: الشعوب: الضروب، وهي القبائل، والواحد: شعب، والشعب الاجتماع؛ يقال: شعبت الإناء: إذا انكسر فجمعته وأصلحته، ويسمى من يصلح الإناء: شعاباً، والشعب: التفريق - أيضاً - والشعوب: المنية، ونحو ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ أي: جعل فيكم هذه القبائل؛ ليعرف بعضكم بعضاً بالنسبة إلى القبائل والأفخاذ؛ فيقال: فلان التميمي والهاشمي؛ إذ كل أحد لا يعرف بأبيه وجده.
ثم قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ بين الله - - بما به تكومن الفضيلة والكرامة، وهي التقوى، لا فيما يرون ويفتخرون بذلك، وهو النسبة إلى الآباء والقبائل؛ بل ذلك لما ذكر من التعارف؛ وهذا لأن التقوى فعله، وهو إتيان الطاعات والاجتناب عن المعاصي، وذلك مما يأتيه تعظيماً لأمر الله - - ونهيه.
وجائز أن تنال الفضيلة والكرامة بفضل الله وكرمه بناء على فعله، فأمّا ما لا فعل له في التولد من آباء كرام فأنى يستحق الفضل بذلك لو كان افتخاراً بما يكون للآباء بمباشرتهم أسباب حصول الأولالد ليوحدوا الله - - ويتمسكوا بطاعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ على الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع، ابتعدوا عن كثير من التهم التي لا تستند لما يوجبها من أسباب وقرائن، إن بعض الظن إثم، كسوء الظن بمن ظاهره الصلاح، ولا تتبعوا عورات المؤمنين من ورائهم، ولا يذكر أحدكم أخاه بما يكره، فإنّ ذِكْره بما يكره مثل أكل لحمه ميتًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا؟!
فاكرهوا اغتيابه فهو مثله، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله تواب على من تاب من عباده، رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.APm2Z"