الآية ١١ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ١١ من سورة الممتحنة

وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌۭ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) قال مجاهد ، وقتادة : هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد ، إذا فرت إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئا ، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء ، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس حدثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن الزهري قال : أقر المؤمنون بحكم الله ، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم ، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين ، فقال الله للمؤمنين به : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين ، رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن ، ثم ردوا إلى المشركين فضلا إن كان بقي لهم .

والعقب : ما كان بأيدي المؤمنين من صداق نساء الكفار حين آمن وهاجرن .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية : يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار ، أمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق .

وهكذا قال مجاهد : ( فعاقبتم ) أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) يعني : مهر مثلها .

وهكذا قال مسروق ، وإبراهيم ، وقتادة ، ومقاتل ، والضحاك ، وسفيان بن حسين ، والزهري أيضا .

وهذا لا ينافي الأول ; لأنه إن أمكن الأول فهو أولى ، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار .

وهذا أوسع ، وهو اختيار ابن جرير ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( وَإِنْ فَاتَكُمْ ) أيها المؤمنون ( شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) فلحق بهم.

واختلف أهل التأويل في الكفار الذين عُنُوا بقوله: ( إِلَى الْكُفَّارِ ) من هم؟

فقال بعضهم: هم الكفار الذين لم يكن بينهم وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عهد، قالوا: ومعنى الكلام: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى من ليس بينكم وبينهم عهد من الكفار.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) الذين ليس بينكم وبينهم عهد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) إذا فررن من أصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى كفار ليس بينهم وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عهد.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) قال: لم يكن بينهم عهد.

وقال آخرون: بل هم كفار قريش الذي كانوا أهل هدنة، وذلك قول الزهريّ.

حدثني بذلك يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عنه.

وقوله: ( فَعَاقَبْتُمْ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( فَعَاقَبْتُمْ) بالألف على مثال فاعلتم، بمعنى: أصبتم منهم عقبى.

وقرأه حميد الأعرج فيما ذُكر عنه ( فَعَقَّبْتم ) على مثال فعلتم مشددة القاف، وهما في اختلاف الألفاظ بهما نظير قوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وتصاعر مع تقارب معانيهما.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأه ( فَعَاقَبْتُمْ ) بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: ( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ) يقول: فاعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مثل ما أنفقوا عليهنّ من الصداق.

واختلف أهل التأويل في المال الذي أمر أن يعطى منه الذي ذهبت زوجته إلى المشركين، فقال بعضهم: أُمروا أن يعطوهم صداق من لحق بهم من نساء المشركين.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا أبن وهب، قال.

أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: أقرّ المؤمنون بحكم الله، وأدّوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله للمؤمنين : ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين ردَّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم، الذي أمروا أن يردّوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمنّ وهاجرن، ثم ردّوا إلى المشركين فضلا.

إن كان بقي لهم.

والعقب: ما كان بأيدي المؤمنين من صداق نساء الكفار حين آمنّ وهاجرن.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: أنـزل الله ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ) فأمر الله المؤمنين أن يردّوا الصداق إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج أن يردَّ إليه المسلمون صداق امرأته من صداق إن كان في أيديهم مما أمروا أن يردّوا إلى المشركين.

وقال آخرون: بل أُمروا أن يعطوه من الغنيمة أو الفيء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، إنهم كانوا أُمروا أن يردّوا عليهم من الغنيمة.

وكان مجاهد يقرأ: ( فَعَاقَبْتُمْ ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( فَعَاقَبْتُمْ ) يقول: أصبتم مغنمًا من قريش أو غيرهم ( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ) صدقاتهنّ عوضًا.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) قال: من لم يكن بينهم وبينهم عهد، فذهبت امرأة إلى المشركين، فيدفع إلى زوجها مهر مثلها( فَعَاقَبْتُمْ ) فأصبتم غنيمة ( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ) قال: مهر مثلها يُدفع إلى زوجها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ) كنّ إذا فررن من أصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى الكفار ليس بينهم وبين نبيّ الله عهد، فأصاب أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم غنيمة، أعطى زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم يقتسمون غنيمتهم.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائيّ يخبر عن زائدة، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق أنه قرأها( فَعَاقَبْتُمْ ) وفسّرها فغنمتم.

حدثنا أحمد، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ( فَعَاقَبْتُمْ ) قال: غنمتم.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سألنا الزهريّ، عن هذه الآية وقول الله فيها: ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ) .

الآية، قال: يقول: إن فات أحدًا منكم أهله إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون لها مثل الذي يأخذون منكم، فعوّضوه من فيء إن أصبتموه.

وقال آخرون في ذلك: ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ) قال: خرجت امرأة من أهل الإسلام إلى المشركين، ولم يخرج غيرها.

قال: فأتت امرأة من المشركين، فقال القوم: هذه عُقْبتكم قد أتتكم، فقال الله ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ) : أمسكتم الذي جاءكم منهم من أجل الذي لكم عندهم ( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ) ثم أخبرهم الله أنه لا جناح عليهم إذا فعلوا الذي فعلوا أن ينكحوهنّ إذا استبرئ رحمها، قال: فدعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الذي ذهبت امرأته إلى الكفار، فقال لهذه التي أتت من عند المشركين: هذا زوج التي ذهبت أزوجكه؟

فقالت: يا رسول الله، عذر الله زوجة هذا أن تفرّ منه، لا والله مالي به حاجة، فدعا البختريّ رجلا جسيمًا، قال: هذا؟

قالت: نعم، وهي ممن جاء من مكة.

* وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله عزّ وجلّ في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عُقْبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم، مثل الذي أنفقوا على الفارّة منهم إليهم، ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مال دون مال، فعليهم أن يعطوهم ذلك من كلّ الأموال التي ذكرناها.

وقوله: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) يقول: وخافوا الله الذي أنتم به مصدّقون أيها المؤمنون فاتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار في الخبر : أن المسلمين قالوا : رضينا بما حكم الله ; وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا .

وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : حكم الله عز وجل بينكم فقال جل ثناؤه : واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا فكتب إليهم المسلمون : قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها ، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها .

فكتبوا إليهم : أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا ، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به ، فأنزل الله عز وجل : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا .

وقال ابن عباس في قوله تعالى : ذلكم حكم الله يحكم بينكم أي بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم إلى بعض .

قال الزهري : ولولا العهد لأمسك النساء [ ص: 62 ] ولم يرد إليهم صداقا .

وقال قتادة ومجاهد : إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة .

وقالا : هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد .

وقالا : ومعنى فعاقبتم فاقتصصتم .

فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا يعني الصدقات .

فهي عامة في جميع الكفار .

وقال قتادة أيضا : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهد ، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا .

ثم نسخ هذا في سورة " التوبة " .

وقال الزهري : انقطع هذا عام الفتح .

وقال سفيان الثوري : لا يعمل به اليوم .

وقال قوم : هو ثابت الحكم الآن أيضا .

حكاه القشيري .الثانية : قوله تعالى : فعاقبتم قراءة العامة فعاقبتم ، وقرأ علقمة والنخعي وحميد والأعرج " فعقبتم " مشددة .

وقرأ مجاهد " فأعقبتم " وقال : صنعتم كما صنعوا بكم .

وقرأ الزهري " فعقبتم " خفيفة بغير ألف .

وقرأ مسروق وشقيق بن سلمة " فعقبتم " بكسر القاف خفيفة .

وقال : غنمتم .

وكلها لغات بمعنى واحد .

يقال : عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب واعتقب وتعاقب إذا غنم .

وقال القتبي : فعاقبتم فغزوتم معاقبين غزوا بعد غزو .

وقال ابن بحر : أي فعاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين .الثالثة : قوله تعالى : فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا قال ابن عباس : يقول : إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة ، وليس بينكم وبينهم عهد ، ولها زوج مسلم قبلكم فغنمتم ، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس .

وقال الزهري : يعطى من مال الفيء .

وعنه يعطى من صداق من لحق بنا .

وقيل : أي إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم ، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم فخذوا ذلك منهم .

قال الأعمش : هي منسوخة .

وقال عطاء : بل حكمها ثابت .

وقد تقدم جميع هذا .

القشيري : والآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ، ارتدت وتركت زوجها عياض بن غنم القرشي ، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها ، ثم عادت إلى الإسلام .

وحكى الثعلبي عن ابن عباس : هن ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين : أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري .

وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة ، وكانت تحت عمر بن الخطاب ، فلما هاجر عمر أبت وارتدت .

وبروع بنت عقبة ، كانت تحت شماس بن عثمان .

وعبدة بنت عبد العزى ، كانت تحت هشام بن العاص .

وأم كلثوم بنت جرول تحت عمر بن الخطاب .

وشهبة بنت غيلان .

فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة .واتقوا الله : احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ } بأن ذهبن مرتدات { فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا } كما تقدم أن الكفار إذا كانوا يأخذون بدل ما يفوت من أزواجهم إلى المسلمين، فمن ذهبت زوجته من المسلمين إلى الكفار وفاتت عليه، لزم أن يعطيه فعلى المسلمين من الغنيمة بدل ما أنفق { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإيمانكم بالله، يقتضي منكم أن تكونوا ملازمين للتقوى على الدوام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن فاتكم ) أيها المؤمنون ( شيء من أزواجكم إلى الكفار ) فلحقن بهم مرتدات ( فعاقبتم ) قال المفسرون : معناه غنمتم أي غزوتم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة وقيل : ظهرتم وكانت العاقبة لكم وقيل : أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم قرأ حميد الأعرج " فعقبتم " بالتشديد وقرأ الزهري : " فعقبتم " خفيفة بغير ألف وقرأ مجاهد " فأعقبتم " أي صنعتم بهم كما صنعوا بكم .

وكلها لغات بمعنى واحد يقال : عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب وتعاقب واعتقب : إذا غنم .

وقيل : " التعقيب " : غزوة بعد غزوة ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ) إلى الكفار منكم ( مثل ما أنفقوا ) عليهن من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار .

وقيل : فعاقبتم المرتدة بالقتل .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لحق بالمشركين من نساء المؤمنين والمهاجرين ست نسوة : أم الحكم بنت أبي سفيان وكانت تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة وزوجها عمرو بن عبد ود وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر بن الخطاب فكلهن رجعن عن الإسلام فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة .

( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) واختلف القول في أن رد مهر من أسلمت من النساء إلى أزواجهن كان واجبا أو مندوبا .

وأصله أن الصلح هل كان وقع على رد النساء ، فيه قولان : أحدهما أنه وقع على رد الرجال والنساء جميعا لما روينا : أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ثم صار الحكم في رد النساء منسوخا بقوله : " فلا ترجعوهن إلى الكفار " فعلى هذه كان رد المهر واجبا .

والقول الآخر : أن الصلح لم يقع على رد النساء لأنه روي عن علي : أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وذلك لأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى المخرج منها بإظهار كلمة الكفر مع التورية وإضمار الإيمان ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته إلى التقية فعلى هذا كان رد المهر مندوبا .

واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في معاقدة الكفار فقال قوم : لا يجب وزعموا أن الآية منسوخة وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة .

وقال قوم : هي غير منسوخة ويرد إليهم ما أنفقوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن فاتكم شيء من أزواجكم» أي واحدة فأكثر منهن أو شيء من مهور بالذهاب «إلى الكفار» مرتدات «فعاقبتم» فغزوتم وغنمتم «فآتوا الذين ذهبت أزواجهم» من الغنيمة «مثل ما أنفقوا» لفواته عليهم من جهة الكفار «واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون» وقد فعل المؤمنون ما أمروا به من الإيتاء للكفار والمؤمنين ثم ارتفع هذا الحكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن لحقت بعض زوجاتكم مرتدات إلى الكفار، ولم يعطكم الكفار مهورهن التي دفعتموها لهن، ثم ظَفِرتم بهؤلاء الكفار أو غيرهم وانتصرتم عليهم، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم من المسلمين من الغنائم أو غيرها مثل ما أعطوهن من المهور قبل ذلك، وخافوا الله الذي أنتم به مؤمنون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكفار فَعَاقَبْتُمْ ) بيان لحكم آخر يتعلق بالنساء اللائى التحقن بالمشركين ، وتركن أزواجهن المسلمين ، وأبى المشركون أن يدفعوا للمسلمين مهور هؤلاء الزوجات .والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ) .وقد ذكروا أن المسلمين لما نزل قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ .

.

) الآية .

كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية .فامتنع المشركون عن دفع مهور النساء اللاتى ذهبن إليهم ، بعد أن تركن أزواجهن المسلمين ، فنزل قوله - تعالى - : ( وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكفار فَعَاقَبْتُمْ ) .قال ابن كثير : أقر المؤمنون بحكم الله فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التى انفقوها على نسائهم ، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين ، فقال الله - تعالى - للمؤمنين به ، ( وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ ) الآية .وقوله ( فَاتَكُمْ ) من الفَوْتِ بمعنى الفراق والترك والهرب .

.

.

يقال : فاتنى هذا الشىء ، إذا لم أتمكن من الحصول عليه ، وعدى حرف إلى لتضمنه معنى الفرار .ولفظ " شىء " هنا المراد به بعض ، وقوله : ( مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ ) بيان للفظ شىء .وقوله : ( فَعَاقَبْتُمْ ) يرى بعضهم أنه من العقوبة .وعليه يكون المعنى : وإن تفلتت وفرت امرأة من أزواجكم - أيها المؤمنون - إلى الكفار ، وامتنعوا عن دفع مهرها لكم .

( فَعَاقَبْتُمْ ) أى : فغزوتم أنتم بعد ذلك هؤلاء الكافرين وانتصرتم عليهم وظفرتم بمغانم منهم .( فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ ) منكم إلى الكفار من هذه المغانم ( مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ ) أى : مثل المهور التى أنفقوها على زوجاتهم اللائى فررن إلى المشركين .ويرى بعضهم أن قوله ( فَعَاقَبْتُمْ ) صيغة تفاعل من العُقْبة - بضم العين وسكون القاف وهى النوبة ، بمعنى أن يصير الإنسان فى حالة تشبه حالة غيره .قال الآلوسى : قوله : ( فَعَاقَبْتُمْ ) من العُقْبَةِ لا من العقاب ، وهى فى الأصل النوبة فى ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده : أى : فجاءت عقبتكم أى نوبتكم من أداء المهر .شبه الحكم بالأداء المذكور ، بأمر يتعاقبون فيه فى الركوب .وحاصل المعنى : إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار ، أو فاتكم شىء من مهورهن ، ( فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ ) من مهر المهاجرة التى تزوجتموها ، ولا تعطوا شيئا لزوجها الكافر ، ليكون قصاص .وعبر عن هؤلاء الزوجات اللائى تركن أزواجهن المؤمنين ، وفررن إلى المشركين ، بلفظ " شىء " لتحقير هؤلاء الزوجات ، وتهوين أمرهن على المسلمين ، وبيان أنهن بمنزلة الشىء الضائع المفقود الذى لا قيمة له .قال صاحب الكشاف : وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة .وقد أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين مهور نسائهم - اللاحقات بالمشركين - من الغنيمة .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( واتقوا الله الذي أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) أى : واتقوا الله - تعالى - أيها المؤمنون - فى كل شئونكم ، ونفذوا ما أمركم به أو نهاكم عنه ، فإن الإيمان الحق به - عز وجل - يستزلم منكم ذلك .فالمقصود بهذا التذييل ، الحض على الوفاء بما أمر الله - تعالى - به ، بدون تهاون أو تقاعس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

روى عن الزهري ومسروق أن من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأقر المسلمون بحكم الله وأبى المشركون فنزلت: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْء مّنْ أزواجكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم، قال الحسن ومقاتل: نزلت في أم حكيم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت زوجها عباس بن تميم القرشي، ولم ترتد امرأة من غير قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام، وقوله تعالى: ﴿ فعاقبتم ﴾ أي فغنمتم، على قول ابن عباس ومسروق ومقاتل، وقال أبو عبيدة أصبتم منهم عقبى، وقال المبرد ﴿ فعاقبتم ﴾ أي فعلتم ما فعل بكل يعني ظفرتم، وهو من قولك: العقبى لفلان، أي العاقبة، وتأويل العاقبة الكرة الأخيرة، ومعنى عاقبتم: غزوتم معاقبين غزواً بعد غزو، وقيل: كانت العقبى لكم والغلبة، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر، وهو قوله: ﴿ فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ ﴾ ، وقرئ: (فأعقبتم) و(فعقبتم) بالتشديد، و(فعقبتم) بالتخفيف بفتح القاف وكسرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات ﴾ سماهنّ مؤمنات لتصديقهنّ بألسنتهنّ ونطقهنّ بكلمة الشهادة ولم يظهر منهنّ ما ينافي ذلك.

أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهم بالامتحان ﴿ فامتحنوهن ﴾ فابتلوهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة: «بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله» ﴿ الله أَعْلَمُ بإيمانهن ﴾ منكم لأنكم لا تكسبون فيه علماً تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات ﴾ العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار ﴾ فلا تردّوهن إلى أزواجهن المشركين، لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك ﴿ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ وأعطوا أزواجهنّ مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور، وذلك: أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة ردّ إليهم، ومن أتى منكم مكة لم يردّ إليكم؛ وكتبوا بذلك كتاباً وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي.

وقيل صيفي بن الراهب فقال: يا محمد، أردد عليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد: أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك.

وعن قتادة: ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد براءة، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

فإن قلت: كيف سمى الظنّ علماً في قوله: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ ﴾ ؟

قلت: إيذاناً بأن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36] فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿ الله أَعْلَمُ بإيمانهن ﴾ وذلك معلوم لا شبهة فيه؟

قلت: فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن.

فإنّ ذلك مما استأثر به علام الغيوب، وأن ما يؤدي إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك، وأن تكليفكم لا يعدوه؛ ثم نفى عنهم الجناح في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا آتوهنّ أجورهنّ أي مهورهنّ، لأن المهر أجر البضع، ولا يخلو إما أن يراد بها ما كان يدفع إليهنّ ليدفعنه إلى أزواجهنّ فيشترط في إباحة تزوجهنّ تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهنّ على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين لهم أن ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر وأنه لابد من إصداق، وبه احتج أبو حنيفة على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً: وقعت الفرقة، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر ﴾ والعصمة ما يعتصم به من عقد وسبب، يعني: إياكم وإياهنّ، ولا تكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجية.

قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدنّ بها من نسائه، لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وعن مجاهد: أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ وَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُم ﴾ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ﴿ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

وقرئ: ﴿ ولا تمسكوا ﴾ بالتخفيف.

ولا تمسكوا بالتثقيل.

ولا تمسكوا.

أي: ولا تتمسكوا ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ الله ﴾ يعني جميع ما ذكر في هذه الآية ﴿ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ كلام مستأنف.

أو حال من حكم الله على حذف الضمير، أي: يحكمه الله.

أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

روى أنها لما نزلت هذه الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهنّ المشركين، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ ﴾ وإن سبقكم وانفلت منكم ﴿ شَيْءٌ ﴾ من أزواجكم: أحد منهن إلى الكفار، وهو في قراءة ابن مسعود: أحد.

فإن قلت: هل لإيقاع شيء في هذا الموقع فائدة؟

قلت: نعم، الفائدة فيه: أن لا يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظاً في هذا الحكم وتشديداً فيه ﴿ فعاقبتم ﴾ من العقبة وهي التوبة: شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره.

ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر، فآتوا من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري: يعطي من صداق من لحق بهم.

وقرئ: ﴿ فأعقبتم ﴾ فعقبتم بالتشديد.

فعقبتم بالتخفيف، بفتح القاف وكسرها، فمعنى أعقبتم: دخلتم في العقبة، وعقبتم: من عقبه إذا قفاه، لأنّ كل واحد من المتعاقبين يقفي صاحبه، وكذلك عقبتم بالتخفيف، يقال: عقبه يعقبه.

وعقبتم نحو تبعتم.

وقال الزجاج: فعاقبتم فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، والذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر، وفسر غيرها من القراآت فكانت العقبى لكم، أي: فكانت الغلبة لكم حتى غنمتم.

وقيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص.

وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ فاتَكُمْ ﴾ وإنْ سَبَقَكم وانْفَلَتَ مِنكم.

﴿ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ وإيقاعُ ( شَيْءٌ ) مَوْقِعَهُ لِلتَّحْقِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّعْمِيمِ، أوْ شَيْءٌ مِن مُهُورِهِنَّ.

﴿ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ ﴾ فَجاءَتْ عَقَبَتُكم أيْ نَوْبَتُكم مِن أداءِ المَهْرِ، شَبَّهَ الحُكْمَ بِأداءِ هَؤُلاءِ مُهُورَ نِساءِ أُولَئِكَ تارَةً وأداءِ أُولَئِكَ مُهُورَ نِساءٍ هَؤُلاءِ أُخْرى بِأمْرٍ يَتَعاقَبُونَ فِيهِ كَما يُتَعاقَبُ في الرُّكُوبِ وغَيْرِهِ.

﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا ﴾ مِن مَهْرِ المُهاجِرَةِ ولا تُؤْتُوهُ زَوْجَها الكافِرَ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ أبى المُشْرِكُونَ أنْ يُؤَدُّوا مَهْرَ الكَوافِرِ فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ: مَعْناهُ إنْ فاتَكم فَأصَبْتُمْ مِنَ الكُفّارِ عُقْبى وهي الغَنِيمَةُ فَآتُوا بَدَلَ الفائِتِ مِنَ الغَنِيمَةِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يَقْتَضِي التَّقْوى مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وإن انفلت أحد منهن إلى الكفار وهو في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أحد {فعاقبتم} فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم عن الزجاج {فَأَتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ} فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم وألحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة {واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} وقيل هذا الحكم منسوخ أيضا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ فاتَكُمْ ﴾ أيْ سَبَقَكم وانْفَلَتَ مِنكم ﴿ شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ ﴾ أيْ أحَدٍ مِن أزْواجِكم، وقُرِئَ كَذَلِكَ، وإيقاعُ ”شَيْءٌ“ مَوْقِعَهُ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ وشُمُولِ مُحَقَّرِ الجِنْسِ نَصًّا، وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَقُولَ: أُرِيدَ التَّحْقِيرُ والتَّهْوِينُ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ مَن فاتَ مِن أزْواجِهِمْ إلى الكُفّارِ يَسْتَحِقُّ الهَوْنَ والهَوانَ، وكانَتِ الفائِتاتُ سِتًّا عَلى ما نَقَلَهُ في الكَشّافِ وفَصَّلَهُ، أوْ أنَّ ﴿ فاتَكم شَيْءٌ ﴾ مِن مُهُورِ أزْواجِكم عَلى أنَّ ”شَيْءٌ“ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ العُقَلاءِ حَقِيقَةً، ”ومِنَ“ ابْتِدائِيَّةٌ لا بَيانِيَّةٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿ فَعاقَبْتُمْ ﴾ مِنَ العَقَبَةِ لا مِنَ العِقابِ، وهي في الأصْلِ النَّوْبَةُ في رُكُوبِ أحَدِ الرَّفِيقَيْنِ عَلى دابَّةٍ لَهُما والآخَرِ بَعْدَهُ أيْ فَجاءَتْ عَقَبَتُكم أيْ نَوْبَتُكم مِن أداءِ المَهْرِ شَبَّهَ ما حَكَمَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ مِن أداءِ هَؤُلاءِ مُهُورَ نِساءِ أُولَئِكَ تارَةً وأداءِ أُولَئِكَ مُهُورَ نِساءِ هَؤُلاءِ أُخْرى، أوْ شَبَّهَ الحُكْمَ بِالأداءِ المَذْكُورِ بِأمْرٍ يَتَعاقَبُونَ فِيهِ كَما يُتَعاقَبُ في الرُّكُوبِ، وحاصِلُ المَعْنى إنْ لَحِقَ أحَدٌ مِن أزْواجِكم بِالكُفّارِ أوْ فاتَكم شَيْءٌ مِن مُهُورِهِنَّ ولَزِمَكم أداءُ المَهْرِ كَما لَزِمَ الكُفّارُ.

﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا ﴾ مِن مَهْرِ المُهاجِرَةِ الَّتِي تَزَوَّجْتُمُوها ولا تُؤْتُوهُ زَوْجَها الكافِرَ لِيَكُونَ قِصاصًا، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنْ عاقَبَ لا يَقْتَضِي المُشارَكَةَ، وهَذا كَما تَقُولُ: إبِلٌ مُعاقَبَةٌ تَرْعى الحَمْضَ تارَةً وغَيْرَهُ أُخْرى ولا تُرِيدُ أنَّها تَعاقُبُ غَيْرِها مِنَ الإبِلِ في ذَلِكَ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى يُوافِقُ ما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: يُعْطى مَن لَحِقَتْ زَوْجَتُهُ بِالكُفّارِ مِن صَداقِ مَن لَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ مِن زَوْجاتِهِمْ.

وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ مَعْنى ﴿ فَعاقَبْتُمْ ﴾ فَغَنِمْتُمْ، وحَقِيقَتُهُ فَأصَبْتُمْ في القِتالِ بِعُقُوبَةٍ حَتّى غَنِمْتُمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ ﴾ ولَمْ يُؤَدُّوا إلَيْكم مُهُورَهُنَّ فَغَنِمْتُمْ مِنهم ﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا ﴾ مِنَ الغَنِيمَةِ وهَذا هو الوَجْهُ دُونَ ما سَبَقَ، وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - يُعْطى الَّذِي ذَهَبَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ أنْ تُخَمَّسَ المَهْرَ ولا يُنْقُصُ مِن حَقِّهِ شَيْئًا، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: رَوَيْنا عَنْ قُطْرُبَ أنَّهُ قالَ: ﴿ فَعاقَبْتُمْ ﴾ فَأصَبْتُمْ عَقَبًا مِنهم يُقالُ: عاقَبَ الرَّجُلُ شَيْئًا إذا أخَذَ شَيْئًا وهو في المَعْنى كالوَجْهِ قَبْلَهُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ والأعْرَجُ وعِكْرِمَةُ وحُمَيْدٌ وأبُو حَيْوَةَ والزَّعْفَرانِيُّ - فَعَقَّبْتُمْ - بِتَشْدِيدِ القافِ مِن عَقِبِهِ إذا قَفّاهُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَعاقِبَيْنِ يَقْفِي صاحِبَهُ، والزُّهْرِيُّ والأعْرَجُ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا والنَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِخِلافٍ عَنْهُ - فَعَقَبْتُمْ - بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها، والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ أيْضًا بِالكَسْرِ والتَّخْفِيفِ، ومُجاهِدٌ أيْضًا - فَأعْقَبْتُمْ - أيْ دَخَلْتُمْ في العَقَبَةِ وفَسَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءاتِ الأرْبَعَةَ بِأنَّ المَعْنى فَكانَتِ العُقْبى لَكم أيِ الغَلَبَةُ والنَّصْرُ حَتّى غَنِمْتُمْ لِأنَّها العاقِبَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى عاقِبَةً ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ يَقْتَضِي التَّقْوى مِنهُ سُبْحانَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ يعني: إذا ارتدت امرأة ولحقت بدار الحرب، فعاقبتم يعني: فغنم من المشركين شيئاً، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ من الغنيمة مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا من الغنيمة، مثل الذين أعطوا نساءهم من المهر.

وهذه الآية منسوخة بالإجماع.

قرأ إبراهيم النخعي: فعاقبتم بغير ألف، وعن مجاهد أنه قرأ: فَعاقَبْتُمْ وقراءة العامة فَعاقَبْتُمْ فذلك كله يرجع إلى معنى واحد يعني: إذا غلبتم العبد واعتصمتم، واصبتموهم في القتال.

وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم.

الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: مصدقين.

ثم قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ يعني: النساء إذا أسلمن، فبايعهن عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، يعني: لا يعبدن غير الله.

وَلا يَسْرِقْنَ، يعني: لا يأخذن مال أحد بغير حق.

وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: ولا يقتلن بناتهن، كما قتلن في الجاهلية ويقال: لا يشربن دواءً، فيسقطن حملهن.

ثم اختلفوا في مبايعة النساء، وقال بعضهم: وضع رسول الله  ثوباً وأخذ في الثوب، وقال بعضهم: كان يشيرهن رسول الله  ويصافحهن عمر، وذكر أن النبيّ  لما فتح مكة، وفرغ من مبايعة الرجال، وهو على الصفا، وعمر بن الخطاب-  - أسفل منه، فبايع النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن.

فقالت هند، امرأة أبي سفيان: إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنْ مَالِ أبِي سُفْيَان، فَلاَ أدْرِي أَحَلاَلٌ أمْ لا؟

فقال أبو سفيان: نَعَمْ مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا غَبَرَ.

فقال النبيّ  : عَفَا الله عَمَّا سَلَف.

وفي خبر آخر، أنها قالت: أرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِنِي مَا يَكْفِينِي وَلِوَلَدي، هَلْ يَحِلُّ لِي أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ؟

فقال النبيّ  : «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَلِوَلَدِكِ بِالمَعْرُوفِ» .

ثم قال: وَلا يَزْنِينَ فلما قال ذلك، قالت هند: أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟

فضحك عمر عند ذلك، ثم قال: تَعَالَيْ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: لا يقتلن بناتهن الصغار، فقالت هند: ربيناهم صغاراً أفنقتلهم كباراً؟

فتبسم النبيّ  ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعني: لا تجيء بصبي من غير زوجها، فتقول للزوج: هو منك.

فقالت هند: إنَّ البُهْتَانَ أَفْحَشُ وَمَا تَأْمُرْنَا إلاَّ بالرّشد.

ثم قال عز وجل: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: في طاعة مما أمر الله تعالى، ويقال: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: فيما نهيتهن عن النوح وتمزيق الثياب، أو تخلو مع الأجنبي، أو نحو ذلك، فقالت هند: ما جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسِ وَفِي أَنْفُسِنَا أَنْ نَعْصِيكَ فِي شَيْءٍ ثم قال فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ يعني: إذا بايعن على ذلك، فاسأل الله لهن المغفرة لما كان في الشرك.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لهن ما كان في الشرك رحيم فيما بقي.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين، يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم وطعامهم وشرابهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: لا تتخذوا الصداقة مع قوم غضب الله عليهم، ويقال: هَذَا أَيضاً في حاطب بن أبي بلتعة.

ثم قال عز وجل: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال مقاتل: وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، أتاه ملك شديد الانتهار، فيجلسه، ثم يسأله: من ربك، وما دينك، ومن رسولك؟

فيقول: لا أدري.

فيقول الملك: أبعدك الله، انظر يا عدو الله إلى منزلك.

فينظر إليه من النار، فيدعو بالويل والثبور، فيقول: هذا لك يا عدو الله.

فيفتح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا لمن آمن بالله تعالى، فلو كنت آمنت بربك نزلت الجنة.

فيكون حسرة عليه، وينقطع رجاؤه منها.

وعلم أنه أبعد له فيها، ويئس من خير الجنة، فذلك قوله تعالى: للكفار أهل الدنيا الأحياء منهم قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يعني: من خير الآخرة، لأنهم كذبوا بالثواب والعقاب، وهم آيسون من الجنة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، إذا عرف منازله ويقال: إن الكفار إذا مات منهم أحد، يئسوا من رجوعه، فيقال: قد يئس هؤلاء من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور من رجوعهم ويقال: يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يعني: هؤلاء الكفار كما يئس الكفار الذين كانوا قبلهم من الآخرة وهو اليوم من أصحاب القبور والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بَيِّنٌ، وروي أَنَّ هذهِ الآياتِ لما نزلت، وَعَزَمَ المؤمنون على امتثالها، وَصَرْمِ حِبَالِ الكَفَرَةِ- لحقهم تَأَسُّفٌ وهمٌّ من أَجل قراباتهم إذ لم يؤمنوا، ولم يهتدوا، حَتَّى يكونَ بينهم التوادُدُ والتواصُلُ، فنزلت: عَسَى اللَّهُ ...

الآية: مؤنسةً في ذلك، ومُرْجِيةً أَنْ يقعَ، فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميعُ إخواناً، وعسى من اللَّه واجبةُ الوقوع.

ت: قد تقدم تحقيقُ القولِ في عَسَى في سورة القصص، فأغنى عن إعادته.

لاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)

وقوله تعالى: لاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ....

الآية: اختلف في هؤلاء الذين لم يَنْهَ عنهم أنْ يُبَرُّوا، فقيل: أراد المؤمنين التاركين للهجرة، وقيل: خُزَاعَةَ وقبائلَ من العرب، كانوا مظاهرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم/ ومُحِبِّينَ لظهوره، وقيل: أراد النساءَ والصبيان من الكَفَرَةِ، وقيل: أراد مِنْ كُفَّارِ قريش مَنْ لم يقاتلْ ولا أخرج، ولم يُظْهِرْ سُوءاً وعلى أَنَّها في الكفار فالآية منسوخةٌ بالقتال، والذين قاتلوا في الدين وأخرجوهم هم مَرَدَةُ قريش.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآيةُ نزلَتْ إثرَ صلح الحديبية وذلك أَنَّ ذلك الصلحَ تَضَمَّنَ أَنَّ مَنْ أتى مُسْلِماً من أهل مَكَّةَ، رُدَّ إليهم، سَواءٌ كان رجلاً أو امرأةً، فَنَقَضَ اللَّهُ تعالى من ذلك أَمْرَ النساء بهذه الآية، وحكم بأَنَّ المهاجرة المؤمنةَ لا تردّ إلى دار الكفر، وفَامْتَحِنُوهُنَّ: معناه: جربوهن واستخبروا حقيقةَ ما عندهنَّ.

وقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ إشارة إلى الاسترابة ببعضهنَّ.

ت: وقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ...

الآية: العلم هنا: بمعنى الظن، وذكر اللَّه تعالى العِلَّةَ في أَلاَّ يُرَدَّ النساءُ إلى الكُفَّارِ وهو امتناعُ الوطء وحُرْمَتُهُ.

وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ...

الآية: أمر بأَنْ يؤتى الكُفَّارُ مهورَ نسائهم التي هاجرنَ مؤمناتَ، ورفع سبحانه الجناحَ في أَنْ يتزوجنَ بصدقاتٍ هي أجورهِن، وأمر المسلمين بفراق الكافراتِ وأَلاَّ يتمسكوا بعصمهن، فقيل: الآية في عابداتِ الأوثان ومَنْ لا يجوزُ نكاحُها ابتداءً، وقيل: هي عامَّةٌ نُسِخَ منها نساءُ أهل الكتاب، والعِصَمُ: جمع عِصْمَة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر تعالى أَنْ يسأل أيضاً المؤمنون: ما أنفقوا؟

فرُوِيَ عنِ ابن شهاب أَنَّ قريشاً لَمَّا/ بلغهم هذا الحكم، قالوا: نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا نَلْتَزِمُهُ، ولا ندفع لأحد صَدَاقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةُ الأخرى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ...

الآية: فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أنْ يدفعوا إلى مَن فَرَّتْ زوجتُه ففاتتْ بنفسها إلى الكُفَّارِ صَدَاقَهُ الذي أنفق، واخْتُلِفَ: مِنْ أَيِّ مَالٍ يُدْفَعُ إليه الصَّدَاقُ؟

فقال ابن شهاب «١» : يُدْفَعُ إليه من الصدقات التي كانت تُدْفَعُ إلى الكفار بسبب مَنْ هاجر من أزواجهم، وأزال اللَّه دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال ع «٢» : وهذا قول صحيح يقتضيه قوله: فَعاقَبْتُمْ وقال قتادة «٣» وغيره: يُدْفَعُ إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء: التعقيب هو الغزو والمغنم، وقال ابن شهاب «٤» أيضاً: يدفع إليه مِنْ أيِّ وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في هذه الآية ليستْ بمعنى مجازاة السوء بسوءٍ، قال الثعلبي: وقرأ مجاهد: «فَأَعْقَبْتُمْ» «٥» وقال: المعنى: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال ع «٦» : أي: وذلك بأنْ يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على الجَمَلِ والدَّوَابِّ أنْ يركبَ هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال: عاقب الرجلُ صاحِبَه في كذا، أي: جاء فِعْلُ كُلِّ واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه الآية كلّها قد ارتفع حكمها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ  عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنَّ مَن أتاهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ رَدَّهُ إلَيْهِمْ.

ومَن أتى أهْلَ مَكَّةَ مِن أصْحابِهِ، فَهو لَهُمْ، وكَتَبُوا بِذَلِكَ الكِتابَ، وخَتَمُوهُ فَجاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الكِتابِ والنَّبِيُّ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأقْبَلَ زَوْجُها وكانَ كافِرًا، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ: ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي، فَإنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ لَنا أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن أتاكَ مِنّا، وهَذِهِ طِينَةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ بَعْدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مُحَمَّدُ ابْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في «أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ مَن هاجَرَ مِنَ النِّساءِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقَدِمَتِ المَدِينَةَ في هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَخَرَجَ في أثَرِها أخَواها الوَلِيدُ وعِمارَةُ ابْنا عُقْبَةَ، فَقالا: يا مُحَمَّدُ، أوْفِ لَنا بِشَرْطِنا، وقالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنا امْرَأةٌ وحالُ النِّساءِ إلى الضَّعْفِ ما قَدْ عَلِمْتَ، فَتَرُدُّنِي إلى الكُفّارِ يَفْتِنُونَنِي عَنْ دِينِي، ولا صَبْرَ لِي؟!

فَنَقَضَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العَهْدَ في النِّساءِ، وأنْزَلَ فِيهِنَّ المِحْنَةَ، وحَكَمَ فِيهِنَّ بِحُكْمٍ رَضُوهُ كُلُّهُمْ، ونَزَلَ في أُمِّ كُلْثُومٍ ﴿ فامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ فامْتَحَنَها رَسُولُ اللَّهِ  ، وامْتَحَنَ النِّساءَ بَعْدَها، يَقُولُ: واللَّهِ ما أخْرَجَكُنَّ إلّا حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وما خَرَجْتُنَّ لِزَوْجٍ ولا مالٍ؟

فَإذا قُلْنَ ذَلِكَ تُرِكْنَ، فَلَمْ يُرْدَدْنَ إلى أهْلِيهِنَّ.» وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَرْأةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها سُبَيْعَةُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهو المَشْهُورُ.

والثّالِثُ: أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ذَكَرَهُ أبُو نُعَيْمٍ الأصْبَهانِيُّ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ دَخَلَ رَدُّ النِّساءِ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا أوْ عُمُومًا؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: قَدْ كانَ شَرْطُ رَدِّهِنَّ في لَفْظِ الهُدْنَةِ لَفْظًا صَرِيحًا، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعالى رَدَّهُنَّ مِنَ العَقْدِ، ومَنَعَ مِنهُ، وأبْقاها في الرِّجالِ عَلى ما كانَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ يُشْرَطْ رَدُّهُنَّ في العَقْدِ صَرِيحًا، وإنَّما أُطْلِقَ العَقْدُ، وكانَ ظاهِرُ العُمُومِ اشْتِمالَهُ مَعَ الرِّجالِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خُرُوجَهُنَّ عَنْ عُمُومِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ لِأمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ ذَواتُ فُرُوجٍ تَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ أرَقُّ قُلُوبًا، وأسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنهم.

فَأمّا المُقِيمَةُ عَلى شِرْكِها فَمَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ.

وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وإنَّما لَمْ يَرُدَّ النِّساءَ عَلَيْهِمْ لِأنَّ النَّسْخَ جائِزٌ بَعْدَ التَّمْكِينِ مِنَ الفِعْلِ، وإنْ لَمْ يَقَعِ الفِعْلُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ رَسُولُ اللَّهِ  ، لِأنَّهُ هو الَّذِي تَوَلّى امْتِحانَهُنَّ، ويُرادُ بِهِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ  .

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وإنَّما أمَرَنا بِامْتِحانِهِنَّ، لِأنَّ المَرْأةَ كانَتْ إذا غَضِبَتْ عَلى زَوْجِها بِمَكَّةَ، قالَتْ: لَألْحَقَنَّ بِمُحَمَّدٍ.

وفِيما كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِـ "شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ" رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْتَحْلِفُ المَرْأةَ بِاللَّهِ: ما خَرَجَتْ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، ولا رَغْبَةً عَنْ أرْضٍ إلى أرْضٍ، ولا التِماسَ دُنْيا، وما خَرَجَتْ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ﴾ فَمَن أقَرَّتْ بِهَذا الشَّرْطِ قالَتْ: قَدْ بايَعْتُكَ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ ﴾ أيْ: إنَّ هَذا الِامْتِحانَ لَكُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِنَّ، ﴿ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ﴾ وذَلِكَ يُعْلَمُ بِإقْرارِهِنَّ، فَحِينَئِذٍ لا يَحِلُّ رَدُّهُنَّ "إلى الكُفّارِ" [لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُبِحْ مُؤْمِنَةً لِمُشْرِكٍ "وَآتَوْهُمْ" يَعْنِي أزْواجَهُنَّ الكُفّارَ] ﴿ ما أنْفَقُوا ﴾ يَعْنِي: المَهْرَ.

قالَ مُقاتِلٌ: هَذا إذا تَزَوَّجَها مُسْلِمٌ.

فَإنْ لَمْ يَتَزَوَّجْها أحَدٌ، فَلَيْسَ لِزَوْجِها الكافِرِ شَيْءٌ ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ وهي المُهُورُ.

* فَصْلٌ عِنْدَنا إذا هاجَرَتِ الحُرَّةُ بَعْدَ دُخُولِ زَوْجِها بِها، وقَعَتِ الفُرْقَةُ عَلى انْقِضاءِ عِدَّتِها.

فَإنْ أسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها فَهي امْرَأتُهُ، وهَذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، واللَّيْثِ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَقَعُ الفُرْقَةُ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تُمْسِكُوا ) بِضَمِّ التّاءِ، والتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: ( تُمَسِّكُوا ) بِضَمِّ التّاءِ، وبِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ: ( تَمَسَّكُوا ) بِفَتْحِ التّاءِ، والمِيمِ، والسِّينِ مُشَدَّدَةً.

و"الكَوافِرِ" جَمْعُ كافِرَةٍ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ المَقامِ عَلى نِكاحِ الكَوافِرِ، وأمَرَهم بِفِراقِهِنَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّها إذا كَفَرَتْ، فَقَدْ زالَتِ العِصْمَةُ بَيْنَها وبَيْنَ المُؤْمِنِ، أيْ: قَدِ انْبَتَّ عَقْدُ النِّكاحِ.

وَأصْلُ العِصْمَةِ: الحَبْلُ، وكُلُّ ما أمْسَكَ شَيْئًا فَقَدْ عَصَمَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ﴾ أيْ: إنْ لَحِقَتِ امْرَأةٌ مِنكم بِأهْلِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ مُرْتَدَّةً، فاسْألُوهم ما أنْفَقْتُمْ مِنَ المَهْرِ إذا لَمْ يَدْفَعُوها إلَيْكم ﴿ وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَحِقَتْ أزْواجُهم بِكم مُؤْمِناتٍ إذا تَزَوَّجْنَ مِنكُمْ، فَلْيَسْألْ أزْواجُهُنَّ الكُفّارُ مَن تَزَوَّجَهُنَّ ﴿ ما أنْفَقُوا ﴾ وهو المَهْرُ.

والمَعْنى: عَلَيْكم أنْ تَغْرَمُوا لَهُمُ الصَّداقَ كَما يَغْرَمُونَ لَكم.

قالَ أهْلُ السِّيَرِ: وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ حِينَ هاجَرَتْ عاتِقًا لَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ فَيُبْعَثُ إلَيْهِ قَدْرُ مَهْرِها، فَلَمّا هاجَرَتْ تَزَوَّجَتْ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ.

* فَصْلٌ وَذَكَرَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ أنَّهُ نُسِخَ ذَلِكَ في حَرائِرِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ  ﴾ ، وهَذا تَخْصِيصٌ لا نَسْخٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أصَبْتُمُوهم في القِتالِ بِعُقُوبَةٍ حَتّى غَنِمْتُمْ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأزْهَرِيُّ، والنَّخَعِيُّ: ( فَعَقَبْتُمْ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وبِفَتْحِ العَيْنِ والقافِ، وبِتَخْفِيفِها.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وحُمَيْدٌ، والأعْمَشُ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّ القافَ مُشَدَّدَةً.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى في التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ واحِدٌ، فَكانَتِ العُقْبى لَكم بِأنْ غَلَبْتُمْ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: ( فَأعْقَبْتُمْ ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةَ العَيْنِ، مَفْتُوحَةَ القافِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( فَعَقِبْتُمْ ) بِفَتْحِ العَيْنِ، وكَسْرِ القافِ وتَخْفِيفِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.

﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا ﴾ أيْ: أعْطُوا الأزْواجَ مِن رَأْسِ الغَنِيمَةِ ما أنْفَقُوا مِنَ المَهْرِ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عِياضِ بْنِ غَنَمٍ، كانَتْ زَوْجَتُهُ مُسْلِمَةً، وهي أمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، فارْتَدَّتْ، فَلَحِقَتْ بِمَكَّةَ، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يُعْطُوا زَوْجَها مِنَ الغَنِيمَةِ بِقَدْرِ ما ساقَ إلَيْها مِنَ المَهْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ  ﴾ إلى رَأْسِ الخُمُسِ.

* فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الأحْكامُ في أداءِ المَهْرِ، وأخْذِهِ مِنَ الكُفّارِ، وتَعْوِيضِ الزَّوْجِ مِنَ الغَنِيمَةِ، أوْ مِن صَداقٍ قَدْ وجَبَ رَدُّهُ عَلى أهْلِ الحَرْبِ، مَنسُوخَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.

وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ عَلى هَذا.

قُلْتُ: وكَذا قالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ هَؤُلاءِ الآياتِ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ﴾ ﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُؤْتى الكُفّارُ مُهُورَ نِسائِهِمُ اللاتِي هاجَرْنَ مُؤْمِناتٍ، ورَفَعَ الجُناحَ في أنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَ إتاءِ أُجُورِهِنَّ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِفِراقِ الكافِراتِ وأنْ لا يُمْسِكُوا بِعِصَمِهِنَّ، فَقِيلَ: الآياتُ في عابِداتِ الأوثانِ ومَن لا يَجُوزُ نِكاحُها، ابْتِداءً، وقِيلَ: هي عامَّةٌ نُسِخَ مِنها نِساءُ أهْلِ الكِتابِ.

و"العِصَمُ" جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي أسْبابُ الصُحْبَةِ والبَقاءِ في الزَوْجِيَّةِ، وكَذَلِكَ العِصْمَةُ في كُلِّ شَيْءٍ هي السَبَبُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "تُمْسِكُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ وتَخْفِيفِها، مِن "أمْسَكَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، بِخِلافٍ: "وَلا تُمْسِكُوا"، مِن "مَسَّكَ" بِالشَدِّ في السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ عامِرٍ -فِي رِوايَةِ عَبْدِ الحَمِيدِ-: "وَلا تَمَسَّكُوا" بِفَتْحِ التاءِ والمِيمِ وفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَمْسِكُوا" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ مُخَفَّفَةً، ورَأيْتُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ أبا الحَسَنِ الكَرْخِيِّ يَقُولُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ  ﴾ إنَّهُ في الرِجالِ والنِساءِ، فَقُلْتُ لَهُ: النَحْوِيُّونَ لا يَرَوْنَ هَذا إلّا في النِساءِ؛ لِأنَّ "كَوافِرَ"، جَمْعُ "كافِرَةٍ"، فَقالَ: وايْشَ يَمْنَعُ مِن هَذا؟

ألَيْسَ الناسُ يَقُولُونَ: طائِفَةٌ كافِرَةٌ وقَرْيَةٌ كافِرَةٌ؟

فَبُهَتُّ، وقُلْتُ: هَذا تَأْيِيدٌ.

وأمَرَ تَعالى أنْ يَسْألَ أيْضًا الكافِرُونَ أنْ يَدْفَعُوا الصَدَقاتِ الَّتِي أعْطاها المُؤْمِنُونَ لِمَن فَرَّ مِن أزْواجِهِمْ إلى الكَفّارِ، وقَرَّرَ الحُكْمُ بِذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: نَحْنُ لا نَرْضى هَذا الحُكْمَ ولا نَلْتَزِمُهُ ولا نَدْفَعُ لِأحَدٍ صَداقًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى "وَإنْ فاتَكُمْ" الآيَةُ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْفَعُوا إلى مَن فَرَّتْ زَوْجَتُهُ فَفاتَتْ بِنَفْسِها إلى الكُفّارِ صَداقَهُ الَّذِي أنْفَقَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: «خَمْسُ نِسْوَةٍ مِن نِساءِ المُهاجِرِينَ رَجَعْنَ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ: أُمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ تَحْتَ عِياضِ بْنِ شَدّادٍ، وفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي أُمِّيَّةَ أُخْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبَدَةَ بِنْتِ عَبْدِ العَزِيزِ، كانَتْ تَحْتَ هِشامِ بْنِ العاصِ.

وأمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ جَرُولَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأعْطاهُمُ النَبِيُّ  مُهُورَ نِسائِهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ.» واخْتَلَفَ الناسُ، في أيِّ مالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ الصَداقُ؟

فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهابٍ الزُهْرِيُّ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنَ الصَدَقاتِ الَّتِي كانَتْ تُدْفَعُ إلى الكَفّارِ بِسَبَبِ مِن هاجَرَ مِن أزْواجِهِمْ، وأرادَ اللهُ تَعالى دَفْعَها إلَيْهِمْ حِينَ لَمْ يَرْضَوْا حُكْمَهُ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعاقَبْتُمْ"، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن غَنائِمَ المَغازِي، وقالَ هَؤُلاءِ: "المُعاقَبَةُ" هي الغَزْوُ والمَغْنَمُ، وتَأوَّلُوا اللَفْظَةَ بِهَذا المَعْنى، وقالَ الزَهْراوِيُّ أيْضًا: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن أيِّ وُجُوهِ الفَيْءِ أمْكَنَ.

و"المُعاقَبَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُجازاةِ السُوءِ بِسُوءٍ، ولَكِنَّها بِمَعْنى: فَصِرْتُمْ مِنهم إلى الحالِ الَّتِي صارُوا إلَيْها مِنكُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يَفُوتَ إلَيْكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ، وهَكَذا هو التَعْقِيبُ عَلى الجَمَلِ والدَوابِّ، أنْ يَرْكَبَ هَذا عُقْبَةً وهَذا عُقْبَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَإنْ فاتَكم أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ"، ويُقالُ عاقَبَ الرَجُلُ صاحِبَهُ في كَذا، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَقِبِ فِعْلِ الآخَرِ، ويُقالُ: أعْقَبَ الرَجُلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قَدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ وَيُقالُ: عَقَّبَ -بِشَدِّ القافِ- أيْ: أصابَ عُقْبى، والتَعْقِيبُ: غَزْوٌ إثْرَ غَزْوٍ، ويُقالُ: عَقَبَ بِتَخْفِيفِها-، ويُقالُ: عَقِبَ بِكَسْرِها-، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى يُقَرِّبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ قُرْبى.

قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عاقَبْتُمْ" بِالتَشْدِيدِ في القافِ، وقَرَأ الأعْرَجُ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والزَهْراوِيُّ أيْضًا: عَقَّبْتُمْ"بِفَتْحِ" القافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ النَخْعِيُّ، والزَهْرِيُّ أيْضًا: "عَقِبْتُمْ" بِكَسْرِ القافِ، وكُلُّها بِمَعْنى: غَنِمْتُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: "أعْقَبْتُمْ" بِألْفٍ مَقْطُوعَةٍ قَبْلَ العَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها قَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُها.

ثُمَّ نَدَبَ تَعالى إلى التَقْوى وأوجَبَها، وذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي بِها تَجِبُ التَقْوى وهي الإيمانُ بِاللهِ تَعالى والتَصْدِيقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ وعِقابِهِ وإنْعامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ واسألوا ما أنفقتم ﴾ [الممتحنة: 10] فإنها لما ترتب على نزولها إِباء المشركين من أن يردّوا إلى أزواج النساء اللاءِ بقين على الكفر بمكة واللاء فَرَرْنَ من المدينة والتحَقْنَ بأهل الكفر بمكة مهورَهم التي كانوا أَعطوها نساءهم، عقبت بهذه الآية لتشريع ردّ تلك المهور من أموال المسلمين فيما بينهم.

روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من الترادِّ بين الفريقين في قوله تعال: ﴿ واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ﴾ [الممتحنة: 10].

فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ﴾ الآية.

وأصل الفوت: المفارقة والمباعدة، والتفاوت: المتباعد.

والفوت هنا مستعار لضياع الحق كقول رُويشد بن كثير الطائي أو عَمرو بن معد يكرب: إن تُذنبوا ثم تأتِيني بقيتكم *** فمَا عَليَّ بذنب منكمُ فَوْت أي فلا ضياع عليّ بما أذنبتم، أي فإنا كمن لم يضعْ له حق.

والمعنى: إن فرت بعض أزواجكم ولحقت بالكفار وحصل التعاقب بينكم وبين الكفار فعقَّبتم على أزواج الكفار وعقَّب الكفار على أزواجكم وأبى الكفار من دفع مهور بعض النساء اللاء ذهبن إليهم، فادفعوا أنتم لمن حرمه الكفار مهر امرأته، أي ما هو حقه، واحجزوا ذلك عن الكفار.

وهذا يقتضي أنه إن أعطي جميع المؤمنين مهور مَن فاتهم من نسائهم وبقي للمشركين فضل يرده المسلمون إلى الكفار.

هذا تفسير الزهري في رواية يونس عنه وهو أظهر ما فسرت به الآية.

وعن ابن عباس والجمهور: الذين فاتهم أزواجهم إلى الكفار يعطون مهور نسائهم من مغانم المسلمين.

وهذا يقتضي أن تكون الآية منسوخة بآية سورة [[براءة: 7] ﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ والوجه أن لا يُصار إلى الإِعطاء من الغنائم إلا إذا لم يكن في ذمم المسلمين شيء من مهور نساء المشركين اللاءِ أتيْنَ إلى بلاد الإِسلام وصرن أزواجاً للمسلمين.

والكلام إيجاز حذف شديد دل عليه مجموع الألفاظ وموضع الكلام عقب قوله تعالى: وإن فاتكم شيء من أزواجكم}.

ولفظ ﴿ شيء ﴾ هنا مراد به: بعض ﴿ من أزواجكم ﴾ بيان ل ﴿ شيء ﴾ ، وأريد ب ﴿ شيء ﴾ تحقير الزوجات اللاءِ أبَيْن الإِسلام، فإن المراد قد فاتت ذاتها عن زوجها فلا انتفاع له بها.

وضمّن فعل ﴿ فاتكم ﴾ معنى الفرار فعدّي بحرف ﴿ إلى ﴾ أي فررن إلى الكفار.

و«عاقبتم» صيغة تفاعل من العُقْبة بضم العين وسكون القاف وهي النوبة، أي مصير أحد إلى حال كان فيها غيرُه.

وأصلها في ركوب الرواحل والدوابّ أن يركب أحد عُقْبَة وآخر عَقبة شبه ما حكم به على الفريقين من أداء هؤلاء مهورَ نساء أولئك في بعض الأحوال ومن أداء أولئك مهور نساء هؤلاء في أحوال أخرى مماثلة بمركوب يتعاقبون فيه.

ففعل ﴿ ذهبت ﴾ مجاز مثل فعل ﴿ فاتكم ﴾ في معنى عدم القدرة عليهن.

والخطاب في قوله: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم ﴾ وفي قوله: ﴿ فآتوا ﴾ خطاب للمؤمنين والذين ذهبت أزواجهم هم أيضاً من المؤمنين.

والمعنى: فليعْط المؤمنون لإخوانهم الذين ذهبت أزواجهم ما يماثل ما كانوا أعطوه من المهور لزوجاتهم.

والذي يتولى الإِعطاء هنا هو كما قررنا في قوله: ﴿ آتوهم ما أنفقوا ﴾ [الممتحنة: 10] أي يُدفع ذلك من أموال المسلمين كالغنائم والأخماس ونحوها كما بينته السنة: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وعياض بن أبي شداد الفهري، وشماس بن عثمان، وهشام بن العاص، مهور نسائهم اللاحقات بالمشركين من الغنائم.

وأفاد لفظ ﴿ مثل ﴾ أن يكون المهرُ المعطى مساوِياً لما كان أعطاه زوج المرأة من قبلُ لا نقص فيه.

وأشارت الآية إلى نسوة من نساء المهاجرين لم يسلمْن وهن ثمان نساء: أمّ الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية ويقال: قُريبة وهي أخت أم سلمة كانت تحت عُمر بن الخطاب، وأمّ كلثوم بنت جرول كانت تحت عُمَر، وبَروع (بفتح الباء على الأصح والمحدثون يكسرونها) بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وشَهبة بنت غيلان وعبدةُ بنتُ عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص، وقيل تحت عَمرو بن عبد وهندٌ بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وأروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وكان قد هاجر وبقيت زوجه مشركة بمكة فلما نزلت الآية طلقها طلحة بن عبيد الله.

وقد تقدم أن عمر طلق زوجتيه قُريبَة وأمَّ جرول، فلم تكونا ممن لحقن بالمشركين، وإنما بقيتا بمكة إلى أن طلقهما عمر.

وأحسب أن جميعهن إنما طلقهن أزواجهن عند نزول قوله تعالى: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ [الممتحنة: 10].

والتذييل بقوله: ﴿ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ تحريض للمسلمين على الوفاء بما أمرهم الله وأن لا يصدّهم عن الوفاء ببعضه معاملة المشركين لهم بالجور وقلة النصفة، فأمر بأن يؤدي المسلمون لإِخوانهم مهور النساء اللاء فارقوهن ولم يرض المشركون بإعطائهم مهورهن ولذلك اتبع اسم الجلالة بوصف ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإِيمان يبعث على التقوى والمشركون لمّا لم يؤمنوا بما أمر الله انتفى منهم وازع الإِنصاف، أي فلا تكونوا مثلهم.

والجملة الاسمية في الصلة للدلالة على ثبات إيمانهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ ﴾ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالِامْتِحانِ ظاهِرَ إيمانِهِنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ باطِنَ إيمانِهِنَّ، لِيَكُونَ الحُكْمُ عَلَيْهِنَّ مُعْتَبَرًا بِالظّاهِرِ وإنْ كانَ مُعْتَبَرًا بِالظّاهِرِ والباطِنِ.

والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَّبِيَّ  هادَنَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِبَةِ فَقالَتْ قُرَيْشٌ عَلى أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن جاءَكَ مِنّا، ونَرُدُّ عَلَيْكَ مَن جاءَنا مِنكَ، فَقالَ عَلى أنْ أرُدَّ عَلَيْكم مَن جاءَنا مِنكم وتَرُدُّوا عَلَيْنا مَن جاءَكم مِنّا مِمَّنِ اخْتارَ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، فَقَعَدَ الهُدْنَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلى هَذا إلى أنْ جاءَتْ مِنهُمُ امْرَأةٌ مُسْلِمَةٌ وجاؤُوا في طَلَبِها، واخْتُلِفَ فِيها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ كانَتْ عِنْدَ ثابِتِ بْنِ الدَّحْداحَةِ، فَفَرَّتْ مِنهُ وهو يَوْمَئِذٍ كافِرٌ، فَتَزَوَّجَها سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.

الثّانِي: أنَّها سَعِيدَةُ زَوْجُ صَيْفِيِّ بْنِ الرّاهِبِ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّها أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.

الرّابِعُ: أنَّها سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ جاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ فَراغِ النَّبِيِّ  مِن كِتابِ الهُدْنَةِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَجاءَ زَوْجُها واسْمُهُ مُسافِرٌ وهو مِن قَوْمِها في طَلَبِها، فَقالَ يا مُحَمَّدُ شَرَطْتَ لَنا رَدَّ النِّساءِ، وطِينُ الكِتابَ لَمْ يَجِفَّ، وهَذِهِ امْرَأتِي فارْدُدْها عَلَيَّ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

فَلَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ رَدَّ مَن أسْلَمَ مِنَ النِّساءِ مَنَعَ اللَّهُ مِن رَدِّهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِ إيمانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ ﴾ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ دَخَلَ النِّساءُ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا أوْ عُمُومًا: فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم قَدْ كانَ شَرْطُ رَدِّهِنَّ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا صَرِيحًا، فَنَسَخَ اللَّهُ رَدَّهُنَّ مِنَ العَقْدِ ومَنَعَ مِنهُ، وأبْقاهُ في الرِّجالِ عَلى ما كانَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلنَّبِيِّ  أنْ يَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ في الأحْكامِ ولَكِنْ لا يُقِرُّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى خَطَأٍ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لَمْ يَشْتَرِطْ رَدَّهُنَّ في العَقْدِ لَفْظًا وإنَّما أطْلَقَ العَقْدَ في رَدِّ مَن أسْلَمَ، فَكانَ ظاهِرُ العُمُومِ اشْتِمالَهُ عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجالِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ خُرُوجَهُنَّ عَنِ العُمُومِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ ذَواتُ فُرُوجٍ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُنْ أرْأفُ قُلُوبًا وأسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنهم.

فَأمّا المُقِيمَةُ عَلى شِرْكِها فَمَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ مَن أرادَتْ مِنهُنَّ إضْرارَ زَوْجِها قالَتْ سَأُهاجِرُ إلى مُحَمَّدٍ فَلِذَلِكَ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ  بِامْتِحانِهِنَّ.

واخْتُلِفَ فِيما كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَمْتَحِنُها بِأنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ أنَّها ما خَرَجَتْ مِن بُغْضِ زَوْجِها ولا رَغْبَةً مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ ولا التِماسَ دُنْيا ولا عِشْقًا لِرَجُلٍ مِنّا، وما خَرَجَتْ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

والثّانِي: بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

الثّالِثُ: بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ في السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ ﴾ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ ﴾ يَعْنِي بِما في قُلُوبِهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِهِنَّ.

﴿ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي أنَّ المُؤْمِناتِ مُحَرَّماتٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، والمُرْتَدّاتِ مُحَرَّماتٌ عَلى المُسْلِمِينَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ﴾ يَعْنِي بِما أنْفَقُوا مُهُورَ مَن أسْلَمَ مِنهُنَّ إذا سَألَ ذَلِكَ أزْواجُهُنَّ، وفي دَفْعِ ذَلِكَ إلى أهْلِهِنَّ مِن غَيْرِ أزْواجِهِنَّ قَوْلانِ: ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِناتِ اللّاتِي أسْلَمْنَ غَيْرَ أزْواجٍ مُشْرِكِينَ، أباحَ اللَّهُ نِكاحَهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ أوْ كُنَّ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِنَّ.

﴿ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ.

﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العِصْمَةَ الجَمالُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: العَقْدُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَإذا أسْلَمَ الكافِرُ عَنْ وثَنِيَّةٍ لَمْ يُمْسِكْ بِعِصْمَتِها ولَمْ يُقِمْ نِكاحَها رَغْبَةً فِيها أوْ في قَوْمِها، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ نِكاحَها عَلَيْهِ والمُقامُ عَلَيْها ما لَمْ تُسْلِمْ في عِدَّتِها.

فَرَوى مُوسى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ طُلِّقَتْ أرْوى بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الشِّرْكِ، وطَلَّقَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أبِي جَرْوَلَ الخُزاعِيَّةَ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ خالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ في الإسْلامِ.

﴿ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ﴾ يَعْنِي أنَّ لِلْمُسْلِمِ إذا ارْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ إلى المُشْرِكِينَ مِن ذَوِي العَهْدِ المَذْكُورِ أنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ كَما ذَكَرْنا وأنَّ لِلْمُشْرِكِ أنْ يَرْجِعَ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ إذا أسْلَمَتْ فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم عَهْدٌ شُرِطَ فِيهِ الرَّدُّ فَلا يَرْجِعْ.

وَلا يَجُوزُ لِمَن بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ الأئِمَّةِ أنْ يَشْرُطَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ رَدَّ مَن أسْلَمَ لِأنَّ الرَّسُولَ كانَ عَلى وعْدٍ مِنَ اللَّهِ بِفَتْحِ بِلادِهِمْ ودُخُولِهِمْ في الإسْلامِ طَوْعًا وكَرْهًا فَجازَ لَهُ ما لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ.

﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ ﴾ الآيَةَ.

والمَعْنى أنَّ مَن فاتَتْهُ زَوْجَتُهُ بِارْتِدادِها إلى أهْلِ العَهْدِ المَذْكُورِ ولَمْ يَصِلْ إلى مَهْرِها مِنهم ثُمَّ غَنِمَهُمُ المُسْلِمُونَ رَدُّوا عَلَيْهِ مَهْرَها.

وَفي المالِ الَّذِي يُرَدُّ مِنهُ هَذا المَهْرُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن أمْوالِ غَنائِمِهِمْ لِاسْتِحْقاقِها عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِن مالِ الفَيْءِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّالِثُ: مِن صَداقِ مَن أسْلَمْنَ مِنهُنَّ عَنْ زَوْجٍ كافِرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أيْضًا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَعاقَبْتُمْ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ غَنِمْتُمْ لِأخْذِهِ مِن مُعاقَبَةِ الغَزْوِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: مَعْناهُ فَأصَبْتُمْ مِن عاقِبَةِ مَن قُتِلَ أوْ سُبِيَ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: عاقَبْتُمُ المُرْتَدَّةَ بِالقَتْلِ فَلِزَوْجِها مَهْرُها مِن غَنائِمِ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَهَذا مَنسُوخٌ لِنَسْخِ الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ رَسُولُ اللَّهِ  لَهم بِالحُدَيْبِيَةِ، وقالَ عَطاءٌ بَلْ حُكْمُها ثابِتٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مؤمنات فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ حتى بلغ ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك.

وأخرج البخاري وأبو داود فيه ناسخه والبيهقي في السنن عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا: لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو على قضية المدة يوم الحديبية كان مما اشترط سهيل: أن لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندب بن سهيل، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً، ثم جاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل.

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن أبي أحمد رضي الله عنه قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن معيط في الهدنة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلماه في أم كلثوم أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين خاصة في النساء ومنعهن أن يرددن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان.

وأخرج ابن دريد في أماليه: حدثنا أبو الفضل الرياشي عن ابن أبي رجاء عن الواقدي قال: فخرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بآيات نزلت فيها، قالت: فكنت أول من هاجر إلى المدينة، فلما قدمت قدم أخي عليّ فنسخ الله العقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في شأني، ونزلت ﴿ فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ ثم أنكحني النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فقلت أتزوجني بمولاك؟

فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ [ الأحزاب: 36] ثم قتل زيد، فأرسل إلى الزبير: احبسي على نفسك قلت: نعم فنزلت ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ [ البقرة: 235] .

وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: كان المشركون قد شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أن من جاء من قبلنا، وإن كان على دينك، رددته إلينا، ومن جاءنا من قبلك لم نردده إليك، فكان يرد إليهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه، فلما جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة جاء أخواها يريدان أن يخرجاها ويرداها إليهم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

إلى قوله: ﴿ وليسألوا ما أنفقوا ﴾ قال: هو الصداق، ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم ﴾ الآية، قال: هي المرأة تسلم فيرد المسلمون صداقها إلى الكفار، وما طلق المسلمون من نساء الكفار عندهم فعليهم أن يردوا صداقهن إلى المسلمين، فإن أمسكوا صداقاً من صداق المسلمين مما فارقوا من نساء الكفار أمسك المسلمون صداق المسلمات اللاتي جئن من قبلهم.

وأخرج ابن إسحاق وابن سعد وابن المنذر عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية، فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد على قريش من جاء، فلما هاجر النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هنَّ امتحنَّ بمحنة الإِسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة فيهن وأمر برد صداقهن إليهم إذا حبسن عنهم، وأنهم يردوا على المسلمين صدقات من حبسوا عنهم من نسائهم، ثم قال: ﴿ ذلكم حكم الله يحكم بينكم ﴾ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، ورد الرجال، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم رد النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد أمسك النساء ولم يرد لهنَّ صداقاً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ قال: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو غيرة أو سخط ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن، وإن كن مؤمنات بالله فأمسكوهن وآتوهن أجورهن من صدقتهن وانكحوهن إن شئتم وأصدقوهن وفي قوله: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ قال: أمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بطلاق نسائهن كوافر بمكة قعدن مع الكفار ﴿ واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ﴾ قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتهم وليمسكوهن، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كمثل ذلك، هذا في صلح كان بين قريش وبين محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ﴾ الذي ليس بينكم وبينهم عهد ﴿ فعاقبتم ﴾ أصبتم مغنماً من قريش أو غيرهم ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ﴾ صدقاتهم عوضاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: خرجت امرأة مهاجرة إلى المدينة فقيل لها: ما أخرجك بغضك لزوجك أم أردت الله ورسوله؟

قالت: بل الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ فإن تزوجها رجل من المسلمين فليرد إلى زوجها الأول ما أنفق عليها.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ قال: هذا حكم حكمه الله بين أهل الهدى وأهل الضلالة ﴿ فامتحنوهن ﴾ قال: كانت محنتهن أن يحلفن بالله ما خرجن لنشوز ولا خرجن إلا حبّاً للإِسلام، وحرصاً عليه، فإذا فعلن ذلك قبل منهن، وفي قوله: ﴿ واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ﴾ قال: كن إذا فررن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفار الذين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فتزوجن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن من المسلمين، وإذا فررن من المشركين الذين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فنكحوهن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن من المشركين، فكان هذا بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب العهد من الكفار، وفي قوله: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ﴾ يقول: إلى كفار قريش ليس بينهم وبين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عهد يأخذونهم به ﴿ فعاقبتم ﴾ وهي الغنيمة إذا غنموا بعد ذلك ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد في براءة فنبذ إلى كل ذي عهد عهده.

وأخرج ابن مردويه «عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ إلى قوله: ﴿ عليم حكيم ﴾ قال: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا علموا أن ذلك حق منهن لم يرجعوهن إلى الكفار، وأعطى بعلها في الكفار الذين عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقه الذي أصدقها، وأحلهن للمؤمنين إذا آتوهن أجورهن، ونهى المؤمنين أن يدعوا المهاجرات من أجل نسائهم في الكفار، وكانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قل لهن: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئاً، وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء، فقالت: إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت النسوة التي مع هند وأبين أن يتكلمن، فقالت هند، وهي متنكرة: كيف يقبل من النساء شيئاً لم يقبله من الرجال؟

فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر رضي الله عنه: قل لهنّ: ولا يسرقن، قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنة ما أدري أيحلهنّ أم لا؟

قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فدعاها فأتته، فأخذت بيده فعاذت به، فقال: أنت هند؟

فقالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قوله: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ﴾ الآية، يعني إن لحقت امرأة من المهاجرين بالكفار، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بلغنا أن الممتحنة أنزلت في المدة التي ماد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش من أجل العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش في المدة، فكان يرد على كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يسلمن ويهاجرن وبعولتهن كفار، ولو كانوا حرباً ليست بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم مدة عهد لم يردوا إليهم شيئاً مما أنفقوا، وقد حكم الله للمؤمنين على أهل المدة من الكفار بمثل ذلك الحكم، قال الله: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ﴾ فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته بنت أبي أمية بن المغيرة من بني مخزوم فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وبنت جرول من خزاعة فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة العدوي، وجعل ذلك حكماً حكم به بين المؤمنين وبين المشركين في مدة العهد التي كانت بينهم، فأقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ فإذا ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين رد المؤمنون إلى أزواجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه إلى المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهن اللاتي آمنّ وهاجرن، ثم ردوا إلى المشركين فضلاً إن كان لهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ قال: الرجل تلحق امرأته بدار الحرب فلا يعتد بها من نسائه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنه من الذين قالوا له: ﴿ واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ﴾ إن امرأة من أهل مكة أتت المسلمين فعوضوا زوجها، وإن امرأة من المسلمين أتت المشركين فعوضوا زوجها، وإن امرأة من المسلمين ذهبت إلى من ليس له عهد من المشركين ﴿ فعاقبتم فأصبتم غنيمة فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ﴾ يقول: آتوا زوجها من الغنيمة مثل مهرها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خرج سهيل بن عمرو فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله ألسنا على حق، وهم على باطل؟

قال: بلى قال: فما بال من أسلم منهم رد إليهم، ومن أتبعهم منا نرده إليهم؟

قال: أما من أسلم منهم فعرف الله منه الصدق أنجاه، ومن رجع منا سلم الله منه، قال: ونزلت سورة الممتحنة بعد ذلك الصلح، وكانت من أسلم من نسائهم، فسئلت: ما أخرجك؟

فإن كانت خرجت فراراً من زوجها ورغبة عنه، ردت، وإن كانت خرجت رغبة في الإِسلام أمسكت ورد على زوجها مثل ما أنفق» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه أنه بلغه أنه نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية، في امرأة أبي حسان بن الدحداحة، وهي أميمة بنت بسر امرأة من بني عمرو بن عوف، وأن سهل بن حنيف تزوجها حين فرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له عبد الله بن سهل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه قال: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عهد شرط في أن يرد النساء فجاءت امرأة تمسى سعيدة، وكانت تحت صيفي بن الراهب، وهو مشرك من أهل مكة، وطلبوا ردها فأنزل الله: ﴿ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية وهم بالحديبية، لما جاء النساء أمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى زوجها، فأما المؤمنون فأقروا بحكم الله، وأما المشركون فأبوا أن يقروا، فأنزل الله: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ﴾ إلى قوله: ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ فأمر المؤمنون إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج من المسلمين أن يرد إليه المسلمون صداق امرأته مما أمروا أن يردوا على المشركين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا جاءكم المؤمنات ﴾ الآية، قال: كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وكانت المرأة إذا جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم امتحنوها ثم يردون على زوجها ما أنفق عليها، فإن لحقت امرأة من المسلمين بالمشركين فغنم المسلمون ردوا على صاحبها ما أنفق عليها.

قال الشعبي: ما رضي المشركون بشيء ما رضوا بهذه الآية، وقالوا: هذا النصف.

وأخرج ابن أبي أسامة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ ولفظ ابن المنذر أنه سئل بم كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن النساء؟

قال: كانت المرأة إذا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله عنه بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: يقال لها ما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك، ما خرجت إلا حباً لله ورسوله.

وأخرج ابن منيع من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسلم عمر بن الخطاب وتأخرت امرأته في المشركين فأنزل الله: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ .

وأخرج الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن يزيد بن الأخنس رضي الله عنه أنه لما أسلم أسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم فأنزل الله: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ فقيل له: قد أنزل الله أنه فرق بينها وبين زوجها إلا أن تسلم، فضرب لها أجل سنة، فلما مضت السنة إلا يوماً جلست تنظر الشمس حتى إذا دنت للغروب أسلمت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن طلحة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ طلقت امرأتي أروى بنت ربيعة، وطلق عمر قريبة بنت أبي أمية وأم كلثوم بنت جرول الخزاعيهة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ قال: نزلت في المرأة من المسلمين تلحق بالمشركين فتكفر فلا يمسك زوجها بعصمتها، قد برئ منها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ﴾ قال: نزلت في امرأة الحكم بنت أبي سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، فأسلمت مع ثقيف حين أسلموا.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فامتحنوهن ﴾ الآية قال: سألت عطاء عن هذه الآية تعلمها؟

قال: لا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ﴿ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ﴾ وأحد يصلح في موضع شيء وشيء في موضع أحد في الناس.

يقول إن أعجزتك امرأة ذهبت مريدة فلحقت بأهل مكة كافرة (١) (٢) (٣) قوله: ﴿ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ أي فغتمتم (٤) قال أبو عبيدة: ﴿ عَاقَبْتُمْ ﴾ أصبتم منهن عقبة (٥) وقال المبرد: ﴿ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ فعلتم ما فعل بكم -أي ظفرتم وهو من قولك: العقبى لفلان، أي: العاقبة بعد الأولى، وتأويل العاقبة الكرة الآخرة (٦) وقال ابن قتيبة: ﴿ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ أي: أصبتم عقبى، أي: غنيمة من غزوٍ، ومعنى ﴿ عَاقَبْتُمْ ﴾ غزوتم معاقبين غزوًا بعد غزو (٧) وقال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: فكانت العقبى لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم.

قال: ومعنى ﴿ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم (٨) ﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ﴾ .

(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 151، وفيه: (بأهل مكة كافرة، وليس بينكم وبينهم عهد فعاقبتم، يقول: فغنمتم، فأعطوا زوجها مهرها من الغنيمة قبل الخمس) وعليه فالعبارة قد سقطت عند المؤلف رحمه الله.

(٢) عياض بن غنم القرشي، أسلم قبل الحديبية، وشهدها مع رسول الله -  - ولما حضرت أبا عبيدة الوفاة ولاه على الشام فأقره عمر.

مات سنة عشرين وهو ابن ستين سنة -  -.

انظر: "صفة الصفوة" 1/ 668، "سير أعلام النبلاء" 2/ 354.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 152 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 307، و"الدر" 6/ 208.

عن الحسن، وفي "تنوير المقباس" 6/ 57، وعند الثعلبي في تفسيره 13/ 110 ب، ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 50، و"التفسير الكبير" 29/ 357، و"الدر" 6/ 207.

عن ابن عباس والنخعي.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 257.

(٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 307.

(٧) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 462.

(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 160.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكفار فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ معنى فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار: هروب نساء المسلمين إلى الكفار، والخطاب في قوله: ﴿ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ ﴾ للمسلمين وقوله: ﴿ عَاقَبْتُمْ ﴾ ليس من العقاب على الذنب، وإنما هو من العقبى أي أصبتم عقبى، وهي الغنيمة أو من التعاقب على الشيء، كما يتعاقب الرجلان على الدابة إذا ركبها هذا مرة وهذا مرة أخرى، فلما كان بعض نساء المسلمين يهربن إلى الكفار وبعض نساء الكفار يهربن إلى المسلمين جعل ذلك كالتعاقب على النساء، وسبب الآية أنه لما قال الله: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ [الممتحنة: 10]: قال الكفار: لا نرضى بهذا الحكم، ولا نعطي صداق من هربت زوجته إلينا من المسلمين، فأنزل الله هذه الآية الأخرى وأمر الله المسلمين أن يدفعوا الصداق لمن هربت زوجته إلينا من المسلمين إلى الكفار، ويكون هذا المدفوع من مال الغنائم على قول من قال: إن معنى فعاقبتم غنمتم، وقيل: من مال الفيء، وقيل من الصدقات التي كانت تدفع للكفار إذا فر أزاجهم إلى المسلمين فأنزل الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه.

وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الاية، قد ارتفعت لانها نزلت في قضايا معينة، وهي مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي العرب ثم زالت هذه الأحكام بارتفاع الهدنة فلا تجوز مهادنة المشركين من العرب، إنما هو في حقهم الإسلام أو السيف، وإنما تجوز مهادنة أهل الكتاب والمجوس لأن الله قال في المشركين: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5]، وقال في أهل الكتاب: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية ﴾ [التوبة: 29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: «سُنُّوا سنة أهل الكتاب» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ .

المعنى عندنا - والله أعلم -: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ، يعني: قائلات: إنهن مؤمنات.

﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ .

لأنه لو كان على حقيقة الإيمان لم يكن لقوله: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ معنى، فلما أمر بالامتحان ثبت أن تأويل قوله: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ما وصفنا بدءاً.

ومثل هذا ما قال: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ ، وكان المعنى منه: من تكلم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فكذلك يجوز أن يكون المعنى من الأول ما سبق ذكره، والله أعلم.

ثم إن المفسرين ذكروا وصف امتحانهن: أنهن يحلفن بالله ما أخرجهن من دارهن بغض أزواجهن، أو يحلفن أنهن ما أردن بخروجهن أرضا سوى أرضهن؛ وإنما أردن بذلك الإسلام.

وهذا تأويل فاسد؛ وذلك أنها إذا أسلمت كان الحق عليها في دنيها أن تبغض زوجها الكافر، كقوله -  -: ﴿ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ، فكيف يجوز أن يكون صفة امتحانهن ما ذكروا، وحكم الشريعة والدين يوجب ما كن يفعلنه؟!

فلذلك قلنا: إن هذا التأويل - الذي ذكره بعض المفسرين في وصف الامتحان - غير مستقيم.

ويجوز أن يكون تأيول امتحانهن على وجهين: أحدهما: أن يستوصفن عن الإيمان: ما هو؟

فإذا أخبرن عن حقيقة الإيمان علم أنهن مؤمنات.

والثاني: يعرض عليهن ما على المؤمنات في إيمانهن، كما قال -  -: ﴿ وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾ ، فإذا قبلن ذلك كله كان ذلك امتحانهن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِإِيمَانِهِنَّ ﴾ .

هذا يدل على أن الذي كلف به المؤمنون من امتحانهن؛ إنما هو لما يعلمون من إيمانهن في الظاهر وأن الحقيقة إما يعلمها رب العالمين، وهذا يبين أن العلم علمان: علم العلم وعلم الشهادة، فعلم العمل: ما يعلمه الخلق في الظاهر فيعلمون به، وعلم الشهادة: ما يجوز أن يشهد على الله به، وذلك إنما يوصل إليه، وذلك بما يطلعم الله عليه نصا إما بكتاب أو بسنة متواترة عن رسول الله  .

وعلم العمل هو الذي يساغ فيه الاجتهاد، نحو: خبر الآحاد وجهة القياس وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ .

ذكر في القصة "أن رسول الله  صالح عام الحديبية مشركي أهل مكة على أن من أتاه ن أهل مكة فهو عليهم رد، ومن أتى مكة من أصحاب رسول الله  فهو لهم، وغير ذلك، وكتب بذلك كتاباً وهو بالحديبية، فلما فرغ من الكتاب إذ أتت سبيعة مسلمة، فجاء زوجها إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله، رد علي امرأتي؛ فإنك قد شرطت لنا ذلك، وهذه طيبة لم يخف بعد؛ فأنزل الله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ " ، يقول: لا تردوهن إلى أزواجهن الكفار.

﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ .

يقول: لا يحل نكاح مؤمنة لكافر ولا نكاح كافر لمؤمنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ .

يقول: أعطوا زوجها الكافر ما أنفق عليها، على مكان جرى من الصلح بينهم وبين المسلمين: أن ما خرج من نساء أهل مكة إلى المدينة مؤمنات لم يرجعوهن إلى الكفار، وأعطوا أزواجهم ما أنفقوا من المهور، وما خرج من نساء المسلمين مرتدات لم يردوا إلى المدينة، وأعطوا أزواجهن ما أنفقوا.

ثم معلوم أنه كان يؤخذ بإعطاء الصداق وإيتاء ما أنفق غير الذي أخذ الصداق، ولكن كان يؤخذ به من كان من جنسه على ما ذكرنا نظائره فيما تقدم؛ ولذلك قال أصحابنا: إن أهل الإسلام يأخذون من تجار أهل الحرب مجاواة لما يأخذه أهل الحرب من تجار المسلمين، وإنما يؤخذ ذلك ممن كان من جنسه، وأن ذلك غير الذي أخذ منه؛ وعلى ذلك نقول: إن المحنة قد يجوز أن تستوي على البر والفاجر وأن ما ينزل بالآدمي من المحن يجوز ألا يكون جزاء؛ لما تعاطى من الذنوب والسيئات؛ لأن الله -  - أن يجزي كل بعمله: إن شرا فشر، وإن خيراً فخير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

يقول: لا إثم عليكم - يعني: المسلمين - أن تتزجوهن (إذا آتيتموهن مهورهن).

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - أن زينب بنت رسول الله  أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم بعد ذلك زوجها، فردها رسول الله  بالنكاح الأول قبل أن ينزل: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ ، فلما نزلت كان إذا أسلم الزوج، وخرج إلى دار الإسلام انقطعت [الصلة] بالإسلام بينه وبين امرأته، وكذلك المرأة إذا خرجت وبقي الزوج.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ ، قال بعضهم: أي: بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأة بمكة كافرة فلا يقيدن بالمرأة الكافرة؛ فإنها ليست بامرأة له، وقد انقطعت العصمة بينهما.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ : حظر علينا الامتناع والكف والإمساك من نكاح المهاجرة لأجل زوجها الحربي.

وعُصِمَتْ العصمة: المنع،والكوافر يجوز أن يتناول الرجال، وظاهره في هذا الموضع للرجال؛ لأنه في ذلك المهاجرات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ .

يقول: إذا لحقت امرأة المسلم بكفار مكة فأسلوا مهرها من أهل مكمة، وردوا إلى زوجها، ﴿ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ ، يقول: إن جاءت امرأة من أهل مكة مهاجرة إليكم فردوا على زجها المشرك ما أعطاها من المهر؛ وذلك من أجل العهد الذي كان بين أهل مكة وبين النبي  .

وقوله: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ .

يقول: هذا هو حكم الله بين المسلمين والكافر من أهل العهد من أهل مكة في أن يرد بعضهم على بعض النفقة، أي المهر.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

أي: فيما حكم بين المسلمين وأهل العهد ما ذكرنا من الحكم.

وقوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ .

يقول: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار مكة من أهل الحرب ممن ليس بينكم وبينهم عهد، لها زوج عندكم مسلم، ﴿ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ : أي: أعقبكم مالا من الغنيمة، ﴿ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ ، من المهر مما أصبتم من الغنيمة قبل القسمة.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

فيما فرض عليكم من هذا.

﴿ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: مصدقون؛ فلا تنقصوه، والله أعلم.

وهكذا روى مسروق، رحمه الله .

وعن الزهري أنه قالك من حكم الله -  -: أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأُمِر المؤمنون إذا ذهبت امرأة مسلمة ولها زود إلا الكفار: أن يردوا إلى زوجها ما أعطاها من المهر من صداق كان في أيديهم مما يودون أن يردوا إلى المشركين بمهاجرة امرأة مسلمة إلينا، وإن لم يكن في أيديهم صداق وجب رده على أهل الحرب فعوضهم من غنيمة أصبتموها.

وأصل هذا - والله أعلم -: وإن فاتكم شيء مما أنفقتم على أزواجكم، ثم ظفرتم على أعدائكم وغنتم - فآتوا الذي ذهبت أزواجهم ما فات عنهم مما أنفقوا؛ فكأنه يقول: واسألوا أولئك الذين ذهبت نساؤكم إليهم ما أنفقتم، فإن سألتم ولم يعطوكم شيئاً، وفاتكم ذلك من ذلك الوجه، ثم قاتلتموهم وغنتم - فأعطوا الذين فات عنهم أزواجهم ما أنفقوا.

قال [المصنف] - رحمه الله -: أعلم بأن هذه الآية تنتظم أحكاماً: أحدها: جواز الاجتهاد والعمل بالعلم الظاهر؛ فإنه قال: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ ، أي: بالاجتهاد والامتحان ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، وهذا حكم مبني على العلم الظاهر؛ دل أن العمل به جائز.

والثاني: أن أحد الزوجين إذا أسلم في دار واحد إما دار الإسلام أو دار الحرب - هل تقع الفرقة بنفس الإسلام أو بانضمام شيء آخر إليه؟

قال بشر المريسي بأن الفرقة تقع للحال من غير انضمام شيء أخر إليه.

وقال الشافعي: إن كانت المرأة مدخولا بها لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة للحال.

وقال أصحابنا: إذا كانا في دار الحرب، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاثا، وإذا كانا في دار الإسلام ذميين، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخرة، فإذا عرض عليه الإسلام وأبى، يفرق بينهما.

فأما بشر: أحتج بظاهر قوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ ؛ فقد أخبر أ نه لا يحل واحدج منهما لصاحبه، ولم يذكر شيئاً آخر؛ فلا يقرن به شيء آخر.

وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإنهم احتجوا، وقالوا: إن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام بقوله: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ \[إذا\] كانت الفرقة واقعة بمجرد الإيمان لم يكن للامتحان معنى، فلما لم يذكر الحرمة إلا بالامتحان ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإيمان.

ويجوز أن يكون مثال هذا قوله -  -: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ؛ فلو كان الزنا يوجب الحرمة لم يكن هو رامياً للزوجة؛ بل إذا قال لها: زنيت؛ فكأنه قال: لم يكن بيني وبينك نكاح، ولما ثبت رمي الزوجات بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ  ﴾ ثبت أن الزنى لا يوجب حرمتها عليه؛ فكذلك الإيمان بمجرده لو كان يحرمها على الأزواج لم يكن للأمر بالامتحان معنى، فلما أمر بالامتحان على إيمانها، بعد أن أظهرت في نفسها الإيمان، ثبت أن الحرمة [لا] تقع بنفس الإيمان حتى ينضم إليه شيء آخر، وتبيين أن العلم بظاهر الآية غير ممكن؛ إذ لا يجري على إطلاقها، والله أعلم.

ودليل ذلك أن أصحاب رسول الله  أولى بتجديد النكاح؛ ثبت أن الفرقة لاتقع بمجرد الإسلام، والله أعلم.

والوجه في ما روي عنه الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على اختلاف الأسباب باختلاف الدارين ونحوه: روي عن ابن عباس -  -: أنهما على النكاح حتى تحيض المرأة ثلاث حيض إذا كانا في دار الحرب.

وعن علي -  -: أنهما على النكاح بينهما الهجرة.

وعن عمر -  -: أنهما إذا كانا في دار الإسلام، فأسلم أحدهما فهما على النكاح حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر.

فهؤلاء قد ثبت عنهم أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام إلا أن يضامه شيء آخر، ولم يثبت عن غيرهم خلاف ذلك؛ فيكون إجماعا؛ فلذلك أخذ أصحابنا - رحمهم الله - بقولهم، والله أعلم.

والثالث: أن أحد الزوجين إذا خرج إلى دار الإسلام مهاجراً، وبقي الآخر في دار الحرب - تقع الفرقة بينهما عندنا.

وعند الشافعي: لا تقع الفرقة بتباين الدارين؛ قال: لأن المسلم إذا دخل بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إينا بأمان لم يقع الفرقة بينه وبين زوجته؛ وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ودخل أحدهما إلى دار الإسلام لم يقع الفرقة؛ فعلم أنه لا يعتبر باختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.

ولكن عندنا ليس معنى اختلاف الدارين ما ذكر؛ إنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام: إما بالإسلام أو بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب أي: يكون حربيّاً كافراً.

فأما إذا كانا مسلمين فيهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيماً في دار الحرب والآخر في دار الإسلام، وفي هذه الآية دلالة على ما قلنا من وجوه: أحدها: أنه قال: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، ولو كانت الزوجية باقية بعد التباين، لكن الزوج أولى بها، وبأن تكون معه، فلا معنى للنهي عن الرجوع إلى الزوج الكافر.

وكذا قال - عز وجل -: ﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ : أثبت الحرمة بين المهاجرات وأوزاجهن، ولا يتصور بقاء النكاح في غير محل الحل.

أو كأن معناه تحريم الاستمتاع، ولكن النكاح لما لم يكن المقصود إلا الاستمتاع وما هذا من آثاره؛ فكان في تحريم الاستمتاع تحريم النكاح.

وكذا قوله -  -: ﴿ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ دليل عليه أيضاً؛ فإنه أمر برد مهرهن إلى الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج استرداد المهر؛ لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله.

وكذا قوله -  -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ولو كان نكاح الأول باقياً، لما جاز للمسلم في دار الإسلام أن يتزوجها.

وكذا قال الله -  -: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ : نهانا عن الإمساك والامتناع من تزويجها لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته؛ دل أن الحرمة تقع بالتباين.

ودليل آخر من جهة المعقول على ما ذكرنا، وهو أنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة حتى يحل للسابي وطء المسبية بعد الاستبراء، فإما أن تقع الفرقة بإسلامها، وقد اتفق الجمهور من الفقهاء على أنه لا تقع الفرقة بنفس الإسلام إذا كان بعد الدخول - ما لم ينضم إليه شيء آخر - أو بحدوث الملك للسابي، ومعلوم أن الملك لا يمنع النكاح؛ ألا ترى أنه يجوز ابتداء العقد على المملوك؛ ولهذا لو بيعت الجارية لم تقع الفرقة، وإن وجد الملك فيها للمشتري، وكذلك إذا مات رجل وخلف أمة منكوحة: ثبت الملك فيها للوارث ولا يبطل النكاح.

وإذا لم يثبت الفرقة بهذين الوجهين - لم يبق إلا تباين الدارين؛ فدل أن سبب الفرقة هو تباين الدارين في المسبية، والتابين موجود في المهاجرة، والله أعلم.

فإن احتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رد النبي  بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد سنين" ، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها مشركاً بمكة، ثم ردها عليه بالنكاح الأول؛ فدل أن اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة.

فنقول له: لا يصح الاحتجاج به من وجوه: أحدها: أنه رها بعد ست سنين بالنكاح الأول؛ ولا خلاف بين الفقهاء لا يرد إلى الزوج بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض، وملعوم أنه ليس في العادة ألا يكون ثلاث حيض في ست سنين؛ فسقط الاحتجاج به.

والثاني: أنه روي عن عكرمة عن ابن عباس -  ما - أنه قال في اليهودية تسلم قبل زوجها: "إنها أملك بنفسها"، فكان من مذهبه أن الفرقة وقعت بإسلامها، والراوي متى عمل بخلاف ما روى؛ دل على انتساخ ذلك؛ إذ لا يظن به أنه خالف رسول الله  .

والثالث: أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن النبي  رد بنته زينب -  ا - على أبي العاص بنكاح ثانٍ؛ فوقع التعارض بين الحديثين؛ فبطل احتجاجه بالحديث.

ثم الترجيح لما رويناه؛ لأن فيما رواه إخباراً عن كونها زوجهة له بعدما أسلم الزوج، ولم يعلم حدوث عقد ثانٍ.

وفي حديث عمرو بن شعيب إخبار عن حدوث عقد ثانٍ بعد إسلامه، والثاني: إخبار عن معنى حادث علمه، وهذا كما رجحنا حديث ابن عباس -  - أن النبي  تزوج ميموننة وهو محرم على حديث يزيد الأصم: أنه تزوجها وهو حلال؛ لأن في حديث ابن عباس -  - إخبارا عن حالة حادثة.

وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، ولحديث بريرة أنه كان زوجها حرّاً حتى أعتقت، ورواية من روى أنه كان عبداً يكون الأول أولى؛ لإخباره عن حال حادثة والثاني إخبار عن ظاهر الحالح؛ فكان الأول أولى؛ فكذلك هذا.

والرابع: أن المهاجرة لا عدة عليها عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعلى قولهما: عليها العدة.

وهذه الآية دليل لأبي حنيفة - رحمه الله - من وجوه: فإنه - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ : نهى عن الرد إلى الزوج الأول، ولو كانت عليها العدة، لكان للزوج أن يردها إلى مسكنة لتعتد؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم  ﴾ : كيف أمر الأزواج بإسكانهن في بيوتهن ما دمن في عدتهن، فلما قال - هاهنا -: ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ دل على [ان] لا عدة عليها.

وكذا قال: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ فأباح نكاحها مطلقاً من غير ذكر العدة.

وكذا قال: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ ، ولو كانت العدة عليه واجبة لكانت باقية بقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  ﴾ ؛ ألا تراه كيف جعل العدة في حقه، وإذا كان للزوج عليها حق كانت هي في عصمته، وقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ يوجب قطع العصمة، فلما كان في إيجاب العدة إبقاء العصمة بينهما، ونهى الله -  - عن ذلك؛ فقطعناها وأسقطنا العدة عنها، والله أعلم.

ولأنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة وسقطت العدة، والملك ليس بسبب لإسقاط العدة؛ ولكنه سبب لنقص العدة، فلما سقطت العدة عند السبي والمهاجرة، والسبي لا يوجب الإسقاط دل [على] سقوط العدة لاختلاف الدارين، والله أعلم.

والخامس: فيه دليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ حكمه بترك الناس العمل؛ فإن في قوله: ﴿ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس إنما أجمعوا على تركه، وهذا وأمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى، ثم ينعدم، [و]ما لا يعقل معناه يجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس، ولا يجوز لهم الإجماع على تركه، ولا يتحقق الإجماع على ذلك وجماعة من أصحابنا قالوا: إنه صار منسوخاً بقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ  ﴾ ، وبقوله -  -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيبة من نفسه" ، والله أعلم.

والسادس: في قوله -  -: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ دلالة على أنه سوى في الحكم بين أموالنا وأموالهم ثم الإجماع جرى على أنا إذا غلبنا على أموال أهل الحرب ملكناها، فكذلك إذا غلبوا على أموالنا يجب أن يملكوها، وفيما أوجب من الحرمة إذا جاءت النسوة إلينا مؤمنات مهاجرات - دلالة على أن الأحكم في الأنفس مختلفة؛ وعلى هذا ما خلف كل واحد منهما من المال في الدار التي هاجر منها إلى أخرى أنه يصير فيئاً؛ لما لم يرو عن أصحاب رسول الله  أنه لما فتح مكة أن يكون تفحص عن شيء من ملك الأموال التي كانت مخلفة حين هاجروا إلى المدينة؛ فلا بد أن يكون ذلك للتوارث، أو لما ذكرنا أنها تكومن فيئاً لهم، ومعلوم أن التوارث بين أهل الإسلام وأهل الكفر منقطع، وإذا بطل وجه التوارث ثبت الوجه الآخر، والله أعلم.

والسابع: في قوله: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ دلالة على وجوب العدل بين الأعداء، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ  ﴾ ، وقال - هاهنا -: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ سوى بين أموالنا وأموالهم، وهو العدل؛ فكأنه يقول: ذلك [الذي] أمر من العدل بينكم وبين أعدائكم حكم الله يحكم بينكم، لكي إذا علموا أن العداوة لا تحملكم على ترك العدل - حملهم ذلك على التآليف والتعطف، وعلموا أنكم إذا تركتم شهواتكم وأنفقتم العدل والتسوية: فليس ذلك من عندكم، ولكن من عند الله -  - فرغبهم ذلك في الإسلام؛ فكأنه قال: ذلك الذي أمر من العدل وجعله سبباً، يرغب أعداءكم في الإسلام، ويحملهم على التآلف ﴿ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ، يعني: بما أمر من العدل والتسوية، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ فدل أن العدل واجب بينهم، والله الموفق.

والثامن: في الآية دلالة على أن النساء إذا ارتدن لم يقتلن؛ فإنه قال: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ؛ ثبت أنهم إذا لم يعلموهن مؤمنات رجعوهن إلى الكفار؛ لما كان جرى بينهم من الصلح، ومعلوم أنه إذا رجعن إلى الكفار بعدما أظهرن الإيمان كن مرتدات، ولو كانت المرتدة تقتل كلان إذا ظهر ذلك عندهم قتلوها ولم يرجعوها إلى الكفار، فلما ثبت بما وصفنا أنهم كانوا يصرفون النساء إليهم مع علمهم أنهن مرتدات ثبت أن المرتدة لا تقتل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...

﴾ الآية.

المبايعة والهجرة كانتا واجبتين في عهد النبيي  ، ومعناهما اليوم واجب أيضاً: وذلك أن الهجرة إنما كانت من مكة إلى المدينة؛ لما كان أحدهم إذا أسلم يخاف على نفسه من فساد الدين بالكفران لو قأم بين أظهرهم، وكان أيضاً يحتاج إلى علم الشرائع والأحكام، وإنما ارتفعت الهجرة اليوم من مكة إلى المدينة.

فأما واجد من أهل الحرب إذا أسلم وخشي على نفسه فساد الدين بالكفران لو أقام بين أظهرهم، فالواجب عليه أن يهاجر منها إلى دار الإسلام؛ ليأمن فساد دينه، ويحصل على علم الشرائع.

وأما المبايعة فإن معناها في النساء: ترغيب الكفرة في الإسلام، وفي الرجال: حمل الكفرة إلى الإسلام، وذلك أن الذي أمر به النساء من المبايعة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، والكفرة إذا علموا أن هذا يؤمر فيه بمحاسن الأمور: رغبهم ذلك في الإسلام.

والذي أمر به الرجال إنما هو من جهة النصر والمجاهدة مع النبي  وذلك يظهر الإسلام ويبين، وهذان المعنيان على كل في نفسه في زماننا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ .

يتوجه إلى الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْرِقْنَ ﴾ .

يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال كافة، والنقصان عن العبادة جملة؛ لأنه يقال: أسرقُ السارق من سرق من صلاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزْنِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون على حقيقة الزنا وعلى دواعيه؛ على ما روي من قوله -  -: "اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصق ذلك أو يكذبه".

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ .

يحتمل أن يكون نهياً عن إلحاق الولد بأزواجهن وهن يعلمن أنه من الزنا، وهكذا روي عن ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ .

فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، يجوز أن يكون هذا كناية عن الأمر؛ لأنه بين النواهي والمناكير، ثم قال الله -  -: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ ؛ فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ﴾ ، ولم يقل هاهنا: امتحنوهن، كما قال في المهاجرات، وعنى ذلك عندنا وجهان: أحدهما: أنه قد تبين هاهنا وجه الامتحان بقوله: ﴿ لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ ﴾ ، فاستغنى عن ذكر الامتحان.

والوجه الثاني: أن المهاجرات إنما كن يأتين من دار الحرب، ولم يكن علمن الشرائع؛ فاحتجن إلى الامتحان، وأما هؤلاء: كن في دار الإسلام، وقد علمن شرائعه؛ فلم يذكر الامتحان لذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ﴾ هذا يدل على أن الكبائر لا تخرجهن عن الإيمان؛ لأنه يعلم أن الاستغفار لما يجيء منهم من تضييع هذه الحدود ولو كن يخرجن بتضييعها من الإيمان لم يؤمر النبي  بالاستغفار لهن؛ لأن الاستغافار طلب المغفرة، ويستحيل أن يطلب منه مغفرة من ليس له غفران؛ فدل على ما وصفنا: أن ارتكاب الكبائر لا يخرج صاحبه من الإيمان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن فُرِضَ خروجُ بعض نسائكم إلى الكفار مُرْتدَّات وطلبتم مهورهن من الكفار ولم يعطوها، فغنمتم من الكفار فأعطوا الأزواج الذين خرجت زوجاتهم مُرْتدَّات مثل ما بذلوا من المهور، واتقوا الله الَّذي أنتم به مؤمنون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

من فوائد الآيات في تصريف الله القلب من العداوة إلى المودة، ومن الكفر إلى الإيمان إشارة إلى أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه سبحانه، فليطلب العبد منه الثبات على الإيمان.

التفريق في الحكم بين الكفار المحاربين والمسالمين.

حرمة الزواج بالكافرة غير الكتابية ابتداءً ودوامًا، وحرمة زواج المسلمة من كافر ابتداءً ودوامًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.6qpbQ"

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر