الآية ١٠ من سورة الذاريات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ١٠ من سورة الذاريات

قُتِلَ ٱلْخَرَّٰصُونَ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الذاريات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قتل الخراصون ) قال مجاهد : الكذابون .

قال : وهي مثل التي في عبس : ( قتل الإنسان ما أكفره ) [ عبس : 17 ] ، والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( قتل الخراصون ) أي : لعن المرتابون .

وهكذا كان معاذ - رضي الله عنه - يقول في خطبه : هلك المرتابون .

وقال قتادة : الخراصون أهل الغرة والظنون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) يقول تعالى ذكره: لُعِن المتكهنون الذين يتخرّصون الكذب والباطل فيتظننونه.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بقوله ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) فقال بعضهم: عُنِي به المرتابون.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) يقول: لعن المُرتابون.

وقال آخرون في ذلك بالذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) قال: الكهنة.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) قال: الذين يتخرّصون الكذب كقوله في عبس قُتِلَ الإِنْسَانُ , وقد حدثني كل واحد منهما بالإسناد الذي ذكرت عنه, عن مجاهد, قوله ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) قال: الذين يقولون: لا نُبْعَث ولا يُوقِنون.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) : أهل الظنون.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) قال: القوم الذين كانوا يتخرّصون الكذب على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , قالت طائفة: إنما هو ساحر, والذي جاء به سحر.

وقالت طائفة: إنما هو شاعر, والذي جاء به شعر; وقالت طائفه: إنما هو كاهن, والذي جاء به كهانة; وقالت طائفة أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا يتخرّصون على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قتل الخراصون في التفسير : لعن الكذابون .

وقال ابن عباس : أي قتل المرتابون ; يعني الكهنة .

وقال الحسن : هم الذين يقولون لسنا نبعث .

ومعنى قتل أي هؤلاء ممن يجب أن يدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين .

وقال الفراء : معنى قتل لعن ; قال : و " الخراصون " الكذابون الذين يتخرصون بما لا يعلمون ; فيقولون : إن محمدا مجنون كذاب ساحر شاعر ; وهذا دعاء عليهم ; لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك .

قال ابن الأنباري : علمنا الدعاء عليهم ; أي قولوا : قتل الخراصون وهو جمع خارص والخرص الكذب والخراص الكذاب ، وقد خرص يخرص بالضم خرصا أي كذب ; يقال : خرص واخترص ، وخلق واختلق ، وبشك وابتشك ، وسرج واسترج ، ومان ، بمعنى كذب ; حكاه النحاس .

والخرص أيضا حزر ما على النخل من الرطب تمرا .

وقد خرصت النخل والاسم الخرص بالكسر ; يقال : كم خرص نخلك والخراص الذي يخرصها فهو مشترك .

وأصل الخرص القطع على ما تقدم بيانه في " الأنعام " ومنه الخريص للخليج ; لأنه ينقطع إليه الماء ، والخرص حبة القرط إذا كانت منفردة ; لانقطاعها عن أخواتها ، والخرص العود ; لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته .

والخرص الذي به جوع وبرد لأنه ينقطع به ، يقال : خرص الرجل بالكسر فهو خرص ، أي جائع مقرور ، ولا يقال للجوع بلا برد خرص .

ويقال للبرد بلا جوع خرص .

والخرص بالضم والكسر الحلقة من الذهب أو الفضة والجمع الخرصان .

ويدخل في الخرص قول المنجمين وكل من يدعي الحدس والتخمين .

وقال ابن عباس : هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة ، واقتسموا القول في نبي الله صلى الله عليه وسلم ; ليصرفوا الناس عن الإيمان به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } أي: قاتل الله الذين كذبوا على الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل، ليدحضوا به الحق، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قتل الخراصون ) لعن الكذابون ، يقال : تخرص على فلان الباطل ، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عقاب مكة ، واقتسموا القول في النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصرفوا الناس عن دين الإسلام .

وقال مجاهد : هم الكهنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قُتل الخراصون» لعن الكذابون أصحاب القول المختلف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لُعِن الكذابون الظانون غير الحق، الذين هم في لُـجَّة من الكفر والضلالة غافلون متمادون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين فقال : ( قُتِلَ الخراصون الذين هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ ) .والخراصون : جمع خرَّاص ، وأصل الخَرْص : الظن والتخمين ، ومنه الخارص الذى يخرص النخلة ليقدر ما عليها من ثمر ، والمراد به هنا : الكذب ، لأنه ينشأ غالبا عن هذا الخرص ، والمراد بالآية الدعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله - تعالى .أى : لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - هؤلاء الكذابون ، الذين قالوا فى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما هو منزه عنه .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهذا يدل على أن المراد من قوله: ﴿ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ  ﴾ أنهم غير ثابتين على أمر وغير جازمين بل هم يظنون ويخرصون، ومعناه لعن الخراصون دعاء عليهم بمكروه.

ثم وصفهم فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُتِلَ الخراصون ﴾ دعاء عليهم، كقوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس: 17] وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن وقبح.

والخرّاصون: الكذابون المقدرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة إليهم، كأنه قيل: قتل هؤلاء الخراصون.

وقرئ: ﴿ قتل الخراصين ﴾ أي: قتل الله ﴿ فِى غَمْرَةٍ ﴾ في جهل يغمرهم ﴿ سَاهُونَ ﴾ غافلون عما أمروا به ﴿ يَسْئَلُونَ ﴾ فيقولون: ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى يوم الجزاء؟

وقرئ بكسر الهمزة وهي لغة.

فإن قلت: كيف وقع أيان ظرفاً لليوم، وإنما تقع الأحيان ظروفاً للحدثان؟

قلت: معناه: أيان وقوع يوم الدين.

فإن قلت: فيم انتصب اليوم الواقع في الجواب؟

قلت: بفعل مضمر دلّ عليه السؤال، أي: يقع يوم هم على النار يفتنون، ويجوز أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى غير متمكن وهي الجملة.

فإن قلت: فما محله مفتوحاً؟

قلت: يجوز أن يكون محله نصباً بالمضمر الذي هو يقع؛ ورفعا على هو يوم هم على النار يفتنون.

وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ يحرقون ويعذبون.

ومنه الفتين: وهي الحرّة؛ لأن حجارتها كأنها محرقة ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ في محل الحال، أي: مقولاً لهم هذا القول ﴿ هذا ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى ﴾ خبره، أي: هذا العذاب هو الذي ﴿ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ويجوز أن يكون هذا بدلاً من فتنتكم؛ أي: ذوقوا هذا العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ الكَذّابُونَ مِن أصْحابِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ، وأصْلُهُ الدُّعاءُ بِالقَتْلِ أُجْرِي مَجْرى اللَّعْنِ.

﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ﴾ في جَهْلٍ يَغْمُرُهم.

﴿ ساهُونَ ﴾ غافِلُونَ عَمّا أُمِرُوا بِهِ.

﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ فَيَقُولُونَ مَتى يَوْمُ الجَزاءِ أيْ وُقُوعُهُ، وقُرِئَ «إيّانَ» بِالكَسْرِ.

﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ يُحْرَقُونَ جَوابٌ لِلسُّؤالِ أيْ يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، أوْ هو يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، وفَتَحَ يَوْمَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ﴾ أيْ مَقُولًا لَهم هَذا القَوْلَ.

﴿ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ هَذا العَذابَ هو الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا بَدَلًا مِن فِتْنَتَكم والَّذِي صِفَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُتِلَ} لعن وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم جرى مجرى لعن {الخراصون} الكذابون المقدرون ما يصح وهم أصحاب القول المختلف واللام إشارة إليهم كأنه قيل قتل هؤلاء الخراصون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ أيِ الكَذّابُونَ مِن أصْحابِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ، وأصْلُ ُالخَرْصِ الظَّنُّ والتَّخْمِينُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الكَذِبِ لِأنَّهُ في الغالِبِ يَكُونُ مَنشَأً لَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: حَقِيقَةَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ قَوْلٍ مَقُولٍ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ يُقالُ لَهُ: خَرْصٌ سَواءٌ كانَ مُطابِقًا لِلشَّيْءِ أوْ مُخالِفًا لَهُ مِن حَيْثُ إنَّ صاحِبَهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ عِلْمٍ ولا غَلَبَةِ ظَنٍّ ولا سَماعٍ بَلِ اعْتُمِدَ فِيهِ عَلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ كَفِعْلٍ خارِصِ الثَّمَرَةَ في خَرْصِهِ، وكُلُّ مَن قالَ قَوْلًا عَلى هَذا النَّحْوِ قَدْ يُسَمّى كاذِبًا وإنْ كانَ قَوْلُهُ مُطابِقًا لِلْمَقُولِ المُخْبَرِ بِهِ كَمافِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ  ﴾ الآيَةُ انْتَهى.

وفِيهِ بَحْثٌ وحَقِيقَةٌ - القَتْلُ - مَعْرُوفَةٌ، والمُرادُ - بِقَتْلِ- الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيُرُهُ بِاللَّعْنِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وإنَّما كانَ القَتْلُ بِمَعْنى اللَّعْنِ هُنا لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَنزِلَةِ المَقْتُولِ الهالِكِ، وقُرِئَ «قَتْلُ الخَراصِينَ» أيْ قَتَلَ اللَّهُ الخَرّاصِينَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ يعني: لعن الكاذبون الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ يعني: في جهالة وعمي وغفلة عن أمر الآخرة، ساهون يعني: لاهين عن الإيمان، وعن أمر الله تعالى يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يعني: أي أوان يوم الحساب استهزاء منهم به، فأخبر الله تعالى عن ذلك اليوم فقال: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ يعني: بالنار يحرقون، ويعذبون.

ويقول لهم الخزنة: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يعني: هذا العذاب الذي كنتم به تستهزءون.

يعني: تستعجلون على وجه الاستهزاء.

ثم بيّن ثواب المتقين فقال عز وجل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يعني: في بساتين، وأنهار.

قوله تعالى: آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ يعني: قابضين ما أعطاهم ربهم من الثواب إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُحْسِنِينَ بأعمالهم.

قرأ عاصم: آخِذِينَ نصب على الحال، ومعنى فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ في حال آخذين ما آتاهم ربهم.

ثم قال: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يعني: قليل من الليل ما ينامون.

وقال بعضهم: كانوا قليلاً.

ثم الكلام يعني: مثل هؤلاء المتقين كانُوا قَلِيلًا.

ثم أخبر عن أعمالهم، فقال: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ يعني: لا ينامون بالليل، كقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (64) [الفرقان: 64] .

وقال الضحاك: كانوا من النائمين.

وقال الحسن: لا ينامون إلا قليلاً.

وقال الربيع بن أنس: لا ينامون بالليل إلا قليلاً وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني: يصلون عند السحر.

ويقال: يصلون بالليل، ويستغفرون عند السَّحَر عن ذنوبهم وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ يعني: نصيب للفقراء لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ السائل: المسكين الذي يسأل الناس.

والمحروم المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ الناس.

ويقال: المحروم المحترف الذي لا يبلغ عيشه.

وقال الشعبي: أعياني أن أعلم من المحروم.

روى سفيان عن ابن إسحاق، عن قيس، قال: سألت ابن عباس: من السائل والمحروم؟

فقال: السائل: الذي يسأل.

والمحروم: المحارب الذي ليس له سهم في الغنيمة، وهكذا قال إبراهيم النخعي، ومجاهد، والربيع بن أنس.

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: المحروم: الفقير الذي إذا خرج إلى الناس استعف، ولم يعرف مكانه، ولا يسأل الناس فيعطونه.

وقال الزجاج: المحروم الذي لا ينمو له مال.

ويقال: هي بالفارسية بي دولة يعني: لا إقبال له.

قوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ يعني: فيمن أهلك قبلهم، لهم عبرة.

ويقال: فيها علامة وحدانية الله تعالى، كأنه قال جعلت جميع الأشياء مرآتك، لتنظر إليها، وترى ما فيها، ومراد النظر في المرآة، رؤية من لم يَرَ فكأنه قال: وانظر في آيات صنعي، لتعلم أفي صانع كمل الأشياء؟

فإذا نظرت إلى النقش، والنقش يدل إلى نقاشه وإذا نظرت إلى النفس وعجائب تركيبها يدل على خالقها، وإذا نظرت في الأرض فمختلف الأشياء عليها يدل إلى ربها، وهي البحار، والجبال، والأنهار، والأثمار.

وَفِي أَنْفُسِكُمْ يعني: وعلامة وحدانيته في أنفسكم أَفَلا تُبْصِرُونَ يعني: تتفكرون في خلق أنفسكم، كيف خلقكم وهو قادر على أن يبعثكم.

قوله عز وجل: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ يعني: من السماء يأتي سبب رزقكم، وهو المطر.

ويقال: وعلى خالق السماء رزقكم وَما تُوعَدُونَ يعني: ما توعدون من الثواب، والعقاب، والخير، والشر.

قال مجاهد: وَما تُوعَدُونَ يعني: الجنة، والنار.

وهكذا قال الضحاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الآية، وتُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الإيعاد، وهو أظهر، والدِّينَ: الجزاء، وقال مجاهد: الحساب «١» .

ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر، فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ والحُبُكُ: الطرائق التي هي على نظامٍ في الأجرام، ويقال لما تراه من الطرائق في الماء والرمال إذا أصابته الريحُ:

حبك، ويقال لِتَكَسُّرِ الشعر: حُبُك، وكذلك في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائِقُ في موضع تداخل الخيوط هي حبك وذلك لجودة خِلْقَةِ السماء ولذلك فَسَّرَها ابن عباس وغيره «٢» بذات الخلق الحَسَنِ وقال الحسن «٣» : حبكها كواكبها.

وقوله سبحانه: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يحتمل أنْ يكون خطاباً لجميع الناس، أي: منكم مؤمن بمحمد، ومنكم مُكَذِّبٌ له، وهو قول قتادة «٤» ، ويحتمل أَنْ يكونَ خطاباً للكفرة فقط لقول بعضهم: شاعر، وبعضهم: كاهن، وبعضهم: ساحر، إلى غير ذلك وهذا قول ابن زيد «٥» .

ويُؤْفَكُ معناه: يُصْرَفُ، أي: يصرف من الكفار عن كتاب اللَّه مَنْ صُرِفَ مِمَّنْ غلبت عليه شَقَاوَتُهُ، وعُرْفُ الاستعمال في «أفك» إنَّما هو في الصرف من خير إلى شَرٍّ.

وقوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ دعاءٌ عليهم كما تقول: قاتلك اللَّه، وقال بعض المفسرين.

معناه: لُعِنَ الخرَّاصون، وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ.

ت: والظاهر ما قاله هذا المُفَسِّرُ قال عِيَاضٌ في «الشفا» وقد يقع القتل بمعنى اللعن قال الله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ وقاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الذّارِياتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والذّارِياتِ ذَرْوًا ﴾ يَعْنِي الرِّياحَ، يُقالُ: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرابَ تَذْرُوهُ ذَرْوًا: إذا فَرَّقَتْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ذَرَتْ فَهي ذارِيَةٌ، وأذْرَتْ فَهي مُذْرِيَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ.

﴿ والذّارِياتِ ﴾ ، مَجْرُورَةٌ عَلى القَسَمِ، المَعْنى: أحْلِفُ بِالذّارِياتِ وهَذِهِ الأشْياءِ، والجَوابُ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ قالَ قَوْمٌ: المَعْنى: ورَبِّ الذّارِياتِ، ورَبِّ الجارِياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالحامِلاتِ وِقْرًا ﴾ يَعْنِي السَّحابَ الَّتِي تَحْمِلُ وِقْرَها مِنَ الماءِ.

﴿ فالجارِياتِ يُسْرًا ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ تَجْرِي مُيَسَّرَةً في [الماءِ] جَرْيًا سَهْلًا.

﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تُقَسِّمُ الأُمُورَ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: والمُقَسِّماتُ أرْبَعَةٌ، جِبْرِيلُ، وهو صاحِبُ الوَحْيِ والغِلْظَةِ، ومِيكائِيلُ، وهو صاحِبُ الرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وإسْرافِيلُ، وهو صاحِبُ الصُّورِ واللَّوْحِ، وعِزْرائِيلُ، وهو قابِضُ الأرْواحِ.

وإنَّما أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صُنْعِهِ وقُدْرَتِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ لَصادِقٌ ﴾ أيْ: لَحَقٌّ.

﴿ وَإنَّ الدِّينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحِسابُ.

والثّانِي: الجَزاءُ ﴿ لَواقِعٌ ﴾ أيْ: لَكائِنٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ: "الحِبِكِ" بِكَسْرِ الحاءِ والباءِ جَمِيعًا.

وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو حَيْوَةَ: "الحِبْكِ" بِكَسْرِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ.

وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الحُبْكِ" بِرَفْعِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ: "الحَبَكِ" بِفَتْحِ الحاءِ و الباءِ جَمِيعًا.

وَقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: [ "الحَبِكِ"] بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الباءِ.

ثُمَّ في مَعْنى ﴿ الحُبُكِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ذاتُ الخَلْقِ الحَسَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: البُنْيانُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: ذاتُ الزِّينَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ الحَسَنُ: حُبُكُها: نُجُومُها.

والرّابِعُ: ذاتُ الطَّرائِقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ واللُّغَوِيُّونَ.

وقالَ الفَرّاءُ: الحُبُكُ: تَكَسُّرُ كُلِّ شَيْءٍ كالرَّمْلِ إذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ السّاكِنَةُ، والماءِ القائِمِ إذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ، والشَّعْرَةُ الجَعْدَةُ تَكَسُّرُها حُبُكٌ، وواحِدُ الحُبُكِ: حِباكٌ وحَبِيكَةٌ وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: الحُبُكُ: الطَّرائِقُ الحَسَنَةُ، والمَحْبُوكُ في اللُّغَةِ: ما أُجِيدَ عَمَلُهُ، وكُلُّ ما تَراهُ مِنَ الطَّرائِقِ في الماءِ وفي الرَّمْلِ إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ فَهو حُبُكٌ.

ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: هَذِهِ هي السَّماءُ السّابِعَةُ.

ثُمَّ ذَكَرَ جَوابَ القَسَمِ الثّانِي، قالَ: ﴿ إنَّكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، بَعْضُكم يَقُولُ: شاعِرٌ، وبَعْضُكم يَقُولُ: مَجْنُونٌ.

وفي القُرْآنِ [بَعْضُكُمْ] يَقُولُ: سِحْرٌ، وبَعْضُكم يَقُولُ: كَهانَةٌ ورَجَزٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ ﴾ أيْ: يُصْرَفُ عَنِ الإيمانِ [بِهِ] مَن صُرِفَ [فَحُرِمَهُ] .

[والهاءُ في "عَنْهُ" عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ.

وقِيلَ: يُصْرَفُ عَنْ هَذا القَوْلُ، أيْ: مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ عَنِ الإيمانِ مَن صُرِفَ] .

وقَرَأ قَتادَةُ: "مَن أفَكَ" بِفَتْحِ الألِفِ والفاءِ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "مَن أفِكَ" بِفَتْحِ الألِفِ وكَسْرِ الفاءِ.

﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي [لُعِنَ] الكَذّابُونَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ  ساحِرٌ وكَذّابٌ وشاعِرٌ، خَرَصُوا ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ.

وفي رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ الكَهَنَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والقَتْلُ إذْ أُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِهِ فَهو بِمَعْنى اللَّعْنَةِ، لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ فَهو بِمَنزِلَةِ المَقْتُولِ الهالِكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ﴾ أيْ: في عَمًى وجَهالَةٍ بِأمْرِ الآخِرَةِ ﴿ ساهُونَ ﴾ أيْ: غافِلُونَ.

والسَّهْوُ: الغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ وذَهابُ القَلْبِ عَنْهُ.

﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ مَتّى يَوْمُ الجَزاءِ؟!

تَكْذِيبًا مِنهم واسْتِهْزاءً.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: يَوْمَ ﴿ هم عَلى النّارِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "اليَوْمَ" مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: يَقَعُ الجَزاءُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ لِلْحِجارَةِ السُّودِ الَّتِي كَأنَّها قَدْ أُحْرِقَتْ بِالنّارِ: الفَتِينُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا ﴿ فِتْنَتَكُمْ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَكْذِيبُكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حَرِيقُكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ها هُنا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ ائْتُنِفَ، فَقالَ: ﴿ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ في الدُّنْيا اسْتِهْزاءً.

ثُمَّ ذَكَرَ ما وعَدَ اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا [البَقَرَةِ: ٢٥، الحِجْرِ ٤٥] .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ آخِذِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، فالمَعْنى: فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ في حالِ أخْذِ ﴿ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ في أعْمالِهِمْ.

وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: عامِلِينَ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ﴾ أنْ تُفْرَضَ الفَرائِضُ عَلَيْهِمْ، ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ البَطِينِ.

ثُمَّ ذَكَرَ إحْسانَهم فَقالَ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ والهُجُوعُ: النَّوْمُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ.

وَفِي "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النَّفْيُ.

ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كانُوا يَسْهَرُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ.

قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو العالِيَةِ: هو ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ.

والثّانِي: كانُوا ما يَنامُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ.

واخْتارَ قَوْمٌ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قَلِيلا ﴾ عَلى مَعْنى: كانُوا مِنَ النّاسِ قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ عَلى مَعْنى نَفْيِ النَّوْمِ عَنْهُمُ البَتَّةَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فالمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَهْجَعُونَهُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، والزُّهْرِيِّ.

وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" زائِدَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ أيْ: نَصِيبٌ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَصِلُونَ بِهِ رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِهِ ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِهِ كَلًّا، أوْ يُعِينُونَ بِهِ مَحْرُومًا، ولَيْسَ بِالزَّكاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الزَّكاةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلسّائِلِ ﴾ وهو الطّالِبُ.

وَفِي " المَحْرُوم " ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، وهو المُحارَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي لا سَهْمَ لَهُ في الغَنِيمَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي لا يُنَمّى لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: هو المَحْرُومُ في الرِّزْقِ والتِّجارَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُسْلِمُ الفَقِيرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ شَيْئًا، قالَهُ قَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ، ولَيْسَ لَهُ فِيها سَهْمٌ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ المُصابُ ثَمَرَتُهُ وزَرْعُهُ أوْ نَسْلُ ماشِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المَمْلُوكُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّامِنُ: أنَّهُ الكَلْبُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.

وكانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ؟

.

وأظْهَرُ الأقْوالِ قَوْلُ قَتادَةَ والزُّهْرِيِّ، لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالسّائِلِ، والمُتَعَفِّفُ لا يَسْألُ - ولا يَكادُ النّاسُ يُعْطُونَ مَن لا يَسْألُ - ثُمَّ يَتَحَفَّظُ بِالتَّعَفُّفِ مِن ظُهُورِ أثَرِ الفاقَةِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْرُومًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَسْألْ، ومِن قِبَلِ النّاسِ حِينَ لا يُعْطُونَهُ، وإنَّما يَفْطِنُ لَهُ مُتَيَقِّظٌ.

وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ ﴾ كالجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والثِّمارِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ بِصُنْعِهِ.

﴿ وَفِي أنْفُسِكُمْ ﴾ آياتٌ إذْ كُنْتُمْ نُطَفًا، ثُمَّ عِظامًا، ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ اخْتِلافُ الصُّوَرِ والألْوانِ والطَّبائِعِ، وتَقْوِيمُ الأدَواتِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، وتَسْهِيلُ سَبِيلِ الحَدَثِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ المُودَعَةِ في ابْنِ آدَمَ.

وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَفِي أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أفَلا تُبْصِرُونَ كَيْفَ خَلَقَكم فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وحُمَيْدٌ، وَأبُو حُصَيْنٍ الأُسْدِيُّ: "أرْزاقُكُمْ" بَراءٍ ساكِنَةٍ وبِألِفٍ بَيْنَ الزّايِ والقافِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نُهَيْكٍ: "رازِقُكُمْ" بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما.

وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ كَهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: الجَنَّةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَ ما تُوعِدُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الخَيْرُ والشَّرُّ كِلاهُما يَأْتِي مِنَ السَّماءِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الجَنَّةُ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في هَذِهِ الآيَةِ مُضْمَرٌ مَجازُهُ: عِنْدَ مَن في السَّماءِ رِزْقُكُمْ، وعِنْدَهُ ما تُوعَدُونَ، والعَرَبُ تُضْمِرُ، قالَ نابِغَةُ [ذُبْيانَ]: كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ أرادَ: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ وما تُوعَدُونَ وأمْرِ النَّبِيِّ  .

﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مِثْلُ" بِرَفْعِ اللّامِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن رَفَعَ "مِثْلُ" فَهي مِن صِفَةِ الحَقِّ، والمَعْنى: إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُمْ؛ ومَن نَصَبَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى "أنْ" فُتِحَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّأْكِيدِ، عَلى مَعْنى: إنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ، وهَذا الكَلامُ كَما تَقُولُ: إنَّهُ لَحَقٌّ كَما أنَّكَ تَتَكَلَّمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الذارِياتِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والذارِياتِ ذَرْوًا ﴾ ﴿ فالحامِلاتِ وِقْرًا ﴾ ﴿ فالجارِياتِ يُسْرًا ﴾ ﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ الدِينَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ والسَماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ ﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ ﴿ يُؤْفَكُ عنهُ مَن أُفِكَ ﴾ ﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِينِ ﴾ ﴿ يَوْمَ هم عَلى النارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكم هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ تَنْبِيهًا عَلَيْها، وتَشْرِيفًا لَها، ودَلالَةً عَلى الِاعْتِبارِ فِيها، حَتّى يَصِيرَ الناظِرُ فِيها إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى.

و"الذارِياتِ": الرِياحُ، بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، يُقالُ: ذَرَتِ الرِيحُ وأذْرَتْ بِمَعْنًى، وفي الرِياحِ مُعْتَبَرٌ مِن شِدَّتِها حِينًا، ولِينِها حِينًا، وكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"ذَرْوًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.

"الحامِلاتِ وِقْرًا" قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي السَحابُ المُوَقَّرَةُ بِالماءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ: هي السُفُنُ المُوَقَّرَةُ بِالناسِ وأمْتاعُهُمْ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هي أيْضًا -مَعَ هَذا- جَمِيعُ الحَيَوانِ الحامِلِ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ، و"وِقْرًا" مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.

و"الجارِياتِ يُسْرًا" قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرُهُ: هي السُفُنُ في البَحْرِ، وقالَ آخَرُونَ: هي السَحابُ بِالرِيحِ، وقالَ آخَرُونَ: هي الجَوارِي مِنَ الكَواكِبِ، واللَفْظُ يَقْتَضِي جَمِيعَ هَذا، و"يُسْرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وصِفاتُ المَصادِرِ المَحْذُوفَةِ تَعُودُ أحْوالًا، و: "يُسْرًا" مَعْناهُ: بِسُهُولَةٍ وقِلَّةِ تَكَلُّفٍ.

و"المُقَسِّماتِ أمْرًا": المَلائِكَةُ، و"الأمْرُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ الَّتِي تُقْسِّمُ أُمُورَ المَلَكُوتِ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ والخَلْقِ في الأرْحامِ وأمْرِ الرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ هَذا إنَّما هو بِمَلائِكَةٍ تَخْدِمُهُ، فالآيَةُ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ لِأنَّهم كُلَّهم في أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأنَّثَ "المُقَسِّماتِ" مِن حَيْثُ أرادَ الجَماعاتِ، وقالَ أبُو الطُفَيْلِ عامِرُ بْنُ واثِلَةَ: كانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ: لا تَسْألُونِي عن آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى أو سُنَّةٍ ماضِيَةٍ إلّا قُلْتُ، فَقامَ إلَيْهِ ابْنُ الكِواءِ فَسَألَهُ عن هَذِهِ، فَقالَ: الذارِياتُ الرِياحُ، والحامِلاتُ: السَحابُ، والجارِياتُ: السُفُنُ، والمُقَسِّماتُ: المَلائِكَةُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: سَلْ سُؤالَ تَعَلُّمٍ ولا تَسْألْ سُؤالَ تَعَنُّتٍ.

وهَذا القَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ ، و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإيعادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، وأيُّهُما؛ كانَ فالوَصْفُ لَهُ بِالصِدْقِ صَحِيحٌ، و"صادِقٌ" هُنا مَوْضُوعُ بَدَلٍ "صِدْقٍ" وُضِعَ الِاسْمُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.

و"الدِينَ": الجَزاءُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحِسابُ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها لِلْكُفّارِ وأنَّها وعِيدٌ مَحْضٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِمَخْلُوقٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ ، فَظاهِرُ لَفْظَةِ "السَماءِ" أنَّها لِجَمِيعِ السَماواتِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: هي السَماءُ السابِعَةُ، و"الحُبُكِ" -بِضَمِّ الحاءِ والباءِ- الطَرائِقُ الَّتِي هي عَلى نِظامٍ في الأجْرامِ، فَحَبْكُ الرِمالِ والماءِ: الطَرائِقُ الَّتِي تُصْنَعُ فِيها الرِيحُ الهابَّةُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: مُكَلَّلٌ بِعَمِيمِ النَبْتِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيفٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ وحَبُكُ الدِرْعِ: الطَرائِقُ المُتَّصِلَةُ في مَوْضِعِ اتِّصالِ الحِلَقِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وفي بَعْضِ أجْنِحَةِ الطَيْرِ حُبُكٌ عَلى نَحْوِ هَذا، ويُقالُ لِتَكْسِيرِ الشَعْرِ: حُبُكٌ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ مِن ورائِكُمُ الكَذّابَ المُضِلَّ، وإنَّ رَأْسَهُ مِن ورائِهِ حُبُكًاحُبُكًا"،» يَعْنِي جُعُودَةَ شِعْرِهِ، فَهو تَكَسُّرُهُ، ويَظْهَرُ في المَنسُوجاتِ مَنِ الأكْسِيَةِ وغَيْرِها طَرائِقٌ في مَوْضِعِ تَداخُلِ الخُيُوطِ هُنَّ حُبُكٌ، ويُقالُ: نَسَجَ الثَوْبَ فَأجادَ حَبْكَهُ، فَهَذِهِ هي الحَبْكُ في اللُغَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: إنَّ السَماءَ في تَأْلُّفِ جِرْمِها هي هَكَذا لَها حُبُكٌ، وذَلِكَ لِجَوْدَةِ خِلْقَتِها وإتْقانِ صَنْعَتِها، ولِذَلِكَ عَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ بِأنْ قالَ: حُبُكُها: حُسْنُ خِلْقَتِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الحُبُكُ الزِينَةُ، وقالَ الحَسَنُ: حُبُكُها كَواكِبُها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحُبُكُ الشِدَّةُ، حُبِكَتْ: شُدَّتْ، وقَرَأ: "سَبْعًا شِدادًا"، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الحُبُكُ طَرائِقُ الغَيْمِ ونَحْوِ هَذا، وواحِدُ "الحُبُكِ" حَباكٌ، ويُقالُ لِلظَّفِيرَةِ الَّتِي يُشَدُّ بِها حِظارُ القَصَبِ ونَحْوُهُ، وهي مُسْتَطِيلَةٌ تُصْنَعُ في تَرْحِيبِ الغِراساتِ المُصْطَفَّةِ-: حِباكٌ، وقَدْ يَكُونُ واحِدُ الحُبُكِ حَبِيكَةٌ، وقالَ الراجِزُ: كَأنَّما جَلَّلَها الحَوّاكُ ∗∗∗ طِنْفَسَةً في وشْيِها حِباكُ وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحُبُكُ" بِضَمِّ الحاءِ والباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الباءِ تَخْفِيفًا، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، كَرُسْلٍ في رُسُلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وأبِي السَمالِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: "الحِبِكُ" بِكَسْرِ الحاءِ والباءِ عَلى أنَّها لُغَةٌ كَإطِلٍ وإبِلٍ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "الحِبْكُ" بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الباءِ، كَما قالُوا عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ: "إبِلٌ" و"إطِلٌ" بِسُكُونِ الباءِ والطاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الحَبَكُ" بِفَتْحِ الحاءِ والباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا فِيما رُوِيَ عنهُ: "الحِبُكُ" بِكَسْرِ الحاءِ وضَمَّ الباءَ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ غَيْرُ مُتَوَجِّهَةٍ، وكَأنَّهُ أرادَ كَسْرَهُما ثُمَّ تَوَهَّمَ "الحَبُكَ" قِراءَةُ الضَمِّ بَعْدَ أنْ كَسَرَ الحاءَ فَضَمَّ الباءَ، وهَذا عَلى تَداخُلِ اللُغاتِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ هَذا البِناءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "الحُبَكُ" بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ الباءِ جَمْعُ حُبْكَةٍ، وهَذِهِ كُلُّها لُغاتٌ، والمَعْنى ما ذَكَرْناهُ، والفَرَسُ المَحْبُوكُ: الشَدِيدُ الخِلْقَةِ الَّذِي لَهُ حُبَكٌ في مَواضِعَ مِن مَنابِتِ شَعْرِهِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ بِنْيَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِجَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، أيِ: اخْتَلَفْتُمْ بِأنْ قالَ مِنكُمْ: فَرِيقٌ: آمَنّا بِمُحَمَّدٍ وكِتابِهِ، وقالَ فَرِيقٌ آخَرُ: كَفَرْنا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْكَفَرَةِ فَقَطْ، أيْ: أنْتُمْ في جِنْسٍ مِنَ الأقْوالِ مُخْتَلِفٍ في نَفْسِهِ، قَوْمٌ مِنكم يَقُولُونَ: ساحِرٌ، وقَوْمٌ يَقُولُونَ كاهِنٌ، وقَوْمٌ يَقُولُونَ: شاعِرٌ، وقَوْمٌ يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والضَمِيرُ فِي: "عنهُ" قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، أو كِتابِهِ أو شَرْعِهِ، و"يُؤْفَكُ" مَعْناهُ: يُصْرَفُ، فالمَعْنى: يُصْرَفُ مِنَ الكُفّارِ عن كِتابِ اللهِ تَعالى كَثِيرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى القَوْلِ الَّذِي يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَن أرادَ الإسْلامَ بِأنْ يُقالَ: هو سِحْرٌ، هو كَهانَةٌ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى القَوْلِ، أيْ: يُصْرَفُ عنهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ تَعالى إلى الإسْلامِ مَن غَلَبَتْ سَعادَتُهُ، وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ لِلْكُفّارِ فَقَطْ، وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لا يُخِلُّ بِهِ، إلّا أنْ عُرِفَ الِاسْتِعْمالُ في "أُفُكٍ" إنَّما هو في الصَرْفِ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْها أبَدًا في المَصْرُوفِينَ المَذْمُومِينَ، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ: "مَن أفَكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ الخَرّاصُونَ" دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، كَما تَقُولُ: قاتَلَهُ اللهُ، وقَتَلَهُ اللهُ، وعَقْرى حَلْقى، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: لُعِنَ الخَرّاصُونَ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا تُعْطِيهِ اللَفْظَةُ، و"الخَرّاصُ": المُخَمِّنُ القائِلُ بِظَنِّهِ وتَقْدِيرُهُ، فَتَحْتَهُ الكاهِنُ والمُرْتابُ ونَحْوُهُ مِمَّنْ لا يَقِينَ لَهُ، والإشارَةُ إلى مُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ  عَلى كُلِّ جِهَةٍ مِن طُرُقِهِمْ.

و"الغَمْرَةُ" ما يُغَشِّي الإنْسانَ ويُغَطِّيهِ كَغَمْرَةِ الماءِ، والمَعْنى: في غَمْرَةٍ مِنَ الجَهالَةِ، و"ساهُونَ" مَعْناهُ: عن أنَّهم في غَمْرَةٍ وعن غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَظَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِينِ ﴾ مَعْناهُ: يَقُولُونَ: مَتى يَوْمُ الدِينِ؟

عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ، وجائِزٌ أنْ يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ هُزُؤٌ وألّا يَقْتَرِنَ، وقَرَأ السُلَمِيُّ، والأعْمَشُ: "إيانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الياءِ مُخَفَّفَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ، قالَ الزَجّاجُ: نَصَبُوا "يَوْمَ" عَلى الظَرْفِ مِن مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ؛ هو كائِنٌ يَوْمَ هم عَلى النارِ، أوَ نَحْوَ هَذا، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: نَصْبَهُ عَلى البِناءِ لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن "يَوْمُ الدِينِ"، و"يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ في النارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والجَمِيعُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحُرَّةِ: فَتِينٌ، كَأنَّ الشَمْسَ أحْرَقَتْ حِجارَتَها، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: مَعاطِي تَهْوى إلَيْها الحَقْو ∗∗∗ قُ يَحْسَبُها مَن رَآها الفَتِينا وفَتَنْتُ الذَهَبَ: أحْرَقَتْهُ، ولَمّا كانَ لا يُحْرَقُ إلّا لِمَعْنى الِاخْتِبارِ قِيلَ لِكُلِّ اخْتِبارٍ: فِتْنَةٌ، واسْتَعْمَلُوا افْتُتِنَ بِمَعْنى اخْتَبَرَ، و"عَلى" هُنا مُوَصِّلَةً إلى مَعْنى "فِي"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ﴾ إضْمارٌ، أيْ: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا حَرْقَكم وعَذابَكُمْ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والذَوْقُ اسْتِعارَةٌ، و"هَذا" إشارَةٌ إلى حَرْقِهِمْ، واسْتِعْجالُهم هو قَوْلُهُمْ: ﴿ أيّانَ يَوْمُ الدِينِ ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي اسْتِعْجالَهم عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ مِنهم.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الكَفَرَةِ وما يُلْقُونَ مِن عَذابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُتَّقِينَ وما يُلْقُونَ مِنَ النَعِيمِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَتَّبِعَ الناسُ طَرِيقَ الهُدى، و"الجَنّاتُ" والعُيُونُ مَعْرُوفٌ، والمُتَّقِي في الآيَةِ مُطْلَقٌ في اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "آخِذِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "آخِذُونَ" بِواوٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: آخِذِينَ في دُنْياهم ما آتاهم رَبُّهم مِن أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وفَرائِضِهِ وشَرْعِهِ، فالحالُ عَلى هَذا مَحْكِيَّةٌ، وهي مُتَقَدِّمَةٌ في الزَمانِ عَلى كَوْنِهِمْ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى الَّتِي أعْطاهم مِن جَنَّتِهِ ورِضْوانِهِ، وهَذِهِ حالٌ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى لِكَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ، وهَذا التَأْوِيلُ أرْجَحُ عِنْدِي لِاسْتِقامَةِ الكَلامِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَبْلَ ذَلِكَ ﴾ يُرِيدُ: في الدُنْيا، "مُحْسِنِينَ" بِالطاعَةِ والعَمَلِ الصالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

دعاء بالهلاك على أصحاب ذلك القول المختلف لأن المقصود بقتلهم أن الله يهلكهم، ولذلك يكثر أن يقال: قاتله الله، ثم أجري مجرى اللعن والتحقير والتعجيب من سوء أحوال المدعو عليه بمثل هذا.

وجملة الدعاء لا تعطف لأنها شديدة الاتصال بما قبلها مما أوجب ذلك الوصف لدخولهم في هذا الدعاء، كما كان تعقيب الجمل التي قبلها بها إيماء إلى أن ما قبلها سبب للدعاء عليهم، وهذا من بديع الإيجاز.

والخرص: الظن الذي لا حجة لصاحبه على ظنه، فهو معرَّض للخطأ في ظنه، وذلك كناية عن الضلال عمداً أو تساهلاً، فالخرّاصون هم أصحاب القول المختلف، فأفاد أن قولهم المختلف ناشئ عن خواطر لا دليل عليها.

وقد تقدم في الأنعام (116) ﴿ إن يتّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ فالمراد هنا الخرص بالقول في ذات الله وصفاته.

واعلم أن الخرص في أصول الاعتقاد مذموم لأنها لا تبنى إلا على اليقين لخطر أمرها وهو أصل محل الذم في هذه الآية.

وأما الخرص في المعاملات بين الناس فلا يذم هذا الذّمَّ وبعضه مذموم إذا أدى إلى المخاطرة والمقامرة.

وقد أذن في بعض الخرص للحاجة.

ففي الموطأ} عن زيد بن ثابت وأبي هريرة «أن النبيء صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا بخرصها» يعني في بيع ثمرة النخلات المعطاة على وجهة العَريَّة وهي هبة مالك النخل ثمر بعض نخله لشخص لسنة معينة فإن الأصل أن يقبِض ثمرتها عند جذاذ النخل فإذا بَدَا لصاحب الحائط شراءُ تلك الثمرة قبل طيبها رخص أن يبيعها المُعْرَى (بالفتح) للمُعْرِي بالكسر إذا أراد المعري ذلك فيخرص ما تحمِله النخلات من الثمر على أن يعطيه عند الجذاذِ ما يساوي ذلك المخروص إذا لم يكن كثيراً وحُدد بخمسة أوسق فأقل ليدفع صاحب النخل عن نفسه تطرق غيره لحائطه، وذلك لأن أصلها عطية فلم يدخل إضرار على المُعرِي من ذلك.

والغمرة: المرة من الغمر، وهو الإحاة ويفسرها ما تضاف إليه كقوله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ [الأنعام: 93] فإذا لم تقيد بإضافة فإن تعيينها بحسب المقام كقوله تعالى: ﴿ فذرهم في غمرتهم حتى حين ﴾ في سورة المؤمنين (54).

والمراد: في شغل، أي مَا يشغلهم من معاداة الإسلام شغلاً لا يستطيعون معه أن يتدبروا في دعوة النبيء.

والسهو: الغفلة.

والمراد أنهم معرِضون إعراضاً كإعراض الغافل وما هم بغافلين فإن دعوة القرآن تقرع أسماعهم كل حين واستعمال مادة السهو في هذا المعنى نظير استعمالها في قوله تعالى: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ [الماعون: 5].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الذّارِياتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والذّارِياتِ ذَرْوًا ﴾ الذّارِياتُ: الرِّياحُ، واحِدَتُها ذارِيَةٌ لِأنَّها تَذْرُو التُّرابَ والتِّبْنَ أيْ تُفَرِّقُهُ في الهَواءِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿ ذَرْوًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَصْدَرٌ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى ما ذَرَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَكَأنَّما أقْسَمَ بِالرِّياحِ وما ذَرَتِ الرِّياحُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ الذّارِياتِ النِّساءُ الوَلُوداتِ لِأنَّ في تَرائِبِهِنَّ ذَرْوَ الخَلْقِ، لِأنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ فَصِرْنَ ذارِياتٍ، وأقْسَمَ بِهِنَّ لِما في تَرائِبِهِنَّ مِن خِيرَةِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، وخَصَّ النِّساءَ بِذَلِكَ دُونَ الرِّجالِ وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ذارِيًا لِأمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: لِأنَّهُنَّ أوْعِيَةٌ دُونَ الرِّجالِ فَلِاجْتِماعِ الذَّرَوَيْنِ خُصِصْنَ بِالذِّكْرِ.

الثّانِي: أنَّ الذَّرْوَ فِيهِنَّ أطْوَلُ زَمانًا وهُنَّ بِالمُباشَرَةِ أقْرَبُ عَهْدًا.

﴿ فالحامِلاتِ وِقْرًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السُّحُبُ [يَحْمِلْنَ] وِقْرًا بِالمَطَرِ.

الثّانِي أنَّها الرِّياحُ [يَحْمِلْنَ] وِقْرًا بِالسَّحابِ، فَتَكُونُ الرِّيحُ الأُولى مُقَدِّمَةَ السَّحابِ لِأنَّ أمامَ كُلِّ سَحابَةٍ رِيحًا، والرِّيحُ الثّانِيَةُ حامِلَةُ السَّحابِ.

لِأنَّ السَّحابُ لا يَسْتَقِلُّ ولا يَسِيرُ إلّا بِرِيحٍ.

وَتَكُونُ الرِّيحُ الثّانِيَةُ تابِعَةً لِلرِّيحِ الأُولى مِن غَيْرِ تَوَسُّطٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَجْرِي فِيهِ احْتِمالُ قَوْلٍ ثالِثٍ: أنَّهُنَّ الحامِلاتُ مِنَ النِّساءِ إذا ثَقُلْنَ بِالحَمْلِ، والوِقْرُ ثِقَلُ الحَمْلِ عَلى ظَهْرٍ أوْ في بَطْنٍ، وبِالفَتْحِ ثِقَلُ الأُذُنِ.

﴿ فالجارِياتِ يُسْرًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: السُّفُنُ تَجْرِي بِالرِّيحِ يُسْرًا إلى حَيْثُ سُيِّرَتْ.

الثّانِي: أنَّهُ السَّحابُ، وفي جَرْيِها يُسْرًا عَلى هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى حَيْثُ يُسَيِّرُها اللَّهُ تَعالى مِنَ البِقاعِ والبِلادِ.

الثّانِي: هو سُهُولَةُ تَسْيِيرِها، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ كَما قالَ الأعْشى كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَشْيُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ ﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّحابُ يُقَسِّمُ اللَّهُ بِهِ الحُظُوظَ بَيْنَ النّاسِ.

الثّانِي: المَلائِكَةُ الَّتِي تُقَسِّمُ أمْرَ اللَّهِ في خَلْقِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَهُمْ: جِبْرِيلُ وهو صاحِبُ الوَحْيِ والغِلْظَةِ، ومِيكائِيلُ وهو صاحِبُ الرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وإسْرافِيلُ وهو صاحِبُ الصُّورِ واللَّوْحِ، وعِزْرائِيلُ وهو مَلِكُ المَوْتِ وقابِضُ الأرْواحِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

والواوُ الَّتِي فِيها واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِها لِما فِيها مِنَ الآياتِ والمَنافِعِ.

﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لَكائِنٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما تُوعَدُونَ مِنَ الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ.

﴿ وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ الحِسابَ لَواجِبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: [أنَّ] الدِّينَ الجَزاءُ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ أعْمالِكم بِالثَّوابِ والعِقابِ لَكائِنٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ.

قَوْمٌ يَدِينُونَ بِالنَّوْعَيْنِ مِثْلِهِما ∗∗∗ بِالسُّوءِ سُوءً وبِالإحْسانِ إحْسانًا ﴿ والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ في السَّماءِ هاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها السَّحابُ الَّذِي يُظِلُّ الأرْضَ.

الثّانِي: وهو المَشْهُورُ أنَّها السَّماءُ المَرْفُوعَةُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هي السَّماءُ السّابِعَةُ.

وَفي ﴿ الحُبُكِ ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحُبُكَ الِاسْتِواءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى اخْتِلافٍ.

الثّانِي: أنَّها الشِّدَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

الثّالِثُ: الصَّفاقَةُ، قالَهُ خُصَيْفٌ.

الرّابِعُ: أنَّها الطُّرُقُ، مَأْخُوذٌ مِن حُبُكُ الحَمامِ طَرائِقٌ عَلى جَناحِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

الخامِسُ: أنَّهُ الحُسْنُ والزِّينَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ كَأنَّما جَلَّلَها الحَوّاكُ ∗∗∗ كَنَقْشَةٍ في وشْيِها حَبّاكُ السّادِسُ: أنَّهُ مِثْلَ حُبُكِ الماءُ إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ زُهَيْرٌ مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسُجُهُ ∗∗∗ رِيحُ الشِّمالِ لِضاحِي مِائَةِ حُبُكٍ السّابِعُ: لِأنَّها حَبُكَتْ بِالنُّجُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَهَذا قِسْمٌ ثانٍ.

﴿ إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي في أمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَمُطِيعٌ وعاصٍ، ومُؤْمِنٌ وكافِرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ فَمُصَدِّقٌ لَهُ ومُكَذِّبٌ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الشِّرْكِ مُخْتَلَفٌ عَلَيْهِمْ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ والأصْنامِ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.

وَهَذا جَوابُ القَسَمِ الثّانِي.

﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَضِلُّ عَنْهُ مَن ضَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: يُؤْفَنُ عَنْهُ مَن أُفِنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأفْنُ فَسادُ العَقْلِ.

الرّابِعُ: يُخْدَعُ عَنْهُ مَن خُدِعَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الخامِسُ: يُكَذَّبُ فِيهِ مَن كُذِّبَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

السّادِسُ: يُدْفَعُ عَنْهُ مَن دُفِعَ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لُعِنَ المُرْتابُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لُعِنَ الكَذّابُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الظُّنُونِ والفِرْيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ المُنْهَمِكُونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وَقَوْلُهُ ﴿ قُتِلَ ﴾ هاهُنا، بِمَعْنى لُعِنَ، والقَتْلُ اللَّعْنُ.

وَأمّا الخَرّاصُونَ فَهو جَمْعُ خارِصٍ.

وَفي الخَرْصِ هاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعَمَّدَ الكَذِبَ، قالَهُ الأصَمُّ.

الثّانِي: ظَنَّ الكَذِبَ، لِأنَّ الخَرْصَ حَزْرٌ وظَنٌّ، ومِنهُ أخَذَ خَرْصَ الثِّمارِ.

وَفِيما يَخْرُصُونَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكْذِيبُ الرَّسُولِ  .

الثّانِي: التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ.

وَفي مَعْنى الأرْبَعِ تَأْوِيلاتٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في أوَّلِها ﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في غَفْلَةٍ لاهُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: في ضَلالاتِهِمْ مُتَمادُونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: في عَمًى وشُبْهَةٍ يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: الَّذِينَ هم في مَأْثَمِ المَعاصِي ساهُونَ عَنْ أداءِ الفَرائِضِ.

﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ مَتى يَوْمُ الجَزاءِ.

وَقِيلَ: إنَّ أيّانَ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن أيْ وآنَ.

﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ في ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ يُعَذَّبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ كُلُّ امْرِئٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مُضْطَهَدٌ ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ مَقْهُورٌ مَفْتُونُ الثّانِي: يُطْبَخُونَ ويُحْرَقُونَ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ.

الثّالِثُ: يُكَذَّبُونَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا زِيادَةً في عَذابِهِمْ.

﴿ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْنى فِتْنَتِكم أيْ عَذابِكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: حَرِيقَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: تَكْذِيبَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور والحارث بن أبي أسامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه البيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ قال: الرياح ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ قال: السحاب ﴿ فالجاريات يسراً ﴾ قال: السفن ﴿ فالمقسمات أمراً ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج البزار والدارقطني في الأفراد وابن مردويه وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿ فالجاريات يسراً ﴾ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته.

قال: فأخبرني عن ﴿ فالمقسمات أمراً ﴾ قال: هن الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعاه، فضرب مائة أخرى، وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري إمنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا وقد صدق، فحل بينه وبين مجالسة الناس.

وأخرج الفريابي عن الحسن قال: سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ وعن ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ وعن ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ فقال عمر رضي الله عنه: إكشف رأسك فإذا له ضفيرتان، فقال: والله لو وجدتك محلوقاً لضربت عنقك.

ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه.

وأخرج الفريابي وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ فقال: الرياح ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ قال: السحاب ﴿ فالجاريات يسراً ﴾ قال: السفن.

وأخرج ابن جرير وابن نصر وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ يقول: قليلاً ما كانوا ينامون.

وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء وكذلك ﴿ تتجافى جنوبهم ﴾ [ البقرة: 264] .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: لا ينامون عن العشاء الآخرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: ذلك إذ أمروا بقيام الليل، وكان أبو ذر يعتمد على العصا فمكثوا شهرين ثم نزلت الرخصة ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ [ المائدة: 90] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كانوا قليلاً من الناس الذين يفعلون ذلك إذ ذاك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في الآية، قال: المتقين هم القليل كانوا من الناس قليلاً.

وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر عن الضحاك في قوله: ﴿ كانوا قليلاً ﴾ يقول: المحسنون كانوا قليلاً، هذه مفصولة، ثم استأنف فقال: ﴿ من الليل ما يهجعون ﴾ الهجوع النوم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانوا لا ينامون الليل كله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: كان الحسن يقول: كانوا قليلاً من الليل ما ينامون، وكان مطرف بن عبد الله يقول: كانوا قلّ ليلة لا يصيبون منها، وكان محمد بن علي يقول: لا ينامون حتى يصلوا العتمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه من طريق الحسن عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ قال: هجعوا قليلاً ثم مدوها إلى السحر.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن آخر الليل في التهجد أحب إليَّ من أوّله، لأن الله يقول ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ قال: يصلون» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: صلوا فلما كان السحر استغفروا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفي أموالهم حق ﴾ قال: سوى الزكاة يصل بها رحماً أو يقري بها ضيفاً أو يعين بها محروماً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وفي أموالهم حق ﴾ قال: سوى الزكاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أموالهم حقاً سوى الزكاة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن السائل والمحروم قال: السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له سهم في المسلمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعد ما فرغوا فنزلت ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس فأمر الله المؤمنين برفده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المحروم في هذه الآية فقالت: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحروم المحارف الذي ليس له في الإِسلام سهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: المحروم الذي ليس في الغنيمة شيء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم مثله.

وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة قال: كان رجل باليمامة فجاء السيل فذهبت بماله، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا المحروم فأعطوه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المتعفف.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: المحروم المحارف.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: المحروم المحارف الذي لا يثبت له مال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: المحروم الذي لا ينمو له مال في قضاء الله.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر قال: هو المحارف، وتلا هذه الآية ﴿ إنا لمغرمون بل نحن محرومون ﴾ [ الواقعة: 66- 67] قال: هلكت ثماركم وحرموا بركة أرضهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قزعة أن رجلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ وفي أموالهم حق معلوم ﴾ قال: هي الزكاة وفي سوى ذلك حقوق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ للسائل والمحروم ﴾ قال: السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المحارف.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: أعياني أعلم ما المحروم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن المحروم فلم يقل فيه شيئاً، وسألت عطاء فقال: هو المحدود، وزعم أن المحدود المحارف.

وأخرج ابن جرير وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا الأكلة والأكلتان، قالوا: فمن المسكين؟

قال: الذي ليس له ما يغنيه ولا يُعْلم مكانه فَيُتَصَدَّقَ عليه فذلك المحروم» .

وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه «عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول: وعزتي وجلالي لأقربنكم ولأباعدنهم، قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ﴾ » .

وأخرج البيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ وفي أموالهم حق معلوم ﴾ قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ والله سبحانه وتعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني (١) (٢) وأما الخراصون فقال أبو إسحاق: هم الكذابون (٣) ﴿ الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾ يكون الخراصون الذين يتظنون الشيء لا يُحقُّونه فيعملون بما لا يدرون صحته (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقال مجاهد: هم الكهنة.

وهو اختيار أبي عبيدة (١٠) (١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 242، "معاني القرآن" للفراء 3/ 83، "تفسير غريب القرآن" 421، "جامع البيان" 26/ 119، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 232، "فتح الباري" 8/ 599.

(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 33، "فتح القدير" 5/ 84.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 52.

(٤) من قوله: (يقال: قد تخرص) من كلام الزجاج، انظر "معاني القرآن" 5/ 52.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 13 (خرص).

(٦) قوله (فقال) يدل على إسقاط صاحب القول، ونحوه عن ابن عباس، وابن زيد وغيرهما.

انظر: "تنوير المقباس" 5/ 268، "جامع البيان" 26/ 119.

(٧) انظر: "معاني القرآن" 3/ 83.

(٨) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 34، ومراده من المقتسمين.

أي اقسموا القول في النبي -  - فمنهم من رماه بالسحر، ومنهم من رماه بالشعر، ومنهم من رماه بالكهانة.

(٩) انظر "تفسير مقاتل" 126 أ.

(١٠) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 225، "معالم التنزيل" 4/ 229، "جامع البيان" 26/ 119، عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُتِلَ الخراصون ﴾ دعاء عليهم كقولهم: قاتلك الله، وقيل: قُتل بمعنى لعن، قال بان عطية: واللفظ لا يقتضي ذلك وقال الزمخشري: أصله الدعاء بالقتل، ثم جرى مجرى لعن وقبح، والخراصون الكذابون، وأصل الخرص: التخمين والقول بالظن والإشارة إلى الكفار، وقيل: إلى الكهان والأول أظهر ﴿ الذين هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾ الغمرة ما يغطى عقل الإنسان، وأصله من غمرة الماء، والمراد به هنا الجهالة والغفلة عن النظر ﴿ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين ﴾ أي يقولون: متى يوم الدين على وجه الاستبعاد والاستخفاف ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ ﴾ هذا جواب عن سؤالهم، ومعنى يفتنون: يحرقون ويعذبون، ومنه قيل للحرّة: فتين لأن الشمس أحرقت حجارتها، ويحتمل أن يكون يومهم معرباً والعامل فيه مضمر تقديره: يقع ذلك يوم هم على النار يفتنون، وأن يكون مبنياً لإضافته إلى مبني، وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا، أو في موضع رفع والتقدير هو: يوم هم على النار يفتنون ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا حرقتكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه  بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار  ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.

عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.

فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟

قال: الرياح.

وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح  ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟

قال  : السحاب لأنها تحمل المطر.

وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.

قال: فالجاريات يسراً؟

قال  : الفلك والمراد جريان اليسر.

قال: فالمقسمات أمراً؟

قال  : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.

ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه  أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.

ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.

وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.

ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.

وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله  .

وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.

وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.

ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.

وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.

وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".

وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.

والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.

ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.

وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.

ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.

ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.

وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟

ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.

ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.

ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.

وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.

وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.

وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.

قال: إن فيض الله  لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.

وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.

ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.

وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.

وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.

ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.

وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.

وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.

ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.

ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.

ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.

ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة  ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.

قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.

وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.

وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.

والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.

وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.

والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.

ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.

وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.

الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال  " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال  : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.

وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.

وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.

ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة  ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى  ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.

وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.

ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.

وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.

وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.

قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.

وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.

﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.

وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.

ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب  .

و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.

قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟

قلت: من بني أصمع.

قال: من أين أقبلت؟

قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.

فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.

فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.

فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟

فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

ثم سلى نبيه  بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.

والضيف واحد.

وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون  ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.

قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.

وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.

﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.

والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.

قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.

قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.

وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.

﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟

فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".

والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.

وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟

فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.

فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.

وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة  ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.

قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.

قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.

قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه  ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.

والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.

وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به  كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.

فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.

والرميم ما رم وتفتت.

قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام  ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.

وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين  ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.

فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.

ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.

وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.

وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.

وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.

وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.

وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.

قال: كل اثنين منها زوج والله  فرد لا مثل له.

وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله  فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.

وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.

وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.

وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله  بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.

ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.

ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.

ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.

وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.

وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.

ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.

والمتين الشديد القوة.

ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.

واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً ﴾ سئل علي بن أبي طالب -  - عن هذه الآية فقال: ﴿ وَٱلذَّارِيَاتِ ﴾ هي الرياح، ﴿ فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً ﴾ هي السحاب، ﴿ فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً ﴾ هن السفن، ﴿ فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾ هي الملائكة.

وعلى هذا خرج تأويل عامة أهل التأويل، إلا ابن مسعود -  - فإنه قال: ﴿ وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً ﴾ هي الملائكة.

ثم يحتمل أن تصرف هذه الأحرف كلها من ﴿ وَٱلذَّارِيَاتِ ﴾ وغيرها إلى الرياح خاصة؛ فالذاريات من تذرى الأشياء ذورا ﴿ فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً ﴾ هن يحملن السحاب وغيره في الآفاق.

وجائز أن يصرف كل حرف من ذلك إلى نوع وجنس، على ما حمله أهل التأويل: وصرفوه إليه.

قال القتبي: ذرت الريح تذروا ذروا، ومنه قوله  : ﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ  ﴾ ، ومنه ذريت البر؛ لأن التذرية لا تكون إلا بالريح، وتذريت أي: أشرفت من الذروة، وذرى الرجل يذرى ذرى، فهو أذرى أي: أشمط، وشاه ذرا: إذا كان في ذنبها بياض.

﴿ فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً ﴾ أي: سهلا، أي: تجري السفن في الماء جريا سهلا.

وقال أبو عوسجة، أي: هينا.

ثم المقسمات أمرا هم الملائكة، واختلفوا في التقسيم: قال بعضهم: أربعة أملاك يقسمون الأمور؛ فجبريل -  - ينزل في إنزال العذاب الشديد، وميكائيل ينزل في إنزال النعمة والرجاء والرحمة، وإسرافيل في نفخ الصور، وملك الموت في قبض الأرواح؛ فكل واحد من هؤلاء موكل في أمر على حدة.

وقال بعضهم: هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي، يأخذ هذا من هذا، إذ لله  أن يرسل الوحي على يدي من يشاء من ملائكته، والله أعلم ثم اختلف في ذكر هذه الأشياء من الرياح والسفن، والسحاب والملائكة، لماذا؟

قال عامة أهل التأويل: إنما ذكرها على القسم بها.

وقال بعضهم: إنما ذكرها على سبيل تعداد النعم والمنافع التي جعلها الله لهم.

واحتج هؤلاء وقالوا: إن الله  نهانا عن القسم بغيره، فكيف [يقسم] بغيره فيكون ذكر هذه الأشياء على الامتنان، لا على القسم.

والقائلون بالقسم اختلفوا: فمنهم من يقول: القسم بأعيان هذه الأشياء؛ لعظم منافع [هذه] الأشياء عند الخلق.

ومنهم من يقول: إن القسم بالله  لا بعين هذه الأشياء؛ على الإضمار؛ كأنه قال: والذي ذرأ الذاريات ذروا، والذي خالق الحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، والمقسمات أمرا، وهو كقوله  : ﴿ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ؛ فيكون القسم يخالف هذه الأشياء لا بأنفسها، وكل واحد من الوجهين [محتمل]؛ لأن القسم خرج لرفع شبهة الكفرة، في البعث وأرتيابهم فيه بعدما أقام عليهم حجج البعث وبراهينه على أنه كائن لا محالة، ونظروا فيها لزوال ذلك الأرتياب والشبهة عنهم، والقسم؛ لتأكيد ما وقع عليه بما يكون عندهم له حرمة وقدر وعظمة، قيد لهم ذلك على التأكيد الخبر المقرون بالقسم، فالقسم من الله  بأنه خالق هذه الأشياء المذكورة مما يجل ويعظم عند الكفرة، لما كانوا يقسمون بالله  عند عظم الأمور، كما أخبر  : ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ  ﴾ ، فيصلح لتأكيد ما وقع عليهم القسم، وكذلك القسم بهذه الأشياء يصلح مؤكدا لعظم خطر هذه الأشياء عندهم؛ لما تجل منافع هذه الأشياء، وةالعرف في النار لهم إنما يقسمون بالذي عظم خطره، وجل قدره عندهم؛ فأقسم الله  بهذه الأشياء؛ لما عرف عظم خطرها ودليل قدرها عندهم، فمنافع الرياح مما يكثر عدها: قد أهلك بها أقواما، وبها استأصلهم، وبها تلقح الأشجار المثمرة وغيرها، وبها يساق السحاب في الآفاق للإمطار، وبها تجري السفن في البحار، وغيرها من المنافع، وبها سبب حياة الحيوانات بالتفنس، ودخول الريح فيهم، ونحوها في تذرية الطعام بحيث لولاها لتخرج النار في التذرية.

وفيها آيات؛ فإن الريح جسم لطيف يرى ولا يدرك؛ ليعلم أن الرؤية لا توجب الإحاطة والإدراك، وغير ذلك من جهة الآيات؛ على ما تقدم.

وكذلك أقسم بالحاملات وقرا، وهي السحاب الذي فيه منافع الخلق من حمل الأمطار، والتظليل في الحر، ونحو ذلك مع ما فيه من الآيات؛ إذهو يمسكه في الهواء حيث لا يقع بسوق الرياح مع ما فيه من الحمل والوقر، ثم يرسل المطر حيث أمر؛ إذ قد يوجد السحاب ولا مطر؛ دل أنه لم يرسل نفسه، بل بالأمر برفع ويمسك ويرسل، وهو في نفسه مُسَخَّر لا بد له من مُسَخِّر؛ إذ لو كان عمله بالطبع لم يختلف باختلاف الأحوال.

وفيه آيات البعث إذ خلق مثله لا يكون إلا لعاقبة، وكذلك أقسم بالجاريات يسرا، وهي السفن؛ لما فيها من منافع الخلق؛ إذ لولاها لانقطع بعض المنافع عن الخلق؛ إذ ما يحتاج المرء من المنافع لا يوجد في م كان واحد؛ بل خلقها متفرقة في أماكن، فطريق تحصيل هذه المنافع والحوائج شيئان: الحمل على ظهور الدواب في البر، وفي السفن في البحار، مع ما فيها من الآية العظيمة بما جعلها بحيث لا تتسفل في الماء مع ثقل الأحمال بل تجري به الريح حيثما شاءوا بأمر الله  .

والملائكة منافعهم عظيمة ظاهرة، وعظم قدرهم و جلالة خطرهم وضاح.

وإذا كان كذلك، فكان القسم بهذه الأشياء؛ لتأكيد الخير المقسم عليه مما يعقل، وهو متعارف ولا معنى لقول أولئك: إنه نهى عباده عن القسم بغيره، فكيف يقسم نفسه؛ إذ يجوز أن يقسم هو بشيء ينهانا عنه القسم به؛ إذ القسم بالبشيء، يبجيل لتلك الأشياء وتعظيمها، وأنها لا تستحق التعظيم بأنفسها، بل الله  ، فأمرنا بالقسم بالله  ؛ إذ هو المستحق للتعظيم بنفسه في الحقيقة؛ إذ هو خالق الأشياء كلها، فأما القسم من الله  بشيء ليس لتعظيم ذلك في نفسه، بل بيان منه قدر منافعه التي للخلق فيه، [و] التي عظمت، وجلت عندهم، فيكن لذكرها خطر عندهم، والله أعلم.

ثم ذكر أفعال هذه الأشياء التي أقسم بها، ولم يذكر أنفسها، والقسم إنما يكون بالأنفس، لا بالأفعال، فأما إن عرف أولئك الكفرة أنفس هذه الأشياء بذكر أفعالها وقت قرع ذكر هذه الأفعال سمعهم، وإذا لم يعرفوا يسألون عنها، وما أريد بها، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ ﴾ هذا موضع القسم، والصدق إنما يستعمل في الخبر، فكانه قال: إن ما أخبركم الرسول بالبعث، أو وعدكم به، لصادق في خبره ووعده؛ إذ الوعد في الجملة مما قد يكون صدقا أو كذبا، فأكد هذا الوعد من الرسول بالقسم: إنه لصادق فيما وعد من البعث وغيره، وكذلك قوله  : ﴿ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ ﴾ موضع القسم: أن الجزاء لواقع كائن.

وقيل: إن المراد من الدين الحساب، أي: إن الحساب لكائن لا محالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ ، أقسم - أيضا - بالسماء ذات الحبك، وموضع القسم: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ .

ثم اختلف في تأويل قوله  : ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  ما -: ﴿ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ ﴾ قال: حسنها واستواؤها.

وقال بعضهم: ذات حبك، أي: ذات بنيان مقتن محكم.

وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام؛ يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه: حبك الثوب.

وقال الحسن: حبكت بالنجوم، وحبكت بحسن الخلق.

وقال بعضهم: ذات الشدة والاستواء، يقال: حبكت الحبل؛ إذا شددت فتله، كذلك قاله أبو عبيدة.

وقال القتبي: ﴿ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ ﴾ : ذات الطرائق، وكذلك قال أبو عوسجة.

ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين: أن القمس بعين السماء، أو رب السماء، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: إنكم لفي قول مختلف في رسول الله  ، وفي القرآن، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة؛ لم يخرج مختلفا متناقضا؛ لأنهم قالوا في رسول الله  : إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مفترٍ؛ وهذا مختلف متناقض؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها، وكذا الشاعر، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال؛ فيكو نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض، وكذلك قولهم في القرآن: إنه أحاديث الأولين، وأنه مفترى، والافتراء خلاف الأساطير، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله؛ فيكون هذا تناقضاً في القول؛ فدل اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل، لا عن علم؛ إذ لو كان عن علم بذلك، لكان لا يختلف ولا يتناقض، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكفرة.

والثاني: إنما قال ذلك في الدلالة على البعث: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ أي: في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد، والمحسن والمسيء، وقد عرفتهم الاستواء بينهما في هذه الدنيا، دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق بينهما ويميز.

وهذا التأويل لا يختص به الكافر؛ بل يعم الكل، والله أعلم.

والثالث: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ ، أي: قول متفرق، ومذهب متناقض؛ فإنهم كانوا يعبدون أشياء على هواهم، فإذا هووا شيئا آخر تركوا لك وعبدوا غيره، وكذلك يقولون قولا بلا حجة، ثم يرجعون إلى قول آخر، لا ثبات لهم على شيء، وهو كقوله  : ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ  ﴾ .

والرابع: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ ، أي: في أمر الآخرة؛ لأن منهم من يدعي أن الآخرة لهم لو كانت، ومنهم من يدعي الشركة مع المسلمين، فرد الله  عليهم بقوله ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ ، وهو كقوله  : ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ \[الحاثية: 21\].

والخامس: يحتمل أن مواعيدهم ومنازلهم مختلفة في الآخرة، والله أعلم.

وذكر بعض أهل التأويل: أن الناس يأتون مكة من البلدان المختلفة؛ ليتفحصوا عن أخبار رسول الله  ، ويسمعوا كلامه، فكان كفار مكة يصدونهم عنه، ويقول بعضهم: إنه مجنون، وبعضهم: إنه كذاب، وبعضهم: شاعر، وذلك قوله  : ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أي: يصرف عن الحق من صرف عن النظر والتفكر في العاقبة.

والثاني: صرفوا عما رجوا في الآخرة، صرفوا عن الحق في الدنيا؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تقربهم عبادتها إلى الله  وأنها شفعاؤهم عند الله  ، يقول  : صرف عما رجا في الآخرة؛ لما صرف عن الحق في الدنيا، والله أعلم.

والثالث: يصرف من طمع في الآخرة الشركة مع المسلمين، أو ادعى الخلوص بما صرف في الدنيا عن الإيمان الذي به ينال الآخرة.

والرابع: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ ﴾ أي: عن الحق ﴿ مَنْ أُفِكَ ﴾ ، أي: صرف عن الحق من صرف؛ كقوله  : ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم...

﴾ الآية [التوبة: 127]، وقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: الخراص: الذي يكذب على العقد.

ولكن عندنا: الخراص الذي يكذب، ويقطع على الظن، ومنه يقال للذي يقدم الشيء ويفرقه بالظن: خراص؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ ٱلْخَرَّاصُونَ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ ﴾ يحتمل حقيقفة القتل، وذلك يرجع إلى قوم خاص قتلوا.

والثاني: ﴿ قُتِلَ ﴾ ، اي: لعن، واللعن: هو الطرد؛ اي: طردوا عن رحمة الله، وإما سمي اللعن: قتلا؛ لأن القتل سبب التبعيد عن مافع الحياة، وبالقتل خرج من أن يكون منتفعا به، واللعن هو الطرد عن رحمة الله التي بها تقع وتتحقق المنافع في الآخرة، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: الخراصون: الكاذبون، وكذا قال أهل الأدب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: أي: في غفلة.

وقال بعضهم: أي: في غطاء وغشاء، كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ \[المؤمنون: 63\]، أي: في غطاء وغلف.

وقال بعضهم: أي: في عماية عن أمر الآخرة.

ولكن الكل يرجع إلى معنى واحد.

وقوله: ﴿ سَاهُونَ ﴾ ، أي: ساهون عن الحق وعما دعوا إليه.

وقيل: ﴿ سَاهُونَ ﴾ ، أي: غافلون.

وقيل: أي لاهون عن التوحيد والإيمان.

وقيل: ﴿ سَاهُونَ ﴾ ، أي: تاركون الإيمان.

وأصل السهو هو الترك، وهو كقوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، أي: تركوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ الآية.

كانوا يسألون عن يوم القيامة سؤال استهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد، لذلك قال الله  : ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، لكان لا يأتيهم ذلك الوعيد؛ ألا ترى أن جبريل -  - أتى رسول الله  ، وسأله عن الإيمان والإسلام في حديث طويل، وسأله عن الساعة فلم يأته الوعد؛ فلا ذم في سؤاله وذلك؛ لأن سؤاله سؤال استرشاد، وقوم موسى -  - لما سألوا رؤية الرب  بقولهم: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ فأهلكوا؛ لأنهم سألوا سؤال استهزاء وتعنت، لا سؤال استرشاد، وأصحاب رسول الله  سألوا - أيضا - الرؤية، فبشروا ووعدوا في الآخرة؛ لما أنهم سألوا سؤال استرشاد، لا سؤال استهزاء، فعلى ذلك أولئك الكفرة سألوا عن القيامة سؤال استهزاء متى تكون الساعة التي تعدنا بها؟

وأين وقت العذاب الذي تعدنا به؟

لذلك قال جوابا لهم: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وفي الآية دلالة على أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج؛ فإنه لا فرق بين سؤال الكفرة رسول الله  عن الساعة وبين سؤال جبريل -  - عن الساعة، ثم أجاب لجبريل -  -: "مال المسئول عنها بأعلم من السائل" ثم الجواب للكفرة: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ، ثم من شهد النوازل علم المراد من النازلين: أن أحد السؤالين خرج على الاستهزاء، والآخرر على الاسترشاد؛ فحملوا أحد الجوابين على إحدى الحالتين، والآخر على الحال الأخرى؛ دل أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج، ولكن يجب النظر؛ ليعرف المراد: إما بسؤال من شهد النازلة، أو من حيث المعنى المودع فيه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ يخبرهم عن اليوم الذي يفتنون فيه، وقيل فيه بوجهين: أحدهما: ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ ، أي: يبتلون، ويمتحنون بالشدة والعذاب، والفتنة: هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، فسمي العذاب: فتنة؛ لما فيه من الشدة.

وقال بعضهم: يفتنون، أي: يحرقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ ، أي: ذوقوا العذاب [الذي] فيه الشدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ، أي: تستعجلون في الدنيا، وتزعمون أنه لا يكون في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لعن هؤلاء الكذابون الذين قالوا في القرآن وفي نبيهم ما قالوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.XRV6J"

مزيد من التفاسير لسورة الذاريات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر