الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٣٧ من سورة الذاريات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ) أي : جعلناها عبرة ، لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل ، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة ، ففي ذلك عبرة للمؤمنين ، ( للذين يخافون العذاب الأليم )
قال الله : ( وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ ) وقوله : ( وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ ) يقول: وتركنا في هذه القرية التي أخرجنا من كان فيها من المؤمنين آية, وقال جلّ ثناؤه : ( وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً ) والمعنى: وتركناها آية لأنها التي ائتفكت بأهلها, فهي الآية, وذلك كقول القائل: ترى في هذا الشيء عبرة وآية; ومعناها: هذا الشيء آية وعبرة, كما قال جلّ ثناؤه لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ .
وهم كانوا الآيات وفعلهم, ويعني بالآية: العظة والعبرة, للذين يخافون عذاب الله الأليم في الآخرة.
قوله تعالى : وتركنا فيها آية أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم ; نظيره : ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون .
ثم قيل : الآية المتروكة نفس القرية الخربة .
وقيل : الحجارة المنضودة التي رجموا بها هي الآية .للذين يخافون لأنهم المنتفعون .
{ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } يعتبرون بها ويعلمون، أن الله شديد العقاب، وأن رسله صادقون، مصدقون.فصل في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة من الحكم والأحكاممنها: أن من الحكمة، قص الله على عباده نبأ الأخيار والفجار، ليعتبروا بحالهم وأين وصلت بهم الأحوال.ومنها: فضل إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، حيث ابتدأ الله قصته، بما يدل على الاهتمام بشأنها، والاعتناء بها.ومنها: مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله هذا النبي وأمته، أن يتبعوا ملته، وساقها الله في هذا الموضع، على وجه المدح له والثناء.ومنها: أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام، بالقول، والفعل، لأن الله وصف أضياف إبراهيم، بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة، قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضًا عند الله تعالى.ومنها: أن إبراهيم عليه السلام، قد كان بيته، مأوى للطارقين والأضياف، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب، في الابتداء السلام فرد عليهم إبراهيم سلامًا، أكمل من سلامهم وأتم، لأنه أتى به جملة اسمية، دالة على الثبوت والاستمرار.ومنها: مشروعية تعرف من جاء إلى الإنسان، أو صار له فيه نوع اتصال، لأن في ذلك، فوائد كثيرة.ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام، حيث قال: { قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } ولم يقل: { أنكرتكم } [وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى].ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها، لأن خير البر عاجله [ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قرى أضيافه].ومنها: أن الذبيحة الحاضرة، التي قد أعدت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له، ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من الإكرام، كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون.ومنها: ما من الله به على خليله إبراهيم، من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا عنده وفي بيته معدًا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق، أو الجيران، أو غير ذلك.ومنها: أن إبراهيم، هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيف الضيفان.ومنها: أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: { تفضلوا، أو ائتوا إليه } لأن هذا أيسر عليهم وأحسن.ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين، خصوصًا، عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: { أَلَا تَأْكُلُونَ } ولم يقل: { كلوا } ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: { أَلَا تَأْكُلُونَ } فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة، ما هو المناسب واللائق بالحال، كقوله لأضيافه: { ألا تأكلون } أو: \"ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا \" ونحوه.ومنها: أن من خاف من الإنسان لسبب من الأسباب، فإن عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمن روعه، ويسكن جأشه، كما قالت الملائكة لإبراهيم [لما خافهم]: { لَا تَخَفْ } وأخبروه بتلك البشارة السارة، بعد الخوف منهم.ومنها: شدة فرح سارة، امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى، من صك وجهها، وصرتها غير المعهودة.ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة، من البشارة، بغلام عليم.
( وتركنا فيها ) أي في مدينة قوم لوط ( آية ) عبرة ( للذين يخافون العذاب الأليم ) أي : علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم .
«وتركنا فيها» بعد إهلاك الكافرين «آية» علامة على إهلاكهم «للذين يخافون العذاب الأليم» فلا يفعلون مثل فعلهم.
وتركنا في القرية المذكورة أثرًا من العذاب باقيًا علامة على قدرة الله تعالى وانتقامه من الكفرة، وذلك عبرة لمن يخافون عذاب الله المؤلم الموجع.
ثم بين - سبحانه - أنه قد ترك من وراء هلاكهم ما يدعو غيرههم إلى الاعتبار بهم فقال : ( وَتَرَكْنَا فِيهَآ ) أى : فى قرية قوم لوط التى جعل الملائكة عاليها سافلها ( آيَةً ) أى : علامة تدل على ما أصابهم من هلاك ، قيل : هى تلك الأحجار التى أهلكوا بها .وهذه الآية إنما هى ( لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم ) لأنهم هم الذين يعتبرون وينتفعون بها ، أما غيرهم من الذين استحوذ عليهم الشيطان ، فإن هذه الآيات لا تزيدهم إلا رجسا على رجسهم .
وفي الآية خلاف.
قيل: هو ماء أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك، وقيل: حجارة مرمية في ديارهم وهي بين الشام والحجاز، وقوله: ﴿ لّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم ﴾ أي المنتفع بها هو الخائف، كما قال تعالى: ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ في سورة العنكبوت، وبينهما في اللفظ فرق قال هاهنا: ﴿ ءايَةً ﴾ وقال هناك: ﴿ آية بيّنة ﴾ وقال هناك: ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ لّلَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ فهل في المعنى فرق؟
نقول هناك مذكور بأبلغ وجه يدل عليه قوله تعالى: ﴿ آية بيّنة ﴾ حيث وصفها بالظهور، وكذلك منها وفيها فإن من للتبعيض، فكأنه تعالى قال: من نفسها لكم آية باقية، وكذلك قال: ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فإن العاقل أعم من الخائف، فكانت الآية هناك أظهر، وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم، وهاهنا تسلية القلب ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ وقال هناك: ﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ من غير بيان وافٍ بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم.
<div class="verse-tafsir"
لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله رسلاً في بعض الأمور ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ أي: فما شأنكم وما طلبكم ﴿ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ إلى قوم لوط ﴿ حِجَارَةً مّن طِينٍ ﴾ يريد: السجيل، وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ معلمة، من السومة، وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به.
وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب.
وقيل: بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا.
سماهم مسرفين، كما سماهم عادين، لإسرافهم وعدوانهم في عملهم: حيث لم يقنعوا بما أبيح لهم.
الضمير في ﴿ فِيهَا ﴾ للقرية، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة.
وفيه دليل على أنّ الإيمان والإسلام واحد، وأنهما صفتا مدح.
قيل: هم لوط وابنتاه.
وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشرة.
وعن قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم، ليعلموا أن الإيمان محفوظ لا ضيعة على أهله عند الله ﴿ ءَايَةً ﴾ علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم.
قال ابن جريج: هي صخر منضود فيها.
وقيل: ماء أسود منتن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها ﴾ في قُرى قَوْمِ لُوطٍ وإضْمارُها ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُها لِكَوْنِها مَعْلُومَةً.
﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ مِمَّنْ آمَنَ بِلُوطٍ.
﴿ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ غَيْرَ أهْلِ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى اتِّحادِ الإيمانِ والإسْلامِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي إلّا مِن صِدْقِ المُؤْمِنَ والمُسْلِمَ عَلى مَنِ اتَّبَعَهُ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي اتِّحادَ مَفْهُومَيْهِما لِجَوازِ صِدْقِ المَفْهُوماتِ المُخْتَلِفَةِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ.
﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً ﴾ عَلامَةً.
﴿ لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُعْتَبِرُونَ بِها وهي تِلْكَ الأحْجارُ، أوْ صَخْرٌ مَنضُودٌ فِيها أوْ ماءٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ.
<div class="verse-tafsir"
{وتركنا فيها} في قراهم {آية لّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم} علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم قيل هي ماء أسود منتن
﴿ وتَرَكْنا فِيها ﴾ أيْ في القُرى ﴿ آيَةً ﴾ عَلامَةً دالَّةً عَلى ما أصابَهم مِنَ العَذابِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي أحْجارٌ كَثِيرَةٌ مَنضُودَةٌ، وقِيلَ: تِلْكَ الأحْجارُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، وقِيلَ: ماءٌ مُنْتِنٌ قالَ الشِّهابُ: كَأنَّهُ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ ( فِيها ) عائِدًا عَلى الإهْلاكَةِ الَّتِي أُهْلَكُوا فَإنَّها مِن أعاجِيبِ الإهْلاكِ بِجَعْلِ أعالِي القَرْيَةِ أسافِلَ، وإمْطارِ الحِجارَةِ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ ﴿ لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَخافُوهُ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ دُونَ مَن عَداهم مِن ذَوِي القُلُوبِ القاسِيَةِ فَإنَّهم لا يَعْتَدُّونَ بِها ولا يَعُدُّونَها آيَةً <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أقسم الرب بنفسه إِنَّهُ لَحَقٌّ يعني: ما قسمت من الرزق لكائن مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ يعني: كما تقولون لا إله إلا الله، أو يعني: كما أن قولكم لا إله إلا الله حق، كذلك قولي سأرزقكم حق.
ويقال: معناه كما أن الشهادة واجبة عليكم، فكذلك رزقكم واجب علي.
ويقال: معناه هو الذي ذكر في أمر الآيات، والرزق حق.
يعين: صدق مثل ما أنكم تنطقون.
وروي عن النبي أنه قال: «أَبَى ابْنُ آدَمَ أنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ حتّى أقسم له، فو ربّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ» .
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ بضم اللام.
والباقون: بالنصب.
فمن قرأ بالضم، فهو نعت بالحق، وصفه له.
ومن قرأ بالنصب، فهو على التوكيد على معنى أنه لحق حقاً مثل نطقكم.
قوله عز وجل: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ يعني: جاء جبريل مع أحد عشر ملكاً عليهم السلام المكرمين، أكرمهم الله تعالى، وقال: أكرمهم إبراهيم، وأحسن عليهم القيام، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً فسلموا عليه، فرد عليهم السلام قالَ سَلامٌ قرأ حمزة، والكسائي، قال: سلم أي: أمري سلم.
والباقون سَلامٌ أي: أمري سَلامٌ أي: صلح.
ثم قال: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ يعني: أنكرهم، ولم يعرفهم.
وقال كانوا لا يسلمون في ذلك الوقت، فلما سمع منهم السلام أَنْكَرَهُمْ.
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ يعني: عهد إلى أهله.
ويقال: عدل، ومال إلى أهله.
ويقال: عدل من حيث لا يعلمون لأي شيء عدل.
يقال: راغ فلان عنا، إذا عدل عنهم من حيث لا يعلمون.
فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قال بعضهم: كان لبن البقرة كله سمناً، فلهذا كان العجل سميناً فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ فلم يأكلوا فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ فقالوا: نحن لا نأكل بغير ثمن.
فقال إبراهيم: كلوا، فاعطوا الثمن.
قالوا: وما ثمنه؟
فقال: إذا أكلتم، فقولوا بسم الله.
وإذا فرغتم، فقولوا: الحمد لله، فتعجبت الملائكة- عليهم السلام- لقوله، فلما رآهم لا يأكلون فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: أظهر في نفسه خيفة.
ويقال: ملأ عنهم خيفة، فلما رأوه يخاف قالُوا لاَ تَخَفْ منا يعني: لا تخشى منا وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ يعني: إسحاق فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ يعني: أخذت امرأته في صيحة فَصَكَّتْ وَجْهَها يعني: ضربت بيديها، خديها تعجباً وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ يعني: عجوزاً عاقراً لم تلد قط، كيف يكون لها ولد؟
فقال لها جبريل: قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ يكون لك ولد هُوَ الْحَكِيمُ في أمره.
حكم بالولد بعد الكبر الْعَلِيمُ عليم بخلقه.
ويقال: عليم بوقت الولادة.
فلما رآهم أنهم الملائكة قالَ لهم فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ يعني: ما أمركم، وما شأنكم، ولماذا جئتم أيها المرسلون؟
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا يعني: قال جبريل أرسلنا الله تعالى إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني: قوم كفار مشركين لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ يعني: لكي نرسل عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مطبوخ، كما يطبخ الآجر مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ يعني: معلمة.
وقال: مخططة بسواد، وحمرة.
ويقال: مكتوب على كل واحد اسم صاحب الذي يصيبه.
ثم قال: عِنْدَ رَبِّكَ يعني: جاءت الحجارة من عند ربك للمشركين، فاغتم إبراهيم لأجل لوط.
قال الله تعالى: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي: في قريات لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: غير بيت لوط.
قوله عز وجل: وَتَرَكْنا فِيها آيَةً يعني: أبقينا في قريات لوط آية.
يعني: عبرة في هلاكهم من بعدهم.
ثم قال: لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعني: العذاب الشديد.
<div class="verse-tafsir"
والصَّرَّةُ: الصيحة «١» كذا فسره ابن عباس وجماعة، قال الطبريُّ عن بعضهم «٢» : قَالَتْ:
«أَوَّهْ» بِصِيَاحٍ وتَعَجُّبٍ وقال النَّحَّاسُ: فِي صَرَّةٍ في جماعة نسوة.
وقوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها: معناه: ضربْت وَجْهَهَا استهوالاً لما سمعت، وقال سفيان وغيره: ضَرَبَتْ بِكَفِّهَا جبهتها «٣» ، وهذا مُسْتَعْمَلٌ في الناس حَتَّى الآن، وقولهم:
كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي: كقولنا الذي أخبرناك.
وقوله تعالى: حِجارَةً مِنْ طِينٍ بيانٌ يخرج عن مُعْتَادِ حجارة البرَد التي هي من ماء، ويُرْوَى أَنَّه طين طُبِخَ في نار جَهَنَّمَ حَتَّى صار حجارة كالآجر، ومُسَوَّمَةً نعت لحجارة، ثم أخبر تعالى أَنَّه أخرج بأمره مَنْ كان في قرية «لوط» مِنَ المؤمنين، منجياً لهم، وأعاد الضمير على القرية، / وإنْ لم يجرِ لها قبل ذلك ذكر لشهرة أمرها، قال المفسرون:
لاَ فَرْقَ بين تقدُّمِ ذكر المؤمنين وتأخُّرِهِ وإِنَّمَا هما وصفانِ ذَكَرَهُمْ أَوَّلاً بأحدهما، ثم آخراً بالثَّاني، قيل: فالآية دالَّةٌ على أَنَّ الإيمان هو الإسلام، قال ع «٤» : ويظهر لي أَنَّ في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان وذلك أَنَّهُ ذكره مع الإخراج من القرية، كأَنَّهُ يقول:
نفذ أمرنا بإخراج كُلِّ مؤمن، ولا يُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون عاملاً بالطاعات بلِ التصديق باللَّه فقط، ثم لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملةُ التصديق والأعمالِ، والبيتُ من المسلمين هو بيتُ لوط ع وكان هو وابنتاه، وفي كتاب الثعلبيِّ: وقيل: لوط وأهل بيته ثلاثةَ عَشَرَ، وهلكت امرأتُه فيمن هلك، وهذه القصة ذُكِرَتْ على جهة ضرب المثل لقريش، وتحذيراً أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب هؤلاء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ ﴾ "هَلْ" بِمِعى "قَدْ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: قَدْ أتاكَ فاسْتَمِعْ نَقْصُصْهُ عَلَيْكَ، وضَيْفُهُ: هُمُ الَّذِينَ جاؤُوا بِالبُشْرى.
وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في [هُودٍ: ٧٠]، وذَكَرَنا هُناكَ مَعْنى الضَّيْفِ.
وَفِي مَعْنى "المُكْرَمِينَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ أكْرَمَهم بِالعِجْلِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِأنْ خَدَمَهم هو وامْرَأتُهُ بِأنْفُسِهِما، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم مُكْرَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.
والرّابِعُ: لِأنَّهم أضْيافٌ، والأضْيافُ مُكْرَمُونَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا سَلامًا ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [هُودٍ: ٧٠] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ عَلى مَعْنى: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في سَبَبِ إنْكارِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِأنَّهم سَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ سَلامَهم في ذَلِكَ الزَّمانِ وفي تِلْكَ الأرْضِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: لِأنَّهم دَخَلُوا [عَلَيْهِ] مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى فِيهِمْ صُورَةَ البَشَرِ وصُورَةَ المَلائِكَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَراغَ إلى أهْلِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَدَلَ إلَيْهِمْ في خُفْيَةٍ، ولا يَكُونُ الرَّواغُ إلى أنْ تُخْفِيَ ذَهابَكَ ومَجِيئَكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ وكانَ مَشْوِيًّا ﴿ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ لِيَأْكُلُوا مِنهُ، فَلَمْ يَأْكُلُوا، فَقالَ: ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ؟!
عَلى النَّكِيرِ، أيْ: أمْرُكم في تَرْكِ الأكْلِ مِمّا أُنْكِرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧٠]، وذَكَرْنا مَعْنى: "غُلامٍ عَلِيمٍ" في [الحِجْرِ: ٥٤] .
﴿ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ ﴾ وهِيَ: سارَّةُ.
قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تُقْبِلْ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وإنَّما هو كَقَوْلِكَ: أقْبَلَ يَشْتُمُنِي، وأقْبَلَ يَصِيحُ ويَتَكَلَّمُ، أيْ: أخَذَ في ذَلِكَ، والصَّرَّةُ: الصَّيْحَةُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرَّةُ: شِدَّةُ الصَّوْتِ.
وَفِيما قالَتْ في صَيْحَتِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَأوَّهَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها قالَتْ: يا ويْلَتا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَكَّتْ وجْهَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَطَمَتْ وجْهَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ضَرَبَتْ جَبِينَها تَعْجُّبًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
ومَعَنى الصَّكِّ: ضَرْبُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ العَرِيضِ.
﴿ وَقالَتْ عَجُوزٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ "أتَلِدُ عَجُوزٌ" .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنا عَجُوزٌ عَقِيمٌ، فَكَيْفَ ألِدُ؟!
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى العَقِيم في [هُودٍ: ٧٢] .
﴿ قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ ﴾ أنَّكِ سَتَلِدِينَ غُلامًا؛ والمَعْنى: إنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو حَكِيمٌ عَلِيمٌ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ العَقِيمَ ولُودًا فَعَلِمَ [حِينَئِذٍ] إبْراهِيمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ.
﴿ قالَ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الحِجْرِ: ٥٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِجارَةً مِن طِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الآجُرُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها ﴾ أيْ: مِن قُرى لُوطٍ (مِنَ المُؤْمِنِينَ) وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ الآيَةُ: [هُودٍ: ٨٢] .
﴿ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ وهو لُوطٌ وابْنَتاهُ، وصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالإيمانِ والإسْلامِ، لِأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُسْلِمٌ.
﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً ﴾ أيْ: عَلامَةً لِلْخائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَدُلُّهم عَلى أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [ العَنْكَبُوتِ: ٣٥ ] وبَيَّنّا المَكْنِيِّ عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ ﴾ ﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَمِيمِ ﴾ ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ فَعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ المَعْنى: وتَرَكْنا في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ -وَهِيَ سَدُومُ- أثَرًا مِنَ العَذابِ باقِيًا مُؤَرَّخًا لا يَفْنى ذِكْرُهُ، فَهو آيَةٌ -أيْ: عَلامَةٌ- عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَرَكْنا في أمْرِها، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَرَكَ فِيها حَجَرًا مَنضُودًا كَثِيرًا جِدًّا، و( الَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ ) هُمُ العارِفُونَ بِاللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي مُوسى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها"، أيْ: وتَرَكْنا في مُوسى وقِصَّتِهِ أثَرًا أيْضًا هو آيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ ، وفِرْعَوْنُ هو صاحِبُ مِصْرَ، و"السُلْطانُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الحُجَّةُ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ أعْرَضَ وأدْبَرَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"رُكْنِهِ": سُلْطانُهُ وجُنْدُهُ وشِدَّةُ أمْرِهِ، وهو الأمْرُ الَّذِي يَرْكَنُ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ ويَسْنِدُ في شَدائِدِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "بِرُكْنِهِ": بِجُمُوعِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بِقَوْمِهِ، وقَوْلُ فِرْعَوْنَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ" هو تَقْسِيمُ ظَنٍّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" هُنا بِمَعْنى "الواوِ"، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ: أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أو رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا؟
والخِشابُ: بُيُوتٌ في بَنِي تَمِيمٍ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ لا داعِيَةَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، "وَنَبَذْناهُمْ" مَعْناهُ: طَرَحْناهم و"اليَمُّ": البَحْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَبَذْناهُ"، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها ما يُلامُ عَلَيْهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: .........................
∗∗∗ ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي عادٍ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "وَفِي مُوسى".
وعادٍ هي قَبِيلَةُ هُودٍ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَقِيمَ" مَعْناهُ: الَّتِي لا بَرَكَةَ فِيها، لا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تَسُوقُ مَطَرًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ نَكْباءَ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ يُرادُّ قَوْلَ النَبِيِّ : « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُّورِ"،» و"تَذَرُ" مَعْناهُ: تَدَعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي مِمّا أذِنَ اللهُ تَعالى لَها في إهْلاكِهِ، و"الرَمِيمُ": الفانِي المُتَقَطِّعُ يَبِسًا أو قِدَمًا مِنَ الأشْجارِ والوَرَقِ والحِبالِ أوِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ، أيْ في قِوامِ الرَمادِ، ورُوِيَ حَدِيثٌ: « "إنَّ تِلْكَ الرِيحَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى الناسِ فِيهِمُ العادِيَّ وغَيْرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العادِيَّ مِن بَيْنِ الناسِ وتَذْهَبُ بِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: قِيلَ لَهم في أوَّلِ بَعْثِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: آمِنُوا وأطِيعُوا فَتَمَتَّعُوا مَتاعًا حَسَنًا إلى آجالِكُمْ، وهو "الحِينُ" عَلى هَذا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ حَكاهُ عَنِ الرُمّانِيِّ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" مُرَتَّبًا لَفْظًا في الآيَةِ ومَعْنى في الوُجُودِ مُتَأخِّرًا عَنِ القَوْلِ لَهم "تَمَتَّعُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إذْ قِيلَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ ، وهي "الحِينُ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" غَيْرُ مُرَتَّبِ المَعْنى في وُجُودِهِ، لِأنَّ عُتُوَّهم كانَ قَبْلَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "تَمَتَّعُوا"، وكَأنَّ المَعْنى: فَكانَ مِن أمْرِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ عُتُوًّا، وهو السَبَبُ في أنْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ وعُذِّبُوا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "الصاعِقَةُ"، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: "الصَعْقَةُ"، وَهِيَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الصَيْحَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْوَقْعَةِ الشَدِيدَةِ مِنَ الرَعْدِ: صاعِقَةٌ، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَها النارُ الَّتِي يُرْوى في الحَدِيثِ أنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ مَلِكٍ يَسُوقُ السَحابَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَنْظُرُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَجْأةً وهم يُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ حالَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وهم يَنْظُرُونَ ذَلِكَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَلاثَةِ الَّتِي أُعْلِمُوا بِهِ فِيها ورَأوا عَلاماتِهِ في تَلَوُّنِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ حَسَبَ تَقَدُّمِ تَفْسِيرِهِ، وانْتِظارُهُمُ العَذابَ هو أشَدُّ مِنَ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة ليست من حكاية كلام الملائكة بل هي تذييل لقصة محاورة الملائكة مع إبراهيم، والفاء في ﴿ فأخرجنا ﴾ فصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر هو ما ذُكر في سورة هود من مجيء الملائكة إلى لوط وما حدث بينه وبين قومه، فالتقدير: فحَلُّوا بقرية لوط فأمرناهم بإخراج من كان فيها من المؤمنين فأخرجوهم.
وضمير «أخرجنا» ضمير عظمة الجلالة.
وإسناد الإِخراج إلى الله لأنه أمر به الملائكة أن يبلغوه لوطاً، ولأن الله يسّر إخراج المؤمنين ونجاتهم إذْ أخّر نزول الحجارة إلى أن خرج المؤمنون وهم لوط وأهله إلا امرأته.
وعبر عنهم ب ﴿ المؤمنين ﴾ للإِشارة إلى أن إيمانهم هو سبب نجاتهم، أي إيمانهم بلوط.
والتعبير عنه ب ﴿ المسلمين ﴾ لأنهم آل نبيء وإيمان الأنبياء إِسلام قال تعالى: ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيّ إن اللَّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132].
وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى القرية ولم يتقدم لها ذكر لكونها معلومة من آيات أخرى كقوله: ﴿ ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ﴾ [الفرقان: 40].
وتفريع ﴿ فما وجدنا ﴾ تفريع خبر على خبر، وفعل ﴿ وجدنا ﴾ معنى علمنا لأن (وجد) من أخوات (ظن) فمفعوله الأول قوله: ﴿ من المسلمين ﴾ و(من) مزيدة لتأكيد النفي وقوله: ﴿ فيها ﴾ في محل المفعول الثاني.
وإنما قال: ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ دون أن يقول: فأخرجنا لوطاً وأهل بيته قصداً للتنويه بشأن الإِيمان والإِسلام، أي أن الله نجّاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم لا لأجل أنهم أهل لوط، وأن كونهم أهل بيت لوط لأنهم انحصر فيهم وصف ﴿ المؤمنين ﴾ في تلك القرية، فكان كالكلي الذي انحصر في فرد معين.
والمؤمن: هو المصدق بما يجب التصديق به.
والمسلم المنقاد إلى مقتضى الإِيمان ولا نجاة إلا بمجموع الأمرين، فحصل في الكلام مع التفنن في الألفاظ الإِشارة إلى التنويه بكليهما وإلى أن النجاة باجتماعهما.
والآية تشير إلى أن امرأة لوط كانت تظهر الانقياد لزوجها وتضمر الكفر وممالأة أهل القرية على فسادهم، قال تعالى: ﴿ ضرب اللَّه مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ﴾ [التحريم: 10] الآية، فبيت لوط كان كله من المسلمين ولم يكن كله من المؤمنين فلذلك لم ينج منهم إلا الذين اتصفوا بالإِيمان والإِسلام معاً.
والوجدان في قوله: ﴿ فما وجدنا ﴾ مراد به تعلّق علم الله تعالى بالمعلوم بعد وقوعه وهو تعلق تنجيزي، ووجدان الشيء إدراكه وتحصيله.
ومعنى ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ : أن القرية بقيت خراباً لم تعمر، فكان ما فيها من آثار الخراب آية للذين يخافون عذاب الله، قال تعالى في سورة الحجر (76) ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ أو يعود الضمير إلى ما يؤخذ من مجموع قوله: ﴿ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ [الذاريات: 32] على تأويل الكلام بالقصة، أي تركنا في قصتهم.
والترك حقيقته: مفارقة شخص شيئاً حصل معه في مكان ففارق ذلك المكان وأبقى منه ما كان معه، كقول عنترة: فتركتُه جَزر السباع ينُشْنَه *** ويطلق على التسبب في إيجاد حالة تطول، كقول النابغة: فلا تتركَنّي بالوعيد كأنني *** إلى الناس مطليُّ به القارُ أجرب بتشبيه إبقاء تلك الحالة فيه بالشيء المتروك في مكان.
ووجه الشبه عدم التغير.
والترك في الآية: كناية عن إبقاء الشيء في موضع دون مفارقة التارك، أو هو مجاز مرسل في ذلك فيكون نظير ما في بيت النابغة.
و ﴿ الذين يخافون العذاب ﴾ هم المؤمنون بالبعث والجزاء من أهل الإِسلام وأهل الكتاب دون المشركين فإنهم لما لم ينتفعوا بدلالة مواقع الاستئصال على أسباب ذلك الاستئصال نُزلت دلالة آيتِه بالنسبة إليهم منزلةَ ما ليس بآية كما قال تعالى: ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ [ق: 45].
والمعنى: أن الذين يخافون اتعظوا بآية قوم لوط فاجتنبوا مثلَ أسباب إهلاكهم، وأن الذين أشركوا لا يتعظون فيوشك أن ينزل عليهم عذاب أليم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلّى ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنُ، وفي تَوَلِّيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أدْبَرَ.
الثّانِي: أقْبَلَ، وهو مِنَ الأضْدادِ.
﴿ بِرُكْنِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِجُمُوعِهِ وأجْنادِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: بِقُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ فَما أوْهى مِراسُ الحَرْبِ رُكْنِي ولَكِنْ ما تَقادَمَ مِن زَمانِي.
الثّالِثُ: بِجانِبِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الرّابِعُ: بِمَيْلِهِ عَنِ الحَقِّ وعِنادِهِ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا بِمالِهِ لِأنَّهُ يَرْكُنُ إلَيْهِ ويَتَقَوّى بِهِ.
﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَقِيمَ هي الرِّيحُ الَّتِي لا تَلْقَحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هي الَّتِي لا تُنْبِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: هي الَّتِي لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: هي الَّتِي لَيْسَ فِيها مَنفَعَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِي الرِّيحِ الَّتِي هي عَقِيمٌ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الجَنُوبُ، رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (الرِّيحُ العَقِيمُ الجَنُوبُ» ).
الثّانِي الدَّبُورُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ)» الثّالِثُ: هي رَيِحُ الصَّبا، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّمِيمَ التُّرابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي دِيسَ مِن يابِسِ النَّباتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّالِثُ أنَّ الرَّمِيمَ: الرَّمادُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْءُ البالِي الهالِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَرَكَتْنِي حِينَ كَفَّ الدَّهْرُ مِن بَصَرِي ∗∗∗ وإذْ بَقَيْتُ كَعَظْمِ الرُّمَّةِ البالِي <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين ﴾ قال: يقول: معتبر لمن اعتبر ﴿ وفي أنفسكم ﴾ قال: يقول: في خلقه أيضاً إذا فكر فيه معتبر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله وفي أنفسكم ﴿ أفلا تبصرون ﴾ قال: من تفكر في خلقه علم أنما لينت مفاصله للعبادة.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: سبيل الغائط والبول.
وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: سبيل الغائط والبول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ قال: فيما يدخل من طعامكم وما يخرج والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ الآيتين.
أخرج ابن النقور والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ قال: المطر.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لأعرف الثلج وما رأيته في قول الله: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ قال: الثلج.
وأخرج أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ قال: المطر ﴿ وما توعدون ﴾ قال: الجنة والنار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية، قال: الجنة في السماء، وما توعدون من خير وشر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فورب السماء والأرض ﴾ الآية قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ قال: لكل شيء ذكره في هذه السورة.
أخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ﴾ قال: خدمته إياهم بنفسه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: أكرمهم إبراهيم بالعجل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ﴾ قال: كان عامة مال إبراهيم البقر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبشروه بغلام عليم ﴾ قال: هو إسماعيل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ قال: في صيحة ﴿ فصكت ﴾ قال: لطمت.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ في صرة ﴾ قال: صيحة ﴿ فصكت وجهها ﴾ قال: ضربت بيدها على جبهتها وقالت: يا ويلتاه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن عجوز عقيم وعن الريح العقيم وعن عذاب يوم عقيم، فقال: العجوز العقيم التي لا ولد لها، وأما الريح العقيم فالتي لا بركة فيها ولا منفعة ولا تلقح، وأما عذاب يوم عقيم فيوم لا ليلة له.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ قال: لوط وابنتيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانوا ثلاثة عشر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ قال: لو كان فيها أكثر من ذلك لنجاهم الله ليعلموا أن الإِيمان عند الله محفوظ لا ضيعة على أهله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ قال: ترك فيها صخراً منضوداً.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتولى بركنه ﴾ قال: بقومه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فتولى بركنه ﴾ قال: يعضده وأصحابه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو مليم ﴾ قال: مليم في عباد الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ قال أبو إسحاق: تركنا في مدينة قوم لوط علامة للخائفين تدلهم على أن الله أهلكهم فينكل غيرهم عن فعلهم (١) (٢) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 56.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 87.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفِي موسى ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات: 20] أو على قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً ﴾ ﴿ فتولى بِرُكْنِهِ ﴾ معنى تولى أعرض عن الإيمان، وركنه سلطانه وقوته ﴿ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ أي قالوا إن موسى ساحر أو مجنون: فأو للشك أو للتقسيم، وقيل: بمعنى الواو وهذا ضعيف ولا يستقيم هنا ﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ أي فعل ما يلام عليه يعني فرعون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.
عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.
فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟
قال: الرياح.
وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟
قال : السحاب لأنها تحمل المطر.
وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.
قال: فالجاريات يسراً؟
قال : الفلك والمراد جريان اليسر.
قال: فالمقسمات أمراً؟
قال : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.
ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.
ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.
وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.
ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.
وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله .
وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.
وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.
ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.
وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.
وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".
وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.
والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.
ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.
وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.
ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.
وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟
ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.
ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.
ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.
وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.
وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.
وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.
قال: إن فيض الله لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.
وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.
ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.
وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.
وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.
ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.
وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.
ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.
ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.
ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.
ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.
قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.
وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.
وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.
والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.
وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.
والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.
ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.
وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.
الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.
وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.
وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.
ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.
وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.
ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.
وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.
وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.
قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.
وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.
﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.
وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.
ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب .
و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.
قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.
فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟
فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
ثم سلى نبيه بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.
والضيف واحد.
وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.
قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.
وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.
﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.
والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".
واعلم أنه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.
قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.
قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.
وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.
﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟
فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".
والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.
وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟
فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.
فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.
وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.
قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.
قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.
قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.
والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.
وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.
فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.
والرميم ما رم وتفتت.
قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.
وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.
فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.
ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.
وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.
وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.
وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.
وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.
قال: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له.
وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.
وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.
وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.
وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.
ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.
ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.
وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.
وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.
ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.
والمتين الشديد القوة.
ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.
واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام من الله على الايجاب والإلزام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ ، يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد آتاك حديث ضيف إبراهيم، فحاج به أولئك، وخاصمهم.
والثاني: لم يأتك بعد، ولكن سيأتيك حديث ضيف إبراهيم، فإذا أتاك به فحاج على أولئك الكفرة به، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ دل على أن اسم الضيف يقع على من يطعم ويتناول، وعلى من لا يطعم ولا يتناول؛ لأنه سمى الملائكة: ضيف إبراهيم، وإن لم يطمعوا، ولم يكن غذاؤهم الطعام.
وفيه أن الضيف اسم يقع على العدد والجماعة.
وقوله: ﴿ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ سماهم: مكرمين؛ لأن إبراهيم - - كان يخدمهم ويقوم بين أيديهم؛ وذلك هو الإكرام الذي صاروا به مكرمين.
ويحتمل أن سماهم: مكرمين؛ لأنهم كانوا أهل كرم وشرف عند الله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ .
ذكر هاهنا سلام الملائكة - عليهم السلام - ولم يذكر سلام إبراهيم صلوات الله عليه إنما ذكر وجله منهم، وذكر في الأول سلام الملائكة عليهم السلام وسلام إبراهيم - - وذكر إنهم قوم منكرون، وقال في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ قال بعضهم: إنما أوجس منهم الخيفة؛ لما خشى أن يكونوا سراقا لأنه كان بين إبراهيم - - وبين الذي انتابوا منه بصرف بعدي ما يحتاج المنتاب إلى طعام، فإذا امتنعوا عنه خاف أن يكونوا [سراقا]؛ إذ لا يمتنع عن التناول إلا السراق.
لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه قد كان منهم السلام، والسلام أحد علامات الأمكان لكن يكون خوفه بعدما عرف أنهم ملائكة؛ لما علم أن الملائكة - عليهم السلام - لا ينزلون إلا لأمر عظيم لإهلاك قوم أو لتعذيب أمة، كقوله : ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ ، وقوله عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ هذا يحتمل، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا إخباراً من الله أنهم قوم منكرون؛ أي: غير معروفين عندنا، لم ينعرفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ .
قيل: راغ: مال.
لكن قوله: ﴿ فَرَاغَ ﴾ أي: مال إلى أهله على خفاء من أضيافه وسر منهم؛ ولذلك سمي الطريق المختفي: رائغا، وهو من روغان الثعلب.
وقيل: زائغاً بالزاي.
وذكر محمد في بعض كتبه: "في زائغة مستطيلة"، وقيلأ: رائغة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ ، قوال في موضع آخر ﴿ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ والحنيذ: هو المشوي.
وقيل: هو الذي يشوي في الأرض بغير تنور، والله أعلم.
وقال بعضهم: الحنيذ: الذي أنضج بالحجارة.
وقيل: الحنيذ: هو الصغير الذي كان غذاؤه اللبن لا غير، والله أعلم.
وما ذكر أهل التأويل في قصة إبراهيم - - "أنه لما قرب إليهم العجل قالوا: لا تأكله إلا بثمن، قال: قللوه وأدوا، قالوا: وما ثمنه؟
قال: تسمون الله - - جل وعلا - إذا أكلتم، وتحمدونه إذا تركتم، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: لهذا أتخذك الله خليلا"، وغير ذلك من الكلام فنحن لا نذكر إلا قدر ما ذكره في الكتاب؛ مخالفة أن ندخل الزيادة والنقصان عما في كتبهم ويجد أهل الإلحاد في ذلك مقالا، وهذه الأنباء إنما ذكرت حجة لرسول الله في إثبات الرسالة، فإذا قيل في ذلك ما يخاف أن يكون في ذلك زيادة أو نقصان عما في كتبهم، كان الإمساك الكف عنه أولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ ؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ لا لذلك أرسلنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عَلِيمٍ ﴾ وجهين: أحدهما: أي: بشروه بغلام يصير عليما إذا كبر.
والثاني: بشروه بغلام يولد عليما، يؤتيه الله علما في بطن أمه، وإذا ولد في صغره، ولله أن يؤتي العلم من يشاء في حال الصغر ةالكبر؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل - في عيسى - -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل هذا والله أعلم.
ثم ذلك الغلام هو إسحاق - - لأنه بين في آية أخرى فيمن كانت البشارة؛ حيث قا ل: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ﴾ ؛ دل أن البشارة إنما كانت بإسحاق.
ثم ذكر في سورة هو - - البشارة لامرأته، حيث قال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ﴾ ، وذكر في هذه السورة البشارة لإبراهيم - - بقوله ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ﴾ ، لكن جائز أنه لما بشرها بالولد، بشرها بالولد منه، فإذا بشر إبراهيم - - بالولد منها، وإذا بشر أحدهما بالولد من الآخر، فتكن البشارة لهم جميعاً، والله أعلم.
قال أبو بكر الأصم: دل قوله : ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ...
﴾ إلى أن قال: ﴿ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ : إسحاق أكبر من إسماعيل، لأنها لما بشرت بالولد أخبر أنها عجوز، وأنها عقيم وأن بعلها شيخ ولو كان إسماعيل هو الأول، وكان الآخر على قرب منه ليس بينهما زمان مديد، لم يكن يبلغ إبراهيم - - في ذلك المقدار من الوقت ما يخبر عن إياس الولد منه؛ دل أن إسحاق هو المقدم، وأنه كان أكبر من إسماعيل - -.
إلا أن هذا خلاف ما عليه أهل التأويل: أن إسماعيل - - كان أكبر من إسحاق .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ﴾ .
ذكر هاهنا الإقبال، وقال في آية أخرى في سورة هود: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ﴾ ، فجائز أنيكون على حقيقة الإقبال، ولكن لما ذكر فعلها - وهي الصرة، وصك الوجه - ذكر الإقبال، غير أن كان منها الإقبال من المكان أي: أقبلت فصكت وجهها في صرة؛ كما قال - عز جل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ ﴾ أمر بالرؤية النظر غلى الفعل الذي ذكر، وهو مد الظل، وإذا ذكر النفس دون الفعل، فالمراد منه النظر إلى نفسه لا غير، والله أعلم، فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - -: ﴿ فِي صَرَّةٍ ﴾ أي: في ضجة.
وقوله: ﴿ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ﴾ ، أي: ضربت وجهها بيدها؛ تعجبا منها بتلك البشارة التي بشرت بالولادة.
وقوله: ﴿ وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴾ ، وكانت كما أخبرت عجوزا عقيما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ ﴾ .
أي: على علم بالحال التي أنت [عليها]، بشرت بذلك، لا عن جهل.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: حكيم، واضع الولد في موضعه، العليم بمصالح الأمور وعواقبها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ أي: ما شأنكم؟
ولأي أمر أرسلتم: بالبشارة خاصة، أو لأمر آخر، أو لهما جميعاً؟
فأجابوا: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ؛ كأن الاستثناء هاهنا لم يكن مذكورا في خبر الملائكة وإنما ذكر في الخبر الذي قال إبراهيم - - حيث قال: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ ، فدل ذكر الثنيا منهم بعد سؤال إبراهيم - - وإخباره إياهم: أن فيها لوطا: أن تأخير البيان عن الكلام جائز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ﴾ ، دل قوله : ﴿ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ﴾ على أن ما ذكر في آية أخرى: ﴿ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ : أن السجيل ليس هو اسم المكان على ما ذكر بعض أهل التأويل، ولكن السجيل اسم الطين؛ على ما ذكره هاهنا، وهو طين مطبوخ كالآجر؛ إلا أن يقال: هو طين حمل من مكان يسمى: سجيلا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ أي: معلمة ﴿ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ .
ثم الإعلام يحتمل وجهين: أحدهما: معلمة: مسومة باسم من تقع عليه ويهلك بها، أي: مكتوب عليها اسمه.
والثاني: معلمة في نفسها حتى يعلم كل أحد: أنها الهلاك جاءت، وأنها أرسلت لذلك مخالفة لسائر الأحجار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ كناية عن قرية لوط.
وقوله: ﴿ غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ هو منزل لوط - - دل تسمية الملائكة - عليهم السلام - إياهم: مؤمنين، ومسلمين على أن الإسلام والإيمان واحد، وقد بينا جهة الاتحاد في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً ﴾ ، أي: تركنا في قريات لوط - - التي أهلكتها آية عبرة لمن بعدهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: إنكم لتمرون على أولئك الذين أهلكوا أو عذبوا بالليل والنهار، تعلمون أنهم بم أهلكوا؟
وبم عذبوا؟
بالتكذيب والعناد، والذيثن نجوا إنما نجوا بالتصديق والإسلام، وذلك آية لمن بعدهم.
ثم قال: ﴿ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ أي: يكون ذلك آية للذين يخافون العذاب الأليم، وهم المؤمنون، أي: هم المنتفعون بها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وتركنا في قرية قوم لوط من آثار العذاب ما يدل على وقوع العذاب عليهم ليعتبر به من يخاف العذاب الموجع الذي أصابهم، فلا يعمل بعملهم لينجو منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.8y3Mm"