الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٤٨ من سورة الذاريات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 54 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٨ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
( والأرض فرشناها ) أي : جعلناها فراشا للمخلوقات ، ( فنعم الماهدون ) أي : وجعلناها مهدا لأهلها .
وقوله ( وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا ) يقول تعالى ذكره: والأرض جعلناها فراشا للخلق ( فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) يقول: فنعم الماهدون لهم نحن.
والأرض فرشناها أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها .فنعم الماهدون أي فنعم الماهدون نحن لهم .
والمعنى في الجمع التعظيم ; مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته ، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها .
{وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا} أي: جعلناها فراشًا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق به مصالحهم، من مساكن، وغراس، وزرع، وحرث وجلوس، وسلوك للطرق الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم، ولما كان الفراش، قد يكون صالحًا للانتفاع من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد، على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك فقال: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} الذي مهد لعباده ما اقتضته [حكمته] ورحمته وإحسانه.
( والأرض فرشناها ) بسطناها ومهدناها لكم ( فنعم الماهدون ) الباسطون نحن : قال ابن عباس : نعم ما وطأت لعبادي .
«والأرض فرشناها» مهدناها «فنعم الماهدون» نحن «ومن كل شيء» متعلق بقوله خلقنا زوجين.
والأرض جعلناها فراشًا للخلق للاستقرار عليها، فنعم الماهدون نحن.
( والأرض فَرَشْنَاهَا ) أى : وفرشنا الأرض بقدرتنا - أيضا - ، بأن مهدناها وبسطناها وجعلناها صالحة لمنفعتكم وراحتكم .( فَنِعْمَ الماهدون ) نحن ، يقال : مهدت الفراش ، إذا بسطته ووطأته وحسنته .وفى هاتين الآيتين ما فيهما من الدلالة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده ، حيث أوجد هذه السماء الواسعة التى تعتبر الأرض بما فيها كحلقة فى فلاة بالنسبة لها ، فهى تحوى مئات الملايين من النجوم المتناثرة فى أرجائها .
.
.
.
وأوجد - سبحانه - الأرض لتكون موطنا للإنسان ، ومنزلا لراحته .
استدلالاً بالأرض وقد علم ما في قوله: ﴿ والأرض فرشناها ﴾ وفيه دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء، لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش، وقوله تعالى: ﴿ فَنِعْمَ الماهدون ﴾ أي نحن أو فنعم الماهدون ماهدوها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِأَيْدٍ ﴾ بقوّة.
والأيد والآد.
القوّة.
وقد آد يئيد وهو أيد ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ لقادرون، من الوسع وهو الطاقة.
والموسع: القوى على الإنفاق.
وعن الحسن: لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعة ﴿ فَنِعْمَ الماهدون ﴾ فنعم الماهدون نحن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ ﴾ بِقُوَّةٍ.
﴿ وَإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ لَقادِرُونَ مِنَ الوُسْعِ بِمَعْنى الطّاقَةِ والمُوسِعُ القادِرُ عَلى الإنْفاقِ.
أوْ لَمُوسِعُونَ السَّماءَ أوْ ما بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ أوِ الرِّزْقِ.
﴿ والأرْضَ فَرَشْناها ﴾ مَهَّدْناها لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْها.
﴿ فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ أيْ نَحْنُ.
﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأجْناسِ.
﴿ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ نَوْعَيْنِ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْلَمُونَ أنَّ التَّعَدُّدَ مِن خَواصِّ المُمْكِناتِ وأنَّ الواجِبَ بِالذّاتِ لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ والِانْقِسامَ.
<div class="verse-tafsir"
{والأرض فرشناها} بسطناها ومهدناها وهي منصوبة بفعل مضمر أي فرشنا الأرض فرشناها {فَنِعْمَ الماهدون} نحن
﴿ والأرْضَ ﴾ أيْ وفَرَشْنا الأرْضَ ﴿ فَرَشْناها ﴾ أيْ مَهَدْناها وبَسَطْناها لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ولا يُنافِي ذَلِكَ شَبَهُها لِلْكُرَةِ عَلى ما يَزْعُمُهُ فَلاسِفَةُ العَصْرِ ﴿ فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ أيْ نَحْنُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ومُجاهِدُ وابْنُ مِقْسَمٍ بِرَفْعِ السَّماءِ ورَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وما بَعْدَهُما خَبَرٌ لَهُما ﴿ ومِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ ﴿ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ نَوْعَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى - قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ - وقالَ مُجاهِدُ: هَذا إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ كاللَّيْلِ والنَّهارِ والشِّقْوَةِ والسَّعادَةِ والهُدى والضَّلالِ والسَّماءِ والأرْضِ والسَّوادِ والبَياضِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرَيُ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالجِنْسِ المَنطِقِيِّ، وأقَلُّ ما يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعانِ فَخَلَقَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَوْهَرِ مَثَلًا المادِّيَّ والمُجَرَّدَ، ومِنَ المادِّيِّ النّامِيِّ والجامِدِ، ومِنَ النّامِيِّ المُدْرِكِ والنَّباتِ، ومِنَ المُدْرِكِ الصّامِتِ والنّاطِقِ وهو كَما تُرِيَ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْرِفُوا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الرَّبُّ القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ ولا تَعْبُدُوا ما سِواهُ، وقِيلَ: خَلَقَنا ذَلِكَ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا أنَّ التَّعَدُّدَ مِن خَواصِّ المُمَكَّناتِ وأنَّ الواجِبَ بِالذّاتِ سُبْحانَهُ لا يَقْبِلُ التَّعَدُّدَ والِانْقِسامَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّذَكُّرُ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ لِأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ وجْهٌ، وقَرَأ أبِي تَتَذَكَّرُونَ بِتاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَفِي مُوسى عطف على قوله وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: حجة بينة، وهي اليد، والعصا فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ يعني: أعرض عنه فرعون بجموعه.
يعني: مع جموعه وجنوده.
ويقال: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ يعني: أعرض بجانبه وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ يعني: عاقبناه، وجموعه نَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ قال الكلبي يعني: أغرقناهم في البحر وقال مقاتل يعني: في النيل هُوَ مُلِيمٌ يعني: يلوم نفسه، ويلومه الناس.
وقال: لِيمٌ أي: مذنب.
وقال أهل اللغة: ألام الرجل، إذا أتى بذنب يلام عليه.
ثم قال: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ يعني: سلطنا عليهم الريح الشديد، وإنما سميت عقيماً، لأنها لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم لا خير فيه.
ويقال: سميت عقيماً لأنها لا تلقح الأشجار، ولا تثير السحاب، وهي الدبور.
وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس- ما- قال: ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال، ولا أنزل سفرة من ريح إلا بمكيال، إلا قوم نوح طغى على خزانة الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل وروى عكرمة عن ابن عباس قال: العقيم الذي لا منفعة لها.
ثم قال: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما تترك من شيء هو لهم، ولا منهم، أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ يعني: مرت عليه إلا جعلته كالرماد.
ويقال: الرميم: الورق الجاف، المتحطم، مثل الهشيم المحتظر، كما قال كهشيم المحتظر، بعد ما كانوا كنخل متقصر.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أرسل على عاد من الريح، إلا مثل خاتمي هذا.
يعني: إن الريح العقيم تحت الأرض، فأخرج منها مثل ما يخرج من ثقب الخاتم، فأهلكهم.
ثم قال: وَفِي ثَمُودَ يعني: قوم صالح إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ يعني: قال لهم نبيهم صالح- - عيشوا إلى منتهى آجالكم، ولا تعصوا أمر الله فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يعني: تركوا طاعة ربهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يعني: العذاب.
قرأ الكسائي: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بغير ألف، وجزم العين.
والباقون: بألف.
وهي الصيحة التي أهلكتهم بالصعقة، قوله من قولك: صعقتهم الصاعقة.
يعني: أهلكتهم.
وروي عن ابن عمر- ما- أنه قرأ صعقة مثل الكسائي.
وَهُمْ يَنْظُرُونَ يعني: ظهرت النار من تحت أرجلهم، وهم يرونها بأعينهم.
ويقال: سمعوا الصيحة، وهم ينظرون متحيرون.
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ يعني: ما استطاعوا أن يقوموا لعذاب الله تعالى، حتى أهلكوا.
وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ يعني: ممتنعين من العذاب.
ثم قال: وَقَوْمَ نُوحٍ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وقوم نوح: بكسر الميم.
يعني: في قوم نوح كما قال: وفي ثمود.
والباقون: بالنصب.
يعني: وأهلكنا قوم نوح.
ويقال: معناه فأخذناه، وأخذنا مِنْ قَبْلُ هؤلاء الذين سميناهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: قوم نوح من قبل.
يعني: عاصين.
قوله عز وجل: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ يعني: خلقناها بقوة، وقدرة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: نحن قادرون على أن نوسعها كما نريد.
ويقال: وَالسَّماءَ صار نصباً لنزع الخافض.
ومعناه وفي السماء [الزخرف: 84] .
آية.
ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها يعني: وفي الأرض آية، بسطناها مسيرة خمسمائة عام من تحت الكعبة فَنِعْمَ الْماهِدُونَ يعني: نعم الماهدون نحن.
ويقال: في قوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يعني: نحن جعلنا بينهما، وبين الأرض سعة.
ثم قال عز وجل: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ يعني: صنفين، الذكر والأنثى، والأحمر والأبيض، والليل والنهار، والدنيا والآخرة، والشمس والقمر، والشتاء والصيف.
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فيما خلق الله، فتوحدوه.
قوله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ يعني: توبوا إلى الله من ذنوبكم.
ويقال: معناه فَفِرُّوا من الله إِلَى اللَّهِ أو فَفِرُّوا من عذاب الله، إلى رحمة الله، أو فَفِرُّوا من معصيته، إلى طاعته.
ومن الذنوب إلى التوبة.
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوفاً من عذاب الله تعالى بالنار وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: لا تقولوا له شريكاً، وولداً إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: فإن فعلتم، فإني لكم مخوف من عذابه، فلم يقبلوا قوله، وقالوا: هذا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.
يقول الله تعالى تعزية لنبيه : كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ يعني: هكذا ما أتى في الأمم الخالية من رسول، إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ كقول كفار مكة للنبي أَتَواصَوْا بِهِ يعني: توافقوا، وتواطؤوا فيما بينهم.
وأوصى الأول الآخر أن يقولوا ذلك.
ويقال: توافقوا، وتواطؤوا به كل قوم، وجعلوا كلمتهم واحدة أن يقولوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.
قال الله عزّ وجلّ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: عاتين في معصية الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَتَرَكْنا فِيها أي: في القرية، وهي سدوم آيَةً، قال أبو حيان «١» :
وَفِي مُوسى، أي: وفي قصة موسى، [انتهى] .
وقوله سبحانه في فرعون: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ أي: أعرض عن أمر اللَّه، ورُكْنُهُ: هو سلطانُه وجُنْدُهُ وشدَّةُ أمره، وقول فرعون في موسى: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ هو تقسيم، ظَنَّ أَنَّ موسى لا بُدَّ أَنْ يكونَ أَحَدَ هذين القسمين، وقال أبو عبيدةَ: «أو» هنا بمعنى الواو، وهذا ضعيف لا داعيةَ إليه في هذا الموضع.
وقوله: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ أي: ما تدع من شيء أتتْ عليه مِمَّا أذِنَ لها في إِهلاكه إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ: وهو الفاني المُتَقَطِّعُ يبساً أو قِدَماً من الأشجار/ والوَرَقِ والعِظَامِ، ورُوِيَ في حديث: أَنَّ تلك الريح كانت تَهُبُّ على الناس فيهم العاديُّ وغيرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العَادِيَّ من بين الناس وتذهب به.
وقوله سبحانه: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا أي: إذ قيل لهم في أول بَعْثِ صالح، وهذا قول الحَسَنِ «٢» ، ويحتمل: إذْ قيل لهم بعد عَقْرِ الناقة: تمتعوا في داركم ثلاثة أَيَّامٍ وهو قول الفرَّاء «٣» .
وقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي: يبصرون بعيونهم، وهذا قول الطبريِّ، ويحتمل أَنْ يريدَ وهم ينتظرون في تلك الأَيَّامِ الثلاثة، وهذا قول مجاهد «٤» .
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨)
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي: من مصارعهم قاله بعض المفسرين، وقال قتادة وغيره «٥» : معناه من قيام بالأمر النازل بهم ولا دَفْعِهِ عنهم.
وَقَوْمَ نُوحٍ بالنصب، وهو عَطْفٌ إمَّا على الضمير في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ، إذْ هو بمنزلة أَهلكتهم، وإمَّا على الضمير في قوله: نَبَذْناهُمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي عادٍ ﴾ أيْ: في إهْلاكِهِمْ آيَةٌ أيْضًا ﴿ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ وهي الَّتِي لا خَيْرَ فِيها ولا بِرْكَةَ، لا تُلْقِحُ شَجَرًا ولا تَحْمِلُ مَطَرًا، وإنَّما هي لِلْإهْلاكِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هي الجَنُوبُ.
﴿ ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ﴾ أيْ: كالشَّيْءِ الهالِكِ البالِي.
قالَ الفَرّاءُ: الرَّمِيمُ: نَباتُ الأرْضِ إذا يَبِسَ ودِيسَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّمِيمُ: الوَرَقُ الجافُّ المُتَحَطِّمُ مِثْلُ الهَشِيمِ.
﴿ وَفِي ثَمُودَ ﴾ آيَةٌ أيْضًا ﴿ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: تَمَتَّعُوا في الدُّنْيا إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِكم تَهَدُّدًا لَهم.
والثّانِي: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَكانَ الحِينُ وقْتَ فَناءِ آجالِهِمْ، ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَصَوْا أمْرَهُ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ يَعْنِي: العَذابَ، وهو المَوْتُ مِن صَيْحَةِ جِبْرِيلَ.
وَقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "الصَّعْقَةُ" [بِسُكُونِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ]؛ وهي الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ عَنِ الصّاعِقَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرَوْنَ ذَلِكَ عِيانًا.
والثّانِي: وهم يَنْتَظِرُونَ العَذابَ، فَأتاهم صَيْحَةٌ يَوْمَ السَّبْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما اسْتَطاعُوا نُهُوضًا مِن تِلْكَ الصَّرْعَةِ.
والثّانِي: ما أطاقُوا ثُبُوتًا لِعَذابِ اللَّهِ ﴿ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِخَفْضِ المِيمِ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ، رَفْعَ المِيمِ، والباقُونَ بِنَصْبِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن خَفَضَ القَوْمَ فالمَعْنى: وفي قَوْمِ نُوحٍ آيَةٌ، ومَن نَصَبَ فَهو عَطْفٌ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: أهْلَكْناهُمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: وأهْلَكَنا قَوْمَ نُوحٍ، والأحْسَنُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أغْرَقْناهُ، وأغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ.
﴿ والسَّماءَ بَنَيْناها ﴾ المَعْنى: وبَنَيْنا السَّماءَ بَنَيْناها (بِأيْدٍ) أيْ: بِقُوَّةٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ: ﴿ بِأيْدٍ ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لَمُوسِعُونَ الرِّزْقَ بِالمَطَرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي لَمُوسِعُونَ السَّماءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: لَقادِرُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: لَمُوسِعُونَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: لَذُو سَعَةٍ لا يَضِيقُ عَمّا يُرِيدُ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَرَشْناها ﴾ ، فالمَعْنى فَرَشْنا الأرْضَ فَرَشْناها ﴿ فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ أيْ: فَنِعْمَ الماهِدُونَ نَحْنُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ﴿ فَرَشْناها ﴾ أيْ: بَسَطْناها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهَذا بَعِيدٌ، وقَدْ قالَ قَتادَةُ: الأرْضُ عِشْرُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ: صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ كالذَّكَرِ والأُنْثى، والبَرِّ والبَحْرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، والحُلْوِ والمُرِّ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، وأشْباهِ ذَلِكَ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ الأزْواجِ واحِدٌ.
﴿ فَفِرُّوا إلى اللَّهِ ﴾ بِالتَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِكُمْ؛ والمَعْنى: اهْرَبُوا مِمّا يُوجِبُ العِقابَ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ إلى ما يُوجِبُ الثَّوابَ مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴾ ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ ﴿ والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ ﴿ والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ ﴾ ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "مِن قِيامٍ" مَعْناهُ: ما اسْتَطاعُوا أنْ يَقُومُوا مِن مُصارِعِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن قِيامٍ بِالأمْرِ ودَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لَهُ بِكَذا وكَذا قِيامٌ، أيِ: اسْتِصْلاحٌ وانْتِهاضٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "وَقَوْمَ نُوحٍ" بِالنَصْبِ، وهو عَطْفٌ إمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأخَذَتْهُمُ"؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ "أهْلَكْناهُمْ"، وإمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَنَبَذْناهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الوارِثِ -: "وَقَوْمُ نُوحِ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَوْمِ نُوحٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَفِي ثَمُودَ"، وقَدْ رُوِيَ النَصْبُ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَوْلُهُ تَعالى: "والسَماءَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وبَنَيْنا السَماءَ بَنَيْناها، وَ"الأيْدِ": القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ووَقَعَتْ في المُصْحَفِ بِياءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: [لَمُوسِعُونَ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنّا نُوَسِّعُ الأشْياءَ قُوَّةً وقُدْرَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: و ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ .
أيِ: الَّذِي يُوسِعُ أهْلَهُ إنْفاقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَمُوسِعُونَ في بِناءِ السَماءِ، أيْ جَعَلْناها واسِعَةً، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ: أوسَعُ الرِزْقِ بِمَطَرِ السَماءِ، و"الماهِدُ": المُهَيِّئُ المَوْطِئُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَهَّدُ ويَفْتَرِشُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ: مُصْطَحِبِينَ مُتَلازِمِينَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ مِنَ الأشْياءِ كاللَيْلِ والنَهارِ، والشِقْوَةِ والسَعادَةِ، والهُدى والضَلالَةِ، والسَماءِ والأرْضِ، والسَوادِ والبَياضِ، والصِحَّةِ والمَرَضِ، والكُفْرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي تُوجِدُ الضِدَّيْنِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ فِعْلًا واحِدًا كالتَسْخِينِ والتَبْرِيدِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى الأُنْثى والذَكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، والتَرَجِّي الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَعَلَّكُمْ" هو بِحَسَبِ خَلْقِ البَشَرِ وعُرْفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ والإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ وخِفَّةِ الذالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفِرُّوا إلى اللهِ ﴾ أمَرَ بِالدُخُولِ في الإيمانِ وطاعَةِ اللهِ تَعالى، وجَعَلَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الفِرارِ لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ وراءَ الناسِ عِقابًا وعَذابًا وأمْرًا حَقُّهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ، فَجُمِعَتْ لَفْظَةُ "فَرُّوا" بَيْنَ التَحْذِيرِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيُّ : « "لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ..."» الحَدِيثُ.
قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: مَن فَرَّ إلى غَيْرِ اللهِ تَعالى لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأصْنامِ والشَياطِينِ وكُلُّ مَدْعُوٍّ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الإبْلاغُ وهَزُّ النَفْسِ وتَحْكِيمُ التَحْذِيرِ، وإعادَةُ الألْفاظِ بِعَيْنِها في هَذِهِ المَعانِي بَلِيغَةٌ بِقَرِينَةِ شِدَّةِ الصَوْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ" تَقْدِيرُهُ: سِيرَةُ الأُمَمِ كَذَلِكَ، أوِ الأمْرُ في القَدِيمِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ ﴾ مَعْناهُ إلّا قالَ بَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ الجَمِيعِ، ألا تَرى أنَّ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقُولُوا قَطُّ: ساحِرٌ، وإنَّما قالُوا: بِهِ جِنَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفِرَقُ جُعِلَ الخَبَرُ عن ذَلِكَ بِإدْخالِ "أو" بَيْنَ الصِيغَتَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ عن نَبِيِّها: إنَّهُ ساحِرٌ أو هو مَجْنُونٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ كالمُتَقَدِّمَةِ في فِرْعَوْنَ، بَلْ هَذِهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قالُوا: هو ساحِرٌ، أو قالُو وهو مَجْنُونٌ.
<div class="verse-tafsir"
القول في تقديم ﴿ الأرض ﴾ على عامله، وفي مجيء طريقة الاشتغال كالقول في ﴿ والسماء بنيناها ﴾ [الذاريات: 47].
وكذلك القول في الاستدلال بذلك على إمكان البعث.
من دقائق فخر الدين: أن ذكر الأمم الأربع للإِشارة إلى أن الله عذّبهم بما هو من أسباب وجودهم، وهو التراب والماء والهواء والنار، وهي عناصر الوجود، فأهلك قوم لوط بالحجارة وهي من طين، وأهلك قوم فرعون بالماء، وأهلك عاداً بالريح وهو هواء، وأهلك ثموداً بالنار.
واستغنى هنا عن إعادة ﴿ بأييد ﴾ [الذاريات: 47] لدلالة ما قبله عليه.
والفرش: بسط الثوب ونحوه للجلوس والاضطجاع، وفي ﴿ فرشناها ﴾ استعارة تبعية، شبه تكوين الله الأرضَ على حالة البسط بفرش البساط ونحوه.
وفي هذا الفرش دلالة على قدرة الله وحكمته إذ جعل الأرض مبسوطة لمَّا أراد أن يجعل على سطحها أنواع الحيوان يمشي عليها ويتوسدُها ويضطجع عليها ولو لم تكن كذلك لكانت مُحدودبة تؤلم الماشي بَلْهَ المتوسد والمضطجع.
ولما كان في فرشها إرادة جعلها مَهداً لمن عليها من الإِنسان أتبع ﴿ فرشناها ﴾ بتفريع ثناء الله على نفسه على إجادة تمهيدها تذكيراً بعظمته ونعمته، أي فنعم الماهدون نحن.
وصيغة الجمع في قوله: ﴿ الماهدون ﴾ للتعظيم مثل ضمير الجمع في (...)، وروعي في وصف خلق الأرض ما يبدو للناس من سطحها لأنه الذي يهم الناس في الاستدلال على قدرة الله وفي الامتنان عليهم بما فيه لطفهم والرفق بهم، دون تعرض إلى تكويرها إذ لا يبلغون إلى إدراكه، كما روعي في ذكر السماء ما يبدو من قبة أجوائها دون بحث عن ترامي أطرافها وتعدد عوالمها لمثل ذلك.
ولذلك أتبع الاعتراض بالتذييل بقوله: ﴿ فنعم الماهدون ﴾ المراد منه تلقين الناس الثناء على الله فيما صنع لهم فيها من مِنَّةٍ ليشكروه بذلك الثناء كما في قوله: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ [الفاتحة: 2].
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ.
﴿ وَإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمُوسِعُونَ في الرِّزْقِ بِالمَطَرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لَمُوسِعُونَ السَّماءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: لَقادِرُونَ عَلى الِاتِّساعِ بِأكْثَرِ مِنَ اتِّساعِ السَّماءِ.
الرّابِعُ: لَمُوسِعُونَ بِخَلْقِ سَماءٍ مِلْثِها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: لَذُوُو سَعَةٍ لا يَضِيقُ عَلَيْنا شَيْءٌ نُرِيدُهُ.
﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ نَوْعَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَضى أمْرَ خَلْقِهِ ضِدَّيْنِ صِحَّةٍ وسُقْمٍ، وغِنًى وفَقْرٍ، ومَوْتٍ وحَياةٍ، وفَرَحٍ وحُزْنٍ، وضَحِكٍ وبُكاءٍ.
وَإنَّما جَعَلَ بَيْنَكم ما خَلَقَ وقَضى زَوْجَيْنِ لِيَكُونَ بِالوَحْدانِيَّةِ مُتَفَرِّدًا.
﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُونَ بِأنَّهُ واحِدٌ.
الثّانِي: تَعْلَمُونَ أنَّهُ خالِقٌ.
﴿ فَفِرُّوا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ فَتُوبُوا إلى اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الريح العقيم ﴾ قال: الشديدة التي لا تلقح شيئاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ قال: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، وفي قوله: ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ قال: كالشيء الهالك.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الريح العقيم ﴾ قال: ريح لا بركة فيها ولا منفعة ولا ينزل منها غيث ولا يلقح منها شجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الريح مسجنة في الأرض الثانية، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، قال: أي رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر ثور، قال له الجبار.
لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله: ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ » .
وأخرج الفريابي وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ النكباء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ الجنوب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ الصبا التي لا تلقح شيئاً، وفي قوله: ﴿ كالرميم ﴾ قال: الشيء الهالك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ الريح العقيم ﴾ التي لا تنبت وفي قوله: ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ قال: كرميم الشجر.
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه «عن رجل من ربيعة قال: قدمت المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عنده وافد عاد فقلت: أعوذ بالله أن أكون مثل وافد عاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما وافد عاد؟
فقلت: على الخبير سقطت، إن عاداً لما أقحطت بعثت قيلاً فنزل على بكر بن معاوية فسقاه الخمر وغنته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مهرة، فقال: اللهم إني لم آتك لمريض فأداويه ولا لأسير فأفاديه، فاسْق عبدك ما كنت مسقيه واسق معه بكر بن معاوية يشكر له الخمر الذي سقاه، فرفع له سحابات فقيل له: اختر إحداهن فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رماداً ومدداً لا تذر من عاد أحداً، وذكر أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر هذه الحلقة يعني حلقة الخاتم، ثم قرأه ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ » .
وأخرج البيهقي في سننه عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ﴾ قال: ثلاثة أيام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعتوا ﴾ قال: علواً وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ﴾ قال: فجأة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعتوا ﴾ قال: علواً وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ﴾ قال: فجأة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ قال: من نهوض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ قال: لم يستطيعوا أن ينهضوا بعقوبة الله إذ نزلت بهم، وفي قوله: ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ قال: لم يستطيعوا امتناعاً من أمر الله.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ قال: بقوة.
وأخرج آدم بن أبي اياس والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ قال: يعني بقوة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لموسعون ﴾ قال: لنخلق سماء مثلها وفي قوله: ﴿ والأرض فرشناها فنعم الماهدون ﴾ قال: الفارشون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴾ قال: الكفر والإِيمان، والشقاء والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والجن والإِنس، والبر والبحر، والشمس والقمر، وبكرة وعشية، ونحو هذا كله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أتواصوا به ﴾ قال: هل أوصى الأول الآخر منهم بالتكذيب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ﴾ قال ابن عباس: فنعم ما وطأت لعبادي (١) قال أبو إسحاق: المعنى: فنعم الماهدون نحن، ولكن اللفظ بقوله: ﴿ فَرَشْنَاهَا ﴾ يدل على المضمر المَحذوف (٢) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 180، "معالم التنزيل" 4/ 234.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 5/ 57.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ ﴾ أي بقوة، وانتصاب السماء بفعل مضمر ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه قادرون فهو من الوسع وهو الطاقة، ومنه ﴿ عَلَى الموسع قَدَرُهُ ﴾ [البقرة: 236] أي القوي على الإنفاق، والآخر جعلنا السماء واسعة، أو جعلنا بينها وبين الأرض سعة، والثالث أوسعنا الأرزاق بمطر السماء ﴿ فَنِعْمَ الماهدون ﴾ الماهد الموطئ للموضع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.
عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.
فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟
قال: الرياح.
وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟
قال : السحاب لأنها تحمل المطر.
وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.
قال: فالجاريات يسراً؟
قال : الفلك والمراد جريان اليسر.
قال: فالمقسمات أمراً؟
قال : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.
ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.
ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.
وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.
ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.
وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله .
وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.
وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.
ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.
وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.
وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".
وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.
والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.
ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.
وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.
ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.
وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟
ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.
ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.
ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.
وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.
وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.
وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.
قال: إن فيض الله لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.
وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.
ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.
وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.
وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.
ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.
وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.
ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.
ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.
ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.
ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.
قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.
وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.
وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.
والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.
وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.
والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.
ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.
وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.
الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.
وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.
وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.
ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.
وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.
ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.
وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.
وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.
قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.
وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.
﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.
وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.
ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب .
و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.
قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.
فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟
فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
ثم سلى نبيه بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.
والضيف واحد.
وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.
قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.
وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.
﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.
والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".
واعلم أنه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.
قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.
قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.
وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.
﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟
فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".
والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.
وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟
فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.
فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.
وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.
قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.
قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.
قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.
والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.
وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.
فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.
والرميم ما رم وتفتت.
قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.
وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.
فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.
ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.
وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.
وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.
وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.
وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.
قال: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له.
وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.
وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.
وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.
وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.
ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.
ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.
وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.
وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.
ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.
والمتين الشديد القوة.
ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.
واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ ﴾ .
أي: خلقناها بقوة، ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ أي: لقادرون.
وجائز أن يكون الموسع، الواجد؛ كقوله -: ﴿ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ ، أي: على الواجد الموسر قدره.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ في التدبير، تدبير جميع الخلق عليهم أرزاقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ ﴾ .
أي: بسطناها ومهدناها ﴿ فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ ﴾ لكم الأرض، حيث مهدها لكم مبسوطة مفترشة تجدونها كذلك ما كانوا وأينما كانوا، من غير تكلف، ويستعملونها كيف شاءوا في أي منفعة شاءوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ .
قال بعضهم: صنفين من الحيوان؛ فإنه خلقهم ذكراً وأنثى.
وقال بعضهم: ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، أي: لونين، نحو أبيض وأسود، وأحمر وأصفر.
والأول قول الزجاج، والثاني قول القتبي.
وأصله: أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، أي: شكلين، فيعلمون ببعضه بعضاً، أو ضدين فيناقض بعضه بعضا، والله - وتعالى - ليس بذي شكل، ولا ذي ضد؛ فيدل ما أنشأ من الأضداد والأشكال على وحدانيته وألوهيته.
والثاني: خلق الأشياء مختلفين متضادين؛ ليدل على إيجاب المحن عليهم من نحو عسر ويسر، وعناء وحاجة، وخير وشر؛ ليمتحنهم على اختلاف الأحوال وتضادها؛ فيرغبهم في كل مرغوب، ويحذرهم عن كل مرهوب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
أي: تذكرون آيات وحدانيته وألوهيته.
أو تذكرون - باختلاف الامتحان - البعث، والثواب، والعقاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، يحتمل وجوها: قال بعضهم: ففرقوا إلى توحيد الله من الشرك به؛ دليله قوله على إثره: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ وهو [قول] أبي بكر الأصم.
ويحتمل ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ففلرقوا إلى ما دعاكم الله تعلى إليه عما نهاكم عنه؛ كقوله : ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ، أي: ففرقوا إلى الأعمال الصالحة من الأعمال القبيحة.
ويحتمل: ففروا إلى ما وعد لكم من الثواب عما أوعد لكم من العقاب؛ أي: فروا إلى ثواب الله عن نقمته وعقابه.
ويحتمل: ففروا إليه في جميع حوائجكم، ولا تطلبوا شيئاً من ذلك من غيره؛ فإنه هو القادر عليها حقيقة؛ فيكون في الآية ترغيب في الرجوع إليه في الحوائج، وقطع الطمع عن غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: إني نذير لمن عبد دونه، أو سمى دونه إلها، ﴿ مُّبِينٌ ﴾ آيات ألوهيته ووحدانيته.
ويحتمل: إني لكم منه نذير مبين؛ لما يقع لكم به النذارة والبشارة.
وقال أبو بكر الأصم: إني لكم منه نذير مبين بما نزل بمكذبي الرسل بتكذيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ .
اي: لا تسمعوا مع ألوهية الله لأحد دون الله: ألوهيته، ولا تسموا دون الله: إلها.
أو يقول: لا تعبدوا الله إلها آخر؛ أي: معبودا آخر؛ فإنه لا يستحق دون الله أحد للعبادة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ لم يذكر في هذا الموضع القول منهم: إنهم قالوا للرسول: إنك ساحر أو مجنون، ولكن إن لم يكن مذكورا في ظاهره، لكن ما ذكر أن أوائلهم كانوا يقولون لرسلهم ذلك - دلالة أنهم قد قالوا: إنه ساحر، وإنه مجنوه؛ حيث قال: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ يصبر رسوله على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر والجنون؛ كقوله : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصبر على أذاهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: إنما قالوا: ساحر أو مجنون؛ لأن السحر والجنون عندهم واحد؛ كقول فرعون لموسى - - لما أتى به من الآيات: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ ؛ فلذلك قالوا مرة: ساحر، ومجنون مرة.
ولكن هذا فاسد؛ فإنه لا يحتمل أن يكون الجنون والسحر عندهم واحداً، لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم في كل شيء غايته، والمجنون هو الذي بلغ في الجهل غايته، ونسبوهم إلى السحر؛ لما أتى لهم من الآيات ما عجز الناس من إتيان مثلها، وقد عرفوا هم أ نها آيات - أعني: رؤساءهم وأئمتهم - لكن قالوا: إنها سحر؛ على إرادة التلبيس على الأتباع والعامة؛ لما عند الناسأن لا كل أحد يقدر على إتيان السحر، فقالوا: إنهم سحرة للرسل لهذا؛ وإنما نسبوهم إلى الجنون لما أنهم خالفوا الفراعنة والأكابر الذين كانت همتهم القتل وإهلاك من خالفهم في المذبه والأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
أي: أوصى أوائلهم أواخرهم في تسميتهم الرسل - عليهم السلام -: سحرة ومجانين؛ وأن يوافق بعضهم بعضا في نسبتهم الرسل إلى السحر والجنون، أي: لم يزل الكفرة يقولون لرسلهم ذلك.
ويحتمل أن يكون ذلك على التمثيل، لا على حقيقة القول منهم؛ لما كان اجتماعهم لأجل هذا القول في كل وقت؛ فصار ذلك الاجتماع منهم كالتواصي من بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
يخبر أنهم لا عن جهل وشبهة قالوا: إنهم سحرة، ولكن عن طغيان، وتعدي حد الله - عز وجل - والمجاوزة له؛ لأنه الطاغي هو المجاوز عن الحد الذي جعل له، والمتعدي عنه.
وقوله -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: لما نزل هذا خاف رسول الله وأصحابه - م - أنه ينزل بهم العذاب حتى نزل قوله : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
لكن عندنا يخرج قوله - -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: تولَّ عنهم، فأعرض ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ فإن الله سيكفيهم عنك، ويجازيهم مجازاة إساءتهم.
والثاني: يأمره بالإعراض والتولي عن قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ يؤيسه عن إيمانهم، ويقول: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون لك ولا يصدقونك، ولكن اشتغل بمن ترجو منه الإيمان، والله أعلم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة الأمر، ولكن على التخيير؛ أي: لك أن تتولى عنهم وتعرض؛ فإنك قد بلغت، وأعذرت في التبليغ والدعاء غايته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ .
جائز أن يكون المراد من نفي الشيء إثبات مقابل ذلك الشيء وضده؛ كقوله : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ [ذكر] الريح، والمراد: إثبات الخسران؛ كأنه قال: فيما ربحت تجارتهم؛ بل خسرت؛ فعل ذلك جائز قوله: ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ بل بمحمود، والله أعلم.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ ؛ لأنه قد بلغ الرسالة، وما أمر بتبليغه إلى الخلق، وقام بأمره ونصح خلقه، وخفض جناحه لهم، فكيف يلام؟!
أي: ما أنت بالذي تلام على صنيعك وعلى فعلك، وإن كان بعضه الناس يلومك، وهم الكفار.
وفيه دلالة الحفظ والعصمة له من الزيغ والزلات؛ إذ لو كان بالذي يحتمل الزيغ والزلة، لكان يحتمل الملامة؛ فدل أنه لا يحتمل الزيغ والعدول عن الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
جائز أن يكون الأمر بالتذكير للكل؛ ثم أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين، لا الكل.
وجائز: فذكر المؤمنين؛ فإن منفعة الذكر لهم، ولمن أنصف، دون المكابرين المعاندين، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
والأرض جعلناها ممهدة للساكنين عليها كالفراش لهم، فنعم الماهدون نحن إذ مهدناها لهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.oLoeb"