الآية ٤٤ من سورة الذاريات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٤٤ من سورة الذاريات

فَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٤ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٤٤ من سورة الذاريات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ) قال ابن جرير : يعني إلى وقت فناء آجالكم .

.

والظاهر أن هذه كقوله : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ) [ فصلت : 17 ] .

وهكذا قال هاهنا : ( وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ) ، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) قال: العاتي: العاصي التارك لأمر الله.

وقوله ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) يقول تعالى ذكره: فأخذتهم صاعقة العذاب فجأة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) وهم ينتظرون, وذلك أن ثمود وعدت العذاب قبل نـزوله بهم بثلاثة أيام وجعل لنـزوله عليهم علامات في تلك الثلاثة, فظهرت العلامات التي جعلت لهم الدالة على نـزولها في تلك الأيام, فأصبحوا في اليوم الرابع موقنين بأن العذاب بهم نازل, ينتظرون حلوله بهم.

وقرأت قراء الأمصار خلا الكسائي ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) بالألف.

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ ذلك ( فأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ ) بغير ألف.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن السديّ, عن عمرو بن ميمون الأودي, أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ ( فأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ ) , وكذلك قرأ الكسائيّ: وبالألف نقرأ الصاعقة لإجماع الحجة من القرّاء عليها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فعتوا عن أمر ربهم أي خالفوا أمر الله فعقروا الناقة فأخذتهم الصاعقة أي : الموت .

وقيل : هي كل عذاب مهلك .

قال الحسين بن واقد : كل صاعقة في القرآن فهو العذاب .

وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد والكسائي " الصعقة " يقال صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه .

وصعقتهم السماء أي ألقت عليهم الصاعقة .

والصاعقة أيضا صيحة العذاب وقد مضى في " البقرة " وغيرها .

وهم ينظرون إليها نهارا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ } أي: الصيحة العظيمة المهلكة { وَهُمْ يَنْظُرُونَ } إلى عقوبتهم بأعينهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة ) يعني بعد مضي الأيام الثلاثة ، وهي الموت في قول ابن عباس ، قال مقاتل : يعني العذاب ، و " الصاعقة " : كل عذاب مهلك ، وقرأ الكسائي : " الصعقة " ، وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة ( وهم ينظرون ) يرون ذلك عيانا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فعتوْا» تكبروا «عن أمر ربهم» أي عن امتثاله «فأخذتهم الصاعقة» بعد مضي الثلاثة أيام أي الصيحة المهلكة «وهم ينظرون» أي بالنهار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وفي شأن ثمود وإهلاكهم آيات وعبر، إذ قيل لهم: انتفعوا بحياتكم حتى تنتهي آجالكم.

فعصوا أمر ربهم، فأخذتهم صاعقة العذاب، وهم ينظرون إلى عقوبتهم بأعينهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان منهم من كفر وفجور فقال : ( فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) أى : فتكبروا واستهانوا بما أمرهم الله - تعالى - به على لسان نبيهم صالح - عليه السلام - .( فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة ) وهى كل عذاب مهلك ، من الصعق بمعنى الإهلاك .( وَهُمْ يَنظُرُونَ ) أى : وهم يرونها عيانا ، لأن العذاب - كما تشير الآية - نزل بهم نهارا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه بحث وهو أن عتا يستعمل بعلى قال تعالى: ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتياً  ﴾ وهاهنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى: ﴿ عن أمر ربهم ﴾ كان كقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ وحيث قال على كان كقول القائل فلان يتكبر علينا، والصاعقة فيه وجهان ذكرناهما هنا.

أحدها: أنها الواقعة.

والثاني: الصوت الشديد وقوله: ﴿ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ إشارة إلى أحد معنيين إما بمعنى تسليمهم وعدم قدرتهم على الدفع كما يقول القائل للمضروب يضربك فلان وأنت تنظر إشارة إلى أنه لا يدفع، وإما بمعنى أن العذاب أتاهم لا على غفلة بل أنذروا به من قبل بثلاثة أيام وانتظروه، ولو كان على غفلة لكان لمتوهم أن يتوهم أنهم أخذوا على غفلة أخذ العاجل المحتاج، كما يقول المبارز الشجاع أخبرتك بقصدي إياك فانتظرني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حتى حِينٍ ﴾ تفسيره قوله: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ [هود: 65] ﴿ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ فاستكبروا عن امتثاله.

وقرئ: ﴿ الصعقة ﴾ وهي المرّة، من مصدر صعقتهم الصاعقة: والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ كانت نهاراً يعاينونها.

وروى أن العمالقة كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرَّتهم ﴿ فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين ﴾ [العنكبوت: 37] وقيل: هو من قولهم: ما يقوم به، إذا عجز من دفعه ﴿ مُنتَصِرِينَ ﴾ ممتنعين من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ فاسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ.

﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ أيِ العَذابُ بَعْدَ الثَّلاثِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ «الصَّعْقَةُ» وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ.

﴿ وَهم يَنْظُرُونَ ﴾ إلَيْها فَإنَّها جاءَتْهم مُعايِنَةً بِالنَّهارِ.

﴿ فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ وقِيلَ: مِن قَوْلِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ إذا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ.

﴿ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴾ مُمْتَنِعِينَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ} فاستكبروا عن امتثاله {فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة} العذاب وكل عذاب مهلك صاعقة الصعقة علي وهي المرة من مصدر صعقتهم الصاعقة {وهم ينظرون} لانها كانت نهارا يعاينوها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُتُوَّ مُؤَخَّرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُرَتَّبٌ عَلى تَمامِ القِصَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلَنا في زَمانِ قَوْلِنا ذَلِكَ لِثَمُودَ آيَةً أوْ وفي زَمانِ قَوْلِنا ذَلِكَ لِثَمُودَ آيَةً، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ كَوْنِهِ آيَةً فَقِيلَ: ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِامْتِثالِ بِهِ إلى الآخَرِ، فالفاءُ لِلتَّفْصِيلِ قالَ في الكَشْفِ.

وهو الظّاهِرُ مِن هَذا المَساقِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى القِصَّةِ زَمانُ إرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالسُّلْطانِ وإنْ كانَ هُناكَ لا مانِعَ مِنَ التَّرَتُّبِ عَلى الإرْسالِ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِيءَ بِالظَّرْفِ مَجِيءَ الفَضْلَةِ حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الآيَةُ، والقِصَّةُ مِن تَوَلِّيهِمْ إلى هَلاكِهِمُ انْتَهى، وقالَ الحَسَنُ: هَذا أيْ - القَوْلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ - كانَ حِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ صالِحٌ أُمِرُوا بِالإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، والتَّمَتُّعِ إلى أنْ تَأْتِيَ آجالُهم - ثُمَّ عَتَوا بَعْدَ ذَلِكَ - قالَ في البَحْرِ: ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ المُقْتَضِيَةِ تَأخُّرَ العُتُوِّ عَمّا أُمِرُوا بِهِ فَهو مُطابِقٌ لَفَظا ووُجُودًا واخْتارَهُ الإمامُ فَقالَ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالحِينِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ الَّتِي أُمْهِلُوها بَعْدَ عُقْرِ النّاقَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ تَرَتَّبَ فَعَتَوا بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُتُوَّ كانَ بَعْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ ما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآجالِ فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُمْهَلُ مُدَّةَ الأجَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ.

تَمَتَّعْ إلى آخَرِ أجَلِكَ فَإنْ أحْسَنْتَ فَقَدْ حَصَلَ لَكَ التَّمَتُّعُ في الدّارَيْنِ وإلّا فَما لَكَ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ انْتَهى، وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزى ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ أيْ أهْلَكَتْهم، رُوِيَ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهُمُ الهَلاكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ لَهم: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً.

وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً.

واليَوْمُ الثّالِثُ مُسْوَدَّةً ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ.

ولِما رَأوا الآياتِ الَّتِي بَيَّنَها عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدُوا إلى قَتْلِهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى فَذَهَبَ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ ولَمّا كانَ ضَحْوَةَ اليَوْمِ الرّابِعِ تُحُنِّطُوا وتُكَفِّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهي نارٌ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: صَيْحَةُ مِنها فَهَلَكُوا، وقَرَأ عُمَرُ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والكِسائِيُّ الصَّعْقَةَ وهِيَ المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ بِمَعْنى الصّاعِقَةِ أيْضًا، أوِ الصَّيْحَةِ ﴿ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ إلَيْها ويُعايِنُونَها ويُحْتاجُ إلى تَنْزِيلِ المَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المُبْصَرِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الصّاعِقَةَ الصَّيْحَةُ وأنَّ المُرادَ يَنْظُرُونَ إلَيْها، وقالَ مُجاهِدُ: ( يَنْظُرُونَ ) بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ أيْ وهم يَنْتَظِرُونَ الأخْذَ والعَذابَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ الَّتِي رَأوْا فِيها عَلاماتِهِ وانْتِظارُ العَذابِ أشَدُّ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَفِي مُوسى عطف على قوله وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: حجة بينة، وهي اليد، والعصا فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ يعني: أعرض عنه فرعون بجموعه.

يعني: مع جموعه وجنوده.

ويقال: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ يعني: أعرض بجانبه وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ يعني: عاقبناه، وجموعه نَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ قال الكلبي يعني: أغرقناهم في البحر وقال مقاتل يعني: في النيل هُوَ مُلِيمٌ يعني: يلوم نفسه، ويلومه الناس.

وقال: لِيمٌ أي: مذنب.

وقال أهل اللغة: ألام الرجل، إذا أتى بذنب يلام عليه.

ثم قال: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ يعني: سلطنا عليهم الريح الشديد، وإنما سميت عقيماً، لأنها لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم لا خير فيه.

ويقال: سميت عقيماً لأنها لا تلقح الأشجار، ولا تثير السحاب، وهي الدبور.

وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس-  ما- قال: ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال، ولا أنزل سفرة من ريح إلا بمكيال، إلا قوم نوح طغى على خزانة الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل وروى عكرمة عن ابن عباس قال: العقيم الذي لا منفعة لها.

ثم قال: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما تترك من شيء هو لهم، ولا منهم، أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ يعني: مرت عليه إلا جعلته كالرماد.

ويقال: الرميم: الورق الجاف، المتحطم، مثل الهشيم المحتظر، كما قال كهشيم المحتظر، بعد ما كانوا كنخل متقصر.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أرسل على عاد من الريح، إلا مثل خاتمي هذا.

يعني: إن الريح العقيم تحت الأرض، فأخرج منها مثل ما يخرج من ثقب الخاتم، فأهلكهم.

ثم قال: وَفِي ثَمُودَ يعني: قوم صالح إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ يعني: قال لهم نبيهم صالح-  - عيشوا إلى منتهى آجالكم، ولا تعصوا أمر الله فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يعني: تركوا طاعة ربهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يعني: العذاب.

قرأ الكسائي: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بغير ألف، وجزم العين.

والباقون: بألف.

وهي الصيحة التي أهلكتهم بالصعقة، قوله من قولك: صعقتهم الصاعقة.

يعني: أهلكتهم.

وروي عن ابن عمر-  ما- أنه قرأ صعقة مثل الكسائي.

وَهُمْ يَنْظُرُونَ يعني: ظهرت النار من تحت أرجلهم، وهم يرونها بأعينهم.

ويقال: سمعوا الصيحة، وهم ينظرون متحيرون.

فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ يعني: ما استطاعوا أن يقوموا لعذاب الله تعالى، حتى أهلكوا.

وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ يعني: ممتنعين من العذاب.

ثم قال: وَقَوْمَ نُوحٍ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وقوم نوح: بكسر الميم.

يعني: في قوم نوح كما قال: وفي ثمود.

والباقون: بالنصب.

يعني: وأهلكنا قوم نوح.

ويقال: معناه فأخذناه، وأخذنا مِنْ قَبْلُ هؤلاء الذين سميناهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: قوم نوح من قبل.

يعني: عاصين.

قوله عز وجل: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ يعني: خلقناها بقوة، وقدرة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: نحن قادرون على أن نوسعها كما نريد.

ويقال: وَالسَّماءَ صار نصباً لنزع الخافض.

ومعناه وفي السماء [الزخرف: 84] .

آية.

ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها يعني: وفي الأرض آية، بسطناها مسيرة خمسمائة عام من تحت الكعبة فَنِعْمَ الْماهِدُونَ يعني: نعم الماهدون نحن.

ويقال: في قوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: نحن جعلنا بينهما، وبين الأرض سعة.

ثم قال عز وجل: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ يعني: صنفين، الذكر والأنثى، والأحمر والأبيض، والليل والنهار، والدنيا والآخرة، والشمس والقمر، والشتاء والصيف.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فيما خلق الله، فتوحدوه.

قوله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ يعني: توبوا إلى الله من ذنوبكم.

ويقال: معناه فَفِرُّوا من الله إِلَى اللَّهِ أو فَفِرُّوا من عذاب الله، إلى رحمة الله، أو فَفِرُّوا من معصيته، إلى طاعته.

ومن الذنوب إلى التوبة.

إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوفاً من عذاب الله تعالى بالنار وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: لا تقولوا له شريكاً، وولداً إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: فإن فعلتم، فإني لكم مخوف من عذابه، فلم يقبلوا قوله، وقالوا: هذا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.

يقول الله تعالى تعزية لنبيه  : كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ يعني: هكذا ما أتى في الأمم الخالية من رسول، إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ كقول كفار مكة للنبي  أَتَواصَوْا بِهِ يعني: توافقوا، وتواطؤوا فيما بينهم.

وأوصى الأول الآخر أن يقولوا ذلك.

ويقال: توافقوا، وتواطؤوا به كل قوم، وجعلوا كلمتهم واحدة أن يقولوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.

قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: عاتين في معصية الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والصَّرَّةُ: الصيحة «١» كذا فسره ابن عباس وجماعة، قال الطبريُّ عن بعضهم «٢» : قَالَتْ:

«أَوَّهْ» بِصِيَاحٍ وتَعَجُّبٍ وقال النَّحَّاسُ: فِي صَرَّةٍ في جماعة نسوة.

وقوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها: معناه: ضربْت وَجْهَهَا استهوالاً لما سمعت، وقال سفيان وغيره: ضَرَبَتْ بِكَفِّهَا جبهتها «٣» ، وهذا مُسْتَعْمَلٌ في الناس حَتَّى الآن، وقولهم:

كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي: كقولنا الذي أخبرناك.

وقوله تعالى: حِجارَةً مِنْ طِينٍ بيانٌ يخرج عن مُعْتَادِ حجارة البرَد التي هي من ماء، ويُرْوَى أَنَّه طين طُبِخَ في نار جَهَنَّمَ حَتَّى صار حجارة كالآجر، ومُسَوَّمَةً نعت لحجارة، ثم أخبر تعالى أَنَّه أخرج بأمره مَنْ كان في قرية «لوط» مِنَ المؤمنين، منجياً لهم، وأعاد الضمير على القرية، / وإنْ لم يجرِ لها قبل ذلك ذكر لشهرة أمرها، قال المفسرون:

لاَ فَرْقَ بين تقدُّمِ ذكر المؤمنين وتأخُّرِهِ وإِنَّمَا هما وصفانِ ذَكَرَهُمْ أَوَّلاً بأحدهما، ثم آخراً بالثَّاني، قيل: فالآية دالَّةٌ على أَنَّ الإيمان هو الإسلام، قال ع «٤» : ويظهر لي أَنَّ في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان وذلك أَنَّهُ ذكره مع الإخراج من القرية، كأَنَّهُ يقول:

نفذ أمرنا بإخراج كُلِّ مؤمن، ولا يُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون عاملاً بالطاعات بلِ التصديق باللَّه فقط، ثم لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملةُ التصديق والأعمالِ، والبيتُ من المسلمين هو بيتُ لوط ع وكان هو وابنتاه، وفي كتاب الثعلبيِّ: وقيل: لوط وأهل بيته ثلاثةَ عَشَرَ، وهلكت امرأتُه فيمن هلك، وهذه القصة ذُكِرَتْ على جهة ضرب المثل لقريش، وتحذيراً أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب هؤلاء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي عادٍ ﴾ أيْ: في إهْلاكِهِمْ آيَةٌ أيْضًا ﴿ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ وهي الَّتِي لا خَيْرَ فِيها ولا بِرْكَةَ، لا تُلْقِحُ شَجَرًا ولا تَحْمِلُ مَطَرًا، وإنَّما هي لِلْإهْلاكِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هي الجَنُوبُ.

﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ أيْ: كالشَّيْءِ الهالِكِ البالِي.

قالَ الفَرّاءُ: الرَّمِيمُ: نَباتُ الأرْضِ إذا يَبِسَ ودِيسَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّمِيمُ: الوَرَقُ الجافُّ المُتَحَطِّمُ مِثْلُ الهَشِيمِ.

﴿ وَفِي ثَمُودَ ﴾ آيَةٌ أيْضًا ﴿ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: تَمَتَّعُوا في الدُّنْيا إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِكم تَهَدُّدًا لَهم.

والثّانِي: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَكانَ الحِينُ وقْتَ فَناءِ آجالِهِمْ، ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَصَوْا أمْرَهُ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ يَعْنِي: العَذابَ، وهو المَوْتُ مِن صَيْحَةِ جِبْرِيلَ.

وَقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "الصَّعْقَةُ" [بِسُكُونِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ]؛ وهي الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ عَنِ الصّاعِقَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَرَوْنَ ذَلِكَ عِيانًا.

والثّانِي: وهم يَنْتَظِرُونَ العَذابَ، فَأتاهم صَيْحَةٌ يَوْمَ السَّبْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما اسْتَطاعُوا نُهُوضًا مِن تِلْكَ الصَّرْعَةِ.

والثّانِي: ما أطاقُوا ثُبُوتًا لِعَذابِ اللَّهِ ﴿ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِخَفْضِ المِيمِ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ، رَفْعَ المِيمِ، والباقُونَ بِنَصْبِها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن خَفَضَ القَوْمَ فالمَعْنى: وفي قَوْمِ نُوحٍ آيَةٌ، ومَن نَصَبَ فَهو عَطْفٌ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: أهْلَكْناهُمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: وأهْلَكَنا قَوْمَ نُوحٍ، والأحْسَنُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أغْرَقْناهُ، وأغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ.

﴿ والسَّماءَ بَنَيْناها ﴾ المَعْنى: وبَنَيْنا السَّماءَ بَنَيْناها (بِأيْدٍ) أيْ: بِقُوَّةٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ: ﴿ بِأيْدٍ ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَمُوسِعُونَ الرِّزْقَ بِالمَطَرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي لَمُوسِعُونَ السَّماءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: لَقادِرُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: لَمُوسِعُونَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: لَذُو سَعَةٍ لا يَضِيقُ عَمّا يُرِيدُ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَرَشْناها ﴾ ، فالمَعْنى فَرَشْنا الأرْضَ فَرَشْناها ﴿ فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ أيْ: فَنِعْمَ الماهِدُونَ نَحْنُ.

قالَ مُقاتِلٌ: ﴿ فَرَشْناها ﴾ أيْ: بَسَطْناها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهَذا بَعِيدٌ، وقَدْ قالَ قَتادَةُ: الأرْضُ عِشْرُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ: صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ كالذَّكَرِ والأُنْثى، والبَرِّ والبَحْرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، والحُلْوِ والمُرِّ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، وأشْباهِ ذَلِكَ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ الأزْواجِ واحِدٌ.

﴿ فَفِرُّوا إلى اللَّهِ ﴾ بِالتَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِكُمْ؛ والمَعْنى: اهْرَبُوا مِمّا يُوجِبُ العِقابَ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ إلى ما يُوجِبُ الثَّوابَ مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ ﴾ ﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَمِيمِ ﴾ ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ فَعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ المَعْنى: وتَرَكْنا في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ -وَهِيَ سَدُومُ- أثَرًا مِنَ العَذابِ باقِيًا مُؤَرَّخًا لا يَفْنى ذِكْرُهُ، فَهو آيَةٌ -أيْ: عَلامَةٌ- عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَرَكْنا في أمْرِها، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ  ﴾ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَرَكَ فِيها حَجَرًا مَنضُودًا كَثِيرًا جِدًّا، و( الَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ ) هُمُ العارِفُونَ بِاللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي مُوسى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها"، أيْ: وتَرَكْنا في مُوسى وقِصَّتِهِ أثَرًا أيْضًا هو آيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ  ﴾ ، وفِرْعَوْنُ هو صاحِبُ مِصْرَ، و"السُلْطانُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الحُجَّةُ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ أعْرَضَ وأدْبَرَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"رُكْنِهِ": سُلْطانُهُ وجُنْدُهُ وشِدَّةُ أمْرِهِ، وهو الأمْرُ الَّذِي يَرْكَنُ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ ويَسْنِدُ في شَدائِدِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "بِرُكْنِهِ": بِجُمُوعِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بِقَوْمِهِ، وقَوْلُ فِرْعَوْنَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ" هو تَقْسِيمُ ظَنٍّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" هُنا بِمَعْنى "الواوِ"، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ: أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أو رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا؟

والخِشابُ: بُيُوتٌ في بَنِي تَمِيمٍ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ لا داعِيَةَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ، "وَنَبَذْناهُمْ" مَعْناهُ: طَرَحْناهم و"اليَمُّ": البَحْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَبَذْناهُ"، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها ما يُلامُ عَلَيْهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: .........................

∗∗∗ ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي عادٍ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "وَفِي مُوسى".

وعادٍ هي قَبِيلَةُ هُودٍ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَقِيمَ" مَعْناهُ: الَّتِي لا بَرَكَةَ فِيها، لا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تَسُوقُ مَطَرًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ نَكْباءَ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ يُرادُّ قَوْلَ النَبِيِّ  : « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُّورِ"،» و"تَذَرُ" مَعْناهُ: تَدَعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي مِمّا أذِنَ اللهُ تَعالى لَها في إهْلاكِهِ، و"الرَمِيمُ": الفانِي المُتَقَطِّعُ يَبِسًا أو قِدَمًا مِنَ الأشْجارِ والوَرَقِ والحِبالِ أوِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ  ﴾ ، أيْ في قِوامِ الرَمادِ، ورُوِيَ حَدِيثٌ: « "إنَّ تِلْكَ الرِيحَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى الناسِ فِيهِمُ العادِيَّ وغَيْرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العادِيَّ مِن بَيْنِ الناسِ وتَذْهَبُ بِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: قِيلَ لَهم في أوَّلِ بَعْثِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: آمِنُوا وأطِيعُوا فَتَمَتَّعُوا مَتاعًا حَسَنًا إلى آجالِكُمْ، وهو "الحِينُ" عَلى هَذا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ حَكاهُ عَنِ الرُمّانِيِّ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" مُرَتَّبًا لَفْظًا في الآيَةِ ومَعْنى في الوُجُودِ مُتَأخِّرًا عَنِ القَوْلِ لَهم "تَمَتَّعُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إذْ قِيلَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ  ﴾ ، وهي "الحِينُ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعَتَوْا" غَيْرُ مُرَتَّبِ المَعْنى في وُجُودِهِ، لِأنَّ عُتُوَّهم كانَ قَبْلَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "تَمَتَّعُوا"، وكَأنَّ المَعْنى: فَكانَ مِن أمْرِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ عُتُوًّا، وهو السَبَبُ في أنْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ وعُذِّبُوا.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "الصاعِقَةُ"، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: "الصَعْقَةُ"، وَهِيَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الصَيْحَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْوَقْعَةِ الشَدِيدَةِ مِنَ الرَعْدِ: صاعِقَةٌ، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَها النارُ الَّتِي يُرْوى في الحَدِيثِ أنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ مَلِكٍ يَسُوقُ السَحابَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَنْظُرُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَجْأةً وهم يُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ حالَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وهم يَنْظُرُونَ ذَلِكَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَلاثَةِ الَّتِي أُعْلِمُوا بِهِ فِيها ورَأوا عَلاماتِهِ في تَلَوُّنِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ حَسَبَ تَقَدُّمِ تَفْسِيرِهِ، وانْتِظارُهُمُ العَذابَ هو أشَدُّ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أتبعت قصة عاد بقصة ثمود لتقارنهما غالباً في القرآن من أجل أن ثمود عاصرت عاداً وخَلفتها في عظمة الأمم، قال تعالى: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عَاد ﴾ [الأعراف: 74] ولاشتهارهما بين العرب.

و ﴿ في ثمود ﴾ عطف على ﴿ في عاد ﴾ أو على ﴿ تركنا فيها آية ﴾ .

والمعنى: وتركنا آية للمؤمنين في ثمود في حال قد أخذتهم الصاعقة، أي في دلالة أخذ الصاعقة إياهم، على أن سببه هو إشراكهم وتكذيبهم وعتوّهم عن أمر ربهم، فالمؤمنون اعتبروا بتلك فسلكوا مسلك النجاة من عواقبها، وأما المشركون فإصرارهم على كفرهم سيوقعهم في عذاب من جنس ما وقعت فيه ثمود.

وهذا القول الذي ذكر هنا هو كلام جامع لما أنذرهم به صالح رسولهم وذكّرهم به من نحو قوله: ﴿ وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً ﴾ [الأعراف: 74] وقوله: ﴿ أتتركون فيما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ﴾ [الشعراء: 146 148] وقوله: ﴿ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ﴾ [هود: 61].

ونحو ذلك مما يدل على أنهم أعطوا ما هو متاع، أي نفع في الدنيا فإن منافع الدنيا زائلة، فكانت الأقوال التي قالها رسولهم تذكيراً بنعمة الله عليهم يجمعها ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ ، على أنه يجوز أن يكون رسولهم قال لهم هذه الكلمة الجامعة ولم تُحك في القرآن إلا في هذا الموضع، فقد علمتَ من المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير أن أخبار الأمم تأتي مُوزعة على قصصهم في القرآن.

فقوله: ﴿ تمتعوا ﴾ أمر مستعمل في إباحة المتاع.

وقد جعل المتاع بمعنى النعمة في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ [الرعد: 26] قوله: ﴿ إن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ﴾ [الأنبياء: 111].

والمراد ب ﴿ حين ﴾ زمن مبهم، جعل نهاية لما مُتّعوا به من النعم فإن نعم الدنيا زائلة، وذلك الأجل: إما أن يراد به أجل كل واحد منهم الذي تنتهي إليه حياته، وإمّا أن يراد به أجل الأمة الذي ينتهي إليه بقاؤها.

وهذا نحو قوله: ﴿ يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ﴾ [هود: 3] فكما قاله الله للناس على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لعله قاله لثمود على لسان صالح عليه السلام.

وليس قوله: ﴿ إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ﴾ بمشير إلى قوله في الآية الأخرى ﴿ فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ [هود: 65] ونحوه لأن ذلك الأمر مستعمل في الإِنذار والتأييس من النجاة بعد ثلاثة أيام فلا يكون لقوله بعده: ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ مناسبة لتعقيبه به بالفاء لأن الترْتيب الذي تفيده الفاء يقتضي أن ما بعدها مرتب في الوجود على ما قبلها.

والعتوّ: الكِبر والشدة.

وضمن «عَتَوْا» معنى: أَعرضوا، فعدي ب (عن)، أي فأعرضوا عما أمرهم الله على لسان رسوله صالح عليه السلام.

وأخذ الصاعقة إياهم إصابتها إياهم إصابة تشبه أخذ العدوّ عدوه.

وجملة ﴿ وهم ينظرون ﴾ حال من ضمير النصْب في ﴿ أخذتهم ﴾ ، أي أخذتهم في حال نظرهم إلى نزولها، لأنهم لما رأوا بوارقها الشديدة علموا أنها غير معتادة فاستشرفوا ينظرون إلى السحاب فنزلت عليهم الصاعقة وهم ينظرون، وذلك هول عظيم زيادة في العذاب فإن النظر إلى النقمة يزيد صاحبها ألماً كما أن النظر إلى النعمة يزيد المنعم مسرّة، قال تعالى: ﴿ وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ﴾ [البقرة: 50].

وقرأ الكسائي ﴿ الصعقة ﴾ بدون ألف.

وقوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ تفريع على ﴿ وهم ينظرون ﴾ ، أي فما استطاعوا أن يدفعوا ذلك حين رؤيتِهم بوادرَه.

فالقيام مجاز للدفاع كما يقال: هذا أمر لا يقوم له أحد، أي لا يدفعه أحد.

وفي الحديث «غَضِب غضباً لا يقوم له أحد» أي فما استطاعوا أيّ دفاع لذلك.

وقوله: ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ أي لم ينصرهم ناصر حتى يكونوا منتصرين لأن انتصر مطاوع نصر، أي ما نصرهم أحد فانتصروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَتَوَلّى ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنُ، وفي تَوَلِّيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أدْبَرَ.

الثّانِي: أقْبَلَ، وهو مِنَ الأضْدادِ.

﴿ بِرُكْنِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِجُمُوعِهِ وأجْنادِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: بِقُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ فَما أوْهى مِراسُ الحَرْبِ رُكْنِي ولَكِنْ ما تَقادَمَ مِن زَمانِي.

الثّالِثُ: بِجانِبِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: بِمَيْلِهِ عَنِ الحَقِّ وعِنادِهِ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا بِمالِهِ لِأنَّهُ يَرْكُنُ إلَيْهِ ويَتَقَوّى بِهِ.

﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَقِيمَ هي الرِّيحُ الَّتِي لا تَلْقَحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هي الَّتِي لا تُنْبِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هي الَّتِي لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي الَّتِي لَيْسَ فِيها مَنفَعَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفِي الرِّيحِ الَّتِي هي عَقِيمٌ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الجَنُوبُ، رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (الرِّيحُ العَقِيمُ الجَنُوبُ» ).

الثّانِي الدَّبُورُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ)» الثّالِثُ: هي رَيِحُ الصَّبا، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّمِيمَ التُّرابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي دِيسَ مِن يابِسِ النَّباتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّالِثُ أنَّ الرَّمِيمَ: الرَّمادُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْءُ البالِي الهالِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَرَكَتْنِي حِينَ كَفَّ الدَّهْرُ مِن بَصَرِي ∗∗∗ وإذْ بَقَيْتُ كَعَظْمِ الرُّمَّةِ البالِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الريح العقيم ﴾ قال: الشديدة التي لا تلقح شيئاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ قال: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، وفي قوله: ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ قال: كالشيء الهالك.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الريح العقيم ﴾ قال: ريح لا بركة فيها ولا منفعة ولا ينزل منها غيث ولا يلقح منها شجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الريح مسجنة في الأرض الثانية، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، قال: أي رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر ثور، قال له الجبار.

لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله: ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ » .

وأخرج الفريابي وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ النكباء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ الجنوب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ الصبا التي لا تلقح شيئاً، وفي قوله: ﴿ كالرميم ﴾ قال: الشيء الهالك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ التي لا تنبت وفي قوله: ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ قال: كرميم الشجر.

وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه «عن رجل من ربيعة قال: قدمت المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عنده وافد عاد فقلت: أعوذ بالله أن أكون مثل وافد عاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما وافد عاد؟

فقلت: على الخبير سقطت، إن عاداً لما أقحطت بعثت قيلاً فنزل على بكر بن معاوية فسقاه الخمر وغنته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مهرة، فقال: اللهم إني لم آتك لمريض فأداويه ولا لأسير فأفاديه، فاسْق عبدك ما كنت مسقيه واسق معه بكر بن معاوية يشكر له الخمر الذي سقاه، فرفع له سحابات فقيل له: اختر إحداهن فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رماداً ومدداً لا تذر من عاد أحداً، وذكر أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر هذه الحلقة يعني حلقة الخاتم، ثم قرأه ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ » .

وأخرج البيهقي في سننه عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ﴾ قال: ثلاثة أيام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعتوا ﴾ قال: علواً وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ﴾ قال: فجأة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعتوا ﴾ قال: علواً وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ﴾ قال: فجأة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ قال: من نهوض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ قال: لم يستطيعوا أن ينهضوا بعقوبة الله إذ نزلت بهم، وفي قوله: ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ قال: لم يستطيعوا امتناعاً من أمر الله.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ قال: بقوة.

وأخرج آدم بن أبي اياس والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ قال: يعني بقوة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لموسعون ﴾ قال: لنخلق سماء مثلها وفي قوله: ﴿ والأرض فرشناها فنعم الماهدون ﴾ قال: الفارشون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴾ قال: الكفر والإِيمان، والشقاء والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والجن والإِنس، والبر والبحر، والشمس والقمر، وبكرة وعشية، ونحو هذا كله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أتواصوا به ﴾ قال: هل أوصى الأول الآخر منهم بالتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ حين يأتيكم العذاب فأتاهم يوم الرابع.

وقد قال في سورة هود {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا في دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65].

قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت، والصاعقة الموت (١) وقال مقاتل: يعني العذاب (٢) (٣) وقرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) (٤) (٥) لاحَ سَحَابٌ فرأَيْنَا بَرْقَه ...

ثم تَدَانَى فسَمِعْنَا صعْقَه وقوله: ﴿ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ أي يرون ذلك.

والمعنى: أخذتهم الصاعقة عيانًا (٦) (٧) وقال مجاهد: فجأة (٨) (٩) (١٠) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 179، "معالم التنزيل" 4/ 234.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "الوسيط" 4/ 179.

(٣) عند تفسيره لآية 19 من البقرة، ومما قال: الصاعقة والصعقة الصحية.

يغشي منها على من سمعها أو يموت ..

ويقال لها الصواعق الشديد من الرعد يسقط معها قطعة نار.

وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 777، "اللسان" 2/ 442 (صعق).

(٤) قرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) بإسكان العين من غير ألف.

وقرأ الباقون (الصاعقة) بالألف وكسر العين.

انظر: "حجة القراءات" 680 "النشر" 2/ 377، "الإتحاف" 399.

(٥) عويف بن معاوية بن عتيبة، شاعر أموي مقل، مدح الوليد، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، سمي عويف القوافي لقوله: سأكذب من قد كان يزعم أنني ...

إذا قلت شعرًا لا أجيد القوافيا انظر: "ألقاب الشعر" ص 309، "الأغاني" 19/ 184، "الخزانة" 6/ 384، والبيت في "اللسان" 2/ 442 (صعق)، "الحجة للقراء السبعة" 6/ 222.

(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 179، "معالم التنزيل" 4/ 234، "فتح القدير" 5/ 91.

(٧) لم أجده، وهو بمعنى الأول.

(٨) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 620، "جامع البيان" 27/ 5.

(٩) انظر: "جامع البيان" 27/ 5، "الوسيط" 4/ 179.

(١٠) الأنطاع: جمع نطع بالكسر من الأدَمِ والصَبرِ: شجر ورقه كقرب السكاكين طوال غلاظ، في خضرتها غُبْرة، وكُمْدَة مُقشَعرَّة المنظر.

انظر: "اللسان" 2/ 403 (صبر) 3/ 117 (قطع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما أن الحين هي الثلاثة الأيام بعد عقرهم الناقة والآخر أن الحين من بعد ما بعث صالح عليه السلام إلى حين هلاكهم، وعلى هذا يكون: فعتوا مترتباً بعد تمتعهم، وأما على الأول فيكن إخباراً عن حالهم غير مرتب على ما قبله ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة ﴾ يعني الصيحة التي صاحها جبريل ﴿ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ أي يعاينونها لأنها كانت بالنهار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه  بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار  ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.

عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.

فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟

قال: الرياح.

وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح  ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟

قال  : السحاب لأنها تحمل المطر.

وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.

قال: فالجاريات يسراً؟

قال  : الفلك والمراد جريان اليسر.

قال: فالمقسمات أمراً؟

قال  : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.

ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه  أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.

ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.

وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.

ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.

وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله  .

وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.

وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.

ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.

وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.

وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".

وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.

والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.

ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.

وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.

ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.

ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.

وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟

ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.

ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.

ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.

وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.

وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.

وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.

قال: إن فيض الله  لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.

وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.

ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.

وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.

وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.

ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.

وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.

وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.

ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.

ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.

ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.

ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة  ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.

قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.

وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.

وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.

والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.

وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.

والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.

ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.

وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.

الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال  " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال  : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.

وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.

وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.

ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة  ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى  ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.

وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.

ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.

وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.

وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.

قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.

وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.

﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.

وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.

ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب  .

و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.

قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟

قلت: من بني أصمع.

قال: من أين أقبلت؟

قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.

فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.

فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.

فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟

فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

ثم سلى نبيه  بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.

والضيف واحد.

وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون  ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.

قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.

وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.

﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.

والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.

قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.

قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.

وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.

﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟

فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".

والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.

وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟

فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.

فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.

وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة  ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.

قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.

قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.

قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه  ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.

والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.

وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به  كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.

فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.

والرميم ما رم وتفتت.

قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام  ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.

وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين  ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.

فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.

ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.

وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.

وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.

وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.

وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.

وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.

قال: كل اثنين منها زوج والله  فرد لا مثل له.

وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله  فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.

وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.

وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.

وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله  بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.

ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.

ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.

ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.

وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.

وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.

ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.

والمتين الشديد القوة.

ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.

واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .

فيما ذكر من قصة موسى، ولوط، وقصة إبراهيم، وقصة هود، وثمود، وهذه الأشياء تفسير لقوله  -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ  ﴾ ، ثم الآيات في الأرض من وجهين: أحدهما: فيما خلق في الأرض من الخلائق.

والثاني: فيما في الأرض من أنباء السلف وأخبارهم من مكذبي الرسل ومصدقيهم، أي: في هلاك من هلك من مكذبيهم، ونجاة من نجا من مصدقيهم آيات لمن ذكر، فهذه الأنباء والقصص التي ذكرت هاهنا تفسير لقوله: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فتولى هو وركنه، وهم جنوده وقومه عن اتباع موسى -  - وما يدعوهم إليه.

والثاني: فتولى هو بقوة ركنه، وهم قومه، أي: تولى عن الحق واتباع موسى -  - بقوة قومه ومعونتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ .

سماه: ساحراً بما أتى من الآيات المعجزة، وقومه إنما يعرفون وصف السحر على هذا الوجه، فسماه بذلك وإن أبقى هو أن مثل ذلك الفعل لا يكون سحراً؛ تمويها على قومه، وسماه مجنوناً، لما خاطر بنفسه بمخالفته، مع علمه أن همته القتل لمن خالفه في دينه وملكه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ﴾ .

وهذا يدل على أني تأويل قوله  : ﴿ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ ﴾ أي: تولى هو، وتولى قومه وجنوده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مُلِيمٌ ﴾ ، أي: يلام عليه.

وقال بعضهم: ﴿ مُلِيمٌ ﴾ أي: هو مذموم.

وقال القتبي: هو مذنب.

ثم دل قوله  : ﴿ فَنَبَذْنَاهُمْ ﴾ على أن الله  في أفعال العباد صنعا؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه، وهم الذين دخلوا في اليم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا ﴾ .

أي: في أمر عاد بينة وآية وعبرة للمؤمنين؛ كقوله  : ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴾ ، أي: أهلكوا بالريح، وقد بلغ من عتوهم أن قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ ، فأذلهم الله  حتى خضعوا لأضعف شيء، وأخافهم منه، نهي الأصنام التي عبدوها، حتى خوفوه وقالوا: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ وذلك غاية الذل والهوان، أن خافوا من أضعف شيء وأعجزه، بعدما بلغ من عتوهم وتمردهم أن قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ .

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴾ .

قال أبو عوسجة: تفسيرها ما ذكر في الآية: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ﴾ .

وقال غيره: العقيم هو الذي لا خير فيه ولا بركة؛ أي: عقمت عن الخيرات؛ ولذلك يقال للمرأة التي لا تلد، والرجل الذي لا يولد له: العقيم؛ لما أنه ليس منهما منفعة الولد ولا بركته؛ فعلى ذلك الريح العقيم، أي: لا منفعة فيها ولا بركة؛ فأما للمؤمنين، فهي نافعة - أيضاً - حيث أهلكت أعداءهم ولم تهلكهم، وفي ذلك تطهير الأرض عن نجاسة الكفر.

وفي الخبر عن رسول الله  أنه قال: "نصرت بالصَّبا، وأهلكت عاد بالدبور" وقيل: ﴿ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ﴾ : هي الدبور، وهي التي لا تلقح الأشجار والسحاب والنبات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ﴾ .

أي: ما تذر من شيء أنت عليه، وأمرت هي بأهلاكه، وأذن لها بذلك، إلا جعلته كالرميم؛ ألا ترى أنها أتت على أشياء لم تلهكها، وقد سلم -  - وقومه من المؤمنين، وإلى أنهم لما رأوها من بعد قالوا: ﴿ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  ﴾ ، فقال هود -  - ﴿ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ ، وما ذكر ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ  ﴾ ، أخبر أنها قد أبقت مساكنهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، أي: تدمر كل شيء أمرت وأذن لها بالتدمير؛ ليعلم أنها كانت تعمل بالأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: وفي أمر ثمود وإهلاكهم أيضاً آية وحجة للمؤمنين.

ثم ذكر عتوهم وتمردهم ﴿ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ ، وهو الثلاثة أيام التي ذكرت في آية أخرى، فقال: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ  ﴾ يخبر أن كان قد بلغ عتوهم أن قد أجابوا ثلاثة أيام لنزول العذا بهم، فلم يمنعهم ذلك عن عتوهم، ولم ينجع فيهم، وقومك يا محمد؛ حيث لم نذكر لعذابهم وقتا ولا أجلا أحق ألا ينجع فيهما ما توعدهم به، ولا ينفعهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ .

أي: عما أمروا بطاعة ربهم، والعتو: هو البلوغ في البأس والقساوة غايته؛ كقوله  : ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ أي: بائسا.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .

أي: إلى الصاعقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما استطاعوا في الانتصار لعذاب الله والقيام له والثاني: ما استطاعوا من دفع العذاب عن أنفسهم، لا بأنفسهم، ولا بغيرهم، ﴿ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ﴾ بالأنصار والأعوان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ﴾ .

أي: من أمر نوح -  - من قبل هؤلاء وإهلاكهم آية بينة وحجة للمؤمنين؛ على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فتكبروا عن أمر ربهم وعلوا استكبارًا على الإيمان والطاعة، فأخذتهم صاعقة العذاب وهم ينتظرون نزوله، إذ كانوا وعدوا بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام.

<div class="verse-tafsir" id="91.blxYe"

مزيد من التفاسير لسورة الذاريات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله