تفسير الكشاف سورة الذاريات

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الذاريات

تفسيرُ سورةِ الذاريات كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 25 دقيقة قراءة

تفسير سورة الذاريات كاملةً (جار الله الزمخشري)

وَٱلذَّٰرِيَـٰتِ ذَرْوًۭا ١ فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْرًۭا ٢ فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْرًۭا ٣ فَٱلْمُقَسِّمَـٰتِ أَمْرًا ٤ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌۭ ٥ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌۭ ٦

﴿ والذاريات ﴾ الرياح لأنها تذور التراب وغيره.

قال الله تعالى: ﴿ تذروه الرياح ﴾ [الكهف: 45] وقرئ بإدغام التاء في الذال ﴿ فالحاملات وِقْراً ﴾ السحاب، لأنها تحمل المطر.

وقرئ: «وقراً» بفتح الواو على تسمية المحمول بالمصدر.

أو على إيقاعه موقع حملاً ﴿ فالجاريات يُسْراً ﴾ الفلك.

ومعنى (يسراً): جريا ذا يسر، أي ذا سهولة ﴿ فالمقسمات أَمْراً ﴾ الملائكة، لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها.

أوتفعل التقسيم مأمورة بذلك.

وعن مجاهد: تتولى تقسيم أمر العباد: جبريل للغلظة، وميكائيل للرحمة.

وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ.

وعن عليّ رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكوّاء فقال: ما الذريات ذروا؟

قال: الرياح.

قال: فالحاملات وقرا؟

قال السحاب.

قال: فالجاريات يسراً؟

قال: الفلك.

قال فالمقسمات أمراً؟

قال: الملائكة وكذا عن ابن عباس.

وعن الحسن (المقسمات) السحاب، يقسم الله بها أرزاق العباد، وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد: الرياح لا غير؛ لأنها تنشئ السحاب وتقله وتصرفه، وتجري في الجو جرياً سهلاً، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب.

فإن قلت: ما معنى الفاء على التفسيرين؟

قلت: أمّا على الأوّل فمعنى التعقيب فيها أنه تعالى أقسم بالرياح، فبالسحاب الذي تسوقه، فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه.

وأمّا على الثاني، فلأنها تبتدئ بالهبوب، فتذرو التراب والحصباء، فتنقل السحاب، فتجري في الجوّ باسطة له فتقسم المطر ﴿ إِنّمَا تُوعَدُونَ ﴾ جواب القسم، وما موصولة أو مصدرية، والموعود: البعث.

ووعد صادق: كعيشة راضية.

والدين: الجزاء.

والواقع: الحاصل.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ ٧ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍۢ مُّخْتَلِفٍۢ ٨ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ٩

﴿ الحبك ﴾ الطرائق، مثل حبك الرمل والماء: إذا ضربته الريح، وكذلك حبك الشعر: آثار تثنيه وتكسره.

قال زهير يصف غديراً: مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ** رِيحٌ خَرِيقٌ لِضَاحِي مَائِهِ حُبُكُ والدرع محبوكة: لأنّ حلقها مطرق طرائق.

ويقال: إنّ خلقه السماء كذلك.

وعن الحسن: حبكها نجومها.

والمعنى: أنها تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشي.

وقيل: حبكها صفاتها وإحكامها، من قولهم: فرس محبوك المعاقم؛ أي محكمها.

وإذا أجاد الحائك الحياكة قالوا: ما أحسن حبكه، وهو جمع حباك، كمثال ومثل.

أو حبيكة، كطريقة وطرق.

وقرئ: «الحبك» بوزن القفل.

والحبك، بوزن السلك.

والحبك، بوزن الجبل.

والحبك بوزن البرق.

والحبك بوزن النعم.

والحبك بوزن الإبل ﴿ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ قولهم في الرسول: ساحر وشاعر ومجنون، وفي القرآن: شعر وسحر وأساطير الأوّلين.

وعن الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً، إنما هو متناقض مختلف.

وعن قتادة: منكم مصدّق ومكذب، ومقرّ ومنكر ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ ﴾ الضمير للقرآن أوللرسول، أي: يصرف عنه، من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم؛ كقوله: لا يهلك على الله إلا هالك.

وقيل: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، أي: علم فيما لم يزل أنه مأفوك عن الحق لا يرعوى.

ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين: أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاكّ، ومنهم جاحد.

ثم قال: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك.

ووجه آخر: وهو أن يرجع الضمير إلى قول مختلف وعن مثله في قوله: يَنْهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وَعَنْ شُرْبِ أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب.

وحقيقته: يصدر تناهيهم في السمن عنهما، وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.

وقرأ سعيد بن جبير ﴿ يؤفك عنه من أفك ﴾ ، على البناء للفاعل.

أي: من أفك الناس عنه وهم قريش، وذلك أنّ الحيّ كانوا يبعثون الرجل ذا العقل والرأي ليسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون له: احذره، فيرجع فيخبرهم.

وعن زيد بن عليّ: يأفك عنه من أفك، أي: يصرف الناس عنه من هو مأفوك في نفسه.

وعنه أيضاً: يأفك عنه من أفك؛ أي: يصرف الناس عنه من هو أفاك كذاب.

وقرئ: ﴿ يؤفن عنه من أفن ﴾ أي: يحرمه من رحم، من أفن الضرع إذا نهكه حلباً.

<div class="verse-tafsir"

قُتِلَ ٱلْخَرَّٰصُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍۢ سَاهُونَ ١١ يَسْـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ ١٢ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ١٣ ذُوقُوا۟ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ١٤

﴿ قُتِلَ الخراصون ﴾ دعاء عليهم، كقوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس: 17] وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن وقبح.

والخرّاصون: الكذابون المقدرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة إليهم، كأنه قيل: قتل هؤلاء الخراصون.

وقرئ: ﴿ قتل الخراصين ﴾ أي: قتل الله ﴿ فِى غَمْرَةٍ ﴾ في جهل يغمرهم ﴿ سَاهُونَ ﴾ غافلون عما أمروا به ﴿ يَسْئَلُونَ ﴾ فيقولون: ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى يوم الجزاء؟

وقرئ بكسر الهمزة وهي لغة.

فإن قلت: كيف وقع أيان ظرفاً لليوم، وإنما تقع الأحيان ظروفاً للحدثان؟

قلت: معناه: أيان وقوع يوم الدين.

فإن قلت: فيم انتصب اليوم الواقع في الجواب؟

قلت: بفعل مضمر دلّ عليه السؤال، أي: يقع يوم هم على النار يفتنون، ويجوز أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى غير متمكن وهي الجملة.

فإن قلت: فما محله مفتوحاً؟

قلت: يجوز أن يكون محله نصباً بالمضمر الذي هو يقع؛ ورفعا على هو يوم هم على النار يفتنون.

وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ يحرقون ويعذبون.

ومنه الفتين: وهي الحرّة؛ لأن حجارتها كأنها محرقة ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ في محل الحال، أي: مقولاً لهم هذا القول ﴿ هذا ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذى ﴾ خبره، أي: هذا العذاب هو الذي ﴿ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ويجوز أن يكون هذا بدلاً من فتنتكم؛ أي: ذوقوا هذا العذاب.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ ١٥ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ١٦ كَانُوا۟ قَلِيلًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ١٨ وَفِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّۭ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ١٩

﴿ ءَاخِذِينَ مآ ءاتاهم رَبُّهُمْ ﴾ قابلين لكل ما أعطاهم راضين به، يعني أنه ليس فيما آتاهم إلا ما هو ملتقي بالقبول مرضي غير مسخوط، لأن جميعه حسن طيب.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ [التوبة: 104] أي يقبلها ويرضاها ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ قد أحسنوا أعمالهم، وتفسير إحسانهم ما بعده ﴿ مَا ﴾ مزيدة.

والمعنى: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جعلت قليلاً ظرفاً، ولك أن تجعله صفة للمصدر، أي: كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً.

ويجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ مصدرية أو موصولة؛ على: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، وارتفاعه بقليلاً على الفاعلية.

وفيه مبالغات لفظ الهجوع، وهو الفرار من النوم.

قال: قَدْ حَصَتِ الْبَيْضَةُ رَأْسِي فَمَا ** أَطْعَمُ نَوْماً غَيْرَ تَهْجَاعِ وقوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ و ﴿ مِّنَ اليل ﴾ لأن الليل وقت السبات والراحة، وزيادة ﴿ مَا ﴾ المؤكدة لذلك: وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.

وقوله: ﴿ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فيه أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرّين، فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه.

فإن قلت: هل يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم، وأن يكون المعنى: أنهم لا يهجعون من الليل قليلاً، ويحيونه كله؟

قلت: لا، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.

تقول: زيداً لم أضرب، ولا تقول: زيداً ما ضربت: السائل: الذي يستجدي ﴿ والمحروم ﴾ الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي تردّه الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» قالوا: فما هو؟

قال: «الذي لا يجد ولا يتصدق عليه» وقيل: الذي لا ينمى له مال.

وقيل: المحارف الذي لا يكاد يكسب.

<div class="verse-tafsir"

وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ ٢٠ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ٢١

﴿ وَفِى الأرض ءايات ﴾ تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوّة كالبساط لما فوقها كما قال: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً ﴾ [طه: 53] وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها، وهي مجزأة: فمن سهل وجبل وبر وبحر: وقطع متجاورات: من صلبة ورخوة، وعذاة وسبخة؛ وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد ﴿ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل ﴾ [الرعد: 4] وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة والدّواب المنبثة في برها وبحرها المختلفة الصور والأشكال والأفعال: من الوحشي والإنسي والهوام، وغير ذلك ﴿ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ الموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم، وإيقاناً إلى إيقانهم ﴿ وَفِى أَنفُسِكُمْ ﴾ في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق: ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وخصت به من أصناف المعاني، وبالألسن، والنطق، ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها: من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة المدبر، دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوّى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثنى.

فإنه إذا جسا شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل، فتبارك الله أحسن الخالقين.

<div class="verse-tafsir"

وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ٢٣

﴿ وَفِى السمآء رِزْقُكُمْ ﴾ هو المطر؛ لأنه سبب الأقوات.

وعن سعيد بن جبير: هو الثلج وكل عين دائمة منه.

وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه لخطاياكم ﴿ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ الجنة: هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش.

أو أراد: أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مقدّر مكتوب في السماء.

قرئ: ﴿ مثل ما ﴾ بالرفع صفة للحق، أي حق مثل نطقكم، وبالنصب على: إنه لحق حقاً مثل نطقكم.

ويجوز أن يكون فتحاً لإضافته إلى غير متمكن.

وما مزيدة بنص الخليل، وهذا كقول الناس: إن هذا لحق، كما أنك ترى وتسمع، ومثل ما إنك ههنا.

وهذا الضمير إشارة إلى ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ أو إلى ما توعدون.

وعن الأصمعي: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال: من الرجل؟

قلت: من بني أصمع.

قال: من أين أقبلت؟

قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.

فقال: اتل عليّ، فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله تعالى: ﴿ وَفِى السمآء رِزْقُكُمْ ﴾ قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم عليّ واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟

فقرأت: فوربّ السماء والأرض إنه لحق، فصاح وقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين؛ قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ ٢٤ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌۭ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ ٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍۢ سَمِينٍۢ ٢٦ فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٢٧ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍۢ ٢٨ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍۢ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌۭ ٢٩ قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ٣٠

﴿ هَلْ أتاك ﴾ تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما عرفه بالوحي.

والضيف للواحد والجماعة كالزور والصوم؛ لأنه في الأصل مصدر ضافه، وكانوا اثني عشر ملكاً.

وقيل: تسعة عاشرهم جبريل.

وقيل ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وملك معهما.

وجعلهم ضيفاً؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف: حيث أضافهم إبراهيم.

أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك.

وإكرامهم: أنّ إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القِرى أو أنهم في أنفسهم مكرمون.

قال الله تعالى: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ [الأنبياء: 26] .

﴿ إِذْ دَخَلُواْ ﴾ نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم؛ وإلا فبما في ضيف من معنى الفعل.

أو بإضمار أذكر ﴿ سلاما ﴾ مصدر سادّ مسدّ الفعل مستغنى به عنه.

وأصله: نسلم عليكم سلاماً، وأمّا ﴿ سلام ﴾ فمعدول به إلى الرفع على الابتداء.

وخبره محذوف، معناه: عليكم سلام، للدلالة على ثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذا بأدب الله تعالى.

وهذا أيضاً من إكرامه لهم.

وقرئا مرفوعين.

وقرئ: ﴿ سلاما ﴾ قال ﴿ سلما ﴾ والسلم: السلام.

وقرئ ﴿ سلاما قال سلم ﴾ ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام.

أو أراد: أنهم ليسوا من معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم، كما لو أبصر العرب قوماً من الخزر أو رأى لهم حالاً وشكلاً خلاف حال الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالاً لهم، كأنه قال: أنتم قوم منكرون، فعرّفوني من أنتم ﴿ فَرَاغَ إلى اأهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه؛ ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادره بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يكفه ويعذره.

قال قتادة: كان عامة مال نبي الله إبراهيم: البقر ﴿ فَجآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ .

والهمزة في ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ للإنكار: أنكر عليهم ترك الأكل.

أو حثهم عليه ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ فأضمر.

وإنما خافهم لأنهم لم يتحرّموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً.

وعن ابن عباس: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب.

وعن عون بن شداد: مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمّه ﴿ بغلام عَلِيمٍ ﴾ أي يبلغ ويعلم.

وعن الحسن: عليم: نبيّ، والمبشر به إسحاق، وهو أكثر الأقاويل وأصحها؛ لأن الصفة صفة سارّة لا هاجر، وهي امرأة إبراهيم وهو بِعلها.

وعن مجاهد: هو إسماعيل ﴿ فِى صَرَّةٍ ﴾ في صيحة، من: صر الجندب، وصرّ القلم وصرّ الباب، ومحله النصب على الحال، أي: فجاءت صارّة.

قال الحسن: أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم، لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء، وقيل: فأخذت في صرة، كما تقول: أقبل يشتمني.

وقيل: صرتها قولها: أوه.

وقيل: يا ويلتا.

وعن عكرمة: رنتها ﴿ فَصَكَّتْ ﴾ فلطمت ببسط يديها.

وقيل: فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب ﴿ عَجُوزٌ ﴾ أنا عجوز، فكيف ألد ﴿ كَذَلِكِ ﴾ مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قَالَ رَبُّكِ ﴾ أي إنما نخبرك عن الله، والله قادر على ما تستبعدين.

وروى أنّ جبريل قال لها: انظري إلى سقف بيتك، فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة.

<div class="verse-tafsir"

۞ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ٣١ قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ ٣٢ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن طِينٍۢ ٣٣ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ٣٤ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٣٥ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍۢ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٣٦ وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةًۭ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٣٧

لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله رسلاً في بعض الأمور ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ أي: فما شأنكم وما طلبكم ﴿ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ إلى قوم لوط ﴿ حِجَارَةً مّن طِينٍ ﴾ يريد: السجيل، وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ معلمة، من السومة، وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به.

وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب.

وقيل: بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا.

سماهم مسرفين، كما سماهم عادين، لإسرافهم وعدوانهم في عملهم: حيث لم يقنعوا بما أبيح لهم.

الضمير في ﴿ فِيهَا ﴾ للقرية، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة.

وفيه دليل على أنّ الإيمان والإسلام واحد، وأنهما صفتا مدح.

قيل: هم لوط وابنتاه.

وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشرة.

وعن قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم، ليعلموا أن الإيمان محفوظ لا ضيعة على أهله عند الله ﴿ ءَايَةً ﴾ علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم.

قال ابن جريج: هي صخر منضود فيها.

وقيل: ماء أسود منتن.

<div class="verse-tafsir"

وَفِى مُوسَىٰٓ إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ٣٨ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِۦ وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌۭ ٣٩ فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ٤٠

﴿ وَفِى موسى ﴾ عطف على ﴿ وَفِى الأرض ءايات ﴾ أو على قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً ﴾ على معنى: وجعلنا في موسى آية كقوله: عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ﴿ فتولى بِرُكْنِهِ ﴾ فأزورّ، وأعرض، كقوله تعالى: ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ [فصلت: 51] وقيل: فتولى بما كان يتقوّى به من جنوده وملكه.

وقرئ: ﴿ بركنه ﴾ ، بضم الكاف ﴿ وَقَالَ ساحر ﴾ أي هو ساحر ﴿ مُلِيمٌ ﴾ آت بما يلام عليه من كفره وعناده، والجملة مع الواو حال من الضمير في فأخذناه.

فإن قلت: كيف وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه بما وصف به فرعون في قوله تعالى: ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ [الصافات: 142] ؟

قلت: موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافهما تختلف مقادير اللوم، فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها، وكذلك مقترف الصغيرة.

ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ﴾ [هود: 59] ، ﴿ وعصى ءادَمُ رَبَّهُ ﴾ [طه: 121] لأنّ الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة.

<div class="verse-tafsir"

وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ٤١ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢

﴿ العقيم ﴾ التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر، وهي ريح الهلاك.

واختلف فيها: فعن علي رضي الله عنه: النكباء.

وعن ابن عباس: الدبور.

وعن ابن المسيب: الجنوب.

الرميم: كل ما رم أي بلى وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا۟ حَتَّىٰ حِينٍۢ ٤٣ فَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ٤٤ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مِن قِيَامٍۢ وَمَا كَانُوا۟ مُنتَصِرِينَ ٤٥

﴿ حتى حِينٍ ﴾ تفسيره قوله: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ [هود: 65] ﴿ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ فاستكبروا عن امتثاله.

وقرئ: ﴿ الصعقة ﴾ وهي المرّة، من مصدر صعقتهم الصاعقة: والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ كانت نهاراً يعاينونها.

وروى أن العمالقة كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرَّتهم ﴿ فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين ﴾ [العنكبوت: 37] وقيل: هو من قولهم: ما يقوم به، إذا عجز من دفعه ﴿ مُنتَصِرِينَ ﴾ ممتنعين من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

وَقَوْمَ نُوحٍۢ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ٤٦

﴿ وَقَوْمَ ﴾ قرئ: بالجر على معنى: وفي قوم نوح وتقوّيه قراءة عبد الله: وفي قوم نوح.

وبالنصب على معنى: وأهلكنا قوم نوح؛ لأنّ ما قبله يدل عليه.

أو واذكر قوم نوح.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْي۟دٍۢ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧ وَٱلْأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ ٤٨

﴿ بِأَيْدٍ ﴾ بقوّة.

والأيد والآد.

القوّة.

وقد آد يئيد وهو أيد ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ لقادرون، من الوسع وهو الطاقة.

والموسع: القوى على الإنفاق.

وعن الحسن: لموسعون الرزق بالمطر.

وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعة ﴿ فَنِعْمَ الماهدون ﴾ فنعم الماهدون نحن.

<div class="verse-tafsir"

وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٤٩

﴿ وَمِن كُلِّ شَيْء ﴾ أي من كل شيء من الحيوان ﴿ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ ذكراً وأنثى.

وعن الحسن: السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبرّ والبحر، والموت والحياة؛ فعدّد أشياء وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه.

<div class="verse-tafsir"

فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ٥٠ وَلَا تَجْعَلُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ٥١

﴿ ففروا إِلَى الله ﴾ أي إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه، ووحدوه ولا تشركوا به شيئاً، وكرّر قوله: ﴿ إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أنّ العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إيمانها لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فى إيمانها خَيْرًا ﴾ [الأنعام: 158] والمعنى: قل يا محمد: ففرّوا إلى الله.

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ٥٢ أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ طَاغُونَ ٥٣

﴿ كذلك ﴾ الأمر، أي مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتسميته ساحراً ومجنوناً، ثم فسر ماأجمل بقوله ﴿ مَآ أَتَى ﴾ ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة يأتي؛ لأنّ ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.

ولو قيل: لم يأتى، لكان صحيحاً، على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا ﴿ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ ﴾ الضمير للقول، يعنى: أتواصى الأوّلون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعًا متفقين عليه ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ أي لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو الحامل عليه.

<div class="verse-tafsir"

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍۢ ٥٤ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٥٥

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فأعرض عن الذين كرّرت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله ﴿ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ﴾ أي تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان.

أو يزيد الداخلين فيه إيماناً.

وروى أنه لما نزلت ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه، ورأوا أنّ الوحي قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله.

وذكر.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦

أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها.

فإن قلت: لو كان مريداً للعبادة منهم لكانوا كلهم عباداً؟

قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريداً لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.

<div class="verse-tafsir"

مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍۢ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ٥٨

يريد: أنّ شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإنّ ملاّك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإمّا مجهز في تجارة ليفي ربحا.

أو مرتب في فلاحة ليعتلّ أرضاً.

أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته.

أو محتطب.

أو محتش.

أو طابخ.

أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأمّا مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غنيّ عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي ﴿ المتين ﴾ الشديد القوة.

قرئ بالرفع صفة لذو وبالجر صفة للقوّة على تأويل الإقتدار والمعنى في صفة بالقوّة المتانة أنه القادر البليغ الإقتدار على كل شيء.

وقرئ: ﴿ الرازق ﴾ وفي: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أنا الرازق.» <div class="verse-tafsir"

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًۭا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ٥٩ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ٦٠

الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب.

قال: لَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوب ** فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيبُ ولما قال عمرو بن شاس: وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ** فَحُقَّ لشَاسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ قال الملك: نعم وأذنبة.

والمعنى: فإنّ الذين ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون.

وعن قتادة: سجلاً من عذاب الله مثل سجل أصحابهم ﴿ مِن يَوْمِهِمُ ﴾ من يوم القيامة.

وقيل: من يوم بدر.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا» .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر