الآية ١٢ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ١٢ من سورة الممتحنة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍۢ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍۢ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 154 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه قال : أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) إلى قوله : ( غفور رحيم ) قال عروة : قالت عائشة : فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات ، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قد بايعتك " ، كلاما ، ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ، ما يبايعهن إلا بقوله : " قد بايعتك على ذلك " هذا لفظ البخاري .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن أميمة بنت رقيقة قالت : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نساء لنبايعه ، فأخذ علينا ما في القرآن : ( أن لا يشركن بالله شيئا ) الآية ، وقال : " فيما استطعتن وأطقتن " ، قلنا : الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا ، قلنا : يا رسول الله ، ألا تصافحنا ؟

قال " إني لا أصافح النساء ، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة " .

هذا إسناد صحيح ، وقد رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث سفيان بن عيينة ، - والنسائي أيضا من حديث الثوري ، - ومالك بن أنس كلهم ، عن محمد بن المنكدر به .

.

وقال الترمذي : حسن صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر .

وقد رواه أحمد أيضا من حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن المنكدر ، عن أميمة به .

وزاد : " ولم يصافح منا امرأة " .

وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة ، عن محمد بن المنكدر به .

.

ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي ، عن محمد بن المنكدر : حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة ، من فيها إلى في ، فذكره .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم ، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صلت معه القبلتين ، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت : جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبايعه في نسوة من الأنصار ، فلما شرط علينا : ألا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف - قال : " ولا تغششن أزواجكن " .

قالت : فبايعناه ، ثم انصرفنا ، فقلت لامرأة منهن : ارجعي فسلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما غش أزواجنا ؟

قال : فسألته فقال : " تأخذ ماله ، فتحابي به غيره " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس ، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب ، حدثني أبي ، عن أمه عائشة بنت قدامة - يعني : ابن مظعون - قالت : أنا مع أمي رائطة بنت سفيان الخزاعية ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع النسوة ويقول : " أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ، ولا تسرقن ، ولا تزنين ، ولا تقتلن أولادكن ، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ، ولا تعصينني في معروف " .

قالت : فأطرقن .

فقال لهن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن : نعم فيما استطعتن " .

فكن يقلن وأقول معهن ، وأمي تلقني : قولي أي بنية ، نعم فيما استطعت .

فكنت أقول كما يقلن وقال البخاري : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية قالت : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ علينا : ( أن لا يشركن بالله شيئا ) ونهانا عن النياحة ، فقبضت امرأة يدها ، قالت : أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها .

فما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، فانطلقت ورجعت فبايعها .

ورواه مسلم .

وفي رواية : " فما وفى منهن امرأة غيرها ، وغير أم سليم ابنة ملحان " .

وللبخاري عن أم عطية قالت : أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند البيعة ألا ننوح ، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة : أم سليم ، وأم العلاء ، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ ، وامرأتان - أو : ابنة أبي سبرة ، وامرأة معاذ ، وامرأة أخرى .

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد ، كما قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني ابن جريج : أن الحسن بن مسلم أخبره ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد ، فنزل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال : ( ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) حتى فرغ من الآية كلها .

ثم قال حين فرغ : " أنتن على ذلك ؟

" .

فقالت امرأة واحدة ، ولم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله - لا يدري الحسن من هي - قال : " فتصدقن " ، قال : وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال .

وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا ابن عياش ، عن سليمان بن سليم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبايعه على الإسلام ، فقال : " أبايعك على ألا تشركي بالله شيئا ، ولا تسرقي ، ولا تزني ، ولا تقتلي ولدك ، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ، ولا تنوحي ، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى " وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس فقال : " تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم - قرأ الآية التي أخذت على النساء ( إذا جاءك المؤمنات ) فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه ، فهو إلى الله ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه " .

أخرجاه في الصحيحين .

وقال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء ، وذلك قبل أن يفرض الحرب ، على ألا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، وقال : " فإن وفيتم فلكم الجنة " رواه ابن أبي حاتم .

وقد روى ابن جرير من طريق العوفي ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر بن الخطاب فقال : " قل لهن : إن رسول الله يبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا " - وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة منكرة في النساء - فقالت : " إني إن أتكلم يعرفني ، وإن عرفني قتلني " .

وإنما تنكرت فرقا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسكت النسوة اللاتي مع هند ، وأبين أن يتكلمن .

فقالت هند وهي منكرة : كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال ؟

ففطن إليها رسول الله وقال لعمر : " قل لهن : ولا تسرقن " .

قالت هند : والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ، ما أدري أيحلهن لي أم لا ؟

قال أبو سفيان : ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي ، فهو لك حلال .

فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفها ، فدعاها فأخذت بيده ، فعاذت به ، فقال : " أنت هند ؟

" .

قالت : عفا الله عما سلف .

فصرف عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ولا يزنين " ، فقالت : يا رسول الله ، وهل تزني الحرة ؟

قال : " لا والله ما تزني الحرة " .

فقال : " ولا يقتلن أولادهن " .

قالت هند : أنت قتلتهم يوم بدر ، فأنت وهم أبصر .

قال : ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) قال ( ولا يعصينك في معروف ) قال : منعهن أن ينحن ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ، ويقطعن الشعور ، ويدعون بالثبور .

والثبور : الويل .

وهذا أثر غريب ، وفي بعضه نكارة ، والله أعلم ; فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيفهما ، بل أظهر الصفاء والود له ، وكذلك كان الأمر من جانبه ، عليه السلام ، لهما .

وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الفتح ، فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجال على الصفا ، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر بقيته كما تقدم وزاد : فلما قال : ( ولا يقتلن أولادهن ) قالت هند : ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا .

فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نصر بن علي ، حدثتني غبطة بنت سليمان ، حدثتني عمتي ، عن جدتها ، عن عائشة قالت : جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتبايعه ، فنظر إلى يدها فقال : " اذهبي فغيري يدك " .

فذهبت فغيرتها بحناء ، ثم جاءت فقال : " أبايعك على ألا تشركي بالله شيئا " ، فبايعها وفي يدها سواران من ذهب ، فقالت : ما تقول في هذين السوارين ؟

فقال : " جمرتان من جمر جهنم " .

فقوله : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) أي : من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها ، ( على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ) أي : أموال الناس الأجانب ، فأما إذا كان الزوج مقصرا في نفقتها ، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ، ما جرت به عادة أمثالها ، وإن كان بغير علمه ، عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني ، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير علمه ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك " .

أخرجاه في الصحيحين .

وقوله : ( ولا يزنين ) كقوله ( ولاتقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) [ الإسراء : 32 ] .

وفي حديث سمرة ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ عليها : ( أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ) الآية ، قالت : فوضعت يدها على رأسها حياء ، فأعجبه ما رأى منها ، فقالت عائشة : أقري أيتها المرأة ، فوالله ما بايعنا إلا على هذا .

قالت : فنعم إذا .

فبايعها بالآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن فضيل ، عن حصين ، عن عامر - هو الشعبي - قال : بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء ، وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه ، ثم قال : " ولا تقتلن أولادكن " .

فقالت امرأة : تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم ؟

قال : وكان بعد ذلك إذا جاءت النساء يبايعنه ، جمعهن فعرض عليهن ، فإذا أقررن رجعن .

وقوله ( ولا يقتلن أولادهن ) وهذا يشمل قتله بعد وجوده ، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ، ويعم قتله وهو جنين ، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء ، تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد ، أو ما أشبهه .

وقوله : ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) قال ابن عباس : يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم .

وكذا قال مقاتل .

ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا عمرو - يعني : ابن الحارث ، - عن ابن الهاد ، عن عبد الله بن يونس ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين نزلت آية الملاعنة : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ، فليست من الله في شيء ، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجب الله منه ، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين " .

وقوله : ( ولا يعصينك في معروف ) يعني : فيما أمرتهن به من معروف ، ونهيتهن عنه من منكر .

قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي قال : سمعت الزبير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا يعصينك في معروف ) قال : إنما هو شرط شرطه الله للنساء .

وقال ميمون بن مهران : لم يجعل الله لنبيه طاعة إلا لمعروف ، والمعروف : طاعة .

وقال ابن زيد : أمر الله بطاعة رسوله ، وهو خيرة الله من خلقه في المعروف .

وقد قال غيره عن ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وسالم بن أبي الجعد ، وأبي صالح ، وغير واحد : نهاهن يومئذ عن النوح .

وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضا .

وقال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في هذه الآية : ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ عليهن النياحة ، ولا تحدثن الرجال إلا رجلا منكن محرما .

فقال عبد الرحمن بن عوف : يا نبي الله ، إن لنا أضيافا ، وإنا نغيب عن نسائنا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس أولئك عنيت ، ليس أولئك عنيت " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء ، أخبرنا ابن أبي زائدة ، حدثني مبارك ، عن الحسن قال : كان فيما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم ، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه " .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن عاصم ، عن ابن سيرين ، عن أم عطية الأنصارية قالت : كان فيما اشترط علينا من المعروف حين بايعنا ألا ننوح ، فقالت امرأة من بني فلان : إن بني فلان أسعدوني ، فلا حتى أجزيهم ، فانطلقت ، فأسعدتهم ، ثم جاءت فبايعت ، قالت : فما وفى منهن غيرها ، وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك .

وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية نسيبة الأنصارية رضي الله عنها وقد روي نحوه من وجه آخر أيضا .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عمر بن فروخ القتات ، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال : أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قالت : فأتيته لأبايعه ، فأخذ علينا فيما أخذ ألا تنحن .

فقالت عجوز : يا رسول الله ، إن ناسا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني ، وأنهم قد أصابتهم مصيبة ، فأنا أريد أسعدهم .

قال : " فانطلقي فكافئيهم " .

فانطلقت فكافأتهم ، ثم إنها أتته فبايعته ، وقال : هو المعروف الذي قال الله عز وجل : ( ولا يعصينك في معروف ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا القعنبي ، حدثنا الحجاج بن صفوان ، عن أسيد بن أبي أسيد البراد ، عن امرأة من المبايعات قالت : كان فيما أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن لا نعصيه في معروف : أن لا نخمش وجوها ، ولا ننشر شعرا ، ولا نشق جيبا ، ولا ندعو ويلا .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن يزيد مولى الصهباء ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( ولا يعصينك في معروف ) قال : " النوح " .

ورواه الترمذي في التفسير ، عن عبد بن حميد ، عن أبي نعيم ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع - كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء به .

، وقال الترمذي : حسن غريب .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن سنان القزاز ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، حدثنا إسحاق بن عثمان أبو يعقوب ، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية ، عن جدته أم عطية قالت : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع نساء الأنصار في بيت ، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقام على الباب وسلم علينا ، فرددن - أو : فرددنا - عليه السلام ، ثم قال : " أنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكن " .

قالت : فقلنا : مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله .

فقال : " تبايعن على ألا تشركن بالله شيئا ، ولا تسرقن ، ولا تزنين ؟

" قالت : فقلنا : نعم .

قالت : فمد يده من خارج الباب - أو : البيت - ومددنا أيدينا من داخل البيت ، ثم قال : " اللهم اشهد " .

قالت : وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض ، والعواتق ، ولا جمعة علينا ، ونهانا عن اتباع الجنائز .

قال إسماعيل : فسألت جدتي عن قوله : ( ولا يعصينك في معروف ) قالت : النياحة .

وفي الصحيحين من طريق الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية " .

وفي الصحيحين أيضا عن أبي موسى : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برئ من الصالقة ، والحالقة ، والشاقة .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا أبان بن يزيد ، حدثنا يحيى بن أبي كثير : أن زيدا حدثه : أن أبا سلام حدثه : أن أبا مالك الأشعري حدثه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة .

وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب " .

ورواه مسلم في صحيحه منفردا به ، من حديث أبان بن يزيد العطار به .

.

وعن أبي سعيد : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن النائحة والمستمعة .

رواه أبو داود

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ ) بالله (يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ) يقول: ولا يأتين بكذب يكذبنه في مولود يوجد بين أيديهنّ وأرجلهن.

وإنما معنى الكلام: ولا يلحقن بأزواجهنّ غير أولادهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ) يقول: لا يلحقن بأزواجهنّ غير أولادهم.

وقوله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) يقول: ولا يعصينك يا محمد في معروف من أمر الله عزّ وجلّ تأمرهن به .

وذكر أن ذلك المعروف الذي شرط عليهنّ أن لا يعصين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيه هو النياحة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) يقول: لا يُنْحن.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) ، قال: النوح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، مثله.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سالم، مثله.

حدثنا محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، في قوله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: في نياحة.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: النوح.

قال ثنا مهران، عن سفيان، عن زيد بن أسلم (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: لا يخدشن وجهًا، ولا يشققن جيبًا، ولا يدعونّ ويلا ولا ينشدن شعرًا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " كانت محنة النساء أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قل لهنّ: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئا، وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة رحمة الله عليه متنكرة في النساء، فقالت: إني إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني، إنما تنكرت فرَقا من رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فسكت النسوة اللاتي مع هند، وأبين أن يتكلمن، قالت هند وهي متنكرة: كيف يقبل من النساء شيئًا لم يقبله من الرجال؟

فنطر إليها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقال لعمر: قُلْ لَهُنَّ وَلا يسْرِقْنَ، قالت هند: والله إني لأصيب من أبى سفيان الهنات (1) وما أدري أيحلهن لي أم لا قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى، أو قد بقي، فهو لك حلال فضحك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعرفها، فدعاها فأتته، فأخذت بيده، فعاذت به، فقال: أنْتِ هنْدٌ، فقالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال (وَلا يَزْنِينَ ) فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟

قال: لا والله ما تَزْنيِ الحُرة؛ قال: وَلا يَقْتُلْنَ أولادَهُن، قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر؛ قال: وَلا يَأتِينَ بِبُهتانٍ يفْترِينهُ بَينَ أيْدِيهن وأرْجلهِنَ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ؛ قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب وَيخدِشْن الوجوه، ويقطِّعن الشعور؛ ويدعون بالثُّبور والويل ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ) حتى بلغ (فَبَايِعْهُنَّ ) ذُكر لنا أن نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أخذ عليهن يومئذ النياحة، ولا تحدثن الرجال، إلا رجلا منكن مَحْرَما، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا نبي الله إن لنا أضيافا، وأنا نغيب عن نسائنا؛ قال: فقال رسول الله: " لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: هو النوح أُخِذ عليهن لا ينحن، ولا يخلُونَّ بحديث الرجال إلا مع ذي محْرم؛ قال: فقال عبد الرحمن بن عوف: إنا نغيب ويكون لنا أضياف؛ قال: " وليس أولئك عنيت ".

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: أخبرنا أَبو هلال، قال: ثنا قتادة، في قوله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: لا يحدثن رجلا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن عياش، عن سليمان بن سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: " جاءت أُميمة بنت رقيقة إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تبايعه على الإسلام، فقال لها النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أبايعُكِ على أن لا تُشْركي بالله شيْئا، ولا تَسْرِقي، ولا تَزْني، وَلا تَقْتُلي وَلَدَكِ، وَلا تَأتي بِبُهْتانٍ تفتَرِينَهُ بَينَ يديْكِ ورِجْلَيْكِ، وَلا تَنُوحي وَلا تَبرَّجِي تَبرجَ الجاهِليةِ الأولى ".

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أُميمة بنت رقيقة، قالت: " جاءت نسوة إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يبايعنه، فقال: فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتنَّ، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا ".

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، قال: ثنا خالد بن يزيد، عن ابن أَبي هلال، عن ابن المنكدر " أن أُمَيمة أخبرته أنها دخلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في نسوة، فقلن: يا رسول الله ابسط يدك نصافحك، فقال: إني لا أُصافحُ النِّساءَ، وَلَكِن سآخُذُ عَلَيْكُنَّ، فأخذ علينا حتى بلغ (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) فقال: " فيما أطَقْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ فَقلن: الله أرحم بنا من أنفسنا .

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أمّ عطية الأنصارية، قالت: " كان فيما اشترط علينا من المعروف حين بايعنا أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم، ثم جاءت فبايعت؛ قال: فما وفى منهن غيرها وغير أمّ سليم ابنة ملحان أمّ أنس بن مالك " .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عمرو بن فروخ القتات، قال: ثنا مصعب بن نوح الأنصاريّ، قال: " أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قالت: فأتيته لأبايعه، فأخذ علينا فيما أخذ ولا تَنُحنَ، فقالت عجوز: يا نبيّ الله إن ناسًا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أن أسعدهم؛ قال: فانْطلقِي فَكافِئِيهمْ، ثم إنها أتت فبايعته، قال: هو المعروف الذي قال الله (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن يزيد، مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، في قوله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: النوح.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أُميمة بنت رقيقة التيمية، قالت: " بايعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في نسوة من المسلمين، فقلنا له: جئناك يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرِقَ، ولا نـزنِي، ولا نقتلَ أولادنا، ولا نأتيَ ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف؛ فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ"، فقلنا: اللهُ وَرَسُولُهُ أرحم بنا من أنفسنا، فقلنا: بايعنا يا رسول الله، فقال: " اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايعْتُكُنَّ، إنَّمَا قَوْلِي لمئَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ"، وما صافح رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منا أحدًا.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عيسى بن عبد الله التميمي، عن محمد بن المنكدر، عن أُميمة بنت رقيقة خالة فاطمة بنت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: سمعتها تقول: " بايعنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخذ علينا أن لا نشرك بالله شيئًا، فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق ".

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أُميمة بنت رقيقة، قالت: " أتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في نساء نبايعه، قالت: فأخذ علينا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بما في القرآن (أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ) ...

الآية، ثم قال: " فيما استَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ " فقلنا : يا رسول الله ألا تصافحنا؟

فقال: " إنّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ مَا قَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إلا كَقَوْلِي لِمِئَةِ امْرَأَةٍ".

حدثنا ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زُهير، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن أُميمة بنت رقيقة، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه.

حدثت ، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) والمعروف: ما اشترط عليهنّ في البيعة أن يتبعن أمره.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) فقال: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نبيه وخيرته من خلقه ثم لم يستحلّ له أمور أمر (2) إلا بشرط لم يقل: ولا يعصينك ويترك حتى قال في معروف: فكيف ينبغي لأحد أن يُطاع في غير معروف وقد اشترط الله هذا على نبيه، قال: فالمعروف كلّ معروف أمرهنّ به في الأمور كلها وينبغي لهنّ أن لا يعصين.

حدثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا إسحاق بن إدريس، ثنا إسحاق بن عثمان بن يعقوب، قال: ثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أمّ عطية، قالت: لما قدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المدينة، جمع بين نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم علينا، فرددن، أو فرددنا عليه، ثم قال: أنا رسول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إليكنّ، قالت: فقلنا مرحبًا برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن، ولا تزنين، قالت: قلنا نعم؛ قال: فمدّ يده من خارج الباب أو البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهمّ اشهد؛ قالت: وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيَّض والعواتقولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنازة، قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قول الله (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قالت: النياحة.

حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، في قول الله (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قال: لا يخلوا الرجل بامرأة.

وقوله: (فَبَايِعْهُنَّ ) يقول جلّ ثناؤه: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على هذه الشروط، فبايعهن، (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ) يقول: سل لهنّ الله أن يصفح عن ذنوبهنّ، ويسترها عليهنّ بعفوه لهنّ عنها، (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: إن الله ذو ستر على ذنوب من تاب إليه من ذنوبه أن يعذّبه عليها بعد توبته منها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيمفيها ثماني مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه ، فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن .

وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله تعالى : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين إلى آخر الآية .

قالت عائشة : فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انطلقن فقد بايعتكن " ولا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط ، غير أنه بايعهن بالكلام .

قالت عائشة : والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل ، وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط ; وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن : " قد بايعتكن " كلاما .

وروي أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب ، وكان يشترط عليهن .

وقيل : لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر أسفل منه ، فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن .

وروي أنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن .

ابن العربي : وذلك [ ص: 64 ] ضعيف ، وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح .

وقالت أم عطية : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ، فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام ، فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن ; ألا تشركن بالله شيئا .

فقلن : نعم .

فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ; ثم قال : اللهم اشهد .

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء ، فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه .الثانية : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : على ألا يشركن بالله شيئا ، قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد : والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال ، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ولا يسرقن " فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح ، وإني أصيب من ماله قوتنا .

فقال أبو سفيان : هو لك حلال .

فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها وقال : " أنت هند " فقالت : عفا الله عما سلف .

ثم قال : " ولا يزنين " فقالت هند : أوتزني الحرة !

ثم قال : " ولا يقتلن أولادهن " أي لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة .

فقالت هند : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر ، فأنتم وهم أبصر .

وروى مقاتل أنها قالت : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا ، وأنتم وهم أعلم .

فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى .

وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو بكرها قتل يوم بدر .

ثم قال : ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف قيل : معنى بين أيديهن " : ألسنتهن بالنميمة .

ومعنى بين أرجلهن : فروجهن .

وقيل : ما كان بين أيديهن من قبلة أو جسة ، وبين أرجلهن الجماع ، وقيل : المعنى لا يلحقن برجالهن ولدا من غيرهم .

وهذا قول الجمهور .

وكانت المرأة تلتقط ولدا فتلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك .

فكان هذا من البهتان والافتراء .

وقيل : ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد ; لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها ، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها .

وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى .

وروي أن هندا لما سمعت ذلك قالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ; ما تأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق !

ثم قال : ولا يعصينك في معروف [ ص: 65 ] قال قتادة : لا ينحن .

ولا تخلو امرأة منهن إلا بذي محرم .

وقال سعيد بن المسيب ، ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم : هو ألا يخمشن وجها .

ولا يشققن جيبا ، ولا يدعون ويلا ، ولا ينشرن شعرا ، ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم .

وروت أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك في النوح .

وهو قول ابن عباس .

وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعصينك في معروف فقال : هو النوح .

وقال مصعب بن نوح : أدركت عجوزا ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم ، فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قول : ولا يعصينك في معروف فقال : " النوح " .

وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية : يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا إلى قوله : ولا يعصينك في معروف قال : كان منه النياحة قالت : فقلت : يا رسول الله ، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية ; فلا بد لي من أن أسعدهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إلا آل فلان " .

وعنها قالت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح ; فما وفت منا امرأة إلا خمس : أم سليم ، وأم العلاء ، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة ، وامرأة معاذ .

وقيل : إن المعروف هاهنا الطاعة لله ولرسوله ; قاله ميمون بن مهران .

وقال بكر بن عبد الله المزني : لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن .

الكلبي : هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسوله به .

فروي أن هندا قالت عند ذلك : ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء .الثالثة : ذكر الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شتى ; صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الأمر .

وهي ستة أيضا : الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والاغتسال من الجنابة .

وذلك لأن النهي دائم في كل [ ص: 66 ] الأزمان وكل الأحوال ; فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد .

وقيل : إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب ، فخصت بالذكر لهذا .

ونحو منه قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس : " وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت " فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي ، لأنها كانت شهوتهم وعادتهم ، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها .الرابعة : لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة : " ولا يسرقن " قالت هند : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي ؟

قال : " لا إلا بالمعروف " فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع ، أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة .

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : لا ؛ أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف ، يعني من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة .

قال ابن العربي وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب ولا يضبط عليه بقفل فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصي به وتقطع يدها .الخامسة : قال عبادة بن الصامت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء : " ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا يعضه بعضكم بعضا ، ولا تعصوا في معروف أمركم به " .

معنى " يعضه " يسحر .

والعضه : السحر .

ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى : ولا يأتين ببهتان : إنه السحر .

وقال الضحاك : هذا نهي عن البهتان ، أي لا يعضهن رجلا ولا امرأة .

ببهتان أي بسحر .

والله أعلم .

يفترينه بين أيديهن وأرجلهن والجمهور على أن معنى ببهتان بولد يفترينه بين أيديهن ما أخذته لقيطا .

وأرجلهن ما ولدته من زنى .

وقد تقدم .السادسة : قوله تعالى : ولا يعصينك في معروف في البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى : ولا يعصينك في معروف قال : إنما هو شرط شرطه الله للنساء .

واختلف في معناه على ما ذكرنا .

والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم وينهى عنه ; فيدخل فيه النوح وتخريق [ ص: 67 ] الثياب وجز الشعر والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك .

وهذه كلها كبائر ومن أفعال الجاهلية .

وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية فذكر منها النياحة " .

وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين ، صفا عن اليمين وصفا عن اليسار ، ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ثم يؤمر بهن إلى النار " .

وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة " .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها .

فقيل : يا أمير المؤمنين ، المرأة المرأة !

قد وقع خمارها .

فقال : إنها لا حرمة لها .

أسند جميعه الثعلبي رحمه الله .أما تخصيص قوله : " في معروف " مع قوة قوله : " ولا يعصينك " ففيه قولان : أحدهما : أنه تفسير للمعنى على التأكيد ; كما قال تعالى : قال رب احكم بالحق لأنه لو قال احكم لكفى .

الثاني : إنما شرط المعروف في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون تنبيها على أن غيره أولى بذلك وألزم له وأنفى للإشكال .السابعة : روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أتبايعونني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا " - قرأ آية النساء ، وأكثر لفظ سفيان : قرأ في الآية - " فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها " .

وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ; فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب ; فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن - حتى فرغ من الآية كلها ، ثم قال حين فرغ - : " أنتن على ذلك ؟

" فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله ; لا يدري الحسن من هي .

قال : " فتصدقن " وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال .

لفظ البخاري .[ ص: 68 ] الثامنة : قال المهدوي : أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا ; والأمر بذلك ندب لا إلزام .

وقال بعض أهل النظر : إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الشروط المذكورة في هذه الآية، تسمى \"مبايعة النساء\" اللاتي [كن] يبايعن على إقامة الواجبات المشتركة، التي تجب على الذكور والنساء في جميع الأوقات.وأما الرجال، فيتفاوت ما يلزمهم بحسب أحوالهم ومراتبهم وما يتعين عليهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل ما أمره الله به، فكان إذا جاءته النساء يبايعنه، والتزمن بهذه الشروط بايعهن، وجبر قلوبهن، واستغفر لهن الله، فيما يحصل منهن من التقصير وأدخلهن في جملة المؤمنين بأن { لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } بأن يفردن الله [وحده] بالعبادة.{ وَلَا يَزْنِينَ } كما كان ذلك موجودا كثيرا في البغايا وذوات الأخدان، { وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ } كما يجري لنساء الجاهلية الجهلاء.{ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } والبهتان: الافتراء على الغير أي: لا يفترين بكل حالة، سواء تعلقت بهن وأزواجهن أو سواء تعلق ذلك بغيرهم، { وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } أي: لا يعصينك في كل أمر تأمرهن به، لأن أمرك لا يكون إلا بمعروف، ومن ذلك طاعتهن [لك] في النهي عن النياحة، وشق الثياب، وخمش الوجوه، والدعاء بدعاء الجاهلية.{ فَبَايِعْهُنَّ } إذا التزمن بجميع ما ذكر.{ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ } عن تقصيرهن، وتطييبا لخواطرهن، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } أي: كثير المغفرة للعاصين، والإحسان إلى المذنبين التائبين، { رَحِيمٌ } وسعت رحمته كل شيء، وعم إحسانه البرايا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) الآية .

وذلك يوم فتح مكة لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيعة الرجال وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعرفها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا فرفعت هند رأسها وقالت : والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " ولا يسرقن " فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفها فقال لها : وإنك لهند بنت عتبة قالت : نعم ، فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال : " ولا يزنين " فقالت هند : أو تزني الحرة فقال : " ولا يقتلن أولادهن " فقالت هند : ربيناهن صغارا وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى وتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " - وهي أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه - قالت هند : والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق فقال : " ولا يعصينك في معروف " قالت هند : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء .

فأقر النسوة بما أخذ عليهن قوله - عز وجل - : ( ولا يقتلن أولادهن ) أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية قوله ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) ليس المراد منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عن الزنا قد تقدم ذكره بل المراد منه أن تلتقط مولودا وتقول لزوجها هذا ولدي منك فهو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها .

قوله ( ولا يعصينك في معروف ) أي في كل أمر وافق طاعة الله .

قال بكر بن عبد الله المزني : في كل أمر فيه رشدهن .

وقال مجاهد : لا تخلو المرأة بالرجال .

وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد : هو النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه ولا تحدث المرأة الرجال إلا ذا محرم ولا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر إلا مع ذي محرم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ علينا " أن لا يشركن بالله شيئا " ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت : أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا فانطلقت ورجعت وبايعها أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق حدثنا أبو يعلى الموصلي حدثنا هدبة بن خالد حدثنا أبان بن يزيد حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة " .

وقال : " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عمرو بن حفص حدثنا أبي أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية " قوله : ( فبايعهن ) يعني إذا بايعنك فبايعهن ( واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع النساء بالكلام بهذه الآية : " لا يشركن بالله شيئا " قالت : وما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة إلا امرأة يملكها أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون أخبرنا مكي بن عبدان حدثنا عبد الرحمن بن بشر حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر سمع أميمة بنت رقية تقول : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسوة فقال لنا : فيما استطعتن وأطقتن فقلت : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرحم بنا من أنفسنا ، قلت : يا رسول الله بايعنا قال سفيان : يعني صافحنا فقال : " إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن» كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي دفنهن أحياء خوف العار والفقر «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن» أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج ووصف بصفة الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها «ولا يعصينك في» فعل «معروف» هو ما وافق طاعة الله كترك النياحة وتمزيق الثياب وجز الشعور وشق الجيب وخمش الوجه «فبايعهن» فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح واحدة منهن «واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي إذا جاءك النساء المؤمنات بالله ورسوله يعاهدنك على ألا يجعلن مع الله شريكًا في عبادته، ولا يسرقن شيئًا، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن بعد الولادة أو قبلها، ولا يُلحقن بأزواجهن أولادًا ليسوا منهم، ولا يخالفنك في معروف تأمرهن به، فعاهدهن على ذلك، واطلب لهن المغفرة من الله.

إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - حكم النساء المؤمنات المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام ، أتبع ذلك بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بمبايعتهن وغيرهن على عدم الإشراك بالله تعالى - ، وعلى اجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي .

.

.

) .هذه الآية الكريمة ، اشتملت على أحكام متممة للأحكام المشتملة عليها الآيتان السابقتان عليها .فكأن الله - تعالى - يقول : ( إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار ) وبايعهن أيها الرسول الكريم على إخلاص العبادة لله - تعالى - .قال القرطبى ما ملخصه : وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت : " كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتحن بهذه الآية .

.

.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقررن بذلك من قولهن ، قال لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " انطلقن فقد بايعتكن " " .ولا والله ما مست يَدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَدَ امرأة قط ، غير أنه بايعهن بالكلام .

.

.

وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف امرأة قط ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن : " قد بايعتكن كلاما " .والمعنى : ( ياأيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ ) أى : مبايعات لك ، أو قاصدات مبايعتك ، ومعاهدتك على الطاعة لما تأمرهن به ، أو تنهاهن عنه .وأصل المبايعة : مقابلة شىء بشىء على سبيل المعاوضة .

وسميت المعاهدة مبايعة ، تشبيها لها بها ، فإن الناس إذا التزموا قبول ما شرط عليهم من التكاليف الشرعية ، - طمعا فى الثواب ، وخوفا من العقاب ، وضمن لهم - صلى الله عليه وسلم - ذلك فى مقابلة وفائهم بالعهد - صار كأن كل واحد منهم باع ما عنده فى مقابل ما عند الآخر .والمقتضى لهذه المبايعة بعد الامتحان لهن ، أنهن دخلن فى الإسلام ، بعد أن شرع الله - تعالى - ما شرع من أحكام وآداب .

.

فكان من المناسب أن يأخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهن العهود ، بأن يلتزمن بالتكاليف التى كلفهن الله - تعالى - بها .ثم بين - سبحانه - ما تمت عليه المبايعة فقال : ( على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً ) أى : يبايعنك ويعاهدنك على عدم الإشراك بالله - تعالى - فى أى أمر من الأمور التى تتعلق بالعقيدة أو بالعبادة أو بغيرهما .( وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ ) .

أى ويبايعنك - أيضا - على عدم ارتكاب فاحشة السرقة ، أو فاحشة الزنا ، فإنهما من الكبائر التى نهى الله - تعالى - عنها .( وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ) أى : ويبايعنك كذلك ، على عدم قتلهن لأولادهن .والمراد به هنا : النهى عن قتل البنات ، وكان ذلك فى الجاهلية يقع تارة من الرجال ، وأخرى من النساء ، فكانت المرأة إذا حانت ولادتها حفرت حفرة ، فولدت بجانبها ، فإذا ولدت بنتا رمت بها فى الحفرة ، وسوتها بالتراب ، وإذا ولدت غلاما أبقته .قال ابن كثير : وقوله ( وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ) وهذا يشمل قتله بعد وجوده ، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ، ويعم قتله وهو جنين ، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء ، تطرح نفسها لئلا تحبل ، إما لغرض فاسد ، أو ما أشبهه .وقوله : ( وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ) معطوف على ما قبله وداخل تحت النهى .والبهتان : الخبر الكاذب الصريح فى كذبه ، والذي يجعل من قيل فيه يقف مبهوتا ومتحيرا من شدة أثر هذا الكذب السافر .والافتراء : اختلاق الكذب واختراع الشخص له من عند نفسه .وللمفسرين فى معنى هذه الجملة الكريمة أقوال ، منها : أن المرأة فى الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها : هذا ولدى منك ، فذلك هو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن ، لأن الولد إذا وضعته الأم ، سقط بين يديها ورجليها .ويرى بعضهم أن معنى الجملة الكريمة : ولا تأتوا بكذب شنيع تختلقونه من جهة أنفسكم ، فاليد والرجل كناية عن الذات ، لأن معظم الأفعال بهما ، ولذا قيل لمن ارتكب جناية قولية أو فعلية : هذا جزاء ما كسبت يداك .وقوله - سبحانه - ( وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) من الأقوال الجامعة لكل ما يخبر به النبى - صلى الله عليه وسلم - ويأمر بفعله ، أو ينهى عن الاقتراب منه .ويشمل ذلك النهى عن شق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعوى الجاهلية وغير ذلك من المنكرات التى نهى الإسلام عنها .وقوله - سبحانه - : ( فَبَايِعْهُنَّ واستغفر لَهُنَّ الله ) جواب ( إِذَا ) التى فى أول الآية .أى : إذا جاءك المؤمنات قاصدات لمبايعتك على الالتزام بتعاليم الإسلام ، فبايعهن على ذلك .

.

.

واستغفر لهن الله - تعالى - عما فرط منهن من ذنوب ، .

( إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أى : إن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين .وهذه المبايعة يبدو أنها وقعت منه - صلى الله عليه وسلم - للنساء أكثر من مرة : إذ مها ما وقع فى أعقاب صلح الحديبية ، بعد أن جاءه بعض النساء المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام ، كما حدث من أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، ومن سُبَيْعَةَ الأسلمية ، ومن أميمة بنت بشر ، ومن غيرهن من النساء اللائى تركن أزواجهن الكفار ، وهاجرن إلى دار الإسلام .ومنها ما وقع فى أعقاب فتح مكة ، فقد جاء إليه - صلى الله عليه وسلم - بعد فتحها نساء من أهلها ليبايعنه على الإسلام .قال الآلوسى : والمبايعة وقعت غير مرة ، ووقعت فى مكة بعد الفتح ، وفى المدينة .وممن بايعنه - صلى الله عليه وسلم - فى مكة ، هند بنت عتبة ، زوج أبى سفيان .

.

.

فقرأ عليهن - صلى الله عليه وسلم - الآية ، فلما قال : ( وَلاَ يَسْرِقْنَ ) قالت : والله إنى لأصيب الهنة من مال أبى سفيان ولا أدرى أيحل لى ذلك؟

فقال أبو سفيان : ما أصبت من شىء فيما مضى فهو حلال لك ..

فلما قرأ - صلى الله عليه وسلم - ( وَلاَ يَزْنِينَ ) قالت : أو تزنى الحرة .

.

؟فلما قرأ ( وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ) قالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا .

وفى رواية أنها قالت : قتلتَ الآباء وتوصينا بالأولاد .فلما قرأ - صلى الله عليه وسلم - : ( وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان ) قالت : والله إن البهتان لقبيح ، ولا يأمر الله - تعالى - إلا بالرشد ومكارم الأخلاق .فلما قرأ ( وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) قالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فى شىء .والتقييد بالمعروف ، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر إلا به ، للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق فى معصية الخالق .وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر فى حقهن ، لكثرة وقوعها فيما بينهن .وقد ذكر الإمام ابن كثير ، جملة من الأحاديث التى تدل على أن هذه البيعة قد تمت فى أوقات متعددة ، وفى أماكن مختلفة ، وأنها شملت الرجال والنساء .ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام أحمد عن سلمى بنت قيس - إحدى نساء بنى عدى بن النجار - قالت : " جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبايعه ، فى نسوة من الأنصار ، فشرط علينا : ألا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزنى ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه فى معروف .

.

.

ثم قال - صلى الله عليه وسلم - " ولا تغششن أزواجكن " .

قالت : فبايعناه ، ثم انصرفنا .فقلت لامرأة منهن : ارجعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسليه : ما غش أزواجنا؟

فسألته فقال : " تأخذ ماله فتحابى به غيره " " .وفى الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال : " كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مجلس فقال : بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم .

.

.

فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه ، فهو إلى الله ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، فقال عليه الصلاة والسلام: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً،» فرفعت هند رأسها وقالت: والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط، فقال عليه الصلاة والسلام: «ولا تسرقن،» فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هناة فما أدري أتحل لي أم لا؟

فقال: «أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة،» قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: «ولا تزنين،» فقالت: أتزن الحرة، وفي رواية مازنت منهن امرأة قط، فقال: «ولا تقتلن أولادكن،» فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة ابن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ولا تأتين ببهتان تفترينه،» وهو أن تقذف على زوجها ما ليس منه، فقالت هند: والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا تعصينني في معروف، فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصينك في شيء وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْرِقْنَ ﴾ يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال والنقصان من العبادة، فإنه يقال: أسرق من السارق من سرق من صلاته: ﴿ وَلاَ يَزْنِينَ ﴾ يحتمل حقيقة الزنا ودواعيه أيضاً على ما قال صلى الله عليه وسلم: «اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرجلان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» وقوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن ﴾ أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد وغيره، وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان ﴾ نهى عن النميمة أي لا تنم إحداهن على صاحبها فيورث القطيعة، ويحتمل أن يكون نهياً عن إلحاق الولد بأزواجهن.

قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولداً ليس منه، قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن وذلك أن الولد إذا رضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المعنى نهيهن عن الزنا، لأن النهي عن الزنا قد تقدم، وقوله: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ أي كل أمر وافق طاعة الله، وقيل: في أمر بر وتقوى، وقيل في كل أمر فيه رشد، أي ولا يعصينك في جميع أمرك، وقال ابن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ أي مما تأمرهن به وتنهاهن عنه، كالنوح وتمزيق الثياب، وجز الشعر ونتفه، وشق الجيب، وخمش الوجه، ولا تحدث الرجال إلا إذا كان ذا رحم محرم، ولا تخلو برجل غير محرم، ولا تسافر إلا مع ذي رحم محرم، ومنهم من خص هذا المعروف بالنوح، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستقاء بالنجوم، والنياحة».

وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من جرب».

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» وقوله: ﴿ فَبَايِعْهُنَّ ﴾ جواب ﴿ إِذَا ﴾ ، أي إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن، واختلفوا في كيفية المبايعة، فقالوا: كان يبايعهن وبين يده وأيديهن ثوب، وقيل: كان يشترط عليهن البيعة وعمر يصافحهن، قاله الكلبي، وقيل: بالكلام، وقيل: دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم غمسن أيديهن فيه، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، وفي الآية مباحث: البحث الأول: قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءكَ المؤمنات ﴾ ولم يقل: فامتحنوهن، كما قال في المهاجرات والجواب: من وجهين: أحدهما: أن الامتحان حاصل بقوله تعالى: ﴿ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ ﴾ إلى آخره وثانيهما: أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع لهن على الشرائع، فلابد من الامتحان، وأما المؤمنات فهن في دار الإسلام وعلمن الشرائع فلا حاجة إلى الامتحان.

الثاني: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ وما وجهه؟

نقول: من قال المرأة إذا التقطت ولداً، فإنما التقطت بيدها، ومشت إلى أخذه برجلها، فإذا أضافته إلى زواجها فقد أتت ببهتان تفترينه بين يديها ورجليها، وقيل: يفترينه على أنفسهن، حيث يقلن: هذا ولدنا وليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا، وقيل: الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها ورجليها.

الثالث: ما وجه الترتيب في الأشياء المذكورة وتقديم البعض منها على البعض في الآية؟

نقول: قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، وقيل: قدم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن ﴾ وقرئ: ﴿ يقتلن ﴾ ، بالتشديد، يريد: وأد البنات ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك.

كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً، لأنّ بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده به بين الرجلين ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ فيما تأمرهن به من المحسنات وتنهاهنّ عنه من المقبحات.

وقيل: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف.

فإن قلت: لو اقتصر على قوله: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ ﴾ فقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بمعروف؟

قلت: نبه بذلك على أنّ طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب.

وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال: أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها فقال عليه الصلاة والسلام: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً فرفعت هند رأسها وقالت: والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال تبايع الرجال على الإسلام والجهاد، فقال عليه الصلاة والسلام: و ﴿ لا يسرقن ﴾ فقالت: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات، فما أدري، أتحل لي أم لا.

فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟

قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: ﴿ ولا يزنين ﴾ : فقالت: أو تزني الحرة وفي رواية: ما زنت منهن امرأة قط، فقال عليه الصلاة والسلام ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ لا يأتين ببهتان ﴾ فقالت: والله إنّ البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء» .

وقيل في كيفية المبايعة: دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده، ثم غمسن أيديهن.

وقيل: صافحهن وكان على يده ثوب قطري.

وقيل: كان عمر يصافحهن عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ الفَتْحِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ أخَذَ في بَيْعَةِ النِّساءِ.

﴿ وَلا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ يُرِيدُ وأْدَ البَناتِ.

﴿ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ في حَسَنَةٍ تَأْمُرُهُنَّ بِها، والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ  لا يَأْمُرُ إلّا بِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طاعَةُ مَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ.

﴿ فَبايِعْهُنَّ ﴾ إذا بايَعْنَكَ بِضَمانِ الثَّوابِ عَلى الوَفاءِ بِهَذِهِ الأشْياءِ.

﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} هو حال {على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن} يرد وأد البنات {وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيديهن وأرجلهن} كانت المرا تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين

{وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} طاعة الله ورسوله {فَبَايِعْهُنَّ واستغفر لَهُنَّ الله} عما مضى {إِنَّ الله غَفُورٌ} بتمحيق ما سلف {رَّحِيمٌ} بتوفيق ما ائتنف وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر قاعد أسفل منه يبايعهن عنه بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعت بحمزة فقال عليه السلام أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً فقال عليه السلام ولا يسرقن فقالت هند إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فقال أبو سفيان ما أصبت فهو لك حلال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها إنك لهند قالت نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال ولا يزنين فقالت أو تزني الحرة فقال ولا يقتلن أولادهن فقالت ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولا يأتين ببهتان فقالت والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق فقال ولا يعصينك في معروف فقالت والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء وهو يشير إلى أن طاعة الولاة لا تجب في المنكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ﴾ أيْ مُبايَعاتٍ لَكَ أيْ قاصِداتٍ لِلْمُبايَعَةِ ﴿ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ ﴿ ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ أُرِيدَ بِهِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: وأْدُ البَناتِ بِالقَرِينَةِ الخارِجِيَّةِ، وإنْ كانَ الأوْلادُ أعَمَّ مِنهُنَّ، وجَوَّزَ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ مِن أجْلِ الفَقْرِ والفاقَةِ، وانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ حَمْلُ هَذا النَّهْيِ عَلى ما يَعُمُّ ذَلِكَ، وإسْقاطُ الحَمْلِ بَعْدَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ «ولا يُقَتِّلْنَ» بِالتَّشْدِيدِ ﴿ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ المَرْأةُ في الجاهِلِيَّةِ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ فَتَقُولُ: هَذا ولَدِي مِنكَ فَذَلِكَ البُهْتانُ المُفْتَرى بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ، وذَلِكَ أنَّ الوَلَدَ إذا وضَعَتْهُ الأُمُّ سَقَطَ بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها، وفي الكَشّافِ كُنِّيَ بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها عَنِ الوَلَدِ الَّذِي تُلْصِقُهُ بِزَوْجِها كَذِبًا لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ اليَدَيْنِ وفَرَجِها الَّذِي تَلِدُهُ بِهِ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، وقِيلَ: كُنِّيَ بِذَلِكَ عَنِ الوَلَدِ الدَّعِيِّ لِأنَّ اللَّواتِي كُنَّ يُظْهِرْنَ البُطُونَ لِأزْواجِهِنَّ في بَدْءِ الحالِ إنَّما فَعَلْنَ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِمْ، وكُنَّ يُبْدِينَ في ثانِي الحالِ عِنْدَ الطَّلْقِ حِينَ يَضَعْنَ الحَمْلَ بَيْنَ أرْجُلِهِنَّ أنَّهُنَّ ولَدُنْ لَهم فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هو مِن شِعارِ الجاهِلِيَّةِ المُنافِي لِشِعارِ المُسْلِماتِ تَصْوِيرًا لِتَيْنِكِ الحالَتَيْنِ وتَهْجِيَنًا لِما كُنَّ يَفْعَلْنَهُ، وأيًّا ما كانَ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: مَعْناهُ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِنَّ، واليَدُ والرِّجْلُ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ لِأنَّ مُعْظَمَ الأفْعالِ بِهِما، ولِذا قِيلَ لِلْمُعاقَبِ بِجِنايَةٍ قَوْلِيَّةٍ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، أوْ مَعْناهُ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يُنْشِئْنَهُ في ضَمائِرِهِمْ وقُلُوبِهِنَّ، والقَلْبُ مَقَرُّهُ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ كِنايَةٌ عَنْ إلْقاءِ البُهْتانِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِنَّ، وعَلى الثّانِي كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ البُهْتانِ مِن دَخِيلَةِ قُلُوبِهِنَّ المَبْنِيَّةِ عَلى الخُبْثِ الباطِنِيِّ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ لا يَبْهَتْنَ النّاسَ كِفاحًا ومُواجَهَةً كَما يُقالُ لِلْأمْرِ بِحَضْرَتِكَ: إنَّهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، ورُدَّ بِأنَّهم وإنْ كَنَّوْا عَنِ الحاضِرِ بِما ذُكِرَ لَكِنْ لا يُقالُ فِيهِ: هو بَيْنَ رِجْلَيْكَ، وهو وارِدٌ لَوْ ذُكِرَتِ الأرْجُلُ وحْدَها أمّا إذا ذُكِرَتْ مَعَ الأيْدِي تَبَعًا فَلا، والكَلامُ قِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ خَرْقِ جِلْبابِ الحَياءِ، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكَذِبُ والغَيْبَةُ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى القَذْفِ، وقِيلَ: بَيْنَ أيْدِيهِنَّ قُبْلَةٌ أوْ جَسَّةٌ وأرْجُلِهِنَّ الجِماعُ، وقِيلَ: بَيْنَ أيْدِيهِنَّ ألْسِنَتُهُنَّ بِالنَّمِيمَةِ، وأرْجُلِهِنَّ فُرُوجُهُنَّ بِالجِماعِ، وهو - وكَذا ما قَبْلَهُ - كَما تَرى.

وقِيلَ: البُهْتانُ السِّحْرُ، ولِلنِّساءِ مَيْلٌ إلَيْهِ جِدًّا فَنُهِينَ عَنْهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ أيْ فِيما تَأْمُرُهُنَّ بِهِ مِن مَعْرُوفٍ وتَنْهاهُنَّ عَنْهُ مِن مُنْكَرٍ، والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَأْمُرُ إلّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طاعَةُ مَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، ويُرَدُّ بِهِ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ الجَهَلَةِ أنَّ طاعَةَ أُولِي الأمْرِ لازِمَةٌ مُطْلَقًا، وخَصَّ بَعْضُهم هَذا المَعْرُوفَ بِتَرْكِ النِّياحَةِ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الأنْصارِيَّةِ قالَتِ امْرَأةٌ مِن هَذِهِ النِّسْوَةِ: ما هَذا المَعْرُوفُ الَّذِي لا يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْصِيَكَ فِيهِ ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَنُحْنَ»» الحَدِيثَ، ونَحْوُهُ مِنَ الأخْبارِ الظّاهِرَةِ في تَخْصِيصِهِ بِما ذُكِرَ كَثِيرٌ، والحَقُّ العُمُومُ، وما ذُكِرَ في الأخْبارِ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِنُكْتَةٍ، ويَشْهَدُ لِلْعُمُومِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هو النَّوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَّعَرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَّرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها، وتَخْصِيصُ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ بِالذِّكْرِ في حَقِّهِنَّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِها فِيما بَيْنَهُنَّ مَعَ اخْتِصاصِ بَعْضِها بِهِنَّ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا ﴿ فَبايِعْهُنَّ ﴾ بِضَمانِ الثَّوابِ عَلى الوَفاءِ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وتَقْيِيدُ مُبايَعَتِهِنَّ بِما ذُكِرَ مِن مَجِيئِهِنَّ لِحَثِّهِنَّ عَلى المُسارَعَةِ إلَيْها مَعَ كَمالِ الرَّغْبَةِ فِيها مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ لَهُنَّ إلَيْها ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ﴾ زِيادَةً عَلى ما في ضِمْنِ المُبايَعَةِ مِن ضَمانِ الثَّوابِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ جَلَّ شَأْنُهُ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَيَغْفِرُ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ ويَرْحَمُهُنَّ إذا وفَّيْنَ بِما بايَعْنَ عَلَيْهِ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ - عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ - يَوْمَ الفَتْحِ فَبايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرِّجالَ عَلى الصَّفا وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُبايِعُ النِّساءَ تَحْتَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بايَعَ النِّساءَ أيْضًا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم «عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيَّةَ قالَتْ: أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِنُبايِعَهُ فَأخَذَ عَلَيْنا ما في القُرْآنِ أنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ حَتّى بَلَغَ ﴿ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ فَقالَ: «فِيما اسْتَطَعْنَ وأطَقْنَ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تُصافِحُنا ؟

قالَ: إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ»» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا بايَعَ النِّساءَ وضَعَ عَلى يَدِهِ ثَوْبًا» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُهُنَّ وبَيْنَ يَدَيْهِ وأيْدِيهِنَّ ثَوْبٌ قَطَوِيٌّ، ومَن يُثْبِتُ ذَلِكَ يَقُولُ بِالمُصافَحَةِ وقْتَ المُبايَعَةِ، والأشْهَرُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنْ لا مُصافَحَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا بايَعَ النِّساءَ دَعا بِقَدَحٍ مِن ماءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ وكَأنَّ هَذا بَدَلُ المُصافَحَةِ» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

والمُبايَعَةُ وقَعَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ ووَقَعَتْ في مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ وفي المَدِينَةِ ومِمَّنْ بايَعْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَكَّةَ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أبِي سُفْيانَ، فَفي «حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ كُنْتُ في النِّسْوَةِ المُبايِعاتِ وكانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ في النِّساءِ فَقَرَأ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ فَلَمّا قالَ: ﴿ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ قالَتْ هِنْدٌ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ يَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ يَقْبَلْهُ مِنَ الرِّجالِ ؟

يَعْنِي أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ فَلَمّا قالَ ﴿ ولا يَسْرِقْنَ ﴾ قالَتْ: واللَّهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا يُدْرى أيَحِلُّ لِي ذَلِكَ ؟

فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ فِيما مَضى وفِيما غَبَرَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَرَفَها فَقالَ لَها: وإنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ ؟

قالَتْ: نَعَمْ فاعْفُ عَمّا سَلَفَ يا نَبِيَّ اللَّهِ عَفا اللَّهُ عَنْكَ، فَقالَ: ﴿ ولا يَزْنِينَ ﴾ فَقالَتْ: أوَتَزْنِي الحُرَّةُ ؟

تُرِيدُ أنَّ الزِّنا في الإماءِ بِناءً عَلى ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن أنَّ الحُرَّةَ لا تَزْنِي غالِبًا وإنَّما يَزْنِي في الغالِبِ الإماءُ، وإنَّما قُيِّدَ بِالغالِبِ لِما قِيلَ: إنَّ ذَواتِ الرّاياتِ كُنَّ حَرائِرَ، فَقالَ: ﴿ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتَهم كِبارًا - تَعْنِي ما كانَ مِن أمْرِ ابْنِها حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ - فَضَحِكَ عُمَرُ حَتّى اسْتَلْقى وتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وفي رِوايَةٍ - أنَّها قالَتْ: قَتَلَتَ الآباءَ وتُوصِينا بِالأوْلادِ ؟

!

فَضَحِكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: ﴿ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ ﴾ فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَأمْرٌ قَبِيحٌ ولا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالرُّشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فَقالَ: ﴿ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ فَقالَتْ: واللَّهِ ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنَّ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ» وكَأنَّ هَذا مِنها دُونَ غَيْرِها مِنَ النِّساءِ لِمَكانِ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّها حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّ أوَّلَ مَن بايَعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّساءِ أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وكَبْشَةُ بِنْتُ رافِعٍ مَعَ نِسْوَةٍ أُخَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ يعني: إذا ارتدت امرأة ولحقت بدار الحرب، فعاقبتم يعني: فغنم من المشركين شيئاً، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ من الغنيمة مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا من الغنيمة، مثل الذين أعطوا نساءهم من المهر.

وهذه الآية منسوخة بالإجماع.

قرأ إبراهيم النخعي: فعاقبتم بغير ألف، وعن مجاهد أنه قرأ: فَعاقَبْتُمْ وقراءة العامة فَعاقَبْتُمْ فذلك كله يرجع إلى معنى واحد يعني: إذا غلبتم العبد واعتصمتم، واصبتموهم في القتال.

وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم.

الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: مصدقين.

ثم قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ يعني: النساء إذا أسلمن، فبايعهن عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، يعني: لا يعبدن غير الله.

وَلا يَسْرِقْنَ، يعني: لا يأخذن مال أحد بغير حق.

وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: ولا يقتلن بناتهن، كما قتلن في الجاهلية ويقال: لا يشربن دواءً، فيسقطن حملهن.

ثم اختلفوا في مبايعة النساء، وقال بعضهم: وضع رسول الله  ثوباً وأخذ في الثوب، وقال بعضهم: كان يشيرهن رسول الله  ويصافحهن عمر، وذكر أن النبيّ  لما فتح مكة، وفرغ من مبايعة الرجال، وهو على الصفا، وعمر بن الخطاب-  - أسفل منه، فبايع النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن.

فقالت هند، امرأة أبي سفيان: إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنْ مَالِ أبِي سُفْيَان، فَلاَ أدْرِي أَحَلاَلٌ أمْ لا؟

فقال أبو سفيان: نَعَمْ مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا غَبَرَ.

فقال النبيّ  : عَفَا الله عَمَّا سَلَف.

وفي خبر آخر، أنها قالت: أرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِنِي مَا يَكْفِينِي وَلِوَلَدي، هَلْ يَحِلُّ لِي أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ؟

فقال النبيّ  : «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَلِوَلَدِكِ بِالمَعْرُوفِ» .

ثم قال: وَلا يَزْنِينَ فلما قال ذلك، قالت هند: أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟

فضحك عمر عند ذلك، ثم قال: تَعَالَيْ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: لا يقتلن بناتهن الصغار، فقالت هند: ربيناهم صغاراً أفنقتلهم كباراً؟

فتبسم النبيّ  ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعني: لا تجيء بصبي من غير زوجها، فتقول للزوج: هو منك.

فقالت هند: إنَّ البُهْتَانَ أَفْحَشُ وَمَا تَأْمُرْنَا إلاَّ بالرّشد.

ثم قال عز وجل: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: في طاعة مما أمر الله تعالى، ويقال: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: فيما نهيتهن عن النوح وتمزيق الثياب، أو تخلو مع الأجنبي، أو نحو ذلك، فقالت هند: ما جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسِ وَفِي أَنْفُسِنَا أَنْ نَعْصِيكَ فِي شَيْءٍ ثم قال فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ يعني: إذا بايعن على ذلك، فاسأل الله لهن المغفرة لما كان في الشرك.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لهن ما كان في الشرك رحيم فيما بقي.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين، يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم وطعامهم وشرابهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: لا تتخذوا الصداقة مع قوم غضب الله عليهم، ويقال: هَذَا أَيضاً في حاطب بن أبي بلتعة.

ثم قال عز وجل: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال مقاتل: وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، أتاه ملك شديد الانتهار، فيجلسه، ثم يسأله: من ربك، وما دينك، ومن رسولك؟

فيقول: لا أدري.

فيقول الملك: أبعدك الله، انظر يا عدو الله إلى منزلك.

فينظر إليه من النار، فيدعو بالويل والثبور، فيقول: هذا لك يا عدو الله.

فيفتح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا لمن آمن بالله تعالى، فلو كنت آمنت بربك نزلت الجنة.

فيكون حسرة عليه، وينقطع رجاؤه منها.

وعلم أنه أبعد له فيها، ويئس من خير الجنة، فذلك قوله تعالى: للكفار أهل الدنيا الأحياء منهم قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يعني: من خير الآخرة، لأنهم كذبوا بالثواب والعقاب، وهم آيسون من الجنة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، إذا عرف منازله ويقال: إن الكفار إذا مات منهم أحد، يئسوا من رجوعه، فيقال: قد يئس هؤلاء من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور من رجوعهم ويقال: يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يعني: هؤلاء الكفار كما يئس الكفار الذين كانوا قبلهم من الآخرة وهو اليوم من أصحاب القبور والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ...

الآية: هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على الصَفَا، وهي كانت في المعنى بَيْعَةِ الرجال قَبْلَ فرض القتال.

ت: وخرَّج البخَاريُّ بسنده عن عائشة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كَانَ/ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بهذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ الآية «١» .

وكذا روى البخاريُّ من طريق ابن عباس أَنَّهُ ع تَلاَ عَلَيْهِنَّ الآيةَ يَوْمَ الْفِطْرَ عَقِبَ الصَّلاَةِ «٢» ، وَنَحْوُهُ عن أُمِّ عطيةَ في البخاري: «وَقَرَأَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ أيْضاً في ثَانِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ» «٣» وكلام ع: يُوهِمُ أَنَّ الآيةَ نزلت في بيعة النساء يومَ الفتح، وليس كذلك وإنَّما يريد أَنَّه أعاد الآيةَ على مَنْ لم يبايعه من أهل مَكّة لِقُرْبِ عهدهم بالإسلام، واللَّه أعلم، والإتيان بالبهتان: قال أكثر المفسرين: معناه أنْ تَنْسِبَ إلى زوجها ولداً ليس منه، قال ع «٤» : واللفظ أَعَمُّ من هذا التخصيص.

وقوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ: يعم جميع أوامر الشريعة، فَرْضَهَا وَنَدْبَهَا، وفي الحديث: «أَنَّ جَمَاعَةَ نُسْوَةٍ قُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى كَذَا وَكَذَا الآية، فلمّا فرغن قال صلّى الله عليه وسلّم: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا لأَنْفُسِنَا» «٥» .

وقوله تعالى: فَبايِعْهُنَّ أي: أمض لَهُنَّ صفقة الإيمان بأنْ يُعْطِينَ ذلك من أنفسهن، ويُعْطَيْنَ عليه الجَنَّةَ، واخْتُلِفَ في هيئة مبايعته صلّى الله عليه وسلّم النساءَ بعد الإجماع على أَنَّهُ لم تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرأة أجنبيَّةٍ قَطُّ والمرويُّ عن عائشةَ وغيرِها: «أَنَّهُ بَايَعَ بِاللِّسَانِ قَوْلاً، وقال: إنّما قولي

لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» «١» .

وقَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: هم اليهود في قول ابن زيد وغيره «٢» ، ويأسهم من الآخرة: هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها، وقال ابن عباس «٣» : قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: في هذه الآية/ كُفَّارُ قريش.

وقوله: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ: على هذا التأويل هو على ظاهره في اعْتِقَادِ الكَفَرَةِ إذَا مَاتَ لَهُمْ حَمِيمٌ قَالوا: هَذَا آخِرُ العَهْدِ به لا يبعث أبدا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ  مَكَّةَ جاءَتْهُ النِّساءُ يُبايِعْنَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وشَرَطَ في مُبايَعَتِهِنَّ الشَّرائِطَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ، فَبايَعَهُنَّ وهو عَلى الصَّفا، فَلَمّا قالَ: ولا يَزْنِينَ، قالَتْ هِنْدٌ: أوَ تَزْنِي الحُرَّةُ؟

فَقالَ: ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ، فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا فَقَتَلْتُمُوهم كِبارًا، فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ.

وقَدْ صَحَّ في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمْ يُصافِحْ في البَيْعَةِ امْرَأةً، وإنَّما بايَعَهُنَّ بِالكَلامِ.» وقَدْ سَمَّيْنا مَن أحْصَيْنا مِنَ المُبايِعاتِ في كِتابِ "التَّلْقِيحِ" عَلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، وهُنَّ أرْبَعُمِائَةٍ وسَبْعٌ وخَمْسُونَ امْرَأةَ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الوَأْدُ الَّذِي كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يُلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ، وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ كانَتْ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ، فَتَقُولُ لِزَوْجِها: هَذا ولَدِي مِنكَ، فَذَلِكَ البُهْتانُ المُفْتَرى.

وإنَّما قالَ: ﴿ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ﴾ لِأنَّ الوَلَدَ إذا وضَعَتْهُ الأُمُّ سَقَطَ بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها.

وقِيلَ: مَعْنى ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ ﴾ : يَأْخُذْنَهُ لَقِيطًا ﴿ وَأرْجُلِهِنَّ ﴾ ما ولَّدْنَهُ مِن زِنًى.

والثّانِي: السِّحْرُ.

والثّالِثُ: المَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ، والسَّعْيُ في الفَسادِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّوْحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ لا يَدْعِينَ ويْلًا، ولا يَخْدِشْنَ وجْهًا، ولا يَنْشُرْنَ شَعْرًا، ولا يَشْقُقْنَ ثَوْبًا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ ما يَأْمُرُهُنَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  مِن شَرائِعِ الإسْلامِ وآدابِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ طاعَةَ الوُلاةِ إنَّما تَلْزَمُ في المُباحِ دُونَ المَحْظُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبايِعْهُنَّ ﴾ المَعْنى إذا بايَعْنَكَ عَلى هَذِهِ الشَّرائِطِ فَبايِعْهُنَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِنَ أصْحابِ القُبُورِ ﴾ هَذِهِ بَيْعَةُ النِساءِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى جَبَلِ الصَفا، وهي كانَتْ في المَعْنى بَيْعَةُ الرِجالِ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، وسَمّاهم تَبارَكَ وتَعالى: "المُؤْمِناتُ" بِحَسَبِ الظاهِرِ مَن أمْرِهِنَّ، ورَفْضُ الِاشْتِراكِ هو مَحْضُ الإيمانِ، وقَتْلُ الأولادِ وهو مِن خَوْفِ الفَقْرِ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُقَتِّلْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التاءِ المُشَدَّدَةِ.

و"الإتْيانُ بِالبُهْتانِ" قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنْ تَنْسِبَ إلى زَوْجِها ولَدًا لَيْسَ هو لَهُ واللَفْظُ أعَمُّ مِن هَذا التَخْصِيصِ، فَإنَّ الفِرْيَةَ بِالقَوْلِ عَلى أحَدٍ مِنَ الناسِ بِعَظِيمَةٍ لَمِن هَذا، وإنَّ الكَذِبَ فِيما اؤْتُمِنَ فِيهِ مِنَ الحَيْضِ والحَمْلِ لَفِرْيَةُ بُهْتانٍ، وبَعْضٌ أقْوى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "بَيْنَ أيْدِيهِنَّ" يُرادُ بِهِ اللِسانُ في الكَلامِ والفَمُ في القِبْلَةِ ونَحْوِها، و"بَيْنَ الأرْجُلِ" يُرادُ بِهِ الفُرُوجُ، ووَلَدُ الإلْحاقِ ونَحْوِهِ.

و"المَعْرُوفُ" الَّذِي نُهِيَ عَنِ العِصْيانِ فِيهِ، قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو النَوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَعْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها.

ويُرْوى «أنَّ جَماعَةً مِنَ النِساءِ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، بايَعْنَ رَسُولَ اللهِ  فَقَرَأ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَّرَهُنَّ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ قالَتْ هِنْدُ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ تَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ تَقْبَلْهُ مِنَ الرِجالِ، بِمَعْنى أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ، فَلَمّا وقَفَ عَلى السَرِقَةِ قالَتْ: واللهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا أدْرِي ما يَحِلُّ لِي مِن ذَلِكَ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ -وَكانَ حاضِرًا- ذَلِكَ لَكِ حَلالٌ فِيما مَضى وبَقِيَ، وقالَ لَها رَسُولُ اللهِ  كُلِي ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ،» وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الآخَرِ، قَوْلُها: « "إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مَسِّيكٌ"» فَلَمّا وقَفَ عَلى الزِنا «قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟

قالَ لَها رَسُولُ اللهِ  : لا، ما تَزْنِي الحُرَّةُ،» وذَلِكَ أنَّ الزِنا في قُرَيْشٍ إنَّما كانَ في الإماءِ في أغْلَبِ الأمْرِ، وفِيما يَعْرِفُ مِثْلُ هِنْدٍ، وإلّا فالبَغايا قَدْ كُنَّ أحْرارًا، فَلَمّا وقَفَ عَلى قَتْلِ الأولادِ «قالَتْ: نَحْنُ رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم أنْتَ بِبَدْرٍ كِبارًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ  ،» فَلَمّا وقَفَ عَلى العِصْيانِ في المَعْرُوفِ قالَتْ: ما جَلَسْنا هَذا المَجْلِسَ وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ.

ويُرْوى «أنَّ جَماعَةَ نِساءٍ بايَعْنَ النَبِيَّ  فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللهِ نُبايِعُكَ عَلى كَذا وكَذا الآيَةُ.

فَلَمّا فَرَغْنَ قالَ رَسُولُ اللهِ  : فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطْلَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبايِعْهُنَّ" مَعْناهُ: امْضِ مَعَهُنَّ صَفْقَةَ الإيمانِ بِأنْ يُعْطِينَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِنَّ ويُعْطَيْنَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، واخْتَلَفَتْ هَيْئاتُ مُبايِعَةِ رَسُولِ اللهِ  النِساءَ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ الشَرِيفَةَ يَدَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ،فَيُرْوى عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا وغَيْرِها أنَّها قالَتْ: «إنَّهُ بايَعَ بِاللِسانِ قَوْلًا، وقالَ: "إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ"»، «وَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَكَنِ: كُنْتُ في النِسْوَةِ المُبايِعاتِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعُكَ، فَقالَ لِي  : "إنِّي لا أُصافِحُ النِساءَ لَكِنْ آخُذُ عَلَيْهِنَّ ما أخَذَ اللهُ عَلَيْهِنَّ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ حَدِيثًا «أنَّ النَبِيَّ  مَدَّ يَدَهُ المُكَرَّمَةَ مِن خارِجِ بَيْتٍ، ومَدَّ نِساءٌ مِنَ الأنْصارِ أيْدِيهِنَّ مِن داخِلِهِ فَبايَعْنَ،» وما قَدَّمْتُهُ أثْبَتُ، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ «أنَّهُ  لَفَّ ثَوْبًا كَثِيفًا عَلى يَدِهِ، وجاءَ نِسْوَةٌ فَلَمَسْنَ يَدَهُ كَذَلِكَ،» ورُوِيَ عن الكَلْبِيِّ أنَّهُ قَدِمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلَمَسَ النِساءُ يَدَهُ وهو خارِجٌ مِن بَيْتٍ وهُنَّ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَراهُنَّ، وذَكَرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ «أنَّ النَبِيَّ  بايَعَهُ النِساءُ عَلى الصَفا بِمَكَّةَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُصافِحُهُنَّ،» ورُوِيَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ عن جَدِّهِ، ورَفَعَهُ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَقَفِيِّ «أنَّهُ  غَمَسَ يَدَهُ في إناءٍ فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى النِساءِ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ.» ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لَهُنَّ، ورَجّاهُنَّ في غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هُمُ اليَهُودُ لِأنَّ غَضَبَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ صارَ عُرْفًا لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم في هَذِهِ الآيَةِ كُفّارُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ تَعالى لا يَرُدُّ ذَلِكَ ثُبُوتُ غَضَبِ اللهِ عَلى اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما في المَرَدَةِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ أعْمالُهم مُغْضِبَةٌ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ ضَلالٍ بَلْ فِيها مُناوَراتٌ مَقْصُودَةٌ، وفي الكَلامِ في التَشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "كَما يَئِسَ" يَتَبَيَّنُ الِاحْتِياجُ إلى هَذا الخِلافِ، وذَلِكَ أنَّ اليَأْسَ مِنَ الآخِرَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتَكْذِيبِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ كَفّارِ مَكَّةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِاليَأْسِ عَنِ الحَظِّ فِيها والنِعْمَةِ مَعَ التَصْدِيقِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ اليَهُودِ، فَمَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هم كُفّارُ مَكَّةَ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ : كَما يَئِسَ الكافِرُ مِن صاحِبِ قَبْرٍ؛ لِأنَّهُ إذا ماتَ لَهُ حَمِيمٌ قالَ: هَذا آخِرُ العَهْدِ بِهِ، لَنْ يُبْعَثَ أبَدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ اعْتِقادَ أهْلِ مَكَّةَ في الآخِرَةِ كاعْتِقادِ الكافِرِ في البَعْثِ ولِقاءِ مَوْتاهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسِنِ، وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ .

ومَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ : كَما يَئِسَ الكافِرُ مِنَ الرَحْمَةِ إذا ماتَ وكانَ صاحِبَ قَبْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ يُرْوى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ في قَبْرِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أنْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النارِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، فَهو يائِسٌ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِها ويَقِينِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ ، فَمَعْنى الآيَةِ يَأْسُ اليَهُودِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِها كَيَأْسِ ذَلِكَ الكافِرِ في قَبْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ رِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وحَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وغَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم مُعَذَّبُونَ، وهَذِهِ كانَتْ صِفَةُ كَثِيرٍ مِن مُعاصِرِي النَبِيِّ  .

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي القَوْلِ الثانِي هي لِبَيانِ الجِنْسِ أوَلِلتَّبْعِيضِ، يَتَوَجَّهانِ فِيها، وبَيانِ الجِنْسِ أظْهَرُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُمْتَحَنَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه تكملة لامتحان النساء المتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ الآية [الممتحنة: 10].

وبيان لتفصيل آثاره.

فكأنه يقول: فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفار وبَينُوا لهن شرائع الإِسلام.

وآية الامتحان عقب صلح الحديبية في شأن من هاجرن من مكة إلى المدينة بعد الصلح وهن: أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وسبيعة الأسلمية، وأميمة بنت بشر، وزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا صحة للأخبار التي تقول: إن الآية نزلت في فتح مكة ومنشؤها التخليط في الحوادث واشتباه المكرر بالآنف.

روى البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ إلى قوله: ﴿ غفور رحيم ﴾ فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: قد بايعتُككِ.

والمقتضى لهذه البيعة بعد الإِمتحان أنهن دخلن في الإِسلام بعد أن استقرت أحكام الدين في مدة سنين لم يشهدن فيها ما شهده الرجال من اتساع التشريع آنا فآنا، ولهذا ابتدئت هذه البيعة بالنساء المهاجرات كما يؤذن به قوله: ﴿ إذا جاءك المؤمنات ﴾ ، أي قدمن عليك من مكة فهي على وزان قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ [الممتحنة: 10].

قال ابن عطية: كانت هذه البيعة ثاني يوم الفتح على جبل الصفا.

وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على نساء الأنصار أيضاً.

روى البخاري عن أم عطية قالت: بايَعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا ﴿ أن لا يشركن بالله شيئاً ﴾ الحديث.

وفيه عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الخطبة فنزل نبيء الله فكأني أنظر إليه حين يجلِّس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ﴾ حتى فرغ من الآية كلها.

ثم قال حين فرغ: أنتُنّ على ذلك فقالت امرأة منهنّ واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله.

قال: «فتصدقن».

وأجرى هذه المبايعة على الرجال أيضاً.

ففي «صحيح البخاري» عن عبادة بن الصامت قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا، وقرأ آية النساء (أي النازلة بخطاب النساء في سورة الممتحنة) فمن وفَى منكم فأجره على الله.

ومن أصاب من ذلك شَيئاً فعوقب به فهو كفارة له.

ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له».

واستمر العمل بهذه المبايعة إلى يوم فتح مكة وقد أسلم أهلها رجالاً ونساء فجلس ثاني يوم الفتح على الصفا يأخذ البيعة من الرجال على ما في هذه الآية، وجلس عمر بن الخطاب يأخذ البيعة من النساء على ذلك، وممن بايعته من النساء يومئذٍ هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وكبشة بنت رافع.

وجملة ﴿ يبايعنك ﴾ يجوز أن تكون حالاً من ﴿ المؤمنات ﴾ على معنى: يُردن المبايعة وهي المذكورة في هذه الآية.

وجواب ﴿ إذا ﴾ ﴿ فبايعهن ﴾ .

ويجوز أن تكون جملة ﴿ يبايعنك ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ .

ومعنى ﴿ إذا جاءك المؤمنات ﴾ ، أي الداخلات في جماعة المؤمنين على الجملة والإِجمال، لا يعلمن أصولَ الإِسلام وبيّنه بقوله: ﴿ يبايعنك ﴾ فهو خبر مراد به الأمر، أي فليبايعنك وتكون جملة ﴿ فبايعهن ﴾ تفريعاً لجملة ﴿ يبايعنك ﴾ وليبنى عليها قوله: ﴿ واستغفر لهن الله ﴾ .

وقد شملت الآية التخلي عن خصال في الجاهلية وكانت السرقة فيهن أكثر منها في الرجال.

قال الأعرابي لما وَلدت زوجهُ بنتاً: والله ما هي بِنعْمَ الولدُ بَزّها بكاء ونَصرُها سرقة.

والمراد بقتل الأولاد أمران: أحدهما الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم، وثانيهما إسقاط الأجنة وهو الإِجهاض.

وأسند القتل إلى النساء وإن كان بعضه يفعله الرجال لأن النساء كنّ يرضين به أو يَسكتن عليه.

والبهتان: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه لأنه يبهت من ينقل عنه.

والافتراء: اختلاق الكذب، أي لا يختلقن أخباراً بأشياء لم تقع.

وقوله: ﴿ بين أيديهن وأرجلهن ﴾ يتعلق ب ﴿ يأتين ﴾ ، وهذا من الكلام الجامع لمعان كثيرة باختلاف محامله من حقيقة ومجاز وكناية، فالبهتان حقيقته: الإِخبار بالكذب وهو مصدر.

ويطلق المصدر على اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق.

وحقيقة بين الأيدي والأرجل: أن يكون الكذب حاصلاً في مكان يتوسط الأيدي والأرجل فإن كان البهتان على حقيقته وهو الخبر الكاذب كان افتراؤه بين أيديهن وأرجلهن أنه كَذب مواجهةً في وجه المكذوب عليه كقولها: يا فلانة زنيت مع فلان، أو سرقتتِ حلي فلانة.

لتبهتها في ملأٍ من الناس، أو أنت بنت زِنا، أو نحو ذلك.

وإن كان البهتان بمعنى المكذوب كان معنى افترائه بين أيديهن وأرجلهن كناية عن ادعاء الحمل بأن تشرب ما ينفخ بطنها فتوهم زوجها أنها حامل ثم تظهر الطلق وتأتي بولد تلتقطه وتنسبه إلى زوجها لئلا يطلقها، أو لئلا يرثه عصبته، فهي تعظم بطنها وهو بين يديها، ثم إذا وصل إبان إظهار الطلق وضعت الطفل بين رجليها وتحدثتْ وتحدث الناس بذلك فهو مبهوت عليه.

فالافتراء هو ادعاؤها ذلك تأكيداً لمعنى البهتان.

وإن كان البهتان مستعاراً للباطل الشبيه بالخبرِ البهتاننِ، كان ﴿ بين أيديهن وأرجلهن ﴾ محتملاً للكناية عن تمكين المرأة نفسها من غير زوجها يقبلها أو يحبسها، فذلك بين يديها أو يزني بها، وذلك بين أرجلها.

وفسره أبو مسلم الأصفهاني بالسحر إذ تعالج أموره بيديها، وهي جالسة تضع أشياء السحر بين رجليها.

ولا يمنع من هذه المحامل أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الرجال بمثلها.

وبعض هذه المحامل لا يتصور في الرجال إذ يؤخذ لكل صنف ما يصلح له منها.

وبعد تخصيص هذه المنهيات بالذكر لخطر شأنها عمم النهي بقوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ والمعروف هو ما لا تنكره النفوس.

والمراد هنا المعروف في الدين، فالتقييد به إما لمجرد الكشف فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف، وإما لقصد التوسعة عليهن في أمر لا يتعلق بالدين كما فعلتْ بريرة إذْ لم تقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاعها زوجَها مُغيثاً إذ بانت منه بسبب عتقها وهو رقيق.

وقد روي في «الصحيح» عن أمّ عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهنّ في هذه المبايعة عن النياحة فقبضت امرأةٌ يدها وقالت: أسعدَتْني فلانةُ أريد أن أَجزِيها.

فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلقتْ ورجعت فبايَعها.

وإنما هذا مثال لبعض المعروف الذي يأمرهن به النبي صلى الله عليه وسلم تركه فاش فيهن.

وورد في أَخبار أنه نهاهن عن تَبرج الجاهلية وعن أن يُحدثن الرجال الذين ليسوا بمحرم فقال عبد الرحمان بن عوف: يا نبيء الله إن لنا أضيافاً وإنا نغيب، قال رسول الله: ليس أولئك عنيتُ.

وعن ابن عباس: نهاهنّ عن تمزيق الثياب وخدش الوجوه وتقطيع الشعور والدعاء بالويل والثبور، أي من شؤون النياحة في الجاهلية.

وروى الطبري بسنده إلى ابن عباس لمَّا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على النساء كانت هندٌ بنتُ عتبةَ زوجُ أبي سفيان جالسة مع النساء متنكرة خوفاً من رسول الله أن يقتصَّ منها على شَقها بطن حمزة وإخراجِها كبدَه يوم أُحد.

فلما قال: ﴿ على أن لا يشركن بالله شيئاً ﴾ ، قالت هند: وكيف نَطمع أَن يَقبل منا شيئاً لم يقبله من الرجال.

فلما قال: ﴿ ولا يسرقن ﴾ .

قالت هند: والله إِني لأُصيب من مَاللِ أبي سفيان هَنات فما أدري أتحل لي أم لا؟

فقال: أبو سفيان: ما أصبتتِ من شيء فيما مضى وفيما غَبَر فهو لككِ حلال.

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَرَفها فدعاها فأتته فعاذت به، وقالت: فاعفُ عما سلف يا نبيء الله عفا الله عنك.

فقال: ﴿ ولا يَزْنِينَ ﴾ .

فقالت: أَوَ تزني الحُرّة.

قال: ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ .

فقالت هند: ربيْناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم.

تريد أن المسلمين قتلوا ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر.

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه ﴾ .

فقالت: والله إن البهتان لأمرٌ قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق.

فقال: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ .

فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيَك في شيء.

فقوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ جامع لكل ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر به مما يرجع إلى واجبات الإِسلام.

وفي الحديث عن أم عطية قالت: كان من ذلك: أن لا ننوح.

قالت: فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بدّ أن أَسعدهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ آل فلان، وهذه رخصة خاصة بأم عطية وبمن سَمَّتهم.

وفي يوم معيّن.

وقوله: ﴿ فبايعهن ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ تفريع على ﴿ يبايعنك ﴾ ، أي فأقبل منهنّ ما بايعنك عليه لأن البيعة عنده من جانبين ولذلك صيغت لها صيغة المفاعلة.

﴿ واستغفر لهن الله ﴾ ، أي فيما فرط منهنّ في الجاهلية مما خص بالنهي في شروط البيعة وغير ذلك.

ولذلك حذف المفعول الثاني لفعل ﴿ استغفر ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ وبايَعَهُ الرِّجالُ جاءَتِ النِّساءُ بَعْدَهم لِلْبَيْعَةِ فَبايَعَهُنَّ.

واخْتُلِفَ في بَيْعَتِهِ لَهُنَّ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَلَسَ عَلى الصَّفا [وَمَعَهُ عُمَرُ أسْفَلَ مِنهُ] فَأمَرَهُ أنْ يُبايِعَ النِّساءَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ أُمَيْمَةَ أُخْتَ خَدِيجَةَ خالَةَ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ بايَعَتْهُ، أنْ تُبايِعَ النِّساءَ عَنْهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ أُمَيْمَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بايَعَهُنَّ بِنَفْسِهِ وعَلى يَدِهِ ثَوْبٌ قَدْ وضَعَهُ عَلى كَفِّهِ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.

وَقِيلَ بَلْ وضَعَ قَعْبًا فِيهِ ماءٌ وغَمَسَ فِيهِ يَدَهُ وأمَرَهُنَّ فَغَمَسْنَ أيْدِيَهُنَّ، فَكانَتْ هَذِهِ بَيْعَةُ النِّساءِ.

فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى بَيْعَتِهِنَّ ولَسْنَ مِن أهْلِ الجِهادِ فَتُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ البَيْعَةُ كالرِّجالِ؟

قِيلَ: كانَتْ بَيْعَتُهُ لَهُنَّ تَعْرِيفًا لَهُنَّ بِما عَلَيْهِنَّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ لِأنَّهُنَّ دَخَلْنَ في الشَّرْعِ ولَمْ يَعْرِفْنَ حُكْمَهُ فَبَيَّنَهُ لَهُنَّ، وكانَ أوَّلُ ما أخَذَهُ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا تَوْحِيدًا لَهُ ومَنعًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ.

﴿ وَلا يَسْرِقْنَ ﴾ فَرَوى «أنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ كانَتْ مُتَنَكِّرَةً عِنْدَ أخْذِ البَيْعَةِ عَلى النِّساءِ خِيفَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ  لِما صَنَعَتْهُ بِحَمْزَةَ وأكْلِها كَبِدَهُ، فَقالَتْ حِينَ سَمِعَتْهُ في أخْذِ البَيْعَةِ عَلَيْهِنَّ يَقُولُ " لا يَسْرِقْنَ " واللَّهِ إنِّي لا أُصِيبُ مِن أبِي سُفْيانَ إلّا قُوتَنا ما أدْرِي أيَحِلُّ لِي أمْ لا، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِمّا مَضى أوْ قَدْ بَقِيَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ  وعَرَفَها فَقالَ: (أنْتِ هِنْدٌ ؟

فَقالَتْ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ.

ثُمَّ قالَ ﴿ وَلا يَزْنِينَ ﴾ فَقالَتْ هِنْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ أوَ تَزْنِي الحُرَّةُ؟

ثُمَّ قالَ ﴿ وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَئِدُ البَناتَ، فَقالَتْ هِنْدٌ: أنْتَ قَتَلْتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأنْتَ وهم أبْصَرُ.

» وَرَوى مُقاتِلٌ أنَّها قالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتُوهم كِبارًا فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ، فَضَحِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى اسْتَلْقى.

﴿ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ السِّحْرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: المَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ والسَّعْيُ في الفَسادِ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ألّا يَلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِنَّ لِأنَّ الزَّوْجَةَ كانَتْ تَلْتَقِطُ ولَدًا وتُلْحِقُهُ بِزَوْجِها ولَدًا، ومَعْنى ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ ﴾ ما أخَذَتْهُ لَقِيطًا، ﴿ وَأرْجُلِهِنَّ ﴾ ما ولَدَتْهُ مِن زِنًى، ورُوِيَ أنَّ هِنْدًا لَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَأمْرٌ قَبِيحٌ، وما تَأْمُرُ إلّا بِالأرْشَدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ.

ثُمَّ قالَ ﴿ وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الَمَعْرُوفَ هاهُنا الطّاعَةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

الثّانِي: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «عَنِ النَّبِيِّ  ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ قالَ: هو النَّوْحُ.

» الثّالِثُ: أنَّ مِنَ المَعْرُوفِ ألّا تَخْمِشَ وجْهَها ولا تَنْشُرَ شَعْرَها ولا تَشُقَّ جَيْبًا ولا تَدْعُو ويْلًا، قالَهُ أسِيدُ بْنُ أبِي أسِيدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَعْرُوفٍ أمَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَرُوِيَ أنَّ هِنْدًا قالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ما جَلَسْنا في مَجْلِسِنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نُعْطِيكَ مِن شَيْءٍ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ طاعَةَ الوُلاةِ إنَّما تَلْزَمُ في المَعْرُوفِ المُباحِ دُونَ المُنْكَرِ المَحْظُورِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ إلى قوله: ﴿ غفور رحيم ﴾ فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: قد بايعنك كلاماً ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعنك على ذلك» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه «عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً حتى بلغ ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ فقال: فيما استطعتن وأطقتن قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله قال: «جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإِسلام فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى» .

وأخرج ابن سعد وأحمد وابن مردويه «عن سليمى بنت قيس رضي الله عنها قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه على الإِسلام في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، ولا تغششن أزواجكم فبايعناه، ثم انصرفنا فقلت لامرأة: ارجعي فاسأليه ما غش أزواجنا؟

فسألته فقال: تأخذ ماله فتحابي غيره به» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر عن عبادة بن الصامت قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا، وقرأ.

فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأقبل حتى أتى النساء فقال: ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتن على ذلك؟

قالت امرأة: نعم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد وابن سعد وأبو داود وأبو يعلى وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إليهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام على الباب فسلم، فقال: أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين الآية.

قلنا: نعم فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت.

قال إسمعيل: فسألت جدتي عن قوله تعالى: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قالت: نهانا عن النياحة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وابن مردويه «عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال: إني لا أصافحكن، ولكن آخذ عليكن ما أخذ الله» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء، ووضع على يده ثوباً، فلما كان بعد كان يخبر النساء فيقرأ عليهن هذه الآية ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ﴾ فإذا أقررن قال: قد بايعنكن، حتى جاءت هند امرأة أبي سفيان، فلما قال: ﴿ ولا يزنين ﴾ قالت: أو تزني الحرة؟

لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف بالإِسلام؟

فقال: ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ قالت: أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأبنائهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ ولا يسرقن ﴾ فقالت: يا رسول الله إني أصبت من مال أبي سفيان، فرخص لها» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قل لهن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، وكانت هند متنكرة في النساء، فقال لعمر: قل لها ﴿ ولا يسرقن ﴾ قالت هند: والله إني لأصيب من مال أبي سفيان الهنة، فقال: ﴿ ولا يزنين ﴾ فقالت: وهل تزني الحرة؟

فقال: ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، قال: ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: منعهن أن يَنُحْنَ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور ويدعون بالويل والثبور.

وأخرج الحاكم وصححه عن فاطمة بنت عتبة أن أخاها أبا حذيفة أتى بها وبهند بنت عتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه، فقالت: أخذ علينا بشرط فقلت له: يا ابن عم وهل علمت في قومك من هذه الصفات شيئاً قال أبو حذيفة: أيها فبايعيه فإن بهذا يبايع، وهكذا يشترط، فقالت هند: لا أبايعك على السرقة فإني أسرق من مال زوجي، فكفّ النبي صلى الله عليه وسلم يده، وكفت يدها حتى أرسل إلى أبي سفيان، فتحلل لها منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا، ولا نعمة.

قالت: فبايعناه.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه ﴾ قال: كانت الحرة يولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه ﴾ قال: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء.

وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة من النسوة ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟

قال: لا تنحن ,قلت يا رسول الله: إن بني فلان أسعدوني على عمي ولا بد لي من قضائهن، فأبى عليّ، فعاودته مراراً، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد، ولم يبق منا امرأة إلا وقد ناحت غيري» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن منيع وابن سعد وابن مردويه عن أبي المليح قال: «جاءت امرأة من الأنصار تبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما شرط عليها أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين أقرت فلما قال: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: أن لا تنوحي، فقالت: يا رسول الله إن فلانه أسعدتني أفأسعدها، ثم لا أعود؟

فلم يرخص لها» مرسل حسن الإِسناد.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن سعد وابن مردويه بسند جيد عن مصعب بن نوح الأنصاري قال: «أدركت عجوزاً لنا كانت فيمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، وقال: هو المعروف الذي قال الله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ فقلت يا نبي الله: إن أناساً قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة وأنا أريد أن أسعدهم.

قال: انطلقي فكافئيهم ثم إنها أتت فبايعته» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قال: كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نعصيه فيه من المعروف، وأن لا نخمش وجهاً، ولا نشق جيباً، ولا ندعوه ويلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: لا يشققن جيوبهن، ولا يصككن خدودهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سالم بن أبي الجعد في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: النوح.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: النوح.

قال: فكل شيء وافق لله طاعة فلم يرض لنبيه أن يطاع في معصية الله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هاشم الواسطي ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: لا يدعون ويلاً ولا يشققن جيباً ولا يحلقن رأساً.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء في البيعة أن لا يشققن جيباً، ولا يخمشن وجهاً، ولا يدعون ويلاً، ولا يقلن هجراً.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة بنت قدامة بن مظعون قالت: كنت مع أمي رائطة بنت سفيان والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع النسوة ويقول: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن، وأرجلكن، ولا تعصين في معروف» فأطرقن، قالت: وأنا أسمع أمي وأمي تلقنني تقول: أي بنية قولي: نعم فيما استطعت، فكنت أقول كما يقلن.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأحمد وابن مردويه عن أنس قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدتنا في الجاهلية أفتسعدهن في الإِسلام؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا إسعاد في الإِسلام، ولا شطار، ولا عقر في الإِسلام، ولا خبب ولا جنب، ومن انتهب فليس منا» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ قال: كيف يمتحن فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمس أيديهن، فكانت هذه بيعته.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم عطية قالت: لما نزلت ﴿ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف فبايعهن ﴾ قالت: كان منه النياحة يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم كانوا قد أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، قال: لا آل فلان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن أم عطية قالت: أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح، فما وفى منا إلا خمسة أم سليم وأم العلاء وابن أبي سبرة امرأة أبي معاذ، أو قال: بنت أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أم عطية.

قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا تشركن بالله شيئاً، ونهانا عن النياحة، فقبضت منا امرأة يدها فقالت يا رسول الله: إن فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل لها شيئاً، فذهبت ثم رجعت، قالت: فما وفت منا امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وبنت أبي سبرة امرأة معاذ أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: اشترط عليهن أن لا ينحن.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: «كان فيما أخذ على النساء من المعروف أن لا ينحن، فقالت امرأة: لا بد من النوح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنتن لا بد فاعلات فلا تخمشن وجهاً، ولا تخرقن ثوباً، ولا تحلقن شعراً، ولا تدعون بالويل، ولا تقلن هجراً، ولا تقلن إلا حقاً» .

وأخرج ابن سعد عن عاصم بن عمرو بن قتادة رضي الله عنه قال: أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع وأم عامر بنت يزيد بن السكن وحواء بنت يزيد بن السكن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أسلم رضي الله عنه ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: لا يشققن جيباً ولا يخمش وجهاً ولا ينشرن شعراً ولا يدعون ويلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النوح.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنما نهيت عن النوح» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: لعنت النائحة والممسكة.

وأخرج ابن مردويه عن أم عفيف قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أن لا نحدث الرجال إلا محرماً.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان فيما أخذ عليهن أن لا يخلون بالرجال إلا أن يكون محرماً، وإن الرجل قد تلاطفه المرأة فيمذي في فخذيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: أخذ عليهن أن لا ينحن، ولا يحدثن الرجال، فقال عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أضيفا وأنا نغيب عن نسائنا، فقال: ليس أولئك عنيت.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أم عطية رضي الله عنها قالت: كان فيما أخذ عليهن أن لا يخلون بالرجال إلا أن يكون محرماً، فإن الرجل قد يلاطف المرأة فيمذي في فخذيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ قال: فإن المعروف الذي لا يعصي فيه أن لا يخلو الرجل والمرأة وحداناً وأن لا ينحن نوح الجاهلية.

قال: فقالت خولة بنت حكيم الأنصارية: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها، فأنا أريد أن أجزيها.

قال: فاذهبي فاجزيها ثم تعالي فبايعي» .

وأخرجه ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موصولاً والله أعلم.

أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عبد الله بن عمر وزيد بن الحارث يوادون رجالاً من يهود فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم ﴾ الآية.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ﴾ قال: فلا يؤمنون بها ولا يرجونها.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله -  - مكة غرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم، جاءته نساء أهل مكة يبايعنه فأنزل الله هذه الآية (١) (٢) ﴿ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾ وقال المفسرون: يعني بالأولاد الذي كان يفعله الجاهلية، ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد (٣) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه (٤) (٥) قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدى منك.

فذلك البهتان المفترى (٦) وقال أبو إسحاق: أي لا يأتين بولد ينسبنه إلى الزوج، فإن ذلك بهتان وفرية (٧) ومعنى ﴿ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ أي مفترينه.

أي أنفسهن بأن يقلن: نحن ولدنا، وإنما قيل ﴿ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ لأن الولد إذا وضعته الأم سَقَطَ بين يديها ورِجليها، وليس المعنى على هذا (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ قال الكلبي: في معروف مما تأمرهن به وتنهاهن عنه كالنوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وأن تخلو بغير ذي محرم، وأن تسافر سفرًا مع (١٠) (١١) وهو معنى قول ابن زيد: لا ينشرن شعرًا ولا يخمشن وجهًا، ولا يدعون ويلاً.

وكثير من المفسرين خصوا هذا المعروف بالنهي عن النوح.

وهو قول سالم بن أبي الجعد (١٢) (١٣) قالت أم عطية: كان فيما اشترط علينا في البيعة أن لا ننوح (١٤) وقالت أم سلمة (١٥) (١٦) وروى الربيع عن أبي العالية في قوله: ﴿ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ قال: في كل أمر وافق طاعة الله فلم يرضي الله لنبيه أن يطاع في معصية الله (١٧) ﴿ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ في كل بر وتقوى.

ويريد فرائض الله (١٨) (١٩) (٢٠) قوله تعالى: ﴿ فَبَايِعْهُنَّ ﴾ جواب لـ ﴿ إِذَا ﴾ في أول الآية.

أي إذا بايعنك على هذا الشرط فبايعهن.

واختلفوا في كيفية بيعة النبي -  - مع النساء.

فروى سالم بن أبي الجعد، عن أبي فليح قال: كان رسول الله -  - يبايع النساء على الصفا، وجلس معه عمر فجعل يشترط على النساء للبيعة، وعمر يصافحهن.

وروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله -  - يبايع النساء بالكلام بهذه الآية وما مست (٢١)  - النساء للبيعة.

فقلت: ألا تحسر لنا عن يديك؟

قال: إني لست أصافح النساء ولكن أخذ عليهم (٢٢) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي -  - كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده ثم غمسن أيديهن فيه) (٢٣) (١) يظهر لي -والله أعلم- أن في العبارة خلطًا واستقامتها: وهو قوله ﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ﴾ فغرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم.

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله -  - مكة جاءته نساء)، وانظر: "زاد المسير" 8/ 244، ونسبه للمفسرين.

(٢) في (ك): (التي).

(٣) انظر: "زاد المسير" 8/ 246، و"روح المعاني" 28/ 80.

(٤) أخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي هاشم، وابن مردويه.

انظر: "جامع البيان" 28/ 51، و"الدر" 6/ 210، و"تنوير المقباس" 6/ 58، و"تفسير مقاتل" 153 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 308، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 354.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 58، و"معالم التنزيل" 4/ 335، و"زاد المسير" 8/ 246، ولم ينسب لقائل.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 152.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 160.

(٨) (هذا) ساقطة من (ك).

(٩) (ك): (لأن الشرط بنهي الزنا).

(١٠) (مع) ساقطة من (ك).

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 153 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 111 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 335، و"التفسير الكبير" 29/ 308.= وأخرج ابن جرير 28/ 25، وعبد الرزاق 2/ 289 عن قتادة بسند صحيح قوله: (هو النوح أخذ عليهن لا ينحن ولا يخلون بحديث الرجال إلا مع ذي محرم.

قال فقال عبد الرحمن بن عوف: إنا نغيب ويكون لنا أضياف، قال: ليس أولئك عنيت.

"فتح الباري" 8/ 640.

وإسناده إلى قتادة صحيح، ولكنه مرسل حيث سقط منه اسم الصحابي الذي رواه انظر: "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 876.

(١٢) (أبي) ساقطة من (ك).

(١٣) انظر: "جامع البيان" 28/ 51، و"الدر" 6/ 210.

(١٤) وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك 6/ 187، ولفظه: قالت: بايعنا رسول الله -  - فقرأ: (أن لا يشركن بالله شيئًا) ونهانا عن النياحة.

(١٥) أم سلمة هي هند بنت أمية بن المغيرة المخزومية، آخر أمهات المؤمنين وفاة، توفيت سنة إحدى وستين، وقيل تسع وخمسين، وقبرت بالبقيع، وهي ابنة أربع وثمانين سنة -  ا- انظر: "الإصابة" 13/ 161، "صفة الصفوة" 2/ 40، "العبر" 1/ 48، و"البداية والنهاية" 8/ 214.

(١٦) أخرجه أحمد في "المسند"، وابن ماجه في سننه، والترمذي في سننه.

(١٧) أخرجه ابن أبي شيبة انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، و"الدر" 6/ 210.

(١٨) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 335، و"التفسير الكبير" 29/ 308، ذكرا نحوه دون نسبة لقائل.

(١٩) في (ك): (تأمر).

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 160، وأخرجه الثعلبي عن الكلبي من غير سند.

"الكشف والبيان" 111 ب.

(٢١) في (ك): (مس).

(٢٢) مما يظهر من سياق المؤلف رحمه الله خلطه بين حديثين أحدهما حديث عائشة ==  ا- وفيه (ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله (قد بايعتك على ذلك) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات 6/ 187، وفي كتاب الطلاق باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي 7/ 64، وروى الحديث الآخر هو حديث أميمة بنت رقيقة، وفيه: فقلن: يا رسول الله.

ابسط يدك نصافحك؛ قال: "أني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكن ..

" الحديث.

رواه أحمد في المسند، وقال ابن كثير: إسناده صحيح، ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، كلهم عن محمد بن المنكدر، عن أميمة.

(٢٣) قال ابن حجر: (أخرجه ابن سعد عن الواقدي، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، نحوه.

وله شاهد في الطبراني، عن عروة بن مسعود، وآخر في تاريخ أصبهان لأبي نعيم في حرف الحاء من حديث أسماء بنت يريد) "تخريجات الكشاف" ص 169.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ ﴾ هذه البيعة بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعهن بالكلام، ولا تمس يده يد امرأة، ورد هذا في الحديث الصحيح عن عائشة ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان ﴾ معناه عند الجمهور أن تنسب المرأة إلى زوجها ولداً ليس له، واختار ابن عطية أن يكون البهتان هنا على العموم، بأن ينسب للرجل غير ولده، أو تفتري على أحد بالقول، أو تكذب فيما ائتمنها الله عليه من الحيض والحمل وغير ذلك، ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ أي لا يعصينك فيما جاءت به الشريعة من الأوامر والنواهي، ومن ذلك النهي عن النياحة وشق الجيوب، ووصل الشعر وغير ذلك مما كان نساء الجاهلية يفعلنه، وورد في الحديث: «أن النساء لما بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المبايعة، فقررهنَّ على أن لا يسرقن قالت هند بنت عتبة وهي امرأة أبي سفيان بن حرب: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليّ إن أخذت من ماله بغير إذنه، فقال لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.

فلما قررهن على أن لا يزنين، قالت هند: يا رسول الله أتزني الحرة؟

فقال عليه الصلاة والسلام: لا تزني الحرة.

يعني في غالب المرأة، وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء فلما قال: ولا يقتلن أولادهن فقالت: نحن ربيناهم صغاراً وقتلتهم أنت ببدر كباراً، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقفهن على أن لا يعصينه في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك» .

وهذه المبايعة للنساء غير معمول بها اليوم، لأنه أجمع العلماء على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر الناسخ، أو يكون ترك هذه الشروط، لأنها قد تقررت وعلمت من الشرع بالضرورة فلا حاجة إلى اشتراطها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ .

المعنى عندنا - والله أعلم -: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ، يعني: قائلات: إنهن مؤمنات.

﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ .

لأنه لو كان على حقيقة الإيمان لم يكن لقوله: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ معنى، فلما أمر بالامتحان ثبت أن تأويل قوله: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ما وصفنا بدءاً.

ومثل هذا ما قال: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ ، وكان المعنى منه: من تكلم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فكذلك يجوز أن يكون المعنى من الأول ما سبق ذكره، والله أعلم.

ثم إن المفسرين ذكروا وصف امتحانهن: أنهن يحلفن بالله ما أخرجهن من دارهن بغض أزواجهن، أو يحلفن أنهن ما أردن بخروجهن أرضا سوى أرضهن؛ وإنما أردن بذلك الإسلام.

وهذا تأويل فاسد؛ وذلك أنها إذا أسلمت كان الحق عليها في دنيها أن تبغض زوجها الكافر، كقوله -  -: ﴿ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ، فكيف يجوز أن يكون صفة امتحانهن ما ذكروا، وحكم الشريعة والدين يوجب ما كن يفعلنه؟!

فلذلك قلنا: إن هذا التأويل - الذي ذكره بعض المفسرين في وصف الامتحان - غير مستقيم.

ويجوز أن يكون تأيول امتحانهن على وجهين: أحدهما: أن يستوصفن عن الإيمان: ما هو؟

فإذا أخبرن عن حقيقة الإيمان علم أنهن مؤمنات.

والثاني: يعرض عليهن ما على المؤمنات في إيمانهن، كما قال -  -: ﴿ وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾ ، فإذا قبلن ذلك كله كان ذلك امتحانهن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِإِيمَانِهِنَّ ﴾ .

هذا يدل على أن الذي كلف به المؤمنون من امتحانهن؛ إنما هو لما يعلمون من إيمانهن في الظاهر وأن الحقيقة إما يعلمها رب العالمين، وهذا يبين أن العلم علمان: علم العلم وعلم الشهادة، فعلم العمل: ما يعلمه الخلق في الظاهر فيعلمون به، وعلم الشهادة: ما يجوز أن يشهد على الله به، وذلك إنما يوصل إليه، وذلك بما يطلعم الله عليه نصا إما بكتاب أو بسنة متواترة عن رسول الله  .

وعلم العمل هو الذي يساغ فيه الاجتهاد، نحو: خبر الآحاد وجهة القياس وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ .

ذكر في القصة "أن رسول الله  صالح عام الحديبية مشركي أهل مكة على أن من أتاه ن أهل مكة فهو عليهم رد، ومن أتى مكة من أصحاب رسول الله  فهو لهم، وغير ذلك، وكتب بذلك كتاباً وهو بالحديبية، فلما فرغ من الكتاب إذ أتت سبيعة مسلمة، فجاء زوجها إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله، رد علي امرأتي؛ فإنك قد شرطت لنا ذلك، وهذه طيبة لم يخف بعد؛ فأنزل الله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ " ، يقول: لا تردوهن إلى أزواجهن الكفار.

﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ .

يقول: لا يحل نكاح مؤمنة لكافر ولا نكاح كافر لمؤمنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ .

يقول: أعطوا زوجها الكافر ما أنفق عليها، على مكان جرى من الصلح بينهم وبين المسلمين: أن ما خرج من نساء أهل مكة إلى المدينة مؤمنات لم يرجعوهن إلى الكفار، وأعطوا أزواجهم ما أنفقوا من المهور، وما خرج من نساء المسلمين مرتدات لم يردوا إلى المدينة، وأعطوا أزواجهن ما أنفقوا.

ثم معلوم أنه كان يؤخذ بإعطاء الصداق وإيتاء ما أنفق غير الذي أخذ الصداق، ولكن كان يؤخذ به من كان من جنسه على ما ذكرنا نظائره فيما تقدم؛ ولذلك قال أصحابنا: إن أهل الإسلام يأخذون من تجار أهل الحرب مجاواة لما يأخذه أهل الحرب من تجار المسلمين، وإنما يؤخذ ذلك ممن كان من جنسه، وأن ذلك غير الذي أخذ منه؛ وعلى ذلك نقول: إن المحنة قد يجوز أن تستوي على البر والفاجر وأن ما ينزل بالآدمي من المحن يجوز ألا يكون جزاء؛ لما تعاطى من الذنوب والسيئات؛ لأن الله -  - أن يجزي كل بعمله: إن شرا فشر، وإن خيراً فخير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

يقول: لا إثم عليكم - يعني: المسلمين - أن تتزجوهن (إذا آتيتموهن مهورهن).

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - أن زينب بنت رسول الله  أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم بعد ذلك زوجها، فردها رسول الله  بالنكاح الأول قبل أن ينزل: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ ، فلما نزلت كان إذا أسلم الزوج، وخرج إلى دار الإسلام انقطعت [الصلة] بالإسلام بينه وبين امرأته، وكذلك المرأة إذا خرجت وبقي الزوج.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ ، قال بعضهم: أي: بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأة بمكة كافرة فلا يقيدن بالمرأة الكافرة؛ فإنها ليست بامرأة له، وقد انقطعت العصمة بينهما.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ : حظر علينا الامتناع والكف والإمساك من نكاح المهاجرة لأجل زوجها الحربي.

وعُصِمَتْ العصمة: المنع،والكوافر يجوز أن يتناول الرجال، وظاهره في هذا الموضع للرجال؛ لأنه في ذلك المهاجرات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ .

يقول: إذا لحقت امرأة المسلم بكفار مكة فأسلوا مهرها من أهل مكمة، وردوا إلى زوجها، ﴿ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ ، يقول: إن جاءت امرأة من أهل مكة مهاجرة إليكم فردوا على زجها المشرك ما أعطاها من المهر؛ وذلك من أجل العهد الذي كان بين أهل مكة وبين النبي  .

وقوله: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ .

يقول: هذا هو حكم الله بين المسلمين والكافر من أهل العهد من أهل مكة في أن يرد بعضهم على بعض النفقة، أي المهر.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

أي: فيما حكم بين المسلمين وأهل العهد ما ذكرنا من الحكم.

وقوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ .

يقول: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار مكة من أهل الحرب ممن ليس بينكم وبينهم عهد، لها زوج عندكم مسلم، ﴿ فَعَاقَبْتُمْ ﴾ : أي: أعقبكم مالا من الغنيمة، ﴿ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ ، من المهر مما أصبتم من الغنيمة قبل القسمة.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

فيما فرض عليكم من هذا.

﴿ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: مصدقون؛ فلا تنقصوه، والله أعلم.

وهكذا روى مسروق، رحمه الله .

وعن الزهري أنه قالك من حكم الله -  -: أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأُمِر المؤمنون إذا ذهبت امرأة مسلمة ولها زود إلا الكفار: أن يردوا إلى زوجها ما أعطاها من المهر من صداق كان في أيديهم مما يودون أن يردوا إلى المشركين بمهاجرة امرأة مسلمة إلينا، وإن لم يكن في أيديهم صداق وجب رده على أهل الحرب فعوضهم من غنيمة أصبتموها.

وأصل هذا - والله أعلم -: وإن فاتكم شيء مما أنفقتم على أزواجكم، ثم ظفرتم على أعدائكم وغنتم - فآتوا الذي ذهبت أزواجهم ما فات عنهم مما أنفقوا؛ فكأنه يقول: واسألوا أولئك الذين ذهبت نساؤكم إليهم ما أنفقتم، فإن سألتم ولم يعطوكم شيئاً، وفاتكم ذلك من ذلك الوجه، ثم قاتلتموهم وغنتم - فأعطوا الذين فات عنهم أزواجهم ما أنفقوا.

قال [المصنف] - رحمه الله -: أعلم بأن هذه الآية تنتظم أحكاماً: أحدها: جواز الاجتهاد والعمل بالعلم الظاهر؛ فإنه قال: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ ، أي: بالاجتهاد والامتحان ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، وهذا حكم مبني على العلم الظاهر؛ دل أن العمل به جائز.

والثاني: أن أحد الزوجين إذا أسلم في دار واحد إما دار الإسلام أو دار الحرب - هل تقع الفرقة بنفس الإسلام أو بانضمام شيء آخر إليه؟

قال بشر المريسي بأن الفرقة تقع للحال من غير انضمام شيء أخر إليه.

وقال الشافعي: إن كانت المرأة مدخولا بها لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة للحال.

وقال أصحابنا: إذا كانا في دار الحرب، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاثا، وإذا كانا في دار الإسلام ذميين، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخرة، فإذا عرض عليه الإسلام وأبى، يفرق بينهما.

فأما بشر: أحتج بظاهر قوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ ؛ فقد أخبر أ نه لا يحل واحدج منهما لصاحبه، ولم يذكر شيئاً آخر؛ فلا يقرن به شيء آخر.

وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإنهم احتجوا، وقالوا: إن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام بقوله: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ \[إذا\] كانت الفرقة واقعة بمجرد الإيمان لم يكن للامتحان معنى، فلما لم يذكر الحرمة إلا بالامتحان ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإيمان.

ويجوز أن يكون مثال هذا قوله -  -: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ؛ فلو كان الزنا يوجب الحرمة لم يكن هو رامياً للزوجة؛ بل إذا قال لها: زنيت؛ فكأنه قال: لم يكن بيني وبينك نكاح، ولما ثبت رمي الزوجات بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ  ﴾ ثبت أن الزنى لا يوجب حرمتها عليه؛ فكذلك الإيمان بمجرده لو كان يحرمها على الأزواج لم يكن للأمر بالامتحان معنى، فلما أمر بالامتحان على إيمانها، بعد أن أظهرت في نفسها الإيمان، ثبت أن الحرمة [لا] تقع بنفس الإيمان حتى ينضم إليه شيء آخر، وتبيين أن العلم بظاهر الآية غير ممكن؛ إذ لا يجري على إطلاقها، والله أعلم.

ودليل ذلك أن أصحاب رسول الله  أولى بتجديد النكاح؛ ثبت أن الفرقة لاتقع بمجرد الإسلام، والله أعلم.

والوجه في ما روي عنه الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على اختلاف الأسباب باختلاف الدارين ونحوه: روي عن ابن عباس -  -: أنهما على النكاح حتى تحيض المرأة ثلاث حيض إذا كانا في دار الحرب.

وعن علي -  -: أنهما على النكاح بينهما الهجرة.

وعن عمر -  -: أنهما إذا كانا في دار الإسلام، فأسلم أحدهما فهما على النكاح حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر.

فهؤلاء قد ثبت عنهم أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام إلا أن يضامه شيء آخر، ولم يثبت عن غيرهم خلاف ذلك؛ فيكون إجماعا؛ فلذلك أخذ أصحابنا - رحمهم الله - بقولهم، والله أعلم.

والثالث: أن أحد الزوجين إذا خرج إلى دار الإسلام مهاجراً، وبقي الآخر في دار الحرب - تقع الفرقة بينهما عندنا.

وعند الشافعي: لا تقع الفرقة بتباين الدارين؛ قال: لأن المسلم إذا دخل بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إينا بأمان لم يقع الفرقة بينه وبين زوجته؛ وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ودخل أحدهما إلى دار الإسلام لم يقع الفرقة؛ فعلم أنه لا يعتبر باختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.

ولكن عندنا ليس معنى اختلاف الدارين ما ذكر؛ إنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام: إما بالإسلام أو بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب أي: يكون حربيّاً كافراً.

فأما إذا كانا مسلمين فيهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيماً في دار الحرب والآخر في دار الإسلام، وفي هذه الآية دلالة على ما قلنا من وجوه: أحدها: أنه قال: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، ولو كانت الزوجية باقية بعد التباين، لكن الزوج أولى بها، وبأن تكون معه، فلا معنى للنهي عن الرجوع إلى الزوج الكافر.

وكذا قال - عز وجل -: ﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ : أثبت الحرمة بين المهاجرات وأوزاجهن، ولا يتصور بقاء النكاح في غير محل الحل.

أو كأن معناه تحريم الاستمتاع، ولكن النكاح لما لم يكن المقصود إلا الاستمتاع وما هذا من آثاره؛ فكان في تحريم الاستمتاع تحريم النكاح.

وكذا قوله -  -: ﴿ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ دليل عليه أيضاً؛ فإنه أمر برد مهرهن إلى الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج استرداد المهر؛ لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله.

وكذا قوله -  -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ولو كان نكاح الأول باقياً، لما جاز للمسلم في دار الإسلام أن يتزوجها.

وكذا قال الله -  -: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ : نهانا عن الإمساك والامتناع من تزويجها لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته؛ دل أن الحرمة تقع بالتباين.

ودليل آخر من جهة المعقول على ما ذكرنا، وهو أنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة حتى يحل للسابي وطء المسبية بعد الاستبراء، فإما أن تقع الفرقة بإسلامها، وقد اتفق الجمهور من الفقهاء على أنه لا تقع الفرقة بنفس الإسلام إذا كان بعد الدخول - ما لم ينضم إليه شيء آخر - أو بحدوث الملك للسابي، ومعلوم أن الملك لا يمنع النكاح؛ ألا ترى أنه يجوز ابتداء العقد على المملوك؛ ولهذا لو بيعت الجارية لم تقع الفرقة، وإن وجد الملك فيها للمشتري، وكذلك إذا مات رجل وخلف أمة منكوحة: ثبت الملك فيها للوارث ولا يبطل النكاح.

وإذا لم يثبت الفرقة بهذين الوجهين - لم يبق إلا تباين الدارين؛ فدل أن سبب الفرقة هو تباين الدارين في المسبية، والتابين موجود في المهاجرة، والله أعلم.

فإن احتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رد النبي  بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد سنين" ، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها مشركاً بمكة، ثم ردها عليه بالنكاح الأول؛ فدل أن اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة.

فنقول له: لا يصح الاحتجاج به من وجوه: أحدها: أنه رها بعد ست سنين بالنكاح الأول؛ ولا خلاف بين الفقهاء لا يرد إلى الزوج بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض، وملعوم أنه ليس في العادة ألا يكون ثلاث حيض في ست سنين؛ فسقط الاحتجاج به.

والثاني: أنه روي عن عكرمة عن ابن عباس -  ما - أنه قال في اليهودية تسلم قبل زوجها: "إنها أملك بنفسها"، فكان من مذهبه أن الفرقة وقعت بإسلامها، والراوي متى عمل بخلاف ما روى؛ دل على انتساخ ذلك؛ إذ لا يظن به أنه خالف رسول الله  .

والثالث: أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن النبي  رد بنته زينب -  ا - على أبي العاص بنكاح ثانٍ؛ فوقع التعارض بين الحديثين؛ فبطل احتجاجه بالحديث.

ثم الترجيح لما رويناه؛ لأن فيما رواه إخباراً عن كونها زوجهة له بعدما أسلم الزوج، ولم يعلم حدوث عقد ثانٍ.

وفي حديث عمرو بن شعيب إخبار عن حدوث عقد ثانٍ بعد إسلامه، والثاني: إخبار عن معنى حادث علمه، وهذا كما رجحنا حديث ابن عباس -  - أن النبي  تزوج ميموننة وهو محرم على حديث يزيد الأصم: أنه تزوجها وهو حلال؛ لأن في حديث ابن عباس -  - إخبارا عن حالة حادثة.

وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، ولحديث بريرة أنه كان زوجها حرّاً حتى أعتقت، ورواية من روى أنه كان عبداً يكون الأول أولى؛ لإخباره عن حال حادثة والثاني إخبار عن ظاهر الحالح؛ فكان الأول أولى؛ فكذلك هذا.

والرابع: أن المهاجرة لا عدة عليها عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعلى قولهما: عليها العدة.

وهذه الآية دليل لأبي حنيفة - رحمه الله - من وجوه: فإنه - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ : نهى عن الرد إلى الزوج الأول، ولو كانت عليها العدة، لكان للزوج أن يردها إلى مسكنة لتعتد؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم  ﴾ : كيف أمر الأزواج بإسكانهن في بيوتهن ما دمن في عدتهن، فلما قال - هاهنا -: ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ دل على [ان] لا عدة عليها.

وكذا قال: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ فأباح نكاحها مطلقاً من غير ذكر العدة.

وكذا قال: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ ، ولو كانت العدة عليه واجبة لكانت باقية بقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  ﴾ ؛ ألا تراه كيف جعل العدة في حقه، وإذا كان للزوج عليها حق كانت هي في عصمته، وقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ يوجب قطع العصمة، فلما كان في إيجاب العدة إبقاء العصمة بينهما، ونهى الله -  - عن ذلك؛ فقطعناها وأسقطنا العدة عنها، والله أعلم.

ولأنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة وسقطت العدة، والملك ليس بسبب لإسقاط العدة؛ ولكنه سبب لنقص العدة، فلما سقطت العدة عند السبي والمهاجرة، والسبي لا يوجب الإسقاط دل [على] سقوط العدة لاختلاف الدارين، والله أعلم.

والخامس: فيه دليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ حكمه بترك الناس العمل؛ فإن في قوله: ﴿ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس إنما أجمعوا على تركه، وهذا وأمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى، ثم ينعدم، [و]ما لا يعقل معناه يجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس، ولا يجوز لهم الإجماع على تركه، ولا يتحقق الإجماع على ذلك وجماعة من أصحابنا قالوا: إنه صار منسوخاً بقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ  ﴾ ، وبقوله -  -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيبة من نفسه" ، والله أعلم.

والسادس: في قوله -  -: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ دلالة على أنه سوى في الحكم بين أموالنا وأموالهم ثم الإجماع جرى على أنا إذا غلبنا على أموال أهل الحرب ملكناها، فكذلك إذا غلبوا على أموالنا يجب أن يملكوها، وفيما أوجب من الحرمة إذا جاءت النسوة إلينا مؤمنات مهاجرات - دلالة على أن الأحكم في الأنفس مختلفة؛ وعلى هذا ما خلف كل واحد منهما من المال في الدار التي هاجر منها إلى أخرى أنه يصير فيئاً؛ لما لم يرو عن أصحاب رسول الله  أنه لما فتح مكة أن يكون تفحص عن شيء من ملك الأموال التي كانت مخلفة حين هاجروا إلى المدينة؛ فلا بد أن يكون ذلك للتوارث، أو لما ذكرنا أنها تكومن فيئاً لهم، ومعلوم أن التوارث بين أهل الإسلام وأهل الكفر منقطع، وإذا بطل وجه التوارث ثبت الوجه الآخر، والله أعلم.

والسابع: في قوله: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ دلالة على وجوب العدل بين الأعداء، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ  ﴾ ، وقال - هاهنا -: ﴿ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ سوى بين أموالنا وأموالهم، وهو العدل؛ فكأنه يقول: ذلك [الذي] أمر من العدل بينكم وبين أعدائكم حكم الله يحكم بينكم، لكي إذا علموا أن العداوة لا تحملكم على ترك العدل - حملهم ذلك على التآليف والتعطف، وعلموا أنكم إذا تركتم شهواتكم وأنفقتم العدل والتسوية: فليس ذلك من عندكم، ولكن من عند الله -  - فرغبهم ذلك في الإسلام؛ فكأنه قال: ذلك الذي أمر من العدل وجعله سبباً، يرغب أعداءكم في الإسلام، ويحملهم على التآلف ﴿ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ، يعني: بما أمر من العدل والتسوية، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ فدل أن العدل واجب بينهم، والله الموفق.

والثامن: في الآية دلالة على أن النساء إذا ارتدن لم يقتلن؛ فإنه قال: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ؛ ثبت أنهم إذا لم يعلموهن مؤمنات رجعوهن إلى الكفار؛ لما كان جرى بينهم من الصلح، ومعلوم أنه إذا رجعن إلى الكفار بعدما أظهرن الإيمان كن مرتدات، ولو كانت المرتدة تقتل كلان إذا ظهر ذلك عندهم قتلوها ولم يرجعوها إلى الكفار، فلما ثبت بما وصفنا أنهم كانوا يصرفون النساء إليهم مع علمهم أنهن مرتدات ثبت أن المرتدة لا تقتل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...

﴾ الآية.

المبايعة والهجرة كانتا واجبتين في عهد النبيي  ، ومعناهما اليوم واجب أيضاً: وذلك أن الهجرة إنما كانت من مكة إلى المدينة؛ لما كان أحدهم إذا أسلم يخاف على نفسه من فساد الدين بالكفران لو قأم بين أظهرهم، وكان أيضاً يحتاج إلى علم الشرائع والأحكام، وإنما ارتفعت الهجرة اليوم من مكة إلى المدينة.

فأما واجد من أهل الحرب إذا أسلم وخشي على نفسه فساد الدين بالكفران لو أقام بين أظهرهم، فالواجب عليه أن يهاجر منها إلى دار الإسلام؛ ليأمن فساد دينه، ويحصل على علم الشرائع.

وأما المبايعة فإن معناها في النساء: ترغيب الكفرة في الإسلام، وفي الرجال: حمل الكفرة إلى الإسلام، وذلك أن الذي أمر به النساء من المبايعة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، والكفرة إذا علموا أن هذا يؤمر فيه بمحاسن الأمور: رغبهم ذلك في الإسلام.

والذي أمر به الرجال إنما هو من جهة النصر والمجاهدة مع النبي  وذلك يظهر الإسلام ويبين، وهذان المعنيان على كل في نفسه في زماننا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ .

يتوجه إلى الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْرِقْنَ ﴾ .

يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال كافة، والنقصان عن العبادة جملة؛ لأنه يقال: أسرقُ السارق من سرق من صلاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزْنِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون على حقيقة الزنا وعلى دواعيه؛ على ما روي من قوله -  -: "اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصق ذلك أو يكذبه".

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ .

يحتمل أن يكون نهياً عن إلحاق الولد بأزواجهن وهن يعلمن أنه من الزنا، وهكذا روي عن ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ .

فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، يجوز أن يكون هذا كناية عن الأمر؛ لأنه بين النواهي والمناكير، ثم قال الله -  -: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ ؛ فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ﴾ ، ولم يقل هاهنا: امتحنوهن، كما قال في المهاجرات، وعنى ذلك عندنا وجهان: أحدهما: أنه قد تبين هاهنا وجه الامتحان بقوله: ﴿ لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ ﴾ ، فاستغنى عن ذكر الامتحان.

والوجه الثاني: أن المهاجرات إنما كن يأتين من دار الحرب، ولم يكن علمن الشرائع؛ فاحتجن إلى الامتحان، وأما هؤلاء: كن في دار الإسلام، وقد علمن شرائعه؛ فلم يذكر الامتحان لذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ﴾ هذا يدل على أن الكبائر لا تخرجهن عن الإيمان؛ لأنه يعلم أن الاستغفار لما يجيء منهم من تضييع هذه الحدود ولو كن يخرجن بتضييعها من الإيمان لم يؤمر النبي  بالاستغفار لهن؛ لأن الاستغافار طلب المغفرة، ويستحيل أن يطلب منه مغفرة من ليس له غفران؛ فدل على ما وصفنا: أن ارتكاب الكبائر لا يخرج صاحبه من الإيمان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها النبي، إذا جاءك النساء المؤمنات يُبايعنك -مثل ما حدث في فتح مكة- على ألا يشركن بالله شيئًا، بل يعبدنه وحده، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهنّ جريًا وراء عادة أهل الجاهلية، ولا يُلْحِقن بأزواجهنّ أولادهنّ من الزنى، ولا يعصينك في معروف من مثل نهيه عن النياحة والحلق وشق الجيب-: فبايعهنّ، واطلب لهنّ المغفرة من الله لذنوبهنّ بعد مبايعتهنّ لك، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.qoaLn"

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله