الآية ٥ من سورة الحجرات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ٥ من سورة الحجرات

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الحجرات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أرشد إلى الأدب في ذلك فقال : ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) أي : لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة .

ثم قال داعيا لهم إلى التوبة والإنابة : ( والله غفور رحيم ) وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ، فيما أورده غير واحد ، قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن الأقرع بن حابس ; أنه نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وراء الحجرات ، فقال : يا محمد ، يا محمد وفي رواية : يا رسول الله - فلم يجبه .

فقال : يا رسول الله ، إن حمدي لزين ، وإن ذمي لشين ، فقال : " ذاك الله عز وجل " .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن الحسين بن واقد ، عن أبي إسحاق ، عن البراء في قوله : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) قال : جاء رجل رسول الله فقال : يا محمد ، إن حمدي زين ، وذمي شين .

فقال : " ذاك الله عز وجل " .

وهكذا ذكره الحسن البصري ، وقتادة مرسلا .

وقال سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي عمرة قال : كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد - أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب - وهما عند الحجاج جالسان - فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد : نزلت في قومك بني تميم : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) قال : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال : أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه : ( يمنون عليك أن أسلموا ) [ الحجرات : 17 ] ، قالوا : أسلمنا ، ولم يقاتلك بنو أسد .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، حدثنا المعتمر بن سليمان : سمعت داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي ، عن زيد بن أرقم قال : اجتمع أناس من العرب فقالوا : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل ، فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به ، وإن يك ملكا نعش بجناحه .

قال : فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بما قالوا ، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه وهو في حجرته : يا محمد ، يا محمد .

فأنزل الله [ عز وجل ] : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) قال : فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذني فمدها ، فجعل يقول : " لقد صدق الله قولك يا زيد ، لقد صدق الله قولك يا زيد " .

ورواه ابن جرير ، عن الحسن بن عرفة ، عن المعتمر بن سليمان ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وقوله ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك يا محمد من وراء الحجرات صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم إذا خرجت, لكان خيرا لهم عند الله, لأن الله قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك, فهم بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم الله عنه,( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: الله ذو عفو عمن ناداك من وراء الحجاب, إن هو تاب من معصية الله بندائك كذلك, وراجع أمر الله في ذلك, وفي غيره; رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم .أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح في دينهم ودنياهم .

وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيهما بمهمات نفسه ، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب وقيل : كانوا جاءوا شفعاء في أسارى بني عنبر فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصفهم ، وفادى على النصف .

ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء .

والله غفور رحيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأدب العبد، عنوان عقله، وأن الله مريد به الخير، ولهذا قال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: غفور لما صدر عن عباده من الذنوب، والإخلال بالآداب، رحيم بهم، حيث لم يعاجلهم بذنوبهم بالعقوبات والمثلات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) قال مقاتل : لكان خيرا لهم لأنك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء ( والله غفور رحيم ) .

وقال قتادة : نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنادوا على الباب .

ويروى ذلك عن جابر قال : جاءت بنو تميم فنادوا على الباب : اخرج إلينا يا محمد ، فإن مدحنا زين ، وذمنا شين ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين ، فقالوا : نحن ناس من بني تميم جئنا بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ، ولكن هاتوا " ، فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن شماس ، وكان خطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - : " قم فأجبه " ، فأجابه ، وقام شاعرهم فذكر أبياتا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحسان بن ثابت : " أجبه " فأجابه .

فقام الأقرع بن حابس ، فقال : إن محمدا لمؤتى له والله ما أدري هذا الأمر ، تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا ، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ، ثم دنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما يضرك ما كان قبل هذا " ثم أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكساهم ، وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما أعطاهم ، وأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنزل فيهم : " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم " الآيات الأربع إلى قوله : " غفور رحيم " .

وقال زيد بن أرقم : جاء ناس من العرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به ، وإن يكن ملكا نعش في جنابه ، فجاءوا فجعلوا ينادونه ، يا محمد يا محمد ، فأنزل الله : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أنهم صبروا» أنهم في محل رفع بالابتداء، وقيل فاعل لفعل مقدر، أي ثبت «حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم» لمن تاب منهم، ونزل في الوليد بن عقبة وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا فخافهم لترة كانت بينه وبينهم في الجاهلية فرجع وقال إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله، فهمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم فجاءوا منكرين ما قاله عنهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم عند الله؛ لأن الله قد أمرهم بتوقيرك، والله غفور لما صدر عنهم جهلا منهم من الذنوب والإخلال بالآداب، رحيم بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ) .أى : ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من وراء الحجرات ، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من الأدب ، لكان صبرهم خبرا لهم ( والله ) - تعالى - ( غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أى : واسع المغفرة والرحمة .قال صاحب الكشاف : يحكى عن أبى عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال : ما دققت باب عالم قط ، حتى يخرج فى وقت خروجه .وقوله : ( أَنَّهُمْ صَبَرُواْ ) فى موضع رفع على الفاعلية ، لأن المعنى : ولو ثبت صبرهم .فإن قلت : هل من فرق بين قوله ( حتى تَخْرُجَ ) وإلى أن تخرج؟قلت : إن " حتى " مختصة بالغاية المضروبة ، تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ، ولو قلت : حتى نصفها ، أو صدرها ، لم يجز ، و " إلى " عامة فى كل غاية ، فقد أفادت " حتى " بوضعها : أن خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم غاية قد ضرب لصبرهم ، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه .فإن قلت : فأى فائدة فى قوله ( إِلَيْهِمْ ) ؟

قلت : فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم ، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم .هذا والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد رسمت للمؤمنين أسمى ألوان الأدب فى مخاطبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى إلزامهم بألا يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا ، يتعلق بشأن من شئون دينهم إلا بعد معرفتهم بأن هذا القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعى ، شرعه الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .كما أنه يراها قد مدحت الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذمت الذين لا يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو ندائه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ إشارة إلى حسن الأدب الذي على خلاف ما أتوا به من سوء الأدب فإنهم لو صبروا لما احتاجوا إلى النداء، وإذا كنت تخرج إليهم فلا يصح إتيانهم في وقت اختلائك بنفسك أو بأهلك أو بربك، فإن للنفس حقاً وللأهل حقاً، وقوله تعالى: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد أن ذلك هو الحسن والخير كقوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً  ﴾ ، وثانيهما: أن يكون المراد هو أن بالنداء وعدم الصبر يستفيدون تنجيز الشغل ودفع الحاجة في الحال وهو مطلوب، ولكن المحافظة على النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه خير من ذلك، لأنها تدفع الحاجة الأصلية التي في الآخرة وحاجات الدنيا فضلية، والمرفوع الذي يقتضيه كلمة كان إما الصبر وتقديره لو أنهم صبروا لكان الصبر خيراً، أو الخروج من غير نداء وتقديره لو صبروا حتى تخرج إليهم لكان خروجك من غير نداء خيراً لهم، وذلك مناسب للحكاية، لأنهم طلبوا خروجه عليه الصلاة والسلام ليأخذوا ذراريهم، فخرج وأعتق نصفهم وأخذوا نصفهم، ولو صبروا لكان يعتق كلهم والأول أصح.

ثم قال تعالى: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ تحقيقاً لأمرين أحدهما: لسوء صنيعهم في التعجل، فإن الإنسان إذا أتى بقبيح ولا يعاقبه الملك أو السيد يقال ما أحلم سيده لا لبيان حلمه، بل لبيان عظيم جناية العبد وثانيهما: لحسن الصبر يعني بسبب إتيانهم بما هو خير، يغفر الله لهم سيئاتهم ويجعل هذه الحسنة كفارة لكثير من السيئات، كما يقال للآبق إذا رجع إلى باب سيده أحسنت في رجوعك وسيدك رحيم، أي لا يعاقبك على ما تقدم من ذنبك بسبب ما أتيت به من الحسنة ويمكن أن يقال بأن ذلك حث للنبي صلى الله عليه وسلم على الصفح، وقوله تعالى: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ كالعذر لهم، وقد ذكرنا أن الله تعالى ذكر في بعض المواضع الغفران قبل الرحمة، كما في هذه السورة وذكر الرحمة قبل المغفرة في سورة سبأ في قوله: ﴿ وَهُوَ الرحيم الغفور  ﴾ فحيث قال: غفور رحيم أي يغفر سيئاته ثم ينظر إليه فيراه عارياً محتاجاً فيرحمه ويلبسه لباس الكرامة وقد يراه مغموراً في السيئات فيغفر سيئاته، ثم يرحمه بعد المغفرة، فتارة تقع الإشارة إلى الرحمة التي بعد المغفرة فيقدم المغفرة، وتارة تقع الرحمة قبل المغفرة فيؤخرها، ولما كانت الرحمة واسعة توجد قبل المغفرة وبعدها ذكرها قبلها وبعدها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام.

ومن لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان.

فإن قلت: فرق بين الكلامين بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه.

قلت: الفرق بينهما أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول من مبتدأ الغاية.

ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار.

لا يريد وجه الدار ولا دبرها، ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقاً بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة.

والحجرة: الرقعة والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة.

والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوّط عليها، وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي فعلة بمعنى مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها: الحجرات بضمتين، (والحجرات) بفتح الجيم، والحجرات بسكينها.

وقرئ بهنّ جميعاً، والمراد: حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لكل واحد منهنّ حجرة.

ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمكان حرمته.

والفعل وإن كان مسنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعاً، فقد ذكر الأصم: أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.

والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون: يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة.

ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصداً إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، فإنَّ القلة تقع موقع النفي في كلامهم.

وروي: أن وفد بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه: محمد اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج ونزلت: وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال: «هم جفاة بني تميم، لولا أنهم من أشدّ الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» فورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى على الناظر: من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله: منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه.

ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته.

ومقيله مع بعض نسائه.

ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم.

ومنها: التعريف باللام دون الإضافة.

ومنها: أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم، وهلم جرا: من أوّل السورة إلى آخرها هذه الآية، فتأمّل كيف ابتدئ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى ا لله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر.

كأن الأوّل بساط للثاني ووطأه لذكره ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك فغضوا أصواتهم، دلالة على عظيم موقعه عند الله، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم وهجنته أتم: من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدراً، لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه؛ لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغاً؛ ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى أنه قال: ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج من وقت خروجه ﴿ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ ﴾ في موضع الرفع على الفاعلية؛ لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم.

والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها.

قال الله تعالى: ﴿ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ [الكهف: 28] وقولهم: صبر عن كذا، محذوف منه المفعول، وهو النفس، وهو حبس فيه شدَّة ومشقة على المحبوس، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر.

وفي كلام بعضهم: الصبر مرّ لا يتجرّعه إلا حرّ.

فإن قلت: هل من فرق بين ﴿ حتى تَخْرُجَ ﴾ وإلى أن تخرج؟

قلت: إنّ (حتى) مختصة بالغاية المضروبة.

تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها: لم يجز، و (إلى) عامّة في كل غاية، فقد أفادت (حتى) بوضعها: أنّ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمراً دون الانتهاء إليه.

فإن قلت: فأي فائدة في قوله: ﴿ إِلَيْهِمْ ﴾ ؟

قلت: فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في (كان) إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد لو، وإما ضمير مصدر ﴿ صَبَرُواْ ﴾ ، كقولهم: من كذب كان شراً له ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ مِن خارِجِها خَلْفَها أوْ قُدّامَها، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ فَإنَّ المُناداةَ نَشَأتْ مِن جِهَةِ الوَراءِ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُنادِيَ داخِلَ الحُجْرَةِ إذْ لا بُدَّ وأنْ يَخْتَلِفَ المُبْتَدَأُ والمُنْتَهى بِالجِهَةِ، وقُرِئَ «الحُجَراتِ» بِفَتْحِ الجِيمِ، وسُكُونِها وثَلاثَتُها جَمْعُ حُجْرَةٍ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المَحْجُورَةِ بِحائِطٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِحَظِيرَةِ الإبِلِ: حُجْرَةٌ.

وهي فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالغُرْفَةِ والقُبْضَةِ، والمُرادُ حُجُراتُ نِساءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيها كِنايَةُ خَلْوَتِهِ بِالنِّساءِ ومُناداتِهِمْ مِن ورائِها إمّا بِأنَّهم أتَوْها حُجْرَةً حُجْرَةً فَنادَوْهُ مِن ورائِها، أوْ بِأنَّهم تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ مُتَطَلِّبِينَ لَهُ، فَأسْنَدَ فِعْلَ الأبْعاضِ إلى الكُلِّ.

وقِيلَ: إنَّ الَّذِي ناداهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وفَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن بَنِي تَمِيمٍ وقْتَ الظَّهِيرَةِ وهو راقِدٌ فَقالا: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، وإنَّما أُسْنِدَ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِذَلِكَ أوْ أُمِرُوا بِهِ، أوْ لِأنَّهُ وُجِدَ فِيما بَيْنَهم.

﴿ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ إذِ العَقْلُ يَقْتَضِي حُسْنَ الأدَبِ ومُراعاةَ الحِشْمَةِ سِيَّما لِمَن كانَ بِهَذا المَنصِبِ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ ﴾ أيْ ولَوْ ثَبَتَ صَبْرُهم وانْتِظارُهم حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ، فَإنَّ أنْ وإنْ دَلَّتْ بِما في حَيِّزِها عَلى المَصْدَرِ دَلَّتْ بِنَفْسِها عَلى الثُّبُوتِ، ولِذَلِكَ وجَبَ إضْمارُ الفِعْلِ وحَتّى تُفِيدَ أنَّ الصَّبْرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُغَيًّا بِخُرُوجِهِ، فَإنَّ حَتّى مُخْتَصَّةٌ بِغايَةِ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ ولِذَلِكَ تَقُولُ: أكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتّى رَأْسِها، ولا تَقُولُ حَتّى نِصْفِها، بِخِلافِ إلى فَإنَّها عامَّةٌ، وفي إلَيْهِمْ إشْعارٌ بِأنَّهُ لَوْ خَرَجَ لا لِأجْلِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَصْبِرُوا حَتّى يُفاتِحَهم بِالكَلامِ أوْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ.

﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ لَكانَ الصَّبْرُ خَيْرًا لَهم مِنَ الِاسْتِعْجالِ لِما فِيهِ مِن حِفْظِ الأدَبِ وتَعْظِيمِ الرَّسُولِ المُوجِبَيْنِ لِلثَّناءِ والثَّوابِ، والإسْعافِ بِالمَسْؤُولِ إذْ رُوِيَ أنَّهم وفَدُوا شافِعِينَ في أُسارى بَنِي العَنْبَرِ فَأطْلَقَ النِّصْفَ وفادى النِّصْفَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى النُّصْحِ والتَّقْرِيعِ لِهَؤُلاءِ المُسِيئِينَ الأدَبَ التّارِكِينَ تَعْظِيمَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ} أي ولو ثبت صبرهم ومحل أَنَّهُمْ صَبَرُواْ الرفع على الفاعلية والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها قال الله تعالى واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يدعون ربهم وقولهم صبر عن كذا محذوف منه المفعول وهو النفس وقيل الصبر من لا يتجرعه الاخر وقوله {حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم {لَكَانَ} الصبر {خَيْراً لَّهُمْ} في دينهم {والله غفور رحيم} بلغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء ان تابوا وانابوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أيْ ولَوْ ثَبَتَ صَبْرُهم وانْتِظارُهم حَتّى تَخْرُجَ لَكانَ الصَّبْرُ خَيْرًا لَهم مِنَ الِاسْتِعْجالِ لِما فِيهِ مِن حِفْظِ الأدَبِ وتَعْظِيمِ النَّبِيِّ  المُوُجِبَيْنِ لِلثَّناءِ والثَّوابِ أوْ لِذَلِكَ والإسْعافُ بِالمَسْؤُولِ عَلى أوْفَقِ وجْهٍ وأوْقَعِهِ عِنْدَهم بِناءً عَلى حَدِيثِ الأسارى بِأنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الجَمِيعَ مِن غَيْرِ فِداءٍ، فَأنَّ المَفْتُوحَةَ المُؤَوَّلَةَ بِالمَصْدَرِ هُنا فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو ثَبَتَ كَما اخْتارَهُ المُبَرِّدُ والقَرِينَةُ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّ أنْ تَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ وهو إنَّما يَكُونُ في الماضِي حَقِيقَةً ولِذا يُقَدَّرُ الفِعْلُ ماضِيًا.

وضَمِيرُ كانَ لِلْمَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( صَبَرُوا ) كَما في قَوْلِكَ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيِ الكَذِبُ.

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ المَصْدَرَ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ لَوْ صَبْرُهم ثابِتٌ وقِيلَ: لا خَبَرَ لَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في تَقْدِيرِ الفِعْلِ إبْقاءَ ( لَوْ ) عَلى ظاهِرِها مِن دُخُولِها عَلى الفِعْلِ فَإنَّها في الأصْلِ شَرْطِيَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ كانَ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ لَكانَ ثُبُوتُ صَبْرِهِمْ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَقْتَضِي أوْلَوِيَّتَهُ.

وأُوثِرَتْ ( حَتّى ) هُنا عَلى- إلى- لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِما هو غايَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ ويُقالُ لَهُ الغايَةُ المَضْرُوبَةُ أيِ المُعَيَّنَةُ وإلى لِما هو غايَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ بِجَعْلِ الجاعِلِ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ المَغارِبَةِ وغَيْرِهِمْ: إنَّ مَجْرُورَ حَتّى دُونَ مَجْرُورِ إلى لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ آخِرَ جُزْءٍ نَحْوُ أكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتّى رَأْسِها أوْ مُلاقِيًا لَهُ نَحْوَ ﴿ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾ ولا يَجُوزُ سَهِرْتُ البارِحَةَ حَتّى ثُلُثَيْها أوْ نِصْفِها فَيُفِيدُ الكَلامُ مَعَها أنَّ انْتِظارَهم إلى أنْ يَخْرُجَ  أمْرٌ لازِمٌ لَيْسَ لَهم أنْ يَقْطَعُوا أمْرًا دُونَ الِانْتِهاءِ إلَيْهِ، فَإنَّ الخُرُوجَ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى غايَةً كانَ كَذَلِكَ في الواقِعِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَوَهَّمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عَيَّنْتُ لَيْلَةً فَما زِلْتُ حَتّى نِصْفِها راجِيًا فَعُدْتُ يَؤُوسا وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ أنَّهُ مِن كَلامِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ أنَّهُ نادِرٌ شاذٌّ لا يَرِدُ مِثْلُهُ نَقْضًا مَدْفُوعٌ بِأنَّ مَعْنى عَيَّنْتُ لَيْلَةً عَيَّنْتُ وقْتًا لِلزِّيارَةِ وزِيارَةُ الأحْبابِ يُتَعارَفُ فِيها أنْ تَقَعَ في أوَّلِ اللَّيْلِ فَقَوْلُهُ: حَتّى نِصْفِها بَيانٌ لِغايَةِ الوَقْتِ المُتَعارَفِ لِلزِّيارَةِ الَّذِي هو أوَّلُ اللَّيْلِ والنِّصْفُ مُلاقٍ لَهُ، وهو أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ هِشامٍ في المُغْنِي: إنَّ هَذا لَيْسَ مَحَلَّ الِاشْتِراطِ إذْ لَمْ يَقُلْ: فَما زِلْتُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتّى نِصْفِها وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ، وحاصِلُهُ أنَّ الِاشْتِراطَ مَخْصُوصٌ فِيما إذا صَرَّحَ بِذِي الغايَةِ إذْ لا دَلِيلَ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ، وخَفاءُ عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِتَقْدِيمِ لَيْلَةٍ في صَدْرِ البَيْتِ.

نَعَمْ ما ذُكِرَ مِن أصْلِهِ لا يَخْلُو عَنْ كَلامٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ، ولِذا قالَ الأظْهَرُ: إنَّهُ أوْثَرُ حَتّى تَخْرُجَ اخْتِصارًا لِوُجُوبِ حَذْفِ أنْ ووُجُوبِ الإظْهارِ في إلى مَعَ أنَّ حَتّى أظْهَرُ دَلالَةً عَلى الغايَةِ المُناسِبَةِ لِلْحُكْمِ وتَخالُفِ ما بَعْدَها وما قَبْلَها ولِهَذا جاءَتْ لِلتَّعْلِيلِ دُونَ إلى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( إلَيْهِمْ ) إشْعارٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ خَرَجَ لا لِأجْلِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَصْبِرُوا حَتّى يُفاتِحَهم بِالكَلامِ أوْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ فَلَيْسَ زائِدًا بَلْ قَيْدٌ لا بُدَّ مِنهُ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ بَلِيغُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلِذا اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى النُّصْحِ والتَّقْرِيعِ لِهَؤُلاءِ المُسِيئِينَ الأدَبَ التّارِكِينَ تَعْظِيمَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ كانَ مُقْتَضى ذَلِكَ أنْ يُعَذِّبَهم أوْ يُهْلِكَهم أوْ فَلَمْ تَضِقْ ساحَةُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ هَؤُلاءِ إنْ تابُوا وأصْلَحُوا، ويُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْأقْرَعِ بَعْدَ أنْ دَنا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ: ما يَضُرُّكَ ما كانَ قَبْلَ هَذا، وفي الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُبْحِ سُوءِ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ  ما لا يَخْفى، ومِن هَذا وأمْثالِهِ تُقْتَطَفُ ثَمَرُ الألْبابِ وتُقْتَبَسُ مَحاسِنُ الآدابِ كَما يُحْكى عَنْ أبِي عُبَيْدٍ وهو في الفَضْلِ هو أنَّهُ قالَ: ما دَقَقْتُ بابًا عَلى عالِمٍ حَتّى يَخْرُجَ في وقْتِ خُرُوجِهِ، ونَقَلَهُ بَعْضُهم عَنِ القاسِمِ بْنِ سَلّامٍ الكُوفِيِّ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الحَبْرَ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَذْهَبُ إلى أُبَيٍّ في بَيْتِهِ لِأخْذِ القُرْآنِ العَظِيمِ عَنْهُ فَيَقِفُ عِنْدَ البابِ ولا يَدُقُّ البابَ عَلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ فاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ أُبَيٌّ مِنهُ فَقالَ لَهُ يَوْمًا: هَلّا دَقَقْتَ البابَ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟

فَقالَ: العالِمُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ نَبَيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وقَدْ رَأيْتُ هَذِهِ القِصَّةَ صَغِيرًا فَعَمِلْتُ بِمُوجِبِها مَعَ مَشايِخِي والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ فالحجرات جمع الحجرة.

يقال: حجرة وحجرات، مثل ظلمة وظلمات.

وقرئ في الشاذ: الحجَرات بنصب الجيم.

وقرأه العامة بالضم.

ومعناهما: واحد.

نزلت الآية في شأن نفر من بني تميم، وذلك أن النبيّ  بعث أسامة بن زيد، فانتهى إلى قبيلة، وكانت تسمى بني العنبر، فأغار عليهم، وسبى ذراريهم، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراهم، أو يفدوهم، فنادوه وكان وقت الظهيرة، وكان النبيّ  في الحجرة.

فنادوه من وراء الحجرة، وكان لأزواج النبيّ  حجرات.

فلما خرج النبي كلموه في أمر الزراري، فقال لواحد منهم: احكم.

فقال: حكمت أن تخلي نصف الأسارى، وتبيع النصف منا.

ففعل النبيّ  .

فنزلت الآية إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنهم لو لم ينادوه، لكان يعتقهم كلهم.

وروى معمر عن قتادة أن رجلاً جاء إلى النبي  ، فناداه من وراء الحجرات، فقال: يا محمد إن مَدْحِي زَيْن، وإِن شَتْمِي شين.

فخرج النبيّ  فقال: «وَيْلَكَ ذَلَّكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» .

فَنَزل إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ الآية.

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية.

نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله  إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات، فخرجوا إليه ليبجلوه، ويعظموه، فخشي منهم، لأنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية.

فرجع إلى النبيّ  وقال: خرجوا إِليَّ بأسلحتهم، ومنعوا مني الصدقات وطرحوني وأرادوا قتلي فهم رسول الله  أن يبعث لقتالهم، فجاؤوا إلى المدينة، وقالوا: يا رسول الله لما بلغنا قدوم رسولك، خرجنا نبجله، ونعظمه، فانصرف عنا، فاغتم رسول الله  بما فعل الوليد بن عقبة، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني: بحديث كذب وبخبر كذب فَتَبَيَّنُوا يعني: وتعرفوا ولا تعجلوا أَنْ تُصِيبُوا يعني: كيلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ وأنتم لا تعلمون بأمرهم فَتُصْبِحُوا يعني: فتصيروا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ.

قرأ حمزة، والكسائي: فَتَثَبَّتُوا بالثاء.

وقرأ الباقون: فَتَبَيَّنُوا مثل ما في سورة النساء.

ثم قال للمؤمنين  م: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: ما أمرتم به، لأن الناس كانوا قد حرضوه على إرسالهم لقتال بني المصطلق، لَعَنِتُّمْ يعني: لأثمتم.

وروى أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ.

هذه الآية: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يعني: هذا نبيكم، وخياركم لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ فكيف بكم اليوم.

ويقال: لَعَنِتُّمْ أي: لهلكتم.

وأصله من عنت البعير إذا انكسرت رجله.

ثم ذكر لهم النعم فقال: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعني: جعل حب الإيمان في قلوبكم وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حسنه للثواب الذي وعدكم.

ويقال: دلكم عليه بالحجج القاطعة.

ويقال: زينه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ يعني: بغض إليكم المعاصي، والكفر لما بينه من العقوبة.

ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني: المهتدون.

فذكر أول الآية على وجه المخاطبة، وآخر الآية بالمغايبة.

ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا، فقد دخل في هذا المدح.

وفي الآية دليل أن من كان مؤمناً، فإنه لا يحب الفسوق والمعصية، لأن الله تعالى قال: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ والمؤمن إذا ابتلي بالمعصية، فإن شهوته وغفلته تحمله على ذلك، لا لحبه للمعصية.

ثم قال: أي ذلك التحبيب والتبغيض فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني: كان الإيمان الذي حببه إليكم، والكفر الذي بغضه إليكم، كان فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني: رحمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره وقضائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريّ: امْتَحَنَ: أخلص، انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ: يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وقُرِىءَ «فَتَثَبَّتُوا» روي في سبب الآية: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فرجع، وقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وارتدوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ» «٢» ، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية، وأَنْ تُصِيبُوا معناه: مخافة أنْ/ تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم عند ما نزلت هذه الآية: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ من الشيطان» «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ بَنِي تَمِيمٍ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَنادَوْا عَلى البابِ: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، فَإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ وإنَّ ذَمَّنا شَيْنٌ، فَخَرَجَ وهو يَقُولُ: "إنَّما ذَلِكُمُ اللَّهُ"، فَقالُوا: نَحْنُ ناسٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ جِئْنا بِشاعِرِنا وخَطِيبِنا نُشاعِرُكَ ونُفاخِرُكَ، فَقالَ: "ما بِالشِّعْرِ بُعِثْتُ ولا بِالفَخارِ أُمِرْتُ، ولَكِنْ هاتُوا"، فَقالَ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ لِشابٍّ مِنهُمْ: قُمْ فاذْكُرْ فَضْلَكَ وفَضْلَ قَوْمِكَ، فَقامَ فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَأجابَهُ، وقامَ شاعِرُهُمْ، فَأجابَهُ حَسّانُ، فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: واللَّهِ ما أدْرِي ما هَذا الأمْرُ؟!

تَكَلَّمَ خَطِيبُنا فَكانَ خَطِيبُهم أحْسَنَ قَوْلًا، وتَكَلَّمَ شاعِرُنا فَكانَ شاعِرُهم أشْعَرَ، ثُمَّ دَنا فَأسْلَمَ، فَأعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ  وكَساهُمْ، وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ وكَثُرَ اللَّغَطُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في آخَرِينَ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في جُفاةِ بَنِي تَمِيمٍ، وكانَ فِيهِمُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ، [وَقَيْسُ بْن ُعاصِمٍ المُنْقِرِيُّ]، وخالِدُ بْنُ مالِكٍ، وسُوَيْدُ بْنُ هِشامٍ، وهُما نَهْشَلِيّانِ، والقَعْقاعُ بْنُ مَعْبِدٍ، وعَطاءُ بْنُ حابِسٍ، ووَكِيعُ بْنُ وكِيعٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ سَرِيَّةً إلى بَنِي العَنْبَرِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفَزارِيَّ، فَلَمّا عَلِمُوا بِذَلِكَ هَرَبُوا وتَرَكُوا عِيالَهُمْ، فَسَباهم عُيَيْنَةُ، فَجاءَ رِجالُهم يَفْدُونَ الذَّرارِي، فَقَدِمُوا وقْتَ الظَّهِيرَةِ ورَسُولُ اللَّهِ  قائِلٌ، فَجَعَلُوا يُنادُونَ يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، حَتّى أيْقَظُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: انْطَلَقُوا بِنا إلى هَذا الرَّجُلِ، فَإنْ يَكُنْ نَبِيًّا نَكُنْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ، وإنْ يَكُنْ مَلِكًا نَعْشِ في جَناحِهِ، فَجاؤُوا، فَجَعَلُوا يُنادُونَ يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، [قالَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ] .

فَأمّا "الحُجُراتُ" فَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، [وَأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ]: بِفَتْحِ الجِيمِ؛ وأسْكَنَها أبُو رَزِينٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ؛ وضَمَّها الباقُونَ.

قالَ الفَرّاءُ: وجْهُ الكَلامِ أنْ تَضُمَّ الحاءَ والجِيمَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: الحُجُراتُ والرُّكُباتُ، ورُبَّما خَفَّفُوا فَقالُوا: "الحُجْراتُ"، والتَّخْفِيفُ في تَمِيمٍ، والتَّثْقِيلُ في أهْلِ الحِجازِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُ الحُجُراتِ حُجْرَةٌ، مِثْلُ ظُلْمَةٍ وظُلُماتٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما نادَوْا مِن وراءِ الحُجُراتِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا في أيِّ الحُجَرِ رَسُولُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَكانَ الصَّبْرُ خَيْرًا لَهم.

وفي وجْهِ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَكانَ خَيْرًا لَهم فِيما قَدِمُوا لَهُ مِن فِداءِ ذَرارِيهِمْ، فَلَوْ صَبَرُوا خَلّى سَبِيلَهم بِغَيْرِ فِداءٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لَكانَ أحْسَنَ لِآدابِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ: لِمَن تابَ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ﴾ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللهِ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ ﴾ ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَفُورٌ رَحِيمٌ" ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، والزَبْرَقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، وغَيْرُهُمْ، وذَلِكَ «أنَّهم وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ  فَدَخَلُوا المَسْجِدَ ودَنَوْا مِن حُجَرِ أزْواجِ النَبِيِّ  وهي تِسْعُ، فَجَعَلُوا ونادَوْا ولَمْ يَنْتَظِرُوا، فَنادَوْا بِجُمْلَتِهِمْ: يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، فَكانَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ جَفاءٌ وبَداوَةٌ وقِلَّةُ تَوْقِيرٍ، فَتَرَبَّصَ رَسُولُ اللهِ  مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مَدْحِي زَيْنٌ، وذَمِّي شَيْنٌ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "وَيْلَكَ ذَلِكَ اللهُ تَعالى"، واجْتَمَعَ الناسُ في المَسْجِدِ، فَقامَ خَطِيبُهم فَخَطَبَ وفَخَرَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ  ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَخَطَبَ وذَكَرَ اللهَ تَعالى والإسْلامَ وأرْبى عَلى خَطِيبِهِمْ، ثُمَّ قامَ شاعِرُهم فَأنْشَدَ مُفْتَخِرًا، فَقامَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَخَرَ بِاللهِ تَعالى وبِالرَسُولِ  وبِالبَسالَةِ فَكانَ أشْعَرَ مِن شاعِرِهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: واللهِ إنَّ هَذا الرَجُلَ لَمُؤْتى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أخْطُبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.» هَذا تَلْخِيصُ ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عن أبِي سَلَمَةَ عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكْثَرُهم بَنُو تَمِيمٍ لا يَعْقِلُونَ".

و"الحُجُراتِ" جَمْعُ حُجْرَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "الحُجُراتُ" بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ وحْدَهُ: "الحُجَراتُ" بِفَتْحِ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ يَعْنِي في الثَوابِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وفي انْبِساطِ نَفْسِ النَبِيِّ  وقَضائِهِ لِحَوائِجِهِمْ ووِدِّهِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ خَيْرٌ، لا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَهُ انْزَوى بِسَبَبِ جَفائِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَرْجِيَةٌ لَهم وإعْلامٌ بِقَبُولِهِ تَوْبَةَ التائِبِ، وغُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ لِمَن أنابَ ورَجَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ ﴾ الآيَةُ.

سَبَبُها «أنَّ النَبِيَّ  بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا،» فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ مُعادِيًا لَهم فَأرادَ إذايَتَهُمْ، فَرَجَعَ مِن بَعْضِ طَرِيقِهِ وكَذَبَ عَلَيْهِمْ -قالَهُ الضَحْاكُ - وقالَ لِلنَّبِيِّ  : إنَّهم مَنَعُونِي الصَدَقَةَ وطَرَدُونِي وارْتَدُّوا، فَغَضِبَ النَبِيُّ  وهم بِغَزْوِهِمْ، ونَظَرَ في ذَلِكَ، وبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلَيْهِمْ، فَوَرَدَهُ وفْدَهم مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، لَمّا قَرُبَ مِنهم خَرَجُوا إلَيْهِ مُتَلَقِّينَ لَهُ، فَرَآهم عَلى بُعْدٍ، فَفَزِعَ مِنهُمْ، وظَنَّ بِهِمُ الشَرَّ وانْصَرَفَ، فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِنهم بَلَغَهُ عنهم أنَّهم قالُوا: لا نُعْطِيهِ الصَدَقَةَ ولا نُعْطِيهِ، فَعَمِلَ عَلى صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ وانْصَرَفَ فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذا السَبَبِ، والوَلِيدُ -عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ - هو المُشارُ إلَيْهِ بِالفاسِقِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: هو الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ.

ثُمَّ هي باقِيَةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ غابِرَ الدَهْرِ.

"والفِسْقُ": الخُرُوجُ عن نَهْجِ الحَقِّ، وهو مَراتِبُ مُتَبايِنَةٌ، كُلُّها مَظِنَّةٌ لِلْكَذِبِ ومَوْضِعُ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ، وتَأنَّسَ القائِلُونَ بِقَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ بِما يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ خِطابِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَ الفاسِقِ إذا جاءَ بِنَبَأٍ أنْ يَعْمَلَ بِحَسَبِهِ، وهَذا لَيْسَ بِاسْتِدْلالٍ قَوِيٍّ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الكَلامِ عَلى مَسْألَةِ خَبَرِ الواحِدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "فَتَبَيَّنُوا" مِنَ التَبَيُّنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "فَتُثْبِتُوا".

و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ تُصِيبُوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخافَةَ أنْ تُصِيبُوا، قالَ قَتادَةُ: «قالَ رَسُولُ اللهِ  عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "التَثَبُّتُ مِنَ اللهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَيْطانِ"،» قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى مَن قالَ إنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم عُدُولٌ حَتّى تَثْبُتَ الجُرْحَةُ لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِالتَبَيُّنِ قَبْلَ القَبُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ يَقْتَضِي أنَّ المَجْهُولَ الحالِ يُخْشى أنْ يَكُونَ فاسِقًا، والِاحْتِياطُ لازِمٌ.

قالَ النَقّاشُ: وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُبَيِّنُوا" أبْلَغُ مِن تَثَبَّتُوا؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَثَبَّتُ مَن لا يَتَبَيَّنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْكِذْبَةِ ووَعِيدٌ لِلْفَضِيحَةِ، أيْ: فَلْيُفَكِّرِ الكاذِبُ في أنَّ اللهَ يَفْضَحُهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ  ، ثُمَّ قالَ: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ، أيْ لَشَقِيتُمْ وهَلَكْتُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ: لَوْ يُطِيعُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ في كَثِيرٍ مِمّا تَرَوْنَهُ بِاجْتِهادِكم وتَقَدُّمِكم بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ ﴾ الآيَةُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَكِنَّ اللهَ أنْعَمَ بِكَذا وكَذا، وفي ذَلِكَ كِفايَةٌ وأمْرٌ لا تَقُومُونَ بِشُكْرِهِ، فَلا تَتَقَدَّمُوا في الأُمُورِ واقْنَعُوا بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكُمْ، وحَبَّبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإيمانَ وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ حُبَّهُ وحَسَّنَهُ، وكَذَلِكَ تَكْرِيهُ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، وحَكى الرُمانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ حَبَّبَ الإيمانَ بِما وصَفَ مِنَ الثَوابِ عَلَيْهِ، وكَرِهَ الثَلاثَةَ المُقابِلَةَ لِلْإيمانِ بِما وصَفَ مِنَ العِقابِ عَلَيْها.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ ﴾ رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى ذِكْرِ الغَيْبَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن فَعَلَ هَذا وقَبِلَهُ وشَكَرَ عَلَيْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِنَفْسِهِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ هو بِمَعْناهُ؛ إذِ التَحْبِيبُ والتَزْيِينُ هو نَفْسُ الفَضْلِ، وقَدْ يَجِيءُ المَصْدَرُ مُؤَكِّدًا لِما قَبْلَهُ إذا لَمْ يَكُنْ هو نَفْسُ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ حَقًّا ونَحْوُهُ، وكانَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: قَدْ قالَ تَعالى لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ  : ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ، وأنْتُمْ واللهِ أسْخَفُ رَأْيًا وأطْيَشُ أحْلامًا، فَلْيَتَّهِمْ رَجُلٌ نَفْسَهُ ولِيَنْتَصِحْ كِتابَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة بيان لجملة ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ﴾ [الحجرات: 2] بياناً بالمثال وهو سبب النزول.

فهذا شروع في الغرض والذي نشأ عنه ما أوجب نزول صدر السورة فافتتح به لأن التحذير والوعد اللذين جعلا لأجله صالحان لأن يكونا مقدمة للمقصود فحصل بذلك نسج بديع وإيجاز جليل وإن خالف ترتيب ذكره ترتيبَ حصوله في الخارج، وقد صادف هذا الترتيب المحز أيضاً إذ كان نداؤهم من وراء الحجرات من قبيل الجهر للرسول صلى الله عليه وسلم بالقول كجهر بعضهم لبعض فكان النهي عن الجهر له بالقول تخلصاً لذكر ندائه من وراء الحجرات.

والمراد بالذين ينادون النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات جماعة من وفد بني تميم جاؤوا المدينة في سنة تسع وهي سنة الوفود وكانوا سبعين رجلاً أو أكثر.

وكان سبب وفود هذا الوفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بني العنبر منهم كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة، وقيل كانوا منعوا إخوانهم بني كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم من إعطاء الزكاة، وكان بنو كعب قد أسلموامن قبلُ ولم أقف على وقت إسلامهم، والظاهر أنهم أسلموا في سنة الوفود فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بن سفيان ساعياً لقبض صدقات بني كعب، فمنعهم بنو العنبر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عُيينة بنَ حصن في خمسين من العرب ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري فأسر منهم أحد عشر رجلاً وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبياً.

فجاء في أثرهم جماعة من رؤسائهم لفدائهم فجاؤوا المدينة.

وكان خطيبهم عطارد بن حاجب بن زراره، وفيهم سادتهم الزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، والأقْرع بن حابس، ومعهم عيينة بن حصن الفزاري الغَطفاني وكان هذان الأخيران أسلما من قبل وشهدا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، ثم جاء معهم الوفد فلما دخل الوفد المسجد وكان وقت القائلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في حجرته، نَادوا جميعاً وراء الحجرات: يا محمد اخرُج إلينا ثلاثاً، فإن مَدحَنا زَين، وإن ذمنا شَيْن، نحن أكرم العرب سلكوا في عملهم هذا مسلك وفود العرب على الملوك والسادة، كانوا يأتون بيت الملك أو السيد فيطيفون به يُنادون ليؤذن لهم كما ورد في قصة ورود النابغة على النعمان بن الحارث الغسَاني.

وقولهم: إن مدحنا زيْن، طريقة كانوا يستدرون بها العظماء للعطاء فإضافة: مدحنا وذمنا إلى الضمير من إضافة المصدر إلى فاعله.

فلما خرج إليهم رسول الله قالوا: جئناك نفاخرك فَاذَنْ لشاعرنا وخطِيبنا إلى آخر القصة.

وقولهم: نفاخرك، جروا فيه على عادة الوفود من العرب أن يذكروا مفاخرهم وأيامهم، ويذكرَ الموفُودُ عليهم مفاخرَهم، وذلك معنى صيغة المفاعلة في قولهم: نفاخرك، وكان جمهورهم لم يزالوا كفاراً حينئذٍ وإنما أسلموا بعد أن تفاخروا وتناشدوا الأشعار.

فالمراد ب ﴿ الذين ينادونك ﴾ رجال هذا الوفد.

وإسناد فعل النداء إلى ضمير ﴿ الذين ﴾ لأن جميعهم نادوه، كما قال ابن عطية.

ووقع في حديث البراء بن عازب أن الذي نادى النداء هو الأقرع بن حابس، وعليه فإسناد فعل ﴿ ينادونك ﴾ إلى ضمير الجماعة مجاز عقلي عن نسبة فعل المتبوع إلى أتباعه إذ كان الأقرع بن حابس مقدَّم الوفد، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً.

وإنما قتله واحد منهم، قال تعالى: ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ [البقرة: 72].

ونفي العقل عنهم مراد به عقل التأدب الواجب في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أو عقل التأدب المفعول عنه في عادتهم التي اعتادوها في الجاهلية من الجفاء والغلظة والعنجهية، وليس فيها تحريم ولا ترتب ذنب.

وإنما قال الله تعالى: ﴿ أكثرهم لا يعقلون ﴾ لأن منهم من لم يناد النبي صلى الله عليه وسلم مثلَ ندائهم، ولعل المقصود استثناء اللذيْن كانا أسلما من قبل.

فهذه الآية تأديب لهم وإخراج لهم من مذام أهل الجاهلية.

والوراء: الخلف، وهو جهة اعتبارية بحسب موقع ما يضاف إليه.

والمعنى: أن الحجرات حاجزة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهم لا يرونه فعبر عن جهة من لا يرى بأنها وراء.

و ﴿ من ﴾ للابتداء، أي ينادونك نداء صادراً من وراء الحجرات فالمنادون بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا وراء حجراته فالذي يقول: ناداني فلان وراء الدار، لا يريد وراء مفتح الدار ولا وراء ظهرها ولكن أيَّ جهة منها وكان القوم المنادون في المسجد فهم تجاه الحجرات النبوية، ولو قال: ناداني فلان وراء الدار، دون حرف ﴿ مِن ﴾ ، لكان محتمِلاً لأن يكون المنادي والمنادَى كلاهما في جهة وراء الدار، وأنَّ المجرور ظرف مستقر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ولهذا أوثر جلب ﴿ مِن ﴾ ليدل بالصراحة على أن المنادَى كان داخل الحجرات لأن دلالة ﴿ مِن ﴾ على الابتداء تستلزم اختلافاً بين المبدإ والمنتهَى كذا أشار في «الكشاف»، ولا شك أنه يعني أن اجتلاب حرف ﴿ مِن ﴾ لدفع اللبس فلا ينافي أنه لم يُثبت هذا الفرق في قوله تعالى: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ في سورة الأعراف (17) وقوله: ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ﴾ في سورة الروم (25).

وفيما ذكرنا ما يدفع الاعتراضات على صاحب الكشاف } .

فلفظ ﴿ وراء ﴾ هنا مجاز في الجهة المحجوبة عن الرؤية.

والحُجُرات، بضمتين ويجوز فتح الجيم: جمع حُجْرة بضم الحاء وسكون الجيم وهي البقعة المحجورة، أي التي منعت من أن يستعملها غير حاجرها فهي فُعلة بمعنى مفعولة كغُرفة، وقُبضة.

وفي الحديث: أيقظوا صواحب الحجر يعني أزواجه، وكانت الحجرات تفتح إلى المسجد.

وقرأ الجمهور ﴿ الحجرات ﴾ بضمتين.

وقرأه أبو جعفر بضم الحاء وفتح الجيم.

وكانت الحجرات تِسعاً وهي من جريد النخل، أي الحواجز التي بين كل واحدة والأخرى، وعلى أبوابها مُسوح من شعر أسود وعَرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحو سبعة أذرع، ومساحة البيت الداخل، أي الذي في داخل الحجرة عشرة أذرع، أي فتصير مساحة الحجرة مع البيت سبعة عشر ذراعاً.

قال الحسن البصري: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سُقْفها بيدي.

وإنما ذكر الحجرات دون البيوت لأن البيت كان بيتاً واحداً مقسماً إلى حجرات تسع.

وتعريف ﴿ الحجرات ﴾ باللام تعريف العهد، لأن قوله: ﴿ ينادونك ﴾ مؤذن بأن الحجرات حجراته فلذلك لم تعرف بالإضافة.

وهذا النداء وقع قبل نزول الآية فالتعبير بصيغة المضارع في ﴿ ينادونك ﴾ لاستحضار حالة ندائهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم ﴾ أنه يكسبهم وقارا بين أهل المدينة ويستدعي لهم الإقبال من الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يخرج إليهم غير كاره لندائهم إياه، ورفع أصواتهم في مسجده فكان فيما فعلوه جلافة.

فقوله: ﴿ خيراً ﴾ يجوز أن يكون اسم تفضيل، ويكون في المعنى: لكان صبرهم أفضل من العجلة.

ويجوز أن يكون اسما ضدّ الشر، أي لكان صبرهم خيراً لما فيه من محاسن الخُلق بخلاف ما فعلوه فليس فيه خير، وعلى الوجهين فالآية تأديب لهم وتعليمهم محاسن الأخلاق وإزالة لعوائد الجاهلية الذميمة.

وإيثار ﴿ حتى ﴾ في قوله: ﴿ حتى تخرج إليهم ﴾ دون (إلى) لأجل الإيجاز بحذف حرف (أن) فإنه ملتزم حذفه بعد ﴿ حتّى ﴾ بخلافه بعد (إلى) فلا يجوز حذفه.

وفي تعقيب هذا اللوم بقوله: ﴿ واللَّه غفور رحيم ﴾ إشارة إلى أنه تعالى لم يُحْص عليهم ذنباً فيما فعلوا ولا عَرّض لهم بتوبة.

والمعنى: والله شأنه التجاوز عن مثل ذلك رحمة بالناس لأن القوم كانوا جاهلين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ الآيَةَ.

اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَرَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ  فَناداهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مَدْحِي زَيْنٌ وشَتْمِي شَيْنٌ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ  فَقالَ: (وَيْلَكَ ذاكَ اللَّهُ، ذاكَ اللَّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، فَهَذا قَوْلٌ.

وَرَوى زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ قالَ: «أتى ناسٌ النَّبِيَّ  فَقالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى هَذا الرَّجُلِ، فَإنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَنَحْنُ أسْعَدُ النّاسِ بِاتِّباعِهِ وإنْ يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ في جَنابِهِ، فَأتَوُا النَّبِيَّ  فَجَعَلَوُا يُنادُونَهُ، وهو في حُجْرَتِهِ يا مُحَمَّدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» قِيلَ: إنَّهم كانُوا مِن بَنِي تَمِيمٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ: قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ، والزِّبْرِقانِ بْنِ بَدْرٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وسُوَيْدُ بْنُ هِشامٍ، وخالِدُ بْنُ مالِكٍ، وعَطاءُ بْنُ حابِسٍ، والقَعْقاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، ووَكِيعُ بْنُ وكِيعٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ.

وَفِيَ قَوْلِهِ ﴿ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالعَقْلِ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أفْعالَ العُقَلاءِ لِتَهَوُّرِهِمْ وقِلَّةِ أناتِهِمْ، وهو مُحْتَمَلٌ.

والحُجُراتُ جَمْعُ حُجَرٍ; والحُجَرُ جَمْعُ حُجْرَةٍ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكانَ أحْسَنَ لِأدَبِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ  .

الثّانِي: لَأطْلَقْتَ أسْراهم بِغَيْرِ فِداءٍ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ سَبى قَوْمًا مِن بَنِي العَنْبَرِ، فَجاءُوا في فِداءِ سَبْيِهِمْ وأسْراهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وأبو القاسم البغوي وابن مردويه والطبراني بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين.

فقال: «ذاك الله» ، فأنزل الله: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ قال ابن منيع: لا أعلم روي للأقرع سند غير هذا.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: جاء رجل فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله» .

وأخرج ابن راهويه ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته، فجعلوا ينادونه: يا محمد فأنزل الله: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ﴾ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، وجعل يقول: لقد صدق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين، فقال صلى الله عليه وسلم: «ذاك هو الله» فنزلت ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن تميماً ورجلاً من بني أسد بن خزيمة إستبّا فقال الأسدي: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أعراب بني تميم فقال سعيد رضي الله عنه: لو كان التميمي فقيهاً إن أولها في بني تميم وآخرها في بني أسد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بيني وبين رجل من بني أسد كلام، فقال الأسدي ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ بني تميم ﴿ أكثرهم لا يعقلون ﴾ فذكرت ذلك لسعيد بن جبير قال: أفلا تقول لبني أسد قال الله: ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ فإن العرب لم تسلم حتى قوتلت، ونحن أسلمنا بغير قتال فأنزل الله هذا فيهم.

وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال رجل من بني أسد لرجل من بني تميم وتلا هذه الآية ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ﴾ بني تميم ﴿ لا يعقلون ﴾ فلما قام التميمي وذهب قال سعيد بن جبير: أما إن التميمي لو يعلم ما أنزل في بني أسد لتكلم، قلنا: ما أنزل فيهم؟

قال: جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد أسلمنا طائعين، وإن لنا حقاً فأنزل الله: ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ قال: أعراب من بني تميم.

وأخرج ابن منده وابن مردويه من طريق يعلى بن الأشدق عن سعد بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: «هم الجفاة من بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» .

وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن معبد وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث وعمرو بن أهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سدة حتى أتوا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جافٍ يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين، نحن أكرم العرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك، فذكره بطوله وقال في آخره: فقام التميميون، فقالوا: والله إن هذا الرجل لمصنوع له، لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا، وقال شاعره فكان أشعر من شاعرنا قال: ففيهم أنزل الله: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ من بني تميم ﴿ أكثرهم لا يعقلون ﴾ قال: هذا كان في القراءة الأولى ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ﴾ .

وأخرج ابن سعد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي.

وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحواً من ستة أو سبعة أذرع واحزر البيت الداخل عشرة أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع.

وأخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني قال: أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم، فسمعت سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها، وقال يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وذلك أن رسول الله -  - فاداهم نصف ذراريهم، وأعتق نصفهم، يقول الله: ولو صبروا كنت تعتق كلهم.

قال مقاتل: يعني بالخير أنهم لو صبروا لخلى سبيلهم بغير فداء (١) (٢) قوله: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن تاب منهم (٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 92.

(٢) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 162 أ، وذكره السمرقندي 3/ 262، الماوردي 5/ 328، والقرطبي 16/ 311.

(٣) ذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 152 ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يعني خيراً في الثواب، وفي انبساط نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وقضائه حوائجهم، وإنكار فعلهم فيه تأديب لهم، وتعليم لغيرهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.

﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.

الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بين محل النبي  وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.

ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.

والأظهر أن هذا إرشاد عام.

وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله  : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.

فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.

فقال عمر: ما أردت خلافك.

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.

وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي  فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.

وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.

وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.

وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي  .

وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.

وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.

قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.

وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله  كالتقديم بين يدي الله.

قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.

وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.

وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله  بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.

ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.

وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله  بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله  فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.

فقال له رسول الله  : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.

وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله  استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.

وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله  أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.

قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.

ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.

والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.

وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.

ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.

والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.

وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.

ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.

ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.

فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.

قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.

أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.

وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.

يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله  وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.

قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.

ففي الحديث أنه  قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.

وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.

ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.

ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.

والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.

روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي  وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.

فدخلوا المسجد ونادوا النبي  من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له  .

والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.

وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.

فتأذى رسول الله  من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.

فقال لهم: فيم جئتم؟

فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.

فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.

فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي  ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.

فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.

ثم دنا من رسول الله  وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.

وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.

وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.

أما إخبار الله  عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله  .

وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي  فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.

وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي  أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.

سئل رسول الله  عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.

ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.

ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله  إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.

فهم النبي  بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي  وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي  فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.

وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.

قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.

والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.

ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.

والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.

واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه  ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.

ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.

والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.

ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.

ومدن بالمكان أقام به.

قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله  أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.

وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.

واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.

وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله  فصار فاسقاً بكذبه.

وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.

ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.

نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.

ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.

وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.

قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.

والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.

قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.

ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.

وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.

وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.

ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله  الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.

فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.

قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.

وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.

والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.

وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.

وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.

ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.

قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.

ثم علمهم حكماً آخر.

في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله  : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.

فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.

فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله  فأصلح بينهم.

وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.

وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.

والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة  ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.

وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.

وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.

وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.

والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.

ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم  ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.

وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".

مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.

واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.

وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.

ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.

والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله  ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ  : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ  حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.

وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي  ليست بسكن لنا.

واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه  ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.

أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.

والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.

والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.

والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.

واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ  زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي  وما أنكر عليه أحد.

وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.

وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.

قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.

وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.

وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.

والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.

روي أن النبي  قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.

ثم شرع في تأديبات آخر.

والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.

قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله  أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.

فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.

فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.

فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.

وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله  من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.

وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.

فقال له عبد الله: يا يهودي.

وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.

ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.

وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله  فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.

فقال لها رسول الله  : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.

وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.

وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.

وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.

وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.

عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.

قوله  ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.

والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.

قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.

وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.

قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.

وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.

ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.

وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.

وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.

ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.

وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي  "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.

عن النبي  "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.

ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله  "من الحزم سوء الظن" وعن النبي  "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.

قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.

والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.

تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه  ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.

قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.

عن النبي  أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.

فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.

تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله  عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.

وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.

وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.

شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.

والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.

أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.

أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.

وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.

وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله  فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.

فلما راحا إلى رسول الله  قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟

فقالا: ما تناولنا لحماً.

فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.

قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله  بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.

واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.

ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .

وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي  : من الذاكر فلانة؟

فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.

فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟

قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.

قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.

وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي  بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.

وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.

وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.

وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.

فأتى جبريل  فأخبره.

وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.

ويروى أن رسول الله  رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي  : فاشتراه رجل وكان رسول الله  يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.

فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.

فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.

وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.

والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.

وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله  أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.

فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.

ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.

وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.

وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.

أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.

فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.

والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.

عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.

يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه  "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.

﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.

وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.

قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله  : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.

أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.

﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.

ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.

ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.

يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.

ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.

وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.

فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".

﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.

ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.

وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.

وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.

ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.

وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.

والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟

وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.

يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.

قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.

ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.

وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.

وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.

ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قال بعضهم: إن أبا بكر وعمر -  ما - اختلفا في شيء يحضره رسول الله  فارتفعت أصواتهما، فنزل قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ .

وذكر عن الحسن في قوله -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تذبحوا قبل ذبح النبي يوم النحر، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي  يوم النحر.

وقال قتادة ذكر لنا أن رجالا كانوا يقولون: لو أنزل كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، وأمرهم ألا يسبقوا نبيه  بقول ولا عمل حتى يبين الله -  - بيانه، وأمثال ذلك قد قالوا، والله أعلم.

وأصل ذلك عندنا من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، أي: يأيها الذين آمنوا اعلما أن لله الخلق والأمر، ولا تقدموا أمراً، ولا قولا، ولا فعلا، ولا حكماً، ولا نهياً سوى ما أمر الله -  - به ورسوله  وغير ما نهى عنه؛ بل اتبعوا أمره ونهيه، وراقبوه على ما آمنتم به وأقررتم بأن له الخلق والأمر، فاحفظوا أمره ونهيه، ولا تخالفوه ولا رسوله في شيء من الأمر والنهي، فهذا يدخل فيه كل شيء وكل أمر من القول، والفعل، والقضاء، والحكم، والذبح، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا من إيمانهم بأن له الخلق والأمر في الخلق؛ إذ مثل هذا الخطاب لو كان لواحد خاص لكان حكمه يلزم الكل، وكذلك لو كان في أمر واحد وفعل واحد كان يدخل في ذلك جميع الأمور، فكيف والخطاب بذلك عام مطلق؟!

فهو للكل، وفي كل الأمور، والله الموفق.

وعلى ذلك ما روي عن مسروق أنه دخل على عائشة -  ا - فأمرت الجارية أن تسقيه، فقال: إني صائم - وهو اليوم الذي يشك فيه - فقالت له: قد نهى عن هذا، وتلت قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ في صيام ولا غيره.

اعتبرت عائشة -  ا - عموم الآية في النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة النبي  في [كل] قول أو فعل.

وكذلك روي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال في قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: اتقوا مخالفة أمر الله ونهيه قولا وفعلا، واتقوا مخالفة رسوله فيما يأمركم بأمر الله ونهيه، وفي كل ما دعاكم إليه ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لأقوالكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأفعالكم وأعمالكم، ولا قوة إلا بالله.

ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الجوارح ولا العدد في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي: خلقته على علم مني بما يكون منه [من] خلاف أو معصية، لم أخلقه عن جهل بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ و ﴿ خَبِيرٌ  ﴾ ، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ذلك هذا، كما فهموا من قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله ونهيه دون الجوارح والعدد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر -  ما - اختلفا في شيء بحضرة النبي  فارتفعت أصواتهما.

وقال بعضهم: إنها نزلت في قوم كانوا إذا سئل النبي  عن شيء قالوا فيه قبل قول النبي  .

وعندنا: لا يحتمل أن يكون من رفع الصوت فوق صوت رسول الله  والجهر بالقول له، وما ذكر من التقدم بين يدي رسول الله  في الأمر والنهي أن يكون الخطاب بذلك للذين صحبوا رسول الله  واتبعوا أمره ونهيه؛ إذ لا يحتمل منهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ويجهروا له بالقول أو يقدموا بين يديه في أمر ولا نهي إلا عن سهو، أو غفلة، أو إذن منه بالمناظرة والمحاورة في العلم، فعند ذلك ترتفع أصواتهم؛ لأن رسول الله  كان أجل في قلوبهم وأعظم قدراً من أن يتجاسروا التقدم بين يديه بأمر، أو قول، أو رفع صوت، أو جهر القول له، فتكون الآية في أهل الشرك [أو] في أهل النفاق، والله أعلم.

ثم إن كان الخطاب بذلك للذين آمنوا فهو على جهين: أحدهما: أن ذلك منه ابتداء محنة امتحنهم بذلك وأمرهم به من غير أن كان منهم شيء من ذلك من التقدم بين يديه، ورفع الصوت، والجهر له بالقول، ولله -  - أن يمتحن ويأمر وينهى من شاء بما شاء ابتداء؛ امتحاناً منه لهم، وهو ما ذكرنا من نهي الرسل - عليهم السلام - عن الشرك والمعاصي وإن كانوا معصومين عن ذلك؛ لأن العصمة لا تمنع النهي؛ لأن العصمة إما تكون عصمة إذا كان هناك أمر ونهي؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من النهي عن التقدم، والرفع بالصوت، والجهر بالقول، وإن لم يكن منهم شيء مما ذكر ابتداء محنة منه لهم، والله أعلم.

ويحتمل أنه خاطب هؤلاء الصحابة -  م - بذلك؛ ليتعظ بذلك من يشهد مجلسه من المنافقين وغيرهم من الكفارين؛ إذ كان يشهد مجلسه أهل النفاق وسائر الكفرة؛ لئلا يعاملوا رسول الله  بمثل معاملة بضعهم بعضا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ ذكر هذا؛ ليكونوا أبداً متعظين بين يدي رسول الله  حذرين، معظيمن له في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات مايجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول الله  يكفر صاحبه، ولا يكون معذوراً، وإن فعله على السهو والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع الله -  - المؤاخذة عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل في حد جواز المؤاخذة، والله أعلم.

وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمه الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هؤلاء الناس أن عملا يحبط عملا، والله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى - وإن قلت - سبباً لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطيرٍ حقيرٌ.

ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي  ، و[نحو] ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ دلت هذه الآية أن الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ في أهل النفاق، فأما أصحابه الذين صحبوه وآمنوا به، [و] عرفوا أنه [رسول] رب العالمين، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ذكر من رفع الصوت عنده، وجهر القول له، والنداء له باسمه من بُعْدٍ، إنما ذلك به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له، والتوقير، والتشريف؛ لما عرفوا أن نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره، فكيف يحتمل عنهم ذلك؛ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم، ويقدموا بين يديه، أو النداء من بعد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ هذا وصف المؤمنين، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك، والامتحان - هاهنا - هو التصفية والإخلاص؛ يقال: امتحن الذهب: إذ أخلص وصفي الصافي منه والخالص من غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق.

وقال بعضهم: إن نفرا من الأعراب جاءوا، وقالوا: ننطلق إلى هذا الرجل - يعنون: محمداً  - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعيش في جناحه، فأتوا إلى رسول الله  فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد؛ فنزلت هذه الآية.

وقال بعضهم: كان النبي  سبى ذراري بني تيم ونساءهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتقاهم وردهم إليهم، فنادوه من وراء الحجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضاً؛ فنزلت الآية.

وقوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ ؛ لأن ذلك أعظم لقدره، وأجل لمنزلته، وأعرف لحقه، وأحفظ لحرمته.

ثم قوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أكثرهم لا يعرفون قدره ومنزلته، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك، وهم المؤمنون.

والثاني: أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون.

والثالث: أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة، وإنما يعرف القليل منهم، وهم الرؤساء المعاندون.

وفي هذه الآية وفي قوله -  -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن لم يعلم به ولم يقصد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أن هؤلاء الذين ينادونك -أيها الرسول- من وراء حجرات نسائك، صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم، فيخاطبوك مخفوضة أصواتهم؛ لكان ذلك خيرًا لهم من ندائك من ورائها؛ لما فيه من التوقير والتعظيم، والله غفور لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم، وغفور لهم لجهلهم، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.71xXY"

مزيد من التفاسير لسورة الحجرات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده