الآية ٩ من سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ٩ من سورة المجادلة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَـٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة المجادلة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال الله مؤدبا عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ) أي : كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين ، ( وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) أي : فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي أحصاها عليكم ، وسيجزيكم بها .

قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، وعفان قالا : أخبرنا همام ، حدثنا قتادة ، عن صفوان بن محرز قال : كنت آخذا بيد ابن عمر ، إذ عرض له رجل فقال : كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى يوم القيامة ؟

قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ، ويقرره بذنوبه ، ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟

أتعرف ذنب كذا ؟

أتعرف ذنب كذا ؟

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أن قد هلك ، قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم .

ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين " .

أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله (إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ) بينكم، (فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ) ولكن (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ )، يعني: طاعة الله، وما يقرّبكم منه، (وَالتَّقْوَى ) يقول: وباتقائه بأداء ما كلَّفكم من فرائضه واجتناب معاصيه، (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) يقول: وخافوا الله الذي إليه مصيركم، وعنده مجتمعكم في تضييع فرائضه، والتقدّم على معاصيه أن يعاقبكم عليه عند مصيركم إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرونقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال : يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم أي : تساررتم .فلا تتناجوا هذه قراءة العامة .

وقرأ يحيى بن وثاب وعاصم ورويس عن يعقوب " فلا تنتجوا " من الانتجاء بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر أي : بالطاعة والتقوى بالعفاف عما نهى الله عنه .

وقيل : الخطاب للمنافقين ، أي : يا أيها الذين آمنوا بزعمهم .

وقيل : أي : يا أيها الذين آمنوا بموسى .

واتقوا الله الذي إليه تحشرون أي : تجمعون في الآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

النجوى هي: التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر.

فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده والتقوى، وهي هنا : اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاون بأمر الله، ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: {لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي: تكفيهم جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم] ، تحيط بهم، ويعذبون بها {فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: "السام عليك يا محمد" يعنون بذلك الموت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم إن الله تعالى : نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ) أي كفعل المنافقين واليهود وقال مقاتل أراد بقوله : " آمنوا " المنافقين أي آمنوا بلسانهم .

قال عطاء : يريد الذين آمنوا بزعمهم قال لهم : لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ( وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا تحدثتم فيما بينكم سرًا، فلا تتحدثوا بما فيه إثم من القول، أو بما هو عدوان على غيركم، أو مخالفة لأمر الرسول، وتحدثوا بما فيه خير وطاعة وإحسان، وخافوا الله بامتثالكم أوامره واجتنابكم نواهيه، فإليه وحده مرجعكم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي أحصاها عليكم، وسيجازيكم بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن فضح الله - تعلاى - المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال ، وبين سوء عاقبتهم بسبب مسالكهم الخبيثة .

.

.

بعد كل ذلك وجه الله - تعالى - ثلاث نداءات إلى المؤمنين ، أدبهم فيها بأدبه السامى .

.

.

فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا .

.

.

) .قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ) تعليم وإرشاد منه - سبحانه - للمؤمنين ، لكى يكون حديثهم فيما بينهم ، يقوم على الخير لا على الشر ، وعلى الطاعة لا على المعصية ، وعلى البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ، حتى لا يتشبهوا بالمنافقين ، الذين كانوا على النقيض من ذلك .أى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان ، ( إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ) بأن أسر بعضكم إلى بعض حديثا ( فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ) كما هو شأن المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال .( وَتَنَاجَوْاْ ) فيما بينكم ( بالبر والتقوى ) والبر ضد الإثم والعدوان ، وهو يعم جميع أفعال الخير التى أمر الله - تعالى - بها .والتقوى : الامتثال لأمر الله - تعالى - وصيانة النفس عن كل مالا يرضاه .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أى : وراقبوا الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، فإنه وحده يكون مرجعكم يوم القيامة ، وسيبعثكم ويجمعكم للحساب والجزاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ .

اعلم أن المخاطبين بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ قولين، وذلك لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى  ﴾ على اليهود حملنا في هذه الآية قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ على المنافقين، أي يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم، وإن حملنا ذلك على جميع الكفار من اليهود والمنافقين، حملنا هذا على المؤمنين، وذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم، فقال: ﴿ فَلاَ تتناجوا بالإثم ﴾ وهو ما يقبح مما يخصهم ﴿ والعدوان ﴾ وهو يؤدي إلى ظلم الغير ﴿ ومعصية الرسول ﴾ وهو ما يكون خلافاً عليه، وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان وبالتقوى وهو ما يتقي به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي، واعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت: مناجاتهم، لأن ما يدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره، وذلك يقرب من قوله: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس  ﴾ وأيضاً فمتى عرفت طريقة الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد.

ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي إلى حيث يحاسب ويجازي وإلا فالمكان لا يجوز على الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ياأيها الذين ءامنوا ﴾ خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم.

ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر ﴿ وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك يحزنه» وروى: «دون الثالث» .

وقرئ: ﴿ فلا تناجوا ﴾ وعن ابن مسعود: إذا انتجيتم فلا تنتجوا ﴿ إِنَّمَا النجوى ﴾ اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان، بدليل قوله تعالى: ﴿ لِيَحْزُنَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ والمعنى: أنّ الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم ﴿ وَلَيْسَ ﴾ الشيطان أو الحزن ﴿ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ .

فإن قلت: كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟

قلت: كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا، فقال: لا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله، أي: بمشيئته، وهو أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة.

وقرئ: ﴿ ليحزن ﴾ و ﴿ ليحزن ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ وعَنْ يَعْقُوبَ: «فَلا تَنْتَجُوا».

﴿ وَتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى ﴾ بِما يَتَضَمَّنُ خَيْرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءَ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ فَإنَّهُ مُجازِيكم عَلَيْهِ.

﴿ إنَّما النَّجْوى ﴾ أيِ النَّجْوى بِالإثْمِ والعُدْوانِ.

﴿ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ فَإنَّهُ المُزَيِّنُ لَها والحامِلُ عَلَيْها.

﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّها في نَكْبَةٍ أصابَتْهم.

﴿ وَلَيْسَ ﴾ أيِ الشَّيْطانُ أوِ التَّناجِي.

﴿ بِضارِّهِمْ ﴾ بِضارِّ المُؤْمِنِينَ.

﴿ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ إلّا بِمَشِيئَتِهِ.

﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ولا يُبالُوا بِنَجْواهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا} بألسنتهم وهو خطاب للمنافقين والظاهر أنه خطاب للمؤمنين {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول} أي إذا تناجيتم فلا تشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر {وتناجوا بالبر} بأداء الفرائض والطاعات {والتقوى} وترك المعاصي {واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ ﴾ في أنْدِيَتِكم وفي خَلَواتِكم.

﴿ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ، فالخِطابُ لِلْخُلَّصِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لَهم وسُمُّوا مُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ ظاهِرِ أحْوالِهِمْ.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ ورُوَيْسٌ - فَلا تَنْتَجُوا - مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - فَلا تَناجَوْا - بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ إحْداهُما ﴿ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى ﴾ بِما يَتَضَمَّنُ خَبَرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءِ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ واتَّقُوا ﴾ فِيما تَأْتُونَ وما تَذْرُونَ ﴿ اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ ﴾ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يعادون، ويشاقون الله ورسوله، ويقال يشاقون أولياء الله ورسوله، يعني: الذين يشاقون أولياء الله، لأن أحداً لا يعادي الله، ولكن من عادى أولياء الله فقد عادى الله تعالى.

ثم قال: كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل: أخذوا كما أخذ الذين من قبلهم من الأمر ويقال: عذبوا كما عذب الذين من قبلهم، وقال أبو عبيد: أهلكوا ويقال: غيظوا كما غيظ الذين من قبلهم والكبت هو الغيظ، ويقال: أحزنوا، وقال الزجاج: أذلوا وغلبوا وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يعني: القرآن فيه بيان أمره ونهيه ويقال: آيات واضحات وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه، ثم قال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الأولين والآخرين يبعثهم الله من قبورهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر ليعلموا وجوب الحجة عليهم أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يعني: حفظ الله عليهم أعمالهم وهم نسوا أعمالهم ويقال: وَنَسُوهُ يعني: وتركوا العمل في الدنيا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يعني: شاهداً بأعمالهم ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ يعني: ألم تعلم، اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يعني: أنك تعلم، ويقال: معناه إني أعلمتك أن الله يعلم.

ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.

يعني: سر أهل السموات وسر أهل الأرض مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني: لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم.

وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني: كان هو سادسهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم.

وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني: عالم بهم وبأحوالهم أَيْنَ ما كانُوا في الأرض.

ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر.

وذلك أن نفراً كانوا يتناجون عند الكعبة قال بعضهم لبعض: لا ترفعوا أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد  .

ويقال إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، فامتنعوا من ذلك ثم عادوا إلى النجوى.

يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني: عن قول السر فيما بينهم، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني: بالكذب وَالْعُدْوانِ يعني: بالجور والظلم، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الله وأمر الرسول  .

قرأ حمزة وينتجون، والباقون وَيَتَناجَوْنَ وهما لغتان، يقال: تناجى القوم وانتجوا.

ثم قال: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: إذا جاءك اليهود حيوك بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا دخلوا على رسول الله  : السام عليكم.

فيقول: وعليكم.

فقالت عائشة-  ا- وعليكم السام، لَعَنَكُم الله وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ.

فقال النبي  : «مَهْلاً يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بالرِّفْقِ.

وَإيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» .

قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟

قال: «أَوَ لَمْ تَسْمَعِي ما رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟

فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» .

فقالت اليهود فيما بينهم: لو كان رسول الله  كما يقول، لا ستجيب دعاؤه علينا حيث قال: عليكم، فنزل وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: سلموا عليك بما لم يحيك به الله يعني: بما لم يأمرك به الله أن تحيي به، ويقال: بما لم يسلم عليك به الله.

وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: فيما بينهم.

لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يعني: هلا يعذبنا الله بِما نَقُولُ لنبيه، يقول الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يعني: مصيرهم إلى جَهَنَّمُ، يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها، فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ما صاروا إليه.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ قال مقاتل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- باللسان دون القلب- إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وذلك أن النبيّ  كان إذا بعث سرية، كان المنافقون يتناجون فيما بينهم ليحزنوا المؤمنين.

وهذا الخطاب للمخلصين في قول بعضهم، لأن الله تعالى أمرهم أن لا يتناجوا بالإثم والعدوان، كفعل المنافقين يعني: بالعداوة والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الرسول أي: لا تخالفوا أمره وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: بالذي أمركم الله تعالى به، بالطاعة والتقى يعني: ترك المعصية.

ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، فلا تتناجوا بمثل ما تتناجى اليهود والمنافقون.

الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم.

ثم قال عز وجل: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ يعني: نجوى المنافقين من تزيين الشيطان.

قال قتادة: إذا رأى المسلمون المنافقين جاءوا متناجين، فشق عليهم، فنزل إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ نجوى المنافقين في المعصية من الشيطان.

لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ نافع لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بضم الزاء، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد.

ثم قال: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً يعني: ليس نجوى المنافقين يضر شيئاً للمؤمنين، أي: لا يضرهم إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، إلا أن يشاء.

الله ثم أمر المؤمنين بأن يتوكلوا على الله، وهو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.

وقوله سبحانه: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا ...

الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربّصون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويّ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: منافقوا الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ:

كُبِتُوا: أُحْزِنُوا.

وقوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ/ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: العامل في يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر.

وقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، ويَنْظُرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ، فَإذا رَأى المُؤْمِنُونَ نَجْواهم قالُوا: ما نَراهم إلّا قَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا في السَّرايا، قَتْلٌ أوْ مَوْتٌ، أوْ مُصِيبَةٌ، فَيَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، ويُحْزِنُهُمْ، فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُقْدِمَ أصْحابُهم.

فَلَمّا طالَ ذَلِكَ وكَثُرَ، شَكا المُؤْمِنُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: «وَكانَ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ مُوادَعَةٌ، فَإذا رَأوْا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ وحْدَهُ تَناجَوْا بَيْنَهُمْ، فَيَظُنُّ المُسْلِمُ أنَّهم يَتَناجَوْنَ بِقَتْلِهِ، أوْ بِما يَكْرَهُ، فَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ مِنَ المَخافَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَهاهم عَنِ النَّجْوى، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وعادُوا إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

والنَّجْوى: بِمَعْنى المُناجاةِ "ثُمَّ يَعُودُونَ" إلى المُناجاةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها "وَيَتَناجَوْنَ" قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، ورُوحًا "وَيَتَنَجَّوْنَ" وقَرَأ الباقُونَ "وَيَتَناجَوْنَ" بِألِفٍ.

وفي مَعْنى تَناجِيهِمْ "بِالإثْمِ والعُدْوانِ" وجْهانِ.

أحَدُهُما: يَتَناجَوْنَ بِما يَسُوءُ المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ الإثْمُ والعُدْوانُ، ويُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ.

والثّانِي: يَتَناجَوْنَ بَعْدَ نَهْيِ الرَّسُولِ، ذَلِكَ هو الإثْمُ والعُدْوانُ ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ، فَقُلْتُ: السّامُ عَلَيْكُمْ، وفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : مَهْ يا عائِشَةُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ، ولا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: تَرى ما يَقُولُونَ؟

فَقالَ: ألَسْتِ تَرَيْنِي أرُدُّ عَلَيْهِمْ ما يَقُولُونَ.

وأقُولُ: وعَلَيْكُمْ، قالَتْ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ الزَّجّاجُ: والسّامُ: المَوْتُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى "حَيَّوْكَ" سَلَّمُوا عَلَيْكَ بِغَيْرِ سَلامِ اللَّهِ عَلَيْكَ، وكانُوا يَقُولُونَ: سامٌ عَلَيْكَ.

فَإذا خَرَجُوا يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ، أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَوْ كانَ نَبِيًّا عُذِّبْنا بِقَوْلِنا لَهُ ما نَقُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِزَعْمِهِمْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها في المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ نَهاهم عَنْ فِعْلِ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ، مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَناجَوْا ﴾ هَكَذا قَرَأ الجَماعَةُ بِألِفٍ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وحْدَهُ "فَلا تَتَنَجَّوْا" .

فَأمّا "البِرُّ" فَقالَ مُقاتِلٌ: هو الطّاعَةُ، "والتَّقْوى" تَرْكُ المَعْصِيَةِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ" "البِرُّ" الصِّدْقُ، و"التَّقْوى" تَرْكُ الكَذِبِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما يَفْعَلُهُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، مِنَ الشَّيْطانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: مِن تَزْيِينِهِ، والمَعْنى: إنَّما يُزَيِّنُ لَهم ذَلِكَ ﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وقَدْ بَيَّنّا اتِّقاءَ ما كانَ يُحْزِنُ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ النَّجْوى ﴿ وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا ﴾ أيْ: ولَيْسَ الشَّيْطانُ بِضارِّ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا إلّا ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ ﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: فَلْيَكِلُوا أُمُورَهم إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَقْوى واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّما النَجْوى مِنَ الشَيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ وصّى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ لا يَكُونَ مِنهم تَناجٍ في مَكْرُوهٍ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وخَصَّ تَبارَكَ وتَعالى "الإثْمَ" بِالذِكْرِ لِعُمُومِهِ، و"العُدْوانِ" لِعَظَمَتِهِ في نَفْسِهِ؛ إذا هي ظُلاماتُ العِبادِ، وكَذَلِكَ "مَعْصِيَةُ الرَسُولِ" ذَكَرَها طَعْنًا عَلى المُنافِقِينَ إذْ كانَ تَناجِيهِمْ في ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَلا تَتَناجَوْا" عَلى وزْنِ "تَتَفاعَلُوا"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَتَناجَوُا" بِحَذْفِ التاءٍ الواحِدَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَلا تَّناجُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ لِأنَّها أدْغَمَتِ التاءَ في التاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأهْلُ الكُوفَةِ: "فَلا تَنْتِجُوا" عَلى وزْنِ "تَفْتَعِلُوا".

والناسُ عَلى ضَمِّ العَيْنِ مِن "العُدْوانِ"، وقَرَأها أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ.

وقَرَأ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "وَمَعْصِيّاتُ الرُسُلِ" عَلى الجَمْعِ فِيهِما.

ثُمَّ أمَرَ بِالتَناجِي بِالبِرِّ والتَقْوى، وذَكَّرَ بِالحَشْرِ الَّذِي مَعَهُ الحِسابُ ودُخُولُ أحَدِ الدارَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما النَجْوى"، لَيْسَتْ إنَّما لِلْحَصْرِ ولَكِنَّها لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في النَجْوى الَّتِي هي مِنَ الشَيْطانِ الَّتِي أخْبَرَ عنها في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ: إنَّما النَجْوى في الإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَسُولِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى نَجْوى المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ: الإشارَةُ إلى نَجْوى قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ مُناجاةَ الرَسُولِ  ، ولَيْسَ لَهم حاجَةٌ ولا ضَرُورَةٌ إلى ذَلِكَ، وإنَّما كانُوا يُرِيدُونَ التَنَجُّحَ بِذَلِكَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَظُنُّونَ أنَّ تِلْكَ النَجْوى في أخْبارٍ بِعَدُوٍّ قاصِدٍ ونَحْوِهِ، وهَذانَ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما يَأْتِي مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ولا يُعَضِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ.

وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيّ في هَذِهِ الآيَةِ: نَزَلَتْ في المُناجاةِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ فَتَسُوءُهُ، وفِيما يَراهُ النائِمُ فَكَأنَّهُ نَجْوى يُناجى بِها، وهَذا قَوْلُ أجْنَبِيٍّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلَهُ والَّذِي بَعْدَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "لِيُحْزِنَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، والفِعْلُ مَنسُوبٌ إلى الشَيْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وغَيْرُهُمْ: "لِيَحْزُنَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزايِ، تَقُولُ: "حَزَنْتُ قَلْبَ الرَجُلِ" إذا جَعَلْتَ فِيهِ حُزْنًا، فَهو كَقَوْلِكَ: "كَحَلَتِ العَيْنُ"، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَعَدِّي كَأنَّ المَفْعُولَ ظَرْفٌ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى هَذا المَعْنى مَن تَعَدِّي الأفْعالِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "لِيَحْزَنَ" بِفَتْحِ الياءِ والزايِ، و"الَّذِينَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ رَفْعٌ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، يُقالُ: حَزِنَ الرَجُلُ بِكَسْرِ الزايِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشَيْطانَ والتَناجِي الَّذِي هو مِنهُ لَيْسَ بِضارٍّ أحَدًا إلّا أنْ يَكُونَ ضُرًّا بِإذْنِ اللهِ، أيْ: بِأمْرِهِ وقَدْرِهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَوَكُّلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا كُلُّهُ يُقَوِّي أنَّ التَناجِيَ الَّذِي مِنَ الشَيْطانِ إنَّما هو الَّذِي وقَعَ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفٌ، ولِلْخَوْفِ اللاحِقِ لِلْقُلُوبِ في هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ واحِدٍ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

خطاب للمنافقين الذين يظهرون الإِيمان فعاملهم الله بما أظهروه وناداهم بوصف الذين آمنوا كما قال: ﴿ من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴾ [المائدة: 41] ومنه ما حكاه الله عن المشركين ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] أي يأيها الذي نزل عليه الذكر بزعمه، ونبههم إلى تدارك حالهم بالإِقلاع عن آثار النفاق على عادة القرآن من تعقيب التخويف بالترغيب.

فالجملة استئناف ابتدائي.

ذلك أن المنافقين كانوا يعملون بعمل أهل الإِيمان إذا لَقُوا الذين آمنوا فإذا رجعوا إلى قومهم غلب عليهم الكفر فكانوا في بعض أحوالهم مقاربين الإِيمان بسبب مخالطتهم للمؤمنين.

ولذلك ضرب الله لهم مثلاً بالنور في قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17] ثم قوله: ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ [البقرة: 20].

وهذا هو المناسب لقوله تعالى: ﴿ فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ تنبيهاً على ما يجب عليهم إن كانوا متناجين لا محالة.

ويجوز أن تكون خطاباً للمؤمنين الخلّص بأنْ وجه الله الخطاب إليهم تعليماً لهم بما يحسن من التناجي وما يقبح منه بمناسبة ذم تناجي المنافقين فلذلك ابتدئ بالنهي عن مثل تناجي المنافقين وإن كان لا يصدر مثله من المؤمنين تعريضاً بالمنافقين، مثل قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ [آل عمران: 156]، ويكون المقصود من الكلام هو قوله: ﴿ وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ تعليماً للمؤمنين.

والتقييد ب ﴿ إذا تناجيتم ﴾ يشير إلى أنه لا ينبغي التناجي مطلقاً ولكنهم لما اعتادوا التناجي حُذروا من غوائله، وإلا فإن التقييد مستغنى عنه بقوله: «لا تتناجوا بالإِثم والعدوان».

وهذا مثل ما وقع في حديث النهي عن الجلوس في الطرقات من قوله صلى الله عليه وسلم «فإن كنتم فاعلين لا محالة فاحفظوا حَق الطريق».

وقرأ الجمهور ﴿ فلا تتناجوا ﴾ بصيغة التفاعل.

وقرأه رويس عن يعقوب وحده ﴿ فلا تنتجُوا ﴾ بوزن تَنْتَهُوا.

والأمر من قوله: ﴿ وتناجوا بالبر ﴾ مستعمل في الإِباحة كما اقتضاه قوله تعالى: ﴿ إذا تناجيتم ﴾ .

والإِثم والعدوان ومعصية الرسول تقدمت.

وأما البرّ فهو ضد الإِثم والعدوان وهو يعم أفعال الخير المأمور بها في الدين.

و ﴿ التقوى ﴾ : الامتثال، وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ في سورة [البقرة: 2].

وفي قوله: الذي إليه تحشرون} تذكير بيوم الجزاء.

فالمعنى: الذي إليه تحشرون فيجازيكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ﴾ النَّجْوى السِّرارُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ مِنَ النَّفْرِ البِيضِ الَّذِينَ إذا انْتَجَوْا أقَرَّتْ بِنَجْواهم لُؤَيُّ بْنُ غالِبٍ والنَّجْوى مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهي ما لَهُ ارْتِفاعٌ وبُعْدٌ، لِبَعْدِ الحاضِرِينَ عَنْهُ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ سِرارٍ نَجْوى، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ السِّرارَ ما كانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، والنَّجْوى ما كانَ بَيْنَ ثَلاثَةٍ، حَكاهُ سُراقَةُ.

وَفي المَنهِيِّ عَنْهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَتَناجَوْنَ بِما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ.

رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: «كُنّا ذاتَ لَيْلَةٍ نَتَحَدَّثُ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: (ما هَذِهِ النَّجْوى ألَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّجْوى) .

فَقُلْنا تُبْنا إلى اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في ذِكْرِ المَسِيحِ يَعْنِي الدَّجّالَ فَرَقًا مِنهُ، فَقالَ: (ألا أُخْبِرُكم بِما هو أخْوَفُ عَلَيْكم عِنْدِي مِنهُ؟) قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (الشِّرْكُ الخَفِيُّ أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكانِ الرَّجُلِ)» .

﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ «كانَتِ اليَهُودُ إذا دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  قالُوا: السّامُّ عَلَيْكَ، وكانَ النَّبِيُّ  يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: وعَلَيْكم» ويُرْوى «أنَّ عائِشَةَ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنهم قالَتْ: وعَلَيْكُمُ السّامُّ والذّامُّ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ والتَّفَحُّشَ» .

وفي السّامِّ الَّذِي أرادُوهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ السَّيْفُ.

الثّالِثُ: أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ أنَّكم سَتَسْأمُونَ دِينَكم، قالَهُ الحَسَنُ، وكَذا مَن قالَ هو المَوْتُ لِأنَّهُ يَسْأمُ الحَياةَ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا رَدَّ النَّبِيُّ  جَوابَ سَلامِهِمْ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا نَبِيًّا لاسْتُجِيبَ لَهُ فِينا قَوْلُهُ وعَلَيْكم، يَعْنِي السّامَّ وهو المَوْتُ ولَيْسَ بِنا سامَّةٌ ولَيْسَ في أجْسادِنا فَتْرَةٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ ﴾ الآيَةَ.

» وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كانَ يَتَناجى بِهِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ مِنَ الأراجِيفِ بِالمُسْلِمِينَ.

الثّانِي: أنَّها الأحْلامُ الَّتِي يَراها الإنْسانُ في مَنامِهِ فَتُحْزِنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فانغضوا رؤوسهم إلى المسلمين، ويقولون: قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تناجوا وأظهروا الحزن فبلغ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بينهم، فكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم، فأنزل الله في ذلك ﴿ إنما النجوى من الشيطان ﴾ الآية.

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرقه أمر أو يأمر بشيء فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى إذا كنا نتحدث فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال: ما هذه النجوى؟

ألم تنهوا عن النجوى؟» .

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا ﴾ الآية.

أخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأها تفسحوا في المجالس بالألف فافسحوا يفسح الله لكم وقال: في القتال ﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴾ قال: إذا قيل: انهدوا إلى الصدر فانهدوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ﴾ قال: مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا ﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: كانوا يجيئون فيجلسون ركاماً بعضهم خلف بعض، فأمروا أن يتفسحوا في المجلس فانفسح بعضهم لبعض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أنزلت هذه الآية يوم جمعة وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشق ذلك عليه فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، وأنت يا فلان، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فنزلت هذه الآية.

وأخرج البخاري ومسلم عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ﴾ قال: ذلك في مجلس القتال ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ قال: إلى الخير والصلاة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ قال: إلى كل خير قتال عدوّ وأمر بمعروف أو حق ما كان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴾ يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله: ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ قال: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: تفسير هذه الآية: يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم نهى المنافقين عن التناجي فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد آمنوا بزعمهم (١) وقال مقاتل: يعني المنافقين (٢) وقوله: ﴿ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ تقدم تفسيره.

قوله: ﴿ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ قال مقاتل: بالطاعة وترك المعصية (٣) ثم خوفهم نقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فيجزيكم بأعمالكم.

وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار أبي إسحاق.

قال: يقول ولا تكونوا كاليهود والمنافقين (٤) (١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 308، ونسبه لعطاء، و"الجامع" 17/ 294، ولم ينسبه لقائل.

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 308، و"التفسير الكبير" 29/ 267، قلت: والمعنى الظاهر أن الخطاب للمؤمنين على الحقيقة من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا ما اعتمده ابن جرير، وابن كثير، ولم يذكرا غيره.

انظر: "جامع البيان" 28/ 12، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 323.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 145 ب.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 138، وهو اختيار ابن جرير، وابن كثير، كما تقدم ذكره، وانظر: "روح المعاني" 28/ 27.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ﴾ نزل في قوم من اليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون على المؤمنين فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعادوا، وقيل: نزلت في المنافقين، والأول أرجح لقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ لأن هذا من فعل اليهود والأحسن أن المراد اليهود والمنافقين معاً لقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِم ﴾ [المجادلة: 14] فنزلت الآية في الطائفتين ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ «كانت اليهود يأتوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك يا محمد بدلاً من السلام عليكم.

والسام: الموت.

وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله لهم: وعليكم.

فسمعتهم عائشة يوماً فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش فقالت: أما سمعت ما قالوا؟

قال: أما سمعت ما قلت لهم إني قلت: وعليكم» ويريد بقوله: ﴿ لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ قوله تعالى: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى ﴾ [النمل: 59] ﴿ وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ﴾ كانوا يقولون: لو كان نبياً لعذبنا الله بإذايته فقال: الله: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أي يكفيهم ذلك عذاباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.

الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.

الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.

﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.

أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.

رويس.

﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.

الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.

الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.

التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله  في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.

وعن عمر أن النبي  كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.

ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله  فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.

وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

فقال  لها: ما عندي في أمرك شيء.

وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.

وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.

ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله  والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.

والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.

"يروى أنه  أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟

فقال  : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال  له: هل تستطيع العتق؟

فقال: لا والله.

فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .

وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه  قال لها: حرمت عليه.

وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.

ثم إنه  وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.

وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.

والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.

وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.

ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.

وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.

وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.

وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.

وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.

البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.

حجة الشافعي عموم قوله  ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.

وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.

واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.

وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.

وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟

على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.

وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.

وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.

وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.

ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟

وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.

قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.

الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي  بتحرير رقبة.

وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.

فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.

وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.

البحث الثالث في المظاهر عنها.

ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".

ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله  ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن  ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن  ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.

وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟

والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله  الكفارة على صاحب القول بعد العود.

سؤال آخر قوله  ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم  ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي  الذي هو أبو الأمة.

وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.

قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.

وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله  ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا  ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.

واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه  قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.

وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.

الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.

وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.

والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".

وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.

وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".

وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.

ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.

وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.

وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.

الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.

وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله  : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.

الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.

ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.

وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.

نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.

وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول  ﴾ أي المال والواو للحال.

مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله  ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.

"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي  فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .

الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.

وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.

وحجتهما أنه  رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.

حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.

الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله  : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.

فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.

وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.

الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.

قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.

الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.

السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.

والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.

وقال الله  ﴿ ولا تيمموا الخبيث  ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.

وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب  ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.

والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.

السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.

والعبد الغائب.

إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.

الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.

فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.

والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.

ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه  قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.

أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه  قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.

التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.

وقال أبو حنيفة: يجزي.

العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي  وقال: أطعم.

وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.

ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.

قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.

وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.

قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.

وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.

قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.

ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.

قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.

سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟

الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.

عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.

فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.

وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.

قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه  يعلم الكليات دون الجزئيات.

ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله  وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.

وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر  الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.

ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله  : أنا جليسك وأنيسك.

وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله  عنه ببشارة المعية.

وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.

وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.

وخامسها وهو من السوانح.

أنه  لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.

وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.

ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.

قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله  عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول  فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.

والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله  يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".

وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله  عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.

قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.

ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.

وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.

وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله  أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.

قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.

ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.

عن النبي  " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".

وحين نهى  عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.

والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله  كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.

ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.

وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.

كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.

فيأبون حرصاً على الشهادة.

والقول الأول أصح.

قال مقاتل بن حيان: كان  يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي  ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله  ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.

فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله  بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي  وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.

قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله  حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.

وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي  وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.

قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.

وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.

واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.

وعن مقاتل بقي عشرة أيام.

وعن علي  : لما نزلت الآية دعاني رسول الله  فقال: ما تقول في دينار؟

قلت: لا يطيقونه.

قال: كم؟

قلت: حبة أو شعيرة.

قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.

وعنه  : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.

كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.

قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله  .

قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.

وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.

وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي  .

قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.

ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي  في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.

فقد روي عن ابن عمر كان لعلي  ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة  ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

وهل يقول منصف إن مناجاة النبي  نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول  ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.

قاله ابن عباس.

وقيل: نسخت بآية الزكاة.

أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.

ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.

ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله  علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.

قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله  ثم يرفع حديثه إلى اليهود.

فبينا رسول الله  في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي  : علام تشتمني أنت وأصحابك؟

فحلف بالله ما فعل.

فقال رسول الله  : بل فعلت.

فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.

وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.

قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.

وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب  ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.

ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.

ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.

والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.

قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.

ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.

وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.

ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين  ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.

ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.

والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.

قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.

ولما كانت عزة أولياء الله  غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.

ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.

قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.

فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟

كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.

ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.

وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.

قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي  " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله  فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله  : أو قد فعلته؟

قال: نعم.

قال: لا تعد.

قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.

وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.

فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي  إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.

والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.

وقيل: معناه جمع.

والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.

وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.

ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .

إن أهل التأويل صرفوا الآية إلى المنافقين، وعندنا يحتمل صرف النهي إلى المؤمنين عن التناجي بمثل ما تناجوا أولئك، أي: لا تتناجوا أنتم يأهل الإيمان فيهم بالإثم والعدوان كما تناجوا فيكم، يقول: لا تجاوزهم بالذي فعلوا هم بكم، ولكن تناجوا فيهم بالبر والتقوى، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ  ﴾ : نهى المؤمنين أن يجازوهم جزاء الاعتداء الذي كان منهم من صدهم عن المسجد الحرام؛ بل أمرهم [بالتعاون] علكى البر والتقوى، قال: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون في المؤمنين حقيقة على الابتداء؛ نهيا منه لهم، يقول: إذا تناجيتم فلا تتناجوا فيما يؤثمكم ويحملكم على العدوان: على المجاوزة عن الحد، ومعصية الرسول فيما يأمركم وينهاكم، ﴿ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : يحتمل كل أنواع الخير، وأما التقوى فهو كل ما يقون به أنفسهم عن النار، وقد تقدم ذكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .

جائز أن يكون هذا الخطاب لهم - أعني: المؤمنين والكافرين الذين يقرون بالحشر - لأن أهل الكتاب وبعض المشركين يقرون بالبعث، وبعض المشركين ينكرون مع الدهرية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

أي: النجوى الذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ليس كل نجوى على ظاهر ما يخرج الخطاب عامّاً؛ ولكن يرجع إلى النجوى التي ذكرنا، وهو الذي نهوا عنه.

ثم قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ جائز أن يكون معناه: ابتداء النجوى في الشر من الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن الله -  - لما خلق آدم -  - قال إبليس للملائكة: أرأيتم إن فضل هو عليكم ما تصنعون؟

فأجابوه بما أجابوا؛ فقال هو: إن فضلت عليه لأهلكنه، وإن فضل هو على لأعادية، فقد ناجاهم في أمر آدم -  - بالشر، فكان أول النجوى في الشر من الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

لولا أن الشيطان ي حال الحزن يكون أملك على إفسادهم وإخراجهم من أمر الله -  - وإدخالهم في نهيه؛ وإلاش لم يكن لقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ معنى؛ فدل في أنه - لعنه الله - في حال الحزن والغضب أملك وأقدر من حال السرور والسعة، لكنه بما يدعوه إلى اللذات ويمنيه أشياء كان قصده من ذلك أن يوقعه في الضيق والشدة لما هو عليه أقدم في تلك الحال؛ ولذلك قال لآدم وحواء - عليهما السلام -: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ تلقاهم بالغرور بالذي ذكر، ومناهم ما ذكر، وكان قصده من ذلك إبداء عورتهما وإيقاعهما في الضيق والبلاء؛ حيث قال: ﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا...

﴾ الآية [طه: 121]، مكن الله -  - إبليس من الشر بالذي ذكرنا، ولم يمكن له من إفساد الطعام واللباس والأشربة ونحو ذلك، وهو دون الأول، وذلك أكثر، لكن هذا في الضرر الدنياوي أكثر؛ فلم يمكنه من إفساد هذه الأشياء تفضلا منه وإحساناً عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: ليسوا بضارين لهم فيما يتناجون من الكيد بهم والمكر، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: في دفع من قصدهم من الكيد بهم والمكر والهلاك، وعليه يتوكلون في النصر لهم والمعونة على أعدائهم، والتوفيق لهم في كل خير، وكل هذا وصف المؤمنين وأما المعتزلة، فهم بمعزل عن هذه الآية، وكذلك: المؤمنون على قولهم غير متوكلين على الله؛ لأنهم يقولون: إن الله -  - قد أعطى كلا من النصر والمعونة ما ينتصر على أعدائه وينتقم منهم حتى لا يبقى عنده مزيد ما ينصرهم ويعينهم على شيء؛ فعلى قولهم لا يقع للمؤمنين في التكل على الله  - شيء؛ لأنه ليس عنده ما ينصرهم ولا ما يعينهم، فعلى ماذا يتوكلون عليه على قولهم إذا لم يملك ما ذكرنا، ومن قولهم: إن على الله -  - أن يعطي من المعونة والتوفيق حتى لا يبقى عنده مزيد بشيء فلو منع شيئاً من ذلك لم يعطهم يكون جائزاً، ثم إذأ أعطاهم ما ذكروا، ولا يهتدون ولا ينتصرون، والله -  - قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي  ﴾ ؛ فدل أن ما قالوا مخالف للكتاب.

ثم اختلف في اشتقاق النجوى: فمنهم من قال: هو النجوة، وهو المكان العالي المرتفع: وذلك أنهم كانوا يقومون في مكان مرتفع فيتحدثون فيه فإذا رأوا من قصد بهم فيتفرقون، أو كلام نحو هذا معناه.

ومنهم من قال: التناجي: التخالي بما ذكروا، فيكون معنمى قوله: ﴿ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ﴾ أي: إذا تحاليتم فلا تتخالوا بما ذكر.

وقال القتبي: التناجي من التشاور، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ...

﴾ الآية.

يخرج على وجهين: أحدهما: وإذا قيل لكم تأخروا في المجلس فتأخروا، ﴿ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ ﴾ ، أي: ارتفعوا وتقدموا؛ فيكون قوله: ﴿ تَفَسَّحُواْ ﴾ إذا كان الحضور أولا هم الذين هتمهم السماع العلم به ثم جاء من يريد التفقه فيه، فقيل لهم: تأخروا؛ حتى يقرب من يصير إماماً للناس وفقيهاً لهم.

وإذا كان الحضور هم الذين هتمهم أن يكونوا هم الأئمة، ثم جاء بعد ذلك من كان همتهم السماع والعمل به، قيل للذين تقدموا أولا: ارتفعوا وتقدموا حتى يسمع من حضر بعدكم قول النبي  ، والله أعلم.

والثاني: أنه إذا كان في المجلس أدنى سعة وفسحة ما يمكن تمكين غيره بالتحريك والتفسح دون القيام يقال لهم: تفسحوا.

وإذ لم يمكن ذلك إلا بالقيام قيل لهم: قوموا وارتفعوا وتقدموا.

وقوله: ﴿ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ يحتم لوجوهاً: أحدها: يفسح الله لكم في القبر، أو في الآخرة في الجنة، أو يفسح الله لكم في المجلس أو يفسح لكم فسحة القلب وتوسعة للعلم والحكم، والله أعلم.

وقال الحسن: ﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ ﴾ ، أي: في القتال والحرب، ﴿ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ ﴾ ، أي: إذا قيل: انهزوا إلى العدو فانهزوا.

قال قتادة: أي: إذا دعيتم إلى خير أو صلاة فأجيبوا.

وقيل: هو كل خير: من قتال عدو، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو حق كائناً ما كان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ .

أخبر أنه يرفع الله الذين آمنوا، وأخبر أنه يرفع الله الذين أوتوا العلممن المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات؛ لفضل العلم على سائر العبادات من الجهاد وغيره؛ ألا ترى أنه قال في آية الجهاد: ﴿ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً  ﴾ جعل للمجاهدين على القاعدين فضل درجة، وللذين أوتوا العلم على الذين لم يؤتوا درجات؛ ليعلم فضيلة العلم على غيره، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ  ﴾ .

قال بعضهم: إن النبي  كان يجلس قوماً عند نفسه؛ ليتفقهوا في الدين، ويبعث قوماً سرايا، حتى إذا رجع السرايا أنذرهم الذين تفقهوا في الدين وتعلموا من رسول الله  .

فإن كان التأويل هذا؛ ففيه دلالة فضيلة العلم على الجهاد؛ حتى أحوج أولئك إليهم.

وقال بعضهم: كان ينفر من كل قوم طائفة؛ ليتفقهوا في الدين، فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروا قومهم.

وقال قتادة: إن بالعلم لأهله فضيلة، وإن له على أهله حقّاً، ولعمري الحق عليك أيها العالم أفضل، والله يعطي كلا من فضل فضله.

وقتادة يقول في قوله -  -: ﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ ﴾ : إنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا يضنون بمجالسهم عند رسول الله  فأمر الله -  - أن يفسح بعضهم لبعض.

وقال مقاتل: أقبل نفر من الأنصار ممن شهد بدراً، فسلموا على النبي  ومن حوله، فردوا السلام، وضنوا بمجلسهم من رسول الله  فلم يوسعوا لهم؛ فقال لهم رسول الله: "قم يا فلان ويا فلان" لنفر منهم من الذين لم يشهدوا بدراً؛ فتكلم في ذلك المنافقين؛ فنزلت هذه الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾ .

يشبه أن يكون ما ذكر من مناجاة الرسول -  - على جوه، والناس في مناجاته طبقات: أحدهم: يناجيه مسترشداً في أمر الدين، وما ينزل به من النوازل.

والآخر: يناجيه افتخاراً به على غيره من الناس ومباهاة منه؛ ليعلم أن له خصوصية عند رسول الله  وفضلا له عنه، وهو صنيع المنافقين.

والفريق الثالث: يناجونه؛ ليسمعوا الناس الكذب ويسمعوهم غير الذي سمعوا، كقوله -  -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ  ﴾ وهم اليهود وصنيعهم ما ذكر؛ فجائز أن يخرج المناجاة مع رسول الله  على الوجوه التي ذكرنا.

ثم ما ذكر من تقديم الصدقة على المناجاة يخرج على وجوه: أحدها: أمر بتقديم الصدقة؛ لعظم قدر رسول الله  والخصوصية له، يطهر بتلك الصدقة ويصير أهلا لمناجاة بها، وهو كالطهارة التي جعلها سبباً للوصول إلى مناجاة الرب،  وتعالى .

والثاني: لما خصهم بمناجاة الرسول، وجعلهم أهلا لها، أمرهم بتقديم الصدقة؛ شكراً له منهم بذلك.

والثالث: جائز أن يكون أمرهم بتقديم الصدقة؛ امتحاناً منه أياهم؛ ليظهر حقيقة أمرهم، وهو ما جعل الأمر بالجهاد سبباً لظهور نفاقهم وارتيابهم في الأمر؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

وجائز أن يكون الأمر بالصدقة لأهل المناجاة على الذين كانت لهم حوائج عند رسول الله  فيمنعونه عن قضاء حاجاتهم بالاشتغال بالمناجاة، أمرهم بالصلة لأولئك؛ تطييباً لقلوبهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ .

أي: أن تقديم الصدقة أطهر لقلوبكم من ترك الصدقة.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

جائز أن يكون هذا الأمر لأهل الغناء دون الفقر، حتى قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ ﴾ ما تصدقون به، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أي: أبخلتم يأهل الميسرة أن تقدموا بين [يدي] نجواكم صدقات؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: تجاوز عنكم إذا لم تفعلوا.

﴿ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

أي: إذا لم تصدقوا تلك الصدقة فآتوا زكاة أموالكم.

قال أهل التأويل: نسخ ما أمروا به من الصدقة عن المناجاة بما ذكر: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

هذا وعيد، ثم في قوله: ﴿ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ ﴾ دلالة قبول خبر الواحد؛ لأنه يناجيه ولا يعلم به غيره؛ دل أنه يقبل إذا أخبر به غيره.

وفيه أن لا كل مناجاة تكون من الشيطان؛ لأن النبي  ناجى من ذكر؛ فدل أنه قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ مصروف إلى ما سبق ذكره.

وفيه ألا يفهم من ذكر اليد الجارحة لا محالة؛ فإنه قال: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ ﴾ ، وليس للنجوى يدٌ ولا بين، وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ  ﴾ ، ولم يشكل على أحد أنه لم يرد باليد الجارحة هاهنا؛ فكيف فهم فيما أضيف إلى الله -  - في قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  ﴾ ، وقول رسول الله صلى لله عليه وسلم: "الصدقة تقع في يد الرحمن": الجارحة، لولا فساد اعتقادهم في الله -  - وتشبيههم إياه بالخلق.

وقال قتادة: أكثروا النجوى مع رسول الله  فمنعهم الله  عنه، فقال: ﴿ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً...

﴾ الآية.

وعن علي -  - أنه قال: أنا أول من عمل بها، تصدقت بكذا، ثم نزلت الرخصة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتناجوا بما فيه إثم أو عدوان أو معصية للرسول حتَّى لا تكونوا مثل اليهود، وتناجوا بما فيه طاعة لله وكفّ عن معصيته، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الَّذي إليه وحده تحشرون يوم القيامة للحساب والجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.aNEPX"

مزيد من التفاسير لسورة المجادلة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده