الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ٧ من سورة المجادلة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم ، وسماعه كلامهم ، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا ، فقال : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ) أي : من سر ثلاثة ( إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ) أي : يطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم ، ورسله أيضا مع ذلك تكتب ما يتناجون به ، مع علم الله وسمعه لهم ، كما قال : ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) [ التوبة : 78 ] وقال ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) [ الزخرف : 80 ] ; ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى ولا شك في إرادة ذلك ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم ، وبصره نافذ فيهم ، فهو سبحانه مطلع على خلقه ، لا يغيب عنه من أمورهم شيء .
ثم قال : ( ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) قال الإمام أحمد : افتتح الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى ( أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره؛ يقول جلّ ثناؤه: فكيف يخفى على من كانت هذه صفته أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم، ثم وصف جلّ ثناؤه قربه من عباده وسماعه نجواهم، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم، فيتحدثونه سرًا بينهم، فقال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ ) من خلقه، (إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ )، يسمع سرّهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم، (وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ &; 23-237 &; سَادِسُهُمْ ) يقول: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم كذلك، (وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ) يقول: ولا أقل من ثلاثة (وَلا أَكْثَرَ ) من خمسة، (إِلا هُوَ مَعَهُمْ ) إذا تناجوا، (أَيْنَمَا كَانُوا ) يقول: في أيّ موضع ومكان كانوا.
وعني بقوله: (هُوَ رَابِعُهُمْ )، بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه.
كما حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثني نصر بن ميمون المضروب، قال: ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك، في قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ ) ...
إلى قوله: (هُوَ مَعَهُمْ ) قال: هو فوق العرش وعلمه معهم (أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .
وقوله: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول تعالى ذكره: ثم يخبر هؤلاء المتناجين وغيرهم بما عملوا من عمل، مما يحبه ويسخطه يوم القيامة.(إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يقول: إن الله بنجواهم وأسرارهم، وسرائر أعمالهم، وغير ذلك من أمورهم وأمور عباده عليم.
واختلفت القراء في قراءة قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ )، فقرأت قرّاء الأمصار ذلك (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ) بالياء، خلا أبي جعفر القارئ، فإنه قرأه ( مَا تَكُونُ ) بالتاء.
والياء هي الصواب في ذلك، لإجماع الحجة عليها، ولصحتها في العربية.
قوله تعالى : ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض فلا يخفى عليه سر ولا علانية .ما يكون من نجوى قراءه العامة بالياء ، لأجل الحائل بينهما .
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعرج وأبو حيوة وعيسى " ما تكون " بالتاء لتأنيث الفعل .
والنجوى : السرار ، وهو مصدر ، والمصدر قد يوصف به ، يقال : قوم نجوى أي : ذوو نجوى ، ومنه قوله تعالى : وإذ هم نجوى .وقوله تعالى : ثلاثة خفض بإضافة نجوى إليها .
قال الفراء : ثلاثة نعت للنجوى فانخفضت ، وإن شئت أضفت نجوى إليها .
ولو نصب على إضمار فعل جاز ، وهي قراءة ابن أبي عبلة " ثلاثة " و " خمسة " بالنصب على الحال بإضمار يتناجون ؛ لأن نجوى يدل عليه ؛ قاله الزمخشري .
ويجوز رفع " ثلاثة " على البدل من موضع " نجوى " .
ثم قيل : كل سرار نجوى .
وقيل : النجوى : ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون به .
والسرار : ما كان بين اثنين .إلا هو رابعهم يعلم ويسمع نجواهم ، يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم .
وقيل : " النجوى " من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض ، فالمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به ، والمعنى أن سمع الله محيط بكل كلام ، وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها .ولا أدنى من ذلك ولا أكثر قرأ سلام ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى بالرفع على موضع من نجوى قبل دخول " من " لأن تقديره : ما يكون نجوى ، و ثلاثة يجوز أن يكون مرفوعا على محل لا مع أدنى كقولك : لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح الحول ورفع القوة .
ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء ، كقولك لا حول ولا قوة إلا بالله .
وقد مضى في ( البقرة ) بيان هذا مستوفى .
وقرأ الزهري وعكرمة " أكبر " بالباء .
والعامة بالثاء وفتح الراء على اللفظ وموضعها [ ص: 260 ] جر .
وقال الفراء في قوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم قال : المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سرا وجهرا ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد دون بعض .
وقيل : معنى ذلك أن الله معهم بعلمه حيث كانوا من غير زوال ولا انتقال .
ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئا سرا فأعلم الله أنه لا يخفى عليه ذلك ، قال ابن عباس .
وقال قتادة ومجاهد : نزلت في اليهود .
ثم ينبئهم يخبرهم بما عملوا من حسن وسيئ يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم .
وأنه { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا } والمراد بهذه المعية معية العلم والإحاطة بما تناجوا به وأسروه فيما بينهم، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ثم قال تعالى:
( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون ) قرأ أبو جعفر بالتاء ، لتأنيث النجوى ، وقرأ الآخرون بالياء لأجل الحائل ( من نجوى ثلاثة ) أي من سرار ثلاثة ، يعني من المسارة ، أي : ما من شيء يناجي به الرجل صاحبيه ( إلا هو رابعهم ) بالعلم .
وقيل : معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسار ، بعضهم بعضا إلا هو رابعهم بالعلم ، يعلم نجواهم ( ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ) قرأ يعقوب : " أكثر " بالرفع على محل الكلام قبل دخول " من " ( ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم )
«ألم تر» تعلم «أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم» بعلمه «ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم».
ألم تعلم أن الله تعالى يعلم كل شيء في السموات والأرض؟
ما يتناجى ثلاثة مِن خلقه بحديث سرٍّ إلا هو رابعهم بعلمه وإحاطته، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقلُّ من هذه الأعداد المذكورة ولا أكثرُ منها إلا هو معهم بعلمه في أيِّ مكان كانوا، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، ثم يخبرهم تعالى يوم القيامة بما عملوا من خير وشر ويجازيهم عليه.
إن الله بكل شيء عليم.
ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تَرَ .
.
.
) للتقرير ، والرؤية بمعنى العلم والإدراك القلبى .
.
.
والخطاب لكل من هو أهل له .والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة ، أى : ساررته بكلام على انفراد ، وأصله : أن تخلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من الأرض ، أى : فى مكان مرتفع منفصل عما حوله .وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشىء فيه معاونة على النجاة .وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما فى الآية التى معنا .قال الآلوسى : وقوله - تعالى - : ( مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) استئناف مقرر لما قبله من سعة عمله - تعالى - ، و " يكون " من كان التامة .
و " من " مزيدة و " نجوى " فاعل ، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله .
.
.
والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ) مفرغ من أهم الأحوال .
.
.والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن الله - تعالى - يعلم علما تاما ، ما فى السموات وما فى الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع .
.
وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم فى التناجى .( وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ) أى : ولا يكون التناجى بين خمسة إلا وهو - سبحانه - معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان التناجى بين ستة .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ) بيان لشمول علمه لجميع الأحداث .أى : ولا يقع التناجى بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالاثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم فى أى مكان كانوا ، وعلى أية حال وجدوا .( ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة ) أى : ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازيهم عليها بما يستحقونه من ثواب أو عقاب .( إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذى لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح - سبحانه - الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا - .قال الإمام الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها : أن هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان فى التناجى والمشاورة بقى الواحد ضائعا وحيداً ، فيضيق قلبه فيقول الله - تعالى - له : أنا جليسك وأنيسك .وثانيها : أن الآية نزلت فى قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجى مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أى كانوا فى مرة ثلاثة وفى مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع .ويبدو لنا ان ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلى من الآية الكريمة ، بيان أن علم الله - تعالى - يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ، ولذا قال - سبحانه - : ( وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ) .قال القرطبى : قال الفراء : المعنىغير مقصود ، والعدد غير مقصودن لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سراً وجهراً ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض .
.
ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ .
قال ابن عباس: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أي ألم تعلم وأقول هذا حق لأن كونه تعالى عالماً بالأشياء لا يرى، ولكنه معلوم بواسطة الدلائل، وإنما أطلق لفظ الرؤية على هذا العلم، لأن الدليل على كونه عالماً، هو أن أفعاله محكمة متقنة منتسقة منتظمة، وكل من كانت أفعاله كذلك فهو عالم.
أما المقدمة الأولى: فمحسوسة مشاهدة في عجائب السموات والأرض، وتركيبات النبات والحيوان.
أما المقدمة الثانية: فبديهية، ولما كان الدليل الدال على كونه تعالى كذلك ظاهراً لا جرم بلغ هذا العلم والاستدلال إلى أعلى درجات الظهور والجلاء، صار جارياً مجرى المحسوس المشاهد، فلذلك أطلق لفظ الرؤية فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ وأما أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلأن علمه علم قديم، فلو تعلق بالبعض دون البعض من أن جميع المعلومات مشتركة في صحة المعلومية لافتقر ذلك العلم في ذلك التخصيص إلى مخصص، وهو على الله تعالى محال، فلا جرم وجب كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، واعلم أنه سبحانه قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يقل: يعلم ما في الأرض وما في السموات وفي رعاية هذا الترتيب سر عجيب.
ثم إنه تعالى خص ما يكون من العباد من النجوى فقال: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ ﴾ .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن جني: قرأ أبو حيوة ﴿ مَا تَكُون مِن نجوى ثلاثة ﴾ بالتاء ثم قال والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه، لما هناك من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية، ولأنه وقع الفاصل بين الفاعل والمفعول، وهو كلمة من، ولأن النجوى تأنيثه ليس تأنيثاً حقيقياً، وأما التأنيث فلأن تقدير الآية: ما تكون نجوى، كما يقال: ما قامت امرأة وما حضرت جارية.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مَّا يَكُونُ ﴾ من كان التامة، أي ما يوجد ولا يحصل من نجوى ثلاثة.
المسألة الثالثة: النجوى التناجي وهو مصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ وقال الزجاج: النجوى مشتق من النجوة، وهي ما ارتفع ونجا، فالكلام المذكور سراً لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير، ويجوز أيضاً أن تجعل النجوى وصفاً، فيقال: قوم نجوى، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى ﴾ والمعنى، هم ذوو نجوى، فحذف المضاف، وكذلك كل مصدر وصف به.
المسألة الرابعة: جر ثلاثة في قوله: ﴿ مِن نجوى ثلاثة ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مجروراً بالإضافة والثاني: أن يكون النجوى بمعنى المتناجين، ويكون التقدير: ما يكون من متناجين ثلاثة فيكون صفة.
المسألة الخامسة: قرأ ابن أبي عبلة (ثلاثة) و(خمسة) بالنصب على الحال، بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه.
المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر الثلاثة والخمسة، وأهمل أمر الأربعة في البين، وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا أخذ إثنان في التناجي والمشاورة، بقي الواحد ضائعاً وحيداً، فيضيق قلبه فيقول الله تعالى: أنا جليسك وأنيسك، وكذا الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيداً فريداً، أما إذا كانوا أربعة لم يبق واحد منهم فريداً، فهذا إشارة إلى أن كل من انقطع عن الخلق ما يتركه الله تعالى ضائعاً.
وثانيها: أن العدد الفرد أشرف من الزوج، لأن الله وتر يحب الوتر، فخص الأعداد الفرد بالذكر تنبيهاً على أنه لابد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور.
وثالثها: أن أقل مالا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة، حتى يكون الإثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما، فحينئذ تكمل تلك المشورة ويتم ذلك الغرض، وهكذا في كل جمع اجتمعوا للمشاورة، فلابد فيهم من واحد يكون حكماً مقبول القول، فلهذا السبب لابد وأن تكون أرباب المشاورة عددهم فرداً، فذكر سبحانه الفردين الأولين واكتفى بذكرهما تنبيهاً على الباقي.
ورابعها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين، وكانوا على هذين العددين، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمرو، وصفوان بن أمية، كانوا يوماً يتحدثون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما تقول؟
وقال الثاني: يعلم البعض دون البعض، وقال الثالث: إن كان يعلم البعض فيعلم الكل.
وخامسها: أن في مصحف عبدالله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا أخذوا في التناجي).
المسألة السابعة: قرئ: ﴿ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ ﴾ بالنصب على أن لا لنفي الجنس، ويجوز أن يكون ﴿ وَلاَ أَكْثَرَ ﴾ بالرفع معطوفاً على محل (لا) مع (أدنى)، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة والثالث: يجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله والرابع: أن يكون ارتفاعهما عطفاً على محل ﴿ مِن نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، والخامس: يجوز أن يكونا مجرورين عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.
المسألة الثامنة: قرئ: ﴿ وَلا أَكْبَرَ ﴾ بالباء المنقطعة من تحت.
المسألة التاسعة: المراد من كونه تعالى رابعاً لهم، والمراد من كونه تعالى معهم كونه تعالى عالماً بكلامهم وضميرهم وسرهم وعلنهم، وكأنه تعالى حاضر معهم ومشاهد لهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة.
المسألة العاشرة: قرأ بعضهم: ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم ﴾ بسكون النون، وأنبأ ونبأ واحد في المعنى، وقوله: ﴿ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة ﴾ أي يحاسب على ذلك ويجازي على قدر الاستحقاق، ثم قال: ﴿ أَنَّ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ وهو تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا يَكُونُ ﴾ من كان التامة.
وقرئ بالياء والتاء، والياء على أنّ النجوى تأنيثها غير حقيقي ومن فاصله.
أو على أنّ المعنى ما يكون شيء من النجوى.
والنجوى: التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافة إلى ثلاثة، أي: من نجوى ثلاثة نفر.
أو موصوفة بها، أي: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل.
أو جعلوا نجوا في أنفسهم مبالغة، كقوله تعالى: ﴿ خَلَصُواْ نَجِيّا ﴾ [يوسف: 80] وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ ثلاثة وخمسة ﴾ ، بالنصب على الحال بإضمار يتناجون؛ لأن نجوى يدل عليه.
أو على تأويل نجوى بمتناجين، ونصبها من المستكن فيه.
فإن قلت: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن قوما من المنافقين تحلقوا للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثة وخمسة، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك ﴿ وَلاَ أدنى مِن ﴾ عدديهم ﴿ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ ﴾ والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية: كانوا يوماً يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟
فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.
وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله؛ وصدق.
لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها لأن كونه عالماً بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولى النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم الاستصواب.
ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال: ﴿ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ ﴾ فدلّ على الاثنين والأربعة وقال ﴿ وَلاَ أَكْثَرَ ﴾ فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه.
وفي مصحف عبد الله: إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا.
وقرئ: ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ ، بالنصب على أن لا لنفي الجنس.
ويجوز أن يكون: ولا أكثر، بالرفع معطوفاً على محل مع أدنى، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوّة.
ويجوز أن يكون مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفاً على محل (لا) ﴿ مِن نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.
ويجوز أن يكونا مجرورين عطفاً على نجوى، كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.
وقرئ: ﴿ ولا أكبر ﴾ بالباء.
ومعنى كونه معهم: أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة.
وقرئ ﴿ ثم ينبئهم ﴾ على التخفيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ كُلِّيًّا وجُزْئِيًّا.
﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ أيْ ما يَقَعُ مِن تَناجِي ثَلاثَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أوْ يُؤَوَّلَ نَجْوى بِمُتَناجِينَ ويُجْعَلَ ( ثَلاثَةٍ ) صِفَةً لَها، واشْتِقاقُها مِنَ النَّجْوَةِ وهي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ فَإنَّ السِّرَّ أمْرٌ مَرْفُوعٌ إلى الذِّهْنِ لا يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ.
﴿ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ إلّا اللَّهُ يَجْعَلُهم أرْبَعَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشارِكُهم في الِاطِّلاعِ عَلَيْها، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
﴿ وَلا خَمْسَةٍ ﴾ ولا نَجْوى خَمْسَةٍ.
﴿ إلا هو سادِسُهُمْ ﴾ وتَخْصِيصُ العَدَدَيْنِ إمّا لِخُصُوصِ الواقِعَةِ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَناجِي المُنافِقِينَ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، والثَّلاثَةُ أوَّلِ الأوْتارِ أوْ لِأنَّ التَّشاوُرَ لا بُدَّ لَهُ مِنِ اثْنَيْنِ يَكُونانِ كالمُتَنازِعَيْنِ وثالِثٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُما، وقُرِئَ ثَلاثَةً و «خَمْسَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ بِإضْمارِ يَتَناجَوْنَ أوْ تَأْوِيلِ نَجْوى بِمُتَناجِينَ.
﴿ وَلا أدْنى مِن ذَلِكَ ﴾ ولا أقَلَّ مِمّا ذَكَرَ كالواحِدِ والِاثْنَيْنِ.
﴿ وَلا أكْثَرَ ﴾ كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها.
﴿ إلا هو مَعَهُمْ ﴾ يَعْلَمُ ما يَجْرِي بَيْنَهم.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ولا أكْثَرُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ مِن نَجْوى أوْ مَحَلِّ لا أدْنى بِأنْ جُعِلَتْ لا لِنَفْيِ الجِنْسِ.
﴿ أيْنَ ما كانُوا ﴾ فَإنَّ عِلْمَهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ.
﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ تَفْضِيحًا لَهم وتَقْرِيرًا لِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الجَزاءِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِيَةَ لِلْعِلْمِ إلى الكُلِّ عَلى السَّواءِ.
<div class="verse-tafsir"
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض مَا يَكُونُ} من كان التامة أي ما يقع {مِن نجوى ثلاثة} النجوى التناجي وقد أضيفت إلى ثلاثة أي من نجوى ثلاثة نفر {إِلاَّ هُوَ} أي الله {رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى} ولا أقل {مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ} يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه وقد تعالى عن المكان علواً كبيراً وتخصيص الثلاثة والخمسة لأنها نزلت في المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين وقيل ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله معهم يسمع
ما يقولون ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب وأول عددهم الاثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال لا أدنى مِن ذَلِكَ فدل على الاثنين والأربعة وقال وَلاَ أَكْثَرَ فدل على ما يقارب هذا العدد {ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة} فيجازيهم عليه {إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ}
وقَدْ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِالعِلْمِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ إلَخْ، وخَتَمَ جَلَّ وعَلا بِالعِلْمِ أيْضًا حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ، ومِن هُنا قالَ مُعْظَمُ السَّلَفِ فِيما ذُكِرَ في البَيْنِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ”رابِعُهم وسادِسُهم ومَعَهم“ أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْنُهُ تَعالى كَذَلِكَ بِحَسَبِالعِلْمِ مَعَ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤَوَّلُونَ، وكَأنَّهم لَمْ يَعُدُّواذَلِكَ تَأْوِيلًا لِغايَةِ ظُهُورِهِ واحْتِفافِهِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً لا خَفاءَ فِيها، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ما شاعَ مِن أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يعادون، ويشاقون الله ورسوله، ويقال يشاقون أولياء الله ورسوله، يعني: الذين يشاقون أولياء الله، لأن أحداً لا يعادي الله، ولكن من عادى أولياء الله فقد عادى الله تعالى.
ثم قال: كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل: أخذوا كما أخذ الذين من قبلهم من الأمر ويقال: عذبوا كما عذب الذين من قبلهم، وقال أبو عبيد: أهلكوا ويقال: غيظوا كما غيظ الذين من قبلهم والكبت هو الغيظ، ويقال: أحزنوا، وقال الزجاج: أذلوا وغلبوا وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يعني: القرآن فيه بيان أمره ونهيه ويقال: آيات واضحات وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه، ثم قال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الأولين والآخرين يبعثهم الله من قبورهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر ليعلموا وجوب الحجة عليهم أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يعني: حفظ الله عليهم أعمالهم وهم نسوا أعمالهم ويقال: وَنَسُوهُ يعني: وتركوا العمل في الدنيا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يعني: شاهداً بأعمالهم ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ يعني: ألم تعلم، اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يعني: أنك تعلم، ويقال: معناه إني أعلمتك أن الله يعلم.
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.
يعني: سر أهل السموات وسر أهل الأرض مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني: لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم.
وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني: كان هو سادسهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم.
وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني: عالم بهم وبأحوالهم أَيْنَ ما كانُوا في الأرض.
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر.
وذلك أن نفراً كانوا يتناجون عند الكعبة قال بعضهم لبعض: لا ترفعوا أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد .
ويقال إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، فامتنعوا من ذلك ثم عادوا إلى النجوى.
يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني: عن قول السر فيما بينهم، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني: بالكذب وَالْعُدْوانِ يعني: بالجور والظلم، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الله وأمر الرسول .
قرأ حمزة وينتجون، والباقون وَيَتَناجَوْنَ وهما لغتان، يقال: تناجى القوم وانتجوا.
ثم قال: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: إذا جاءك اليهود حيوك بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا دخلوا على رسول الله : السام عليكم.
فيقول: وعليكم.
فقالت عائشة- ا- وعليكم السام، لَعَنَكُم الله وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ.
فقال النبي : «مَهْلاً يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بالرِّفْقِ.
وَإيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» .
قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟
قال: «أَوَ لَمْ تَسْمَعِي ما رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟
فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» .
فقالت اليهود فيما بينهم: لو كان رسول الله كما يقول، لا ستجيب دعاؤه علينا حيث قال: عليكم، فنزل وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: سلموا عليك بما لم يحيك به الله يعني: بما لم يأمرك به الله أن تحيي به، ويقال: بما لم يسلم عليك به الله.
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: فيما بينهم.
لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يعني: هلا يعذبنا الله بِما نَقُولُ لنبيه، يقول الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يعني: مصيرهم إلى جَهَنَّمُ، يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها، فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ما صاروا إليه.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ قال مقاتل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- باللسان دون القلب- إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وذلك أن النبيّ كان إذا بعث سرية، كان المنافقون يتناجون فيما بينهم ليحزنوا المؤمنين.
وهذا الخطاب للمخلصين في قول بعضهم، لأن الله تعالى أمرهم أن لا يتناجوا بالإثم والعدوان، كفعل المنافقين يعني: بالعداوة والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الرسول أي: لا تخالفوا أمره وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: بالذي أمركم الله تعالى به، بالطاعة والتقى يعني: ترك المعصية.
ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، فلا تتناجوا بمثل ما تتناجى اليهود والمنافقون.
الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم.
ثم قال عز وجل: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ يعني: نجوى المنافقين من تزيين الشيطان.
قال قتادة: إذا رأى المسلمون المنافقين جاءوا متناجين، فشق عليهم، فنزل إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ نجوى المنافقين في المعصية من الشيطان.
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ نافع لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بضم الزاء، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد.
ثم قال: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً يعني: ليس نجوى المنافقين يضر شيئاً للمؤمنين، أي: لا يضرهم إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، إلا أن يشاء.
الله ثم أمر المؤمنين بأن يتوكلوا على الله، وهو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.
وقوله سبحانه: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...
الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا ...
الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربّصون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويّ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: منافقوا الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ:
كُبِتُوا: أُحْزِنُوا.
وقوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ/ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: العامل في يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر.
وقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ ...
الآية، قال ابن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى المُحادَّةِ في [التَّوْبَةِ: ٦٣] ومَعْنى ﴿ كُبِتُوا ﴾ في "آلِ عِمْرانَ" عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْزُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ بِالهَزِيمَةِ كَما أُخْزِيَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِمَّنْ قاتَلَ الرُّسُلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ ﴿ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا ﴾ مِن مَعاصِيهِ، وتَضْيِيعِ فَرائِضِهِ "أحْصاهُ اللَّهُ" أيْ: حَفِظَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ "وَنَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ" مِن أعْمالِهِمْ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ "شَهِيدٌ" ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "ما تَكُونُ" بِالتّاءِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النَّجْوى: السِّرارُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما يَكُونُ مِن خَلْوَةِ ثَلاثَةٍ يُسِرُّونَ شَيْئًا، ويَتَناجَوْنَ بِهِ "إلّا هو رابِعُهُمْ" أيْ: عالِمٌ بِهِ.
"وَنَجْوى" مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو ما ارْتَفَعَ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ "وَلا أكْثَرُ" بِالرَّفْعِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ إلا هو مَعَهُمْ ﴾ أيْ: عِلْمُهُ مَعَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللهُ ونَسُوهُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا في المَدِينَةِ يَتَمَرَّسُونَ بِرَسُولِ اللهِ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَوائِرَ، ويُدَبِّرُونَ عَلَيْهِ، ويَتَمَنَّوْنَ فِيهِمُ المَكْرُوهَ، ويَتَناجَوْنَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى آخِرِ أمْرِ النَجْوى فِيهِمْ.
و"المُحادَّةُ": أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ صاحِبَهُ حَدَّ قَوْلِهِ أو سِلاحَهُ وسائِرَ أفْعالِهِ، وقالَ قَوْمٌ: هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حَدٍّ وصاحِبُهُ في حَدٍّ مُخالِفٍ.
و"كُبِتَ الرَجُلُ" إذا بَقِيَ حَزِينًا يُبْصِرُ ما يَكْرَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ، وقالَ قَوْمٌ -مِنهم أبُو عُبَيْدَةَ -: أصْلُهُ: كَبَّدُوا، أيْ: أصابَهم داءٌ في أكْبادِهِمْ، فَأُبْدِلَتِ الدالُّ تاءً، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ.
و"الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" هم مُنافِقُو الأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ حادُّوا الرُسُلَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ قَدِيمًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ يُرِيدُ: في هَذا القُرْآنِ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بَأعْذَرَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ ﴾ ، العامِلُ في "يَوْمَ" "مُهِينٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنَسُوهُ" نِسْيانٌ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَحْفَظُ تَفاصِيلَ أعْمالِهِ ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقَفَ مُحَمَّدٌ تَوْقِيفًا تُشارِكُهُ فِيهِ أُمَّتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ ، يَحْتَمِلُ "نَجْوى" أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا إلى "ثَلاثَةٍ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن سِرارٍ ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ "نَجْوى" أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جَمِعًا مِنَ الناسِ سَمّى بِالمَصْدَرِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ أيْ: أُولُو نَجْوى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثَلاثَةٍ" -عَلى هَذا- بَدَلًا مِن "نَجْوى" أوَصِفَةً، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ ومَقْدِرَتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ما يَكُونُ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ما تَكُونُ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أرْبَعَةَ إلّا اللهُ خامِسُهُمْ"، وكَذَلِكَ: "إلّا اللهُ رابِعُهُمْ" و"إلّا اللهُ سادِسُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَلا أكْثَرَ" عَطْفًا عَلى اللَفْظِ المَخْفُوضِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا أكْثَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: ما يَكُونُ نَجْوى، ومَن جَعَلَ النَجْوى مَصْدَرًا مَحْضًا قَدَّرَ قَبْلَ "أدْنى" فِعْلًا تَقْدِيرُهُ: ولا يَكُونُ أدْنى، وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "وَلا أكْبَرَ" بِالباءِ واحِدَةً مِن تَحْتٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي هو تخلص من قوله تعالى: ﴿ أحصاه الله ونسوه ﴾ [المجادلة: 6] إلى ذكر علم الله بأحوال المنافقين وأحلافهم اليهود.
فكان المنافقون يناجي بعضهم بعضاً ليُرِيَ للمسلمين مودة بعض المنافقين لبعض فإن المنافقين بتناجيهم يظهرون أنهم طائفة أمرها واحد وكلمتها واحدة، وهم وإن كانوا يظهرون الإِسلام يحِبّون أن تكون لهم خيفة في قلوب المسلمين يتقون بها بأسهم إن اتهَموا بعضهم بالنفاق أو بدرت من أحدهم بادرة تنمّ بنفاقه، فلا يُقدم المؤمنون على أذاه لعلمهم بأن له بطانة تدافع عنه.
وكانوا إذا مرّ بهم المسلمون نظروا إليهم فحسب المارّون لعلّ حدثاً حدث من مصيبة، وكان المسلمون يومئذٍ على توقع حرب مع المشركين في كل حين فيتوهّمون أن مناجاة المتناجين حديث عن قرب العدوّ أو عن هزيمة للمسلمين في السرايَا التي يَخرجون فيها، فنزلت هذه الآيات لإِشعار المنافقين بعلم الله بماذا يتناجون، وأنه مُطلع رسوله على دخيلتهم ليكفُّوا عن الكيد للمسلمين.
فهذه الآية تمهيد لقوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ الآية [المجادلة: 8].
و ﴿ ألم تر ﴾ من الرؤية العلمية لأن علم الله لا يُرى وسَدَّ المصدر مسدَّ المفعول.
والتقدير: ألم ترَ الله عالماً.
و ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ يعمّ المبصرات والمسموعات فهو أعم من قوله: ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ [المجادلة: 6] لاختصاصه بعلم المشاهدات لأن الغرض المفتتح به هذه الجملة هو علم المسموعات.
وجملة ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ إلى آخرها بدل البعض من الكل فإن معنى قوله: ﴿ إلا هو رابعهم ﴾ .
وقوله: ﴿ إلا هو سادسهم ﴾ وقوله: ﴿ إلا هو معهم ﴾ ، أنه مطلع على ما يتناجون فيه فكأنه تعالى نجيّ معهم.
و ﴿ ما ﴾ نافية.
و ﴿ يكون ﴾ مضارع (كان) التامة، و ﴿ من ﴾ زائدة في النفي لقصد العموم، و ﴿ نجوى ﴾ في معنى فاعل ﴿ يكون ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ يكون ﴾ بياء الغائب لأن تأنيث ﴿ نجوى ﴾ غير حقيقي، فيجوز فيه جري فعله على أصل التذكير ولا سيما وقد فصل بينه وبين فاعله بحرف ﴿ من ﴾ الزائدة.
وقرأه أبو جعفر بتاء المؤنث رعياً لصورة تأنيث لفظه.
والنجوى: اسم مصدر ناجاهُ، إذا سارَّه.
و ﴿ ثلاثة ﴾ مضاف إليه ﴿ نجوى ﴾ .
أي ما يكون تناجي ثلاثة من الناس إلا الله مطلع عليهم كرابع لهم، ولا خمسة إلا هو كسادس لهم، ولا أدنى ولا أكثر إلاّ هو كواحد منهم.
وضمائر الغيبة عائدة إلى ﴿ ثلاثة ﴾ وإلى ﴿ خمسة ﴾ وإلى ﴿ ذلك ﴾ و ﴿ أكثر ﴾ .
والمقصود من هذا الخبر الإِنذار والوعيد وتخصيص عددي الثلاثة والخمسة بالذكر لأن بعض المتناجين الذي نزلت الآية بسببهم كانوا حلفاً بعضها من ثلاثة وبعضها من خمسة.
وقال الفراء: المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود.
وفي «الكشاف» عن ابن عباس: نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو (بننِ عمير من ثقيف) وصفوان بن أمية (السلمي حليف بني أسد) كانوا يتحدثون فقال أحدهم: أَترى أن الله يعلم ما نقول؟
فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.
وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله.
اه.
ولم أرَ هذا في غير «الكشاف» ولا مناسبة لهذا بالوعيد في قوله تعالى: ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ﴾ فإن أولئك الثلاثة كانوا مسلمين وعدّوا في الصحابة وكأنَّ هذا تخليط من الراوي بين سبب نزول آية ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ﴾ في سورة [فصلت: 22].
كما في صحيح البخاري } وبين هذه الآية.
وركبت أسماء ثلاثة آخرين كانوا بالمدينة لأن الآية مدنية فآية النجوى إنما هي في تناجي المنافقين أو فيهم وفي اليهود عن ابن عباس.
والاستثناء في ﴿ إلا هو رابعهم ﴾ ﴿ إلا هو سادسهم ﴾ ﴿ إلا هو معهم ﴾ مفرع من أكوان وأحوال دل عليها قوله تعالى: ﴿ ما يكون ﴾ والجمل التي بعد حرف الاستثناء في مواضع أحوال.
والتقدير: ما يكون من نجوى ثلاثة في حال من علم غيرهم بهم واطلاعه عليهم إلا حالة الله مطلع عليهم.
وتكرير حرف النفي في المعطوفات على المنفي أسلوب عربي وخاصة حيث كان مع كل من المعاطيف استثناء.
وقرأ الجمهور ﴿ ولا أكثر ﴾ بنصب ﴿ أكثر ﴾ عطفاً على لفظ ﴿ نجوى ﴾ .
وقرأه يعقوب بالرفع عطفاً على محل ﴿ نجوى ﴾ لأنه مجرور بحرف جر زائد.
و (أينما) مركب من (أين) التي هي ظرف مكان و(ما) الزائدة.
وأضيف (أين) إلى جملة ﴿ كانوا ﴾ ، أي في أي مكان كانوا فيه، ونظيره قوله: ﴿ وهو معكم أينما كنتم ﴾ في سورة [الحديد: 4].
(وثمّ} للتراخي الرتبي لأن إنباءهم بما تكلموا وما عملوه في الدنيا في يوم القيامة أدل على سعة علم الله من علمه بحديثهم في الدنيا لأن معظم علم العالِمين يعتريه النسيان في مثل ذلك الزمان من الطول وكثرة تدبير الأمور في الدنيا والآخرة.
وفي هذا وعيد لهم بأن نجواهم إثم عظيم فنهي عنه ويشمل هذا تحذير من يشاركهم.
وجملة ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ تذييل لجملة ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا ﴾ فأغنت ﴿ إنّ ﴾ غناء فاء السببية كقول بشار: إن ذاك النجاح في التبكير *** وتأكيد الجملة ب ﴿ إن ﴾ للاهتمام به وإلا فإن المخاطب لا يتردد في ذلك.
وهذا التعريض بالوعيد يدلّ على أن النهي عن التناجي كان سابقاً على نزول هذه الآية والآيات بعدها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُعادُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يُخالِفُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَفي أصْلِ المُحادَّةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في حَدٍّ يُخالِفُ حَدَّ صاحِبِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَدِيدِ المُعَدِّ لِلْمُحادَّةِ.
﴿ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: [أُخْزُوا] كَما أُخْزِيَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ أُهْلِكُوا كَما أُهْلِكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، قالَهُ الأخْفَشُ و أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: لُعِنُوا كَما لُعِنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ هي بِلُغَةِ مُذْحَجٍ.
الرّابِعُ: رُدُّوا مَقْهُورِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يحادون ﴾ قال: يتشاقون.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يحادون الله رسوله ﴾ قال: يجادلون الله ورسوله ﴿ كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ﴾ قال: خزوا كما خزي الذين من قبلهم.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ﴾ قال: هو الله على العرش وعلمه معهم.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ قال: اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان بين يهود وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة فكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى فلم ينتهوا، فأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ الآية.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند جيد عن ابن عمرو رضي الله عنه أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام عليك، يريدون بذلك شتمه- ثم يقولون في أنفسهم: ﴿ لولا يعذبنا الله بما نقول ﴾ فنزلت هذه الآية ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وصححه عن أنس «أن يهودياً أتى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: السام عليكم، فرد عليه القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما قال هذا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم يا نبي الله، قال: لا.
ولكنه قال: كذا وكذا، ردوه عليّ فردوه، قال: قلت السام عليكم، قال: نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت، قال: ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: «دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة، فقال: يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما سمعت ما أقول: وعليكم، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه: سام عليك فنزلت.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ يقولون: سام عليك هم أيضاً يهود.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ قد ذكر أن النجوى مصدر عند قوله: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾ (١) ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ﴾ ، والمعنى هم ذوو نجوى فحذف المضاف وكذلك كل مصدر وصف به.
فأما قوله: ﴿ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ ﴾ قال أبو علي: يحتمل جر ﴿ ثَلَاثَةٍ ﴾ أمرين: أحدهما: أن يكون مجرورًا بإضافة ﴿ نَجْوَى ﴾ إليه كأنه ما يكون من سرار ثلاثةٍ، ويجوز أن يكون ﴿ ثَلَاثَةٍ ﴾ جرًا على الصفة على قياس قوله: ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ﴾ (٢) ﴿ ثَلَاثَةٍ ﴾ إن شئت خفضتها على أنها من نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها (٣) قال أبو إسحاق: ﴿ نَجْوَى ﴾ مشتق من النجوة، وهي ما ترتفع وتَنَحَّى (٤) ومعنى ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ ﴾ أي ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئًا ويتناجون به (٥) (٦) وقوله: ﴿ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ أي: إلا هو عالم به، وعلمه معهم لا يخفى عليه ذلك كما قال: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ (٧) (١) عند تفسيره الآية (114) من سورة النساء.
وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.
(٢) انظر: "الحجة" 6/ 279، و"مثسكل إعراب القرآن" 2/ 723، و"الكشاف" 4/ 74.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 140، و"اللسان" 3/ 593 (نجا).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 137.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 29.
(٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 307، ولم ينسبه لقائل.
ومن عبارة البغوي يتضح السقط هنا، ولعل العبارة: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم.
والله أعلم.
(٧) من آية (7) من سورة طه.
قال ابن كثير -رحمه الله-؛ (ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافد فيهم، فهو -عَزَّ وَجَلَّ- مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء)، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 322.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ ﴾ يحتمل أن يكون النجوى هنا بمعنى الكلام الخفي، فيكون ثلاثة مضاف إليه بمعنى الجماعة من الناس فيكون ثلاثة بدل أو صفة، والأول أحسن ﴿ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ يعني بعلمه وإحاطته، وكذلك سادسهم، وهو معهم إينما كانوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.
الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.
الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.
﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.
أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.
رويس.
﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.
الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.
الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.
التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.
وعن عمر أن النبي كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.
ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.
وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.
فقال لها: ما عندي في أمرك شيء.
وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.
وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.
ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.
والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.
"يروى أنه أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟
فقال : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال له: هل تستطيع العتق؟
فقال: لا والله.
فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟
فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .
وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه قال لها: حرمت عليه.
وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.
ثم إنه وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.
وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.
والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.
وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.
ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.
وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.
وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.
وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.
وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.
البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.
حجة الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.
وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.
واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.
وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.
وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟
على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.
وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.
وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.
وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.
ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟
وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.
قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.
الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي بتحرير رقبة.
وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.
فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.
وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.
البحث الثالث في المظاهر عنها.
ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".
ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.
وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟
والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله الكفارة على صاحب القول بعد العود.
سؤال آخر قوله ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي الذي هو أبو الأمة.
وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.
قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.
وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.
واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.
وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.
الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.
وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.
والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".
وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.
وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".
وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.
ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.
وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.
وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.
الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.
وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.
الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.
ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.
وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.
نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.
وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي المال والواو للحال.
مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.
"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .
الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.
وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.
وحجتهما أنه رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.
حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.
الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.
فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.
وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.
الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.
قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.
الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.
السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.
وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.
والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.
وقال الله ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.
وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.
والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.
السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.
والعبد الغائب.
إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.
الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.
فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.
والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.
ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.
أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.
التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.
وقال أبو حنيفة: يجزي.
العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي وقال: أطعم.
وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.
ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.
قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.
وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.
قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.
وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.
وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.
قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.
ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.
قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.
سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟
الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.
عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.
فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.
وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.
قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه يعلم الكليات دون الجزئيات.
ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.
وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.
ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله : أنا جليسك وأنيسك.
وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله عنه ببشارة المعية.
وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.
وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.
وخامسها وهو من السوانح.
أنه لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.
وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.
ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.
قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.
والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".
وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.
قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.
ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.
وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.
وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.
قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.
ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.
عن النبي " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".
وحين نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.
والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.
ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.
وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.
كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.
فيأبون حرصاً على الشهادة.
والقول الأول أصح.
قال مقاتل بن حيان: كان يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.
فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.
قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.
وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.
قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.
وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.
واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.
وعن مقاتل بقي عشرة أيام.
وعن علي : لما نزلت الآية دعاني رسول الله فقال: ما تقول في دينار؟
قلت: لا يطيقونه.
قال: كم؟
قلت: حبة أو شعيرة.
قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.
وعنه : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.
كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.
قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله .
قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.
وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.
وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي .
قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.
ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.
فقد روي عن ابن عمر كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.
وهل يقول منصف إن مناجاة النبي نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.
قاله ابن عباس.
وقيل: نسخت بآية الزكاة.
أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.
ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.
قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله ثم يرفع حديثه إلى اليهود.
فبينا رسول الله في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي : علام تشتمني أنت وأصحابك؟
فحلف بالله ما فعل.
فقال رسول الله : بل فعلت.
فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.
وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.
قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.
وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.
ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.
ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.
ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.
والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.
قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.
ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.
وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.
ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.
ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.
والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.
قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.
ولما كانت عزة أولياء الله غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.
ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.
قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.
فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟
كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.
ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.
وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.
قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله : أو قد فعلته؟
قال: نعم.
قال: لا تعد.
قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.
وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.
فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.
والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.
وقيل: معناه جمع.
والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.
وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.
ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
قال بعض أهل الأدب: المحاد هو الذي يجعل نفسه في حد غير الحد الذي أمره الله ورسوله، وكذلك قوله: يشاقون الله، أي: يكونون في شق غير الشق الذي عليه رسول الله، أو كلام نحوه.
ومنهم من قال: حددته عن طريقه، أي: عدلته عنه، وبعضه قريب من بعض.
وأصله ما ذكر: ﴿ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: يمانعون الناس ويزجرونهم عن الطريق؛ لئلا يأتوا محمداً ويتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
قيل: غلبوا وردوا بغير حاجتهم كما غلب ورد الذين كانوا من قبلهم.
وقيل: أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم.
وقيل: أخزوا كما أخزي الذين كانوا من قبلهم.
وكله قريب بعضه من بعض.
ثم يخرج تأويله على وجهين: أحدهما: أي: كبت هؤلاء الذين منعوا الناس عن اتباع رسول الله من أهل مكة، كما كبت من قبلهم.
أو كبت هؤلاء الذين مانعوا الناس عن رسول الله بالمدينة، كما كبت الذين ما نعوهم عنه بمكة؛ لأن هذه السورة مدنية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ .
أي: آيات تبين حدود الله من غير حدوده، أو ما يبين الحق من الباطل، والرسول من غيره، أو المحاد من غير المحاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
أي: للكافرين كلهم عذاب يهينهم؛ كا أهانوا المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً ﴾ .
أي: الأولين والآخرين، والمحادين والموافقين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ .
أي: ليبعثهم الله جميعاً، فينبئهم بما عملوا من خير أو شر، أحصى الله ما علموا، وإن طال ذلك أوكثر، ونسوا هم تلك الأعمال.
خرج هذا على الوعيد، وفيه دلالة رسالته؛ إذ أخبر أنه الله - - يحصي ذلك عليهم، وأنهم نسوا؛ فلم يتهيأ لهم أن ينكروا عليه أنهم لم ينسوا؛ دل أنه بالله علم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .
أي: على كل شيء من الإحصاء والحفظ وغير ذلك شهيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ .
فإن كان هذا الخطاب لرسول الله يكون في دلالة رسالته أن أطلعه على ما أسروا فيما بينهم من المكر برسول الله وأصحابه، وتناجوا بينهم من الكيد والخداع، أطعل الله - - رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه بالله علم ذلك.
والثاني: بشارة له بالنصر والمعونة، وهو كقوله - - لموسى وهارون - عليهما السلام -: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، أي: أسمع ماي قول لكما وما يجيب، أو أرى ما قصد بكما، وأدفع عنكما ما قصد بكما؛ فعلى ذلك ما ذكر له: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ : فيطعلك على ما هموا بك وأسروا فيك، فينصرك ويدفع عنك كيدهم.
وجائز أن يكون الخطاب ليس لرسول الله خاصة؛ ولكن لكل في نفسه؛ فيصير كأنه قال: ألم تر إلى عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض قبل إنشاء أهلها فيهما، فإذا رأيت عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض وأهلهما، وعلمت ذلك فاعلم أنه بما يكون من نجواهم، فيما ذكر عالم؛ فيخرج على التنبيه والزجر عن الإسرار والنجوى.
ثم قوله: ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ ، و ﴿ سَادِسُهُمْ ﴾ ، و ﴿ مَعَهُمْ ﴾ ونحوه يجب أن ينظر إلى المقدم من الكلام؛ فيصرف قوله: ﴿ هُوَ مَعَهُمْ ﴾ إلى ذلك، نحو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ ، و ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ونحوه - يكون معهم في التوفيق والمعونة لهم والنصر؛ فعلى ذلك ما ذكر من قوله: هو معهم في النجوى وما أسروا فيما بينهم، أي: شاهد معهم حافظ عليهم، يدفع عنكم كيدهم ومكرهم وينصركم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
أي: ينبئهم بما تناجوا وأسروا من الكيد يوم القيامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
هذا الخطاب لرسول الله يقول: أعلم أن الذين نهوا عن النجوى، ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ...
﴾ الآية.
وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنه أخبر أنهم عادوا إلى ما نهو عنه وهو النجوى، ومعلوم أنهم لا يعودون إلى مانهوا عنه بحضرة أصحاب رسول الله ولكن عند غيبة منهم؛ دل أنه بالله علم.
ثم اختلف في سبب تلك النجوى: قال بعضهم: إنه كان بين اليهود وبين النبي موادعة، فإذا [وجد] رجل من المسلمين وحده يتناجون بقتله بينهم، [أو] يظن المسلم أنهم يتنجاون بقتله أو بما يكره؛ فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول الله فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى؛ فنزل ما ذكر.
ومنهم من قال: إن أصحاب رسول الله كانوا إذا خرجوا من عند رسول الله قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال: ما أظن هؤلاء إ لا قد بلغهم خبر أقربائي الذين بعثهم رسول الله في السرايا من قتل أو موت؛ فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية.
لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج وجعله آية عليهم؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر؛ فيوجب الكذب في الخبر؛ فالإمساك عنه أحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ ﴾ .
ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول الله يقولون: السام عليك يا محمد؛ فيجيبهم النبي ويرد عليهم ويقول: وعليكم.
ففيه دلالة رسالته؛ لأنهم حيوه شرّاً منه، فأطلعه الله - - على ما أسروا، وكذلك ما قال: ﴿ وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ ﴾ : هلا يعذبنا الله بما نقول في السر فيه دلالة الرسالة؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع الله - - رسوله على ما في أنفسهم، ففيه أنه بالله - - عرف [ذلك].
ثم قوله - عز وجل - خبرا عنهم: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ ﴾ .
جائز أن يكون من رسول الله لهم وعيد بالتعذيب؛ لأجل التناجي الذي كان فيلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك: إنه لو كان رسولاً على ما يقول لعذبنا على ما قال ووعد، لكن رسول الله إن كان وعد لهم العذاب لم يبين متى يعذبون، فعذابهم ما ذكر حيث قال: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ﴾ إنما قالوا ذلك عند رد رسول الله صلى الله علهي وسلم عليهم بما حيوه حين قال: "وعليكم" يقولون: إنه دعا علينا بقوله: "وعليكم"، فإن كان رسولا لأجيب دعاؤه الذي دعا علينا، ولكن رسول الله لم يدع عليهم؛ إنما رد قولهم عليهم ردّاً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ألم تر -أيها الرسول- أن الله يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض، لا يخفى عليه شيء مما فيهما، ما يكون من حديث ثلاثة سِرًّا إلا هو سبحانه رابعهم بعلمه، ولا يكون من حديث خمسة سِرًّا إلا هو سبحانه سادسهم بعلمه، ولا أقلّ من ذلك العدد، ولا أكثر منه إلا كان معهم بعلمه أينما كانوا، لا يخفى عليه من حديثهم شيء، ثم يخبرهم الله بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.G6r73"