الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ٢٢ من سورة المجادلة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 110 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) أي : لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين ، كما قال تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ) [ آل عمران : 28 ] الآية ، وقال تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) [ التوبة : 24 ] وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره : أنزلت هذه الآية ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ) إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ، حين قتل أباه يوم بدر ولهذا قال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة ، رضي الله عنهم : " ولو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته " .
وقيل في قوله : ( ولو كانوا آباءهم ) نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر ( أو أبناءهم ) في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن ، ( أو إخوانهم ) في مصعب بن عمير ، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ ( أو عشيرتهم ) في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا ، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ، قتلوا عتبة ، وشيبة ، والوليد بن عتبة يومئذ ، والله أعلم .
قلت : ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين في أسارى بدر فأشار الصديق بأن يفادوا ، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين ، وهم بنو العم والعشيرة ، ولعل الله أن يهديهم .
وقالعمر : لا أرى ما رأى يا رسول الله ، هل تمكني من فلان ؟
- قريب لعمر - فأقتله ، وتمكن عليا من عقيل وتمكن فلانا من فلان ، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين .
.
.
القصة بكاملها .
وقوله : ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) أي : من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه ، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان ، أي : كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته .
وقال السدي : ( كتب في قلوبهم الإيمان ) جعل في قلوبهم الإيمان .
وقال ابن عباس : ( وأيدهم بروح منه ) أي : قواهم .
وقوله : ( ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ) كل هذا تقدم تفسيره غير مرة .
وفي قوله : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) سر بديع ، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضا عنهم ، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم ، والفوز العظيم ، والفضل العميم .
وقوله : ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) أي : هؤلاء حزب الله ، أي : عباد الله وأهل كرامته .
وقوله : ( ألا إن حزب الله هم المفلحون ) تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرهم في الدنيا والآخرة ، في مقابلة ما أخبر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان .
ثم قال : ( ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا هارون بن حميد الواسطي ، حدثنا الفضل بن عنبسة عن رجل قد سماه - يقال هو عبد الحميد بن سليمان انقطع من كتابي - عن الذيال بن عباد قال : كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري : اعلم أن الجاه جاهان ، جاه يجريه الله على أيدي أوليائه لأوليائه ، وأنهم الخامل ذكرهم ، الخفية شخوصهم ، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
" إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يدعوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله : ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) وقال نعيم بن حماد : حدثنا محمد بن ثور ، عن يونس ، عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم ، لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة ، فإني وجدت فيما أوحيته إلي : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) قال سفيان : يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان .
ورواه أبو أحمد العسكري .
القول في تأويل قوله تعالى : لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) يعني جلّ ثناؤه بقوله: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) لا تجد يا محمد قومًا يصدّقون الله، ويقرّون باليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله وشاقَّهما وخالف أمر الله ونهيه ( وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ ) يقول: ولو كان الذين حادّوا الله ورسوله آباءهم ( أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) وإنما أخبر الله جلّ ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ليسوا من أهل الإيمان بالله ولا باليوم الآخر، فلذلك تولَّوُا الذين تولَّوْهم من اليهود.
&; 23-258 &; وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) لا تجد يا محمد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادّون من حادّ الله ورسوله: أي من عادى الله ورسولَه.
وقوله: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ ) يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، كتب الله في قلوبهم الإيمان.
وإنما عُنِي بذلك: قضى لقلوبهم الإيمان، ففي بمعنى اللام، وأخبر تعالى ذكره أنه كتب في قلوبهم الإيمان لهم، وذلك لمَّا كان الإيمان بالقلوب، وكان معلومًا بالخبر عن القلوب أن المراد به أهلها، اجتزى بذكرها مِنْ ذكر أهلها.
وقوله: ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) يقول: وقوّاهم ببرهان منه ونور وهدى ( وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول: ويدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يقول: ماكثين فيها أبدا( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) بطاعتهم إياه في الدنيا( وَرَضُوا عَنْهُ ) في الآخرة بإدخاله إياهم الجنة ( أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ) يقول: أولئك الذين هذه صفتهم جند الله وأولياؤه ( أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ ) يقول: ألا إن جند الله وأولياءه ( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) يقول: هم الباقون المُنْجحون بإدراكهم ما طلبوا، والتمسوا ببيعتهم في الدنيا، وطاعتهم ربهم.
قوله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون أي : يحبون ويوالون من حاد الله ورسوله تقدم .
ولو كانوا آباءهم قال السدي نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي ، جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ماء ، فقال له : بالله يا رسول الله ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أبي ، لعل الله يطهر بها قلبه ؟
فأفضل له ، فأتاه بها ، فقال له عبد الله : ما هذا ؟
فقال : هي فضلة من شراب النبي صلى الله عليه وسلم جئتك بها تشربها ، لعل الله يطهر قلبك بها ، فقال له أبوه : فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها .
فغضب وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله !
أما أذنت لي في قتل أبي ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل ترفق به وتحسن إليه .
وقال ابن جريج : حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر ابنه صكة فسقط منها على وجهه ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : أو فعلته ، لا تعد إليه فقال : والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته .
وقال ابن مسعود : نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد وقيل : يوم بدر .
وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة وأبو عبيدة يحيد عنه ، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله ، فأنزل الله حين قتل أباه : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر الآية .
قال الواقدي : كذلك يقول أهل الشام .
ولقد سألت رجالا من بني الحارث بن فهر فقالوا : توفي أبوه من قبل الإسلام .
أو أبناءهم يعني أبا بكر دعا ابنه [ ص: 276 ] عبد الله إلى البراز يوم بدر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر .
أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر .
أو عشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر ، وعليا وحمزة قتلا عتبة وشيبة والوليد يوم بدر .
وقيل : إن الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، لما كتب إلى أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح ، على ما يأتي بيانه أول سورة ( الممتحنة ) إن شاء الله تعالى .
بين أن الإيمان يفسد بموالاة الكفار وإن كانوا أقارب .الثانية : استدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم .
قال أشهب عن مالك : لا تجالس القدرية وعادهم في الله ، لقوله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله .قلت : وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان .
وعن الثوري أنه قال : كانوا يرون أنها نزلت في من كان يصحب السلطان .
وعن عبد العزيز بن أبي داود أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر - إلى قوله - أولئك كتب في قلوبهم الإيمان أي : خلق في قلوبهم التصديق ، يعني من لم يوال من حاد الله .
وقيل : كتب أثبت ؛ قاله الربيع بن أنس .
وقيل : جعل ، كقوله تعالى : فاكتبنا مع الشاهدين أي : اجعلنا .
وقوله : فسأكتبها للذين يتقون وقيل : كتب أي : جمع ، ومنه الكتيبة ، أي : لم يكونوا ممن يقول نؤمن ببعض ونكفر ببعض .
وقراءة العامة بفتح الكاف من " كتب " ونصب النون من " الإيمان " بمعنى : كتب الله ، وهو الأجود ؛ لقوله تعالى : وأيدهم بروح منه وقرأ أبو العالية وزر بن حبيش والمفضل عن عاصم " كتب " على ما لم يسم فاعله " الإيمان " برفع النون .
وقرأ زر بن حبيش " وعشيراتهم " بألف وكسر التاء على الجمع ، [ ص: 277 ] ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم .
وقيل : كتب في قلوبهم أي : على قلوبهم ، كما في قوله في جذوع النخل وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان .وأيدهم قواهم ونصرهم بروح منه ، قال الحسن : وبنصر منه .
وقال الربيع بن أنس : بالقرآن وحججه .
وقال ابن جريج : بنور وإيمان وبرهان وهدى .
وقيل : برحمة من الله .
وقال بعضهم : أيدهم بجبريل عليه السلام .ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم أي : قبل أعمالهم ورضوا عنه فرحوا بما أعطاهم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون قال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني عن بعض مشايخه ، قال داود عليه السلام : إلهي ، من حزبك وحول عرشك ؟
فأوحى الله إليه : " يا داود الغاضة أبصارهم ، النقية قلوبهم ، السليمة أكفهم ، أولئك حزبي وحول عرشي " .
ختمت والحمد لله سورة ( المجادلة ) .
يقول تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملا على مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه.وهذا هو الإيمان على الحقيقة، الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان أي: رسمه وثبته وغرسه غرسا، لا يتزلزل، ولا تؤثر فيه الشبه والشكوك.وهم الذين قواهم الله بروح منه أي: بوحيه، ومعونته، ومدده الإلهي وإحسانه الرباني.وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه الدار، ولهم جنات النعيم في دار القرار، التي فيها من كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وتختار، ولهم أكبر النعيم وأفضله، وهو أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا، ويرضون عن ربهم بما يعطيهم من أنواع الكرامات، ووافر المثوبات، وجزيل الهبات، ورفيع الدرجات بحيث لا يرون فوق ما أعطاهم مولاهم غاية، ولا فوقه نهاية وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر، وهو مع ذلك مواد لأعداء الله، محب لمن ترك الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعمي لا حقيقة له، فإن كل أمر لا بد له من برهان يصدقه، فمجرد الدعوى، لا تفيد شيئا ولا يصدق صاحبها.تم تفسير قد سمع الله، بحمد الله وعونه وتسديده.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وسلم تسليما
قوله - عز وجل - ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) الآية .
أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين وأن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر ، وإن كان من عشيرته .
قيل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وسيأتي في سورة الممتحنة إن شاء الله - عز وجل - .
وروى مقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال : " ولو كانوا آباءهم " يعني : أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد " أو أبناءهم " يعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز وقال : يا رسول الله دعني أكن في الرحلة الأولى ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : متعنا بنفسك يا أبا بكر " أو إخوانهم " يعني : مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد " أو عشيرتهم " يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر ، وعليا وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) أثبت التصديق في قلوبهم فهي موقنة مخلصة ، وقيل : حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه ( وأيدهم بروح منه ) قواهم بنصر منه .
قال الحسن : سمى نصره إياهم روحا لأن أمرهم يحيا به .
وقال السدي : يعني بالإيمان .
وقال الربيع : يعني بالقرآن وحجته ، كما قال : " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " ( الشورى - 52 ) وقيل برحمة منه .
وقيل أمدهم بجبريل عليه السلام .
( ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) .
«لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون» يصادقون «من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا» أي المحادون «آباءهم» أي المؤمنين «أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم» بل يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان كما وقع لجماعة من الصحابة رضي الله عنهم «أولئك» الذين يوادونهم «كتب» أثبت «في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح» بنور «منه» تعالى «ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم» بطاعته «ورضوا عنه» بثوابه «أولئك حزب الله» يتبعون أمره ويجتنبون نهيه «ألا إن حزب الله همُ المفلحون» الفائزون.
لا تجد -أيها الرسول- قومًا يصدِّقون بالله واليوم الآخر، ويعملون بما شرع الله لهم، يحبون ويوالون مَن عادى الله ورسوله وخالف أمرهما، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو أقرباءهم، أولئك الموالون في الله والمعادون فيه ثَبَّتَ في قلوبهم الإيمان، وقوَّاهم بنصر منه وتأييد على عدوهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، ماكثين فيها زمانًا ممتدًا لا ينقطع، أحلَّ الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم، ورضوا عن ربهم بما أعطاهم من الكرامات ورفيع الدرجات، أولئك حزب الله وأولياؤه، وأولئك هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين الصادقين فقال : ( لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ ) .وقوله : ( يُوَآدُّونَ ) من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة .أى : لا تجد - أيها الرسول الكريم - قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان ، يوالون ويحبون من حارب دين الله - تعالى - وأعرض عن هدى رسوله .والمقصود من هذه الآي الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشبهاهم ، وإنما جاءت بصيغة الخبر ، لأنه أقوى وآكد فى التنفير عن موالاة أعداء الله ، إذ الإتيان بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى ، وأن الله - سبحانه - قد أخبر عنهم بذلك .وافتتحت الآية بقوله : ( لاَّ تَجِدُ قَوْماً ) لأن هذا الافتتاح يثير شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم .وقوله : ( وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ ) تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن حارب الله ورسوله ، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب .أى : من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله ، ولو كاه هؤلاء الأعداء .
( آبَآءَهُمْ ) الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم ( أَوْ أَبْنَآءَهُمْ ) الذين هم قطعة منهم .
( أَوْ إِخْوَانَهُمْ ) الذين تربطهم بهم رابطة الدم ( أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) التى ينتسبون إليها ، وذلك لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم كل شىء .وقدم الآباء لأنهم أول من تجب طاعتهم ، وثنى بالأبناء لأنهم ألصق الناس بهم ، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم ، وختم بالعشيرة لأن التناصر بها يأتى فى نهاية المطاف .ثم أثنى - سبحانه - على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء الله مهما بلغت درجة قرابتهم فقال : ( أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ) .أى : أولئك الذين لا يوادون أعداء الله مهما كانوا ، هم الذين كتب الله - تعالى - الإيمان فى قلوبهم ، فاختلط بها واختلطت به ، فصارت قلوبهم لا تحب إلا من أحب دين الله ، ولا تبغض إلا من أبغضه .( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ) أى : وثبتهم وقواهم بنور من عنده - سبحانه - فصاروا بسبب ذلك أشداء على الكفار ، رحماء بينهم .( وَيُدْخِلُهُمْ ) - سبحانه - يوم القيامة ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ) خلوداً أبديا ، ( رَضِيَ الله عَنْهُمْ ) بسبب طاعتهم له ، ( وَرَضُواْ عَنْهُ ) بسبب ثوابه لهم .( أولئك ) الموصوفون بذلك ( حِزْبُ الله ) الذى يشرف من ينتسب إليه .( أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون ) فلاحا ونجاحا ليس بعدهما فلاح أو نجاح .وقد ذكروا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية الكريمة ، منها : أنها نزلت فى أبى عبيدة عامر بن الجراح ، فقد قتل أباه - وكان كافرا - فى غزوة بدر .والآية الكريمة تصدق على أبى عبيدة وغيره ممن حاربوا أباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم ، عندما استحب هؤلاء الآباء والأبناء الكفر على الإيمان .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب عدم موالاة الكفار والفساق والمنافقين والمجاهرين بارتكاب المعاصى .
.
.
مهما بلغت درجة قرابتهم ، ومهما كانت منزلتهم .ومن دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندى يدا ولا نعمة " .
المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله، وذلك لأن من أحب أحداً امتنع أن يحب مع ذلك عدوه وهذا على وجهين: أحدهما: أنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب وداد أعداء الله، لم يحصل فيه الإيمان، فيكون صاحبه منافقاً والثاني: أنهما يجتمعان ولكنه معصية وكبيرة، وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافراً بسبب هذا الوداد، بل كان عاصياً في الله، فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاشرتهم، فما هذه المودة المحرمة المحظورة؟
قلنا: المودة المحظورة هي إرادة منافسه ديناً ودنيا مع كونه كافراً، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه، ثم إنه تعالى بالغ في المنع من هذه المودة من وجوه أولها: ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان لا يجتمعان.
وثانيها: قوله: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ والمراد أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مغلوباً مطروحاً بسبب الدين، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وعمر بن لخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وأبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «متعنا بنفسك» ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم بدر، أخبر أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضباً لله ودينه.
وثالثها: أنه تعالى عدد نعمه على المؤمنين، فبدأ بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أن من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة كيف يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء الله، واختلفوا في المراد من قوله: ﴿ كتب ﴾ أما القاضي فذكر ثلاثة أوجه على وفق قول المعتزلة أحدها: جعل في قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ما هم عليه من الإخلاص.
وثانيها: المراد شرح صدورهم للإيمان بالألطاف والتوفيق.
وثالثها: قيل في: ﴿ كتب ﴾ قضى أن قلوبهم بهذا الوصف، واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة نسلمها للقاضي ونفرع عليها صحة قولنا، فإن الذي قضى الله به أخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ، لو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذباً وهذا محال، والمؤدي إلى المحال محال، وقال أبو علي الفارسي معناه: جمع، والكتيبة: الجمع من الجيش، والتقدير أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان، أي استكملوا فلم يكونوا ممن يقولون: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ ومتى كانوا كذلك امتنع أن يحصل في قلوبهم مودة الكفار، وقال جمهور أصحابنا: ﴿ كتَب ﴾ معناه أثبت وخلق، وذلك لأن الإيمان لا يمكن كتبه، فلابد من حمله على الإيجاد والتكوين.
المسألة الثانية: روى المفضل عن عاصم: ﴿ كتب ﴾ على فعل مالم يسم فاعله، والباقون: ﴿ كتب ﴾ على إسناد الفعل إلى الفاعل والنعمة الثانية: قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ ﴾ وفيه قولان: الأول: قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، وسمى تلك النصرة روحاً لأن بها يحيا أمرهم والثاني: قال السدي: الضمير في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ عائد إلى الإيمان والمعنى أيدهم بروح من الإيمان يدل عليه قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ النعمة الثالثة: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ﴾ وهو إشارة إلى نعمة الجنة النعمة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ وهي نعمة الرضوان، وهي أعظم النعم وأجل المراتب، ثم لما عدد هذه النعم ذكر الأمر الرابع من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء الله فقال: ﴿ أولئك حِزْبُ الله أَلآَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون ﴾ وهو في مقابلة قوله فيهم: ﴿ أولئك حِزْبُ الشيطان أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون ﴾ .
واعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ ﴾ نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة وبالجملة فالآية زجر عن التودد إلى الكفار والفساق.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً ﴾ إلى آخره والله سبحانه وتعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً ﴾ من باب التخييل.
خيل أن من الممتنع المحال: أن تجد قوماً مؤمنين يوالون المشركين، والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم، وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءَهُمْ ﴾ وبقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴾ وبمقابلة قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان ﴾ [المجادلة: 99] بقوله: (أولئك حزب الله) فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو الإخلاص بعينه ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴾ أثبته فيها بما وفقهم فيه وشرح له صدورهم ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ بلطف من عنده حييت به قلوبهم.
ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به.
وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.
وعن عبد العزيز بن أبي رواد: أنه لقيه المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إليّ: ﴿ لا تجد قوما...
﴾ الآية» .
وروى: أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أنّ أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه صكة سقط منها، فقال له رسول الله: «أو فعلته» ؟
قال: نعم.
قال: «لا تعد» قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.
وقيل في أبي عبيدة بن الجراح: قتل أباه عبد الله الجراح يوم أحد.
وفي أبي بكر: دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال لرسول الله: دعني أكرّ في الرعلة الأولى: قال: «متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري» .
وفي مصعب بن عمير: قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد.
وفي عمر: قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر.
وفي علي وحمزة وعبيد بن الحرث: قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة» .
﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَجِدَهم وادِّينَ أعْداءَ اللَّهِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوادُّوهم.
﴿ وَلَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ ولَوْ كانَ المُحادُّونَ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمْ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يُوادُّوهم.
﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ أثْبَتَهُ فِيها، وهو دَلِيلٌ عَلى خُرُوجِ العَمَلِ مِن مَفْهُومِ الإيمانِ، فَإنَّ جُزْءَ الثّابِتِ في القَلْبِ يَكُونُ ثابِتًا فِيهِ، وأعْمالُ الجَوارِحِ لا تَثْبُتُ فِيهِ.
﴿ وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو نُورُ القَلْبِ أوِ القُرْآنِ، أوْ بِالنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ.
قِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( الإيمانَ ) فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياةِ القَلْبِ.
﴿ وَيُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بِطاعَتِهِمْ.
﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بِقَضائِهِ أوْ بِما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ.
﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ﴾ جُنْدُهُ وأنْصارُ دِينِهِ.
﴿ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُجادِلَةِ كُتِبَ مِن حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ».»
{لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يوادون} هو مفعول ثان لتجد أو حال أو صفة لقوما نجد بمعنى تصادف على هذا {مَنْ حَادَّ الله} خالفه وعاداه {ورسوله} أي من الممتع أن نجد قوما مؤمنين يوالون المشركون والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في الزجر عن مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم وزاد ذلك تأكيد وتشديد بقوله {ولو كانوا آباءهم أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} وبقوله {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أي وأثبته فيها وبمقابلة قوله أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان بقوله أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} أي بكتاب أنزله فيه حياة لهم ويجوز أن يكون الضمير للإيمان أي بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به وعن الثوري أنه قال كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان وعن عبد العزيز بن أبي رواد أنه لقيه المنصور فلا عرفه هرب منه وتلاها وقال سهل من صحح ايمانه وأخاص توحيده فإنه لا يأنس بمبتدع ولا يجالسه ويظهر له من نفسه العداوة ومن داهن مبتدعاً سلبه الله حلاوة السنن ومن أجاب مبتدعاً لطلب عز الدنيا أو غناها أذله الله بذلك العزو أفقر بذلك الغنى ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه ومن لم يصدق فليجرب {وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا رَضِىَ الله عَنْهُمْ} بتوحيدهم الخالص وطاعتهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} بثوابه الجسيم في الآخرة أو بما قضى عليهم في الدنيا {أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله} أنصار حقه ودعاة خلقه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون} الباقون في النعيم المقيم الفائزون بكل محبوب الآمنون من كل مرهوب
سورة الحشر مدينة وهي اربع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ، وتَجِدُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوادُّونَ ﴾ إلَخْ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وإمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أيْ قَوْمًا جامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِالآخِرِ وبَيْنَمُوادَّةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ بِذاكَ، والكَلامُ عَلى ما في الكَشّافِ مِن بابِ التَّخْيِيلِ خُيِّلَ أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ المُحالِ أنْ تَجِدَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ ﴿ يُوادُّونَ ﴾ المُشْرِكِينَ.
والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وحَقُّهُ أنْ يَمْتَنِعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ مُبالَغَةٌ في النَّهْيِ عَنْهُ والزَّجْرِ عَنْ مُلابَسَتِهِ والتَّصَلُّبِ في مُجانَبَةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، وحاصِلُ هَذا عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ مِن فَرْضِ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا مَحْسُوسًا حَيْثُ نَفى الوِجْدانَ عَلى الصِّفَةِ وأُرِيدَ نَفْيُ انْبِغاءِ الوِجْدانِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ فَجَعَلَ الواقِعَ نَفْيَ الوِجْدانِ، وإنَّما الواقِعُ نَفْيُ الِانْبِغاءِ فَخُيِّلَ أنَّهُ هو فالتَّصْوِيرُفِي جَعْلِ ما لا يَمْتَنِعُ مُمْتَنِعًا، وقِيلَ: المُرادُ لا تَجِدُ قَوْمًا كامِلِي الإيمانِ عَلى هَذِهِ الحالِ، فالنَّفْيُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ بِمُوادَّةِ المُحادِّينَ مُوالاتُهم ومُظاهَرَتُهم، والمُضارِعُ قِيلَ: لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، و ﴿ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ ظاهِرٌ في الكافِرِ وبَعْضُ الآثارِ ظاهِرٌ في شُمُولِهِ لِلْفاسِقِ، والأخْبارُ مُصَرِّحَةٌ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الفاسِقِينَ كالمُشْرِكِينَ بَلْ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِيمَن يُخالِطُ السُّلْطانَ، وفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ مَرْفُوعًا ««يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: وعِزَّتِي لا يَنالُ رَحْمَتِي مَن لَمْ يُوالِ أوْلِيائِي ويُعادِ أعْدائِي»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مَرْفُوعًا، «أوْثَقُ الإيمانِ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ - وفي رِوايَةٍ - ولا لِفاسِقِ عَلَيَّ يَدًا ولا نِعْمَةً فَيَوَدُّهُ قَلْبِي فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتَ إلَيَّ ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ »» وحَكى الكَواشِيُّ عَنْ سَهْلٍ أنَّهُ قالَ: مَن صَحَّحَ إيمانَهُ وأخْلَصَ تَوْحِيدَهُ فَإنَّهُ لا يَأْنَسُ إلى مُبْتَدِعٍ ولا يُجالِسُهُ ولا يُؤاكِلُهُ ولا يُشارِبُهُ ولا يُصاحِبُهُ ويُظْهِرُ لَهُ مِن نَفْسِهِ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، ومَن داهَنَ مُبْتَدِعًا سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى حَلاوَةَ السُّنَنِ، ومَن تَحَبَّبَ إلى مُبْتَدِعٍ يَطْلُبُ عِزَّ الدُّنْيا أوْ عَرَضًا مِنها أذَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ العِزِّ وأفْقَرَهُ بِذَلِكَ الغِنى ومَن ضَحِكَ إلى مُبْتَدِعٍ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى نُورَ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيُجَرِّبْ.
انْتَهى.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّ بَعْضَ المُنْتَسِبِينَ إلى المُتَصَوِّفَةِ - ولَيْسَ مِنهم ولا قُلامَةَ ظُفْرٍ - يُوالِي الظَّلَمَةَ بَلْ مَن لا عَلاقَةَ لَهُ بِالدِّينِ مِنهم ويَنْصُرُهم بِالباطِلِ ويُظْهِرُ مِن مَحَبَّتَهم ما يَضِيقُ عَنْ شَرْحِهِ صَدْرُ القِرْطاسِ، وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آياتُ اللَّهِ تَعالى وأحادِيثُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الزّاجِرَةُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ يَقُولُ: سَأُعالِجُ قَلْبِي بِقِراءَةِ نَحْوِ ورَقَتَيْنِ مِن كِتابِ المَثْنَوِيِّ الشَّرِيفِ لِمَوْلانا جَلال ِالدِّينِ القَوْنَوِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ وأذْهَبَ ظُلْمَتَهُ - إنْ كانَتْ- بِما يَحْصُلُ لِي مِنَ الأنْوارِ حالَ قِراءَتِهِ، وهَذا لَعَمْرِي هو الضَّلالُ البَعِيدُ، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ اجْتِنابُ مِثْلِ هَؤُلاءِ ﴿ ولَوْ كانُوا ﴾ أيْ مَن حادَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها ﴿ آباءَهُمْ ﴾ أيِ المُوادِّينَ ﴿ أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِالآخِرِ الَّذِي يُحْشَرُ المَرْءُ فِيهِ مَعَ مَن أحَبَّ أنْ يَهْجُرُوا الجَمِيعَ بِالمَرَّةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِمَن ذُكِرَ خُصُوصُهم وإنَّما المُرادُ الأقارِبُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الآباءَ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى أبْنائِهِمْ طاعَتُهم ومُصاحَبَتُهم في الدُّنْيا بِالمَعْرُوفِ، وثَنّى بِالأبْناءِ لِأنَّهم أعْلَقُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أكْبادَهم، وثَلَّثَ بِالإخْوانِ لِأنَّهُمُ النّاصِرُونَ لَهم: أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أخا لَهُ كَساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحٍ وخَتَمَ بِالعَشِيرَةِ لِأنَّ الِاعْتِمادَ عَلَيْهِمْ والتَّناصُرَ بِهِمْ بَعْدَ الإخْوانِ غالِبًا: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرُ خُشْنٍ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «وعَشائِرَهم» بِالجَمْعِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لايُوادُّونَهُمْوَإنْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمْ وأمَسَّهم رَحِمًا بِهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْفِي الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ أيْ أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها ولَمّا كانَ الشَّيْءُ يُرادُ أوَّلًا ثُمَّ يُقالُ ثُمَّ يُكْتَبُ عَبَّرَعَنِ المَبْدَأِ بِالمُنْتَهى لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُرُوجِ العَمَلِ مِن مَفْهُومِ -الإيمانِ - فَإنَّ جُزْءَ الثّابِتِ في القَلْبِ ثابِتٌ فِيهِ قَطْعًا، ولا شَيْءَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ يَثْبُتُ فِيهِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «كُتِبَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «الإيمانُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
﴿ وأيَّدَهُمْ ﴾ أيْ قَوّاهم ﴿ بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ أيْ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ مِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ بِالرُّوحِ نُورُ القَلْبِ وهو نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ تَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ والعُرُوجُ عَلى مَعارِجِ التَّحْقِيقِ، وتَسْمِيَتُهُ رُوحًا مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ الأبَدِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِعارَةً، وقَوْلُ بَعْضِ الأجِلَّةِ: إنَّ نُورَ القَلْبِ ما سَمّاهُ الأطِبّاءُ رُوحًا وهو الشُّعاعُ اللَّطِيفُ المُتَكَوِّنُ مِنَ القَلْبِ - وبِهِ الإدْراكُ - فالرُّوحُ عَلى حَقِيقَتِهِلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، أوِ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ، واخْتِيرَتِ الِاسْتِعارَةُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلَيْهِ شائِعُ أقْوالٍ.
وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ مِنهُ ﴾ لِلْإيمانِ، والمُرادُ بِالرُّوحِ الإيمانُ أيْضًا، والكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ البَدِيعِيِّ - فَمِن - بَيانِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى الخِلافِ فِيها، وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلى الإيمانِ عَلى ما مَرَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُدْخِلُهُمْ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِآثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى الأُخْرَوِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ألْطافِهِ سُبْحانَهُ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْ ويُدْخِلُهم في الآخِرَةِ.
﴿ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ورَضُوا عَنْهُ ﴾ بَيانٌ لِابْتِهاجِهِمْ بِما أُوتُوهُ عاجِلًا وآجِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ﴾ تَشْرِيفٌ لَهم بِبَيانِاخْتِصاصِهِمْ بِهِ تَعالى وقَوْلُهُسُبْحانَهُ: ﴿ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ والكَلامُ في تَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ - بِألا.
وإنَّ - عَلى ما مَرَّ في أمْثالِها، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ «أنَّ أبا قُحافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ صَكَّةً فَسَقَطَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أفَعَلْتَ يا أبا بَكْرٍ ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: لا تَعُدْ، قالَ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَضَرَبْتُهُ - وفي رِوايَةٍ - لَقَتَلْتُهُ فَنَزَلَتْ ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا ﴾ الآياتِ».
وقِيلَ: في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الجَرّاحِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَعَلَ والِدُ أبِي عُبَيْدَةَ يَتَصَدّى لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ فَلَمّا أكْثَرَ قَصَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ فَنَزَلَتْ ”لاتَجِدُ“ إلَخْ، وفي الكَشّافِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ الواقِدِيُّ في قِصَّةِ قَتْلِهِ إيّاهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ أهْلُ الشّامِ، وقَدْ سَألْتُ رِجالًا مِن بَنِي فِهْرٍ فَقالُوا: تُوُفِّيَ أبُوهُ قَبْلَ الإسْلامِ أيْ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ.
انْتَهى.
والحَقُّ أنَّهُ قَتَلَهُ في بَدْرٍ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ - أيْ أبُو عُبَيْدَةَ - قَتَلَ أباهُ وهو مِن جُمْلَةِ أسارى بَدْرٍ بِيَدِهِ لَمّا سَمِعَ مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يَكْرَهُ ونَهاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيهِ حَيْثُ قَتَلَ أباهُ.
«وفِي أبِي بَكْرٍ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: دَعْنِي أكُونُ في الرَّعْلَةِ الأُولى - وهي القِطْعَةُ مِنَ الخَيْلِ - قالَ: «مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ يا أبا بَكْرٍ ما تَعْلَمُ أنَّكَ عِنْدِي بِمَنزِلَةِ سَمْعِي وبَصَرِي»» وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ وفي عُمَرَ قَتَلَ خالَهُ العاصِ بْنَ هِشامٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
وفي عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وتَفْصِيلُ ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ومَعَهُ ابْنُهُ وأخُوهُ فَنادى مَن يُبارِزُ - إلى قَوْلِهِ - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : «قُمْ يا حَمْزَةُ قُمْ يا عَلِيُّ قُمْ يا عُبَيْدَةُ بْنَ الحارِثِ» فَأقْبَلَ حَمْزَةُ إلى عُتْبَةَ وأقْبَلْتُ إلى شَيْبَةَ واخْتَلَفَتْ بَيْنَ عُبَيْدَةَ والوَلِيدِ ضَرْبَتانِ فَأثْخَنَ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ ثُمَّ مِلْنا عَلى الوَلِيدِ فَقَتَلْناهُ واحْتَمَلْنا عُبَيْدَةَ.
هَذا ورَتَّبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ﴿ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ عَلى قِصَّةِ أبِي عُبَيْدَةَ وأبِي بَكْرٍ ومُصْعَبٍ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا ﴾ إلَخْ نَزَلَ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالآيِالَّتِي في المُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ، وأيًّا ما كانَ فَحُكْمُ الآياتِ عامٌّ وإنْ نَزَلَتْ في أُناسٍ مَخْصُوصِينَ كَما لا يَخْفى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يعادون الله ويخالفون الله ورسوله أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ يعني: في الأسفلين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار، وهم المنافقون ويقال: أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ يعني: في الهالكين.
قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ يعني: قضى الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي يعني: لأغلبن في الدنيا بالحجة والدلائل في الآخرة، ويقال: لَأَغْلِبَنَّ يعني: لأقهرن أنا ورسلي، فتكون العاقبة للمؤمنين.
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، ويقال: كَتَبَ اللَّهُ يعني: قضى الله ذلك قضاء ثابتاً لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، وغلبة الرسل تكون على نوعين: من بعث منهم في الحرب، فغلب في الحرب ومن بعث منهم بغير حرب فهو غالب بالحجة إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي: مانع حزبه من أن يذل والعزيز الذي لا يغلب ولا يقهر.
ثم قال: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني: البعث بعد الموت.
يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يتخذون خلة وصداقة مع الكافرين.
نزلت في «حاطب بن أبي بلتعة» وفيه نزل لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ثم قال عز وجل: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ يعني: لا تتخذوا مع الكافرين صداقة، وإن كانوا من أقربائه.
ثم قال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ يعني: الذين لا يتخذون مع الكافرين صداقة.
هم الذين جعل في قلوبهم الإيمان يعني: التصديق وَأَيَّدَهُمْ، يعني: أعانهم بِرُوحٍ مِنْهُ أي: قَوَّاهم بنور الإيمان وبإِحياء الإيمان، وذلك يوصلهم إلى الجنة، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، يعني: في الآخرة خالِدِينَ فِيها، يعني: في الجنة.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بإيمانهم وطاعتهم، وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب والجنة.
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ يعني: جند الله.
أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، يعني: جند الله هُمُ الناجون، الذين فازوا بالجنة وبنعمة الله تعالى وفضله والله أعلم بالصواب.
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)
وقوله سبحانه: أَأَشْفَقْتُمْ ...
الآية: الإشفاق: هنا الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به، أو من ذهاب المال في الصدقة.
وقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ...
الآية: المعنى: دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعِدُ شرعكم، ومَنْ قال: إنْ هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة فقوله ضعيف.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا: نزلت في قوم من المنافقين، تولوا قوماً من اليهود، وهمُ المغضوب عليهم، قال الطبري «١» : مَّا هُمْ مِنْكُمْ: يريد به المنافقين وَلا مِنْهُمْ أي: ولا من اليهود، وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: ١٤٣] كالشاة العائرة بين الغنمين، وتحتمل الآية تأويلاً آخرَ، وهو أَنْ يكونَ قوله: مَّا هُمْ يريد به اليهودَ وَلا مِنْهُمْ يريد به المنافقين، وَيَحْلِفُونَ: يعني المنافقين، وقرأ الحسن: اتّخذوا إيمانكم- بكسر الهمزة «٢» -، والجُنَّةُ: ما يُتَسَتَّرُ به، ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أَنَّهُ ستكون لهم أيمان يومَ القيامة بين يدي اللَّه تعالى، يخيل إليهم بجهلهم أَنَّها تنفعهم، وتُقْبَلُ منهم، وهذا هو حسابهم أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أي: على شيء نافع لهم.
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)
وقوله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ معناه: تَملَّكَهُمْ من كل جهة، / وغلب على نفوسهم، وحُكِيَ أَنَّ عمر قرأ: «اسْتَحَاذَ» «١» ، ثم قضى تعالى على مُحَادِّه بِالذُّلِّ، وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله سبحانه: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...
الآية: نَفَتْ هذه الآيةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يؤمن باللَّه حَقَّ الإيمان، ويلتزم شُعَبَهُ على الكمال- يوادّ كافرا أو منافقا، وكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ: معناه: أثبته وخلقه بالإيجاد.
وقوله: أُولئِكَ: إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية لأَنَّ المعنى:
لكنك تجدهم لا يوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّه.
وقوله تعالى: بِرُوحٍ مِنْهُ معناه: بهدى منه ونور وتوفيق إلهي ينقدح لهم من القرآن وكلام النبي صلّى الله عليه وسلّم و «الحزب» : الفريق، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ أيْ: قَضى اللَّهُ ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ وفَتَحَ الياءَ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن بُعِثَ مِنَ الرُّسُلِ بِالحَرْبِ، فَعاقِبَةُ الأمْرِ لَهُ، ومَن لَمْ يُبْعَثْ بِالحَرْبِ، فَهو غالِبٌ بِالحُجَّةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ أيْ: مانِعٌ حِزْبَهُ مِن أنْ يُذَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا.
.
.
﴾ الآيَةُ.
اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: نَزَلَتْ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قَتَلَ أباهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وفي أبِي بَكْرٍ «دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أكُونُ في الرَّعْلَةِ الأُولى، فَقالَ: مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ يا أبا بَكْرٍ،» وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ حِمْنَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وفي عَمْرٍو قَتَلَ خالَهُ العاصَ بْنَ هِشامٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
وفي عَلِيٍّ وحَمْزَةَ قَتَلا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ «أنَّ أبا قُحافَةَ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ، فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ صَكَّةً شَدِيدَةً سَقَطَ مِنها، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : "أوَ فَعَلْتَهُ"؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: فَلا تَعُدْ إلَيْهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَقَتَلْتُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ جالِسًا إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ماءً، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أبْقِ فَضْلَةً مِن شَرابِكَ، قالَ وما تَصْنَعُ بِها؟
قالَ: أسْقِيها أبِي، لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُطَهِّرُ قَلْبَهُ، فَفَعَلَ، فَأتى بِها أباهُ، فَقالَ: ما هَذا؟
قالَ: فَضْلَةٌ مِن شَرابِ رَسُولِ اللَّهِ جِئْتُكَ بِها لِتَشْرَبَها، لَعَلَّ اللَّهَ يُطَهِّرُ قَلْبَكَ، فَقالَ: هَلّا جِئْتَنِي بِبَوْلِ أُمِّكَ!
فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ائْذَنْ لِي في قَتْلِ أبِي، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ارْفُقْ بِهِ، وأحْسِنْ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَزَمَ عَلى قَصْدِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
وَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ بَيَّنَتْ أنَّ مَوَدَّةَ الكُفّارِ تَقْدَحُ في صِحَّةِ الإيمانِ، وأنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا لَمْ يُوالِ كافِرًا وإنْ كانَ أباهُ أوِ ابْنَهُ أوْ أحَدًا مِن عَشِيرَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ الَّذِينَ، يَعْنِي: الَّذِينَ لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "كُتِبَ" بِرَفْعِ الكافِ والنُّونِ مِنَ "الإيمانَ" .
وفي مَعْنى "كَتَبَ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أثْبَتَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّانِي: جَعَلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: حَكَمَ لَهم بِالإيمانِ.
وإنَّما ذَكَرَ القُلُوبَ، لِأنَّها مَوْضِعُ الإيمانِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والخامِسُ: جَمَعَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ حَتّى اسْتَكْمَلُوهُ، قالَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيَّدَهُمْ ﴾ أيْ: قَوّاهم ﴿ بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ وفي المُرادِ ﴿ بِالرُّوحِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
فَعَلى هَذا سُمِّيَ النَّصْرُ رُوحًا، لِأنَّ أمْرَهم يَحْيا بِهِ.
والثّانِي: الإيمانُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: الرَّحْمَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والخامِسُ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيَّدَهم بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
فَأمّا ﴿ حِزْبُ اللَّهِ ﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الدّاخِلُونَ في الجَمْعِ الَّذِينَ اصْطَفاهم وارْتَضاهُمْ، و"ألا" كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ وتَوْكِيدٍ لِلْقِصَّةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أو أبْناءَهم أو إخْوانَهم أو عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مَن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهَ عنهم ورَضُوا عنهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهَ ألا إنَّ حِزْبُ اللهَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُوجَدَ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ تَعالى حَقَّ الإيمانِ ويَلْتَزِمُ شُعَبَهُ عَلى الكَمالِ يُوادِّ كافِرًا أو مُنافِقًا، ومَعْنى "يُوادِّ" يَكُونُ بَيْنَهُما مِنَ اللُطْفِ بِحَيْثُ يَوَدُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: اللهُمَّ لا تَجْعَلْ لِمُشْرِكٍ قَبْلِي يَدًا فَتَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوَدَّةِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِها: لا يُوجَدُ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ والبَعْثِ يُوادُّ مَن حادَّ اللهَ مِن حَيْثُ هو مُحادٌّ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَوَدُّ المُحادَّةَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومُخاطَبَتِهِ أهْلَ مَكَّةَ، وَظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّها مُتَّصِلَةُ المَعْنى، وأنَّ هَذا في مَعْنى الذَمِّ لِلْمُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ، وإذا قُلْنا إنَّها في أمْرٍ حاطِبٍ جاءَ ذَلِكَ أجْنَبِيًّا في أمْرِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَ شَبِيهًا بِهِ، و"الإخْوانُ" هُنا إخْوَةُ النَسَبِ بِدَلِيلِ اقْتِرانِهِ بِالآباءِ، وعُرِفَ "الإخْوانُ" أنَّهُ في الأوِدّاءِ، كَما عُرِفَ "الإخْوَةُ" أنَّهُ في النَسَبِ، وقَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في إخاءِ الوِدِّ.
و ﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ مَعْناهُ: أثْبَتَهُ وخَلَقَهُ بِالإيجادِ، وذَهَبَ أبُو عَلَيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ عَلاماتٍ تعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَرَوْنَ العَبْدَ يَخْلُقُ إيمانَهُ، وقَدْ صَرَّحَ النَقّاشُ بِهَذا المَذْهَبِ، وما أراهُ إلّا قالَهُ غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما قالَ، وأمّا أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ فَعن بَصَرٍ بِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كَتَبَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، "والإيمانَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ-: "كَتَبَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، "والإيمانُ" بِالرَفْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَقْتَضِيهِمْ مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لَكِنَّكَ تَجِدُهم لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِرُوحٍ مِنهُ" بِهُدًى ولُطْفٍ ونُورٍ وتَوْفِيقٍ إلَهِيٍّ يَنْقَدِحُ مِنَ القُرْآنِ ومِن كَلامِ النَبِيِّ ، وقِيلَ: المَعْنى: بِالقُرْآنِ، لِأنَّهُ رُوحٌ، قِيلَ: المَعْنى: بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام.
و"الحِزْبُ": الفَرِيقُ الَّذِي يَجْمَعُهُ مَذْهَبٌ واحِدٌ، و"المُفْلِحُ": الفائِزُ بِبُغْيَتِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُجادَلَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَآدُّونَ مَنْ ﴾ .
كان للمنافقين قرابة بكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان نفاقهم لا يخفى على بعضهم، فحذر الله المؤمنين الخالصين من موادّة من يعادي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ورُويت ثمانية أقوال متفاوتة قوة أسانيد استقصاها القرطبي في نزول هذه الآية وليس يلزم أن يكون للآية سبب نزول فإن ظاهرها أنها متصلة المعنى بما قبلها وما بعدها من ذم المنافقين وموالاتهم اليهود، فما ذكر فيها من قصص لسبب نزولها فإنما هو أمثلة لمقتضى حكمها.
وافتتاح الكلام ب ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يثير تشويقاً إلى معرفة حال هؤلاء القوم وما سيساق في شأنهم من حكم.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه أمره بإبلاغ المسلمين أن موادّة من يعلم أنه محادّ الله ورسوله هي مما ينافي الإِيمان ليكف عنها من عسى أن يكون متلبساً بها.
فالكلام من قبل الكناية عن السعي في نفي وجدان قوم هذه صفتهم، من قبيل قولهم: لا أَرَيَنَّك هاهنا، أي لا تحضر هنا.
ومنه قوله تعالى: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ﴾ [يونس: 18] أراد بما لا يكون، لأن ما لا يعلمه الله لا يجوز أن يكون موجوداً، وكانت هذه عادة المؤمنين قبل الهجرة أيام كانوا بمكة.
وقد نقلت أخبار من شواهد ذلك متفاوتة القوة ولكن كان الكفر أيامئذٍ مكشوفاً والعداوة بين المؤمنين والمشركين واضحة.
فلما انتقل المسلمون إلى المدينة كان الكفر مستوراً في المنافقين فكان التحرز من موادّتهم أجدر وأحذر.
والمُوادّة أصلها: حصول المودّة في جانبين.
والنهي هنا إنما هو عن مودة المؤمن الكافرين لا عن مقابلة الكافر المؤمنين بالمودّة، وإنما جيء بصيغة المفاعلة هنا اعتباراً بأن شأن الودّ أن يجلب وُدًّا من المودود للوادّ.
وإما أن تكون المفاعلة كناية عن كون الودّ صادقاً لأن الوادَّ الصادق يقابله المودود بمثله.
ويعرف ذلك بشواهد المعاملة، وقرينة الكناية توجيه نفي وجدان الموصوف بذلك إلى القوم الذين يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يقل الله هنا ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28]، لأن المودة من أحوال القلب فلا تُتَصور معها التقية، بخلاف قوله: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28].
وقولُه: ﴿ ولو كانوا آباءهم ﴾ إلى آخره مبالغة في نهاية الأحوال التي قد يقدم فيها المرء على الترخص فيما نهي عنه بعلة قرب القرابة.
ثم إن الذي يُحَادُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن كان متجاهراً بذلك معلناً به، أو متجاهراً بسوء معاملة المسلمين لأجل إسلامهم لا لموجب عداوةٍ دنيوية، فالواجب على المسلمين إظهار عداوته قال تعالى: ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ [الممتحنة: 9] ولم يرخَّص في معاملتهم بالحسنى إلا لاتّقاء شرّهم إن كان لهم بأس قال تعالى: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28].
وأما من عدا هذا الصنف فهو الكافر الممسك شَرّه عن المسلمين، قال تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ﴾ [الممتحنة: 8].
ومن هذا الصنف أهل الذمة وقد بيّن شهاب الدين القرافي في الفرق التاسع عشر بعد المائة مسائل الفرق بين البرّ والمودة وبهذا تعلم أن هذه الآية ليست منسوخة بآية ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ [الممتحنة: 8] وأن لكل منهما حالتها.
ف ﴿ لو ﴾ وصلية وتقدم بيان معنى ﴿ لو ﴾ الوصلية عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة [آل عمران: 91] ورتبت أصناف القرابة في هذه الآية على طريقة التدلّي من الأقوى إلى من دونه لئلا يتوهم أن النهي خاص بمن تقوى فيه ظنة النصيحة له والائتمار بأمره.
وعشيرة الرجل قبيلته الذين يجتمع معهم في جد غير بعيد وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن أهل الإِيمان الكامل لا يوادُّون من فيه معنى من محادّة الله ورسوله بخرق سياج شريعته عمداً والاستخفاف بحرمات الإِسلام، وهؤلاء مثل أهل الظلم والعدوان في الأعمال من كل ما يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدّين وينبئ عن ضُعف احترامه للدين مثل المتجاهرين بالكبائر والفواحش الساخرين من الزواجر والمواعظ، ومثل أهل الزيغ والضلال في الاعتقاد ممن يؤذن حالهم بالإِعراض عن أدلة الاعتقاد الحق، وإيثار الهوى النفسي والعصبية على أدلة الاعتقاد الإِسلامي الحق.
فعن الثوري أنه قال: كانوا يرون تنزيل هذه الآية على من يصحب سلاطين الجَور.
وعن مالك: لا تجالِسْ القدرية وعَادِهم في الله لقوله تعالى: لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}.
وقال فقهاؤنا: يجوز أو يجب هجران ذي البدعة الضالّة أو الانغماس في الكبائر إذا لم يقبل الموعظة.
وهذا كله من إعطاء بعض أحكام المعنى الذي فيه حكم شرعي أو وعيد لمعنى آخر فيه وصفٌ من نوع المعنى ذي الحكم الثابت.
وهذا يرجع إلى أنواع من الشبَه في مسالك العلة للقياس فإن الأشياء متفاوتة في الشبه.
وقد استدل أيمة الأصول على حُجِّيّة الإِجماع بقوله تعالى: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبعْ غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنم ﴾ [النساء: 115] مع أن مهيع الآية المحْتج بها إنما هو الخروج عن الإِسلام ولكنهم رأوا الخروجَ مراتب متفاوتة فمخالفة إجماع المسلمين كلِّهم فيه شَبه اتّباع غير سبيل المؤمنين.
﴿ عَشِيرَتَهُمْ أولئك كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا رَضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أولئك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ ﴾ .
الإِشارة إلى القوم الموصوفين بأنهم ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ﴾ .
والجملة مُستأنفة استئنافاً بيانياً لأن الأوصاف السابقة ووقوعها عقب ما وصف به المنافقون من محادّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم سابقاً وآنفاً، وما توعدهم الله به أنه أعدّ لهم عذاباً شديداً ولهم عذاب مهين، وأنهم حزب الشيطان، وأنهم الخاسرون، مما يَستشرِف بعده السامع إلى ما سيخبر به عن المتصفين بضد ذلك.
وهم المؤمنون الذين لا يوادُّون من حادّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابة الإِيمان في القلوب نظير قوله: ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ [المجادلة: 21].
وهي التقدير الثابت الذي لا تتخلف آثاره، أي هم المؤمنون حقاً الذين زين الله الإِيمان في قلوبهم فاتّبعوا كمالَه وسلكوا شُعبه.
والتأييد: التقوية والنصر.
وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ وأيدناه بروح القدس ﴾ في سورة [البقرة: 87]، أي أن تأييد الله إياهم قد حصل وتقرّر بالإِتيان بفعل المضيّ للدلالة على الحصول وعلى التحقق والدوام فهو مستعمل في معنييه.
والروح هنا: ما به كمال نوع الشيء من عمل أو غيره، وروحٌ من الله: عنايته ولطفه.
ومعاني الروح في قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ في سورة [الإِسراء: 85]، ووعدهم بأنه يدخلهم في المستقبل الجنات خالدين فيها.
ورضَى الله عنهم حاصل من الماضي ومحقّق الدوام فهو مِثل الماضي في قوله: وأيدهم}، ورضاهم عن ربهم كذلك حاصل في الدنيا بثباتهم على الدين ومعاداة أعدائه، وحاصل في المستقبل بنوال رضى الله عنهم ونوال نعيم الخلود.
وأما تحويل التعبير إلى المضارع في قوله: ﴿ ويدخلهم جنات ﴾ فلأنه الأصل في الاستقبال.
وقد استغني عن إفادة التحقيق بما تقدمه من قوله تعالى: ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ﴾ .
وقوله: ﴿ أولئك حزب الله ﴾ إلى آخره كالقول في ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ [المجادلة: 19].
وحرف التنبيه يحصل منه تنبيه المسلمين إلى فضلهم.
وتنبيه من يسمع ذلك من المنافقين إلى ما حبا الله به المسلمين من خير الدنيا والآخرة لعل المنافقين يغبطونهم فيخلصون الإِسلام.
وشتان بين الحزبين.
فالخسران لحزب الشيطان، والفلاح لحزب الله تعالى.
﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ قَتادَةُ والفَرّاءُ.
الثّانِي: مَن خالَفَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مَن عادى اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَلَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما قالَهُ ابْنُ شَوْذَبٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قَتَلَ أباهُ الجَرّاحَ يَوْمَ بَدْرٍ، جَعَلَ يَتَصَدّى لَهُ، وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمّا أكْثَرَ قَصَدَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ.
وَرَوى سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ أبُو عُبَيْدَةَ حَيًّا لاسْتَخارَهُ، قالَ سَعِيدٌ: وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ النَّهْيِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ يُوادُّوا مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الصِّفَةِ لَهم والمَدْحِ بِأنَّهم لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وكانَ هَذا مَدْحًا.
﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأثْبَتَهُ، قالَ السُّدِّيُّ: فَصارَ كالمَكْتُوبِ.
الثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ.
الثّالِثُ: حَكَمَ لِقُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ سِمَةً لِلْإيمانِ عَلى أنَّهم مِن أهْلِ الإيمانِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أعانَهم بِرَحْمَتِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أيَّدَهم بِنَصْرِهِ حَتّى ظَفَرُوا.
الثّالِثُ: رَغَّبَهم في القُرْآنِ حَتّى آمَنُوا.
الرّابِعُ: قَوّاهم بِنُورِ الهُدى حَتّى صَبَرُوا.
الخامِسُ: قَوّاهم بِجِبْرِيلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِطاعَتِهِمْ.
﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَضُوا عَنْهُ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ.
الثّانِي: رَضُوا عَنْهُ في الدُّنْيا بِما قَضاهُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكْرَهُوهُ.
﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مِن عُصْبَةِ اللَّهِ فَلا تَأْخُذُهم لَوْمَةُ لائِمٍ.
الثّانِي: أنَّهم أنْصارُ حَقِّهِ ورُعاةُ خَلْقِهِ وهو مُحْتَمَلٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وقَدْ «سَمِعَ أباهُ أبا قُحافَةَ يَسُبُّ النَّبِيَّ فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ صَكَّةً فَسَقَطَ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، فَقالَ: (أوَفَعَلْتَهُ؟
لا تَعُدْ إلَيْهِ يا أبا بَكْرٍ) فَقالَ واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَضَرَبْتُهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» القَوْلُ الثّالِثُ: ما حَكى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وقَدْ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُنْذِرُهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمْ عامَ الفَتْحِ.
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بد ولا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ قال: كتب الله كتاباً فأمضاه.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه وابن عساكر عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله فنزلت ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: «حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر صكه فسقط، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفعلت يا أبا بكر؟
فقال: والله لو كان السيف مني قريباً لضربته» ، فنزلت ﴿ لا تجد قوماً ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ثابت بن قيس بن الشماس أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يزور خاله من المشركين فأذن له، فلما قدم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأناس حوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عطية عن رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يداً ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته إليّ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ » قال سفيان: يرون أنها أنزلت فيمن يخالط السلطان.
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أحب في الله وأبغض في الله وعاد في الله ووال في الله فإنما تنال الله بذلك، ثم قرأ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ﴾ الآية.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك إليّ فتعززت بي، فماذا عملت في ما لي عليك؟
قال يا رب: وما لك عليّ؟
قال: هل واليت لي ولياً أو عاديت لي عدواً؟» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبعث الله يوم القيامة عبداً لا ذنب له فيقول له: بأيّ الأمرين أحب إليك أن أجزيك بعملك أم بنعمتي عليك؟
قال: رب أنت تعلم أني لم أعصك، قال: خذوا عبدي بنعمة من نعمي فما يبقى له حسنة إلا استغرقتها تلك النعمة، فيقول: رب بنعمتك ورحمتك، فيقول: بنعمتي وبرحمتي ويؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له سيئة فيقال له: هل كنت توالي أوليائي؟
قال: يا رب كنت من الناس سلماً.
قال: هل كنت تعادي أعدائي قال: يا رب لم أكن أحب أن يكون بيني وبين أحد شيء، فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي» .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإِيمان الحب في الله والبغض في الله» .
وأخرج الديلمي من طريق الحسن عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً ولا نعمة فيوده قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت إليّ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ الآية» .
قوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ الأكثرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي - - إليهم لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة (١) (٢) (٣) وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أبي عبيدة (٤) - دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال رسول الله - -: "متعنا بنفسك يا أبا بكر"، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبه يوم بدر، أخبر الله تعالى أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضبًا لله ولدينه (٥) قوله: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ قال الزجاج: يعني الذين لا يوادون من حاد الله (٦) قوله: ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾ قال السدي ومقاتل: جعل في قلوبهم التصديق (٧) وقال الربيع: أثبت (٨) وقال أبو علي الفارسي: معناه جمع، والكتيبة: الجمع من الجيش.
والتقدير: أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان، أي استكملوه واستوعبوه فلم يكونوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض (٩) ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾ قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا علي عدوهم (١٠) (١١) وقال المقاتلان: برحمة منه (١٢) وقال الربيع، والسدي: يعني بالإيمان والقرآن (١٣) ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ الآية.
ثم أعلم الله -عز وجل- أن ذلك يوصلهم إلى الجنة فقال: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ إلى آخر الآية.
والله أعلم بالصواب.
(١) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 84 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 277.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 146 ب، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 142.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 141.
(٤) هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أمين هذه الأمة، وأحد المبشرين == بالجنة.
مات سنة (18 هـ) وله ثمان وخمسون سنة.
انظر: "طبقات ابن سعد" 3/ 409، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 5، و"العبر" 1/ 16، و"الإصابة" 3/ 379.
(٥) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 276، عن ابن عباس.
وذكره غيره عن مقاتل بن حيان، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود.
انظر: "الكشف والبيان" 12/ 84 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 478، و"معالم التنزيل" 4/ 312.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 142.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 146 ب.
(٨) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 84 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 308.
(٩) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 277.
(١٠) انظر: "غرائب القرآن" 28/ 29.
(١١) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 84 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 313.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 146 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 213، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 309.
(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 84 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 313، و"التفسير الكبير" 29/ 277.
﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً ﴾ الآية: معناها لا تجد مؤمناً يحب كافراً ولو كان أقرب الناس إليه، وهذه حال المؤمن الصادق الإيمان، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم إذا كانوا كفاراً، فقد قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه يوم أحد، وقتل مصعب بن عمير أخاه عزيزاً بن عمير يوم أحد، ودعا أبو بكر الصديق ابنه يوم بدر للبراز فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد، وقيل: إن الآية نزلت في حاطب حين كتب إلى المشركين يخبرهم بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحسن أنها على العموم، وقيل: نزلت فيمن يصحب السلطان وذلك بعيد ﴿ يُوَآدُّونَ ﴾ هذه مفاعلة من المودّة فتقضي أن المودّة من الجهتين ﴿ مَنْ حَآدَّ الله ﴾ أي عاداه وخالفه ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴾ أي أثبته فيها كأنه مكتوب ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ أي بلطف وهدى وتوفيق وقيل بالقرآن، وقيل بجبريل ﴿ أولئك حِزْبُ الله ﴾ هذه في مقابلة قوله: أولئك حزب الشيطان، والحزب هم الجماعة المتحزبون لمن أضيفوا إليه.
القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.
الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.
الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.
﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.
أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.
رويس.
﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.
الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.
الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.
التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.
وعن عمر أن النبي كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.
ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.
وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.
فقال لها: ما عندي في أمرك شيء.
وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.
وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.
ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.
والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.
"يروى أنه أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟
فقال : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال له: هل تستطيع العتق؟
فقال: لا والله.
فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟
فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .
وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه قال لها: حرمت عليه.
وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.
ثم إنه وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.
وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.
والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.
وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.
ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.
وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.
وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.
وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.
وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.
البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.
حجة الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.
وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.
واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.
وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.
وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟
على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.
وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.
وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.
وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.
ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟
وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.
قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.
الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي بتحرير رقبة.
وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.
فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.
وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.
البحث الثالث في المظاهر عنها.
ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".
ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.
وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟
والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله الكفارة على صاحب القول بعد العود.
سؤال آخر قوله ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي الذي هو أبو الأمة.
وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.
قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.
وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.
واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.
وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.
الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.
وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.
والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".
وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.
وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".
وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.
ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.
وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.
وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.
الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.
وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.
الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.
ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.
وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.
نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.
وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي المال والواو للحال.
مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.
"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .
الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.
وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.
وحجتهما أنه رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.
حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.
الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.
فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.
وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.
الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.
قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.
الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.
السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.
وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.
والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.
وقال الله ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.
وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.
والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.
السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.
والعبد الغائب.
إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.
الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.
فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.
والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.
ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.
أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.
التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.
وقال أبو حنيفة: يجزي.
العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي وقال: أطعم.
وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.
ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.
قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.
وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.
قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.
وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.
وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.
قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.
ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.
قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.
سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟
الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.
عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.
فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.
وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.
قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه يعلم الكليات دون الجزئيات.
ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.
وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.
ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله : أنا جليسك وأنيسك.
وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله عنه ببشارة المعية.
وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.
وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.
وخامسها وهو من السوانح.
أنه لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.
وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.
ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.
قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.
والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".
وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.
قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.
ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.
وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.
وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.
قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.
ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.
عن النبي " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".
وحين نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.
والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.
ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.
وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.
كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.
فيأبون حرصاً على الشهادة.
والقول الأول أصح.
قال مقاتل بن حيان: كان يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.
فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.
قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.
وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.
قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.
وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.
واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.
وعن مقاتل بقي عشرة أيام.
وعن علي : لما نزلت الآية دعاني رسول الله فقال: ما تقول في دينار؟
قلت: لا يطيقونه.
قال: كم؟
قلت: حبة أو شعيرة.
قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.
وعنه : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.
كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.
قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله .
قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.
وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.
وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي .
قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.
ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.
فقد روي عن ابن عمر كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.
وهل يقول منصف إن مناجاة النبي نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.
قاله ابن عباس.
وقيل: نسخت بآية الزكاة.
أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.
ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.
قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله ثم يرفع حديثه إلى اليهود.
فبينا رسول الله في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي : علام تشتمني أنت وأصحابك؟
فحلف بالله ما فعل.
فقال رسول الله : بل فعلت.
فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.
وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.
قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.
وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.
ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.
ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.
ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.
والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.
قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.
ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.
وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.
ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.
ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.
والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.
قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.
ولما كانت عزة أولياء الله غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.
ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.
قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.
فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟
كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.
ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.
وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.
قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله : أو قد فعلته؟
قال: نعم.
قال: لا تعد.
قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.
وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.
فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.
والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.
وقيل: معناه جمع.
والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.
وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.
ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ ﴾ .
يذكر سفه المنافقين لرسول الله لتوليهم قوماً غضب عليهم، على ما علم منهم أن الله - - قد غضب عليهم؛ لكنه تولوهم طمعا منهم في أموالهم وفيما كان عندهم من السعة وفضل الدنيا، ثم أخبر أنهم ليسوا منكم، أي: ليسوا على دينكم، ولا أنتم منهم، أي: على دينهم، أي: أولئك اليهود؛ لكنهم يتولونهم طمعاً فيما عندهم من فضل الدنيا.
﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
كأنه قيل لهم: لم توليتم قوماً غضب الله عليهم؟!
فحلفوا أنهم لم يتولوهم؛ فأخبر أنهم كاذبون في حلفهم.
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنهم تولوا اليهود سرّاً من المؤمنين، وحلفوا كذاباً، فأخبرهم رسول الله بتوليهم وكذبهم في الحلف؛ دل أنه - عليه الصلاة والسلام - عرف ذلك بالوحي ثم أخبر ما أعدّ لهم في الآخرة بتوليهم أولئك وحلفهم بالكذب، فقال: ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: قد أساءوا إلى أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ .
أي حلفهم الذي حلفوا: إنهم لم يتولوا أولئك اليهود جنة.
﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: صدوا أنفسهم عن سبيل الله، أو صدوا الناس عن سبيله بما ذكر.
﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
أي: يهانون في ذلك العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ .
يخبر أن أموالهم التي لأجلها تولوا اليهود وعاندوا المؤمنين لا تغنيهم تلك الأموال من عذاب الله شيئاً إذا نزل بهم، ثم أخبر عن شدة سفههم أنهم يحلفون في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا بقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ .
ثم فيه أن الآية لا تضطر أحداً إلى الإيمان به والتوحيد؛ لأن الآية [ليست] أعظم من قيام الساعة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب والكفر به، ولا اضطرهم إلى الإيمان به، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ في الدنيا؛ فإذا كان ما ذكرنا، كان تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : أنهم يؤمنون إذا شاء الله، ولا يؤمنون، وإن نزل عليهم الآيات التي ذكر، ولا آية أعظم مما ذكر من إنزال الملائكة، وإحياء الموتى، وتكليمهم أنهم على الباطل، وإن الحق هو الذي دعا رسول الله إليه؛ دل هذا كله أن الآية لا تضطر أهلها على الإيمان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ .
قال ابن عباس - ما -: ﴿ ٱسْتَحْوَذَ ﴾ ، أي: غلبهم الشيطان.
وقال مقاتل: أي أحاط بهم.
وقال الزجاج والقتبي: أي: استولى عليهم.
وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، وفيه أن الشيطان قد سلط عليهم حتى غلب عليهم بإجابتهم بما دعاهم إليه من معاداة الله ورسوله والمؤمنين، ولكن سلطانه على ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ فعليهم إذا عملوا بما أراد وأجابوه إلى ما دعا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: أي: أنساهم عظمة الله، أو نعم الله وإحسانه، أو شكر نعمه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ﴾ .
الحزب هو جمع الفرق؛ تحزبوا، أي: تفرقوا، فحزبه هو جنده كما قال أهل التأويل؛ لأنهم يصيرون فرقاً، ثم يجتمعون، فيكونون جندا له، وجند الرجل هم الذين يستعملهم فيما شاء من القتال وغيره، ويصدرون لرأيه؛ فعلى ذلك أولئك الكفرة هم جنده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾ .
لأنه مناهم في الدنيا أمورا، وأملهم تأميلات فيما اتبعوه، فلم يصلوا إلى شيء من ذلك، وفي الآخرة بقوله: أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ولهم فيها عذاب؛ فخسروا الدارين جميعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ ﴾ .
قيل: في الأسفلين، وقيل: في المهزومين، وقيل: في الآخرين، وقيل: هو في الآخرة؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، وأما في الدنيا فربما يكونون هم الغالبين.
ومنهم من يقول: ذلك في الدارين جميعاً هم الأذلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ﴾ .
أي: قضاء الله لأغلبين، ثم قال بعضهم: ليغلبن محمد كقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، وفعل ذلك.
وجائز أن يكون المراد منه جملة رسله؛ كقوله - -: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ثم الغلبة قد تكون من وجهين: أحدهما: بالحجج والبراهين، وما من رسول إلا وقد غلب على خصمانه بالحجة.
والثاني: بالقتال والحرب، وكانت العاقبة للرسل - عليهم السلام - لما لم يذكر أنه قتل رسول الله ، والله أعلم.
وإضافة الغلبة إلى نفسه؛ على إراة الرسل [و] أوليائه؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .
قوي بذاته؛ لأنه يكون قوة من دونه، وكذلك كل من دونه بتكوينه.
أو يكون فيه بشارة لأوليائه أنه قوي عزيز بذاته: أنه ينصركم على أعدائهم ويقهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ...
﴾ الآية.
قال عامة أهل التأويل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة؛ لأنه كان كتب إلى أهل مكة: إن رسول الله يقصد إليكم؛ فخذوا حذركم، وكان له بمكة أهل؛ فأراد أن يكون له عنددهم يد، فشعر بذلك رسول الله فقال: "ما حملك على هذا؟
فقال ما ذكرنا؛ فنزلت الآية فإن كان نزولها فيه على ما ذكروا فيه براءة من وجهين: أحدهما: أنه لم يرجع عن الإيمان والتصديق لرسول الله ، وأنه لا يعود إلى مثله بعد ذلك أبداً.
والثاني: أنه لم يقصد بصنيعه مودتهم؛ ولكن قصد إلقاء المودة إليهم؛ ليقع عندهم أنه وادهم، وهو في الحقيقة يلقي المودة، وقد يكون ذلك كقوله - -: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ ، والله أعلم.
وإن كانت الآية في غير حاطب فهي للمؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله - - وثبتوا عليه؛ لأن أهل الإيمان كانوا أصنافاً ثلاثة: صنف محققون، وصنف يظهرون القتال مع أعدائهم، وصنف منهم لا يقدرون على إظهار ذلك والمناصبة معهمه، ولكن يتبعون الأقوياء منهم فأهل الصنف الثالث مترددون يوادون الكفرة في السر، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ فجائز أن يكون قوله - -: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: الذين يحققون الإيمان بالله - - واليوم الآخر [لا] ﴿ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ ﴾ ؛ ولكن إما يوادهم من لم يحقق الإيمان؛ فيكون فيه إخبار عن إثبات الإيمان في قلوبهم كقوله - -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ ﴾ ، أي: أثبت في قلوبهم الإيمان؛ فلا يجعون عنه، وفيه أن الإيمان موضعه القلب.
وفي حرف ابن مسعود - -: (ما كان لقوم يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يوادوا من حاد الله) وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ .
قيل :أيدهم بنور الإيمان الذي أثبت في قلوبهم، وأخبر - عز وجل - أنه أثبت المؤمنين على الإيمان ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ ﴾ ، وقال: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ ، أي: برحمة منه.
ثم وصف ما أعد الله لهم في الآخرة فقال: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: جند الله، على ما ذكرنا: أنهم يأتمرون بأمره، ويقاتلون أعداءه، ويوالون أولياءه؛ فهم جند الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
قيل: هم الناجون، وقيل: الباقون في نعم الله - - والله أعلم بالصواب.
لا تجد -أيها الرسول- قومًا يؤمنون بالله ويؤمنون بيوم القيامة يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله، ولو كان هؤلاء الأعداء لله ولرسوله آباءهم، أو كانوا أبناءهم، أو كانوا إخوانهم، أو عشيرتهم التي ينتمون إليها؛ لأن الإيمان يمنع من موالاة أعداء الله ورسوله، ولأن رابطة الإيمان أعلى من جميع الروابط، فهي مُقَدَّمة عليها عند التعارض، أولئك الذين لا يوالون من عادى الله ورسوله -ولو كانوا أقرباء- هم الذين أثبت الله الإيمان في قلوبهم فلا يتغير، وقوّاهم ببرهان منه ونور، ويدخلهم يوم القيامة في جنات عدن تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، لا ينقطع عنهم نعيمها ولا يفنون عنه، م رضًا لا يسخط بعده أبدًا، ورضوا هم عنه لما أعطاهم من النعيم الَّذي لا ينفد، ومنه رؤيته سبحانه، أولئك الموصوفون بما ذُكِر جند الله الذين يمتثلون ما أمر به، ويكفّون عما نهى عنه، ألا إن جند الله هم الفائزون بما ينالونه من مطلوبهم، وبما يفوتهم من مرهوبهم في الدنيا والآخرة.