الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ٦ من سورة الحجرات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 151 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له ، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر - كاذبا أو مخطئا ، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه ، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين ، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر ، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق ، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال .
وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة .
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني المصطلق .
وقد روي ذلك من طرق ، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق ، وهو الحارث بن ضرار ، والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن سابق ، حدثنا عيسى بن دينار ، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي يقول : قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاني إلى الإسلام ، فدخلت فيه وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها ، وقلت : يا رسول الله ، أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة ، فمن استجاب لي جمعت زكاته ، ويرسل إلي رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة .
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له ، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث إليه ، احتبس عليه الرسول فلم يأته ، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله ، فدعا بسروات قومه ، فقال لهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخلف ، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت ، فانطلقوا فنأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق - أي : خاف - فرجع فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي .
فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البعث إلى الحارث .
وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث ، فقالوا : هذا الحارث ، فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم ؟
قالوا : إليك .
قال : ولم ؟
قالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بعث إليك الوليد بن عقبة ، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله .
قال : لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني .
فلما دخل الحارث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟
" .
قال : لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشيت أن يكون كانت سخطة من الله ورسوله .
قال : فنزلت الحجرات : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ) إلى قوله : ( حكيم ) ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار ، عن محمد بن سابق به .
ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق ، به ، غير أنه سماه الحارث بن سرار ، والصواب : الحارث بن ضرار ، كما تقدم .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا جعفر بن عون ، عن موسى بن عبيدة ، عن ثابت مولى أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة ، فسمع بذلك القوم ، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله ، قالت : فرجع إلى رسول الله فقال : إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم .
فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون .
قالت : فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصفوا له حين صلى الظهر ، فقالوا : نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله ، بعثت إلينا رجلا مصدقا ، فسررنا بذلك ، وقرت به أعيننا ، ثم إنه رجع من بعض الطريق ، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر ، قالت : ونزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) .
وروى ابن جرير أيضا من طريق العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات ، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه ، رجع الوليد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة .
فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك غضبا شديدا ، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله ، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله .
وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - استغشهم وهم بهم ، فأنزل الله عذرهم في الكتاب ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) إلى آخر الآية .
وقال مجاهد وقتادة : أرسل رسول الله الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم ، فتلقوه بالصدقة ، فرجع فقال : إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك زاد قتادة : وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام - فبعث رسول الله خالد بن الوليد إليهم ، وأمره أن يتثبت ولا يعجل .
فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه ، فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه ، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر ، فأنزل الله هذه الآية .
قال قتادة : فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " التبين من الله ، والعجلة من الشيطان " .
وكذا ذكر غير واحد من السلف ، منهم : ابن أبي ليلى ، ويزيد بن رومان ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم في هذه الآية : أنها نزلت في الوليد بن عقبة ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) عن قوم ( فَتَبَيَّنُوا ).
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( فَتَبَيَّنُوا ) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة ( فَتَثَبَّتُوا ) بالثاء, وذُكر أنها في مصحف عبد الله منقوطة بالثاء.
وقرأ ذلك بعض القرّاء فتبيَّنوا بالباء, بمعنى: أمهلوا حتى تعرفوا صحته, لا تعجلوا بقبوله, وكذلك معنى ( فَتَثَبَّتُوا ).
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وذُكر أن هذه الآية نـزلت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط.
* ذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك: حدثنا أبو كُريب, قال: ثنا جعفر بن عون, عن موسى بن عبيدة, عن ثابت موْلى أمّ سلمة, عن أمّ سلمة, قالت: " بعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة, فسمع بذلك القوم, فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال: فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله, قالت: فرجع إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم, فغضب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمون قال: فبلغ القوم رجوعه قال: فأتوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فصفوا &; 22-287 &; له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدّقا, فسررنا بذلك, وقرّت به أعيننا, ثم إنه رجع من بعض الطريق, فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله, فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال, وأذّن بصلاة العصر; قال: ونـزلت ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ).
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ).
.
.
الآية, قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط, ثم أحد بني عمرو بن أمية, ثم أحد بني أبي معيط إلى بني المصطلق, ليأخذ منهم الصدقات, وإنه لما أتاهم الخبر فرحوا, وخرجوا ليَتَلَقَّوْا رسول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وإنه لما حدّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه, رجع إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة, فغضب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم غضبا شديدا, فبينما هو يحدّث نفسه أن يغزوهم, إذ أتاه الوفد, فقالوا: يا رسول الله, إنا حدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق, وإنا خشينا أن يكون إنما ردّه كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا, وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله, فأنـزل الله عذرهم في الكتاب, فقال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ).
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد " في قوله ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) قال: الوليد بن عقبة بن أبي معيط, بعثه نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بني المصطلق, ليصدّقهم, فتلقوه بالهدية فرجع إلى محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال: إن بني المصطلق جمعت &; 22-288 &; لتقاتلك ".
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ )...
حتى بلغ ( بِجَهَالَةٍ ) وهو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة, بعثه نبيّ لله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مصدّقا إلى بني المصطلق, فلما أبصروه أقبلوا نحوه, فهابهم, فرجع إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأخبره أنهم قد ارتدّوا عن الإسلام, فبعث نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خالد بن الوليد, وأمره أن يتثبَّت ولا يعجل, فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه; فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام, وسمعوا أذانهم وصلاتهم, فلما أصبحوا أتاهم خالد, فرأى الذي يعجبه, فرجع إلى نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأخبره الخبر, فأنـزل الله عزّ وجلّ ما تسمعون, فكان نبيّ الله يقول: التَّبَيُّنُ مِنَ اللّهِ, والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطان ".
حدثنا بن عبد الأعلى, قال: ثنا أبن ثور, عن معمر, عن قتادة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) فذكر نحوه.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن هلال الوزّان, عن ابن أبي ليلى, في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) قال: نـزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن حُمَيد, عن هلال الأنصاري, عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) قال: نـزلت في الوليد بن عقبة حين أُرسل إلى بني المصطلق.
قال: ثنا سلمة, قال: ثنا محمد بن إسحاق, عن يزيد بن رومان, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم, الوليد بن أبي معيط; فلما سمعوا به ركبوا إليه; فلما سمع بهم خافهم فرجع إلى رسول الله صلى الله, فأخبره أن القوم قد هَموا بقتله, ومنعوا ما قِبَلهم من صدقاتهم, فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بأن يغزوهم, فبينما هم في ذلك قَدِم وفدهم على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ &; 22-289 &; وَسَلَّم, فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا, فخرجنا إليه لنكرمه, ولنؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة, فاستمرّ راجعا, فبلغنا أنه يزعم لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنا خرجنا إليه لنقاتله, ووالله ما خرجنا لذلك; فأنـزل الله في الوليد بن عقبة وفيهم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ )...
الآية.
قال: (1) بعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا من أصحابه إلى قوم يصدقهم, فأتاهم الرجل, وكان بينه وبينهم إحنة في الجاهلية; فلما أتاهم رحبوا به, وأقرّوا بالزكاة, وأعطوا ما عليهم من الحقّ, فرجع الرجل إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال: يا رسول الله, منع بنو فلان الصدقة, ورَجعوا عن الإسلام, فغضب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وبعث إليهم فأتوْه فقال: أمَنَعْتُمُ الزَّكاةَ, وَطَرَدْتُمْ رَسُولي؟
" فقالوا: والله ما فعلنا, وإنا لنعلم أنك رسول الله, ولا بدّ لنا, ولا منعنا حقّ الله في أموالنا, فلم يصدقهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأنـزل الله هذه الآية, فعذرهم.
وقوله ( أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ) يقول تعالى ذكره: فتبيَّنوا لئلا تصيبوا قوما برآء مما قذفوا به بجناية بجهالة منكم ( فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) يقول: فتندموا على إصابتكم إياهم بالجناية التي تصيبونهم بها.
------------------------ الهوامش: (1) يظهر أن هذا بدء رواية أخرى ، أوردها في الدر عن جابر .
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .فيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ قيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط .
وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم - في رواية : لإحنة كانت بينه وبينهم - ، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام .
فبعث نبي الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل ، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا ، فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه ، فعاد إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فنزلت هذه الآية ، فكان يقول نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : ( التأني من الله والعجلة من الشيطان ) .وفي رواية : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه [ ص: 283 ] إلى بني المصطلق بعد إسلامهم ، فلما سمعوا به ركبوا إليه ، فلما سمع بهم خافهم ، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن القوم قد هموا بقتله ، ومنعوا صدقاتهم .
فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغزوهم ، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة ، فاستمر راجعا ، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله ، والله ما خرجنا لذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .وسمي الوليد فاسقا أي : كاذبا .
قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله : الفاسق الكذاب .
وقال أبو الحسن الوراق : هو المعلن بالذنب .
وقال ابن طاهر : الذي لا يستحي من الله .
وقرأ حمزة والكسائي ( فتثبتوا ) من التثبت .
الباقون فتبينوا من التبيين أن تصيبوا أي لئلا تصيبوا ، ف ( أن ) في محل نصب بإسقاط الخافض .
قوما بجهالة أي بخطإ .
فتصبحوا على ما فعلتم على العجلة وترك التأني .الثانية : في هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ; لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق .
ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا ; لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها .
وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود ، وإثبات حق مقصود على الغير ، مثل أن يقول : هذا عبدي ، فإنه يقبل قوله .
وإذا قال : قد أنفذ فلان هذا لك هدية ، فإنه يقبل ذلك .
وكذلك يقبل في مثله خبر الكافر .
وكذلك إذا أقر لغيره بحق على نفسه فلا يبطل إجماعا .
وأما في الإنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره : لا يكون وليا في النكاح .
وقال أبو حنيفة ومالك : يكون وليا لأنه يلي مالها فيلي بضعها .
كالعدل ، وهو وإن كان فاسقا في دينه إلا أن غيرته موفرة وبها يحمي الحريم ، وقد يبذل المال ويصون الحرمة ، وإذا ولي المال فالنكاح أولى .الثالثة : قال ابن العربي : ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق .
ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين .
وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم ، ولا استطيعت إزالتهم صلي معهم ووراءهم ، كما قال عثمان : الصلاة أحسن ما يفعل الناس ، فإذا أحسنوا فأحسن ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم .
ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا [ ص: 284 ] الصلاة لله ، ومنهم من كان يجعلها صلاته .
وبوجوب الإعادة أقول ، فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة ، ولكن يعيد سرا في نفسه ، ولا يؤثر ذلك عند غيره .الرابعة : وأما أحكامه إن كان واليا فينفذ منها ما وافق الحق ويرد ما خالفه ، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال ، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تؤثر أو قول يحكى ، فإن الكلام كثير والحق ظاهر .الخامسة : لا خلاف في أنه يصح أن يكون رسولا عن غيره في قول يبلغه أو شيء يوصله ، أو إذن يعلمه ، إذا لم يخرج عن حق المرسل ، والمبلغ ، فإن تعلق به حق لغيرهما لم يقبل قوله .
وهذا جائز للضرورة الداعية إليه ، فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إلا العدول لم يحصل منها شيء لعدمهم في ذلك .
والله أعلم .السادسة : وفي الآية دليل على فساد من قال : إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة ; لأن الله تعالى أمر بالتثبت قبل القبول ، ولا معنى للتثبت بعد إنفاذ الحكم ، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة .السابعة : فإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملا بجهالة ، كالقضاء بالشاهدين العدلين ، وقبول قول العالم المجتهد .
وإنما العمل بالجهالة قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقبوله .
ذكر هذه المسألة القشيري ، والذي قبلها المهدوي .
وهذا أيضًا، من الآداب التي على أولي الألباب، التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال، بغير حق، بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا، ولهذا كان السلف يقبلون روايات كثير [من] الخوارج، المعروفين بالصدق، ولو كانوا فساقًا.
قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية ، نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا ، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي ، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أن يغزوهم ، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله - عز وجل - ، فبدا له الرجوع ، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فاتهمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه ، وقال له : انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم ، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار ، ففعل ذلك خالد ، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء ، فأخذ منهم صدقاتهم ، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير ، فانصرف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره الخبر ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ) يعني الوليد بن عقبة ( بنبأ ) بخبر ( فتبينوا أن تصيبوا ) كي لا تصيبوا بالقتل والقتال ( قوما ) برآء ( بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) من إصابتكم بالخطأ .
«يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ» خبر «فتبينوا» صدقه من كذبه، وفي قراءة فتثبتوا من الثبات «أن تصيبوا قوما» مفعول له، أي خشية ذلك «بجهالة» حال من الفاعل، أي جاهلين «فتصبحوا» تصيروا «على ما فعلتم» من الخطأ بالقوم «نادمين» وأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالدا فلم يرَ فيهم إلا الطاعة والخير فأخبر النبي بذلك.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن جاءكم فاسق بخبر فتثبَّتوا من خبره قبل تصديقه ونقله حتى تعرفوا صحته؛ خشية أن تصيبوا قومًا برآء بجناية منكم، فتندموا على ذلك.
ثم وجهت السورة نداء ثالثا إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالتثبت من صحة الأخبار التى تصل إليهم ، وأرشدتهم إلى مظاهر فضل الله - تعالى - عليهم؛ لكى يواظبوا على شكره ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا .
.
.
والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعث الوليد بن عقبة إلى نبى المصطلق ليأخذ منهم الصدقات ، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - .فرجع الوليد - ظنا منه أنهم يريدون قتله - فقال يا رسول الله : إن بنى المصطلق قد منعوا الصدقة ، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك غضبا شديدا ، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذا أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله ، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإن خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله .
فأنزل الله - تعالى - الآية .والفاسق : هو الخارج عن الحدود الشرعية التى يجب التزامها ، مأخوذ من قولهم : فسقت الرطبة ، إذا خرجت عن قشرتها ، وسمى بذلك لانسلاخه عن الخير والرشد .وقرأ الجمهور : ( فتبينوا ) وقرأ حمزة والكسائى ( فثبتوا ) ومعناهما واحد ، إذ هما بمعنى التأنى وعدم التعجل فى الأمور حتى تظهر الحقيقة فيما أخبر به الفاسق .أى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، إن جاءكم افسق بخير من الأخبار ، ولا سيما الأخبار الهامة ، فلا تقبلوه بدون تبين أو تثبت ، بل تأكدوا وتيقنوا من صحته قبل قبوله منه .والتعبير " بإن " المفيدة للشك ، للإِشعار بأن الغالب فى المؤمن أن يكون يقظا ، يعرف مداخل الأمور ، وما يترتب عليها من نتائج ، ويحكم عقله فيما يسمع من أنباء ، فلا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته .قال صاحب الكشاف : وفى تنكير الفاسق والنبأ : شياع فى الفساق والأنباء ، كأنه قال : أى فاسق جاءكم بأى نبأ فتوفقوا فيه ، وتطلبوا بيان الأمر ، وانكشاف الحيققة ولا تعتمدوا على قول الفاسق ، لأن من لا يتحامى جنس الفوسق لا يتحامى الكذب الذى هو نوع منه .وقال القرطبى : وفى الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عن نقل خبر الفاسق ، ومن ثبت فسقه بطل قوله فى الأخبار إجماعا ، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها .وقوله : ( أَن تُصِيبُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ ) .
.
تعليل للأمر بالتبين ، بتقدير لام التعليل ، أو بتقدير ما هو بمعنى المفعول لأجله .
والجهالة بمعنى الجهل بحقيقة الشئ .أى : تثبتوا - أيها المؤمنون - من صحة خبر الفاسق ، لئلا تصيبوا قوما بما يؤذيهم ، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم ، أو خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، لظنكم أن النبأ الذى جاء به الفاسق حقا .وقوله : ( فَتُصْبِحُواْ على مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) بيان للنتائج السيئة التى تترتب على تصديق خبر الفاسق ، و ( تُصْبِحُواْ ) بمعنى تصيروا ، والندم : غم يلحق الإِنسان لأمور وقعت منه ، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان عدم وقوعها .أى : فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديداً ، بسبب تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت .فالآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار استقبالا سليما ، وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما ، فتأمرهم بضرورة التثبت من صحة مصدرهأن حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق فى خبره ، بدون تأكد أو تحقق من صحة ما قاله .
.
وبهذا التحقق من صحة الأخبار ، يعيش المجتمع الإِسلامى فى أمان واطمئنان ، وفى بعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من أحكام .
هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وهي إما مع الله تعالى أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهم من أبناء الجنس، وهم على صنفين، لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين وداخلين في رتبة الطاعة أو خارجاً عنها وهو الفاسق والداخل في طائفتهم السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضراً عندهم أو غائباً عنهم فهذه خمسة أقسام أحدها: يتعلق بجانب الله.
وثانيها: بجانب الرسول.
وثالثها: بجانب الفساق.
ورابعها: بالمؤمن الحاضر.
وخامسها: بالمؤمن الغائب فذكرهم الله تعالى في هذه السورة خمس مرات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وأرشدهم في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة فقال أولاً: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ ﴾ وذكر الرسول كان لبيان طاعة الله لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله، وقال ثانياً: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي ﴾ لبيان وجوب احترم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ثالثاً: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ﴾ لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوالهم، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بينكم وبين ذلك عند تفسير قوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقال رابعاً: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم والازدراء بحالهم ومنصبهم، وقال خامساً: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته، وذكر ما لو كان حاضراً لتأذى، وهو في غاية الحسن من الترتيب، فإن قيل: لم لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة الابتداء بالله ورسوله، ثم بالمؤمن الحاضر، ثم بالمؤمن الغائب، ثم بالفاسق؟
نقول: قدم الله ما هو الأهم على ما دونه، فذكر جانب الله، ثم ذكر جانب الرسول، ثم ذكر ما يفضي إلى الاقتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق والاعتماد عليه، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفاراً للصدور، وأما المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى القتل، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عقيب نبأ الفاسق آية الاقتتال، فقال: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان لأمه إلى بني المصطلق ولياً ومصدقاً فالتقوه، فظنهم مقاتلين، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنهم امتنعوا ومنعوا، فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيقاع بهم، فنزلت هذه الآية، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يفعلوا من ذلك شيئاً، وهذا جيد إن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت، وأما إن قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصراً عليه ومتعدياً إلى غيره فلا، بل نقول هو نزل عاماً لبيان التثبت، وترك الاعتماد على قول الفاسق، ويدل على ضعف قول من يقول: إنها نزلت لكذا، أن الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه بين أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت، وهو مثل التاريخ لنزول الآية، ونحن نصدق ذلك، ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ إلى غير ذلك.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ ﴾ إشارة إلى لطيفة، وهي أن المؤمن كان موصوفاً بأنه شديد على الكافر غليظ عليه، فلا يتمكن الفاسق من أن يخبره بنبأ، فإن تمكن منه يكون نادراً، فقال: ﴿ إِن جَاءَكُمْ ﴾ بحرف الشرط الذي لا يذكر إلا مع التوقع، إذ لا يحسن أن يقال: إن احمر البسر، وإن طلعت الشمس.
المسألة الثالثة: النكرة في معرض الشرط تعم إذا كانت في جانب الثبوت، كما أنها تعم في الإخبار إذا كانت في جانب النفي، وتخص في معرض الشرط إذ كانت في جانب النفي، كما تخص في الإخبار إذا كانت في جانب الثبوت، فلنذكر بيانه بالمثال ودليله، أما بيانه بالمثال فنقول: إذا قال قائل لعبده: إن كلمت رجلاً فأنت حر، فيكون كأنه قال: لا أكلم رجلاً حتى يعتق بتكلم كل رجل، وإذا قال: إن لم أكلم اليوم رجلاً فأنت حر، يكون كأنه قال: لا أكلم اليوم رجلاً حتى لا يعتق العبد بترك كلام كل رجل، كما لا يظهر الحلف في كلامه بكلام كل رجل إذا ترك الكلام مع رجل واحد، وأما الدليل فلأن النظر أولاً إلى جانب الإثبات، ألا ترى أنه من غير حرف لما أن الوضع للاثبات والنفي بحرف، فقول القائل: زيد قائم، وضع أولاً ولم يحتج إلى أن يقال مع ذلك حرف يدل على ثبوت القيام لزيد، وفي جانب النفي احتجنا إلى أن نقول: زيد ليس بقائم، ولو كان الوضع والتركيب أولاً للنفي، لما احتجنا إلى الحرف الزائد اقتصاراً أو اختصاراً، وإذا كان كذلك فقول القائل: رأيت رجلاً، يكفي فيه ما يصحح القول وهو رؤية واحد، فإذا قلت: ما رأيت رجلاً، وهو وضع لمقابلة قوله: رأيت رجلاً، وركب لتلك المقابلة، والمتقابلان ينبغي أن لا يصدقا، فقول القائل: ما رأيت رجلاً، لو كفى فيه انتفاء الرؤية عن غير واحد لصح قولنا: رأيت رجلاً، وما رأيت رجلاً، فلا يكونان متقابلين، فيلزمنا من الاصطلاح الأول الاصطلاح الثاني، ولزم منه العموم في جانب النفي، إذا علم هذا فنقول: الشرطية وضعت أولاً، ثم ركبت بعد الجزمية بدليل زيادة الحرف وهو في مقابلة الجزمية، وكان قول القائل: إذا لم تكن أنت حراً ما كلمت رجلاً يرجع إلى معنى النفي، وكما علم عموم القول في الفاسق علم عمومه في النبأ فمعناه: أي فاسق جاءكم بأي نبأ، فالتثبت فيه واجب.
المسألة الرابعة: متمسك أصحابنا في أن خبر الواحد حجة، وشهادة الفاسق لا تقبل، أما في المسألة الأولى فقالوا علل الأمر بالتوقف بكونه فاسقاً، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل، لما كان للترتيب على الفاسق فائدة، وهو من باب التمسك بالمفهوم.
وأما في الثانية فلوجهين: أحدهما: أمر بالتبين، فلو قبل قوله لما كان الحاكم مأموراً بالتبين، فلم يكن قول الفاسق مقبولاً، ثم إن الله تعالى أمر بالتبين في الخبر والنبأ، وباب الشهادة أضيف من باب الخبر والثاني: هو أنه تعالى قال: ﴿ أن تُصِيببُواْ قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ ﴾ والجهل فوق الخطأ، لأن المجتهد إذ أخطأ لا يسمى جاهلاً، والذي يبني الحكم على قول الفاسق إن لم يصب جهل فلا يكون البناء على قوله جائزاً.
المسألة الخامسة: ﴿ أن ﴾ ذكرنا فيها وجهين: أحدهما: مذهب الكوفيين، وهو أن المراد لئلا تصيبوا.
وثانيها: مذهب البصريين، وهو أن المراد كراهة أن تصيبوا، ويحتمل أن يقال: المراد فتبينوا واتقوا، وقوله تعالى: ﴿ أن تصيبوا قَوْماً ﴾ يبين ما ذكرنا أن يقول الفاسق: تظهر الفتن بين أقوام، ولا كذلك بالألفاظ المؤذية في الوجه، والغيبة الصادرة من المؤمنين، لأن المؤمن يمنعه دينه من الإفحاش والمبالغة في الإيحاش، وقوله: ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في تقدير حال، أي أن تصيبوهم جاهلين وفيه لطيفة، وهي أن الإصابة تستعمل في السيئة والحسنة، كما في قوله تعالى: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله ﴾ لكن الأكثر أنها تستعمل فيما يسوء، لكن الظن السوء يذكر معه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ فَتُصْبِحُواْ على مَا فَعَلْتُمْ نادمين ﴾ بياناً لأن الجاهل لابد من أن يكون على فعله نادماً، وقوله: ﴿ فَتُصْبِحُواْ ﴾ معناه تصيروا، قال النحاة: أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى دخول الرجل في الصباح، كما يقول القائل: أصبحنا نقضي عليه.
وثانيها: بمعنى كان الأمر وقت الصباح كذا وكذا، كما يقول: أصبح اليوم مريضنا خيراً مما كان، غير أنه تغير ضحوة النهار، ويريد كونه في الصبح على حاله، كأنه يقول: كان المريض وقت الصبح خيراً وتغير ضحوة النهار.
وثالثها: بمعنى صار يقول القائل أصبح زيد غنياً ويريد به صار من غير إرادة وقت دون وقت، والمراد هاهنا هو المعنى الثالث وكذلك أمسى وأضحى، ولكن لهذا تحقيق وهو أن نقول لابد في اختلاف الألفاظ من اختلاف المعاني واختلاف الفوائد، فنقول الصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم، وقد تكون في آخر بمعنى آل الأمر إليه، وقد تكون متوسطة.
مثال الأول: قول القائل صار الطفل فاهماً أي أخذ فيه وهو في الزيادة.
مثال الثاني: قول القائل صار الحق بيناً واجباً أي انتهى حده وأخذ حقه.
مثال الثالث: قول القائل صار زيد عالماً وقوياً إذا لم يرد أخذه فيه، ولا بلوغه نهايته بل كونه متلبساً به متصفاً به، إذا علمت هذا فأصل استعمال أصبح فيما يصير الشيء آخذاً في وصف ومبتدئاً في أمر، وأصل أمسى فيما يصير الشيء بالغاً في الوصف نهايته، وأصل أضحى التوسط لا يقال أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد، نقول إذا تقاربت المعاني جاز الاستعمال، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل، وكثير من الألفاظ أصله مضى واستعمل استعمالاً شائعاً فيما لا يشاركه، إذا علم هذا فنقول قوله تعالى: ﴿ فَتُصْبِحُواْ ﴾ أي فتصيروا آخذين في الندم متلبسين به ثم تستديمونه وكذلك في قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ أي أخذتم في الأخوة وأنتم فيها زائدون ومستمرون، وفي الجملة اختار في القرآن هذه اللفظة لأن الأمر المقرون به هذه اللفظة، إما في الثواب أو في العقاب وكلاهما في الزيادة، ولا نهاية للأمور الإلهية وقوله تعالى: ﴿ نادمين ﴾ الندم هم دائم والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام، كما في قول القائل: أدمن في الشرب ومدمن أي أقام، ومنه المدينة.
وقوله تعالى: ﴿ فَتُصْبِحُواْ على مَا فَعَلْتُمْ نادمين ﴾ فيه فائدتان: إحداهما: تقرير التحذير وتأكيده، ووجهه هو أنه تعالى لما قال: ﴿ أن تُصِيبُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ ﴾ قال بعده وليس ذلك مما لا يلتفت إليه، ولا يجوز للعاقل أن يقول: هب أني أصبت قوماً فماذا علي؟
بل عليكم منه الهم الدائم والحزن المقيم، ومثل هذا الشيء واجب الاحتراز منه.
والثانية: مدح المؤمنين، أي لستم ممن إذا فعلوا سيئة لا يلتفتون إليها بل تصبحون نادمين عليها.
<div class="verse-tafsir"
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً، ثم قال: هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم مصدّقاً إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يغزوهم.
فبلغ القوم فوردوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم فقال: «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم» ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع.
وفي تنكير الفاسق والنبأ: شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ.
فتوقفوا فيه وتطلبوا الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق؛ لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.
والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه.
يقال: فسقت الرطبة عن قشرها.
ومن مقلوبه: فقست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.
ومن مقلوبه أيضاً: قفست الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصباً له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق.
قال رؤبة: فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا وقرأ ابن مسعود: ﴿ فتثبتوا ﴾ والتثبت والتبين: متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف، ولما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة.
قيل: إن جاءكم بحرف الشك وفيه أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور ﴿ ءانٍ ﴾ مفعول له، أي: كراهة إصابتكم ﴿ تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ ﴾ حال، كقوله تعالى: ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 25] يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة.
والإصباح: بمعنى الصيرورة.
والندم: ضرب من الغم، وهو: أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه من الندام: وهو لزام الشريب ودوام صحبته.
ومن مقلوباته: أدمن الأمر أدامه.
ومدن بالمكان: أقام به.
ومنه: المدينة وقد تراهم يجعلون الهم صاحباً ونجياً وسميراً وضجيعاً، وموصوفاً بأنه لا يفارق صاحبه.
الجملة المصدّرة بلولا تكون كلاماً مستأنفاً، لأدائه إلى تنافر النظم، ولكن متصلاً بما قبله حالاً من أحد الضميرين في فيكم المستتر المرفوع، أو البارز المجرور.
وكلاهما مذهب سديد.
والمعنى: أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها.
أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها: وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأى، واستصواب فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتثيه، المحتذى على أمثلته؛ ولو فعل ذلك ﴿ لَعَنِتُّمْ ﴾ أي لوقعتم في العنت والهلاك.
يقال: فلان يتعنت فلاناً، أي: يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك.
وقد أعنت العظم: إذا هيض بعد الجبر.
وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد.
وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله تعالى: ﴿ ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان ﴾ أي إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر البعض: صفتهم المفارقة لصفة غيرهم، وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها إلا الخواص.
وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى.
وقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون ﴾ والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أولئك المستثنون هم الراشدون يصدق ما قلته.
فإن قلت: ما فائدة تقديم خبر إن على اسمها؟
قلت: القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم من استتباع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لارائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه.
فإن قلت: فلم قيل ﴿ يُطِيعُكُمْ ﴾ دون: أطاعكم؟
قلت: للدلالة على أنه كان في أرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه.
وأنه كلما عنّ لهم رأى في أمر كان معمولاً عليه، بدليل قوله: ﴿ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر ﴾ كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد: أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرّاً.
فإن قلت: كيف موقع ﴿ ولكن ﴾ وشريطتها مفقودة: من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً؟
قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى؛ لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم، فوقعت، لكنّ في حاق موقعها من الاستدراك.
ومعنى تحبيب الله وتكريهه للطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكتابة كما سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبي عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله؛ وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ [آل عمران: 188] فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود.
قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه، فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير: وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطاً ومخالفة عن المعقول و ﴿ الكفر ﴾ تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود.
و ﴿ الفسوق ﴾ الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر ﴿ والعصيان ﴾ ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع.
والعرق العاصي: العاند.
واعتصت النواة: اشتدّت.
والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة.
قال أبو الوازع: كل صخرة وشادة.
وأنشد: وَغَيْرُ مُقَلَّدٍ وَمُوَشَّمَات ** صَلينَ الضَّوْءَ مِنْ صُمِّ الرَّشَادِ و ﴿ فَضْلاً ﴾ مفعول له، أو مصدر من غير فعله فإن قلت: من أين جاز وقوعه مفعولاً له، والرشد فعل القوم، والفضل فعل الله تعالى، والشرط أن يتحد الفاعل.
قلت: لما وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه: صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه أو لا ينتصب عن الراشدون، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى، والجملة التي هي ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون ﴾ اعتراض.
أو عن فعل مقدر، كأنه قيل: جرى ذلك، أو كان ذلك فضلاً من الله.
وأما كونه مصدراً من غير فعله، فأن يوضع موضع رشداً؛ لأنّ رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه، والفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حَكِيمٌ ﴾ حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ فَتَعَرَّفُوا وتَصَفَّحُوا، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدَّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إحْنَةٌ، فَلَمّا سَمِعُوا بِهِ اسْتَقْبَلُوهُ فَحَسِبَهم مُقاتِلِيهِ فَرَجَعَ وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ قَدِ ارْتَدُّوا ومَنَعُوا الزَّكاةَ فَهَمَّ بِقِتالِهِمْ فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ:بَعَثَ إلَيْهِمْ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَوَجَدَهم مُنادِينَ بِالصَّلاةِ مُتَهَجِّدِينَ فَسَلَّمُوا إلَيْهِ الصَّدَقاتِ فَرَجَعَ، وتَنْكِيرُ الفاسِقِ والنَّبَأِ لِلتَّعْمِيمِ، وتَعْلِيقُ الأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ عَلى فِسْقِ المُخْبِرِ يَقْتَضِي جَوازَ قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ مِن حَيْثُ إنَّ المُعَلَّقَ عَلى شَيْءٍ بِكَلِمَةٍ إنْ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، وأنَّ خَبَرَ الواحِدِ لَوْ وجَبَ تَبَيُّنُهُ مِن حَيْثُ هو كَذَلِكَ لَما رُتِّبَ عَلى الفِسْقِ، إذِ التَّرْتِيبُ يُفِيدُ التَّعْلِيلَ وما بِالذّاتِ لا يُعَلَّلُ بِالغَيْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَتَثَبَّتُوا أيْ فَتَوَقَّفُوا إلى أنْ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الحالُ.
﴿ أنْ تُصِيبُوا ﴾ كَراهَةَ إصابَتِكم.
﴿ قَوْمًا بِجَهالَةٍ ﴾ جاهِلِينَ بِحالِهِمْ.
﴿ فَتُصْبِحُوا ﴾ فَتَصِيرُوا.
﴿ عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ﴾ مُغْتَمِّينَ غَمًّا لازِمًا مُتَمَنِّينَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وتَرْكِيبُ هَذِهِ الأحْرُفِ الثَّلاثَةِ دائِرٌ مَعَ الدَّوامِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ} أجمعوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا إلى نبى المصطق وكانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين إليه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فبعث خالد بن الوليد فوجدهم يصلون فسلموا إليه الصدقات فرجع وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال أي فاسق جاءكم بأي نبأ {فَتَبَيَّنُوآ} فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا بقول الفاسق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق ولخلا الخصيص به عن الفائدة والفسوق الخروج من الشيء ويقال فسقت الرطبة عن قشرها ومن مقلوبه فقست البيضة اذا كسرتها
واخرجت مافيها ومن مقلوبه أيضاً قفست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له عليه ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر حمزة وعلى فتثبتوا والتثبت والنبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف {أَن تصيبوا قَوْماً} لئلا تصيبوا {بِجَهَالَةٍ} حال يعني جاهلين بحقيقة الامر وكنه القصه {فتصبحوا} فتصبروا {على مَا فَعَلْتُمْ نادمين} الندم ضرب من الغم وهو ان تغنم على ما وقع منك نتمنى أنه لم يقع وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مِندَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي ضِرارٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعانِي إلى الإسْلامِ فَدَخَلْتُ فِيهِ وأقْرَرْتُ بِهِ ودَعانِي إلى الزَّكاةِ فَأقْرَرْتُ بِها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرْجِعُ إلى قَوْمِي فَأدْعُوهم إلى الإسْلامِ وأداءِ الزَّكاةِ فَمَنِ اسْتَجابَ لِي جَمَعْتُ زَكاتَهُ وتُرْسِلُ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا لِإبّانِ كَذا وكَذا لِيَأْتِيَكَ بِما جَمَعْتُ مِنَ الزَّكاةِ فَلَمّا جَمَعَ الحارِثُ الزَّكاةَ مِمَّنِ اسْتَجابَ لَهُ وبَلَغَ الإبّانَ الَّذِي أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ احْتَبَسَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِ فَظَنَّ الحارِثُ أنْ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَدَعا سَرَواتُ قَوْمِهِ فَقالَ لَهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ وقَّتَ لِي وقْتًا يُرْسِلُ إلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَنا مِنَ الزَّكاةِ ولَيْسَ مِن رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخُلْفُ ولا أرى حُبِسَ رَسُولُهُ إلّا مِن سَخْطَةٍ فانْطَلِقُوا بِنا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهو أخُو عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ إلى الحارِثِ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَهُ مِمّا جَمَعَ مِنَ الزَّكاةِ فَلَمّا أنَّ سارَ الوَلِيدُ إلى أنْ بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَقَّ فَرَجَعَ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ الحارِثَ مَنَعَنِي الزَّكاةَ وأرادَ قَتْلِي فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ البَعْثَ إلى الحارِثِ فَأقْبَلَ الحارِثُ بِأصْحابِهِ حَتّى إذا اسْتَقْبَلَهُ الحارِثُ وقَدْ فَصَلَ عَنِ المَدِينَةِ قالُوا: هَذا الحارِثُ فَلَمّا غَشِيَهم قالَ لَهُمْ: إلى مَن بُعِثْتُمْ؟
قالُوا: إلَيْكَ قالَ: ولِمَ؟
قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْكَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَزَعَمَ أنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكاةَ وأرَدْتَ قَتْلَهُ قالَ: لا والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ ما رَأيْتُهُ بَتَّةً ولا أتانِي فَلَمّا دَخَلَ الحارِثُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: مَنَعْتَ الزَّكاةَ وأرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟
قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما رَأيْتُهُ ولا رَآنِي ولا أقْبَلْتُ إلّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ سَخْطَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ » وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ بَنِي فُلانٍ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ وكانَ في نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وكانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإسْلامِ قَدْ تَرَكُوا الصَّلاةَ وارْتَدُّوا وكَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْجَلْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ودَعا خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: ارْمُقْهم عِنْدَ الصَّلَواتِ فَإنْ كانَ القَوْمُ قَدْ تَرَكُوا الصَّلاةَ فَشَأْنُكَ بِهِمْ وإلّا فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ فَدَنا مِنهم عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَكَمَنَ حَتّى يَسْمَعَ الصَّلاةَ فَرَمَقَهم فَإذا هو بِالمُؤَذِّنِ قَدْ قامَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأذَّنَ ثُمَّ أقامَ الصَّلاةَ فَصَلَّوْا صَلاةَ المَغْرِبِ فَقالَ خالِدٌ: ما أراهم إلّا يُصَلُّونَ فَلَعَلَّهم تَرَكُوا صَلاةً غَيْرَ هَذِهِ ثُمَّ كَمَنَ حَتّى إذا جَنَحَ اللَّيْلُ وغابَ الشَّفَقُ أذَّنَ مُؤَذِّنُهم فَصَلَّوْا فَقالَ: لَعَلَّهم تَرَكُوا صَلاةً أُخْرى فَكَمَنَ حَتّى إذا كانَ في جَوْفِ اللَّيْلِ تَقَدَّمَ حَتّى أطَلَّ الخَيْلُ بِدُورِهِمْ فَإذا القَوْمُ تَعَلَّمُوا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فَهم يَتَهَجَّدُونَ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ ويَقْرَؤُونَهُ ثُمَّ أتاهم عِنْدَ الصُّبْحِ فَإذا المُؤَذِّنُ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ قَدْ أذَّنَ وأقامَ فَقامُوا وصَلَّوْا فَلَمّا انْصَرَفُوا وأضاءَ لَهُمُ النَّهارُ إذا هم بِنَواصِي الخَيْلِ في دِيارِهِمْ فَقالُوا: ما هَذا؟
قالُوا: خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قالُوا: يا خالِدُ ما شَأْنُكَ؟
قالَ: أنْتُمْ واللَّهِ شَأْنِي أُتِيَ النَّبِيُّ فَقِيلَ لَهُ: إنَّكم تَرَكْتُمُ الصَّلاةَ وكَفَرْتُمْ بِاللَّهِ تَعالى فَجَثَوْا يَبْكُونَ فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ نَكْفُرَ أبَدًا فَصَرَفَ الخَيْلَ ورَدَّها عَنْهم حَتّى أتى النَّبِيَّ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ».
قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللَّهِ لَئِنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ القَوْمِ خاصَّةً إنَّها لَمُرْسَلَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما نَسَخَها شَيْءٌ، والرِّوايَةُ السّابِقَةُ أصَحُّ وأشْهَرُ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ مُصَرِّحٌ بِأنَّ بَعْثَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ كانَ في قَضِيَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَهُ إلى أُولَئِكَ الحَيِّ مِن خُزاعَةَ بَعْدَ رُجُوعِ الوَلِيدِ وقَوْلِهِ ما قالَ، والقائِلُ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ الصَّدَقاتِ فَرَجَعَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) شامِلٌ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّتِهِ الكامِلِينَ مِنهم مَحاسِنُ آدابٍ وغَيْرِهِمْ، وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِحَسَبِ ما يَقَعُ مِنَ الأمْرِ بَعْدَهُ إذْ يَلِيقُ بِحالِ بَعْضِهِمْ لا يُخْرِجُهُ عَنِ العُمُومِ لِوُجُودِهِ فِيما بَيْنَهم فَلا تَغْفَلْ، والفاسِقُ الخارِجُ عَنْ حِجْرِ الشَّرْعِ مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَ الرَّطْبُ إذا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ، قالَ الرّاغِبُ: والفِسْقُ أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ ويَقَعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الذُّنُوبِ والكَثِيرِ لَكِنْ تُعُورِفَ فِيما كانَتْ كَثِيرَةً، وأكْثَرُ ما يُقالُ الفاسِقُ لِمَنِ التَزَمَ حُكْمَ الشَّرْعِ وأقَرَّ بِهِ ثُمَّ أخَلَّ بِجَمِيعِ أحْكامِهِ أوْ بِبَعْضِها، وإذا قِيلَ لِلْكافِرِ الأصْلِيِّ فاسِقٌ فَلِأنَّهُ أخَلَّ بِحُكْمِ ما ألْزَمَهُ العَقْلُ واقْتَضَتْهُ الفِطْرَةُ.
ووَصْفُ الإنْسانِ بِهِ- عَلى ما قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ - لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المُسْلِمُ المُخِلُّ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ أوِ المَرُوءَةِ بِناءً عَلى مُقابَلَتِهِ بِالعَدْلِ وقَدِ اعْتُبِرَ في العَدالَةِ عَدَمُ الإخْلالِ بِالمُرُوءَةِ، والمَشْهُورُ الِاقْتِصارُ في تَعْرِيفِهِ عَلى الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ فَلا تَغْفَلْ، والتَّبَيُّنُ طَلَبُ البَيانِ والتَّعَرُّفِ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّثَبُّتُ كَما في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ (فَتَثَبَّتُوا) وهو طَلَبُ الثَّباتِ والتَّأنِّي حَتّى يَتَّضِحَ الحالُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ «(أنَّ النَّبِيَّ قالَ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ: التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ)».
وتَنْكِيرُ ﴿ فاسِقٌ ﴾ لِلتَّعْمِيمِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ وهي كالنَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ كَما قُرِّرَ في الأُصُولِ وكَذا نَبَأٌ، وهُوَ- كَما في القامُوسِ- الخَبَرُ، وقالَ الرّاغِبُ: لا يُقالُ لِلْخَبَرِ في الأصْلِ نَبَأٌ حَتّى يَكُونَ ذا فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ أوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إذا كانَ الخَبَرُ شَيْئًا عَظِيمًا وما لَهُ قَدْرٌ فَحَقُّهُ أنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ وإنْ عُلِمَ أوْ غَلَبَ صِحَّتُهُ عَلى الظَّنِّ حَتّى يُعادَ النَّظَرُ فِيهِ ويُتَبَيَّنُ فَضْلَ تَبَيُّنٍ، ولَمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي لا يَجْسُرُ أحَدٌ أنْ يُخْبِرَهم بِكَذِبٍ وما كانَ يَقَعُ مِثْلَ ما فَرَطَ مِنَ الوَلِيدِ إلّا في النُّدْرَةِ قِيلَ: ﴿ إنْ جاءَكُمْ ﴾ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وفي النِّداءِ بِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ إذا اقْتَضى التَّثَبُّتَ في نَبَأِ الفاسِقِ فَأوْلى أنْ يَقْتَضِيَ عَدَمَ الفِسْقِ، وفي إخْراجِ الفاسِقِ عَنِ الخِطابِ ما يَدُلُّ عَلى تَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِ مِن بابِ «(لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» والمُؤْمِنُ لا يَكْذِبُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ أهْلٌ لِلشَّهادَةِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ فائِدَةٌ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ إذا شَهِدَ تُرَدُّ شَهادَتُهُ ولا يُتَثَبَّتُ فِيها خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.
وعَلى جَوازِ قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ الواحِدِ، وقَرَّرَهُ الأُصُولِيُّونَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لَما كانَ عَدَمُ قَبُولِهِ مُعَلَّلًا بِالفِسْقِ، وذَلِكَ لَأنَّ خَبَرَ الواحِدِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَقْتَضِي عَدَمَ القَبُولِ لِذاتِهِ وهو كَوْنُهُ خَبَرَ واحِدٍ فَيَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ عَدَمِ قَبُولِهِ بِغَيْرِهِ لِأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّلَ بِالذّاتِ لا يَكُونُ مُعَلَّلًا بِالغَيْرِ إذْ لَوْ كانَ مُعَلَّلًا بِهِ اقْتَضى حُصُولَهُ بِهِ مَعَ أنَّهُ حاصِلٌ قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِالذّاتِ وهو باطِلٌ لِأنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ أوْ يَلْزَمُ تَوارُدُ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ في خَبَرِ الفاسِقِ، وامْتِناعُ تَعْلِيلِهِ بِالفِسْقِ باطِلٌ لِلْآيَةِ فَإنْ تَرَتَّبَ الحُكْمُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ والظَّنُّ كافٍ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ هو العَمَلُ فَثَبَتَ أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لَيْسَ مَرْدُودًا وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ مَقْبُولٌ يُعْمَلُ بِهِ.
ثانِيهِما أنَّ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ مَشْرُوطٌ بِمَجِيءِ الفاسِقِ ومَفْهُومُ الشَّرْطِ مُعْتَبَرٌ عَلى الصَّحِيحِ فَيَجِبُ العَمَلُ بِهِ إذا لَمْ يَكُنْ فاسِقًا لِأنَّ الظَّنَّ يُعْمَلُ بِهِ هُنا، والقَوْلُ بِالواسِطَةِ مُنْتَفٍ والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ اشْتِراكُ أُمُورٍ في لازِمٍ واحِدٍ فَيُعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنهُما بِكَلِمَةٍ إنْ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ ذَلِكَ المَلْزُومِ انْتِفاءُ اللّازِمِ غَيْرَ مُتَوَجِّهٍ لِأنَّ الشَّرْطَ مَجْمُوعُ تِلْكَ الأُمُورِ وكُلُّ واحِدٍ مِنها لا يُعَدُّ شَرْطًا عَلى ما قُرِّرَ في الأُصُولِ.
نَعَمْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ وعَضُدُ الدِّينِ: قَدِ اسْتُدِلَّ مِن قَبْلِنا عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ بِظَواهِرَ لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ ولا يَكْفِي في المَسائِلِ العِلْمِيَّةِ وذَكَرا مِن ذَلِكَ الآيَةَ المَذْكُورَةَ، ثُمَّ إنَّ لِلْقائِلِينَ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا مَذْكُورًا في مَحَلِّهِ.
واسْتَدَلَّ الحَنَفِيَّةُ بِها عَلى قَبُولِ خَبَرِ المَجْهُولِ الَّذِي لا تُعْلَمُ عَدالَتُهُ وعَدَمِ وُجُوبِ التَّثَبُّتِ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ الفِسْقَ شَرْطُ وُجُوبِ التَّثَبُّتِ فَإذا انْتَفى الفِسْقُ انْتَفى وُجُوبُهُ وهاهُنا قَدِ انْتَفى الفِسْقُ ظاهِرًا ونَحْنُ نَحْكُمُ بِهِ فَلا يَجِبُ التَّثَبُّتُ.
وتُعِقِّبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ هاهُنا انْتَفى الفِسْقُ بَلِ انْتَفى العِلْمُ بِهِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَدَمُهُ والمَطْلُوبُ العِلْمُ بِانْتِفائِهِ ولا يَحْصُلُ إلّا بِالخِبْرَةِ بِهِ أوْ بِتَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِهِ لَهُ، قالَ العَضُدُ: إنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأصْلَ الفِسْقُ أوِ العَدالَةُ والظّاهِرُ أنَّهُ الفِسْقُ لِأنَّ العَدالَةَ طارِئَةٌ ولِأنَّهُ أكْثَرُ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَن لَيْسَ بِعَدْلٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَقَ الفاسِقَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِيها، فَإنَّ سَبَبَ النُّزُولِ قَطْعِيُّ الدُّخُولِ وهو صَحابِيٌّ بِالِاتِّفاقِ فَيُرَدُّ بِها عَلى مَن قالَ: إنَّهم كُلُّهم عُدُولٌ ولا يُبْحَثُ عَنْ عَدالَتِهِمْ في رِوايَةٍ ولا شَهادَةٍ، وهَذا أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ مِنَ العُلَماءِ السَّلَفِ والخَلْفِ.
وثانِيها أنَّهم كَغَيْرِهِمْ فَيُبْحَثُ عَنِ العَدالَةِ فِيهِمْ في الرِّوايَةِ والشَّهادَةِ إلّا مَن يَكُونُ ظاهِرُها أوْ مَقْطُوعُها كالشَّيْخَيْنِ.
وثالِثُها أنَّهم عُدُولٌ إلى قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويُبْحَثُ عَنْ عَدالَتِهِمْ مِن حَيْثُ قَتْلِهِ لِوُقُوعِ الفِتَنِ مِن حِينَئِذٍ وفِيهِمُ المُمْسِكُ عَنْ خَوْضِها.
ورابِعُها أنَّهم عُدُولٌ إلّا مِن قاتِلِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِفِسْقِهِ بِالخُرُوجِ عَلى الإمامِ الحَقِّ وإلى هَذا ذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ.
والحَقُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وهم يَقُولُونَ: إنَّ مَن طَرَأ لَهُ مِنهم قادِحٌ كَكَذِبٍ أوْ سَرِقَةٍ أوْ زِنًا عَمّا بِمُقْتَضاهُ في حَقِّهِ إلّا أنَّهُ لا يُصِرُّ عَلى ما يُخِلُّ بِالعَدالَةِ بِناءً عَلى ما جاءَ في مَدْحِهِمْ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ وتَواتُرٍ مِن مَحاسِنِ الآثارِ، فَلا يُسَوِّغُ لَنا الحُكْمَ عَلى مَنِ ارْتَكَبَ مِنهم مُفَسَّقًا بِأنَّهُ ماتَ عَلى الفِسْقِ.
ولا نُنْكِرُ أنَّ مِنهم مَنِ ارْتَكَبَ في حَياتِهِ مُفَسَّقًا لِعَدَمِ القَوْلِ بِعِصْمَتِهِمْ وأنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فاسِقٌ لَكِنْ لا يُقالُ بِاسْتِمْرارِ هَذا الوَصْفِ فِيهِ ثِقَةً بِبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَزِيدِ ثَناءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ أيْ عُدُولًا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: إنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن لَيْسَ بِعَدْلٍ أنَّ مِنهم مَنِ ارْتَكَبَ في وقْتٍ ما ما يُنافِي العَدالَةَ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلَيْهِ مُسَلَّمَةٌ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّ مِنهم مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى ما يُنافِي العَدالَةَ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ فالمَسْألَةُ بَعْدُ تَتَحَمَّلُ الكَلامَ ورُبَّما تَقْبَلُ زِيادَةَ قَوْلٍ خامِسٍ فِيها.
هَذا ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الفاسِقَ قِسْمانِ: فاسِقٌ غَيْرُ مُتَأوِّلٍ وهو ظاهِرٌ ولا خِلافَ في أنَّهُ لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وفاسِقٌ مُتَأوِّلٌ كالجَبْرِيِّ والقَدَرِيِّ ويُقالُ لَهُ المُبْتَدِعُ بِدْعَةً واضِحَةً، فَمِنَ الأُصُولِيِّينَ مَن رَدَّ شَهادَتَهُ ورِوايَتَهُ لِلْآيَةِ ومِنهُمُ الشّافِعِيُّ والقاضِي، ومِنهم مَن قَبِلَهُما، أمّا الشَّهادَةُ فَلِأنَّ رَدَّها لِتُهْمَةِ الكَذِبِ والفِسْقُ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ هو إمارَةُ الصِّدْقِ لِأنَّ مَوْقِعَهُ فِيهِ تَعَمُّقُهُ في الدِّينِ، والكَذِبُ حَرامٌ في كُلِّ الأدْيانِ لا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ بِكُفْرِ الكاذِبِ أوْ خُرُوجِهِ مِنَ الإيمانِ وذَلِكَ يَصُدُّهُ عَنْهُ إلّا مَن يَدِينُ بِتَصْدِيقِ المُدَّعِي المُتَحَلِّي بِحِلْيَتِهِ كالخَطابِيَّةِ، وكَذا مَنِ اعْتَقَدَ بِحُجِّيَّةِ الإلْهامِ.
وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ».
وأُمًّا الرِّوايَةُ فَلِأنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ عَلى غَيْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاحْتِرازُهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْلى إلّا مَن يَعْتَقِدُ حَلَّ وضْعِ الأحادِيثِ تَرْغِيبًا أوْ تَرْهِيبًا كالكَرامِيَّةِ أوْ تَرْوِيجًا لِمَذْهَبِهِ كابْنِ الرّاوَنْدِيِّ، وأصْحابُنا الحَنَفِيَّةِ قَبِلُوا شَهادَتَهم لِما مَرَّ دُونَ رِوايَتِهِمْ إذا دَعَوُا النّاسَ إلى هَواهُمْ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ أئِمَّةِ الفِقْهِ والحَدِيثِ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى ذَلِكَ داعِيَةٌ إلى النُّقُولِ فَلا يُؤْتَمَنُونَ عَلى الرِّوايَةِ ولا كَذَلِكَ الشَّهادَةُ.
ورَجَّحَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ والقاضِي بِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِيهِ والعَمَلَ بِها أوْلى مِنَ العَمَلِ بِالحَدِيثِ لِتَواتُرِها وخُصُوصِها، والعامُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ ولِأنَّها لَمْ تُخَصَّصْ إذْ كُلُّ فاسِقٍ مَرْدُودٌ، والحَدِيثُ خُصَّ مِنهُ خَبَرُ الكافِرِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَفْهُومَها أنَّ الفِسْقَ هو المُقْتَضِي لِلتَّثَبُّتِ فَيُرادُ بِهِ ما هو إمارَةُ الكَذِبِ لا ما هو إمارَةُ الصِّدْقِ فافْهَمْ، ولَيْسَ مِنَ الفِسْقِ نَحْوُ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ مِن مُجْتَهِدٍ يُحِلُّهُ أوْ مُقَلِّدٍ لَهُ صَوَّبْنا أوْ خَطَّأْنا لِوُجُوبِ العَمَلِ بِمُوجِبِ الظَّنِّ ولا تَفْسِيقٍ بِالواجِبِ.
وحَدَّ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ شارِبَ النَّبِيذِ لَيْسَ لِأنَّهُ فاسِقٌ بَلْ لِزَجْرِهِ لِظُهُورِ التَّحْرِيمِ عِنْدَهُ، ولِذا قالَ: أحُدُّهُ وأقْبَلُ شَهادَتَهُ، وكَذا الحَدُّ في شَهادَةِ الزِّنا لِعَدَمِ تَمامِ النِّصابِ لا يَدُلُّ عَلى الفِسْقِ بِخِلافِهِ في مَقامِ القَذْفِ فَلْيُحْفَظْ.
﴿ أنْ تُصِيبُوا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ أيْ فَتَبَيَّنُوا كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا أوْ لِئَلّا تُصِيبُوا ﴿ قَوْمًا ﴾ أيَّ قَوْمٍ كانُوا ﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِجَهالَةٍ لِحالِهِمْ، ومَآلُهُ جاهِلِينَ حالَهُمْ، ﴿ فَتُصْبِحُوا ﴾ فَتَصِيرُوا بَعْدَ ظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَمّا رُمُوا بِهِ ﴿ عَلى ما فَعَلْتُمْ ﴾ في حَقِّهِمْ ﴿ نادِمِينَ ﴾ مُغْتَمِّينَ غَمًّا لازِمًا مُتَمَنِّينَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَإنَّ النَّدَمَ الغَمُّ عَلى وُقُوعِ شَيْءٍ مَعَ تَمَنِّي عَدَمِ وُقُوعِهِ، ويُشْعِرُ بِاللُّزُومِ وكَذا سائِرُ تَصارِيفِ حُرُوفِهِ وتَقالِيبِها كَمَدَنَ بِمَعْنى لَزِمَ الإقامَةَ ومِنهُ المَدِينَةُ وأدْمَنَ الشَّيْءَ أدامَ فِعْلَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ تَجْدِيدُ النَّدَمِ كُلَّما ذَكَرَ الذَّنْبَ ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ النَّدَمَ غَمٌّ خاصٌّ ولُزُومُهُ قَدْ يَقَعُ لِقُوَّتِهِ في أوَّلِ الأمْرِ وقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ غَيْبَةِ مُوجِبِهِ عَنِ الخاطِرِ، وقَدْ يَكُونُ لِكَثْرَةِ تَذَكُّرِهِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وإنَّ تَجْدِيدَ النَّدَمِ لا يَجِبُ في التَّوْبَةِ لَكِنَّ التّائِبَ الصّادِقَ لا بُدَّ لَهُ مِن ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ فالحجرات جمع الحجرة.
يقال: حجرة وحجرات، مثل ظلمة وظلمات.
وقرئ في الشاذ: الحجَرات بنصب الجيم.
وقرأه العامة بالضم.
ومعناهما: واحد.
نزلت الآية في شأن نفر من بني تميم، وذلك أن النبيّ بعث أسامة بن زيد، فانتهى إلى قبيلة، وكانت تسمى بني العنبر، فأغار عليهم، وسبى ذراريهم، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراهم، أو يفدوهم، فنادوه وكان وقت الظهيرة، وكان النبيّ في الحجرة.
فنادوه من وراء الحجرة، وكان لأزواج النبيّ حجرات.
فلما خرج النبي كلموه في أمر الزراري، فقال لواحد منهم: احكم.
فقال: حكمت أن تخلي نصف الأسارى، وتبيع النصف منا.
ففعل النبيّ .
فنزلت الآية إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنهم لو لم ينادوه، لكان يعتقهم كلهم.
وروى معمر عن قتادة أن رجلاً جاء إلى النبي ، فناداه من وراء الحجرات، فقال: يا محمد إن مَدْحِي زَيْن، وإِن شَتْمِي شين.
فخرج النبيّ فقال: «وَيْلَكَ ذَلَّكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» .
فَنَزل إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ الآية.
ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية.
نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات، فخرجوا إليه ليبجلوه، ويعظموه، فخشي منهم، لأنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية.
فرجع إلى النبيّ وقال: خرجوا إِليَّ بأسلحتهم، ومنعوا مني الصدقات وطرحوني وأرادوا قتلي فهم رسول الله أن يبعث لقتالهم، فجاؤوا إلى المدينة، وقالوا: يا رسول الله لما بلغنا قدوم رسولك، خرجنا نبجله، ونعظمه، فانصرف عنا، فاغتم رسول الله بما فعل الوليد بن عقبة، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني: بحديث كذب وبخبر كذب فَتَبَيَّنُوا يعني: وتعرفوا ولا تعجلوا أَنْ تُصِيبُوا يعني: كيلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ وأنتم لا تعلمون بأمرهم فَتُصْبِحُوا يعني: فتصيروا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ.
قرأ حمزة، والكسائي: فَتَثَبَّتُوا بالثاء.
وقرأ الباقون: فَتَبَيَّنُوا مثل ما في سورة النساء.
ثم قال للمؤمنين م: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: ما أمرتم به، لأن الناس كانوا قد حرضوه على إرسالهم لقتال بني المصطلق، لَعَنِتُّمْ يعني: لأثمتم.
وروى أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ.
هذه الآية: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يعني: هذا نبيكم، وخياركم لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ فكيف بكم اليوم.
ويقال: لَعَنِتُّمْ أي: لهلكتم.
وأصله من عنت البعير إذا انكسرت رجله.
ثم ذكر لهم النعم فقال: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعني: جعل حب الإيمان في قلوبكم وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حسنه للثواب الذي وعدكم.
ويقال: دلكم عليه بالحجج القاطعة.
ويقال: زينه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ يعني: بغض إليكم المعاصي، والكفر لما بينه من العقوبة.
ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني: المهتدون.
فذكر أول الآية على وجه المخاطبة، وآخر الآية بالمغايبة.
ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا، فقد دخل في هذا المدح.
وفي الآية دليل أن من كان مؤمناً، فإنه لا يحب الفسوق والمعصية، لأن الله تعالى قال: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ والمؤمن إذا ابتلي بالمعصية، فإن شهوته وغفلته تحمله على ذلك، لا لحبه للمعصية.
ثم قال: أي ذلك التحبيب والتبغيض فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني: كان الإيمان الذي حببه إليكم، والكفر الذي بغضه إليكم، كان فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني: رحمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره وقضائه.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريّ: امْتَحَنَ: أخلص، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ: يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بيّن.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وقُرِىءَ «فَتَثَبَّتُوا» روي في سبب الآية: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فرجع، وقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وارتدوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ» «٢» ، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية، وأَنْ تُصِيبُوا معناه: مخافة أنْ/ تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم عند ما نزلت هذه الآية: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ من الشيطان» «٣» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ لِيَقْبِضَ صَدَقاتِهِمْ، وقَدْ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَداوَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَسارَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ خافَ فَرَجَعَ فَقالَ: إنَّهم قَدْ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ وأرادُوا قَتْلِي، فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ البَعْثَ إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقَدْ ذَكَرْتُ القِصَّةَ في كِتابِ "المُغْنِي" وفي "الحَدائِقِ" مُسْتَوْفاةً، وذَكَرْتُ مَعْنى "فَتَبَيَّنُوا" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٩٤]، والنَّبَأُ: الخَبَرُ، و "أنْ" بِمَعْنى "لِئَلّا"، والجَهالَةُ هاهُنا: أنْ يَجْهَلَ حالَ القَوْمِ، ﴿ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ ﴾ مِن إصابَتِهِمْ بِالخَطَإ ﴿ نادِمِينَ ﴾ .
ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمُوهُ أخْبَرَهُ اللَّهُ فافْتَضَحْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ أيْ: مِمّا تُخْبِرُونَهُ فِيهِ بِالباطِلِ ﴿ لَعَنِتُّمْ ﴾ أيْ: لَوَقَعْتُمْ في عَنَتٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو الضَّرَرُ والفَسادُ.
وقالَ غَيْرُهُ: هو الإثْمُ والهَلاكُ.
وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ قَدْ كَفَرُوا قالُوا: ابْعَثْ إلَيْهِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ واغْزُهم واقْتُلْهُمْ؛ ثُمَّ خاطَبَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ والعِصْيانَ ﴾ ، ثُمَّ عادَ إلى الخَبَرِ عَنْهم فَقالَ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ ﴾ أيِ: المُهْتَدُونَ إلى مَحاسِنِ الأُمُورِ، ﴿ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَفَعَلَ بِكم ذَلِكَ فَضْلًا، أيْ: لِلْفَضْلِ والنِّعْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ﴾ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللهِ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ ﴾ ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَفُورٌ رَحِيمٌ" ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، والزَبْرَقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، وغَيْرُهُمْ، وذَلِكَ «أنَّهم وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ فَدَخَلُوا المَسْجِدَ ودَنَوْا مِن حُجَرِ أزْواجِ النَبِيِّ وهي تِسْعُ، فَجَعَلُوا ونادَوْا ولَمْ يَنْتَظِرُوا، فَنادَوْا بِجُمْلَتِهِمْ: يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، فَكانَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ جَفاءٌ وبَداوَةٌ وقِلَّةُ تَوْقِيرٍ، فَتَرَبَّصَ رَسُولُ اللهِ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مَدْحِي زَيْنٌ، وذَمِّي شَيْنٌ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "وَيْلَكَ ذَلِكَ اللهُ تَعالى"، واجْتَمَعَ الناسُ في المَسْجِدِ، فَقامَ خَطِيبُهم فَخَطَبَ وفَخَرَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَخَطَبَ وذَكَرَ اللهَ تَعالى والإسْلامَ وأرْبى عَلى خَطِيبِهِمْ، ثُمَّ قامَ شاعِرُهم فَأنْشَدَ مُفْتَخِرًا، فَقامَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَخَرَ بِاللهِ تَعالى وبِالرَسُولِ وبِالبَسالَةِ فَكانَ أشْعَرَ مِن شاعِرِهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: واللهِ إنَّ هَذا الرَجُلَ لَمُؤْتى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أخْطُبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.» هَذا تَلْخِيصُ ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عن أبِي سَلَمَةَ عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكْثَرُهم بَنُو تَمِيمٍ لا يَعْقِلُونَ".
و"الحُجُراتِ" جَمْعُ حُجْرَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "الحُجُراتُ" بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ وحْدَهُ: "الحُجَراتُ" بِفَتْحِ الجِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ يَعْنِي في الثَوابِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وفي انْبِساطِ نَفْسِ النَبِيِّ وقَضائِهِ لِحَوائِجِهِمْ ووِدِّهِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ خَيْرٌ، لا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَهُ انْزَوى بِسَبَبِ جَفائِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَرْجِيَةٌ لَهم وإعْلامٌ بِقَبُولِهِ تَوْبَةَ التائِبِ، وغُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ لِمَن أنابَ ورَجَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ ﴾ الآيَةُ.
سَبَبُها «أنَّ النَبِيَّ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا،» فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ مُعادِيًا لَهم فَأرادَ إذايَتَهُمْ، فَرَجَعَ مِن بَعْضِ طَرِيقِهِ وكَذَبَ عَلَيْهِمْ -قالَهُ الضَحْاكُ - وقالَ لِلنَّبِيِّ : إنَّهم مَنَعُونِي الصَدَقَةَ وطَرَدُونِي وارْتَدُّوا، فَغَضِبَ النَبِيُّ وهم بِغَزْوِهِمْ، ونَظَرَ في ذَلِكَ، وبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلَيْهِمْ، فَوَرَدَهُ وفْدَهم مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، لَمّا قَرُبَ مِنهم خَرَجُوا إلَيْهِ مُتَلَقِّينَ لَهُ، فَرَآهم عَلى بُعْدٍ، فَفَزِعَ مِنهُمْ، وظَنَّ بِهِمُ الشَرَّ وانْصَرَفَ، فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِنهم بَلَغَهُ عنهم أنَّهم قالُوا: لا نُعْطِيهِ الصَدَقَةَ ولا نُعْطِيهِ، فَعَمِلَ عَلى صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ وانْصَرَفَ فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذا السَبَبِ، والوَلِيدُ -عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ - هو المُشارُ إلَيْهِ بِالفاسِقِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: هو الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ.
ثُمَّ هي باقِيَةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ غابِرَ الدَهْرِ.
"والفِسْقُ": الخُرُوجُ عن نَهْجِ الحَقِّ، وهو مَراتِبُ مُتَبايِنَةٌ، كُلُّها مَظِنَّةٌ لِلْكَذِبِ ومَوْضِعُ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ، وتَأنَّسَ القائِلُونَ بِقَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ بِما يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ خِطابِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَ الفاسِقِ إذا جاءَ بِنَبَأٍ أنْ يَعْمَلَ بِحَسَبِهِ، وهَذا لَيْسَ بِاسْتِدْلالٍ قَوِيٍّ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الكَلامِ عَلى مَسْألَةِ خَبَرِ الواحِدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "فَتَبَيَّنُوا" مِنَ التَبَيُّنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "فَتُثْبِتُوا".
و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ تُصِيبُوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخافَةَ أنْ تُصِيبُوا، قالَ قَتادَةُ: «قالَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "التَثَبُّتُ مِنَ اللهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَيْطانِ"،» قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى مَن قالَ إنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم عُدُولٌ حَتّى تَثْبُتَ الجُرْحَةُ لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِالتَبَيُّنِ قَبْلَ القَبُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ يَقْتَضِي أنَّ المَجْهُولَ الحالِ يُخْشى أنْ يَكُونَ فاسِقًا، والِاحْتِياطُ لازِمٌ.
قالَ النَقّاشُ: وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُبَيِّنُوا" أبْلَغُ مِن تَثَبَّتُوا؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَثَبَّتُ مَن لا يَتَبَيَّنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْكِذْبَةِ ووَعِيدٌ لِلْفَضِيحَةِ، أيْ: فَلْيُفَكِّرِ الكاذِبُ في أنَّ اللهَ يَفْضَحُهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ، أيْ لَشَقِيتُمْ وهَلَكْتُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ: لَوْ يُطِيعُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ في كَثِيرٍ مِمّا تَرَوْنَهُ بِاجْتِهادِكم وتَقَدُّمِكم بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ ﴾ الآيَةُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَكِنَّ اللهَ أنْعَمَ بِكَذا وكَذا، وفي ذَلِكَ كِفايَةٌ وأمْرٌ لا تَقُومُونَ بِشُكْرِهِ، فَلا تَتَقَدَّمُوا في الأُمُورِ واقْنَعُوا بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكُمْ، وحَبَّبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإيمانَ وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ حُبَّهُ وحَسَّنَهُ، وكَذَلِكَ تَكْرِيهُ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، وحَكى الرُمانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ حَبَّبَ الإيمانَ بِما وصَفَ مِنَ الثَوابِ عَلَيْهِ، وكَرِهَ الثَلاثَةَ المُقابِلَةَ لِلْإيمانِ بِما وصَفَ مِنَ العِقابِ عَلَيْها.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ ﴾ رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى ذِكْرِ الغَيْبَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن فَعَلَ هَذا وقَبِلَهُ وشَكَرَ عَلَيْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِنَفْسِهِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ هو بِمَعْناهُ؛ إذِ التَحْبِيبُ والتَزْيِينُ هو نَفْسُ الفَضْلِ، وقَدْ يَجِيءُ المَصْدَرُ مُؤَكِّدًا لِما قَبْلَهُ إذا لَمْ يَكُنْ هو نَفْسُ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ حَقًّا ونَحْوُهُ، وكانَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: قَدْ قالَ تَعالى لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ : ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ، وأنْتُمْ واللهِ أسْخَفُ رَأْيًا وأطْيَشُ أحْلامًا، فَلْيَتَّهِمْ رَجُلٌ نَفْسَهُ ولِيَنْتَصِحْ كِتابَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
هذا نداء ثالث ابتدئ به غرض آخر وهو آداب جماعات المؤمنين بعضهم مع بعض وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت.
ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الويد بن عقبة بن أبي مُعيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي بصدقاتهم فلمّا بلغهم مجيئه، أو لمّا استبطأُوا مجيئه، فإنهم خرجوا لتلقيه أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعَليهم السلاح، وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله، أو لما رآهم مقبلين كذلك على اختلاف الروايات خاف أن يكونوا أرادوا قتله إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولّى راجعاً إلى المدينة.
هذا ما جاء في روايات أربع متفقة في صفة خروجهم إليه مع اختلافها في بيان الباعث لهم على ذلك الخروج وفي أن الوليد أُعلم بخروجهم إليه أو رآهم أو استشعرت نفسه خوفاً وأن الوليد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق أرادوا قتلي وأنهم منعوا الزكاة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يبعث إليهم خالدَ بن الوليد لينظر في أمرهم، وفي رواية أنه بعث خالداً وأمره بأن لا يغزوهم حتى يستثبت أمرهم وأن خالداً لما بلغ ديار القوم بعث عيناً له ينظر حالهم فأخبره أنهم يقيمون الأذان والصلاة فأخبرهم بما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقبض زكاتهم وقفل راجعاً.
وفي رواية أخرى أنهم ظنوا من رجوع الوليد أن يُظن بهم منع الصدقات فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج خالد إليهم متبرئين من منع الزكاة ونية الفتك بالوليد بن عقبة.
وفي رواية أنهم لما وصلوا إلى المدينة وجدوا الجيش خارجاً إلى غزوهم.
فهذا تلخيص هذه الروايات وهي بأسانيد ليس منها شيء في «الصحيح».
وقد روي أن سبب نزول هذه الآية قضيتان أخريان، وهذا أشهر.
ولنشتغل الآن ببيان وجه المناسبة لموقع هذه الآية عقب التي قبلها فإن الانتقال منها إلى هذه يقتضي مناسبة بينهما، فالقصتان متشابهتان إذ كان وفد بني تميم النازلةُ فيهم الآية السابقة جاؤوا معتذرين عن ردهم ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبض صدقات بني كعب بن العنبر من تميم كما تقدم، وبنو المصطلق تبرُّؤوا من أنهم يمنعون الزكاة إلا أن هذا يُناكِده بُعد ما بين الوقتين إلا أن يكون في تعيين سنة وفد بني تميم وَهَم.
وإعادة الخطاب ب ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وفصله بدون عاطف لتخصيص هذا الغرض بالاهتمام كما علمت في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ .
فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للمناسبة المتقدم ذكرها.
ولا تعلق لهذه الآية بتشريع في قضية بني المصطلق مع الوليد بن عقبة لأنها قضية انقضت وسُويت.
والفاسق: المتصف بالفسوق، وهو فعل ما يحرمه الشرع من الكبائر.
وفسر هنا بالكاذب قاله ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله.
وأوثر في الشرط حرف ﴿ إن ﴾ الذي الأصل فيه أن يكون للشرط المشكوك في وقوعه للتنبيه على أن شأن فعل الشرط أن يكون نادر الوقوع لا يقدم عليه المسلمون.
واعلم أن ليس الآية ما يقتضي وصف الوليد بالفاسق تصريحاً ولا تلويحاً.
وقد اتفق المفسرون على أن الوليد ظنّ ذلك كما في «الإصابة» عن ابن عبد البر وليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمد الكذب.
قال الفخر: «إن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد لأنه توهَّم وظن فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً».
قلت: ولو كان الوليد فاسقاً لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تعنيفه واستتابته فإنه روى أنه لم يزد على قوله له «التبيّن من الله والعجلة من الشيطان»، إذ كان تعجيل الوليد الرجوع عجلة.
وقد كان خروج القوم للتعرض إلى الوليد بتلك الهيئة مثار ظنِّه حقاً إذ لم يكن المعروف خروج القبائل لتلقّي السعاة.
وأنا أحسب أن عملهم كان حيلة من كبرائهم على انصراف الوليد عن الدخول في حيّهم تعيُّراً منهم في نظر عامتهم من أن يدخل عدوّ لهم إلى ديارهم ويتولى قبض صدقاتهم فتُعيرهم أعداؤهم بذلك يمتعض منهم دهماؤهم ولذلك ذهبوا بصدقاتهم بأنفسهم في رواية أو جاؤوا معتذرين قبل مجيء خالد بن الوليد إليهم في رواية أخرى.
ويؤيد هذا ما جاء في بعض روايات هذا الخبر أن الوليد أعلم بخروج القوم إليه، وسَمع بذلك فلعل ذلك الإعلام موعَز به إليه ليخاف فيرجع.
وقد اتفق من ترجموا للوليد بن عقبة على أنه كان شجاعاً جواداً وكان ذا خلق ومروءة.
واعلم أن جمهور أهل السنة على اعتبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عدولاً وإن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به فهو من أصحابه.
وزاد بعضهم شرط أن يروي عنه أو يلازمه ومال إليه المازري.
قال في «أماليه» في أصول الفقه «ولسنا نعني بأصْحَاب النبي كل من رآه أو زاره لماماً إنما نريد أصحابه الذين لازموه وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون شهد الله لهم بالفلاح» اه.
وإنما تلقف هذه الأخبار الناقمون على عثمان إذ كان من عداد مناقمهم الباطلة أنه أولى الوليد بن عقبة إمارة الكوفة فحملوا الآية على غير وجهها وألصقوا بالوليد وصف الفاسق، وحاشاه منه لتكون ولايته الإمارة باطلاً.
وعلى تسليم أن تكون الآية إشارة إلى فاسق معين فلماذا لا يحمل على إرادة الذي أعلم الوليدَ بأن القوم خرجوا له ليصدّوه عن الوصول إلى ديارهم قصداً لإرجاعه.
وفي بعض الروايات أن خالداً وصل إلى ديار بني المصطلق.
وفي بعضها أن بني المصطلق وردوا المدينة معتذرين، واتفقت الروايات على أن بين بني المصطلق وبين الوليد بن عقبة شَحناء من عهد الجاهلية.
وفي الرواية أنهم اعتذروا للتسلح بقصد إكرام ضيفهم.
وفي السيرة الحلبية أنهم قالوا: خشِينا أن يبادئنا بالذي كان بيننا من شحناء.
وهذه الآية أصل في الشهادة والرواية من وجوب البحث عن دخيلة من جُهل حال تقواه.
وقد قال عمر بن الخطاب لا يُؤسر أحد في الإسلام بغير العدول، وهي أيضاً أصل عظيم في تصرفات ولاة الأمور وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل ما يروى ويخبر به.
والخطاب ب ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ مراد به النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ويشمل الوليد بن عقبة إذ صدق من أخبره بأن بني المصطلق يريد له سوءاً ومن يأتي من حكام المؤمنين وأمرائهم لأن المقصود منه تشريع تعديل من لا يعرف بالصدق والعدالة.
ومجيء حرف ﴿ إن ﴾ في هذا الشرط يومئ إلى أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً.
والتبين: قوة الإبانة وهو متعد إلى مفعول بمعنى أبان، أي تأملوا وأبينوا.
والمفعول محذوف دل عليه قوله بنبإ أي تبينوا ما جاء به وإبانة كل شيء بحسبها.
والأمر بالتبيّن أصل عظيم في وجوب التثبت في القضاء وأن لا يتتبع الحاكم القيل والقال ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون والأوهام.
ومعنى ﴿ فتبينوا ﴾ تبينوا الحق، أي من غير جهة ذلك الفاسق.
فخبر الفاسق يكون داعياً إلى التتبع والتثبت يصلح لأن يكون مستنداً للحكم بحال من الأحوال وقد قال عمر بن الخطاب «لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول».
وإنما كان الفاسق معرَّضاً خبره للريبة والاختلاق لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه، وضعف الوازع يجرئه على الاستخفاف بالمحظور وبما يخبر به في شهادة أو خَبَر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام ويقوي جُرأته على ذلك دوماً إذا لم يتب ويندم على ما صدر منه ويقلع عن مثله.
والإشراك أشد في ذلك الاجتراء لقلة مراعاة الوازع في أصول الإشراك.
وتنكير ﴿ فاسق ﴾ ، و ﴿ نَبإ ﴾ ، في سياق الشرط يفيد العموم في الفساق بأي فسق اتصفوا، وفي الأنباء كيف كانت، كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبَإ فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشافه.
وقرأ الجمهور ﴿ فتبينوا ﴾ بفوقية فموحدة فتحتية فنون من التبيّن، وقرأ حمزة والكسائي وخلَف فتثبتوا بفوقية فمُثلثَة فموحدة ففوقية من التثبت.
والتبيّن: تطلب البيان وهو ظهور الأمر، والتثبت التحري وتطلب الثبات وهو الصدق.
ومآل القراءتين واحد وإن اختلف معناهما.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «التثبّتُ من الله والعجلة من الشيطان» وموقع ﴿ أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا ﴾ الخ نصباً على نزع الخافض وهو لام التعليل محذوفة.
ويجوز كونه منصوباً على المفعول لأجله.
والمعلل باللام المحذوفة أو المقدرة هو التثبت، فمعنى تعليله بإصابة يقع إثرها الندم هو التثبت.
فمعنى تعليله بإصابة يقع آخرها الندم أن الإصابة علة تحمل على التثبت للتفادي منها فلذلك كان معنى الكلام على انتفاء حصول هذه الإضافة لأن العلة إذا صلحت لإثبات الكف عن فعل تصلح للإتيان بضده لتلازم الضد.
وتقدم نظير هذا التعليل في قوله: ﴿ أن تحبط أعمالكم ﴾ [الحجرات: 2] في هذه السورة.
وهذا التحذير من جراء قبول خبر الكاذب يدل على تحذير من يخطر له اختلاق خبر مما يترتب على خبره الكاذب من إصَابة الناس.
وهذا بدلالة فحوى الخطاب.
والجهالة: تطلق بمعنى ضد العلم، وتطلق بمعنى ضد الحِلم مثل قولهم: جَهْل كجهل السيف، فإن كان الأول، فالباء للملابسة وهو ظرف مستقر في موضع الحال، أي متلبسين أنتم بعدم العلم بالواقع لتصديقكم الكاذب، ومتعلق ﴿ تصيبوا ﴾ على هذا الوجه مَحذوف دل عليه السياق سابقاً ولاحقاً، أي أن تصيبوهم بضرّ، وأكثر إطلاق الإصابة على إيصال الضرّ وعلى الإطلاق الثاني الباء للتعدية، أي أن تصيبوا قوماً بفعل من أثر الجهالة، أي بفعل من الشدة والإضرار.
ومعنى ﴿ فتصبحوا ﴾ فتصيروا لأن بعض أخوات (كان) تستعمل بمعنى الصيرورة.
والندم: الأسف على فعل صدر.
والمراد به هنا الندم الديني، أي الندم على التورط في الذنب للتساهل وترك تطلب وجوه الحق.
وهذا الخطاب الذي اشتمل عليه قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ موجه ابتداء للمؤمنين المخبَرين بفتح الباء كل بحسب أثره بما يبلغ إليه من الأخبار على اختلاف أغراض المخبِرين بكسر الباء.
ولكنّ هذا الخطاب لا يترك المخبِرين بكسر الباء بمعزل عن المطالبة بهذا التبيّن فيما يتحملونه من الأخبار وبتوخّي سوء العاقبة فيما يختلقونه من المختلقات ولكن هذا تبيّن وتثبت يخالف تبيُّن الآخر وتثبته، فهذا تثبت من المتلقي بالتمحيص لما يتلقاه من حكاية أو يطرق سمعه من كلام والآخر تمحيص وتمييز لحال المخبر.
واعلم أن هذه الآية تتخرج منها أربع مسائل من الفقه وأصوله: المسألة الأولى: وجوب البحث عن عدالة من كان مجهول الحال في قبول الشهادة أو الرواية عند القاضي وعند الرواة.
وهذا صريح الآية وقد أشرنا إليه آنفاً.
المسألة الثانية: أنها دالة على قبول خبر الواحد الذي انتفت عنه تهمة الكذب في شهادته أو روايته وهو الموسوم بالعدالة، وهذا من مدلول مفهوم الشرط في قوله: ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ وهي مسألة أصولية في العمل بخبر الواحد.
المسألة الثالثة: قيل إن الآية تدل على أن الأصل في المجهول عدم العدالة، أي عدم ظن عدالته فيجب الكشف عن مجهول الحال فلا يعمل بشهادته ولا بروايته حتى يبحث عنه وتثبت عدالته.
وهذا قول جمهور الفقهاء والمحدثين وهو قول مالك.
وقال بعضهم: الأصل في الناس العدالة وينسب إلى أبي حنيفة فيقبل عنده مجهول الباطن ويعبر عنه بمستور الحال.
أما المجهول باطنُه وظاهره معاً فحكي الاتفاق على عدم قبول خبره، وكأنهم نظروا إلى معنى كلمة الأصل العقلي دون الشرعي، وقد قيل: إن عمر بن الخطاب كان قال: «المسلمون عدول بعضهم عن بعض» وأنه لما بلغه ظهور شهادة الزور رَجع فقال: «لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول».
ويستثنى من هذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأصل أنهم عدول حتى يثبت خلاف ذلك بوجه لا خلاف فيه في الدين ولا يختلف فيه اجتهاد المجتهدين.
وإنما تفيد الآية هذا الأصل إذا حُمل معنى الفاسق على ما يشمل المتهم بالفسق.
المسألة الرابعة: دل قوله: ﴿ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ﴾ أنه تحذير من الوقوع فيما يوجب الندم شرعاً، أي ما يوجب التوبة من تلك الإصابة، فكان هذا كناية عن الإثم في تلك الإصابة فحُذر ولاة الأمور من أن يصيبوا أحداً بضر أو عقاب أو حد أو غرم دون تبيّن وتحقق توجه ما يوجب تسليط تلك الإصابة عليه بوجه يوجب اليقين أو غلبة الظن وما دون ذلك فهو تقصير يؤاخذ عليه، وله مراتب بينها العلماء في حكم خطها القاضي وصِفةِ المخطئ وما ينقض من أحكامه.
وتقديم المجرور على متعلَّقه في قوله: ﴿ على ما فعلتم نادمين ﴾ للاهتمام بذلك الفعل، وهو الإصابة بدون تثبت والتنبيه على خطر أمره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآيَةَ.
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدِّقًا لِبَنِي المُصْطَلِقِ، فَلَمّا أبْصَرُوهُ أقْبَلُوا نَحْوَهُ، فَهابَهم فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ، فَأخْبَرَهُ أنَّهم قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ وأمَرَهُ أنْ يَثْبُتَ ولا يَعْجَلَ، فانْطَلَقَ خالِدٌ حَتّى أتاهم لَيْلًا فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَلَمّا جاءُوا أخْبَرُوا خالِدًا أنَّهم مُتَمَسِّكُونَ بِالإسْلامِ، وسَمِعُوا أذانَهم وصَلاتَهم، فَلَمّا أصْبَحُوا، أتاهم خالِدٌ ورَأى صِحَّةَ ما ذَكَرُوهُ، فَعادُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ فَأخْبَرُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَكانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: (التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» .
وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ مَقْبُولٌ إذا كانَ عَدْلًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَأثِمْتُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: لاتَّهَمْتُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: لَغَوَيْتُمْ.
الرّابِعُ: لَهَلَكْتُمْ.
الخامِسُ: لَنالَتْكم شِدَّةٌ ومَشَقَّةٌ.
قالَ قَتادَةُ: هَؤُلاءِ أصْحابُ النَّبِيِّ لَوْ أطاعَهم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنَتُوا، فَأنْتُمْ واللَّهِ أسْخَفُ رَأْيًا وأطْيَشُ عُقُولًا.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسَّنَهُ عِنْدَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: قالَهُ الحَسَنُ.
بِما وصَفَ مِنَ الثَّوابِ عَلَيْهِ.
﴿ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما وعَدَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ النَّصْرِ وفي الآخِرَةِ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: بِالدِّلالاتِ عَلى صِحَّتِهِ.
﴿ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَذِبُ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: كُلُّ ما خَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد «عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإِسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، قلت يا رسول الله: ارجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إليَّ يا رسول الله رسولاً يبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الابان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه إحتبس الرسول فلم يأتِ فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟
قالوا: إليك، قال: ولم؟
قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله.
قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته ولا أتاني، فما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟
قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله، فنزل ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا ﴾ إلى قوله: ﴿ حكيم ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن منده وابن مردويه عن علقمة بن ناجية قال: بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط يصدق أموالنا فسار حتى إذا كان قريباً منا وذلك بعد وقعة المريسيع رجع فركبت في أثره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أتيت قوماً في جاهليتهم أخذوا اللباس ومنعوا الصدقة فلم يغير ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ ﴾ فأتى المصطلقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أثر الوليد بطائفة من صدقاتهم.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وكيعة الذي قال الوليد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد.
قال: وأنزل الله في الوليد ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ ﴾ » الآية.
وأخرج ابن راهويه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بعث النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا لذلك وقرت أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله ورسوله ونزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا ليتلقوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوني الصدقة.
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وأنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ ﴾ الآية.
وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالهدنة، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق جمعوا لك ليقاتلوك، فأنزل الله: ﴿ إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا ﴾ .
أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة.
فلما بلغ بني وكيعة الذي قال لهم الوليد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا رسول الله قالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد، ولكن كانت بينه وبيننا شحناء فخشينا أن يكافئنا بالذي كان بيننا فأنزل الله في الوليد ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن بني فلان- حياً من أحياء العرب- وكان في نفسه عليهم شيء، وكانوا حديثي عهد بالإِسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله.
قال: فلم يعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا خالد بن الوليد، فبعثه إليهم ثم قال: ارمقهم عند الصلاة فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم وإلا فلا تعجل عليهم.
قال: فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فرمقهم فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب، فقال خالد بن الوليد: ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا غير هذه الصلاة ثم كمن حتى إذا الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا.
قال: فلعلهم تركوا صلاة أخرى، فكمن حتى إذا كان في جوف الليل فتقدم حتى أظل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئاً من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرأونه، ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن ثم أقام فقاموا فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا: ما هذا؟
قالوا: هنا خالد بن الوليد، وكان رجلاً مشنعاً، فقالوا يا خالد: ما شأنك؟
قال: أنتم والله شأني أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له إنكم كفرتم بالله وتركتم الصلاة، فجعلوا يبكون، فقالوا: نعوذ بالله أن نكفر بالله أبداً.
قال: فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً ﴾ قال الحسن: فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها المرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدقهم فلم يبلغهم، ورجع فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم عصوا، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهز إليهم إذ جاء رجل من بني المصطلق، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعنا أنك أرسلت إلينا ففرحنا به واستبشرنا به وإنه لم يبلغنا رسولك، وكذب.
فأنزل الله فيه وسماه فاسقاً ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ قال: هو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة بعثه نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإِسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره بأن تثبت ولا تعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه، فلما جاءهم أخبروه أنهم متمسكون بالإِسلام وسمع أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يعجبه فرجع إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره الخبر، فأنزل الله في ذلك القرآن، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ الآية قال: إذا جاءك فحدثك أن فلاناً إن فلانة يعملون كذا وكذا من مساوي الأعمال فلا تصدقه.
أما قوله تعالى: ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ .
أخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي نضرة قال: قرأ أبو سعيد الخدري ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ قال: هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم؟
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرنا أنفسنا وكيف لا ننكر أنفسنا والله يقول ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ قال: هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم لو أطاعهم نبي الله في كثير من الأمر لعنتوا فأنتم والله أسخف قلباً وأطيش عقولاً.
فاتّهم رجل رأيه، وانتصح كتاب الله فإن كتاب الله ثقة لمن أخذ به وانتهى إليه وإن ما سوى كتاب الله تغرير.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ يقول: لأعنت بعضكم بعضاً.
أما قوله تعالى: ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإِيمان ﴾ .
أخرج أحمد والبخاري في الأدب والنسائي والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: «لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال النبي صلى الله عليه وسلم: استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفاً فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإِيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب يا إله الحق» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ﴾ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد (١) (٢) - مصدقاً إلى بني المصطلق (٣) - وقال: إنهم قد منعوا الصدقة وارتدوا، فبعث إليهم رسول الله - - خالد بن الوليد، فلما دنا خالد منهم بعث عيوناً ليلاً فإذا هم ينادون ويصلون، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيراً، فرجع إلى النبي - - فأخبره ونزلت الآية.
وذكرنا القراءة في قوله: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ في سورة النساء (٤) قوله: ﴿ أَنْ تُصِيبُوا ﴾ يعني: لئلا تصيبوا، وكراهة أن تصيبوا (٥) وقوله: ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ أي: بجهالة بحالهم، وما هم عليه من الإسلام والطاعة.
﴿ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ قال مقاتل: يعني الذين انتدبوا لقتال بني المصطلق (٦) (١) أخرج ذلك الطبري 13/ 124 عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
وأخرجه الإمام أحمد عن الحرث بن ضرار الخزاعي.
انظر: "مسند أحمد" 4/ 279، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" وعزاه للإمام أحمد.
وقال: رجال أحمد ثقات 7/ 109، وأخرجه عبد الرزاق عن قتادة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 231، وقال الحافظ ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 156: رواه ابن إسحاق والطبراني من حديث أم سلمة وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 92.
(٣) بنو المصطلق: حي من خزاعة، حاربهم رسول الله - - في غزوة المريسيع في شعبان سنة ست من الهجرة.
انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 333، "البداية والنهاية" 4/ 156.
(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ بالنون، وكذلك في الحجرات: 6، وقرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا) بالتاء وكذلك في الحجرات، انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 173، "تفسير الطبري" 13/ 123.
(٥) انظر: "البحر المحيط" 8/ 109.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا ﴾ سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ زكاتهم، فروي أنه كان معادياً لهم، فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه فكذب عليهم، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم قد منعوني الصّدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم همَّ بغزوهم، ونظر في ذلك فورد وفدهم منكرين لذلك، ورُوي أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له، فرآهم على بعد ففزع منهم وظنّ بهم الشر، فانصرف فقال ما قال.
وروي أنه بلغه أنهم قالوا: لا نعطيه صدقة ولا نعطيه فانصرف، وقال ما قال.
فالفاسق المشار إليه في الآية هو الوليد بن عقبة، ولم يزل بنعد ذلك يفعل أفعال الفساق، حتى صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران، ثم قال لهم: أزيدكم إن شئتم، ثم هي باقية في كل من اتصف بهذه الصفة إلى آخر الدهر، وقرئ فتبينوا من التبين، وتثبتوا بالثاء من التثبت، ويقوي هذه القراءة أنها لما نزلت روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التثبت من الله والعجلة من الشيطان» ، واستدل بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد، لأن دليل الخطاب يقتضي أن خبر غير الفاسق مقبول، قال المنذر بن سعيد البلوطي: وهذه الآية تردّ على من قال: إن المسلمين كلهم عدول، لأن الله أمر بالتبين قبل القبول، فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقاً ﴿ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع المفعول من أجله تقديره: مخافة أن تصيبوا قوماً بجهالة، والإشارة إلى قتال بني المصطلق لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.
﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.
الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بين محل النبي وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.
ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.
والأظهر أن هذا إرشاد عام.
وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.
فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.
فقال عمر: ما أردت خلافك.
فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.
وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.
وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.
وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.
وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي .
وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.
وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.
قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.
وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله كالتقديم بين يدي الله.
قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.
وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.
وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.
ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.
وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.
فقال له رسول الله : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.
وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.
وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.
قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.
ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.
والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.
وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.
ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.
والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.
وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.
ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.
ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.
فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.
قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.
أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.
وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.
يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.
قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.
ففي الحديث أنه قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.
وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.
ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.
ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.
والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.
روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.
فدخلوا المسجد ونادوا النبي من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له .
والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.
وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.
فتأذى رسول الله من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.
فقال لهم: فيم جئتم؟
فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.
فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.
فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.
فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.
ثم دنا من رسول الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.
وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.
وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.
أما إخبار الله عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله .
وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.
وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.
سئل رسول الله عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.
ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.
ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.
فهم النبي بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.
قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.
والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.
ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.
والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.
واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.
ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.
والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.
ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.
ومدن بالمكان أقام به.
قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.
وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.
واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.
وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله فصار فاسقاً بكذبه.
وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.
ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.
نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.
ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.
وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.
قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.
والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.
قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.
ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.
وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.
وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.
ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.
فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.
قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.
وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.
والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.
وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.
ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.
وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.
ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.
قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.
ثم علمهم حكماً آخر.
في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.
فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.
فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله فأصلح بينهم.
وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.
وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.
والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.
وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.
وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.
وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.
والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.
ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.
وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".
مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.
واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.
وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.
ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.
والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.
وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي ليست بسكن لنا.
واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.
أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.
والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.
والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.
والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.
واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي وما أنكر عليه أحد.
وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.
وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.
قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.
وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.
وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.
والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.
روي أن النبي قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.
ثم شرع في تأديبات آخر.
والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.
قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.
فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.
فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.
فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.
وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.
وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.
فقال له عبد الله: يا يهودي.
وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.
ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.
وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.
فقال لها رسول الله : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.
وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.
وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.
وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.
وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.
عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.
قوله ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.
والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.
قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.
وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.
قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.
وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.
ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.
وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.
وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.
ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.
وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.
عن النبي "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.
ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله "من الحزم سوء الظن" وعن النبي "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.
قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.
والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.
تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.
قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
عن النبي أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.
فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.
تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.
وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.
وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.
شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.
والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.
أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.
أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.
وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.
وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.
فلما راحا إلى رسول الله قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟
فقالا: ما تناولنا لحماً.
فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.
قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.
واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.
ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .
وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي : من الذاكر فلانة؟
فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.
فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟
قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.
قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.
وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.
وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.
وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.
وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.
فأتى جبريل فأخبره.
وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
ويروى أن رسول الله رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي : فاشتراه رجل وكان رسول الله يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.
فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.
فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.
وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.
والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.
وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.
فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.
ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.
وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.
وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.
أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.
والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.
عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.
يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.
﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.
وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.
قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.
أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.
﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.
ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.
ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.
يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.
ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.
وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.
فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.
ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.
وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.
وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.
ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.
وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.
والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟
وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.
يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.
قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.
ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.
وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.
وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.
ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ﴾ جميع أهل التأويل أو عامتهم على أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، وإلى قوم سواهم؛ لجباية الصدقات، وكان بينه وبين أولئك القوم عداوة في الجاهلية، فخرجوا بتلقونه، فخافهم، فرجع، فقال: إن القوم قد منعوا الصدقات، فبعث رسول الله إليهم بعد ذلك خالد بن الوليد لجباة الصدقات، فوجدهم يصلون ويعملون الطاعات، واجتمعوا واجمعوا له الصدقات وجبوها وسلموها إليه، فرجع إلى رسول الله بها، فنزل قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ﴾ لكن إن كان ما ذكروا فلم يكن في ذلك النبأ التثبت؛ لأن الآية نزلت بعد نبأ الرجل.
وفي الآية الأمر بالتثبت في نبأ الفاسق فيما يحدث من الأمور من بعد؛ فدل أن الآية نزلت لبيان الحكم في نبأ الفاسق ابتداء، والله أعلم.
ولأنه يحتمل أن يكون ذلك الرجل منافقاً ولم يأمر الله - - بالتثبت في خبر المنافق، ولم يشرع ذلك؛ لأن النفاق يكون في الضمير فلا يظهر ذلك؛ فأما الفسق فإنه يظهر فأمر لنا بالتثبت فيه؛ فدل أن الآية لم تنزل في ذلك الرجل؛ إذ لا يحتمل عن المنافق أن يزور على المسلمين مثل ما ذكر منه دل أن ما قاله أهل التأويل فيه وهم.
ثم في الآية دلالة قبول خبر الواحد إذا كان عدلا؛ لأنه لو لم يقبل خبره إذا كان عدلا لم يكن لذكر الفسق فائدة سوى الشتم، والشتم سفه؛ فلا يجوز أن يوصف الله - - [به] فدل ذكر الفسق على أن هذا الحكم وهو رد الشهادة مختص باسم الفسق، وأن العدل لا يشاركه فيه حتى [لا يكون] ذكر الفسق سفهاً لما تعلق به بيان حكم شرعي يختص بالفاسق، ولا يعرف ذلك دون ذكره، فأما متى كان الحكم عامّاً في الفاسق العدل عند الانفراد، فكان ذرك الفاسق مع شتمه لا يليق بالحكمة؛ فدل ما ذكرنا، و الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ﴾ أي: تصيبوا قوماً بجهالة في الظاهر بسبب تهمة الفسق، فأمّا في الحقيقة فإنه يجوز أن تصيب ذلك بخبر الواحد، لكن الأحكام وقبول الأخبار فيما بين الخلق لم توضع على الحقائق، وإنما وضعت على الظواهر، وكذلك قبول الشهادات، والحكم بها، وجميع الشرائع التي في الناس إنما هو على الظواهر من الأحوال والأمور، فأما على إصابة حقيقة ذلك فلا؛ إذ قد يجوز أن يحكم الحاكم ويقضي بقتل إنسان ويقطع يده بشهود عنده؛ لما ظهرت عنده عدالتهم، ولم يكن - في الحقيقة - كذلك، وعلى ذلك قول يعقوب - - لبنيه: ﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ﴾ لم يأمن عليهم بما ظهر له منهم زلة وجناية حين طلوبا منه إرساله ولده يوسف - - في الرعي؛ بل قال هناك: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ إنما اعتل عليهم واحتج بأكل الذئب ولم يتهمهم فيه لما لم يكن ظهر له منهم زلة وجناية، فلما ظهر ذلك منهم اتهمهم، وأخبر أنه لا يأمن عليهم بما ظهر له من زلتهم؛ فدل أن التهمة سبب الردّ، وأنه يجب التثبت بدفع الجهالة من حيث الظاهر، لا للحقيقة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ أي: نادمين بما فعلوا على خلاف ما كان في الظاهر، ويندمون لما تركموا التثبت في الخبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ أي: لأثمتم.
من الناس من احتج بهذه الآية على أن الإجماع ليس بحجة، وقالوا: لو كان لإجماعهم [حجة] لكان لا يأثمون لو أطاعهم في كثير من الأمر؛ لأن الحق والصواب مما لا يوجب الإثم لصاحبه فيمن تبعه في ذلك الصواب، ولكن إن كان لا يوجب الثواب دل انه ليس بحجة يجب اتباعه.
ولكن هذا فاسد؛ لأن الحجج والبراهين لم تكن انتهت يومئذ غايتها، ولا أتت على نهايتها، فالإجماع الذي هو إجماع حجة عندنا ويجب اتباعه والانقياد له هو إجماع من استوعب الحجج والبراهين، وأتى على عامتها، أو على الجميع، وكان الوقت وقت نزول الوحي، وإنما تستقر الأحكام بوفاة رسول الله لما ينقطع الوحي؛ فيستدل على استيعاب الحجج ونزول جميع ما يحتاج الناس إليه من حيث الإبداع في النصوص، فمتى اجتمعوا على ذلك يكون حجة، ولأنه لا إجماع يتحقق دون رأي رسول الله صلى الله عليه سلم وإذا وجد رأيه استغنى عن رأي الغير؛ لما كان ينطق عن الوحي، فإذا لم يكن وقت رسول الله زمان انعقاد الإجماع حجة فبطل استدلالهم بالآية.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ أرسل إليكم ليزيل عنكم إشكالكم وشبهاتكم، فلا عذر لكم في الكفر واعتراض الشبه لكم بما تقدرون أن تسألوه ما أشكل عليكم وأشتبه، فيخبركم بذلك فيزيل الشبه عنكم.
والثاني: يحتمل: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ يطلع الله - - إياه على ما تضمرون في أنفسكم، وما تولدون من الأخبار التي لا أصل لها ولا أثر ما [لو] أظهر ذلك لافتضحهم، وهو صلة ما ذكر من قوله: ﴿ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ﴾ ، والله أعلم.
ويحتمل: أي: فيكم رسول الله تسألونه ما أشكال عليكم، فيخبركم بالحق والأمر على الحقيقة كي لا تصيبوا قوماً بجهالة، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ فإليه الرأي والتدبير في الأمور، ومن رأيه وتدبيره يجب أن يصدر، لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ على الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ أي: لو يطيعكم فيما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشبهات وهواها.
أو يقول: لو يطيعكم في الصدور عن آرائكم وتدبيركم في الأمور لعنتم، ثم قال: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ هذا في الظاهر كناية غير موصولة بقوله: ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ؛ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار، كأنه يقول: لو يطيعكم في كثير من الأمور لعنتم، وإن الله قد أرسله إليكم رسولا، وحبب إليكم الإيمان به وزينه في قلوبكم حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل شيء، فالواجب عليكم أن تصرفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره، وأن تصدروا عن رأيه، ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم، والله أعلم.
ويحتمل: أي: لا تدعوه إلى أن يطيعكم فيما تهوى به أنفسكم، واشتهت بعدما حبب الإيمان إليكم وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر وما ذكر، والله أعلم بحقيقة جهة وصل هذا بالأول.
ثم يحتمل وجهين أيضاً: أحدهما: لو يطيعكم الرسول في كثير من الأمر لعنتم، و[لكن] الله - - ألزمكم طاعته في كل أمر، فأطعيوه ولا تطلبوامنه طاعته إياكم في الأمور، ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها، وقد حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق - وهو الخروج عن أمره - والعصيان.
والثاني: يشبه أن يكون موصولا بقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ ، و ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ ، ثم قال الله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ ﴾ كأنه يقول: أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وحبب إليهم [الإيمان] وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ ﴾ ، أخبر وشهد لهم بالرشاد، وأخبر أن ذلك فضل منه إليهم ونعمة، لا شيء كان منهم استوجبوا بذلك؛ فذلك قوله: ﴿ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
ثم قالت المعتزلة في قوله - -: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ ﴾ وما ذكر، يقولون: لم يحبب الإيمان إلى هؤلاء إلا وقد حبب مثله إلى جميع الكفار، وكذلك لم يكره الكفر إلى هؤلاء إلا وقد كره [مثله] إلى جميع الناس، لكن المراد تخصيص هؤلاء بما ذكر من التحبيب إليهم الإيمان، وتكريه الكفر هو اختصاصهم بما وعد من الثواب والجزاء الجزيل على الإيمان والمواعيد الشديدة، فحببه وزينه في قلوبهم بما وعد لهم من الثواب، وكره الكفر والعصيان إليهم بما أوعد على ذلك من العذاب العظيم.
لكن هذا فاسد؛ لأنه ليس مؤمن به صار حب الإيمان في قلبه لما ذكروا من الثواب والجزاء، ولا كافر أسلم حين أسلم يخطر ثواب الإيمان في قلبه حتى يكون إسلامه لذلك؛ بل كان في قلبه بغض الإيمان قبل الإسلام، فإذا أسلم وجد حبه في قلبه، وكراهة الكفر؛ ليعلم أن ذلك يكون بلطف من الله - - كان عنده، فإذا أعطاه صار ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ .
قال بعضهم: كان بين رجلين مدارة - أي: منازعة - في شيء، فغضب قوم كل رجل حتى كان بينهم خفق بالنعال والأيدي، فنزلت الآية.
وقال بعضهم: كان بين الأوس والخزرج قتال بالعِصِي؛ فنزلت عنده الآية بالأمر بالصلح بينهم.
وقال بعضهم: قتالهم بالعِصِي، والتناجي، ونحوهما.
وقال الحسن: إن قوماً من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطروا بالنعال وبالأيدي، فأنزل الله - - هذه الآية في ذلك.
وقال قتادة: كان بين رجلين حق فتدارا فيه، فقال أحدهما: لأخذته عنوة - لكثرة عشيرته - وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.
وجائز أن تكون الآية فيما كان بين عليّ بن أبي طالب - - وبين الحرورية وأهل النهروان؛ ذكر أن عليّاً - - لما قتلهم فقال الناس: هم مشركون، فقال - -: من الشرك فروا، فقالوا: فمنافقون هم؟
قال علي - -: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قالوا: فما هم؟
قال: هم ناس بغةوا علينا فقاتلونا فقاتلناهم.
ويحتمل أنه كان فيما كان بين علي - - ومعاوية يوم الجمل ويوم صفين؛ ذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليّاً - - سمع رجلا يقول يوم الجمل: هم كفروا، فقال: لا تقل ذلك، ولكن هؤلاء قوم بغوا علينا، وزعموا أنا بغينا عليهم، فقاتلناهم على ذلك.
لكن في الآية الأمر بالصلح إذا كان بينهم - أعني: المؤمنين - اقتتال بأي شيء كان بقوله - -: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ وكذلك أمر في غير آي بالصلح والإصلاح، قال: يقال: وأصلحوا ذات بينكم، اي: بين المؤمنين.
وهذه الآية حجة على المعتزلة والخوارج، فإنه أبقى اسم الإيمان بعد ما ك ان منهم الاقتتال والبغي، والقتال والبغي مع أهل الإسلام من الكبائر دل أن الكبيرة لا تخرج عن الإيمان ولا توجب الكفر، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: فإن ظلمت إحدى الطائفتين وطلبت غير الحق ﴿ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ﴾ أي: تظلم وتجور ﴿ حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ حتى ترجع إلى أمر الله، وإلى الحق، أمر بمعونة الطائفة التي لم تبغ والانتصار لها من الباغية، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ﴾ وعد - عز وجل - النصر لهم، فيحتمل أن يكون ذلك النصر الموعود في الدنيا، ويحتمل في الآخرة.
وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي من غير قيد بين السيف وغيره بقوله: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ﴾ لكن متى أمكن دفع البغي وكسر منعتهم بغير السلاح فهو الحق، وهو الواجب، لكن إذا لم ينقلعوا عن البغي إلا بالقتال مع السيف فلا بأس به، فإن عليّاً - - قاتل الفئة الباغية بالسيف ومعه كبراء الصحابة - م - وأهل بدر، وكان هو محقّاً في قتاله إياهم دل أنه لا بأس بقتالهم بالسيف.
وبعضهم قالوا: إن قتال البغاة لا يجوز بالسيف، وقالوا: إن سبب نزول الآية في القتال بالعِصِي والنعال، ولكن لا حجة لهم فيها؛ لأن القتال بين الفئتين وإن كان بالنعال والعصي ولكن لم يصيروا بغاة في تلك الحال، وهو القتال الذي أمر الله فيه أن يصلح بينهم، وإنما يصيرون بغاة بأن لم يجيبوا إلى الصلح ولم يقبل أحد من الطائفتين الصلح، وحينئذ أمر بالقتال معهم مطلقاً من غير قيد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ ﴾ ذكر أنها وإن فاءت ورجعت إلى ما أمر الله - - به لا يتركوهما كذلك بغير صلح، ولكن أصلحوا بينهما وألفوا حتى يتآلفوا؛ لأن أهل الإسلام ندبوا إلى التآلف بينهم والجمع، وشرط فيه الصلح بالعدل، فهو - والله أعلم - يقول: إنكم وإن رأيتم صلاحهم في الصلح فلا يحملنكم ذلك على الصلح الذي ليس فيه عدل، ولكن أصلحوا بينهم بالعدل، ولا تجاوزوا الحدّ، وأكد ذلك قوله: ﴿ وَأَقْسِطُوۤاْ ﴾ أي: أعدلوا في الصلح ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ أي: العادلين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ أمر الله - عز وجل - بإصلاح ذات البين بين المؤمنين بقوله: ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ وأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا وتنازعوا بقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ وأمر بالإصلاح بين الآحاد والأفراد بقولخه: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ؛ لأن الإيمان يوب التآلف، وبالتآلف ندبوا، وإليه دعوا، وبه منّ الله - - علينا؛ حيث قال: ﴿ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ أمر بالتأليف والاجتماع، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمر المؤمنين جملة أن يصلحوا ذات بينهم إذا وقع بينهم تنازع واختلاف واقتتال على ما ذكر، والله أعلم.
ثم من الناس من استدل بقوله - -: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ على أن اسم الطائفة يقع على الواحد فصاعداً، فقال: إنه ذكر في أول الآية: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ ، [و]قال في آخره: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ فدل أن سام الطائفة يقع على الواحد فصاعداً، فقال: فيستدل بهذا على أن في قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ يراد به الواحد؛ فيدل على لزوم خبر الواحد العدل.
لكن عندنا ما ذكر أنه أمر بإصلاح ذات البين بين جملتهم، وأمر بالصلاح بين فريقين، وأمر بذلك بين الآحاد والأفراد، وليس في قوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ دلالة أنه أراد به الأخوين، أو ذكر ﴿ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ، وأراد به الاثنين اللذين كان الاقتتال بينهما، وفيهما هاج القتال بينهم، فأما أن يكون اسم الطائفة يقع على الواحد فلا؛ بل هو في اللغة وعرف اللسان على الجماعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي: اتقوا مخالفة أمر الله لكي تقع بكم الحرمة، أو لكي يلزمكم الرحمة.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، إن جاءكم فاسق بخبر عن قوم، فتثبتوا من صحة خبره، ولا تبادروا إلى تصديقه؛ خوف أن تصيبوا -إذا صدّقتم خبره دون تثبت- قومًا بجناية وأنتم جاهلون حقيقة أمرهم، فتصبحوا بعد إصابتكم لهم نادمين عندما يتبين لكم كذب خبره.
<div class="verse-tafsir" id="91.2ak2O"