الآية ١٣ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ١٣ من سورة الممتحنة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا۟ مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينهى تبارك وتعالى عن موالاة الكافرين في آخر " هذه السورة " كما نهى عنها في أولها فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) يعني : اليهود والنصارى وسائر الكفار ، ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد ، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء وقد يئسوا من الآخرة ، أي : من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله عز وجل .

وقوله : ( كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) فيه قولان ، أحدهما : كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك ; لأنهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا ، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه .

قال العوفي ، عن ابن عباس : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) إلى آخر السورة ، يعني من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله عز وجل .

وقال الحسن البصري : ( كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) قال : الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات .

وقال قتادة : كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا .

وكذا قال الضحاك .

رواهن ابن جرير .

والقول الثاني : معناه : كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير .

قال الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود : ( كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) قال : كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه .

وهذا قول مجاهد ، وعكرمة ، ومقاتل ، وابن زيد ، والكلبي ، ومنصور .

وهو اختيار ابن جرير .

آخر تفسير سورة الممتحنة ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) من اليهود (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: قد يئس هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله في الآخرة، وأن يُبعثوا، كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم الذين هم في القبور أن يرجعوا إليهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) ...

الآية، يعني من مات من الذين كفروا، فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسين أنه قال في هذه الآية: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ) يقول: يئسوا أن يُبعثوا كما يئس الكفار أن ترجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ) ...

الآية، الكافر لا يرجو لقاء ميته ولا أجره.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) يقول من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء منهم أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد يئسوا من الآخرة أن يرحمهم الله فيها، ويغفر لهم، كما يئس الكفار الذين هم أصحاب قبور قد ماتوا وصاروا إلى القبور من رحمة الله وعفوه عنهم في الآخرة، لأنهم قد أيقنوا بعذاب الله لهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الآية (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ) ...

الآية قال: أصحاب القبور الذين في القبور قد يئسوا من الآخرة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) قال: من ثواب الآخرة حين تبين لهم عملهن، وعاينوا النار.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ) ...

الآية، قال: أصحاب القبور قد يئسوا من الآخرة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الكلبي: قد يئسوا من الآخرة، يعني اليهود والنصارى، يقول: قد يئسوا من ثواب الآخرة وكرامتها، كما يئس الكفار الذين قد ماتوا فهم في القبور من الجنة حين رأوا مقعدهم من النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله (لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا ) ...

الآية، قال: قد يئس هؤلاء الكفار من أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار الذين ماتوا الذين في القبور من أن تكون لهم آخرة، لما عاينوا من أمر الآخرة، فكما يئس أولئك الكفار، كذلك يئس هؤلاء الكفار؛ قال: والقوم الذين غضب الله عليهم، يهودهم الذين يئسوا من أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار قبلهم من أصحاب القبور، لأنهم قد علموا كتاب الله وأقاموا على الكفر به، وما صنعوا وقد علموا.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، في قوله: (يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ) ...

الآية، قال: قد يئسوا أن يكون لهم ثواب الآخرة، كما يئس من في القبور من الكفار من الخير، حين عاينوا العذاب والهوان.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله لهم في الآخرة، وكرامته لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على علم منهم بأنه لله نبيّ، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم &; 23-349 &; على مثل الذي هؤلاء عليه من تكذيبهم عيسى؛ صلوات الله عليه وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم.

وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية، لأن الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يُبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجه لأن يخصّ بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون.

آخر تفسير سورة الممتحنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبورقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم يعني اليهود .

وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم فنهوا عن ذلك .

قد يئسوا من الآخرة يعني اليهود قاله ابن زيد .

وقيل : هم المنافقون .

وقال الحسن : هم اليهود والنصارى .

قال ابن مسعود : معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا .

وقيل : المعنى يئسوا من ثواب الآخرة ، قاله مجاهد .ومعنى كما يئس الكفار أي الأحياء من الكفار .من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم ; قاله الحسن وقتادة .

قال ابن عرفة : وهم الذين قالوا : وما يهلكنا إلا الدهر .

وقال مجاهد : المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا .وقيل : إن الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار ; وهي خطاب لحاطب بن أبي بلتعة وغيره .

قال ابن عباس : يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا أي لا توالوهم ولا تناصحوهم ; رجع تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة .

يريد أن كفار قريش قد يئسوا من خير الآخرة كما يئس الكفار المقبورون من حظ يكون لهم في الآخرة من رحمة الله تعالى .

وقال القاسم بن أبي بزة في قوله تعالى : قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور قال : من مات من الكفار يئس من الخير .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: يا أيها المؤمنون، إن كنتم مؤمنين بربكم، ومتبعين لرضاه ومجانبين لسخطه، { لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } وإنما غضب عليهم لكفرهم، وهذا شامل لجميع أصناف الكفار.

{ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ } أي: قد حرموا من خير الآخرة، فليس لهم منها نصيب، فاحذروا أن تولوهم فتوافقوهم على شرهم وكفرهم فتحرموا خير الآخرة كما حرموا ،وقوله { كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } حين أفضوا إلى الدار الآخرة، ووقفوا على حقيقة الأمر وعلموا علم اليقين أنهم لا نصيب لهم منها.

ويحتمل أن المعنى: قد يئسوا من الآخرة أي: قد أنكروها وكفروا بها، فلا يستغرب حينئذ منهم الإقدام على مساخط الله وموجبات عذابه وإياسهم من الآخرة، كما يئس الكفار المنكرون للبعث في الدنيا من رجوع أصحاب القبور إلى الله تعالى.تم تفسير سورة الممتحنة،والحمد لله رب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) وهم اليهود وذلك أن أناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتوصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم فنهاهم الله عن ذلك ( قد يئسوا ) يعني هؤلاء اليهود ( من الآخرة ) بأن يكون لهم فيها ثواب وخير ( كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) أي : كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم حظ وثواب في الآخرة .

قال مجاهد : الكفار حين دخلوا قبورهم أيسوا من رحمة الله .

قال سعيد بن جبير : يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الذين ماتوا فعاينوا الآخرة .

وقيل : كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم» هم اليهود «قد يئسوا من الآخرة» من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم النبي مع علمهم بصدقه «كما يئس الكفار» الكائنون «من أصحاب القبور» أي المقبورين من خير الآخرة، إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا وما يصيرون إليه من النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تتخذوا الذين غضب الله عليهم؛ لكفرهم أصدقاء وأخلاء، قد يئسوا من ثواب الله في الآخرة، كما يئس الكفار المقبورون، من رحمة الله في الآخرة؛ حين شاهدوا حقيقة الأمر، وعلموا علم اليقين أنهم لا نصيب لهم منها، أو كما يئس الكفار مِن بَعْث موتاهم -أصحاب القبور-؛ لاعتقادهم عدم البعث.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بنداء للمؤمنين ، نهاهم فيه عن موالاة أعدائه وأعدائهم ، اختتمها - أيضا - بنداء لهم ، نهاهم فيه مرة أخرى عن مصافاة قوم قد غضب الله عليهم ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .

.

.

) .المراد بالقوم الذين غضب الله عليهم : المشركون ، بصفة عامة ، ويدخل فيهم دخولا أوليا اليهود ، لأن هذا الوصف كثيرا ما يطلق عليهم .فقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية ، أن قوما من فقراء المؤمنين ، كانوا يواصلون اليهود .

ليصيبوا من ثمارهم ، وربما أخبروهم عن شىء من أخبار المسلمين ، فنزلت الآية لتنهاهم عن ذلك .أى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان ، ينهاكم الله - تعالى - عن أن تتخذوا الأقوام الذين غضب الله عليهم أولياء ، وأصفيا ، بأن تفشوا إليهم أسرار المسلمين ، أو بأن تطلعوهم على مالا يصح الاطلاع عليه .وقوله - تعالى - : ( قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور ) تعليل للنهى عن موالاتهم ، وتنفير من الركون إليهم .واليأس : فقدان الأمل فى الحصول على الشىء ، أو فى توقع حدوثه .والكلام على حذف مضاف ، أى قد يئس هؤلاء اليهود من العمل لللآخرة وما فيها من ثواب ، وآثروا عليها الحياة الفانية .

.

.

كما يئس الكفار من عودة موتاهم إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء ، لاعتقادهم بأنه لا بعث بعد الموت ، ولا ثواب ولا عقاب - كما حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - ( قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) فالمقصود من الآية الكريمة ، تشبيه حال هؤلاء اليهود فى شدة إعراضهم عن العمل للأخرة .

.

.

بحال أولئك الكفار الذين أنكروا إنكارا تاما ، أن هناك بعثا للأموات الذين فارقوا الحياة ، ودفنوا فى قبورهم .وعلى هذا الوجه يكون قوله - تعالى - : ( مِنْ أَصْحَابِ القبور ) متعلق بقوله ( يَئِسُواْ ) و ( مِنْ ) لابتداء الغاية .ويصح أن يكون قوله - تعالى - : ( مِنْ أَصْحَابِ القبور ) بيانا للكفار ، فيكون المعنى : قد يئسوا من الآخرة ، وما فيها من جزاء .

.

كما يئس الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور ، من أن ينالوا شيئا - ولو قليلا - من الرحمة ، أو تخفيف العذاب عنهم ، أو العودة إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا غير الذى أرداهم وأهلكهم .وعلى كلا القولين ، فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة قوم غضب الله عليهم ، بأبلغ أسلوب ، وأحكم بيان .حيث وصفت هؤلاء القوم ، بأنهم قد أحاط بهم غضب الله - تعالى - بسبب فسوقهم عن أمره ، وإعراضهم عن طاعته ، وإنكارهم للدار الآخرة وما فيها من جزاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال ابن عباس: يريد حاطب ابن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين، وذلك لأن جمعاً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم، فنهوا عن ذلك ويئسوا من الآخرة، يعني أن اليهود كذبت محمداً صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنه رسول الله وأنهم أفسدوا آخرتهم بتكذيبهم إياه فهم يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، والتقييد بهذا القيد ظاهر، لأنهم إذا ماتوا على كفرهم كان العلم بخذلانهم وعدم حظهم في الآخرة قطعياً، وهذا هو قول الكلبي وجماعة، يعني الكفار الذين ماتوا يئسوا من الجنة، ومن أن يكون لهم في الآخرة خير، وقال الحسن: يعني الأحياء من الكفار يئسوا من الأموات، وقال أبو إسحاق: يئس اليهود الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي أنّ بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم.

فقيل لهم ﴿ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً ﴾ مغضوباً عليهم ﴿ قَدْ يَئِسُواْ ﴾ من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة ﴿ كَمَا يَئِسَ الكفار ﴾ من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء.

وقيل: ﴿ مِنْ أصحاب القبور ﴾ بيان للكفار، أي: كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة؛ لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي عامَّةَ الكُفّارِ أوِ اليَهُودِ.

إذْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ كانُوا يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ.

﴿ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ لِكُفْرِهِمْ بِها أوْ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم لا حَظَّ لَهم فِيها لِعِنادِهِمُ الرَّسُولَ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ المُؤَيِّدَ بِالآياتِ.

﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ أنْ يُبْعَثُوا أوْ يُثابُوا أوْ يَنالُهم خَيْرٌ مِنهُمْ، وعَلى الأوَّلِ وُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ آيَسَهم.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُمْتَحِنَةِ كانَ لَهُ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ شُفَعاءَ يَوْمَ القِيامَةِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ختم السورة بما بدأ به قيل هم المشركون {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الأخرة} من ثوابها لأنهم ينكرون البعث

{كَمَا يَئِسَ الكفار} أي يئسوا إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير {من أصحاب القبور} ان يرجعوا اليه أو كما يئس أسلافهم الذين هم في القبور من الآخرة أي هؤلاء كسلفهم وقيل هم اليهود أي لا تتولوا قوماً مغضوباً عليهم قد يئسوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه الرسول في التوراة كما يئس الكفار من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء وقيل من أصحاب القبور بيان للكفار أي كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم والله اعلم

سورة الصف مدنية وهي أربع عشرة آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ ومُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُمُ اليَهُودُ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَبَّرَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هم عامَّةُ الكَفَرَةِ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: مُتَّصِلَةٌ بِخاتِمَةِ قِصَّةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ نُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ  ﴾ وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ ﴾ إلَخْ مُسْتَطْرَدٌ فَإنَّهُ لَمّا جَرى حَدِيثُ المُعامَلَةِ مَعَ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ والَّذِينَ يُقاتِلُونَهم وقَدْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِمَبَرَّةِ أُولَئِكَ والنَّهْيِ عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ أتى بِحَدِيثِ المُعامَلَةِ مَعَ نِسائِهِمْ، ولَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ أوْصَلَ الخاتِمَةَ بِالفاتِحَةِ عَلى مِنوالِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وفي الِانْتِصافِ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ نَفْسَها مِن بابِ الِاسْتِطْرادِ وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ: بِأنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ اليَهُودُ أوْ أهْلُ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ، والمُرادُ قَدْ يَئِسُوا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ وثَوابِها لِعِنادِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَنعُوتَ في كِتابِهِمُ المُؤَيِّدِ بِالآياتِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ، وإذا أُرِيدَ بِالقَوْمِ الكَفَرَةُ فَيَأْسُهم مِنَ الآخِرَةِ لِكُفْرِهِمْ بِها.

﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أصْحابُ القُبُورِ أيِ الكُفّارِ المَوْتى عَلى أنَّ ”مِنَ“ بَيانِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ يَأْسَ هَؤُلاءِ مِنَ الآخِرَةِ كَيَأْسِ الكُفّارِ الَّذِينَ ماتُوا وسَكَنُوا القُبُورَ وتَبَيَّنُوا حِرْمانَهم مِن نَعِيمِها المُقِيمِ، وقِيلَ: كَيَأْسِهِمْ مِن أنْ يَنالَهم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ الأحْياءِ، والمُرادُ وصْفُهم بِكَمالِ اليَأْسِ مِنَ الآخِرَةِ، وكَوْنُ ”مِن“ بَيانِيَّةً مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَماعَةٍ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسُوا مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا ويَلْقَوْهم في دارِ الدُّنْيا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، فالمُرادُ بِالكُفّارِ أُولَئِكَ القَوْمُ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا لِكُفْرِهِمْ وإشْعارًا بِعِلَّةِ يَأْسِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي الزِّنادِ كَما يَئِسَ الكافِرُ - بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

* * * هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ» ما قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ لِلسّالِكِ إلى تَرْكِ مُوالاةِ النَّفْسِ الإمارَةِ وإلْقاءِ المَوَدَّةِ إلَيْها فَإنَّها العَدُوُّ الأكْبَرُ كَما قِيلَ: أعْدى أعْدائِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وهي لا تَزالُ كارِهَةً لِلْحَقِّ ومُعارِضَةً لِرَسُولِ العَقْلِ نافِرَةً لَهُ ولا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ حَتّى تَكُونَ مُطَمْئِنَةً راضِيَةً مَرْضِيَّةً، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَتى أطاعَتِ النَّفْسُ وأُمِنَ جِماحُها جازَ إعْطاؤُها حُظُوظَها المُباحَةَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما رُوِيَ أنَّ ««لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى مُبايَعَةِ المُرْشِدِ المُرِيدِ الصّادِقِ ذا النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ وذَلِكَ أنْ يُبايِعَهُ عَلى تَرْكِ الِاخْتِيارِ وتَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْ لا يَرْغَبَ فِيما لَيْسَ لَهُ بِأهْلٍ، وأنْ لا يَلِجَ في شَهَواتِ النَّفْسِ، وأنْ لا يَئِدَ الوارِدَ الإلْهامِيَّ تَحْتَ تُرابِ الطَّبِيعَةِ، وأنْ لا يَفْتَرِيَ فَيَزْعُمُ أنَّ الخاطِرَ السَّرِيَّ خاطِرُ الرُّوحِ وخاطِرَ الرُّوحِ خاطِرُ الحَقِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنْ لا يَعْصِيَ في مَعْرُوفٍ يُفِيدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في ضِمْنِ المُبالَغَةِ أنْ يَسْتُرَ صِفاتِهِ بِصِفاتِهِ ووُجُودَهُ بِوُجُودِهِ، وحاصِلُهُ أنْ يُطْلَبَ لَهُ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ وذَلِكَ فَضْلٌ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ يعني: إذا ارتدت امرأة ولحقت بدار الحرب، فعاقبتم يعني: فغنم من المشركين شيئاً، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ من الغنيمة مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا من الغنيمة، مثل الذين أعطوا نساءهم من المهر.

وهذه الآية منسوخة بالإجماع.

قرأ إبراهيم النخعي: فعاقبتم بغير ألف، وعن مجاهد أنه قرأ: فَعاقَبْتُمْ وقراءة العامة فَعاقَبْتُمْ فذلك كله يرجع إلى معنى واحد يعني: إذا غلبتم العبد واعتصمتم، واصبتموهم في القتال.

وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم.

الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: مصدقين.

ثم قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ يعني: النساء إذا أسلمن، فبايعهن عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، يعني: لا يعبدن غير الله.

وَلا يَسْرِقْنَ، يعني: لا يأخذن مال أحد بغير حق.

وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: ولا يقتلن بناتهن، كما قتلن في الجاهلية ويقال: لا يشربن دواءً، فيسقطن حملهن.

ثم اختلفوا في مبايعة النساء، وقال بعضهم: وضع رسول الله  ثوباً وأخذ في الثوب، وقال بعضهم: كان يشيرهن رسول الله  ويصافحهن عمر، وذكر أن النبيّ  لما فتح مكة، وفرغ من مبايعة الرجال، وهو على الصفا، وعمر بن الخطاب-  - أسفل منه، فبايع النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن.

فقالت هند، امرأة أبي سفيان: إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنْ مَالِ أبِي سُفْيَان، فَلاَ أدْرِي أَحَلاَلٌ أمْ لا؟

فقال أبو سفيان: نَعَمْ مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا غَبَرَ.

فقال النبيّ  : عَفَا الله عَمَّا سَلَف.

وفي خبر آخر، أنها قالت: أرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِنِي مَا يَكْفِينِي وَلِوَلَدي، هَلْ يَحِلُّ لِي أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ؟

فقال النبيّ  : «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَلِوَلَدِكِ بِالمَعْرُوفِ» .

ثم قال: وَلا يَزْنِينَ فلما قال ذلك، قالت هند: أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟

فضحك عمر عند ذلك، ثم قال: تَعَالَيْ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: لا يقتلن بناتهن الصغار، فقالت هند: ربيناهم صغاراً أفنقتلهم كباراً؟

فتبسم النبيّ  ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعني: لا تجيء بصبي من غير زوجها، فتقول للزوج: هو منك.

فقالت هند: إنَّ البُهْتَانَ أَفْحَشُ وَمَا تَأْمُرْنَا إلاَّ بالرّشد.

ثم قال عز وجل: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: في طاعة مما أمر الله تعالى، ويقال: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: فيما نهيتهن عن النوح وتمزيق الثياب، أو تخلو مع الأجنبي، أو نحو ذلك، فقالت هند: ما جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسِ وَفِي أَنْفُسِنَا أَنْ نَعْصِيكَ فِي شَيْءٍ ثم قال فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ يعني: إذا بايعن على ذلك، فاسأل الله لهن المغفرة لما كان في الشرك.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لهن ما كان في الشرك رحيم فيما بقي.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين، يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم وطعامهم وشرابهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: لا تتخذوا الصداقة مع قوم غضب الله عليهم، ويقال: هَذَا أَيضاً في حاطب بن أبي بلتعة.

ثم قال عز وجل: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال مقاتل: وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، أتاه ملك شديد الانتهار، فيجلسه، ثم يسأله: من ربك، وما دينك، ومن رسولك؟

فيقول: لا أدري.

فيقول الملك: أبعدك الله، انظر يا عدو الله إلى منزلك.

فينظر إليه من النار، فيدعو بالويل والثبور، فيقول: هذا لك يا عدو الله.

فيفتح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا لمن آمن بالله تعالى، فلو كنت آمنت بربك نزلت الجنة.

فيكون حسرة عليه، وينقطع رجاؤه منها.

وعلم أنه أبعد له فيها، ويئس من خير الجنة، فذلك قوله تعالى: للكفار أهل الدنيا الأحياء منهم قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يعني: من خير الآخرة، لأنهم كذبوا بالثواب والعقاب، وهم آيسون من الجنة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، إذا عرف منازله ويقال: إن الكفار إذا مات منهم أحد، يئسوا من رجوعه، فيقال: قد يئس هؤلاء من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور من رجوعهم ويقال: يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يعني: هؤلاء الكفار كما يئس الكفار الذين كانوا قبلهم من الآخرة وهو اليوم من أصحاب القبور والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ...

الآية: هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على الصَفَا، وهي كانت في المعنى بَيْعَةِ الرجال قَبْلَ فرض القتال.

ت: وخرَّج البخَاريُّ بسنده عن عائشة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كَانَ/ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بهذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ الآية «١» .

وكذا روى البخاريُّ من طريق ابن عباس أَنَّهُ ع تَلاَ عَلَيْهِنَّ الآيةَ يَوْمَ الْفِطْرَ عَقِبَ الصَّلاَةِ «٢» ، وَنَحْوُهُ عن أُمِّ عطيةَ في البخاري: «وَقَرَأَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ أيْضاً في ثَانِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ» «٣» وكلام ع: يُوهِمُ أَنَّ الآيةَ نزلت في بيعة النساء يومَ الفتح، وليس كذلك وإنَّما يريد أَنَّه أعاد الآيةَ على مَنْ لم يبايعه من أهل مَكّة لِقُرْبِ عهدهم بالإسلام، واللَّه أعلم، والإتيان بالبهتان: قال أكثر المفسرين: معناه أنْ تَنْسِبَ إلى زوجها ولداً ليس منه، قال ع «٤» : واللفظ أَعَمُّ من هذا التخصيص.

وقوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ: يعم جميع أوامر الشريعة، فَرْضَهَا وَنَدْبَهَا، وفي الحديث: «أَنَّ جَمَاعَةَ نُسْوَةٍ قُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى كَذَا وَكَذَا الآية، فلمّا فرغن قال صلّى الله عليه وسلّم: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا لأَنْفُسِنَا» «٥» .

وقوله تعالى: فَبايِعْهُنَّ أي: أمض لَهُنَّ صفقة الإيمان بأنْ يُعْطِينَ ذلك من أنفسهن، ويُعْطَيْنَ عليه الجَنَّةَ، واخْتُلِفَ في هيئة مبايعته صلّى الله عليه وسلّم النساءَ بعد الإجماع على أَنَّهُ لم تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرأة أجنبيَّةٍ قَطُّ والمرويُّ عن عائشةَ وغيرِها: «أَنَّهُ بَايَعَ بِاللِّسَانِ قَوْلاً، وقال: إنّما قولي

لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» «١» .

وقَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: هم اليهود في قول ابن زيد وغيره «٢» ، ويأسهم من الآخرة: هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها، وقال ابن عباس «٣» : قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: في هذه الآية/ كُفَّارُ قريش.

وقوله: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ: على هذا التأويل هو على ظاهره في اعْتِقَادِ الكَفَرَةِ إذَا مَاتَ لَهُمْ حَمِيمٌ قَالوا: هَذَا آخِرُ العَهْدِ به لا يبعث أبدا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ اليَهُودَ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ كانُوا يُخْبِرُونَ اليَهُودَ أخْبارَ المُسْلِمِينَ، يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ وطَعامِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا، وهم يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ، قَدْ يَئِسُوا مِن أنْ يَكُونَ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ، والمَعْنى: قَدْ يَئِسُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَّحِيحُ.

وقالَ قَتادَةُ: قَدْ يَئِسُوا أنْ يُبْعَثُوا، ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن بَعْثِ مَن في القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كَما يَئِسَ الكُفّارُ الَّذِينَ ماتُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، لِأنَّهم أيْقَنُوا بِالعَذابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِنَ أصْحابِ القُبُورِ ﴾ هَذِهِ بَيْعَةُ النِساءِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى جَبَلِ الصَفا، وهي كانَتْ في المَعْنى بَيْعَةُ الرِجالِ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، وسَمّاهم تَبارَكَ وتَعالى: "المُؤْمِناتُ" بِحَسَبِ الظاهِرِ مَن أمْرِهِنَّ، ورَفْضُ الِاشْتِراكِ هو مَحْضُ الإيمانِ، وقَتْلُ الأولادِ وهو مِن خَوْفِ الفَقْرِ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُقَتِّلْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التاءِ المُشَدَّدَةِ.

و"الإتْيانُ بِالبُهْتانِ" قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنْ تَنْسِبَ إلى زَوْجِها ولَدًا لَيْسَ هو لَهُ واللَفْظُ أعَمُّ مِن هَذا التَخْصِيصِ، فَإنَّ الفِرْيَةَ بِالقَوْلِ عَلى أحَدٍ مِنَ الناسِ بِعَظِيمَةٍ لَمِن هَذا، وإنَّ الكَذِبَ فِيما اؤْتُمِنَ فِيهِ مِنَ الحَيْضِ والحَمْلِ لَفِرْيَةُ بُهْتانٍ، وبَعْضٌ أقْوى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "بَيْنَ أيْدِيهِنَّ" يُرادُ بِهِ اللِسانُ في الكَلامِ والفَمُ في القِبْلَةِ ونَحْوِها، و"بَيْنَ الأرْجُلِ" يُرادُ بِهِ الفُرُوجُ، ووَلَدُ الإلْحاقِ ونَحْوِهِ.

و"المَعْرُوفُ" الَّذِي نُهِيَ عَنِ العِصْيانِ فِيهِ، قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو النَوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَعْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها.

ويُرْوى «أنَّ جَماعَةً مِنَ النِساءِ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، بايَعْنَ رَسُولَ اللهِ  فَقَرَأ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَّرَهُنَّ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ قالَتْ هِنْدُ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ تَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ تَقْبَلْهُ مِنَ الرِجالِ، بِمَعْنى أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ، فَلَمّا وقَفَ عَلى السَرِقَةِ قالَتْ: واللهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا أدْرِي ما يَحِلُّ لِي مِن ذَلِكَ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ -وَكانَ حاضِرًا- ذَلِكَ لَكِ حَلالٌ فِيما مَضى وبَقِيَ، وقالَ لَها رَسُولُ اللهِ  كُلِي ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ،» وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الآخَرِ، قَوْلُها: « "إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مَسِّيكٌ"» فَلَمّا وقَفَ عَلى الزِنا «قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟

قالَ لَها رَسُولُ اللهِ  : لا، ما تَزْنِي الحُرَّةُ،» وذَلِكَ أنَّ الزِنا في قُرَيْشٍ إنَّما كانَ في الإماءِ في أغْلَبِ الأمْرِ، وفِيما يَعْرِفُ مِثْلُ هِنْدٍ، وإلّا فالبَغايا قَدْ كُنَّ أحْرارًا، فَلَمّا وقَفَ عَلى قَتْلِ الأولادِ «قالَتْ: نَحْنُ رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم أنْتَ بِبَدْرٍ كِبارًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ  ،» فَلَمّا وقَفَ عَلى العِصْيانِ في المَعْرُوفِ قالَتْ: ما جَلَسْنا هَذا المَجْلِسَ وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ.

ويُرْوى «أنَّ جَماعَةَ نِساءٍ بايَعْنَ النَبِيَّ  فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللهِ نُبايِعُكَ عَلى كَذا وكَذا الآيَةُ.

فَلَمّا فَرَغْنَ قالَ رَسُولُ اللهِ  : فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطْلَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبايِعْهُنَّ" مَعْناهُ: امْضِ مَعَهُنَّ صَفْقَةَ الإيمانِ بِأنْ يُعْطِينَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِنَّ ويُعْطَيْنَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، واخْتَلَفَتْ هَيْئاتُ مُبايِعَةِ رَسُولِ اللهِ  النِساءَ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ الشَرِيفَةَ يَدَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ،فَيُرْوى عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا وغَيْرِها أنَّها قالَتْ: «إنَّهُ بايَعَ بِاللِسانِ قَوْلًا، وقالَ: "إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ"»، «وَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَكَنِ: كُنْتُ في النِسْوَةِ المُبايِعاتِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعُكَ، فَقالَ لِي  : "إنِّي لا أُصافِحُ النِساءَ لَكِنْ آخُذُ عَلَيْهِنَّ ما أخَذَ اللهُ عَلَيْهِنَّ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ حَدِيثًا «أنَّ النَبِيَّ  مَدَّ يَدَهُ المُكَرَّمَةَ مِن خارِجِ بَيْتٍ، ومَدَّ نِساءٌ مِنَ الأنْصارِ أيْدِيهِنَّ مِن داخِلِهِ فَبايَعْنَ،» وما قَدَّمْتُهُ أثْبَتُ، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ «أنَّهُ  لَفَّ ثَوْبًا كَثِيفًا عَلى يَدِهِ، وجاءَ نِسْوَةٌ فَلَمَسْنَ يَدَهُ كَذَلِكَ،» ورُوِيَ عن الكَلْبِيِّ أنَّهُ قَدِمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلَمَسَ النِساءُ يَدَهُ وهو خارِجٌ مِن بَيْتٍ وهُنَّ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَراهُنَّ، وذَكَرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ «أنَّ النَبِيَّ  بايَعَهُ النِساءُ عَلى الصَفا بِمَكَّةَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُصافِحُهُنَّ،» ورُوِيَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ عن جَدِّهِ، ورَفَعَهُ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَقَفِيِّ «أنَّهُ  غَمَسَ يَدَهُ في إناءٍ فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى النِساءِ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ.» ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لَهُنَّ، ورَجّاهُنَّ في غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هُمُ اليَهُودُ لِأنَّ غَضَبَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ صارَ عُرْفًا لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم في هَذِهِ الآيَةِ كُفّارُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ تَعالى لا يَرُدُّ ذَلِكَ ثُبُوتُ غَضَبِ اللهِ عَلى اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما في المَرَدَةِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ أعْمالُهم مُغْضِبَةٌ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ ضَلالٍ بَلْ فِيها مُناوَراتٌ مَقْصُودَةٌ، وفي الكَلامِ في التَشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "كَما يَئِسَ" يَتَبَيَّنُ الِاحْتِياجُ إلى هَذا الخِلافِ، وذَلِكَ أنَّ اليَأْسَ مِنَ الآخِرَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتَكْذِيبِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ كَفّارِ مَكَّةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِاليَأْسِ عَنِ الحَظِّ فِيها والنِعْمَةِ مَعَ التَصْدِيقِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ اليَهُودِ، فَمَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هم كُفّارُ مَكَّةَ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ : كَما يَئِسَ الكافِرُ مِن صاحِبِ قَبْرٍ؛ لِأنَّهُ إذا ماتَ لَهُ حَمِيمٌ قالَ: هَذا آخِرُ العَهْدِ بِهِ، لَنْ يُبْعَثَ أبَدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ اعْتِقادَ أهْلِ مَكَّةَ في الآخِرَةِ كاعْتِقادِ الكافِرِ في البَعْثِ ولِقاءِ مَوْتاهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسِنِ، وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ .

ومَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ : كَما يَئِسَ الكافِرُ مِنَ الرَحْمَةِ إذا ماتَ وكانَ صاحِبَ قَبْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ يُرْوى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ في قَبْرِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أنْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النارِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، فَهو يائِسٌ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِها ويَقِينِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ ﴾ ، فَمَعْنى الآيَةِ يَأْسُ اليَهُودِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِها كَيَأْسِ ذَلِكَ الكافِرِ في قَبْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ رِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وحَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وغَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم مُعَذَّبُونَ، وهَذِهِ كانَتْ صِفَةُ كَثِيرٍ مِن مُعاصِرِي النَبِيِّ  .

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي القَوْلِ الثانِي هي لِبَيانِ الجِنْسِ أوَلِلتَّبْعِيضِ، يَتَوَجَّهانِ فِيها، وبَيانِ الجِنْسِ أظْهَرُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُمْتَحَنَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن استقصت السورة إرشاد المسلمين إلى ما يجب في المعاملة مع المشركين، جاء في خاتمتها الإِرشاد إلى المعاملة مع قوم ليسوا دون المشركين في وجوب الحذر منهم وهم اليهود، فالمراد بهم غير المشركين إذ شُبه يأسهم من الآخرة بيأس الكفار، فتعين أن هؤلاء غير المشركين لئلا يكون من تشبيه الشيء بنفسه.

وقد نعتهم الله بأنهم قوم غَضب الله عليهم، وهذه صفة تكرر في القرآن إلحاقها باليهود كما جاء في سورة الفاتحة أنهم المغضوب عليهم.

فتكون هذه الآية مثلَ قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤاً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ﴾ في سورة [العقود: 57].

ذلك أن يهود خيبر كانوا يومئذٍ بجوار المسلمين من أهل المدينة.

وذكر الواحدي في أسباب النزول}: أنها نزلت في ناس من فقراء المسلمين يعملون عند اليهود ويواصلونهم ليصيبوا بذلك من ثمارهم، وربما أخبروا اليهودَ بأحوال المسلمين عن غفلة وقِلة حذر فنبههم الله إلى أن لا يتولوهم.

واليَأس: عدم توقع الشيء فإذا علق بذاتتٍ كان دالاً على عدم توقع وجودها.

وإذ قد كان اليهود لا ينكرون الدار الآخرة كان معنى يأسهم من الآخرة محتمِلاً أن يراد به الإِعراضُ عن العمل للآخرة فكأنهم في إهمال الاستعداد لها آيسُون منها، وهذا في معنى قوله تعالى في شأنهم: ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ﴾ في سورة [البقرة: 86].

وتشبيه إعراضهم هذا بيأس الكفار من أصحاب القبور وجهه شدة الإِعراض وعدم التفكر في الأمر، شُبه إعراضهم عن العمل لنفع الآخرة بيأس الكفار من حياة الموتى والبعثثِ وفيه تشنيع المشبه، ومِن أصحاب القبور } على هذا الوجه متعلق ب ﴿ يئسوا ﴾ .

و ﴿ الكفار ﴾ : المشركون.

ويجوز أن يكون ﴿ من أصحاب القبور ﴾ بياناً للكفار، أي الكفار الذين هلكوا ورأوا أن لا حظّ لهم في خير الآخرة فشبه إعراض اليهود عن الآخرة بيأس الكفار من نعيم الآخرة، ووجه الشبه تحقق عدم الانتفاع بالآخرة.

والمعنى كيأس الكفار الأمواتتِ، أي يأساً من الآخرة.

والمشبه به معلوم للمسلمين بالاعتقاد فالكلام من تشبيه المحسوس بالمعقول.

وفي استعارة اليأس للإِعراض ضرب من المشاكلة أيضاً.

ويحتمل أن يكون يأسهم من الآخرة أطلق على حرمانهم من نعيم الحياة الآخرة.

فالمعنى: قد أيأسناهم من الآخرة على نحو قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي ﴾ في سورة [العنكبوت: 23].

ومن المفسرين الأولين من حمل هذه الآية على معنى التأكيد لما في أول السورة من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ [الممتحنة: 1] فالقوم الذين غَضَب الله عليهم هم المشركون فإنهم وُصفوا بالعدوِّ لله والعدوُّ مغضوب عليه ونسب هذا إلى ابن عباس.

وجعل يأسهم من الآخرة هو إنكارهم البعث.

وجعل تشبيه يأسهم من الآخرة بيأس الكفار من أصحاب القبور أن يأس الكفار الأحياء كيأس الأموات من الكفار، أي كيأس أسلافهم الذين هم في القبور إذ كانوا في مدة حياتهم آيسين من الآخرة فتكون ﴿ مِن ﴾ بيانية صفة للكفار، وليست متعلقة بفعل ﴿ يئس ﴾ فليس في لفظ ﴿ الكفار ﴾ إظهار في مقام الإِضمار وإلاّ لزم أن يشبه الشيء بنفسه كما قد توهم.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَئِسُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن بَعْثِ مَن في القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: قَدْ يَئِسُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ أصْحابُ القُبُورِ بَعْدَ المُعايَنَةِ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ لِأنَّهم تَيَقَّنُوا العَذابَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: قَدْ يَئِسُوا مِنَ البَعْثِ والرَّجْعَةِ كَما يَئِسَ مِنها مَن ماتَ مِنهم وقُبِرَ.

الرّابِعُ: يَئِسُوا أنْ يَكُونَ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ كَما يَئِسُوا أنْ يَنالَهم مِن أصْحابِ القُبُورِ خَيْرٌ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ إلى قوله: ﴿ غفور رحيم ﴾ فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: قد بايعنك كلاماً ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعنك على ذلك» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه «عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً حتى بلغ ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ فقال: فيما استطعتن وأطقتن قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله قال: «جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإِسلام فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى» .

وأخرج ابن سعد وأحمد وابن مردويه «عن سليمى بنت قيس رضي الله عنها قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه على الإِسلام في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، ولا تغششن أزواجكم فبايعناه، ثم انصرفنا فقلت لامرأة: ارجعي فاسأليه ما غش أزواجنا؟

فسألته فقال: تأخذ ماله فتحابي غيره به» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر عن عبادة بن الصامت قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا، وقرأ.

فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأقبل حتى أتى النساء فقال: ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتن على ذلك؟

قالت امرأة: نعم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد وابن سعد وأبو داود وأبو يعلى وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إليهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام على الباب فسلم، فقال: أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين الآية.

قلنا: نعم فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت.

قال إسمعيل: فسألت جدتي عن قوله تعالى: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قالت: نهانا عن النياحة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وابن مردويه «عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال: إني لا أصافحكن، ولكن آخذ عليكن ما أخذ الله» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء، ووضع على يده ثوباً، فلما كان بعد كان يخبر النساء فيقرأ عليهن هذه الآية ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ﴾ فإذا أقررن قال: قد بايعنكن، حتى جاءت هند امرأة أبي سفيان، فلما قال: ﴿ ولا يزنين ﴾ قالت: أو تزني الحرة؟

لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف بالإِسلام؟

فقال: ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ قالت: أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأبنائهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ ولا يسرقن ﴾ فقالت: يا رسول الله إني أصبت من مال أبي سفيان، فرخص لها» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قل لهن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، وكانت هند متنكرة في النساء، فقال لعمر: قل لها ﴿ ولا يسرقن ﴾ قالت هند: والله إني لأصيب من مال أبي سفيان الهنة، فقال: ﴿ ولا يزنين ﴾ فقالت: وهل تزني الحرة؟

فقال: ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، قال: ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: منعهن أن يَنُحْنَ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور ويدعون بالويل والثبور.

وأخرج الحاكم وصححه عن فاطمة بنت عتبة أن أخاها أبا حذيفة أتى بها وبهند بنت عتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه، فقالت: أخذ علينا بشرط فقلت له: يا ابن عم وهل علمت في قومك من هذه الصفات شيئاً قال أبو حذيفة: أيها فبايعيه فإن بهذا يبايع، وهكذا يشترط، فقالت هند: لا أبايعك على السرقة فإني أسرق من مال زوجي، فكفّ النبي صلى الله عليه وسلم يده، وكفت يدها حتى أرسل إلى أبي سفيان، فتحلل لها منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا، ولا نعمة.

قالت: فبايعناه.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه ﴾ قال: كانت الحرة يولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا يأتين ببهتان يفترينه ﴾ قال: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء.

وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة من النسوة ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟

قال: لا تنحن ,قلت يا رسول الله: إن بني فلان أسعدوني على عمي ولا بد لي من قضائهن، فأبى عليّ، فعاودته مراراً، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد، ولم يبق منا امرأة إلا وقد ناحت غيري» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن منيع وابن سعد وابن مردويه عن أبي المليح قال: «جاءت امرأة من الأنصار تبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما شرط عليها أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين أقرت فلما قال: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: أن لا تنوحي، فقالت: يا رسول الله إن فلانه أسعدتني أفأسعدها، ثم لا أعود؟

فلم يرخص لها» مرسل حسن الإِسناد.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن سعد وابن مردويه بسند جيد عن مصعب بن نوح الأنصاري قال: «أدركت عجوزاً لنا كانت فيمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، وقال: هو المعروف الذي قال الله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ فقلت يا نبي الله: إن أناساً قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة وأنا أريد أن أسعدهم.

قال: انطلقي فكافئيهم ثم إنها أتت فبايعته» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قال: كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نعصيه فيه من المعروف، وأن لا نخمش وجهاً، ولا نشق جيباً، ولا ندعوه ويلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: لا يشققن جيوبهن، ولا يصككن خدودهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سالم بن أبي الجعد في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: النوح.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: النوح.

قال: فكل شيء وافق لله طاعة فلم يرض لنبيه أن يطاع في معصية الله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هاشم الواسطي ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: لا يدعون ويلاً ولا يشققن جيباً ولا يحلقن رأساً.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء في البيعة أن لا يشققن جيباً، ولا يخمشن وجهاً، ولا يدعون ويلاً، ولا يقلن هجراً.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة بنت قدامة بن مظعون قالت: كنت مع أمي رائطة بنت سفيان والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع النسوة ويقول: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن، وأرجلكن، ولا تعصين في معروف» فأطرقن، قالت: وأنا أسمع أمي وأمي تلقنني تقول: أي بنية قولي: نعم فيما استطعت، فكنت أقول كما يقلن.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأحمد وابن مردويه عن أنس قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدتنا في الجاهلية أفتسعدهن في الإِسلام؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا إسعاد في الإِسلام، ولا شطار، ولا عقر في الإِسلام، ولا خبب ولا جنب، ومن انتهب فليس منا» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ قال: كيف يمتحن فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمس أيديهن، فكانت هذه بيعته.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم عطية قالت: لما نزلت ﴿ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف فبايعهن ﴾ قالت: كان منه النياحة يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم كانوا قد أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، قال: لا آل فلان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن أم عطية قالت: أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح، فما وفى منا إلا خمسة أم سليم وأم العلاء وابن أبي سبرة امرأة أبي معاذ، أو قال: بنت أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أم عطية.

قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا تشركن بالله شيئاً، ونهانا عن النياحة، فقبضت منا امرأة يدها فقالت يا رسول الله: إن فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل لها شيئاً، فذهبت ثم رجعت، قالت: فما وفت منا امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وبنت أبي سبرة امرأة معاذ أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: اشترط عليهن أن لا ينحن.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: «كان فيما أخذ على النساء من المعروف أن لا ينحن، فقالت امرأة: لا بد من النوح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنتن لا بد فاعلات فلا تخمشن وجهاً، ولا تخرقن ثوباً، ولا تحلقن شعراً، ولا تدعون بالويل، ولا تقلن هجراً، ولا تقلن إلا حقاً» .

وأخرج ابن سعد عن عاصم بن عمرو بن قتادة رضي الله عنه قال: أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع وأم عامر بنت يزيد بن السكن وحواء بنت يزيد بن السكن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أسلم رضي الله عنه ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: لا يشققن جيباً ولا يخمش وجهاً ولا ينشرن شعراً ولا يدعون ويلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النوح.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنما نهيت عن النوح» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: لعنت النائحة والممسكة.

وأخرج ابن مردويه عن أم عفيف قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أن لا نحدث الرجال إلا محرماً.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان فيما أخذ عليهن أن لا يخلون بالرجال إلا أن يكون محرماً، وإن الرجل قد تلاطفه المرأة فيمذي في فخذيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: أخذ عليهن أن لا ينحن، ولا يحدثن الرجال، فقال عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أضيفا وأنا نغيب عن نسائنا، فقال: ليس أولئك عنيت.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أم عطية رضي الله عنها قالت: كان فيما أخذ عليهن أن لا يخلون بالرجال إلا أن يكون محرماً، فإن الرجل قد يلاطف المرأة فيمذي في فخذيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ قال: فإن المعروف الذي لا يعصي فيه أن لا يخلو الرجل والمرأة وحداناً وأن لا ينحن نوح الجاهلية.

قال: فقالت خولة بنت حكيم الأنصارية: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها، فأنا أريد أن أجزيها.

قال: فاذهبي فاجزيها ثم تعالي فبايعي» .

وأخرجه ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موصولاً والله أعلم.

أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عبد الله بن عمر وزيد بن الحارث يوادون رجالاً من يهود فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم ﴾ الآية.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ﴾ قال: فلا يؤمنون بها ولا يرجونها.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد حاطب بن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين (١) وقال المقاتلان: يقول للمؤمنين: لا تتولوا اليهود، وذلك أن ناسًا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتواصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم، فنهى الله عن ذلك (٢) قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ ﴾ يعني أن اليهود كذبت محمداً -  - وهم (٣) قوله تعالى: ﴿ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ﴾ أي: كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور وتبينوا أن لا حظ لهم في الآخرة.

وهذا قول الكلبي، والمقاتلان، وعكرمة، وعطاء، عن ابن عباس.

قالوا: يعني الكفار الذين ماتوا فيئسوا من الجنة، ومن أن يكون لهم في الآخرة خير (٤) وقال الحسن: يعني الكفار الأحياء يئسوا من الأموات (٥) قال أبو إسحاق: يقول يئس اليهود الذين عاندوا النبي -  - من أن يكون لهم في الآخرة حظ، كما يئس الكفار الذين لا يوقنون بالغيب من موتاهم أن يبعثوا (٦) سورة الصف (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 309.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 153 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 112 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 490، وفي "الدر" 6/ 211 قال: أخرج أبو إسحاق وأبي المنذر، عن ابن عباس -  ما- قال: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادون رجالاً من يهود، فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

(٣) (ك): (وهم) ساقطة.

(٤) أخرجه ابن جرير، عن مجاهد، والكلبي، وابن زيد، وعكرمة، ومنصور، وأخرجه ابن المنذر عن سعيد بن جبير، وأخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة.

انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، عن مجاهد، وعكرمة، وأخرجه عبد الرزاق عن الكلبي.

وهو قول مقاتل.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 289، و"تفسير مقاتل" 153 أ، و"جامع البيان" 28/ 54، و"الكشف والبيان" 13/ 113 أ.

(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 336، و"التفسير الكبير" 29/ 309.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 161.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ يعني اليهود، وكان بعض فقراء المسلمين يتودّد إليهم ليصيبوا من أموالهم، وقيل: يعني كفار قريش، والأول أظهر لأن الغضب قد صار عرفاً لليهود كقوله: ﴿ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم ﴾ [الفاتحة: 7] ﴿ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور ﴾ من قال: إن القوم الذين غضب الله عليهم هو اليهود، فمعنى يئسوا من الآخرة يئسوا من خير الآخرة والسعادة فيها، ومن قال: إن القوم الذين غضب الله عليهم هم كفار قريش، فالمعنى يئسوا من وجود الآخرة، وصحتها لأنهم مكذبون بها تكذيباً جزماً، وقوله: ﴿ كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد كما يئس الكفار المكذبون بالبعث من بعث أصحاب القبور، فقوله: ﴿ مِنْ أَصْحَابِ ﴾ يتعلق ببئس، وهو على حذف مضاف، والآخر أن يكون ﴿ مِنْ أَصْحَابِ القبور ﴾ لبيان الجنس أي كما يئس الذين في القبور من سعادة الآخرة، لأنهم تيقنوا أنهم يعذبون فيها.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

فكأن الله - عز وجل - أمرنا أن نغضب على من غضب هو عليه، وأن نعادي من عاداه، ونوالي من والاه.

وقوله: ﴿ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ ﴾ الآية.

له تأويلان: أحدهما: يعني به: الذين غيروا نعت نبينا محمد  ، وحرفوه من التوراة؛ فكأن في التوراة أن الله  آيسهم من ثوابه في الآخرة، كما أيس الكفار من أصحاب القبور أن يبعثوا.

ويجوز أن يكون معناه: ييئس هؤلاء من رحمة الله، كما يئس الكفار الذين هم في القبور من رحمة الله،  .

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم لا يوقنون بالآخرة، بل هم يائسون منها مثل يأسهم من رجوع موتاهم إليهم لكفرهم بالبعث.

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله