الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٢٣ من سورة الذاريات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء ، كائن لا محالة ، وهو حق لا مرية فيه ، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون .
وكان معاذ ، رضي الله عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه : إن هذا لحق كما أنك هاهنا .
قال مسدد ، عن ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن البصري قال : بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا " .
ورواه ابن جرير ، عن بندار ، عن ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، فذكره مرسلا .
القول في تأويل قوله تعالى : فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) يقول تعالى ذكره مقسما لخلقه بنفسه: فوربّ السماء والأرض, إن الذي قلت لكم أيها الناس: إن في السماء رزقكم وما توعدون لحقّ, كما حقّ أنكم تنطقون.
وقد حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا ابن أبي عدي, عن عوف, عن الحسن, في قوله ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) قال: بلغني أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدّقوه " وقال الفرّاء: للجمع بين " ما " و " إنّ" في هذا الموضع وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك نظير جمع العرب بين الشيئين من الأسماء والأدوات, كقول الشاعر في الأسماء: مِــنَ النَّفَـرِ اللائِـي الَّـذِينَ إذَا هُـمُ يَهـابُ اللِّئـامُ حَلْقَـةَ البـاب قَعْقَعُـوا (5) فجمع بين اللائي والذين, وأحدهما مجزئ من الآخر; وكقول الآخر في الأدوات: مــا إنْ رأيْــتُ وَلا سَــمِعْتُ بِـهِ كــالْيَوْمِ طــالِيَ أيْنُــقٍ جُــرْبِ (6) فجمع بين " ما " و بين " إن ", وهما جحدان يجزئ أحدهما من الآخر.
وأما الآخر: فهو لو أن ذلك أفرد بما, لكان خبرا عن أنه حقّ لا كذب, وليس ذلك المعنيّ به.
وإنما أُريد به: أنه لحقّ كما حقّ أن الآدميّ ناطق.
ألا يرى أن قولك: أحق منطقك, معناه: أحقّ هو أم كذب, وأن قولك أحق أنك تنطق معناه للاستثبات لا لغيره, فأدخلت " أن " ليفرّق بها بين المعنيين, قال: فهذا أعجب الوجهين إليّ.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة ( مِثْلَ مَا ) نصبا بمعنى: إنه لحقّ حقا يقينا كأنهم وجهوها إلى مذهب المصدر.
وقد يجوز أن يكون نصبها من أجل أن العرب تنصبها إذا رفعت بها الاسم, فتقول: مثل من عبد الله, وعبد الله مثلك, وأنت مثلُه, ومثلَهُ رفعا ونصبا.
وقد يجوز أن يكون نصبها على مذهب المصدر, إنه لحقّ كنطقكم.
وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة, وبعض أهل البصرة رفعا " مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ " على وحه النعت للحقّ.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
----------------------- الهوامش : (5) هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 311 ) على أن العرب قد تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما ، مثل اللائي والذين ، فإنهما بمعنى واحد ، وأحدهما يجزئ عن الآخر ، كما في قوله تعالى " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " فقد جمع بين " ما " و " أن " .
وقد نقل المؤلف بقية كلام الفراء في توجيه ذلك الجمع بين اللفظين .
واستشهد به النحويون على مثل ما استشهد به الفراء .
وانظر تفصيل الكلام على البيت في خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ( 2 : 529 - 534 ) وقد نسب البيت لأبي الربيس الثعلبي .
وروايته كما في شعره ( في الخزانة 532 ) : مـن النفـر البيـض الـذين إذا انتموا وهـاب الرجـال حلقـة الباب فعقعوا يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وهو صاحب الناقة التي سرقها أبو الربيس ومدح صاحبها وروى الجاحظ في البيان والتبيين أن الأبيات التي منها بيت الشاهد قالها شاعر يمدح بها أسيلم بن الأحنف الأسدي ، قال : وكان ذا بيان وأدب وعقل وجاه ، وهو الذي يقول فيه الشاعر ...
الأبيات .
وقال الزبير بن بكار في أنساب قريش : إن أبا الربيس عباد بن طهفة الثعلبي قال لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ...
الأبيات وفيها البيت : مـن النفـر الشـم الـذين إذا ابتـدوا وهـاب اللئـام حلقـة البـاب قعقعـوا (6) هذا البيت من كلام دريد بن الصمة فارس جشم ، وكان جاء إلى عمرو بن الشريد السلمي يخطب إليه ابنته الخنساء ، وكانت تهنأ بالقطران إبلا لأبيها ، فلما رآها قال أبياتًا يصفها ، ومنها : أخُنــاس قَــدْ هــامَ الفُـؤَاد بكُـمْ وأصَابَـــهُ تَبْــلٌ مِــنَ الْحــبّ فلما أخبرها أبوها بما جاء له فارس جشم ، رغبت عنه ، لكبر سنه ، ورغبت في بني أعمامها .
انظر القصة في ترجمة الخنساء في الأغاني لأبي الفرج ) والشاهد في هذا البيت كما قال الفراء في معاني القرآن : إن العرب قد تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات .
إذا اختلف لفظهما ، مثل جمع الشاعر بين " ما " و " إن " في هذا البيت ، للتوكيد .
وكما في قوله تعالى : " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " .
فما مصدريه ، وكذلك إن حرف يؤول ما بعده مصدر ، وكان في أحدهما غنية عن الآخر .
قوله تعالى : فورب السماء والأرض إنه لحق أكد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق ، وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله : مثل ما أنكم تنطقون وخص النطق من بين سائر الحواس ; لأن ما سواه من الحواس يدخله التشبيه ، كالذي يرى في المرآة ، واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها ، والدوي والطنين في الأذن ، والنطق سالم من ذلك ، ولا يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد حصول الكلام من الناطق غير مشوب بما يشكل به .
وقال بعض الحكماء : كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره ، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره .
وقال الحسن : بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه ، قال الله تعالى : فورب السماء والأرض إنه لحق .
وقال الأصمعي : أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه ، فدنا وسلم وقال : ممن الرجل ؟
قلت : منبني أصمع ، قال : أنت الأصمعي ؟
قلت : نعم .
قال : ومن أين أقبلت ؟
قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ; قال : وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟
قلت : نعم ; قال : فاتل علي منه شيئا ; فقرأت والذاريات ذروا إلى قوله : وفي السماء رزقكم فقال : يا أصمعي حسبك !
!
ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها ، وقال : أعني على توزيعها ; ففرقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو البادية وهو يقول : وفي السماء رزقكم وما توعدون فمقت نفسي ولمتها ، ثم حججت مع الرشيد ، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر ، فسلم علي وأخذ بيدي وقال : اتل علي كلام الرحمن ، وأجلسني من وراء المقام فقرأت والذاريات ذروا حتى وصلت إلى قوله تعالى : وفي السماء رزقكم وما توعدون فقال [ ص: 41 ] الأعرابي : لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا ، وقال : وهل غير هذا ؟
قلت : نعم ; يقول الله تبارك وتعالى : فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون قال : فصاح الأعرابي وقال : يا سبحان الله !
من الذي أغضب الجليل حتى حلف !
ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين ؟
فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه .
وقال يزيد بن مرثد : إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شيء فقال : اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به ; فشبع وروي من غير طعام ولا شراب .
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت أسنده الثعلبي .
وفي سنن ابن ماجه عن حبة وسواء ابني خالد قالا : دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئا فأعناه عليه ، فقال : لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله .
وروي أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله ، فخرجت عليهم أعرابية فقالت : ما لي أراكم قد نكستم رءوسكم ، وضاقت صدوركم ، هو ربنا والعالم بنا ، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء !
ثم أنشأت تقول :لو كان في صخرة في البحر راسية صما ململمة ملس نواحيهارزق لنفس براها الله لانفلقت حتى تؤدي إليها كل ما فيهاأو كان بين طباق السبع مسلكها لسهل الله في المرقى مراقيهاحتى تنال الذي في اللوح خط لها إن لم تنله وإلا سوف يأتيهاقلت : وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع قوله تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فرجع ولم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب ; وقد ذكرناه في سورة " هود " .
وقال لقمان : يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة الآية .
وقد مضى في " لقمان " وقد استوفينا هذا الباب في كتاب ( قمع الحرص بالزهد والقناعة ) والحمد لله .
وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شيء ، وهو فراغ القلب مع الرب ; رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه .[ ص: 42 ] قوله تعالى : مثل ما أنكم تنطقون قراءة العامة " مثل " بالنصب أي كمثل ما أنكم فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و " ما " زائدة ; قاله بعض الكوفيين .
وقال الزجاج والفراء : يجوز أن ينتصب على التوكيد ; أي لحق حقا مثل نطقك ; فكأنه نعت لمصدر محذوف .
وقول سيبويه : إنه مبني بني حين أضيف إلى غير متمكن و " ما " زائدة للتوكيد .
المازني : مثل مع ما بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح لذلك .
واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; قال : ولأن من العرب من يجعل مثلا منصوبا أبدا ; فتقول : قال لي رجل مثلك ، ومررت برجل مثلك بنصب مثل على معنى كمثل .
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش " مثل " بالرفع على أنه صفة " لحق " ; لأنه نكرة وإن أضيف إلى معرفة ، إذ لا يختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين .
و " مثل " مضاف إلى " أنكم " و " ما " زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر إذ لا فعل معه تكون معه مصدرا .
ويجوز أن تكون بدلا من " لحق " .
فلما بين الآيات ونبه عليها تنبيهًا، ينتبه به الذكي اللبيب، أقسم تعالى على أن وعده وجزاءه حق، وشبه ذلك، بأظهر الأشياء لنا وهو النطق، فقال: { فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } فكما لا تشكون في نطقكم، فكذلك لا ينبغي الشك في البعث بعد الموت
( فورب السماء والأرض إنه لحق ) أي : ما ذكرت من أمر الرزق لحق ( مثل ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : " مثل " برفع اللام بدلا من " الحق " ، وقرأ الآخرون بالنصب أي كمثل ( ما أنكم تنطقون ) فتقولون : لا إله إلا الله .
وقيل : شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي ، كما تقول : إنه لحق كما أنت ها هنا ، وإنه لحق كما أنك تتكلم ، والمعنى : إنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة .
قال بعض الحكماء : يعني : كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له ، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره .
«فورب السماء والأرض إنه» أي ما توعدون «لحق مثلُ ما أنكم تنطقون» برفع مثل صفة، وما مزيدة وبفتح اللام مركبة مع ما، المعنى: مثل نطقكم في حقيقته أي معلوميته عندكم ضرورة صدوره عنكم.
أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أنَّ ما وعدكم به حق، فلا تَشُكُّوا فيه كما لا تَشُكُّون في نطقكم.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بهذا القَسَم فقال : ( فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) .والضمير فى قوله ( إِنَّهُ ) يعود إلى ما سبق الإخبار عنه من أمر البعث والحساب والجزاء والرزق .
.
.
وغير ذلك مما يدل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به عن ربه .ولفظ " مثل " منصوب بنزع الخافض ، و " ما " مزيدة للتأكيد أى : فوحق رب السماء والأرض ، إن جميع ما ذكرناه لكم فى هذه السورة ، أو فى هذا القرآن ، حق ثابت لا مرية فيهن كمثل نطقكم الذى تنطقونه بألسنتكم دون أن تشكوا فى كونه قد صدر منكم لا عن غيركم .فالمقصود بالآية الكريمة ، تأكيد صدق ما أخبر به الله - تعالى - عباده فى هذه السورة وغيرها ، لأن نطقهم بألسنتهم حقيقة لا يجادل فيها مجادل ، وكذلك ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه ، وما تلاه عليهم فى هذه السورة وغيرها ، حق ثابت لا ريب فيه .وهكذا نرى هذه الآيات قد بشرت المتقين بألوان من البشارات ، ثم لفتت عقول الناس إلى ما فى الأرض وإلى ما فى أنفسهم وإلى ما فى السماء من عظات وعبر .
وفي المقسم عليه وجوه: أحدها: ﴿ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ أي ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق ﴾ وعلى هذا يعود كل ما قلناه من وجوه ﴿ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هي.
ثانيها: الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ ﴾ دليل هذه وعلى هذا فقوله: ﴿ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسنذكره.
ثالثها: أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ ﴾ .
رابعها: أنه راجع إلى اليوم المذكور في قوله: ﴿ أَيَّانَ يَوْمُ الدين ﴾ يدل عليه وصف الله اليوم بالحق في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ اليوم الحق ﴾ .
خامسها: أنه راجع إلى القول الذي يقال: ﴿ هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ وفي التفسير مباحث: الأول: الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم؟
نقول فيه وجهان.
أحدهما: الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول: إن ما توعدون لحق بالبرهان المبين، ثم بالقسم واليمين.
ثانيهما: القسم المتقدم كأنه تعالى يقول: ﴿ والذريات ﴾ ثم ﴿ وَرَبُّ السماء والأرض ﴾ وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد معه حرف القسم كما يعاد الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو، فقوله: ﴿ وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًا فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًا ﴾ عطف من غير إعادة حرف القسم، وقوله: ﴿ فَوَرَبّ السماء ﴾ مع إعادة حرفه، والسبب فيه وقوع الفصل بين القسمين، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب في قوله: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ المتقين فِي جنات ﴾ وفيه فائدة، وهو أن الفاء تكون تنبيهاً على أن لا حاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين، فكأنه يقول ورب السماء والأرض إنه لحق، كما يقول القائل بعدما يظهر دعواه هذا والله إن الأمر كما ذكرت فيؤكد قوله باليمين، ويشير إلى ثبوته من غير يمين.
البحث الثاني: أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهي الرياح وبالسماء في قوله: ﴿ والسماء ذَاتِ الحبك ﴾ ولم يقسم بربها، وهاهنا أقسم بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولاً بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقي إلى الأعلى، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك، والله لا يكفر وإذا قال: والله وحياتك لا شك يكفر وهذا استشهاد، وإن كان الأمر على خلاف ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب، أو باللفظ الظاهر في أمر القلب، أو بالفعل الظاهر، وما ذكره ليس بظاهر في تعظيم جانب غير الله، والعجب من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير في الذكر مفيداً للترتيب في الوضوء وغيره.
البحث الثالث: قرئ مثل بالرفع وحينئذ يكون وصفاً لقوله لحق ومثل وإن أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جواز وصف المنكر به، تقول رأيت رجلاً مثل عمرو، لأنه لا يفيده تعريفاً لأنه في غاية الإبهام وقرئ: ﴿ مَثَلُ ﴾ بالنصب، ويحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى ما هو ضعيف وإلا جاز أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه.
ثانيهما: أن يكون منصوباً على البيان تقديره لحق حقاً مثل، ويحتمل أن يقال إنه منصوب على أنه صفة مصدر معلوم غير مذكور، ووجهه أنا دللنا أن المراد من الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ هو القرآن فكأنه قال إن القرآن لحق نطق به الملك نطقاً ﴿ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ وما مجرور لا شك فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفِى السمآء رِزْقُكُمْ ﴾ هو المطر؛ لأنه سبب الأقوات.
وعن سعيد بن جبير: هو الثلج وكل عين دائمة منه.
وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه لخطاياكم ﴿ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ الجنة: هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش.
أو أراد: أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مقدّر مكتوب في السماء.
قرئ: ﴿ مثل ما ﴾ بالرفع صفة للحق، أي حق مثل نطقكم، وبالنصب على: إنه لحق حقاً مثل نطقكم.
ويجوز أن يكون فتحاً لإضافته إلى غير متمكن.
وما مزيدة بنص الخليل، وهذا كقول الناس: إن هذا لحق، كما أنك ترى وتسمع، ومثل ما إنك ههنا.
وهذا الضمير إشارة إلى ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ أو إلى ما توعدون.
وعن الأصمعي: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل عليّ، فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله تعالى: ﴿ وَفِى السمآء رِزْقُكُمْ ﴾ قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم عليّ واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟
فقرأت: فوربّ السماء والأرض إنه لحق، فصاح وقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين؛ قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ أسْبابُ رِزْقِكم أوْ تَقْدِيرُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِ السَّماءِ السَّحابُ وبِالرِّزْقِ المَطَرُ فَإنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ.
﴿ وَما تُوعَدُونَ ﴾ مِنَ الثَّوابِ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، أوْ لِأنَّ الأعْمالَ وثَوابَها مَكْتُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ في السَّماءِ.
وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ خَبَرُهُ: ﴿ فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ لِ ما وعَلى الأوَّلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولِما ذُكِرَ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ والوَعْدِ.
﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ أيْ مِثْلَ نُطْقِكم كَما أنَّهُ لا شَكَّ لَكم في أنَّكم تَنْطِقُونَ يَنْبَغِي أنْ لا تَشُكُّوا في تَحَقُّقِ ذَلِكَ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِ في لَحَقٌّ أوِ الوَصْفِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكم.
وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو ما إنْ كانَتْ بِمَعْنى شَيْءٍ، وإنَّ بِما في حَيِّزِها إنْ جُعِلَتْ زائِدَةً ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَحَقٌّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ بِالرَّفْعِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ} الضمير يعود إلى الرزق أو إلى مَّا تُوعَدُونَ {مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} بالرفع كوفي غير حفص صفة للحق أي
حق مثل نطقكم وغيرهم بالنصب اى انه لحق مثل نطقكم ويجوز أن يكون فتحاً لإضافته الى غير متمكن وما مزيدة وعن الأصمعي أنه قال أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال من الرجل فقلت من بني أصمع قال من أين أقبلت قلت من موضع يتلى فيه كالام الله قال اتل على فتلوت والذاريات فلما بلغت قوله وَفِى السماء رِزْقُكُمْ قال حسبك فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى فلما حججت مع الرشيد وطفقت اطرف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق فالفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم عليّ واستقرأ السورة فلما بلغت الآية صاح وقال قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال وهل غير هذا فقرأت فَوَرَبّ السماء والارض انه لحق فصاح وقال ياسبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى حلف قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه
﴿ فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( إنَّهُ ) لـِ (ما ) وعَلى ما تَقَدَّمَ، فَإمّا لَهُ أوْ لِلرِّزْقِ، أوْ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِلدِّينِ في ( إنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ) [الذّارِياتُ: 6] أوْ لِلْيَوْمِ المَذْكُورِ في ﴿ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أوْ لِجَمِيعِ المَذْكُورِ أمّا ما أقْوالٌ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الأخِيرَ مِنها وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أيْ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا لَحَقٌّ ﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ أيْ مِثْلَ نُطْقِكم كَما أنَّهُ لا شَكَّ لَكم في أنَّكم تَنْطِقُونَ يَنْبَغِي أنْ لا تَشُكُّوا في حَقِّيَّةِ ذَلِكَ وهَذا كَقَوْلِ النّاسِ: إنَّ هَذا لَحَقٌّ كَما أنَّكَ تَرى وتَسْمَعُ، ونُصِبَ ( مِثْلَ ) عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ( لَحَقٌّ ) وهو لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، أوْ عَلى الوَصْفِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنَّهُ حَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكم، وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ فَقالَ المازِنِيُّ: لِتَرَكُّبِهِ مَعَ ما حَتّى صارا شَيْئًا واحِدًا نَحْوَ - ويْحُما - وأنْشَدُوا لِبِناءِ الِاسْمِ مَعَها قَوْلَ الشّاعِرِ: أثَوْرَ ما أصِيدُكم أوْ ثَوْرَيْنِ أمْ تَيْكُمُ الجَمّاءَ ذاتَ القَرْنَيْنِ وقالَ غَيْرُهُ: لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو ما إنْ كانَتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِمَعْنى شَيْءٍ، أوْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي ( وأنَّكم ) إلَخْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ( أنَّكم ) إلَخْ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ، أوْ صِلَةٌ، أوْ هو أنَّ بِما في حَيْزِها إنْ جُعِلَتْ ما زائِدَةً، وهو نَصُّ الخَلِيلِ ومَحَلُّهُ عَلى البِناءِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( لَحَقٌّ ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ والحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشِ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ ( مِثْلَ ) بِالرَّفْعِ، وفي البَحْرِ أنَّ الكُوفِيِّينَ يَجْعَلُونَ - مَثَلًا - ظَرْفًا فَيَنْصِبُونَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ويُجِيزُونَ زَيْدَ مِثْلُكَ بِالنَّصْبِ، وعَلَيْهِ يُجَوَّزُ أنْ يَكُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ - واسْتِدْلالُهم، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ مَذْكُورٌ عَلى النَّحْوِ - وفي الآيَةِ مِن تَأْكِيدِ حَقِّيَّةِ المَذْكُورِ ما لا يَخْفى، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ فِيها: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««قاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوا»» وعَنِ الأصْمَعِيِّ أقْبَلْتُ مِن جامِعِ البَصْرَةِ فَطَلَعَ أعْرابِيٌّ عَلى قُعُودٍ فَقالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟
قُلْتُ: مَن بَنِي أصْمَعٍ قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ: مِن مَوْضِعٍ يُتْلى فِيهِ كَلامُ الرَّحْمَنِ قالَ: اتْلُ عَلَيَّ فَتَلَوْتُ ﴿ والذّارِياتِ ﴾ فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿ وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ قالَ: حَسْبُكَ فَقامَ إلى ناقَتِهِ فَنَحَرَها ووَزَّعَها وعَمَدَ إلى سَيْفِهِ وقَوْسِهِ فَكَسَرْهُما ووَلّى فَلَمّا حَجَجْتُ مَعَ الرَّشِيدِ طَفَقْتُ أطُوفُ فَإذا أنا بِمَن يَهْتِفُ بِي بِصَوْتٍ رَقِيقٍ فالتَفَتُّ فَإذا بِالأعْرابِيِّ قَدْ نُحِلَ واصْفُرَّ فَسَلَّمَ عَلَيَّ واسْتَقْرَأ السُّورَةَ فَلَمّا بَلَغْتُ الآيَةَ صاحَ وقالَ: قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ثُمَّ قالَ: وهَلْ غَيْرُ هَذا ؟
فَقَرَأْتُ ﴿ فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَصاحَ وقالَ: يا سُبْحانَ اللَّهِ مَن ذا أغْضَبَ الجَلِيلَ حَتّى حَلَفَ لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتّى ألْجَئُوهُ إلى اليَمِينِ قالَها ثَلاثًا وخَرَجَتْ مَعَها نَفْسُهُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أقسم الرب بنفسه إِنَّهُ لَحَقٌّ يعني: ما قسمت من الرزق لكائن مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ يعني: كما تقولون لا إله إلا الله، أو يعني: كما أن قولكم لا إله إلا الله حق، كذلك قولي سأرزقكم حق.
ويقال: معناه كما أن الشهادة واجبة عليكم، فكذلك رزقكم واجب علي.
ويقال: معناه هو الذي ذكر في أمر الآيات، والرزق حق.
يعين: صدق مثل ما أنكم تنطقون.
وروي عن النبي أنه قال: «أَبَى ابْنُ آدَمَ أنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ حتّى أقسم له، فو ربّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ» .
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ بضم اللام.
والباقون: بالنصب.
فمن قرأ بالضم، فهو نعت بالحق، وصفه له.
ومن قرأ بالنصب، فهو على التوكيد على معنى أنه لحق حقاً مثل نطقكم.
قوله عز وجل: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ يعني: جاء جبريل مع أحد عشر ملكاً عليهم السلام المكرمين، أكرمهم الله تعالى، وقال: أكرمهم إبراهيم، وأحسن عليهم القيام، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً فسلموا عليه، فرد عليهم السلام قالَ سَلامٌ قرأ حمزة، والكسائي، قال: سلم أي: أمري سلم.
والباقون سَلامٌ أي: أمري سَلامٌ أي: صلح.
ثم قال: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ يعني: أنكرهم، ولم يعرفهم.
وقال كانوا لا يسلمون في ذلك الوقت، فلما سمع منهم السلام أَنْكَرَهُمْ.
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ يعني: عهد إلى أهله.
ويقال: عدل، ومال إلى أهله.
ويقال: عدل من حيث لا يعلمون لأي شيء عدل.
يقال: راغ فلان عنا، إذا عدل عنهم من حيث لا يعلمون.
فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قال بعضهم: كان لبن البقرة كله سمناً، فلهذا كان العجل سميناً فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ فلم يأكلوا فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ فقالوا: نحن لا نأكل بغير ثمن.
فقال إبراهيم: كلوا، فاعطوا الثمن.
قالوا: وما ثمنه؟
فقال: إذا أكلتم، فقولوا بسم الله.
وإذا فرغتم، فقولوا: الحمد لله، فتعجبت الملائكة- عليهم السلام- لقوله، فلما رآهم لا يأكلون فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: أظهر في نفسه خيفة.
ويقال: ملأ عنهم خيفة، فلما رأوه يخاف قالُوا لاَ تَخَفْ منا يعني: لا تخشى منا وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ يعني: إسحاق فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ يعني: أخذت امرأته في صيحة فَصَكَّتْ وَجْهَها يعني: ضربت بيديها، خديها تعجباً وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ يعني: عجوزاً عاقراً لم تلد قط، كيف يكون لها ولد؟
فقال لها جبريل: قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ يكون لك ولد هُوَ الْحَكِيمُ في أمره.
حكم بالولد بعد الكبر الْعَلِيمُ عليم بخلقه.
ويقال: عليم بوقت الولادة.
فلما رآهم أنهم الملائكة قالَ لهم فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ يعني: ما أمركم، وما شأنكم، ولماذا جئتم أيها المرسلون؟
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا يعني: قال جبريل أرسلنا الله تعالى إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني: قوم كفار مشركين لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ يعني: لكي نرسل عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مطبوخ، كما يطبخ الآجر مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ يعني: معلمة.
وقال: مخططة بسواد، وحمرة.
ويقال: مكتوب على كل واحد اسم صاحب الذي يصيبه.
ثم قال: عِنْدَ رَبِّكَ يعني: جاءت الحجارة من عند ربك للمشركين، فاغتم إبراهيم لأجل لوط.
قال الله تعالى: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي: في قريات لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: غير بيت لوط.
قوله عز وجل: وَتَرَكْنا فِيها آيَةً يعني: أبقينا في قريات لوط آية.
يعني: عبرة في هلاكهم من بعدهم.
ثم قال: لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعني: العذاب الشديد.
<div class="verse-tafsir"
الجرائد وفاز الأحبابُ بالفوائد، وأنت غافل راقد.
آهِ لو كنتَ معهم!
أسفاً لك!
لو رأيتهم لأبصرتَ طلائِعَ الصِّدِّيقِينَ في أول القوم، وشاهدتَ سَاقَةَ المستغفرين في الرَّكْبِ، وسَمِعْتَ استغاثة المُحِبِّينَ في وسط الليل، لو رأيتهم يا غافل، وقد دارت كؤوس المناجاة بين مزاهر التلاوات، فأسكَرَتْ قَلْبَ الواجدِ، ورقمت في مصاحف الوجنات.
تعرفهم بسيماهم، يا طويلَ النوم، فاتتك مِدْحَةُ تَتَجافى [السجدة: ١٦] ، وَحُرِمْتَ مِنْحَةَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ [آل عمران: ١٧] ، يا هذا، إنَّ للَّه تعالى ريحاً تُسَمَّى الصَّبِيحَةَ مخزونةً تحتَ العرش، تَهُبُّ عند الأسحار، فتحمل الدعاء والأنين والاستغفار إلى حضرة العزيز الجَبَّارِ، انتهى.
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ ...
الآية، الصحيح أَنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّ هذا الحق هو على وجه الندب، ومَعْلُومٌ [المعارج: ٢٤] يُرَادُ به: مُتَعَارَفٌ، وكذلك قيامُ الليل الذي مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفضيلةُ بفعل المندوبات، والمحروم هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه، فيناله حرمان وَفاقَةٌ، وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حَقٌّ في أموال الأغنياء، كما للسائل حَقٌّ، وما وقع من ذكر الخلاف فيه فيرجع إلى هذا، وبعد هذا محذوف تقديره: فكونوا/ أَيُّها الناس مثلهم وعلى طريقهم، وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ: لمن اعتبر وأيقن.
وقوله سبحانه: وَفِي أَنْفُسِكُمْ إحالة على النظر في شخص الإنسان، وما فيه من العِبَرِ، وأمرِ النفسِ، وحياتِهَا، ونطقِها، واتصالِ هذا الجزء منها بالعقل قال ابن زيد: إنَّما القلب مُضْغَةٌ في جوف ابن آدم، جَعَلَ اللَّه فيه العقل، أفيدري أحد ما ذلك العقل، وما صِفَتُه، وكيف «١» هو.
ت: قال ابنُ العربيِّ في رحلته: اعلم أنَّ معرفة العبد نَفْسَهُ من أولى ما عليه وآكدِهِ إذْ لاَ يَعْرِفُ رَبَّه إلاَّ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وغير ما آية في ذلك، ثم قال: ولا ينكر عاقل وُجُودَ الرُّوحِ من نفسه، وإنْ كان لم يدركْ حقيقتَه، كذلك لا يَقْدِرُ أنْ يُنْكِرَ وُجُودَ الباري سبحانه الذي دَلَّتْ أفعاله عليه، وإنْ لم يدركْ حقيقته، انتهى.
وقوله سبحانه: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ قال مجاهد وغيره «١» : هو المطر، وقال واصل الأحدب: أراد القضاء والقدر «٢» ، أي: الرزق عند اللَّه يأتي به كيف شاء سبحانه لا رَبَّ غيرُه، وتُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكونَ من الوعيد قال الضَّحَّاكُ.
المُرَادُ: من الجنة والنار «٣» ، وقال مجاهد «٤» : المرادُ: الخيرُ والشَّرُّ، وقال ابن سيرين «٥» : المراد: الساعة، ثم أقسم سبحانه بنفسه على صِحَّةِ هذا القول والخبر، وشَبَّهَهُ في اليقين به بالنُّطْقِ من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، و «ما» زائدة تعطي تأكيداً، والنطق في هذه الآية هو الكلام/ بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني، ورُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الأعراب الفصحاء سَمِعَ هذه الآيةَ فقال: مَنْ أَحْوَجَ الكريمَ إلى أَنْ يحلف؟!
والحكاية بتمامها في كتاب الثعلبيِّ، وسبل الخيرات، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ قَوْماً، أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ» ورَوَى أبو سعيد الخُدَرِيُّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَوْ فَرَّ أَحَدُكُمْ مِنْ رِزْقِهِ لَتَبِعَهُ كَمَا يَتْبَعُهُ المَوْتُ» «٦» وأحاديث الرزق كثيرة، ومن كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للْمُحَاسِبِيِّ: قال: قلتُ لشيخنا: من أين وقع الاضطرابُ في القلوب، وقد جاءها الضمان من الله عز وجل؟
قال: من وجهين.
أحدهما: قِلَّةُ المعرفة بحُسْنِ الظّن، وإلقاء التّهم عن الله عز وجل.
والوجه الثاني: أنْ يعارضها خوفُ الفَوْت، فتستجيبَ النفسُ للداعي، ويَضْعُفَ اليقينُ، ويَعْدِمَ الصبرُ، فيظهرَ الجَزَعُ.
قلتُ: شيءٌ غيرُ هذا؟
قال: نعم، إنّ الله عز وجل وَعَدَ الأرزاق، وضَمِنَ، وغَيَّبَ الأوقات ليختبرَ أهلَ العقول، ولولا ذلك لكان كُلُّ المؤمنين راضين صابرين متوكّلين، لكنّ الله عز وجل أعلمهم أَنَّهُ رازقهم، وحَلَفَ لهم على ذلك، وغيّب عنهم أوقات العطاء،
سُورَةُ الذّارِياتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والذّارِياتِ ذَرْوًا ﴾ يَعْنِي الرِّياحَ، يُقالُ: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرابَ تَذْرُوهُ ذَرْوًا: إذا فَرَّقَتْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ذَرَتْ فَهي ذارِيَةٌ، وأذْرَتْ فَهي مُذْرِيَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿ والذّارِياتِ ﴾ ، مَجْرُورَةٌ عَلى القَسَمِ، المَعْنى: أحْلِفُ بِالذّارِياتِ وهَذِهِ الأشْياءِ، والجَوابُ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ﴾ قالَ قَوْمٌ: المَعْنى: ورَبِّ الذّارِياتِ، ورَبِّ الجارِياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالحامِلاتِ وِقْرًا ﴾ يَعْنِي السَّحابَ الَّتِي تَحْمِلُ وِقْرَها مِنَ الماءِ.
﴿ فالجارِياتِ يُسْرًا ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ تَجْرِي مُيَسَّرَةً في [الماءِ] جَرْيًا سَهْلًا.
﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تُقَسِّمُ الأُمُورَ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: والمُقَسِّماتُ أرْبَعَةٌ، جِبْرِيلُ، وهو صاحِبُ الوَحْيِ والغِلْظَةِ، ومِيكائِيلُ، وهو صاحِبُ الرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وإسْرافِيلُ، وهو صاحِبُ الصُّورِ واللَّوْحِ، وعِزْرائِيلُ، وهو قابِضُ الأرْواحِ.
وإنَّما أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صُنْعِهِ وقُدْرَتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ لَصادِقٌ ﴾ أيْ: لَحَقٌّ.
﴿ وَإنَّ الدِّينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الحِسابُ.
والثّانِي: الجَزاءُ ﴿ لَواقِعٌ ﴾ أيْ: لَكائِنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ: "الحِبِكِ" بِكَسْرِ الحاءِ والباءِ جَمِيعًا.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو حَيْوَةَ: "الحِبْكِ" بِكَسْرِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ.
وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الحُبْكِ" بِرَفْعِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ: "الحَبَكِ" بِفَتْحِ الحاءِ و الباءِ جَمِيعًا.
وَقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: [ "الحَبِكِ"] بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الباءِ.
ثُمَّ في مَعْنى ﴿ الحُبُكِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاتُ الخَلْقِ الحَسَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّانِي: البُنْيانُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: ذاتُ الزِّينَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ الحَسَنُ: حُبُكُها: نُجُومُها.
والرّابِعُ: ذاتُ الطَّرائِقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ واللُّغَوِيُّونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحُبُكُ: تَكَسُّرُ كُلِّ شَيْءٍ كالرَّمْلِ إذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ السّاكِنَةُ، والماءِ القائِمِ إذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ، والشَّعْرَةُ الجَعْدَةُ تَكَسُّرُها حُبُكٌ، وواحِدُ الحُبُكِ: حِباكٌ وحَبِيكَةٌ وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: الحُبُكُ: الطَّرائِقُ الحَسَنَةُ، والمَحْبُوكُ في اللُّغَةِ: ما أُجِيدَ عَمَلُهُ، وكُلُّ ما تَراهُ مِنَ الطَّرائِقِ في الماءِ وفي الرَّمْلِ إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ فَهو حُبُكٌ.
ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: هَذِهِ هي السَّماءُ السّابِعَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ جَوابَ القَسَمِ الثّانِي، قالَ: ﴿ إنَّكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ، بَعْضُكم يَقُولُ: شاعِرٌ، وبَعْضُكم يَقُولُ: مَجْنُونٌ.
وفي القُرْآنِ [بَعْضُكُمْ] يَقُولُ: سِحْرٌ، وبَعْضُكم يَقُولُ: كَهانَةٌ ورَجَزٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ ﴾ أيْ: يُصْرَفُ عَنِ الإيمانِ [بِهِ] مَن صُرِفَ [فَحُرِمَهُ] .
[والهاءُ في "عَنْهُ" عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ.
وقِيلَ: يُصْرَفُ عَنْ هَذا القَوْلُ، أيْ: مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ عَنِ الإيمانِ مَن صُرِفَ] .
وقَرَأ قَتادَةُ: "مَن أفَكَ" بِفَتْحِ الألِفِ والفاءِ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "مَن أفِكَ" بِفَتْحِ الألِفِ وكَسْرِ الفاءِ.
﴿ قُتِلَ الخَرّاصُونَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي [لُعِنَ] الكَذّابُونَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ساحِرٌ وكَذّابٌ وشاعِرٌ، خَرَصُوا ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ.
وفي رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ الكَهَنَةُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والقَتْلُ إذْ أُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِهِ فَهو بِمَعْنى اللَّعْنَةِ، لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ فَهو بِمَنزِلَةِ المَقْتُولِ الهالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ﴾ أيْ: في عَمًى وجَهالَةٍ بِأمْرِ الآخِرَةِ ﴿ ساهُونَ ﴾ أيْ: غافِلُونَ.
والسَّهْوُ: الغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ وذَهابُ القَلْبِ عَنْهُ.
﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ مَتّى يَوْمُ الجَزاءِ؟!
تَكْذِيبًا مِنهم واسْتِهْزاءً.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: يَوْمَ ﴿ هم عَلى النّارِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "اليَوْمَ" مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: يَقَعُ الجَزاءُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ لِلْحِجارَةِ السُّودِ الَّتِي كَأنَّها قَدْ أُحْرِقَتْ بِالنّارِ: الفَتِينُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا ﴿ فِتْنَتَكُمْ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكْذِيبُكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: حَرِيقُكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ها هُنا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ ائْتُنِفَ، فَقالَ: ﴿ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ في الدُّنْيا اسْتِهْزاءً.
ثُمَّ ذَكَرَ ما وعَدَ اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا [البَقَرَةِ: ٢٥، الحِجْرِ ٤٥] .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ آخِذِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، فالمَعْنى: فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ في حالِ أخْذِ ﴿ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ في أعْمالِهِمْ.
وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: ﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: عامِلِينَ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ﴾ أنْ تُفْرَضَ الفَرائِضُ عَلَيْهِمْ، ﴿ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ البَطِينِ.
ثُمَّ ذَكَرَ إحْسانَهم فَقالَ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ والهُجُوعُ: النَّوْمُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ.
وَفِي "ما" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النَّفْيُ.
ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانُوا يَسْهَرُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو العالِيَةِ: هو ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
والثّانِي: كانُوا ما يَنامُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ.
واخْتارَ قَوْمٌ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قَلِيلا ﴾ عَلى مَعْنى: كانُوا مِنَ النّاسِ قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ عَلى مَعْنى نَفْيِ النَّوْمِ عَنْهُمُ البَتَّةَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فالمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَهْجَعُونَهُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، والزُّهْرِيِّ.
وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" زائِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ أيْ: نَصِيبٌ، وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَصِلُونَ بِهِ رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِهِ ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِهِ كَلًّا، أوْ يُعِينُونَ بِهِ مَحْرُومًا، ولَيْسَ بِالزَّكاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الزَّكاةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلسّائِلِ ﴾ وهو الطّالِبُ.
وَفِي " المَحْرُوم " ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، وهو المُحارَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي لا سَهْمَ لَهُ في الغَنِيمَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي لا يُنَمّى لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: هو المَحْرُومُ في الرِّزْقِ والتِّجارَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُسْلِمُ الفَقِيرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ شَيْئًا، قالَهُ قَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ، ولَيْسَ لَهُ فِيها سَهْمٌ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المُصابُ ثَمَرَتُهُ وزَرْعُهُ أوْ نَسْلُ ماشِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ المَمْلُوكُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والثّامِنُ: أنَّهُ الكَلْبُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
وكانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ؟
.
وأظْهَرُ الأقْوالِ قَوْلُ قَتادَةَ والزُّهْرِيِّ، لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِالسّائِلِ، والمُتَعَفِّفُ لا يَسْألُ - ولا يَكادُ النّاسُ يُعْطُونَ مَن لا يَسْألُ - ثُمَّ يَتَحَفَّظُ بِالتَّعَفُّفِ مِن ظُهُورِ أثَرِ الفاقَةِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْرُومًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَسْألْ، ومِن قِبَلِ النّاسِ حِينَ لا يُعْطُونَهُ، وإنَّما يَفْطِنُ لَهُ مُتَيَقِّظٌ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ ﴾ كالجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والثِّمارِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ بِصُنْعِهِ.
﴿ وَفِي أنْفُسِكُمْ ﴾ آياتٌ إذْ كُنْتُمْ نُطَفًا، ثُمَّ عِظامًا، ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ اخْتِلافُ الصُّوَرِ والألْوانِ والطَّبائِعِ، وتَقْوِيمُ الأدَواتِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، وتَسْهِيلُ سَبِيلِ الحَدَثِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ المُودَعَةِ في ابْنِ آدَمَ.
وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَفِي أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أفَلا تُبْصِرُونَ كَيْفَ خَلَقَكم فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وحُمَيْدٌ، وَأبُو حُصَيْنٍ الأُسْدِيُّ: "أرْزاقُكُمْ" بَراءٍ ساكِنَةٍ وبِألِفٍ بَيْنَ الزّايِ والقافِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نُهَيْكٍ: "رازِقُكُمْ" بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما.
وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ كَهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَ ما تُوعِدُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الخَيْرُ والشَّرُّ كِلاهُما يَأْتِي مِنَ السَّماءِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في هَذِهِ الآيَةِ مُضْمَرٌ مَجازُهُ: عِنْدَ مَن في السَّماءِ رِزْقُكُمْ، وعِنْدَهُ ما تُوعَدُونَ، والعَرَبُ تُضْمِرُ، قالَ نابِغَةُ [ذُبْيانَ]: كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ أرادَ: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ وما تُوعَدُونَ وأمْرِ النَّبِيِّ .
﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مِثْلُ" بِرَفْعِ اللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن رَفَعَ "مِثْلُ" فَهي مِن صِفَةِ الحَقِّ، والمَعْنى: إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُمْ؛ ومَن نَصَبَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى "أنْ" فُتِحَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّأْكِيدِ، عَلى مَعْنى: إنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ، وهَذا الكَلامُ كَما تَقُولُ: إنَّهُ لَحَقٌّ كَما أنَّكَ تَتَكَلَّمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ أنَّ نَوْمَهم كانَ قَلِيلًا لِاشْتِغالِهِمْ بِالصَلاةِ والعِبادَةِ، فالمُرادُ مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، و"الهُجُوعُ": النَوْمُ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: "لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ"، وهَذا إنْصافٌ مِنهُ، وقِيلَ لِبَعْضِ التابِعِينَ: مَدَحَ اللهُ تَعالى امْرَأً رَقَدَ، إذا نَعِسَ، وأطاعَ رَبَّهُ إذا اسْتَيْقَظَ، وفَسَّرَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: كانُوا يُصِيبُونَ مِنَ اللَيْلِ حَظًّا، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَلَّ لَيْلَةَ أتَتْ عَلَيْهِمْ هُجُعُوها كُلُّها، وقالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ ومُجاهِدٌ: فالمُرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ الَّيْلِ" أيْ: مِنَ اللَيالِي، وظاهِرُ الآيَةِ عِنْدِي أنَّهم كانُوا يَقُومُونَ الأكْثَرَ مِن لَيْلِهِمْ، أيْ: مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، وقَدْ قالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: كابَدُوا قِيامَ اللَيْلِ، لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا.
وأمّا إعْرابُ الآيَةِ فَقالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى: كانُوا قَلِيلًا في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ خَبَرُ "كانَ"، ثُمَّ ابْتَدَأ "مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ"، فـَ "ما" نافِيَةٌ، و"قَلِيلًا" وقْفٌ حَسَنٌ.
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "ما" زائِدَةٌ، و"قَلِيلًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِـ "يَهْجَعُونَ"، وقالَ جُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، و"قَلِيلًا" خَبَرُ "كانَ"، والمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ هُجُوعُهُمْ، و"الهُجُوعُ" مُرْتَفِعٌ بِـ "قَلِيلًا" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَجِيءُ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ -وَهُوَ الظاهِرُ عِنْدِي- أنَّ المُرادَ: كانَ هُجُوعُهم مِنَ اللَيْلِ قَلِيلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ والضِحّاكُ "يَسْتَغْفِرُونَ" بـِ "يَصِلُونَ"، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَدَّعُونَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ، والأسْحارُ مَظِنَّةُ الِاسْتِغْفارِ، ويُرْوى أنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تُفْتَحُ فَجْرَ كُلِّ يَوْمٍ، وفي قِصَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السِحْرِ، قالَ أبُو زَيْدٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: السِحْرُ السُدْسُ الآخِيرُ مِنَ اللَيْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ ، الصَحِيحُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ هَذا الحَقَّ هو عَلى وجْهِ النَدْبِ لا عَلى وجْهِ الفَرْضِ، و"مَعْلُومٌ" يُرادُ بِهِ: مُتَعارَفٌ، وكَذَلِكَ قِيامُ اللَيْلِ الَّذِي مَدَحَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الفَرائِضِ، وأكْثَرُ ما تَقَعُ الفَرِيضَةُ بِفِعْلِ المَندُوباتِ.
وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ بِالمَدِينَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ بِالزَكاةِ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ، وما شَرَعَ اللهُ تَعالى وجَلَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ شَيْئًا مِن أخْذِ الأمْوالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المَحْرُومِ" اخْتِلافًا هو عِنْدِي تَخْلِيطٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ؛ إذِ المَعْنى واحِدٌ، وإنَّما عَبَّرَ عُلَماءُ السَلَفِ في ذَلِكَ العِباراتِ عَلى جِهَةِ المُثُلاتِ فَجَعَلَها المُتَأخِّرُونَ أقْوالًا، وحَصَرَها مَكِّيٌّ ثَمانِيَةً، و"المَحْرُومِ" هو الَّذِي تَبْعُدُ عنهُ مُمَكِّناتُ الرِزْقِ بَعْدَ قُرْبِها مِنهُ فَيَنالُهُ حِرْمانٌ وفاقَةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُسْألُ، فَهَذا هو الَّذِي لَهُ حَقٌّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ كَما لِلسّائِلِ حَقٌّ، قالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما "المَحْرُومِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَحْرُومُ: المُحارِبُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الإسْلامِ سَهْمُ مالٍ، فَهو ذُو الحِرْفَةِ المَحْدُودِ، وقالَ أبُو قُلابَةَ: جاءَ سَيْلٌ بِاليَمامَةِ فَذَهَبَ بِمالِ رَجُلٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ : هَذا المَحْرُومُ، وقالَ زَيْدٌ: هو الَّذِي أُصِيبَ ثَمَرَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو الَّذِي ماتَتْ ماشِيَتُهُ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الكَلْبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَكُونُ الكَلْبُ مَحْرُومًا في بَعْضِ الأوقاتِ والحالاتِ، ألّا تَرى إلى الَّذِي يَأْكُلُ الثَرى مِنَ العَطَشِ..
الحَدِيثُ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي إنَّما ذَكَرَتْ مِثالًا، كَأنَّهُ يَقُولُ: الَّذِي أُصِيبَتْ ثَمَرَتُهُ مِنَ المَحْرُومِينَ، والمَعْنى الجامِعُ لِهَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ الَّذِي لا مالَ لَهُ لِحِرْمانٍ أصابَهُ، وإلّا فالَّذِي تُصابُ ثَمَرَتُهُ ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ غَيْرُها فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ بِإجْماعٍ.
وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَكُونُوا مِثْلَهم أيُّها الناسُ وعَلى طَرِيقِهِمْ فَإنَّ النَظَرَ المُؤَدِّيَ إلى ذَلِكَ مُتَّجِهٌ فَفي الأرْضِ آياتٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وأيْقَنَ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى لَطائِفِ الحِكْمَةِ وعَجائِبِ الخِلْقَةِ الَّتِي في الأرَضِينَ والجِبالِ والمَعادِنِ والعُيُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ: "آيَةً" عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي أنْفُسِكُمْ" إحالَةٌ عَلى النَظَرِ في شَخْصِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا عِبْرَةٌ لِما جَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن تُرابٍ- مِن لَطائِفِ الحَواسِّ، ومِن أمْرِ النَفْسِ وحَياتِها ونُطْقِها، واتِّصالِ هَذا الجُزْءِ مِنها بِالعَقْلِ، ومِن هَيْئَةِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها لِتَنْفَعَ أو تَحْمِلَ أو تُعِينَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما القَلْبُ مُضْغَةٌ في جَوْفِ ابْنِ آدَمَ جَعَلَ اللهُ فِيهِ العَقْلَ، أفَيَدْرِي أحَدٌ ما ذاكَ العَقْلُ؟
وما صِفَتُهُ؟
وكَيْفَ هُوَ؟
وقالَ الرُمّانِيُّ: النَفْسُ خاصَّةً الشَيْءُ الَّتِي لَوْ بَطَلَ ما سِواها مِمّا لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً بِهِ لَمْ تُبْطِلْ، وهَذا تَعَمُّقٌ لا أحْمَدُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا تُبْصِرُونَ" تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ ، قالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ تَعالى المَطَرَ والثَلْجَ، وقالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: أرادَ القَضاءَ والقَدَرَ، أيْ: الرِزْقَ عِنْدَ اللهِ تَعالى يَأْتِي بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، لا رَبَّ غَيْرَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَفِي السَماءِ رازِقُكُمْ".
و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعِيدِ، والكُلُّ في السَماءِ، قالَ الضَحّاكُ: المُرادُ: مِنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الساعَةُ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِنَفْسِهِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ والخَبَرِ، وشَبَّهَهُ في اليَقِينِ بِهِ بِالنُطْقِ مِنَ الإنْسانِ، وهو عِنْدُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ اللَبْسِ ما يَقَعُ في الرُؤْيَةِ والسَمْعِ، بَلِ النُطْقُ أشَدُّ تَخَلُّصًا مِن هَذِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِثْلَ ما"، -فَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَثَلٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وجُلُّ الناسِ: "مُثُلَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الأُولى الرَفْعُ عَلى النَعْتِ لـِ "حَقَّ"، وجازَ نَعْتُ النَكِرَةِ بِهَذا الَّذِي قَدْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ كانَ "مِثْلُ" شائِعًا عامًّا لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَهو لا تَعْرِفُهُ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ مِثْلَ زَيْدٍ" فَلَمْ تَعْرِفْ شَيْئًا لِأنَّ وُجُوهَ المُماثَلَةِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا بَقِيَ الشِياعُ جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ النَكِرَةِ فَنُعِتَتْ بِهِ النَكِرَةُ، و"ما" زائِدَةٌ تُعْطِي تَأْكِيدًا، وإضافَةُ "مِثْلُ" قَدْ بَنى لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الصِفَةِ لـِ"حَقَّ"، ولَحِقَهُ البَناءُ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ قَدْ يُكْسِبُ المُضافَ بَعْضَ صِفاتِهِ كالتَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: .....................شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ....
وكالتَعْرِيفِ في "غُلامِ زَيْدٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْرِي "مِثْلَ" حِينَئِذٍ مَجْرى "عَذابِ يَوْمِئِذٍ" عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗..................
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُرْبَ مِنها غَيْرُ أنْ هَتَفَتْ ∗∗∗.....................
فَـ "غَيْرُ" فاعِلَةٌ ولَكِنَّهُ فَتَحَها.
والوَجْهُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ المازِنِيِّ- إنَّ "مِثْلَ" بُنِيَ لِكَوْنِهِ مَعَ "ما" شَيْئًا واحِدًا، وتَجِيءُ -عَلى هَذا- في مِضْمارٍ: "وَيْحَما، وأيْنَما"، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ألا هَيَّما مِمّا لَقِيتُ وهَيَّما ∗∗∗ ووَيْحٌ لِمَن لَمْ يَدْرِ ما هُنَّ ويْحَما فَلَوْلا البِناءُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَوَّنًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ...................
∗∗∗ فَأكْرِمْ بِنا خالًا وأكْرِمْ بِنا ابْنَما والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تُنْصَبَ "مِثْلَ" عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ" وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ، وفِيهِ خِلافٌ، ولَكِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الجَرْمِيُّ، وأمّا غَيْرُهُ فَيَراهُ حالًا مِنَ الذِكْرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ لَحَقٌّ هُوَ، وفي هَذا نَظَرٌ، و"النُطْقُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكَلامُ بِالحُرُوفِ والأصْواتِ في تَرْتِيبِ المَعانِي، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ الفُصَحاءِ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يَحْلِفَ؟
والحِكايَةُ وقَعَتْ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ و"سُبُلُ الخَيْراتِ" مُتَمِّمَةٌ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "قاتَلَ اللهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ"»، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "لَوْ فَرَّ أحَدُكم مِن رِزْقِهِ لِتَبِعَهُ كَما يَتْبَعُهُ المَوْتُ"،» وأحادِيثُ الرِزْقِ والأشْعارِ فِيهِ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: "هَلْ أتاكَ" تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ، وهَذا كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرَهُ: هَلْ سَمِعَ مِنكَ أمْ لا؟
فَكَأنَّهُ تَقْتَضِي مِنهُ أنْ يَقُولَ: لا، ويَسْتَطْعِمُكَ الحَدِيثَ.
و"ضَيْفِ" اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ والواحِدِ، ورُوِيَ أنَّ أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَؤُلاءِ هم جِبْرِيلُ ومِكائِيلُ وإسْرافِيلُ وأتْباعٌ لَهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجَعَلَهم تَعالى مُكَرَّمِينَ إمّا لِأنَّهم عِنْدَهُ كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإمّا مِن حَيْثُ أكْرَمَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَدَمَهم هو وسارَّةُ وذَبَحَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ رَفَعَ مَجالِسَهم.
و"سَلامًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: نُسَلِّمُ سَلامًا، أو سَلَّمْتُ سَلامًا، ويَتَّجِهُ فِيهِ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالُوا" عَلى أنْ يَجْعَلَ "سَلامًا" بِمَنزِلَةِ "قَوْلًا"، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ سَلامًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ أمْرِي سَلامٌ، أو واجِبٌ لَكم سَلامٌ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ حَيّا بِأحْسَنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم دُعاءٌ وقَوْلُهُ واجِبٌ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "قالَ سِلْمٌ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، والمَعْنى: نَحْنُ سَلامٌ، أو أنْتُمْ سَلامٌ وقَوْلُهُ تَعالى: "قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" مَعْناهُ: لا نُمَيِّزُهم ولا عَهْدَ لَنا بِهِمْ، وهَذا أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْكَرَ سَلامَهم في تِلْكَ الأرْضِ وذَلِكَ الزَمَنِ.
و"راغَ" مَعْناهُ: مَضى أثْناءَ حَدِيثِهِ مُخْفِيًا زَوالَهُ مُسْتَعْجِلًا كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يُفارِقَهم فَمَضى إلى ناحِيَةٍ مِن دارِهِ مُسْتَعْجِلًا ورَجَعَ لِحِينِهِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالرَوَغانِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الرائِغَ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ، و"العِجْلُ" هو الَّذِي حَنَذَهُ لَهُمْ، وحَسْبُكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أوقَفَ لِلضِّيافَةِ أوقافًا تُمْضِيها الأُمَمُ عَلى اخْتِلافِ أدْيانِها وأجْناسِها.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن أكد الكلام بالقسم ب ﴿ الذاريات ﴾ [الذاريات: 1] وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله: ﴿ وما توعدون ﴾ [الذاريات: 22].
وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه.
وضمير ﴿ إنه لحقّ ﴾ عائد إلى ﴿ ما توعدون ﴾ [الذاريات: 22].
وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة ﴿ إن ما توعدون لصادق ﴾ [الذاريات: 5] وانتهى الغرض.
وقوله: ﴿ مثل ما أنكم تنطقون ﴾ زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون.
وهذا نظير قولهم: كما أن قبلَ اليوم أمس، أو كما أن بعد اليوم غداً.
وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير: فهن ووادِي الرسّ كاليد للفم *** وقولهم: مثل ما أنك ها هنا، وقولهم: كما أنك ترى وتسمع.
وقرأ الجمهور ﴿ مثلَ ﴾ بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد.
والتقدير: إنه لحق حقاً مثل ما أنكم تنطقون.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف مرفوعاً على الصفة ﴿ لحق ﴾ صفة أريد بها التشبيه.
و ﴿ ما ﴾ الواقعة بعد ﴿ مثل ﴾ زائدة للتوكيد.
وأردفت ب (أنَّ) المفيدة للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون.
واجتلب المضارع في ﴿ تنطقون ﴾ دون أن يقال: نطقكم، يفيد التشبيه بنطقهم المتجدد وهو أقوى في الوقوع لأنه محسوس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أيْ قَبْلَ الفَرائِضِ مُحْسِنِينَ بِالإجابَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ مُحْسِنِينَ بِالفَرائِضِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: راجِعْ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ كانُوا قَلِيلا ﴾ بِمَعْنى أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ تَمامِ ما تَقَدَّمَهُ، ابْتِداؤُهُ كانُوا قَلِيلًا، الآيَةَ.
والهُجُوعُ: النَّوْمُ، قالَ الشّاعِرُ أزالَكم الوَسْمِي أحْدَثَ رَوْضَهُ بِلَيْلٍ وأحْداقُ الأنامِ هُجُوعٌ وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ أيْ يَسْتَيْقِظُونَ فِيهِ فَيُصَلُّونَ ولا يَنامُونَ إلّا قَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ مِنهم قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ لِلصَّلاةِ في اللَّيْلِ وإنْ كانَ أكْثَرُهم هُجُوعًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا في قَلِيلٍ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ حَتّى يُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ وعِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَلِيلًا يَهْجَعُونَ، وما: صِلَةٌ زائِدَةٌ، وهَذا لَمّا كانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَحْتَجِنُ يِأْخُذُ العَصا فَيَعْتَمِدُ عَلَيْها حَتّى نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وبِالأسْحارِ هم يُصَلُّونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ الِاسْتِغْفارَ مِن ذُنُوبِهِمْ إلى السَّحَرِ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهو الوَقْتُ الَّذِي أخَّرَ يَعْقُوبُ الِاسْتِغْفارَ لِبَنِيهِ حَتّى اسْتَغْفَرَ لَهم فِيهِ حِينَ قالَ لَهم ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والسَّحَرُ السُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ إنَّما سُمِّيَ سَحَرًا لِاشْتِباهِهِ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ.
﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي مَرْيَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ تَصِلُ لَهُ رَحِمًا أوْ تُقْرِي بِهِ ضَيْفًا أوْ تَحْمِلُ بِهِ كَلًّا أوْ تُغْنِي بِهِ مَحْرُومًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ أمّا السّائِلُ فَهو مَن يَسْألُ النّاسَ لِفاقَتِهِ، وأمّا المَحْرُومُ، فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُتَعَفِّفُ الَّذِي يَسْألُ النّاسَ شَيْئًا ولا يَعْلَمُ بِحاجَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الغَنِيمَةِ ولَيْسَ لَهُ فِيها سَهْمٌ، قالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.
وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأصابُوا وغَنِمُوا، فَجاءَ قَوْمٌ بَعْدَما فَرَغُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
» الثّالِثُ: أنَّهُ مَن لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: المُحارِفُ الَّذِي لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ.
الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَطْلُبُ الدُّنْيا وتُدْبِرُ عَنْهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّادِسُ: أنَّهُ المُصابُ بِثَمَرِهِ وزَرْعِهِ يُعِينُهُ مَن لَمْ يُصَبْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: السّابِعُ: أنَّهُ المَمْلُوكُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ الكَلْبُ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ في طَرِيقِ مَكَّةَ فَجاءَ كَلْبٌ فاحْتَزَّ عُمَرُ كَتِفَ شاةٍ فَرَمى بِها إلَيْهِ وقالَ: يَقُولُونَ إنَّهُ المَحْرُومُ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِن ذَوِي الأنْسابِ لِأنَّهُ قَدْ حُرِمَ كَسْبَ نَفْسِهِ، حَتّى وجَبَتْ نَفَقَتُهُ في مالِ غَيْرِهِ.
﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ يَعْنِي عِظاتٍ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِن أهْلِ اليَقِينِ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ الجِبالِ والبِحارِ والأنْهارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأبادَ مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَبِيلُ الغائِطِ والبَوْلِ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: تَسْوِيَةُ مَفاصِلِ أيْدِيكم وأرْجُلِكم وجَوارِحِكم دَلِيلٌ عَلى أنَّكم خُلِقْتُمْ لِعِبادَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: في خَلْقِكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: في حِياتِكم ومَوْتِكم وفِيما يَدْخُلُ ويَخْرُجُ مِن طَعامِكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: في الكِبَرِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، والشَّيْبِ بَعْدَ السَّوادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُ نَجْحُ العاجِزُ وحِرْمانُ الحازِمُ.
﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن مَطَرٍ وثَلْجٍ يَنْبُتُ بِهِ الزَّرْعُ ويَحْيا بِهِ الخَلْقُ فَهو رِزْقٌ لَهم مِنَ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي في السَّماءِ رِزْقُكم.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: وفي السَّماءِ تَقْدِيرُ رِزْقِكم وما قَسَمَهُ لَكم مَكْتُوبٌ في أُمِّ الكِتابِ.
وَأمّا قَوْلُهُ ﴿ وَما تُوعَدُونَ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن جَنَّةٍ ونارٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
﴿ فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن دِينٍ وبَلَّغَهُ مِن رِسالَةٍ.
الثّانِي: ما عَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن آياتِهِ وذَكَرَهُ مِن عِظاتِهِ.
قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم [بِنَفْسِهِ] ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوهُ» .
وقَدْ كانَ قِسُّ بْنُ ساعِدَةَ في جاهِلِيَّتِهِ يُنَبِّهُ بِعَقْلِهِ عَلى هَذِهِ العِبَرِ فاتَّعَظَ واعْتَبَرَ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ بِعُكاظٍ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ اسْمَعُوا وعُوا، مَن عاشَ ماتَ، ومَن ماتَ فاتَ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، ما لِي أرى النّاسَ يَذْهَبُونَ فَلا يَرْجِعُونَ؟
أرَضُوا بِالإقامَةِ فَأقامُوا؟
أمْ تُرِكُوا فَنامُوا؟
إنَّ في السَّماءِ لَخَبَرًا، وإنَّ في الأرْضِ لَعِبَرًا، سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، ولَيْلٌ مَوْضُوعٌ، وبِحارٌ تَثُورُ، ونُجُومٌ تَحُورُ ثُمَّ تَغُورُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا ما آثِمٌ فِيهِ، إنَّ لِلَّهِ دِينًا هو أرْضى مِن دِينٍ أنْتُمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ بِأبْياتِ شِعْرٍ ما أدْرِي ما هي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: كُنْتُ حاضِرًا إذْ ذاكَ والأبْياتُ عِنْدِي وأنْشَدَ في الذّاهِبِينَ الأوَّلِينَ ∗∗∗ مِنَ القُرُونِ لَنا بَصائِرُ ∗∗∗ لَمّا رَأيْتُ مَوارِدًا ∗∗∗ لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرُ ∗∗∗ ورَأيْتُ قَوْمِي نَحْوَها ∗∗∗ يِمَضْيِ الأكابِرُ والأصاغِرُ ∗∗∗ لا يَرْجِعُ الماضِي إلَيَّ ∗∗∗ ولا مِنَ الباقِينَ غابِرُ ∗∗∗ أيْقَنْتُ أنِّي لامِحًا ∗∗∗ لَهُ حَيْثُ صارَ القَوْمُ صائِرُ فَقالَ النَّبِيُّ : (يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ)» .
ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَعَ زاجِرِ العَقْلِ ورادِعِ السَّمْعِ أنْ يَصْرِفَ نَوازِعَ الهَوى ومَواقِعَ البَلْوى.
فَلا عُذْرَ مَعَ الإنْذارِ، ولا دالَّةَ مَعَ الِاعْتِبارِ، وأنْ تَفْقَهَنَّ الرُّشْدَ تُدْرِكْ فَوْزًا مِنهُ وتَكْرُمَةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين ﴾ قال: يقول: معتبر لمن اعتبر ﴿ وفي أنفسكم ﴾ قال: يقول: في خلقه أيضاً إذا فكر فيه معتبر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله وفي أنفسكم ﴿ أفلا تبصرون ﴾ قال: من تفكر في خلقه علم أنما لينت مفاصله للعبادة.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: سبيل الغائط والبول.
وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: سبيل الغائط والبول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: فيما يدخل من طعامكم وما يخرج والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ الآيتين.
أخرج ابن النقور والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ قال: المطر.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لأعرف الثلج وما رأيته في قول الله: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ قال: الثلج.
وأخرج أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ قال: المطر ﴿ وما توعدون ﴾ قال: الجنة والنار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية، قال: الجنة في السماء، وما توعدون من خير وشر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فورب السماء والأرض ﴾ الآية قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ قال: لكل شيء ذكره في هذه السورة.
أخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ﴾ قال: خدمته إياهم بنفسه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: أكرمهم إبراهيم بالعجل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ﴾ قال: كان عامة مال إبراهيم البقر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبشروه بغلام عليم ﴾ قال: هو إسماعيل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ قال: في صيحة ﴿ فصكت ﴾ قال: لطمت.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ في صرة ﴾ قال: صيحة ﴿ فصكت وجهها ﴾ قال: ضربت بيدها على جبهتها وقالت: يا ويلتاه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن عجوز عقيم وعن الريح العقيم وعن عذاب يوم عقيم، فقال: العجوز العقيم التي لا ولد لها، وأما الريح العقيم فالتي لا بركة فيها ولا منفعة ولا تلقح، وأما عذاب يوم عقيم فيوم لا ليلة له.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ قال: لوط وابنتيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانوا ثلاثة عشر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ قال: لو كان فيها أكثر من ذلك لنجاهم الله ليعلموا أن الإِيمان عند الله محفوظ لا ضيعة على أهله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ قال: ترك فيها صخراً منضوداً.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتولى بركنه ﴾ قال: بقومه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فتولى بركنه ﴾ قال: يعضده وأصحابه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو مليم ﴾ قال: مليم في عباد الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
ثم أقسم الرب بنفسه فقال: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ قال الكلبي: يعني هذا الذي قصصت في الكتاب لكائن (١) قال أبو إسحاق: يعني أن الذي ذكر من أمر الرزق والآيات وأمر النبي - - حق (٢) (٣) ﴿ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ قرئ ﴿ مِثْلَ ﴾ رفعًا ونصبًا (٤) (٥) ﴿ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ وإن كان قوله: ﴿ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ بمنزلة نطقكم (٦) ﴿ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ ﴾ فقال الفراء: العرب تجمعُ بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما كقول الشاعر: ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ به (٧) فجمع بين ما وإن وهما (٨) (٩) ﴿ أَن ﴾ فكأنه قيل: مثل نطقكم.
وقال المبرد: ﴿ مَا ﴾ زائدة.
وبه قال أبو علي -وأبى أن تكون التي بمنزلة أن مع الفعل فتكون مصدرًا- وقال: لأنه لا فعل معها، والتي تكون مع الفعل بمنزلة اسم المصدر تكون مقرونة مع الفعل كقوله: ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ (١٠) ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾ و ﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ ﴾ .
وأما منتصب ﴿ مِثْلَ ﴾ فقال أبو إسحاق: هو في موضع رفع إلا أنه لما أضيفت إلى ﴿ أَن ﴾ فتح (١١) وشرحه أبو علي فقال: من نصب (مثل) فإنه لما أضاف مثل إلى مبنيٍّ وهو قوله: ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ بناه كما بُنَى (يومئذ) في قوله: ﴿ مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ ﴾ و ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ و: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (١٢) وقوله: لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ (١٣) فغير في موضع رفع بأنه فاعل، (يمنع) وإنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل، ويوم، وحين، وغير، إذا أضيفت إلى المبنيِّ لأنها تكتسي منه البناء، لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف والتنكير والجزاء والاستفهام.
تقول: هذا غلام زيد، وصاحب القاضي.
فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ مِثْلِ مَا ﴾ : أحدهما: أن تجعل (ما) مع مثل بمنزلة شيء واحد بنيته على الفتح، وإن كانت ما زائدة، وهذا قول أبي عثمان وأنشد في ذلك: وَتَدَاعَى مَنْخِرَاهُ بِدَمٍ ...
مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ (١٧) فذهب إلى أن (مثل ما) بمنزلة شيء واحد، ويدل على جواز بناء مثل مع (ما) وكونه معه بمنزله شيء واحد قول حميد بن ثور: ووَيَحْا لِمنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وْيحَمَا (١٨) ومثله ما أنشده أحمد بن يحيى: أثَوْرَ ما أصِيدُكُمْ أمْ ثَوْرَيْنْ (١٩) أراد أثوراً أصيدكم؟
فبني الثور على الفتح وجعله مع (ما) شيئًا واحداً.
القول الثاني: أن ينتصب على الحال من النكرة الذي هو (حق) في قوله: ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ والعامل في الحال هو الحق؛ لأنه مصدر.
وإلى هذا ذهب أبو عمر الجرمي.
وقد حمل أبو الحسن (٢٠) ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا ﴾ على الحال، وذو الحال قوله: ﴿أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا﴾ وهو نكرة (٢١) (٢٢) قال الفراء: من نصب (مثل ما) جعله في مذهب مصدر كقولك: إنه لَحَقُّ حقًا (٢٣) وقال الزجاج: يجوز أن يكون منصوبًا على التوكيد على معنى: إنه لَحَقُّ حقًّا، مثل نطقكم (٢٤) وأما المعنى؛ فقال أبو عبيدة: مجازه كما أنكم تنطقون (٢٥) (٢٦) قال الفراء: إنه لحق كما أن الآدمي ناطق، وللآدمي نطق لا لغيره (٢٧) (٢٨) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "الوسيط" 4/ 176، "فتح القدير" 5/ 85.
(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 54.
(٣) انظر: "تفسر مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 176.
(٤) قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر، ﴿ مِثْلَ ﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
انظر: "حجة القراءات" ص 679، "النشر" 2/ 377 "الإتحاف" ص 399.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 85، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.
(٦) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 216.
(٧) البيت لدريد بن الصمة يصف الخنساء، وقد رآها تهنأ بعيرًا أجرب وتمام البيت: كاليوم طالي أيْنقُ جُرْب انظر: "ديوان دريد بن الصمة" ص 34، "شرح شواهد المغني" 2/ 955، "شرح المفصل" 5/ 82، "مغني اللبيب" ص 679.
(٨) (ك): (وإنهما).
(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 85.
(١٠) انظر: "المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات" ص 334.
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.
(١٢) البيت للنابغة الذبياني، وتمامه: وقلت ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازع انظر: "ديوانه" ص 163، "الكتاب" لسيبويه 2/ 332، "الكامل" 1/ 158، "الخزانة" 2/ 456، "المصنف" 1/ 58، "ارتشاف الضرب" 2/ 520.
(١٣) صدر بيت لأبي قيس بن الأسلت، وتمامه: حمامة في غصون ذات أوقال انظر: "الكتاب" 1/ 369، "أمالي" بن الشجري 1/ 69، "الإنصاف" ص 287، "الخزانة" 3/ 406، والأوقال: هي الثمار، مفردها وَقْل.
"اللسان" 3/ 971 (وقيل).
(١٤) (ك): (علا).
(١٥) (ك): (أيامها).
(١٦) (ك): (الاختصان).
(١٧) البيت للنابغة الجعدي، والحمَّاض بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسايل الماء ولها ثمرة حمراء.
انظر: "ديوانه" ص 87، "أمالي" ابن الشجري 2/ 604، "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 135، "اللسان" 1/ 719 (حمض)، "رصف المباني" 379.
(١٨) صدر البيت: ألاَ هَيَّمًا مِمَّا لَقِيْتُ وَهَيَّمَا وانظر: "ديوانه" ص 6، "اللسان" 3/ 996، (ويح) "الخصائص" 2/ 181، ونسبه لحميد بن الأرقط "ديوان ابن الأرقط" ص 7: "الحجة" 6/ 219.
(١٩) من الرجز، والآخر: أمْ تِيكُم الجَمَّاءَ ذَات القَرْنَيْنْ وهو للنضر بن سلمة، كما في "الخصائص" 2/ 18، "اللسان" 1/ 386 (ثور)، "التصريح بمضمون التوضيح" 1/ 24، "الحجة" 6/ 220.
(٢٠) هو الأخفش، وتقدمت ترجمته.
(٢١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 348، 351، 6/ 222 - 217.
(٢٢) انظر: "البحر المحيط" 8/ 137.
(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 85.
(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.
(٢٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 226.
(٢٦) لم أجده.
(٢٧) انظر: "معاني القرآن" 3/ 85.
(٢٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 54.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ هذا جواب القسم، والضمير لما تقدم من الآيات أو الرزق أو لما توعدون ﴿ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ أي حق مثل نطقكم لا يمكن الشك فيه، وما زائدة: وقرئ مثل بالنصب والرفع فالرفع صفة لحق، والنصب على الحال من حق أو من الضمير المستتر فيه، أو صفة لحق وبُني لإضافته إلى مبني، أو لتركيبه مع ما فيصير نحو إينما وكلما.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.
عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.
فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟
قال: الرياح.
وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟
قال : السحاب لأنها تحمل المطر.
وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.
قال: فالجاريات يسراً؟
قال : الفلك والمراد جريان اليسر.
قال: فالمقسمات أمراً؟
قال : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.
ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.
ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.
وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.
ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.
وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله .
وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.
وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.
ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.
وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.
وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".
وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.
والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.
ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.
وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.
ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.
وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟
ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.
ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.
ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.
وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.
وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.
وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.
قال: إن فيض الله لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.
وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.
ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.
وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.
وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.
ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.
وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.
ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.
ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.
ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.
ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.
قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.
وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.
وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.
والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.
وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.
والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.
ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.
وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.
الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.
وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.
وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.
ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.
وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.
ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.
وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.
وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.
قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.
وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.
﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.
وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.
ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب .
و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.
قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.
فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟
فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
ثم سلى نبيه بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.
والضيف واحد.
وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.
قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.
وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.
﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.
والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".
واعلم أنه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.
قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.
قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.
وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.
﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟
فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".
والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.
وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟
فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.
فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.
وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.
قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.
قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.
قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.
والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.
وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.
فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.
والرميم ما رم وتفتت.
قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.
وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.
فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.
ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.
وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.
وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.
وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.
وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.
قال: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له.
وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.
وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.
وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.
وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.
ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.
ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.
وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.
وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.
ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.
والمتين الشديد القوة.
ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.
واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ ، والإشكال: كيف ذكر أن المتقين في جنات وعيون، وهم يكونون في جنات، ويكونون في العيون بحيث يرونها، وتقع عليها أبصارهم، وينتفعون بها؟
وهو كقوله : ﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ ، وإنما هم يلبسون السندس، فأما الاستبرق فهو البسط، وغير ذلك من الانتفاع به؛ فعلى ذلك ما ذكر من كون المتقين في جنات وعيون، يكونون في الجنة، وينتفعون بالعيون، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: الذين اتقوا الشرك والكفر.
ويحتمل: الذين اتقوا مخالفة الله على الإطلاق: عملا، وقولا، وفعلا، واعتقادا.
ويحتمل: أي: الذين اتقوا المهالك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قابلين ما آتاهم ربهم في الدنيا من القدرة والقوة والمال بحق الله ، والقيام بشكره، والعبادة له، والاستعمال في طاعته؛ لذلك قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ أي: قبلوا ذلك بحق الإحسان، فاستعملوها في حق الله والقيام بطاعته.
وعلى هذا التأويل كأنه على التقيدم والتأخير: إن المتقين في جنات وعيون؛ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، آخذين ما آتاهم ربهم، أي: إنما نالوا الجنة؛ لما أنهم كانوا في الدنيا كذلك.
والثاني: ما قاله أهل التأويل: آخذين ما آتاهم ربهم في الآخرة، أي: راضين بما أعطاهم الله من النعيم في الجنة، وهو كقوله : ﴿ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ، وعلى هذا يخرج تأويلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ في الدنيا.
ثم نعت إحسانهم فقال - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل جميعا: أي: يصلون.
وإنما حملوه عليها؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، وذلك مرة بالصلاة، ومرة باللسان، ومرة بدفع المال.
ويحتمل حقيقة الاستغفار أيضا، وإنما مدحهم بذلك؛ لأن أرجى وقت الاستغفار وقت السحر؛ لما روي من ابن عمر - ما - أنه قال لنافع: "إذا كان وقت السحر فأعلمني به".
فكان هو يصلي إلى وقت السحر، ثم يدعو ويستغفر في ذلك الوقت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ﴾ قال بعضهم: إن الآية في الزكاة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة الصدقة المفروضة؛ إلا أن يقال: إن السورة مكية إلا هذه الآيات إن ثبت.
وجائز أن يكون ذلك الحق ليس هو المفروض، ولكن حق سوى الفرض.
وقيل: إن الآية نزلت في قوم خاص جعلوا على أنفسهم ألا يردوا سائلا ولا محروماً ولا يمنعوا أموالهم من أحد؛ فمدحهم بذلك؛ ألا ترى أن ذكر الحق للسائل والمحروم؛ وقد بين مصارف الزكاة للأصناف الثمانية بقوله : ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ...
﴾ إلى قوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل المحروم والسائل: قال عامة أهل التأويل: المحروم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة والفيء بألا يحضر وقت قسمة الغنيمة؛ فلا ينال شيئاً منها ويحرم عن ذلك.
وقال بعضهم: المحروم: الذي هلك زرعه وكرمه ببلاء اصابه، يحرم عن ذلك، كما وصفهم في سورة الواقعة: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ فلما حرموا زرعهم وصفوا بذلك.
وقيل: المحروم: الذي لا يعلم حرفة، وهو [لا يملك] كسبا، وهو محارف أيضا.
وقيل: المحروم: المتعفف الذي به فقر، لكنه لا يسأل الناس شيئا، والسائل: الطواف.
وعندنا: الفقراء ثلاثة: السائل الذي يطوف، ويسأل الناس.
والمعتر: الذي يعتر الناس، ويظهر حاجته للناس، ويتعرض للسؤال، ولا يسأل صريحا.
والمحروم: هو الذي يستر فقره وحاجته عن الناس، لا يسألهم، ولا يعتر لذلك.
ثم جائز أن يكون سماه: محروما، أي: حرم المكاسب وأسباب العيش من التجارة والحرفة وغيرهما.
وجائز أن تكون [له] المكاسب والأسباب، لكنه محروم عن إنزال المكاسب والأرباح في التجارة، يكتسب، ويعمل بتلك الأسباب، لكنه محارف، لا يرزق منها شيء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: في الأرض آيات ينتفع بها الموقنون، وهم المؤمنون الذي علموا الآيات بطريق الإيقان.
ويحتمل: في الأرض آيات يعلم الموقنون حقيقة أنها آيات، فأما غيرهم فلا، والله أعلم.
ثم يحتمل آيات الأرض: آيات التوحيد، وآيات البعث، وآيات القدرة، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا: أنه خلق على وجه الأرض من الدواب، والأشجار، ومن النبات، وأنواع الثمار من غير أن عرف الخلق كيفية وجودها وماهيتها، وأنه لم يخلق مثلها للفناء خاصة؛ فتكون آيات؛ لما ذكرنا.
وقيل: في خلق الأرض آيات، وهو أن خلقها، وكانت تميد بأهلها، ثم أرساها بالجبال؛ حتى استقرت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
صلة قوله: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ أي: وفي أنفسكم - أيضاً - آيات ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أي: آيات الوحدانية والربوبية وآيات البعث وآية وجوب الشكر والعبادة والامتحان.
أما الآيات الربوبية، فهى أن الله أنشأ هذا البشر من نطفة، ثم قلب تلك النطفة علقة، ثم العلقة مضغة ثم المضغة عظاماً ولحما، ثم ركب فيها الجوارح في ظلمات ثلاث، ما رأى المصالح له في الاستواء والصحة، سليمة عن الآفات، غير متفاوتة، فدل أنه فعل واحد، لا عدد، وأن له القدرة الذاتية والعلم الذاتي لا المستفاد، وأن ما قبلهم من حال إلى حال، وما ركب فيهم [من] الجوارح التي بها يقبضون، وبها يأخذون، وبها يدفعون ويسلمون، وبها يبصرون ويسمعون، وبها يمشون، لم يفعلهم بهم؛ ليتركهم سدى ويهملهم ولا يمتحنهم، ولا يأمرهم، ولا ينهاهم، وأنه حيث سخر جميع الخلائق من السماء والأرض وما بينهما ما سخر إلا ليمتحنهم، وليستأذي منهم شكر ذلك كله.
وفيه آية البعث؛ لأنه لا يحتمل أن يكون منهم ما ذكرنا ثم لا يبعثهم؛ ليثاب المحسن منهم ويعاقب المسيء، ويجازي كلا بقدر عمله؛ إذ لو لم يكن، لكان خلقه إياهم عبثا باطلا؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقيل: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: في خلق أنفسكم، ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أنه كيف سوى أنفكسم على أحسن الصور، وأحسن التقويم بعد أن كان أصلها وجوهرها من ماء، وكذلك أصل جواهر الأنعام والبهائم من نطفة أيضاً، ثم ركبكم على صور صالحة لمنافعكم، وركبكم على أحسن الصور، ثم جعل فيكم من العقل والسمع والبصر ما يدرك بها حقائق الأشياء المحسوسة والمعانى الحكيمة؛ لتتأملوا في ذلك كله؛ فتكون آية الوحدانية آية إلزام الشكر والعبادة له، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: في السماء رزقكم وما توعدون من الخير والشر.
وقال الحسن وغيره: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ ﴾ أي: المطر الذي ينزل منها في الأرض، فنبت فيها بذلك المطر من أنواع الأرزاق من الحبوب، والثمار، والفواكه، وغيرها؛ كل ذلك سببه من السماء؛ لذلك أضيف إليها، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من أرزاقنا أنها في السماء: المطر وجميع ما سخر لنا فيها من الشمس والقمر والملائكة؛ حيث جعل صلاح ما في الأرض جميعاً من الأرزاق والأغذية بتلك الأشياء التي في السماء من الإنضاج بالشمس والقمر، وحفظ الأرزاق والأمطار بالملائكة؛ فإنهم جعلوا موكلين ممتحنين بذلك؛ حيث قال - -: ﴿ فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾ هي الملائكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ كل موعود: مرغوب أو مرهوب من السماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: الساعة القيامة.
ويحتمل ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: حميع ما جاء به محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ .
يحتمل أن يقول - والله أعلم -: كما أنكم لا تشكون فيما تنطقون؛ فعلى ذلك لا تشكون في أمر الساعة وقيامها وكونها؛ كما يقال: هذا ظاهر بين كالنهار.
وقال الزجاج: ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ ، أي: لحق مثل حضوركم ونعلقكم ومثل النهار، أو كلام نحوه.
ويحتمل أن يقول: إن من قدر على إنطاق هذه الألسن وتكليمها حتى يفهم منها حاجتهم، وهي قطعة، وليس فيها شيء من آثار النطق والكلام؛ إذ يكون مثله للبهائم ثم لا يفهم منه ذلك، ولا يكون منه النطق - قدر على البعث والإعادة؛ إذ هذا في الأعجوبة أكثر وأعظم من ذاك، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
فورب السماء والأرض إن البعث لحق لا شك فيه، كما أنه لا شك في نطقكم حين تنطقون.
<div class="verse-tafsir" id="91.qEaLe"