الآية ٢٥ من سورة الذاريات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٢٥ من سورة الذاريات

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌۭ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الذاريات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قالوا سلاما قال سلام ) : الرفع أقوى وأثبت من النصب ، فرده أفضل من التسليم ; ولهذا قال تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء : 86 ] ، فالخليل اختار الأفضل .

وقوله : ( قوم منكرون ) : وذلك أن الملائكة وهم : جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صور شبان حسان عليهم مهابة عظيمة ; ولهذا قال : ( قوم منكرون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ ) يقول: حين دخل ضيف إبراهيم عليه, فقالوا له سلاما: أي أسلموا إسلاما, قال سلام.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة, قال ( سَلامٌ ) بالألف بمعنى قال: إبراهيم لهم سلام عليكم.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( سِلْمٌ ) بغير ألف, بمعنى, قال: أنتم سلم.

وقوله ( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) يقول: قوم لا نعرفكم, ورفع ( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) بإضمار أنتم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما تقدم في " الحجر " .

قال سلام أي عليكم سلام .

ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام .

وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما " سلم " بكسر السين .قوم منكرون أي أنتم قوم منكرون ; أي غرباء لا نعرفكم .

وقيل : لأنه رآهم على غير صورة البشر ، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم ، فقال : قوم منكرون .

وقيل : أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان .

وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض .

وقيل : خافهم ; يقال : أنكرته إذا خفته ، قال الشاعر :فأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ } مجيبًا لهم { سَلَامٌ } أي: عليكم { قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } أي: أنتم قوم منكرون، فأحب أن تعرفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلا بعد ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ) أي : غرباء لا نعرفكم ، قال ابن عباس : قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم .

وقيل : إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان .

وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إذ» ظرف لحديث ضيف «دخلوا عليه فقالوا سلاما» أي هذا اللفظ «قال سلام» أي هذا اللفظ «قوم منكرون» لا نعرفهم قال ذلك في نفسه وهو خبر مبتدأ مقدر أي هؤلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هل أتاك -أيها الرسول- حديث ضيف إبراهيم الذين أكرمهم- وكانوا من الملائكة الكرام- حين دخلوا عليه في بيته، فحيَّوه قائلين له: سلامًا، فردَّ عليهم التحية قائلا سلام عليكم، أنتم قوم غرباء لا نعرفكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والظرف فى قوله : ( إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ .

.

) متعلق بلفظ ( حَدِيثُ ) السابق .أى : هل بلغك حديثهم الواقع فى وقت دخولهم عليه .

.

.

أو بمحذوف تقديره : اذكر ، أى : اذكر وقت أن دخلوا عليه ( عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً ) ، أى : فقالوا نسلم عليك سلاما .( قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ) أى : قال إبراهيم فى جوابه عليهم : عليكم سلام ، أنتم قوم منكرون أى : غير معروفين لى قبل ذلك .قال صاحب الكشاف : أنكرهم للسلام الذى هو علم الإسلام ، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه ، أو من جنس الناس الذين عهدهم .

.

.

أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم ، أو كان هذا سؤالا لهم ، كأنه قال : أنتم قوم منكرون فعرفونى من أنتم .

.وقيل : إن إبراهيم قد قال ذلك فى نفسه ، والتقدير : هؤلاء قوم منكرون ، لأنه لم يرهم قبل ذلك .وقال إبراهيم فى جوابه عليهم ( سَلاَمٌ ) بالرفع ، لإفادة الدوام والثبات عن طريق الجملة الاسمية ، التى تدل على ذلك ، وللإشارة إلى أدبه معهم ، حيث رد على تحيتهم بأفضل منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما العامل في إذ؟

فيه وجوه: أحدها: ما في المكرمين من الإشارة إلى الفعل إن قلنا وصفهم بكونهم مكرمين بناء على أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم فيكون كأنه تعالى يقول: أكرموا إذ دخلوا، وهذا من شأن الكريم أن يكرم ضيفه وقت الدخول.

ثانيها: ما في الضيف من الدلالة على الفعل، لأنا قلنا إن الضيف مصدر فيكون كأنه يقول: أضافهم إذ دخلوا.

وثالثها: يحتمل أن يكون العامل فيه أتاك تقديره ما أتاك حديثهم وقت دخولهم، فاسمع الآن ذلك، لأن هل ليس للاستفهام في هذا الموضع حقيقة بل للإعلام، وهذا أولى لأنه فعل مصرّح به، ويحتمل أن يقال اذكر إذ دخلوا.

المسألة الثانية: لماذا اختلف إعراب السلامين في القراءة المشهورة؟

نقول: نبين أولاً وجوه النصب والرفع، ثم نبيّن وجوه الاختلاف في الإعراب، أما النصب فيحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد من السلام هو التحية وهو المشهور، ونصبه حينئذ على المصدر تقديره نسلم سلاماً.

ثانيها: هو أن يكون السلام نوعاً من أنواع الكلام وهو كلام سلم به المتكلم من أن يلغو أو يأثم فكأنهم لما دخلوا عليه فقالوا حسناً سلموا من الإثم، وحينئذ يكون مفعولاً للقول لأن مفعول القول هو الكلام، يقال قال فلان كلاماً، ولا يكون هذا من باب ضربه سوطاً لأن المضروب هناك ليس هو السوط، وهاهنا القول هو الكلام فسره قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قِيلاً سلاما سلاما  ﴾ .

ثالثها: أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره نبلغك سلاماً، لا يقال على هذا إن المراد لو كان ذلك لعلم كونهم رسل الله عند السلام فما كان يقول: ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ولا كان يقرب إليهم الطعام، ولما قال: ﴿ نَكِرَهُمْ وأوجس  ﴾ لأنا نقول جاز أن يقال إنهم قالوا: نبلغك سلاماً ولم يقولوا من الله تعالى إلى أن سألهم إبراهيم عليه السلام ممن تبلغون لي السلام، وذلك لأن الحكيم لا يأتي بالأمر العظيم إلا بالتدريج فلما كانت هيبتهم عظيمة، فلو ضموا إليه الأمر العظيم الذي هو السلام من الله تعالى لانزعج إبراهيم عليه السلام، ثم إن إبراهيم عليه السلام اشتغل بإكرامهم عن سؤالهم وآخر السؤال إلى حين الفراغ فنكرهم بين السلام والسؤال عمن منه السلام هذا وجه النصب، وأما الرفع فنقول يحتمل أن المراد منه السلام الذي هو التحية وهو المشهور أيضاً، وحينئذ يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره سلام عليكم، وكون المبتدأ نكرة يحتمل في قول القائل سلام عليكم وويل له، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره قال جوابه سلام، ويحتمل أن يكون المراد قولاً يسلم به أو ينبئ عن السلامة فيكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أمري سلام بمعنى مسالمة لا تعلق بيني وبينكم لأني لا أعرفكم، أو يكون المبتدأ قولكم، وتقديره قولكم سلام ينبئ عن السلامة وأنتم قوم منكرون فما خطبكم فإن الأمر أشكل عليَّ وهذا ما يحتمل أن يقال في النصب والرفع، وأما الفرق فنقول أما على التفسير المشهور وهو أن السلام في الموضعين بمعنى التحية فنقول الفرق بينهما من حيث اللفظ ومن حيث المعنى.

أما من حيث اللفظ: فنقول سلام عليك إنما جوز واستحسن لكونه مبتدأ وهو نكرة، من حيث إنه كالمتروك على أصله لأن الأصل أن يكون منصوباً على تقدير أسلم سلاماً وعليك يكون لبيان من أريد بالسلام، ولا يكون لعليك حظ من المعنى غير ذلك البيان فيكون كالخارج عن الكلام، والكلام التام أسلم سلاماً، كما أنك تقول ضربت زيداً على السطح يكون على السطح خارجاً عن الفعل والفاعل والمفعول لبيان مجرد الظرفية، فإذا كان الأمر كذلك وكان السلام والأدعية كثير الوقوع، قالوا نعدل عن الجملة الفعلية إلى الإسمية ونجعل لعليك حظاً في الكلام، فنقول سلام عليك، فتصير عليك لفائدة لابد منها، وهي الخبرية، ويترك السلام نكرة كما كان حال النصب، إذا علم هذا فالنصب أصل والرفع مأخوذ منه، والأصل مقدم على المأخوذ منه، فقال: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام ﴾ قدم الأصل على المتفرع منه.

وأما من حيث المعنى: فذلك لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرد عليهم بالأحسن، فأتى بالجملة الإسمية فإنها أدل على الدوام والاستمرار، فإن قولنا جلس زيد لا ينبئ عنه لأن الفعل لابد فيه من الإنباء عن التجدد والحدوث ولهذا لو قلت: الله موجود الآن لأثبت العقل الدوام إذ لا ينبئ عن التجدد، ولو قال قائل: وجد الله الآن لكاد ينكره العاقل لما بينا فلما قالوا: سلاماً قال: سلام عليكم مستمر دائم، وأما على قولنا المراد القول ذو السلامة فظاهر الفرق، فإنهم قالوا قولاً ذا سلام، وقال لهم إبراهيم عليه السلام: سلام أي قولكم ذو سلام وأنتم قوم منكرون فالتبس الأمر عليّ، وإن قلنا المراد أمر مسالمة ومتاركة وهم سلموا عليه تسليماً، فنقول فيه جمع بين أمرين: تعظيم جانب الله، ورعاية قلب عباد الله، فإنه لو قال: سلام عليكم وهو لم يعلم كونهم من عباد الله الصالحين كان يجوز أن يكونوا على غير ذلك، فيكون الرسول قد أمنهم، فإن السلام أمان وأمان الرسول أمان المرسل فيكون فاعلاً للأمر من غير إذن الله نيابة عن الله فقال: أنتم سلمتم عليّ وأنا متوقف أمري متاركة لا تعلق بيننا إلى أن يتبين الحال ويدل على هذا هو أن الله تعالى قال: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ وقال في مثل هذا المعنى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام  ﴾ ولم يقل قل سلاماً، وذلك لأن الأخيار المذكورين في القرآن لو سلموا على الجاهلين لا يكون ذلك سبباً لحرمة التعرض إليهم، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لو سلم عليهم لصار ذلك سبباً لحرمة التعرض إليهم، فقال: قل سلام أي أمري معكم متاركة تركناه إلى أن يأتي أمر الله بأمر، وأما على قولنا بمعنى نبلغ سلاماً فنقول هم لما قالوا نبلغك سلاماً ولم يعلم إبراهيم عليه السلام أنه ممن قال سلام أي إن كان من الله فإن هذا منه قد ازداد به شرفي وإلا فقد بلغني منه سلام وبه شرفي ولا أتشرف بسلام غيره، وهذا ما يمكن أن يقال فيه، والله أعلم بمراده الأول والثاني عليهما الاعتماد فإنهما أقوى وقد قيل بهما.

المسألة الثالثة: قال في سورة هود: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ  ﴾ فدل على أن إنكارهم كان حاصلاً بعد تقريبه العجل منهم وقال هاهنا: ﴿ قَالَ سلام قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هَلْ أتاك ﴾ تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما عرفه بالوحي.

والضيف للواحد والجماعة كالزور والصوم؛ لأنه في الأصل مصدر ضافه، وكانوا اثني عشر ملكاً.

وقيل: تسعة عاشرهم جبريل.

وقيل ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وملك معهما.

وجعلهم ضيفاً؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف: حيث أضافهم إبراهيم.

أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك.

وإكرامهم: أنّ إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القِرى أو أنهم في أنفسهم مكرمون.

قال الله تعالى: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ [الأنبياء: 26] .

﴿ إِذْ دَخَلُواْ ﴾ نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم؛ وإلا فبما في ضيف من معنى الفعل.

أو بإضمار أذكر ﴿ سلاما ﴾ مصدر سادّ مسدّ الفعل مستغنى به عنه.

وأصله: نسلم عليكم سلاماً، وأمّا ﴿ سلام ﴾ فمعدول به إلى الرفع على الابتداء.

وخبره محذوف، معناه: عليكم سلام، للدلالة على ثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذا بأدب الله تعالى.

وهذا أيضاً من إكرامه لهم.

وقرئا مرفوعين.

وقرئ: ﴿ سلاما ﴾ قال ﴿ سلما ﴾ والسلم: السلام.

وقرئ ﴿ سلاما قال سلم ﴾ ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام.

أو أراد: أنهم ليسوا من معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم، كما لو أبصر العرب قوماً من الخزر أو رأى لهم حالاً وشكلاً خلاف حال الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالاً لهم، كأنه قال: أنتم قوم منكرون، فعرّفوني من أنتم ﴿ فَرَاغَ إلى اأهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه؛ ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادره بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يكفه ويعذره.

قال قتادة: كان عامة مال نبي الله إبراهيم: البقر ﴿ فَجآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ .

والهمزة في ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ للإنكار: أنكر عليهم ترك الأكل.

أو حثهم عليه ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ فأضمر.

وإنما خافهم لأنهم لم يتحرّموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً.

وعن ابن عباس: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب.

وعن عون بن شداد: مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمّه ﴿ بغلام عَلِيمٍ ﴾ أي يبلغ ويعلم.

وعن الحسن: عليم: نبيّ، والمبشر به إسحاق، وهو أكثر الأقاويل وأصحها؛ لأن الصفة صفة سارّة لا هاجر، وهي امرأة إبراهيم وهو بِعلها.

وعن مجاهد: هو إسماعيل ﴿ فِى صَرَّةٍ ﴾ في صيحة، من: صر الجندب، وصرّ القلم وصرّ الباب، ومحله النصب على الحال، أي: فجاءت صارّة.

قال الحسن: أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم، لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء، وقيل: فأخذت في صرة، كما تقول: أقبل يشتمني.

وقيل: صرتها قولها: أوه.

وقيل: يا ويلتا.

وعن عكرمة: رنتها ﴿ فَصَكَّتْ ﴾ فلطمت ببسط يديها.

وقيل: فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب ﴿ عَجُوزٌ ﴾ أنا عجوز، فكيف ألد ﴿ كَذَلِكِ ﴾ مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قَالَ رَبُّكِ ﴾ أي إنما نخبرك عن الله، والله قادر على ما تستبعدين.

وروى أنّ جبريل قال لها: انظري إلى سقف بيتك، فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الحَدِيثِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ.

قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وقِيلَ: ثَلاثَةٌ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهم كانُوا في صُورَةِ الضَّيْفِ.

﴿ المُكْرَمِينَ ﴾ أيْ مُكْرَمِينَ عِنْدَ اللَّهِ أوْ عِنْدَ إبْراهِيمَ إذْ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ وزَوْجَتِهِ.

﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ ظَرْفٌ لِلْ ( حَدِيثُ ) أوِ ال ( ضَيْفِ ) أوِ المُكْرَمِينَ.

﴿ فَقالُوا سَلامًا ﴾ أيْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا.

﴿ قالَ سَلامٌ ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ عَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ لِقَصْدِ الثَّباتِ حَتّى تَكُونَ تَحِيَّتُهُ أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ، وقُرِئا مَرْفُوعَيْنِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «قالَ سَلَمٌ» وقُرِئَ مَنصُوبًا والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ أيْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، وإنَّما أنْكَرَهم لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم بَنُو آدَمَ ولَمْ يَعْرِفْهُمْ، أوْ لِأنَّ السَّلامَ لَمْ يَكُنْ تَحِيَّتَهم فَإنَّهُ عَلَمُ الإسْلامِ وهو كالتَّعَرُّفِ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إذ دخلوا عليه} نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم وإلا فبإضمار اذكر {فَقَالُواْ سَلامًا} مصدر سادٌّ مسد الفعل مستغنى به عنه وأصله نسلم عليكم سلاماً {قَالَ سلام} أي عليكم سلام فهو مرفوع على الابتداء

وخبر محذوف والعدول إلى الرفع للدلالة على إثبات السلام كانه قد ان يحييهم باحسن مما حيوه به احذا بأدب الله وهذا أيضاً من إكرامه لهم حمزة وعلي سلم والسلم السلام {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي أنتم قوم منكرون فعرفوني من أنتم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ لِأنَّهُ صِفَةٌ في الأصْلِ، أوْ لِلضَّيْفِ، أوْ لِـ ( المُكْرَمِينَ ) إنْ أُرِيدَ إكْرامُ إبْراهِيمَ لِأنَّ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم لا يَتَقَيَّدُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ ﴿ فَقالُوا سَلامًا ﴾ أيْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا، وأوْجَبَ في البَحْرِ حَذْفُ الفِعْلِ لِأنَّ المَصْدَرَ سادَّ مَسَدَّهُ فَهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَجِبُ حَذْفُ أفْعالِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُتَّجَهُ أنْ يَعْمَلَ في ( سَلامًا ) قالُوا: عَلى أنْ يَجْعَلَ في مَعْنى قَوْلًا ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا: تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ «سَلامٌ» ونُسِبَ إلى مُجاهِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ قالَ سَلامٌ ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ عُدِلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ لِقَصْدِ الثَّباتِ حَتّى يَكُونَ تَحِيَّتَهً أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ أخْذًا بِمَزِيدِ الأدَبِ والإكْرامِ، وقِيلَ: ( سَلامٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرِي ( سَلامٌ ) وقُرِئا مَرْفُوعَيْنِ، وقُرِئَ - سَلامًا قالَ سِلْمًا - بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ اللّامِ والنَّصْبِ، والسِّلْمُ السَّلامُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ - سَلامًا قالَ سِلْمٌ - بِالكَسْرِ والإسْكانِ والرَّفْعِ، وجَعَلَهُ في البَحْرِ عَلى مَعْنى نَحْنُ أوْ أنْتُمْ سِلْمٌ ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ أنْكَرَهم عَلَيْهِ السَّلامُ لِلسَّلامِ الَّذِي هو عَلَمُ الإسْلامِ، أوْ لِأنَّهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسُوا مِمَّنْ عَهِدَهم مِنَ النّاسِ، أوْ لِأنَّ أوْضاعَهم وأشْكالَهم خِلافُ ما عَلَيْهِ النّاسُ، ( وقَوْمٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والأكْثَرُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ لَهم لِلتَّعَرُّفِ كَقَوْلِكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ تُرِيدُ عَرَّفَ لِي نَفْسَكَ وصِفْها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الَّذِي يُظْهَرُ أنَّ التَّقْدِيرَ هَؤُلاءُ ( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ في نَفْسِهِ، أوْ لِمَن كانَ مَعَهُ مِن أتْباعِهِ وغِلْمانِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُشْعِرَهم بِذَلِكَ فَإنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ في خِطابِ الضَّيْفِ بِنَحْوِ ذَلِكَ إيحاشًا ما، وطَلَبُهُ بِهِ أنْ يُعَرِّفُوهُ حالَهم لَعَلَّهُ لا يُزَيِّلُ ذَلِكَ.

وأيْضًا لَوْ كانَ مُرادُهُ ذَلِكَ لَكَشَفُوا أحْوالَهم عِنْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ ولَمْ يَتَصَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُقَدِّماتِ الضِّيافَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أقسم الرب بنفسه إِنَّهُ لَحَقٌّ يعني: ما قسمت من الرزق لكائن مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ يعني: كما تقولون لا إله إلا الله، أو يعني: كما أن قولكم لا إله إلا الله حق، كذلك قولي سأرزقكم حق.

ويقال: معناه كما أن الشهادة واجبة عليكم، فكذلك رزقكم واجب علي.

ويقال: معناه هو الذي ذكر في أمر الآيات، والرزق حق.

يعين: صدق مثل ما أنكم تنطقون.

وروي عن النبي  أنه قال: «أَبَى ابْنُ آدَمَ أنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ حتّى أقسم له، فو ربّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ» .

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ بضم اللام.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالضم، فهو نعت بالحق، وصفه له.

ومن قرأ بالنصب، فهو على التوكيد على معنى أنه لحق حقاً مثل نطقكم.

قوله عز وجل: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ يعني: جاء جبريل مع أحد عشر ملكاً عليهم السلام المكرمين، أكرمهم الله تعالى، وقال: أكرمهم إبراهيم، وأحسن عليهم القيام، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً فسلموا عليه، فرد عليهم السلام قالَ سَلامٌ قرأ حمزة، والكسائي، قال: سلم أي: أمري سلم.

والباقون سَلامٌ أي: أمري سَلامٌ أي: صلح.

ثم قال: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ يعني: أنكرهم، ولم يعرفهم.

وقال كانوا لا يسلمون في ذلك الوقت، فلما سمع منهم السلام أَنْكَرَهُمْ.

فَراغَ إِلى أَهْلِهِ يعني: عهد إلى أهله.

ويقال: عدل، ومال إلى أهله.

ويقال: عدل من حيث لا يعلمون لأي شيء عدل.

يقال: راغ فلان عنا، إذا عدل عنهم من حيث لا يعلمون.

فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قال بعضهم: كان لبن البقرة كله سمناً، فلهذا كان العجل سميناً فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ فلم يأكلوا فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ فقالوا: نحن لا نأكل بغير ثمن.

فقال إبراهيم: كلوا، فاعطوا الثمن.

قالوا: وما ثمنه؟

فقال: إذا أكلتم، فقولوا بسم الله.

وإذا فرغتم، فقولوا: الحمد لله، فتعجبت الملائكة- عليهم السلام- لقوله، فلما رآهم لا يأكلون فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: أظهر في نفسه خيفة.

ويقال: ملأ عنهم خيفة، فلما رأوه يخاف قالُوا لاَ تَخَفْ منا يعني: لا تخشى منا وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ يعني: إسحاق فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ يعني: أخذت امرأته في صيحة فَصَكَّتْ وَجْهَها يعني: ضربت بيديها، خديها تعجباً وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ يعني: عجوزاً عاقراً لم تلد قط، كيف يكون لها ولد؟

فقال لها جبريل: قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ يكون لك ولد هُوَ الْحَكِيمُ في أمره.

حكم بالولد بعد الكبر الْعَلِيمُ عليم بخلقه.

ويقال: عليم بوقت الولادة.

فلما رآهم أنهم الملائكة قالَ لهم فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ يعني: ما أمركم، وما شأنكم، ولماذا جئتم أيها المرسلون؟

قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا يعني: قال جبريل أرسلنا الله تعالى إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني: قوم كفار مشركين لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ يعني: لكي نرسل عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مطبوخ، كما يطبخ الآجر مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ يعني: معلمة.

وقال: مخططة بسواد، وحمرة.

ويقال: مكتوب على كل واحد اسم صاحب الذي يصيبه.

ثم قال: عِنْدَ رَبِّكَ يعني: جاءت الحجارة من عند ربك للمشركين، فاغتم إبراهيم لأجل لوط.

قال الله تعالى: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي: في قريات لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: غير بيت لوط.

قوله عز وجل: وَتَرَكْنا فِيها آيَةً يعني: أبقينا في قريات لوط آية.

يعني: عبرة في هلاكهم من بعدهم.

ثم قال: لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعني: العذاب الشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فمن هاهنا عُرِفَ الخَاصّ من العامِّ، وتفاوت العبادُ في الصبر، والرضا، واليقين، والتوكل، والسكون، فمنهم- كما علمتَ- ساكنٌ، ومنهم متحرك، ومنهم راض، ومنهم ساخط، ومنهم جَزِعٌ، فعلى قَدْرِ ما تفاوتوا في المعرفة- تفاوتوا في اليقين، وعلى قَدْرِ ما تفاوتوا في اليقين- تفاوتوا في السكون والرضا والصبر والتوكل.

اهـ.

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)

وقوله سبحانه: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ...

الآية، قد تقدم قَصَصُهَا، و «عليم» أي: عالم، وهو إسحاق ع.

ت: ولنذكر هنا شيئاً من الآثار في آداب الطعام، قال النوويُّ: روى ابن السُّنِّيِّ بسنده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ كَانَ يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إلَيْهِ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، باسم اللَّهِ» انتهى «١» ، وفي «صحيح مسلم» عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ- قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ، وَلاَ عَشَاءَ، وَإذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّه تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» «٢» ، وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلاَّ يُذْكَرَ اسم الله عليه» «٣» الحديث، انتهى،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ "هَلْ" بِمِعى "قَدْ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: قَدْ أتاكَ فاسْتَمِعْ نَقْصُصْهُ عَلَيْكَ، وضَيْفُهُ: هُمُ الَّذِينَ جاؤُوا بِالبُشْرى.

وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في [هُودٍ: ٧٠]، وذَكَرَنا هُناكَ مَعْنى الضَّيْفِ.

وَفِي مَعْنى "المُكْرَمِينَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ أكْرَمَهم بِالعِجْلِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِأنْ خَدَمَهم هو وامْرَأتُهُ بِأنْفُسِهِما، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مُكْرَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.

والرّابِعُ: لِأنَّهم أضْيافٌ، والأضْيافُ مُكْرَمُونَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا سَلامًا ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [هُودٍ: ٧٠] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ عَلى مَعْنى: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في سَبَبِ إنْكارِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّهم سَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ سَلامَهم في ذَلِكَ الزَّمانِ وفي تِلْكَ الأرْضِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهم دَخَلُوا [عَلَيْهِ] مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى فِيهِمْ صُورَةَ البَشَرِ وصُورَةَ المَلائِكَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَدَلَ إلَيْهِمْ في خُفْيَةٍ، ولا يَكُونُ الرَّواغُ إلى أنْ تُخْفِيَ ذَهابَكَ ومَجِيئَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ وكانَ مَشْوِيًّا ﴿ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ لِيَأْكُلُوا مِنهُ، فَلَمْ يَأْكُلُوا، فَقالَ: ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ؟!

عَلى النَّكِيرِ، أيْ: أمْرُكم في تَرْكِ الأكْلِ مِمّا أُنْكِرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧٠]، وذَكَرْنا مَعْنى: "غُلامٍ عَلِيمٍ" في [الحِجْرِ: ٥٤] .

﴿ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ ﴾ وهِيَ: سارَّةُ.

قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تُقْبِلْ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وإنَّما هو كَقَوْلِكَ: أقْبَلَ يَشْتُمُنِي، وأقْبَلَ يَصِيحُ ويَتَكَلَّمُ، أيْ: أخَذَ في ذَلِكَ، والصَّرَّةُ: الصَّيْحَةُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرَّةُ: شِدَّةُ الصَّوْتِ.

وَفِيما قالَتْ في صَيْحَتِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَأوَّهَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها قالَتْ: يا ويْلَتا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَكَّتْ وجْهَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَطَمَتْ وجْهَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ضَرَبَتْ جَبِينَها تَعْجُّبًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ومَعَنى الصَّكِّ: ضَرْبُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ العَرِيضِ.

﴿ وَقالَتْ عَجُوزٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ "أتَلِدُ عَجُوزٌ" .

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنا عَجُوزٌ عَقِيمٌ، فَكَيْفَ ألِدُ؟!

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى العَقِيم في [هُودٍ: ٧٢] .

﴿ قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ ﴾ أنَّكِ سَتَلِدِينَ غُلامًا؛ والمَعْنى: إنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو حَكِيمٌ عَلِيمٌ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ العَقِيمَ ولُودًا فَعَلِمَ [حِينَئِذٍ] إبْراهِيمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

﴿ قالَ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الحِجْرِ: ٥٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِجارَةً مِن طِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الآجُرُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٨٣] .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها ﴾ أيْ: مِن قُرى لُوطٍ (مِنَ المُؤْمِنِينَ) وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ الآيَةُ: [هُودٍ: ٨٢] .

﴿ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ وهو لُوطٌ وابْنَتاهُ، وصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالإيمانِ والإسْلامِ، لِأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُسْلِمٌ.

﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً ﴾ أيْ: عَلامَةً لِلْخائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَدُلُّهم عَلى أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [ العَنْكَبُوتِ: ٣٥ ] وبَيَّنّا المَكْنِيِّ عَنْها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ أنَّ نَوْمَهم كانَ قَلِيلًا لِاشْتِغالِهِمْ بِالصَلاةِ والعِبادَةِ، فالمُرادُ مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، و"الهُجُوعُ": النَوْمُ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: "لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ"، وهَذا إنْصافٌ مِنهُ، وقِيلَ لِبَعْضِ التابِعِينَ: مَدَحَ اللهُ تَعالى امْرَأً رَقَدَ، إذا نَعِسَ، وأطاعَ رَبَّهُ إذا اسْتَيْقَظَ، وفَسَّرَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: كانُوا يُصِيبُونَ مِنَ اللَيْلِ حَظًّا، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَلَّ لَيْلَةَ أتَتْ عَلَيْهِمْ هُجُعُوها كُلُّها، وقالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ ومُجاهِدٌ: فالمُرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ الَّيْلِ" أيْ: مِنَ اللَيالِي، وظاهِرُ الآيَةِ عِنْدِي أنَّهم كانُوا يَقُومُونَ الأكْثَرَ مِن لَيْلِهِمْ، أيْ: مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، وقَدْ قالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: كابَدُوا قِيامَ اللَيْلِ، لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا.

وأمّا إعْرابُ الآيَةِ فَقالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى: كانُوا قَلِيلًا في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ خَبَرُ "كانَ"، ثُمَّ ابْتَدَأ "مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ"، فـَ "ما" نافِيَةٌ، و"قَلِيلًا" وقْفٌ حَسَنٌ.

وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "ما" زائِدَةٌ، و"قَلِيلًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِـ "يَهْجَعُونَ"، وقالَ جُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، و"قَلِيلًا" خَبَرُ "كانَ"، والمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ هُجُوعُهُمْ، و"الهُجُوعُ" مُرْتَفِعٌ بِـ "قَلِيلًا" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَجِيءُ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ -وَهُوَ الظاهِرُ عِنْدِي- أنَّ المُرادَ: كانَ هُجُوعُهم مِنَ اللَيْلِ قَلِيلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ والضِحّاكُ "يَسْتَغْفِرُونَ" بـِ "يَصِلُونَ"، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَدَّعُونَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ، والأسْحارُ مَظِنَّةُ الِاسْتِغْفارِ، ويُرْوى أنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تُفْتَحُ فَجْرَ كُلِّ يَوْمٍ، وفي قِصَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي  ﴾ أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السِحْرِ، قالَ أبُو زَيْدٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: السِحْرُ السُدْسُ الآخِيرُ مِنَ اللَيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ ﴾ ، الصَحِيحُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ هَذا الحَقَّ هو عَلى وجْهِ النَدْبِ لا عَلى وجْهِ الفَرْضِ، و"مَعْلُومٌ" يُرادُ بِهِ: مُتَعارَفٌ، وكَذَلِكَ قِيامُ اللَيْلِ الَّذِي مَدَحَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الفَرائِضِ، وأكْثَرُ ما تَقَعُ الفَرِيضَةُ بِفِعْلِ المَندُوباتِ.

وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ بِالمَدِينَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ بِالزَكاةِ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ، وما شَرَعَ اللهُ تَعالى وجَلَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ شَيْئًا مِن أخْذِ الأمْوالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المَحْرُومِ" اخْتِلافًا هو عِنْدِي تَخْلِيطٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ؛ إذِ المَعْنى واحِدٌ، وإنَّما عَبَّرَ عُلَماءُ السَلَفِ في ذَلِكَ العِباراتِ عَلى جِهَةِ المُثُلاتِ فَجَعَلَها المُتَأخِّرُونَ أقْوالًا، وحَصَرَها مَكِّيٌّ ثَمانِيَةً، و"المَحْرُومِ" هو الَّذِي تَبْعُدُ عنهُ مُمَكِّناتُ الرِزْقِ بَعْدَ قُرْبِها مِنهُ فَيَنالُهُ حِرْمانٌ وفاقَةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُسْألُ، فَهَذا هو الَّذِي لَهُ حَقٌّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ كَما لِلسّائِلِ حَقٌّ، قالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما "المَحْرُومِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَحْرُومُ: المُحارِبُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الإسْلامِ سَهْمُ مالٍ، فَهو ذُو الحِرْفَةِ المَحْدُودِ، وقالَ أبُو قُلابَةَ: جاءَ سَيْلٌ بِاليَمامَةِ فَذَهَبَ بِمالِ رَجُلٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ  : هَذا المَحْرُومُ، وقالَ زَيْدٌ: هو الَّذِي أُصِيبَ ثَمَرَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو الَّذِي ماتَتْ ماشِيَتُهُ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الكَلْبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَكُونُ الكَلْبُ مَحْرُومًا في بَعْضِ الأوقاتِ والحالاتِ، ألّا تَرى إلى الَّذِي يَأْكُلُ الثَرى مِنَ العَطَشِ..

الحَدِيثُ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي إنَّما ذَكَرَتْ مِثالًا، كَأنَّهُ يَقُولُ: الَّذِي أُصِيبَتْ ثَمَرَتُهُ مِنَ المَحْرُومِينَ، والمَعْنى الجامِعُ لِهَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ الَّذِي لا مالَ لَهُ لِحِرْمانٍ أصابَهُ، وإلّا فالَّذِي تُصابُ ثَمَرَتُهُ ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ غَيْرُها فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ بِإجْماعٍ.

وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَكُونُوا مِثْلَهم أيُّها الناسُ وعَلى طَرِيقِهِمْ فَإنَّ النَظَرَ المُؤَدِّيَ إلى ذَلِكَ مُتَّجِهٌ فَفي الأرْضِ آياتٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وأيْقَنَ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى لَطائِفِ الحِكْمَةِ وعَجائِبِ الخِلْقَةِ الَّتِي في الأرَضِينَ والجِبالِ والمَعادِنِ والعُيُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ: "آيَةً" عَلى الإفْرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي أنْفُسِكُمْ" إحالَةٌ عَلى النَظَرِ في شَخْصِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا عِبْرَةٌ لِما جَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن تُرابٍ- مِن لَطائِفِ الحَواسِّ، ومِن أمْرِ النَفْسِ وحَياتِها ونُطْقِها، واتِّصالِ هَذا الجُزْءِ مِنها بِالعَقْلِ، ومِن هَيْئَةِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها لِتَنْفَعَ أو تَحْمِلَ أو تُعِينَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما القَلْبُ مُضْغَةٌ في جَوْفِ ابْنِ آدَمَ جَعَلَ اللهُ فِيهِ العَقْلَ، أفَيَدْرِي أحَدٌ ما ذاكَ العَقْلُ؟

وما صِفَتُهُ؟

وكَيْفَ هُوَ؟

وقالَ الرُمّانِيُّ: النَفْسُ خاصَّةً الشَيْءُ الَّتِي لَوْ بَطَلَ ما سِواها مِمّا لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً بِهِ لَمْ تُبْطِلْ، وهَذا تَعَمُّقٌ لا أحْمَدُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا تُبْصِرُونَ" تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ ﴾ ، قالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ تَعالى المَطَرَ والثَلْجَ، وقالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: أرادَ القَضاءَ والقَدَرَ، أيْ: الرِزْقَ عِنْدَ اللهِ تَعالى يَأْتِي بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، لا رَبَّ غَيْرَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَفِي السَماءِ رازِقُكُمْ".

و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعِيدِ، والكُلُّ في السَماءِ، قالَ الضَحّاكُ: المُرادُ: مِنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الساعَةُ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِنَفْسِهِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ والخَبَرِ، وشَبَّهَهُ في اليَقِينِ بِهِ بِالنُطْقِ مِنَ الإنْسانِ، وهو عِنْدُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ اللَبْسِ ما يَقَعُ في الرُؤْيَةِ والسَمْعِ، بَلِ النُطْقُ أشَدُّ تَخَلُّصًا مِن هَذِهِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِثْلَ ما"، -فَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَثَلٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وجُلُّ الناسِ: "مُثُلَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الأُولى الرَفْعُ عَلى النَعْتِ لـِ "حَقَّ"، وجازَ نَعْتُ النَكِرَةِ بِهَذا الَّذِي قَدْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ كانَ "مِثْلُ" شائِعًا عامًّا لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَهو لا تَعْرِفُهُ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ مِثْلَ زَيْدٍ" فَلَمْ تَعْرِفْ شَيْئًا لِأنَّ وُجُوهَ المُماثَلَةِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا بَقِيَ الشِياعُ جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ النَكِرَةِ فَنُعِتَتْ بِهِ النَكِرَةُ، و"ما" زائِدَةٌ تُعْطِي تَأْكِيدًا، وإضافَةُ "مِثْلُ" قَدْ بَنى لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الصِفَةِ لـِ"حَقَّ"، ولَحِقَهُ البَناءُ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ قَدْ يُكْسِبُ المُضافَ بَعْضَ صِفاتِهِ كالتَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: .....................شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ....

وكالتَعْرِيفِ في "غُلامِ زَيْدٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْرِي "مِثْلَ" حِينَئِذٍ مَجْرى "عَذابِ يَوْمِئِذٍ" عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗..................

وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُرْبَ مِنها غَيْرُ أنْ هَتَفَتْ ∗∗∗.....................

فَـ "غَيْرُ" فاعِلَةٌ ولَكِنَّهُ فَتَحَها.

والوَجْهُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ المازِنِيِّ- إنَّ "مِثْلَ" بُنِيَ لِكَوْنِهِ مَعَ "ما" شَيْئًا واحِدًا، وتَجِيءُ -عَلى هَذا- في مِضْمارٍ: "وَيْحَما، وأيْنَما"، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ألا هَيَّما مِمّا لَقِيتُ وهَيَّما ∗∗∗ ووَيْحٌ لِمَن لَمْ يَدْرِ ما هُنَّ ويْحَما فَلَوْلا البِناءُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَوَّنًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ...................

∗∗∗ فَأكْرِمْ بِنا خالًا وأكْرِمْ بِنا ابْنَما والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تُنْصَبَ "مِثْلَ" عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ" وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ، وفِيهِ خِلافٌ، ولَكِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الجَرْمِيُّ، وأمّا غَيْرُهُ فَيَراهُ حالًا مِنَ الذِكْرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ لَحَقٌّ هُوَ، وفي هَذا نَظَرٌ، و"النُطْقُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكَلامُ بِالحُرُوفِ والأصْواتِ في تَرْتِيبِ المَعانِي، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ الفُصَحاءِ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يَحْلِفَ؟

والحِكايَةُ وقَعَتْ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ و"سُبُلُ الخَيْراتِ" مُتَمِّمَةٌ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "قاتَلَ اللهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ"»، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "لَوْ فَرَّ أحَدُكم مِن رِزْقِهِ لِتَبِعَهُ كَما يَتْبَعُهُ المَوْتُ"،» وأحادِيثُ الرِزْقِ والأشْعارِ فِيهِ كَثِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: "هَلْ أتاكَ" تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ، وهَذا كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرَهُ: هَلْ سَمِعَ مِنكَ أمْ لا؟

فَكَأنَّهُ تَقْتَضِي مِنهُ أنْ يَقُولَ: لا، ويَسْتَطْعِمُكَ الحَدِيثَ.

و"ضَيْفِ" اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ والواحِدِ، ورُوِيَ أنَّ أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَؤُلاءِ هم جِبْرِيلُ ومِكائِيلُ وإسْرافِيلُ وأتْباعٌ لَهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجَعَلَهم تَعالى مُكَرَّمِينَ إمّا لِأنَّهم عِنْدَهُ كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإمّا مِن حَيْثُ أكْرَمَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَدَمَهم هو وسارَّةُ وذَبَحَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ رَفَعَ مَجالِسَهم.

و"سَلامًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: نُسَلِّمُ سَلامًا، أو سَلَّمْتُ سَلامًا، ويَتَّجِهُ فِيهِ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالُوا" عَلى أنْ يَجْعَلَ "سَلامًا" بِمَنزِلَةِ "قَوْلًا"، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ سَلامًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ أمْرِي سَلامٌ، أو واجِبٌ لَكم سَلامٌ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ حَيّا بِأحْسَنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم دُعاءٌ وقَوْلُهُ واجِبٌ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "قالَ سِلْمٌ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، والمَعْنى: نَحْنُ سَلامٌ، أو أنْتُمْ سَلامٌ وقَوْلُهُ تَعالى: "قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" مَعْناهُ: لا نُمَيِّزُهم ولا عَهْدَ لَنا بِهِمْ، وهَذا أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْكَرَ سَلامَهم في تِلْكَ الأرْضِ وذَلِكَ الزَمَنِ.

و"راغَ" مَعْناهُ: مَضى أثْناءَ حَدِيثِهِ مُخْفِيًا زَوالَهُ مُسْتَعْجِلًا كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يُفارِقَهم فَمَضى إلى ناحِيَةٍ مِن دارِهِ مُسْتَعْجِلًا ورَجَعَ لِحِينِهِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالرَوَغانِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الرائِغَ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ، و"العِجْلُ" هو الَّذِي حَنَذَهُ لَهُمْ، وحَسْبُكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أوقَفَ لِلضِّيافَةِ أوقافًا تُمْضِيها الأُمَمُ عَلى اخْتِلافِ أدْيانِها وأجْناسِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل.

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وغيّر أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى أسلوب التعريض تفنناً بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حلّ بقوم لوط حين كذبوا رسولهم، فالمقصود هو ما بعد قوله ﴿ قال فما خطبكم أيها المرسلون ﴾ [الحجر: 57].

وكان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة بالأمم الماضية أن المشركين وصفوا آنفاً بأنهم في غمرة ساهون فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ [الحجر: 72]، ولأن العذاب الذي عذب به قوم لوط كان حجارة أنزلت عليهم من السماء مشبهة بالمطر.

وقد سميت مطراً في قوله تعالى: ﴿ ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطرَ السوء ﴾ [الفرقان: 40] وقوله: ﴿ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ﴾ [هود: 82] ولأن في قصة حضور الملائكة عند إبراهيم وزوجه عبرة بإمكان البعث فقد تضمنت بشارتها بمولود يولد لها بعد اليأس من الولادة وذلك مثل البعث بالحياة بعد الممات.

ولمّا وجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ هل أتاك ﴾ عُرف أن المقصود الأصلي تسليته على ما لقيه من تكذيب قومه.

ويتبع ذلك تعريض بالسامعين حين يُقرأ عليهم القرآن أو يبلغهم بأنهم صائرون إلى مثِل ذلك العذاب لاتحاد الأسباب.

وتقدم القول في نظير ﴿ هل أتاك حديث ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ وهل أتاك نبؤا الخصم ﴾ في سورة ص (21)، وأنه يفتتح به الأخبار الفخمة المهمة.

والضيف: اسم يقال للواحد وللجمع لأن أصله مصدر ضَاف، إذا مال فأطلق على الذي يميل إلى بيت أحد لينزل عنده.

ثم صار اسماً فإذا لوحظ أصله أطلق على الواحد وغيره ولم يؤنثوه ولا يجمعونه وإذا لوحظ الاسم جمعوه للجماعة وأنثوه للأنثى فقالوا أضيافٌ وضيوف وامرأة ضيفة وهو هنا اسم جمع ولذلك وصف بالمكْرمين } ، وتقدم في سورة الحجر (68) ﴿ قال إن هؤلاء ضيفي ﴾ والمعنيّ به الملائكة الذي أظهرهم الله لإبراهيم عليه السلام فأخبروه بأنهم مرسلون من الله لتنفيذ العذاب لقوم لوط وسماهم الله ضيفاً نظراً لصورة مجيئهم في هيئة الضيف كما سمى الملكين الذين جاءا داود خصماً في قوله تعالى: ﴿ وهل أتاك نبؤا الخصم ﴾ [ص: 21]، وذلك من الاستعارة الصورية.

وفي سفر التكوين من التوراة: أنهم كانوا ثلاثة.

وعن ابن عباس: أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل.

وعن عطاء: جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر.

ولعل سبب إرسال ثلاثة ليقع تشكُّلهم في شكل الرجال لما تعارفه الناس في أسفارهم أن لا يقلّ ركب المسافرين عن ثلاثة رفاققٍ.

وذلك أصل جريان المخاطبة بصيغة المثنى في نحو: «قفا نبك».

وفي الحديث " الواحدُ شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ".

رواه الحاكم في «المستدرك» وذكر أن سنده صحيح.

وقد يكون سبب إرسالهم ثلاثةً أن عذاب قوم لو كان بأصناف مختلفة لكل صنف منها ملكَهُ الموكَّل به.

ووصفهم بالمكْرَمين كلام موجه لأنه يوهم أن ذلك لإكرام إبراهيم إياهم كما جرت عادته مع الضيف وهو الذي سنّ القِرى، والمقصودُ: أن الله أكرمهم برفع الدرجة لأن الملائكة مقربون عند الله تعالى كما قال: ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ [الأنبياء: 26] وقال: ﴿ كِراماً كاتبين ﴾ [الانفطار: 11].

وظرفُ ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ يتعلق ب ﴿ حديثُ ﴾ لما فيه من معنى الفعل، أي خَبرهم حين دخلوا عليه.

وقوله: ﴿ فقالوا سلاماً قال سلام ﴾ تقدم نظيره في سورة هود.

وقرأ الجمهور: ﴿ قال سلام ﴾ .

وقرأه حمزة والكسائي ﴿ قال سِلْم ﴾ بكسر السين وسكون اللام.

وقوله: ﴿ قوم منكرون ﴾ من كلام إبراهيم.

والظاهر أنه قاله خَفْتا إذ ليس من الإكرام أن يجاهرَ الزائر بذلك، فالتقدير: هُم قوم منكرون.

والمنكر: الذي ينكره غيره، أي لا يعرفه.

وأطلق هنا على من ينكّر حاله ويظن أنه حال غيرُ معتاد، أي يخشى أنه مضمِر سوء، كما قال في سورة هود (70) ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصِلُ إليه نَكرهم وأوجس منهم خِيفة ﴾ ومنه قول الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نَكِرَتْ *** من الحوادث إلا الشيبَ والصَّلَعا أي كرهت ذاتي.

وقصة ضيف إبراهيم تقدمت في سورة هود.

وراغ} مال في المشي إلى جانب، ومنه: رَوغان الثعْلب.

والمعنى: أن إبراهيم حاد عن المكان الذي نزل فيه الضُيوف إلى أهله، أي إلى بيته الذي فيه أهله.

وفي التوراة: أنه كان جالساً أمامَ باب خيمته تحت شجرة وأنه أنزل الضيوف تحت الشجرة.

وقال أبو عبيد القَاسم بن سلام: إن الروغان ميل في المشي عن الاستواء إلى الجانب مع إخفاء إرادته ذلك وتبعه على هذا التقييد الراغب والزمخشري وابن عطيّة فانتزع منه الزمخشري أن إخفاء إبراهيم ميله إلى أهله من حسن الضيافة كيلا يوهم الضيف أنه يريد أن يحضر لهم شيئاً فلعلّ الضيف أن يكُفّه عن ذلك ويعذره وهذا منزع لطيف.

وكان منزل إبراهيم الذي جرت عنده هذه القصة بموضع يسمّى (بلوطات مَمْرا) من أرض جبرون.

ووصُف العجل هنا ب ﴿ سَمين ﴾ ، ووصف في سورة هود بحنيذ، أي مشوي فهو عجل سمين شواه وقرّبه إليهم، وكان الشِوا أسرع طبخ أهل البادية وقام امرؤ القيس يذكر الصيد: فظل طهاةُ اللحم ما بين مُنضِج *** صَفيف شِواء أو قَدِيرٍ مُعَجَّل فقيد (قدير) ب (مُعَجّل) ولم يقيد (صفيف شواء) لأنه معلوم.

ومعنى ﴿ قربه ﴾ وضعه قريباً منهم، أي لم ينقلهم من مجلسهم إلى موضع آخر بل جعل الطعام بين أيديهم.

وهذا من تمام الإكرام للضيف بخلاف ما يُطعمه العافي والسائِل فإنه يدعى إلى مكان الطعام كما قال الفرزدق: فقلتُ إلى الطعام فقال مِنهم *** فريقٌ يحسد الأنس الطعاما ومجيء الفاء لعطف أفعال ﴿ فراغ ﴾ ﴿ فجاء ﴾ ﴿ فقرّبه ﴾ للدلالة على أن هذه الأفعال وقعت في سرعة، والإسراع بالقِرى من تمام الكرم، وقد قيل: خير البر عاجله.

وجملة ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ قربه إليهم ﴾ .

و ﴿ ألا ﴾ كلمة واحدة، وهي حرف عَرْض، أي رغبةٍ في حصول الفعل الذي تدخل عليه.

وهي هنا متعينة للعَرض لوقوع فعل القول بدلاً من فعل ﴿ قرَّبه إليهم ﴾ ، ولا يحسن جعلها كلمتين من همزة استفهام للإنكار مع (لا) النافية.

والعرض على الضيف عقب وضع الطعام بين يديه زيادة في الإكرام بإظهار الحرص على ما ينفع الضيف وإن كان وضع الطعام بين يديه كافياً في تمكينه منه.

وقد اعتبر ذلك إذناً عند الفقهاء في الدعوة إلى الولائم بخلاف مجرد وجود مائدة طعام أو سُفرة، إذ يجوز أن تكون قد أعدت لغير المدعوّ.

والفاء في ﴿ فأوجس منهم خيفة ﴾ فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط المعنى، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة، كقوله: ﴿ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63]، وقد صرح بذلك في سورة هود ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه (أي إلى العجل) نِكرهم وأوجس منهم خيفة ﴾ [هود: 70].

و ﴿ أوجس ﴾ أحس في نفسه ولم يُظهر، وتقدم نظيره في سورة هود.

وقولهم له ﴿ لا تخف ﴾ لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف، وتقدم نظيره في سورة هود.

والغلام الذي بَشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة، وهو الذي وقعت البشارة به في هذه القصة في التوراة، ووصف هنا ب ﴿ عليم ﴾ ، وأما الذي ذُكرت البشارة به في سورة الصافات (101) فهو إسماعيل ووُصف ب ﴿ حليم ﴾ ولذلك فامرأة إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة، وهي التي ولدت بعد أن أيست، أما هاجر فقد كانت فتاةً ولَدت في مقتبل عمرها.

وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها بغلام، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه، قال تعالى في سورة هود (71) ﴿ وامرأتُه قائمة ﴾ وكان النساء يحضرن مجالس الرجال في بيوتَهن مع أزواجهن ويواكلنهم.

وفي الموطأ } : قال مَالك: لا بأس أن تحضر المرأة مع زوجها وضيفِه وتأكل معهم.

والصَّرة: الصياح، ومنه اشتق الصرير.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية وهي الملابسة.

والصك: اللطم، وصَكّ الوجه عند التعجب عادة النساء أيامئذٍ، ونظيره وضع اليد على الفم في قوله تعالى: ﴿ فردُّوا أيديهم في أفواههم ﴾ [إبراهيم: 9].

وقولُها ﴿ عجوز عقيم ﴾ خبر محذوف، أي أنا عجوز عقيم.

والعجوز: فعول بمعنى فاعل وهو يستوي في المذكر والمؤنث مشتق من العجز ويطلق على كبر السنّ لملازمة العجز له غالباً.

والعقيم: فعيل بمعنى مفعول، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوف مؤنث، مشتق من عَقمها الله، إذا خلقها لا تحمل بجنين، وكانت سارة لم تحمل قط.

وقول الملائكة ﴿ كذلِك قال ربكِ ﴾ الإشارة إلى الحادث وهو التبشير بغلام.

والكاف للتشبيه، أي مثل قولنا: قال ربك فنحن بلّغنا ما أمرنا بتبليغه.

وجملة ﴿ إنه هو الحكيم العليم ﴾ تعليل لِجملة ﴿ كذلك قال ربك ﴾ المتقضية أن الملائكة ما أخبروا إبراهيم إلا تبليغاً من الله وأن الله صادق وعده وأنه لا موقع لتعجب امرأة إبراهيم لأن الله حكيم يدبر تكوين ما يريده، وعليم لا يخفى عليه حالها من العجز والعقم.

وهذه المحاورة بين الملائكة وسارة امرأة إبراهيم وقعَ مثلها بينهم وبين إبراهيم كما قُصّ في سورة الحجر، فحُكي هنا ما دار بينهم وبين سارة، وحكي هناك ما دار بينهم وبين إبراهيم والمَقام واحد، والحالة واحدة كما بُيّن في سورة هود (72) ﴿ قالت يا ويلتى ءالِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب.

﴾ الجزء السابع والعشرون <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ قالَ عُثْمانُ بْنُ مُحْسِنٍ: كانُوا أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ورَفائِيلَ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ المُكْرَمِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عِنْدَ اللَّهِ المُعَظَّمُونَ.

الثّانِي: مُكْرَمُونَ لِإكْرامِ إبْراهِيمَ لَهم حِينَ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ عَطاءٌ: وكانَ إبْراهِيمُ إذا أرادَ أنْ يَتَغَذّى، أوْ يَتَعَشّى خَرَجَ المِيلَ والمِيلَيْنِ والثَّلاثَةَ، فَيَطْلُبُ مَن يَأْكُلُ مَعَهُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ إبْراهِيمُ يُكَنّى أبا الضِّيفانِ، وكانَ لِقَصْرِهِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ لِكَيْ ِلاَ يَفُوتُهُ أحَدٌ.

وَسُمِّيَ الضَّيْفُ ضَيْفًا، لِإضافَتِهِ إلَيْكَ وإنْزالِهِ عَلَيْكَ.

﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الأخْفَشُ، أيْ مُسالِمِينَ غَيْرَ مُحارِبِينَ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ.

الثّانِي: أنَّهُ دَعا لَهم بِالسَّلامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ بِالسَّلامِ تَقْتَضِي السُّكُونَ والأمانَ، قالَ الشّاعِرُ أظَلُومُ إنَّ مُصابَكم رَجُلًا أهْدى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلِمَ فَأجابَهم إبْراهِيمُ عَنْ سَلامَتِهِمْ بِمِثْلِهِ: ﴿ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ لِأنَّهُ رَآهم عَلى غَيْرِ صُورَةِ البَشَرِ وعَلى غَيْرِ صُورَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ كانَ يَعْرِفُهم، فَنَكِرَهم وقالَ ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ قَوْمٌ لا يُعْرَفُونَ.

الثّانِي: أيْ قَوْمٌ يُخافُونَ، يُقالُ أنْكَرْتُهُ إذا خِفْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَعَدَلَ إلى أهْلِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّهُ أخْفى مَيْلَهُ إلى أهْلِهِ.

﴿ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ أمّا العِجْلُ فَفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَجَّلُوا بِعِبادَتِهِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ عَجَّلَ في اتِّباعِ أُمِّهِ.

قالَ قَتادَةُ: جاءَهم بِعِجْلٍ لِأنَّ كانَ عامَّةُ مالِ إبْراهِيمَ البَقَرَ، واخْتارَهُ لَهم سَمِينًا زِيادَةً في إكْرامِهِمْ، وجاءَ بِهِ مَشْوِيًّا، وهو مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.

فَرَوى عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ أنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ، حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ، وأُمُّ العِجْلِ في الدّارِ.

﴿ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ، فَرَوى مَكْحُولٌ أنَّهم قالُوا لا نَأْكُلُهُ إلّا بِثَمَنٍ، قالَ كُلُوا فَإنَّ لَهُ ثَمَنًا، قالُوا وما ثَمَنُهُ؟

قالَ: إذا وضَعْتُمْ أيْدِيكم أنْ تَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وإذا فَرَغْتُمْ أنْ تَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، قالُوا: بِهَذا اخْتارَكَ اللَّهُ يا إبْراهِيمُ.

﴿ فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَأْكُلُوا، خافَ أنْ يَكُونَ مَجِيئَهم إلَيْهِ لِشَرٍّ يُرِيدُونَهُ بِهِ.

﴿ قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ مِن سارَّةَ، اسْتِشْهادًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ مِن هاجَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ عَلِيمٍ ﴾ أيْ يَرْزُقُهُ اللَّهُ عِلْمًا إذا كَبُرَ.

﴿ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرَّنَّةُ والتَّأوُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وشَرْبَةٍ مِن شَرابٍ غَيْرِ ذِي نَفَسٍ ∗∗∗ في صَرَّةٍ مِن تَخُومِ الصَّيْفِ وهّاجٍ الثّانِي: أنَّها الصَّيْحَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ أُخِذَ صَرِيرِ البابِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ فَألْحَقَهُ بِالهادِياتِ ودُونَهُ ∗∗∗ جَواحِرُها في صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّلْ الثّالِثُ: أنَّها الجَماعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، ومِنهُ المُصَرّاةُ مِنَ الغَنَمِ لِجَمْعِ اللَّبَنِ في ضَرْعِها.

وَسُمِّيَتْ صُرَّةِ الدَّراهِمِ فِيها، قالَ الشّاعِرُ رُبَّ غُلامٍ قَدْ صَرى في فَقْرَتِهِ ∗∗∗ ماءَ الشَّبابِ عُنْفَوانَ سَنْبَتِهْ وَأمّا قَوْلُهُ ﴿ فَصَكَّتْ وجْهَها ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَطَّخَتْ وجْهَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها ضَرَبَتْ جَبِينَها تَعَجُّبًا.

﴿ وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴾ أيْ، أتَلِدُ عَجُوزٌ عَقِيمٌ؟

قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين ﴾ قال: يقول: معتبر لمن اعتبر ﴿ وفي أنفسكم ﴾ قال: يقول: في خلقه أيضاً إذا فكر فيه معتبر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله وفي أنفسكم ﴿ أفلا تبصرون ﴾ قال: من تفكر في خلقه علم أنما لينت مفاصله للعبادة.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: سبيل الغائط والبول.

وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: سبيل الغائط والبول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: فيما يدخل من طعامكم وما يخرج والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ الآيتين.

أخرج ابن النقور والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ قال: المطر.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لأعرف الثلج وما رأيته في قول الله: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ قال: الثلج.

وأخرج أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ قال: المطر ﴿ وما توعدون ﴾ قال: الجنة والنار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية، قال: الجنة في السماء، وما توعدون من خير وشر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فورب السماء والأرض ﴾ الآية قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ قال: لكل شيء ذكره في هذه السورة.

أخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ﴾ قال: خدمته إياهم بنفسه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: أكرمهم إبراهيم بالعجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ﴾ قال: كان عامة مال إبراهيم البقر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبشروه بغلام عليم ﴾ قال: هو إسماعيل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ قال: في صيحة ﴿ فصكت ﴾ قال: لطمت.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ في صرة ﴾ قال: صيحة ﴿ فصكت وجهها ﴾ قال: ضربت بيدها على جبهتها وقالت: يا ويلتاه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن عجوز عقيم وعن الريح العقيم وعن عذاب يوم عقيم، فقال: العجوز العقيم التي لا ولد لها، وأما الريح العقيم فالتي لا بركة فيها ولا منفعة ولا تلقح، وأما عذاب يوم عقيم فيوم لا ليلة له.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ قال: لوط وابنتيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانوا ثلاثة عشر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ قال: لو كان فيها أكثر من ذلك لنجاهم الله ليعلموا أن الإِيمان عند الله محفوظ لا ضيعة على أهله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ قال: ترك فيها صخراً منضوداً.

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتولى بركنه ﴾ قال: بقومه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فتولى بركنه ﴾ قال: يعضده وأصحابه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو مليم ﴾ قال: مليم في عباد الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ﴾ الكلام في إعراب هذه الآية والقراءات فيها قد مر مستوفى في سورة هود [[عن تفسيره [هود: 69] ومما قال: (سلام) التقدير فيه سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله: (فصبر جميل) أي صبر جميل أمثل، أو يكون المعني سلام، وشأني كما أن قوله: (فصبر جميل) يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ.

ومثل ذلك قوله: ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ﴾ على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام == خبره.

اهـ.

وفي قوله (سلام) قرأ حمزة والكسائي (سِلْمُ) بكسر السين وإسكان اللام من غير ألف.

وقرأ الباقون (سلام) بفتح السين واللام وألف بعدها.

انظر: "حجة القراءات" 346، "النشر" 2/ 290، "الإتحاف" ص 258، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 60، "الحجة للقراء السبعة" 4/ 359.]].

قوله تعالى: ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ .

قال الفراء والزجاج: رفعه على معنى: أنتم قوم منكرون (١) وقال ابن عباس: قال في نفسه قوم منكرون (٢) ﴿ مُنْكَرُونَ ﴾ غير معروفين.

واختلفوا لم أنكرهم إبراهيم -  -؟

فقال مقاتل: ظن أنهم من الإنس.

أي ظنهم إنسًا ولم يعرفهم، فلذلك أنكرهم (٣) (٤) (١) انظر: "معاني القرآن للزجاج" 3/ 86، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.

(٢) "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب.

(٤) انظر: "تفسير القرآن العظيم" 5/ 272.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين ﴾ المراد بالاستفهام في مثل هذا التفخيم والتهويل، و ﴿ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هم الملائكة الذين جاؤوا ليبشروه بالولد وبإهلاك قوم لوط، ووصفهم بالمكرمين لأنهم مكرمون عند الله، ولأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم، لأنه خدمهم بنفسه وعجل لهم الضيافة، والعامل في ﴿ إِذْ دَخَلُواْ ﴾ على هذا: المكرمين، ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره: اذكر ﴿ فَقَالُواْ سَلاَماً ﴾ نصب هذا لأنه في معنى الطلب وهو مفعول بفعل مضمر، ورفع الثاني لأنه خبر تقديره: أمري سلام، وهذا على أن يكون السلام بمعنى السلامة، وإن كان بمعنى التحية فإنما رفع الثاني ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حياهم بأكثر مما حيوه، وينتصب السلام الأول على هذا على المصدرية تقديره: سلمنا عليك سلاماً، ويرتفع الثاني بالابتداء تقديره: سلام عليكم قوم منكرون أي لم يعرفهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه  بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار  ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.

عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.

فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟

قال: الرياح.

وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح  ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟

قال  : السحاب لأنها تحمل المطر.

وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.

قال: فالجاريات يسراً؟

قال  : الفلك والمراد جريان اليسر.

قال: فالمقسمات أمراً؟

قال  : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.

ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه  أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.

ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.

وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.

ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.

وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله  .

وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.

وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.

ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.

وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.

وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".

وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.

والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.

ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.

وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.

ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.

ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.

وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟

ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.

ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.

ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.

وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.

وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.

وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.

قال: إن فيض الله  لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.

وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.

ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.

وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.

وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.

ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.

وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.

وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.

ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.

ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.

ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.

ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة  ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.

قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.

وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.

وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.

والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.

وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.

والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.

ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.

وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.

الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال  " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال  : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.

وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.

وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.

ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة  ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى  ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.

وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.

ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.

وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.

وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.

قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.

وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.

﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.

وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.

ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب  .

و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.

قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟

قلت: من بني أصمع.

قال: من أين أقبلت؟

قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.

فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.

فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.

فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟

فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

ثم سلى نبيه  بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.

والضيف واحد.

وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون  ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.

قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.

وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.

﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.

والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.

قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.

قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.

وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.

﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟

فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".

والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.

وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟

فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.

فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.

وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة  ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.

قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.

قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.

قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه  ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.

والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.

وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به  كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.

فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.

والرميم ما رم وتفتت.

قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام  ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.

وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين  ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.

فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.

ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.

وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.

وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.

وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.

وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.

وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.

قال: كل اثنين منها زوج والله  فرد لا مثل له.

وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله  فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.

وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.

وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.

وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله  بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.

ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.

ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.

ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.

وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.

وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.

ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.

والمتين الشديد القوة.

ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.

واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام من الله  على الايجاب والإلزام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ ، يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد آتاك حديث ضيف إبراهيم، فحاج به أولئك، وخاصمهم.

والثاني: لم يأتك بعد، ولكن سيأتيك حديث ضيف إبراهيم، فإذا أتاك به فحاج على أولئك الكفرة به، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ دل على أن اسم الضيف يقع على من يطعم ويتناول، وعلى من لا يطعم ولا يتناول؛ لأنه سمى الملائكة: ضيف إبراهيم، وإن لم يطمعوا، ولم يكن غذاؤهم الطعام.

وفيه أن الضيف اسم يقع على العدد والجماعة.

وقوله: ﴿ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ سماهم: مكرمين؛ لأن إبراهيم -  - كان يخدمهم ويقوم بين أيديهم؛ وذلك هو الإكرام الذي صاروا به مكرمين.

ويحتمل أن سماهم: مكرمين؛ لأنهم كانوا أهل كرم وشرف عند الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ  ﴾ .

ذكر هاهنا سلام الملائكة - عليهم السلام - ولم يذكر سلام إبراهيم صلوات الله عليه إنما ذكر وجله منهم، وذكر في الأول سلام الملائكة عليهم السلام وسلام إبراهيم -  - وذكر إنهم قوم منكرون، وقال في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ قال بعضهم: إنما أوجس منهم الخيفة؛ لما خشى أن يكونوا سراقا لأنه كان بين إبراهيم -  - وبين الذي انتابوا منه بصرف بعدي ما يحتاج المنتاب إلى طعام، فإذا امتنعوا عنه خاف أن يكونوا [سراقا]؛ إذ لا يمتنع عن التناول إلا السراق.

لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه قد كان منهم السلام، والسلام أحد علامات الأمكان لكن يكون خوفه بعدما عرف أنهم ملائكة؛ لما علم أن الملائكة - عليهم السلام - لا ينزلون إلا لأمر عظيم لإهلاك قوم أو لتعذيب أمة، كقوله  : ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ  ﴾ ، وقوله عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ  ﴾ هذا يحتمل، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا إخباراً من الله  أنهم قوم منكرون؛ أي: غير معروفين عندنا، لم ينعرفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ .

قيل: راغ: مال.

لكن قوله: ﴿ فَرَاغَ ﴾ أي: مال إلى أهله على خفاء من أضيافه وسر منهم؛ ولذلك سمي الطريق المختفي: رائغا، وهو من روغان الثعلب.

وقيل: زائغاً بالزاي.

وذكر محمد في بعض كتبه: "في زائغة مستطيلة"، وقيلأ: رائغة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ ، قوال في موضع آخر ﴿ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ  ﴾ والحنيذ: هو المشوي.

وقيل: هو الذي يشوي في الأرض بغير تنور، والله أعلم.

وقال بعضهم: الحنيذ: الذي أنضج بالحجارة.

وقيل: الحنيذ: هو الصغير الذي كان غذاؤه اللبن لا غير، والله أعلم.

وما ذكر أهل التأويل في قصة إبراهيم -  - "أنه لما قرب إليهم العجل قالوا: لا تأكله إلا بثمن، قال: قللوه وأدوا، قالوا: وما ثمنه؟

قال: تسمون الله -  - جل وعلا - إذا أكلتم، وتحمدونه إذا تركتم، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: لهذا أتخذك الله خليلا"، وغير ذلك من الكلام فنحن لا نذكر إلا قدر ما ذكره في الكتاب؛ مخالفة أن ندخل الزيادة والنقصان عما في كتبهم ويجد أهل الإلحاد في ذلك مقالا، وهذه الأنباء إنما ذكرت حجة لرسول الله  في إثبات الرسالة، فإذا قيل في ذلك ما يخاف أن يكون في ذلك زيادة أو نقصان عما في كتبهم، كان الإمساك الكف عنه أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ ؛ لما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ لا لذلك أرسلنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عَلِيمٍ ﴾ وجهين: أحدهما: أي: بشروه بغلام يصير عليما إذا كبر.

والثاني: بشروه بغلام يولد عليما، يؤتيه الله  علما في بطن أمه، وإذا ولد في صغره، ولله أن يؤتي العلم من يشاء في حال الصغر ةالكبر؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل - في عيسى -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً  ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل هذا والله أعلم.

ثم ذلك الغلام هو إسحاق -  - لأنه بين في آية أخرى فيمن كانت البشارة؛ حيث قا ل: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ  ﴾ ؛ دل أن البشارة إنما كانت بإسحاق.

ثم ذكر في سورة هو -  - البشارة لامرأته، حيث قال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ  ﴾ ، وذكر في هذه السورة البشارة لإبراهيم -  - بقوله ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ﴾ ، لكن جائز أنه لما بشرها بالولد، بشرها بالولد منه، فإذا بشر إبراهيم -  - بالولد منها، وإذا بشر أحدهما بالولد من الآخر، فتكن البشارة لهم جميعاً، والله أعلم.

قال أبو بكر الأصم: دل قوله  : ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ...

 ﴾ إلى أن قال: ﴿ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً  ﴾ : إسحاق أكبر من إسماعيل، لأنها لما بشرت بالولد أخبر أنها عجوز، وأنها عقيم وأن بعلها شيخ ولو كان إسماعيل هو الأول، وكان الآخر على قرب منه ليس بينهما زمان مديد، لم يكن يبلغ إبراهيم -  - في ذلك المقدار من الوقت ما يخبر عن إياس الولد منه؛ دل أن إسحاق هو المقدم، وأنه كان أكبر من إسماعيل -  -.

إلا أن هذا خلاف ما عليه أهل التأويل: أن إسماعيل -  - كان أكبر من إسحاق  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ﴾ .

ذكر هاهنا الإقبال، وقال في آية أخرى في سورة هود: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ  ﴾ ، فجائز أنيكون على حقيقة الإقبال، ولكن لما ذكر فعلها - وهي الصرة، وصك الوجه - ذكر الإقبال، غير أن كان منها الإقبال من المكان أي: أقبلت فصكت وجهها في صرة؛ كما قال - عز جل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ أمر بالرؤية النظر غلى الفعل الذي ذكر، وهو مد الظل، وإذا ذكر النفس دون الفعل، فالمراد منه النظر إلى نفسه لا غير، والله أعلم، فعلى ذلك هذا.

ثم قوله -  -: ﴿ فِي صَرَّةٍ ﴾ أي: في ضجة.

وقوله: ﴿ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ﴾ ، أي: ضربت وجهها بيدها؛ تعجبا منها بتلك البشارة التي بشرت بالولادة.

وقوله: ﴿ وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴾ ، وكانت كما أخبرت عجوزا عقيما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ ﴾ .

أي: على علم بالحال التي أنت [عليها]، بشرت بذلك، لا عن جهل.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: حكيم، واضع الولد في موضعه، العليم بمصالح الأمور وعواقبها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ أي: ما شأنكم؟

ولأي أمر أرسلتم: بالبشارة خاصة، أو لأمر آخر، أو لهما جميعاً؟

فأجابوا: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ ؛ كأن الاستثناء هاهنا لم يكن مذكورا في خبر الملائكة وإنما ذكر في الخبر الذي قال إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ  ﴾ ، فدل ذكر الثنيا منهم بعد سؤال إبراهيم -  - وإخباره إياهم: أن فيها لوطا: أن تأخير البيان عن الكلام جائز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ﴾ ، دل قوله  : ﴿ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ﴾ على أن ما ذكر في آية أخرى: ﴿ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ  ﴾ : أن السجيل ليس هو اسم المكان على ما ذكر بعض أهل التأويل، ولكن السجيل اسم الطين؛ على ما ذكره هاهنا، وهو طين مطبوخ كالآجر؛ إلا أن يقال: هو طين حمل من مكان يسمى: سجيلا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ أي: معلمة ﴿ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ .

ثم الإعلام يحتمل وجهين: أحدهما: معلمة: مسومة باسم من تقع عليه ويهلك بها، أي: مكتوب عليها اسمه.

والثاني: معلمة في نفسها حتى يعلم كل أحد: أنها الهلاك جاءت، وأنها أرسلت لذلك مخالفة لسائر الأحجار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ كناية عن قرية لوط.

وقوله: ﴿ غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ هو منزل لوط -  - دل تسمية الملائكة - عليهم السلام - إياهم: مؤمنين، ومسلمين على أن الإسلام والإيمان واحد، وقد بينا جهة الاتحاد في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً ﴾ ، أي: تركنا في قريات لوط -  - التي أهلكتها آية عبرة لمن بعدهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾ أي: إنكم لتمرون على أولئك الذين أهلكوا أو عذبوا بالليل والنهار، تعلمون أنهم بم أهلكوا؟

وبم عذبوا؟

بالتكذيب والعناد، والذيثن نجوا إنما نجوا بالتصديق والإسلام، وذلك آية لمن بعدهم.

ثم قال: ﴿ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ أي: يكون ذلك آية للذين يخافون العذاب الأليم، وهم المؤمنون، أي: هم المنتفعون بها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حين دخلوا عليه فقالوا له: سلامًا، قال إبراهيم ردًّا عليهم: سلام، وقال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.L3dAm"

مزيد من التفاسير لسورة الذاريات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله