الآية ٣ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ٣ من سورة الممتحنة

لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ ۚ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير ) أي : قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءا ، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله ، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ، ولو كان قريبا إلى نبي من الأنبياء .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله : أين أبي ؟

قال : " في النار " فلما قفى دعاه فقال : " إن أبي وأباك في النار " .

ورواه مسلم ، وأبو داود ، من حديث حماد بن سلمة به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله: ( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول تعالى ذكره: لا يدعونكم أرحامكم وقراباتكم وأولادكم إلى الكفر بالله، واتخاذ أعدائه أولياء تلقون إليهم بالمودّة، فإنه لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم عند الله يوم القيامة، فتدفع عنكم عذاب الله يومئذ، إن أنتم عصيتموه في الدنيا، وكفرتم به.

وقوله: ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: يفصل ربكم أيها المؤمنون بينكم يوم القيامة بأن يدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معاصية والكفر به النار.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة: ( يُفْصَلُ بَيْنَكُم ) بضم الياء وتخفيف الصاد وفتحها، على ما لم يسمّ فاعله.

وقرأه عامة قرّاء الكوفة خلا عاصم بضم الياء وتشديد الصاد وكسرها (2) بمعنى: يفصل الله بينكم أيها القوم.

وقرأه عاصم بفتح الياء وتخفيف الصاد وكسرها، بمعنى يفصل الله بينكم.

وقرأ بعض قرّاء الشام ( يُفَصلُ ) بضم الياء وفتح الصاد وتشديدها على وجه ما لم يسم فاعله.

وهذه القراءات متقاربات المعانى صحيحات في الإعراب، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والله بأعمالكم أيها الناس ذو علم وبصر، لا يخفى عليه منها شيء، هو بجميعها محيط، وهو مجازيكم بها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ، فاتقوا الله في أنفُسكم واحذروه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصيرقوله تعالى : لن تنفعكم أرحامكم لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم ، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك .يفصل بينكم فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار .

وفي يفصل قراءات سبع : قرأ عاصم " يفصل " بفتح الياء وكسر الصاد مخففا .

وقرأ حمزة والكسائي مشددا إلا أنه على ما لم يسم فاعله .

وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد مشددة .

وروي عن علقمة كذلك بالنون مخففة .

وقرأ قتادة وأبو حيوة " يفصل " بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل .

وقرأ الباقون " يفصل " بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول ، واختاره أبو عبيد .

فمن خفف فلقوله : وهو خير الفاصلين وقوله : إن يوم الفصل .

ومن شدد فلأن ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردد .

ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلأن الفاعل معروف .

ومن أتى به مسمى الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى .

ومن قرأ بالنون فعلى التعظيم .والله بما تعملون بصير

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإن احتججتم وقلتم: نوالي الكفار لأجل القرابة والأموال، فلن تغني عنكم أموالكم ولا أولادكم من الله شيئا.

{ والله بما تعملون بصير } فلذلك حذركم من موالاة الكافرين الذين تضركم موالاتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لن تنفعكم أرحامكم ) معناه : لا يدعونكم ولا يحملنكم ذوو أرحامكم وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة إلى خيانة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم فلن تنفعكم أرحامكم ( ولا أولادكم ) الذين عصيتم الله لأجلهم ( يوم القيامة يفصل بينكم ) فيدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته النار .

قرأ عاصم ويعقوب ( يفصل ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففا وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وكسر الصاد مشددا [ وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح الصاد مشددا ] وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الصاد مخففا .

( والله بما تعملون بصير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لن تنفعكم أرحامكم» قراباتكم «وْلا أولادكم» المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة «يوم القيامة يُفصَل» بالبناء للمفعول والفاعل «بينكم» وبينهم فتكونون في الجنة وهم جملة الكفار في النار «والله بما تعلمون بصير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم شيئًا حين توالون الكفار مِن أجلهم، يوم القيامة يفرق الله بينكم، فيُدْخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار.

والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأعمالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل فقال : ( لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ..

.

) .والأرحام : جمع رحم والمراد بهم الأقارب ، الذين كان بعض المؤمنين يوالون المشركين من أجلهم .أى : منكم - أيها المؤمنون - من أفشى أسراركم للكافرين ، خوفا على أقاربه أو أولاده الذين يعيشون فى مكة مع هؤلاء الكافرين ، والحق أنه لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم القيامة ، لأنه فى هذا اليوم ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) أى يفرق بينكم وبين أقاربكم وأولادكم يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ) وكما قال - سبحانه - : ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) وخص - سبحانه - الأولاد بالذكر مع أنهم من الأرحام ، لمزيد المحبة لهم - والحنو عليهم .قال الشوكانى : وجملة ( يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) متسأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد فى ذلك اليوم ، ومعنى ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) يفرق بينكم ، فيدخل أهل طاعته الجنة .

ويدخل أهل معصيته النار ، وقيل : المراد بالفصل بينهم ، أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول .

.

.

قيل : ويجوز أن يتعلق ( يَوْمَ القيامة ) بما قبله .

أى : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ، فيوقف عليه ، ويبتدأ بقوله ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) والأولى أن يتعلق بما بعده - أى : يفصل بينكم يوم القيامة ، فيوقف على ( أَوْلاَدُكُمْ ) ويبتدأ بيوم القيامة .وقراءة الجمهور ( يُفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) - بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد - على البناء للمجهول .

وقرأ عاصم ( يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) بفتح الياء وكسر الصاد - على البناء للفاعل ، وقرأ حمزة والكسائى ( يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ ) - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر - بالبناء للفاعل - أيضا - .وقرأ ابن عامر ( يُفَصَّلُ بَيْنَكُمْ ) - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الفتح - على البناء للمجهول .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أى : والله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أعمالكم ، بل هو مطلع عليها اطلاعا تاما وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه من ثواب أو عقاب .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من الآيات الكريمة ما يأتى :1 - أن هذه الآيات أصل فى النهى عن موالاة الأعداء ومصافاتهم بأية صورة من الصور ، وشبيه بها قوله - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ) وقوله - سبحانه - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) 2 - أن هذه الآيات الكريمة تتجلى فيها رحمة الله - تعالى - بعباده المؤمنين ، حيث ناداهم بهذه الصفة مع وقوع بعضهم فى الخطأ الجسيم ، وهو إفشاء أسرار المؤمنين لأعدائهم قالوا : وفى هذا رد على المعتزلة الذين يقولون : إن المعصية تنافى الإيمان .3 - أن هذه الآيات الكريمة فيها ما فيها من الأساليب الحكيمة فى الدعوة إلى الفضائل واجتناب الرذائل ، لأن الله - تعالى - عندما نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم ، ساق لهم الأسباب التى تحملهم على قطع كل صلة بهؤلاء الأعداء .

بأن ذكر لهم أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحق ، وحرصوا على إخراج الرسول والمؤمنين من ديارهم ، وأنهم إن يتمكنوا من المؤمنين ، فسينزلون بهم أشد ألوان الأذى .وهكذا يجب أن يتعلم الدعاة إلى الله - تعالى - أن على رأس الوسائل التى توصلهم إلى النجاح فى دعوتهم ، أن يأتوا فى دعوتهم بالأسباب المقنعة لاعتناق الحق ، واجتناب الباطل .4 - أن هذه الآيات الكريمة صريحة فى أن ما يتعلق بالدين والعقيدة ، يجب أن يقدم على ما يتعلق بالأرحام والأولاد ، لأن الأرحام والأولاد لن تنفع يوم القيامة ، وإنما الذى ينفع هو ما يتعلق بالاستجابة لما يفرضه الدين علينا من واجبات وتكاليف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ يَثْقَفُوكُمْ ﴾ يظفروا بكم ويتمكنوا منكم ﴿ يَكُونُواْ لَكُمْ ﴾ في غاية العداوة، وهو قول ابن عباس، وقال مقاتل: يظهروا عليكم يصادقوكم ﴿ وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ بالضرب ﴿ وَأَلْسِنَتَهُمْ ﴾ بالشتم ﴿ وَوَدُّواْ ﴾ أن ترجعوا إلى دينهم، والمعنى أن أعداء الله لا يخلصون المودة لأولياء الله لما بينهم من المباينة ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ﴾ لما عوتب حاطب على ما فعل اعتذر بأن له أرحاماً، وهي القرابات، والأولاد فيما بينهم، وليس له هناك من يمنع عشيرته، فأراد أن يتخذ عندهم يداً ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته، فقال: ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أولادكم ﴾ الذين توالون الكفار من أجلهم، وتتقربون إليهم مخافة عليهم، ثم قال: ﴿ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ وبين أقاربكم وأولادكم فيدخل أهل الإيمان الجنة، وأهل الكفر النار ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي بما عمل حاطب، ثم في الآية مباحث: الأول: ما قاله صاحب الكشاف: ﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء ﴾ كيف يورد جواب الشرط مضارعاً مثله، ثم قال: ﴿ وَوَدُّواْ ﴾ بلفظ الماضي نقول: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم.

الثاني: ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ ظرف لأي شيء، قلنا لقوله: ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ ﴾ أو يكون ظرفاً ليفصل وقرأ ابن كثير: ﴿ يُفَصّلُ ﴾ بضم الياء وفتح الصاد، و ﴿ يفصل ﴾ على البناء للفاعل وهو الله، و(نفصل) و(نفصل) بالنون.

الثالث: قال تعالى: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ولم يقل: خبير، مع أنه أبلغ في العلم بالشيء، والجواب: أن الخبير أبلغ في العلم والبصير أظهر منه فيه، لما أنه يجعل عملهم كالمحسوس بحس البصر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم ﴾ أي قراباتكم ﴿ وَلاَ أولادكم ﴾ الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم، ثم قال: ﴿ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ وبين أقاربكم وأولادكم ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ...

﴾ [عبس: 34] الآية فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفرّ منكم غداً: خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أوّلاً، ثم بما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانياً؛ ليريهم أن ما أقدموا عليه من أي جهة نظرت فيه وجدته باطلاً.

قرئ: ﴿ يُفصَل ويُفصَّل ﴾ ، على البناء للمفعول.

ويَفصِل ويُفصِّل، على البناء للفاعل وهو الله عزّ وجل.

ونفصل ونفصل، بالنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ يَثْقَفُوكُمْ ﴾ يَظْفَرُوا بِكم.

﴿ يَكُونُوا لَكم أعْداءً ﴾ ولا يَنْفَعُكم إلْقاءُ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ.

﴿ وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ﴾ ما يَسُوؤُكم كالقَتْلِ والشَّتْمِ.

﴿ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ وتَمَنَّوُا ارْتِدادَكُمْ، ومَجِيءُ ودُّوا وحْدَهُ بِلَفْظِ الماضِي لِلْإشْعارِ بِأنَّهم ودُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ وِدادَتَهم حاصِلَةٌ وإنْ لَمْ يَثْقَفُوكم.

﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ ﴾ قَراباتُكم.

﴿ وَلا أوْلادُكُمْ ﴾ الَّذِينَ تُوالُونَ المُشْرِكِينَ لِأجْلِهِمْ.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ يُفَرِّقُ بَيْنَكم بِما عَراكم مِنَ الهَوْلِ فَيَفِرُّ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فَما لَكم تَرْفُضُونَ اليَوْمَ حَقَّ اللَّهِ لِمَن يَفِرُّ مِنكم غَدًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ والتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ يُفَصِّلُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو بَيْنَكُمْ، وقَرَأ عاصِمٌ يَفْصِلُ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم} قراباتكم {وَلاَ أولادكم} الذين توالون الكفار من اجلهم وتتقربن اليهم محاماة عليم ثا قال {يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} وبين أقاربكم وأولادكم يوم يفر المرء من أخيه الآية فما لكم

ترفضون حق الله مراعاة لحتى من يفرّ منكم غداً يُفَصّلُ عاصم يُفَصّلُ حمزة وعلي والقائل هو الله عز وجل يفضل ابن ذكوان غيرهم يُفَصّلُ {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على أعمالكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ ﴾ دَفْعٌ لِما عَسى أنْ يَتَخَيَّلُوا كَوْنَهُ عُذْرًا نافِعًا مِن أنَّ الدّاعِيَ لِلِاتِّخاذِ وإلْقاءِ المَوَدَّةِ صِيانَةُ الأرْحامِ والأوْلادِ مِن أذى أُولَئِكَ.

والرَّحِمُ في الأصْلِ رَحِمُ المَرْأةِ، واشْتُهِرَ في القَرابَةِ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ فِيها، فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ذَلِكَ أوْ يُجْعَلَ مَجازًا عَنِ القَرِيبِ، أوْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ مُضافٌ أيْ ذَوُو أرْحامِكم، ويُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أوْلادُكُمْ ﴾ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم قُراباتُكم أوْ أقارِبُكم ولا أوْلادُكُمُ الَّذِينَ تُوالُونَ المُشْرِكِينَ لِأجْلِهِمْ وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مُحاماةً عَلَيْهِمْ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِدَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِ الأرْحامِ والأوْلادِ يَوْمَئِذٍ أيْ يُفَرِّقُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَكم بِما يَكُونُ مِنَ الهَوْلِ المُوجِبِ لِفِرارِ كُلٍّ مِنكم مِنَ الآخَرِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ  ﴾ الآيَةَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُرْفَضَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى وتُوالى أعْداؤُهُ سُبْحانَهُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَعَلُّقِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ - بِيَفْصِلُ - بَعْدَهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ - يُفَصِّلُ - بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما خَفَّفا، وطَلْحَةُ والنَّخَعِيُّ - نُفَصِّلُ النُّونُ مَضْمُومَةٌ والتَّشْدِيدُ والبِناءُ لِلْفاعِلِ، وهُما أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا بِالنُّونِ مَضْمُومَةً.

وقَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى وابْنُ عامِرٍ «يُفَصَّلُ» بِالياءِ والتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم خَفَّفُوا، ونائِبُ الفِعْلِ إمّا ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى مُتَوَغِّلٍ في البِناءِ كَما قِيلَ، وإمّا ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفاعِلِ أيْ يَفْصِلُ هو أيِ الفَصْلُ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث عشرة آية مدنية قوله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة العبسي ذلك أن النبيّ  كان يجهز الجيش للخروج إلى فتح مكة، وكان النبيّ  إذا أراد أن يخرج إلى الغزو، ورى بغيره يعني: يظهر من نفسه أنه يريد الخروج إلى ناحية أخرى، وكان الناس لا يعلمون إلى أي ناحية يريد الخروج.

فأمر الناس بأن يتجهزوا للخروج إلى الغزو، ولم يعلموا إلى أين يخرج، إلا الخواص من أصحابه.

فبينما الناس يتجهزون، إذ قدمت امرأة من مكة، يقال لها سارة، مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف، وكانت امرأة من مكة، يقال لها سارة، مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف، وكانت امرأة مغنية، فقال لها النبيّ  : لماذا جئت؟

فقالت: جئت لتعطيني شيئا.

فقال لها النبيّ  : ما فعلت بحطباتك من شبان قريش؟

فقالت: منذ قتلهم ببدر، لم يصل إلي شيء إلا القليل.

فأمر النبيّ  بأن تعطى شيئا لترجع.

فلما أرادت الخروج، أتاها حاطب بن أبي بلتعة، فقال لها: إني معطيك عشرة دنانير وكساء، على أن تبلغي إلى أهل مكة كتابا.

فأجابته إلى ذلك، فخرجت إلى مكة، فنزل جبريل-  - في أثرها بالخبر، فقال النبيّ  لعلي والزبير والمقداد: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها.

فخرجوا حتى أتوا الروضة، فإذا هي سارة هناك، فقالوا لها: أخرجي الكتاب.

فقالت: ما معي كتاب.

فألحوا عليها، فحلفت أنه ليس معها كتاب، فلم يصدقوها حتى نزعت جميع ثيابها، فرمت بها إليهم.

فنظروا إلى ثيابها، فلم يجدوا فيها الكتاب ونظروا في راحلتها وأمتعتها، فلم يجدوا فيها الكتاب.

فقال بعضهم لبعض: تعالوا حتى نرجع.

فقال علي بن أبي طالب-  - إن جبريل نزل على رسول الله  وأخبره بذلك، فقول المرأة أصدق أم قول جبريل؟

فو الله لا أرجع، حتى آخذ منها الكتاب، ولأحملن رأسها إلى رسول الله  .

وسل السيف ليضرب رأسها، فأخرجت الكتاب من عقاصها.

فأتوا به النبيّ  ، فقرأ الكتاب.

فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، وأخبرهم بأن النبيّ  يريد الخروج إليهم، وذكر: أن محمدا يقصدكم، فخذوا حذركم وإنه أراد بالكتاب إليهم مودتهم، فقام إليه عمر-  - وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبيّ  : ما هذا يا حاطب؟

فقال: لا تعجل علي يا رسول الله.

إني كنت ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكل من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهاليهم، فأردت أن أتخذ فيهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت هذا كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام.

وقد علمت أن الله تعالى منجز وعده ما وعد، إلا نصر نبيه محمد  .

قال النبيّ  : «دعوه إنه شهد بدرا، وما يذريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم» ، فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فسماهم مؤمنين لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ يعني: في العون والنصرة.

تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني: تكتبون وتبعثون إليهم بالصحيفة والنصيحة ويقال: معناه تخبرونهم كما يخبر الرجل أهل مودته، حيث توجهون إليهم بالكتاب والمودة والنصيحة.

وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يعني: من القرآن والرسول.

يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ يعني: أخرجوكم من مكة.

أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ يعني: لأجل الإيمان بربكم يعني: بوحدانية رَبِّكُمْ.

إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني: لا تلقون إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي وطلب رضاي.

وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ يعني: ما أسررتم وما أظهرتم، يعني: أسررتم من المودة لأهل الكفر وأعلنتم الإقرار بالتوحيد.

وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يعني: من يفعل منكم بعد هذا، فقد أخطأ قصد الطريق.

ثم قال عز وجل: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ، وهذا إخبار من الله تعالى للمؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، لكيلا يميلوا إليهم، فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يعني: أن يظهروا عليكم ويقال: إن يأخذوكم ويقال: إن يقهروكم ويغلبوكم.

يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً يعني: يتبين لكم أنهم أعداؤكم، فيظهر لكم عداوتهم عند ذلك.

وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والتعذيب، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ يعني: بالشتم.

وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ يعني: تمنوا أن ترجعوا إلى دينهم، فإن فعلتم ذلك بسبب قرابتكم.

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ يعني: قرابتكم، وَلا أَوْلادُكُمْ الذين كانوا بمكة.

يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يعني: يفرق بينكم وبينهم يوم القيامة.

قرأ عاصم يَفْصِلُ بنصب الياء وكسر الصاد مع التخفيف يعني: يفصل الله بينكم يوم القيامة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء ونصب الصاد مع التخفيف، على معنى فعل ما لم يسم فاعله والمعنى مثل الأول وقرأ حمزة والكسائي: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء وكسر الصاد مع التشديد يعني: يفصل الله بينكم والتشديد للتكثير وقرأ ابن عامر: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله والتشديد للتكثير ويقال الفصل هو القضاء، يعني: يقضي بينكم على هذا.

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني: عالم بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يدا، فصدّقه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: لاَ تَقُولُوا لِحَاطِبٍ إلاَّ خَيْراً» «١» وروي أنّ حاطبا كتب: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُرِيدُ غَزْوَكُمْ في مِثْلِ اللَّيْلِ وَالسَّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ، لَوْ غَزَاكُمْ وَحْدَهُ، لَنُصِرَ عَلَيْكُمْ، فَكَيْفَ وهو في جمع كثير؟!

- ص-: وتُلْقُونَ مفعوله محذوف، أي: تلقون إليهم أخبارَ الرسول وأسراره، وبِالْمَوَدَّةِ: الباء للسبب، انتهى.

وقوله تعالى: أَنْ تُؤْمِنُوا: مفعول من أجله، أي: أخرجوكم من أجل أنْ آمنتم بربكم.

وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ: شرط، جوابُهُ متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: إنْ كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياءَ، وجِهاداً منصوب على المصدر، وكذلك ابْتِغاءَ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلك مفعولاً من أجله، والمرضاة: مصدر كالرضى وتُسِرُّونَ حال من تُلْقُونَ، ويجوز أنْ يكون في موضع خبر ابتداء، كأَنَّهُ قال: أنتم تُسِرُّونَ، ويصحّ أن يكون فعلا ابتدئ به القول.

وقوله تعالى: أَعْلَمُ يحتمل أنْ يكون أفعل، ويحتمل أنْ يكون فعلاً لأَنَّكَ تقول:

علمت بكذا فتدخل الباء.

- ص-: والظاهر أَنَّه أفعل تفضيل ولذلك عُدِّيَ بالباء، انتهى، وسَواءَ يجوز أنْ يكون مفعولاً ب ضَلَّ على تعدي «ضل» ، ويجوز أنْ يكون ظرفاً/ على غير التعدي لأَنَّهُ يجيء بالوجهين، والأوَّلُ أحسن في المعنى، والسواء: الوسط، والسَّبِيلِ: هنا شرع الله وطريق دينه.

وقوله سبحانه: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ...

الآية: أخبر تعالى أَنَّ مُدَارَاةَ هؤلاء الكفرة غيرُ نافعة في الدنيا، وأَنَّها ضارَّةٌ في الآخرة ليبين فساد رأي مصانعهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ وَهِيَ مَدَنَيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ ذَكَرَأهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وذَلِكَ «أنَّ سارَّةَ مَوْلاةَ أبِي عَمْرِو ابْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ  يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فَقالَ لَها: "أمُسْلِمَةً جِئْتِ؟" قالَتْ: لا، قالَ: "فَما جاءَ بِكِ؟" قالَتْ: أنْتُمُ الأهْلُ والعَشِيرَةُ والمَوالِي، وقَدِ احْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، فَقَدِمْتُ إلَيْكم لِتُعْطُونِي.

قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ  : "فَأيْنَ أنْتِ مِن شَبابِ أهْلِ مَكَّةَ؟" وكانَتْ مُغَنِّيَةً، فَقالَتْ ما طُلِبَ مِنِّي شَيْءٌ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ  بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَكَسَوْها، وحَمَلُوها، وأعْطَوْها، فَأتاها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، فَكَتَبَ مَعَها كِتابًا إلى أهْلِ مَكَّةَ، وأعْطاها عَشْرَةَ دَنانِيرَ عَلى أنْ تُوصِلَ الكِتابَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، [وَكَتَبَ في الكِتابِ: مِن حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ] إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَخَرَجَتْ بِهِ سارَّةُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ  بِما فَعَلَ حاطِبٌ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا، وعَمّارًا، والزُّبَيْرَ، وطَلْحَةَ، والمِقْدادَ، وأبا مَرْثَدٍ، وقالَ: "انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا "رَوْضَةَ خاخٍ"، فَإنَّ فِيها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فَخُذُوهُ مِنها، وخَلُّوا سَبِيلَها، فَإنْ لَمْ تَدْفَعْهُ إلَيْكم فاضْرِبُوا عُنُقَها" فَخَرَجُوا حَتّى أدْرَكُوها، فَقالُوا لَها: أيْنَ الكِتابُ؟

فَحَلَفَتْ بِاللَّهِ ما مَعَها مِن كِتابٍ، فَفَتَّشُوا مَتاعَها فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقالَ عَلِيٌّ: واللَّهِ ما كَذَبْنا ولا كُذِبْنا، وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: أخْرِجِي الكِتابَ، وإلّا ضَرَبْتُ عُنُقَكِ، فَلَمّا رَأتِ الجِدَّ أخْرَجَتْهُ مِن ذُؤابَتِها، فَخَلَّوْا سَبِيلَها، ورَجَعُوا بِالكِتابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأرْسَلَ إلى حاطِبٍ، فَأتاهُ، فَقالَ لَهُ: "هَلْ تَعْرِفُ الكِتابَ؟" قالَ: نَعَمْ.

قالَ: "فَما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟" فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ، ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهُمْ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مَن يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وكُنْتُ [غَرِيبًا] فِيهِمْ، وكانَ أهْلِي بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَخَشِيتُ عَلى أهْلِي، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بِهِمْ بِأْسَهُ، وكِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وعَذَرَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَنْهى حاطِبًا عَمّا فَعَلَ، وتَنْهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِ، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "وَما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" .» وقَدْ أُخْرِجَ هَذا الحَدِيثُ في "الصَّحِيحَيْنِ" مُخْتَصَرًا، وفِيهِ ذِكْرُ عَلِيٍّ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي مَرْثَدٍ فَقَطْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الباءَ زائِدَةٌ، والمَعْنى: تُلْقُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ، ومِثْلُهُ ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ  وسِرَّهُ بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا ﴾ الواوُ لِلْحالِ، وحالُهم أنَّهم كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ، وهو القُرْآنُ "يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ" مِن مَكَّةَ ( أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) "إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ" هَذا شَرْطٌ، جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ الباءُ في "المَوَدَّةِ" حُكْمُها حُكْمُ الأُولى.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: تُسِرُّونَ إلَيْهِمُ النَّصِيحَةَ ﴿ وَأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ ﴾ مِنَ المَوَدَّةِ لِلْكُفّارِ ﴿ وَما أعْلَنْتُمْ ﴾ أيْ: أظْهَرْتُمْ بِألْسِنَتِكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: كَيْفَ تَسْتَسِرُّونَ بِمَوَدَّتِكم لَهم مِنِّي وأنا أعْلَمُ بِما تُضْمِرُونَ وما تُظْهِرُونَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي: الإسْرارَ والإلْقاءَ إلَيْهِمْ ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: أخْطَأ طَرِيقَ الهُدى.

ثُمَّ أخْبَرَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنْ يَثْقَفُوكُمْ ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم ﴿ يَكُونُوا لَكم أعْداءً ﴾ لا مُوالِينَ ﴿ وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ ﴾ بِالضَّرْبِ والقَتْلِ ﴿ وَألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ﴾ وهُوَ: الشَّتْمُ ﴿ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ فَتَرْجِعُونَ إلى دِينِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُكُمُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِمْ بِنَقْلِ أخْبارِ رَسُولِ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ ﴾ أيْ: قَراباتُكم.

والمَعْنى: ذَوُو أرْحامِكُمْ، أرادَ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الَّذِينَ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لِأجْلِهِمْ، ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "يُفْصَلُ" بِرَفْعِ الياءِ، وتَسْكِينِ الفاءِ، ونَصْبِ الصّادِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ" يُفَصَّلُ" بِرَفْعِ الياءِ، والتَّشْدِيدِ، وفَتْحِ الصّادِ، وافَقَهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الصّادَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، غَيْرَ المُفَضَّلِ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصّادِ، وتَخْفِيفِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: ( نُفَصِّلُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ، وفَتْحِ الفاءِ، مَكْسُورَةَ الصّادِ مُشَدَّدَةً.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( نَفْصِلُ ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، ساكِنَةَ الفاءِ، مَكْسُورَةَ الصّادِ خَفِيفَةً، أيْ: نَفْصِلُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ وإنْ كانَ ولَدَهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في هَذِهِ القِصَّةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ عَلى المالِ والوَلَدِ لا يُبِيحُ التَّقِيَّةَ في إظْهارِ الكُفْرِ، كَما يُبِيحُ في الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، ويَبِينُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ الهِجْرَةَ، ولَمْ يَعْذُرْهم في التَّخَلُّفِ لِأجْلِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ.

وإنَّما ظَنَّ حاطِبٌ أنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ ولَدِهِ، كَما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ، وإنَّما [قالَ] عُمَرُ؛ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ"  هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ﴾ الآيَةُ...

حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تخلص من تبيين سوء عاقبة موالاة أعداء الدّين في الحياة الدنيا، إلى بيان سوء عاقبة تلك الموالاة في الآخرة، ومناسبة حسن التخلص قوله: ﴿ وودوا لو تكفرون ﴾ [الممتحنة: 2] الدالّ على معنى: أن ودادَتهم كفركم من قبل أن يثقفوكم تنقلب إلى أن يكرهوكم على الكفر حين يثقفونكم، فلا تنفعكم ذوو أرحامكم مثل الأمهات والإِخوة الأشقاء، وللأمّ، ولا أولادكم، ولا تدفع عنكم عذاب الآخرة إن كانوا قد نفعوكم في الدنيا بصلة ذوي الأرحام ونصرة الأولاد.

فجملة ﴿ لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ﴾ إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن سؤال مفروض ممن يسمع جملة ﴿ ودُّوا لو تكفرون ﴾ [الممتحنة: 2]، أي من حق ذلك أن يُسأل عن آثارِه لخطر أمرها.

وإذا كان ناشئاً عن كلام جرى مجرى التعليل لجملة ﴿ فقد ضل سواء السبيل ﴾ [الممتحنة: 1]، فهو أيضاً مفيد تعليلاً ثانياً بحسب المعنى، ولولا إرادة الاستئناف البياني لجاءت هذه الجملة معطوفة بالواو على التي قبلها، وزاد ذلك حسناً أن ما صدر من حاطب ابن أبي بلتعة مما عُدّ عليه هو موالاةٌ للعدوّ، وأنه اعتذر بأنه أراد أن يتخذ عند المشركين يداً يحمون بها قرابته (أي أمه وإخوته).

ولذلك ابتدئ في نفي النفع بذكر الأرحام لموافقة قصة حاطب لأن الأم ذات رحم والإِخوة أبناؤها هم إخوته من رحمه.

وأما عطف ﴿ ولا أولادكم ﴾ فتتميم لشمول النهي قوماً لهم أبناء في مكة.

والمراد بالأرحام: ذوو الأرحام على حذف مضاف لظهور القرينة.

و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف يتنازعه كلٌ من فعل ﴿ لن تنفعكم ﴾ ، وفعل ﴿ يفصل بينكم ﴾ .

إذ لا يلزم تقدم العاملين على المعمول المتنازع فيه إذا كان ظرفاً لأن الظروف تتقدم على عواملها وأن أبيت هذا التنازع فقل هو ظرف ﴿ تنفعكم ﴾ واجعل ل ﴿ يفصل بينكم ﴾ ظرفاً محذوفاً دلّ عليه المذكور.

والفصل هنا: التفريق، وليس المراد به القضاءَ.

والمعنى: يوم القيامة يفرق بينكم وبين ذوي أرحامكم وأولادكم فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ﴾ [عبس: 34 37].

والمعنى: أنهم لا ينفعونكم يوم القيامة فما لكم ترفضون حقّ الله مراعاةً لهم وهم يفرّون منكم يوم اشتداد الهول، خَطَّأ رأيهم في موالاة الكفار أولاً بما يرجع إلى حال مَن والوه.

ثم خَطّاه ثانياً بما يرجع إلى حال من استعملوا الموالاة لأجلهم، وهو تقسيم حاصر إشارة إلى أن ما أقدم عليه حاطب مِن أي جهة نظر إليه يكون خطأ وباطلاً.

وقرأ الجمهور ﴿ يفصل بينكم ﴾ ببناء ﴿ يُفصَل ﴾ للمجهول مخففاً.

وقرأه عاصم ويعقوب ﴿ يُفصِل ﴾ بالبناء الفاعل، وفاعله ضمير عائد إلى الله لعلمه من المقام، وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ يفصِّل ﴾ مشدد الصاد مكسورة مبنياً للفاعل مبالغةً في الفصل، والفاعل ضمير يعود إلى الله المعلوم من المقام.

وقرأه ابن عامر ﴿ يُفصَّل ﴾ بضم التحتية وتشديد الصاد مفتوحة مبنياً للنائب من فَصَّل المشدّد.

وجملة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ وعيد ووعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا أرادَ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ أظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، وكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ النَّبِيَّ  خارِجٌ إلَيْهِمْ وأرْسَلَ مَعَ امْرَأةٍ ذُكِرَ أنَّها سارَّةُ مَوْلاةٌ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ  بِذَلِكَ، فَأنْفَذَ عَلِيًّا وأبا مِرْثَدٍ، وقِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقِيلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ لَهُما، اذْهَبا إلى رَوْضَةِ خاخَ فَإنَّكم سَتَلْقَوْنَ بِها امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذاهُ وعُودا، فَأتَيا المَوْضِعَ فَوَجَداها والكِتابُ مَعَها، فَأخَذاهُ وعادا، فَإذا هو كِتابُ حاطِبٍ فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ  قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقالُوا: بَلى ولَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وظاهَرَ أعْداءَكَ عَلَيْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  فَلَعَلَّ اللَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ [ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِحاطِبٍ] ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ امْرَأً مُصَلَّقًا مِن قُرَيْشٍ وكانَ لِي بِها مالٌ فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  صَدَقَ حاطِبٌ فَلا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها.

» وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُعْلِمُونَهم سِرًّا أنَّ بَيْنَكم وبَيْنَهم مَوَدَّةً.

الثّانِي: تُعْلِمُونَهم سِرًّا بِأحْوالِ النَّبِيِّ  بِمَوَدَّةٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل «عن عليّ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب.

قالت: ما معي كتاب.

قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟

قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم: قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ » .

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر من طريق الحارث عن علي قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة أسر إلى ناس من أصحابه أنه يريد الدخول إلى مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثني أنا ومن معي فقال: ائتوا روضة خاخ فذكر له ما تقدم فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذرر من طريق قتادة وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في الآية قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السيرورة من الحديبية إلى مشركي قريش كتب إليها حاطب بن أبي بلتعة يحذرهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، فوجد الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها فقال له: ما حملك على الذي صنعت؟

قال: أما والله ما ارتبت في أمر الله، ولا شككت فيه، ولكنه كان لي بها أهل ومال، فأردت مصانعة قريش، وكان حليفاً لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية، قال: نزلت في رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش كتب إلى أهله وعشيرته بمكة يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟

قال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت: أكتب كتاباً لا يضر الله ورسوله، فقلت: أضرب عنقه يا رسول الله فقد كفر، فقال: وما يدريك يا ابن الخطاب أن يكون الله أطلع على أهل العصابة من أهل بدر؟

فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .

وأخرج ابن مردويه من طريق شهاب «عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب رجل من أهل اليمن كان حليفاً للزبير بن العوام من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير، فقال لهما انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب، فخذا الكتاب، فائتياني به، فانطلقا حتى أدركا المرأة بحليفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلاً، فقالا لها: أعطينا الكتاب الذي معك.

قالت: ليس معي كتاب.

قالا كذبت قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتاباً، والله لتعطين الكتاب الذي معك أو لا نترك عليك ثوباً إلا التمسنا فيه.

قالت: أو لستم بناس مسلمين؟

قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن معك كتاباً حتى إذ ظنت أنهما ملتمسان كل ثوب معها حلت عقاصها، فأخرجت لهما الكتاب من بين قرون رأسها كانت قد اعتقصت عليه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، قال: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم قال: فما حملك على أن تكتب به؟

قال حاطب: أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله عز وجل، ولكني كنت امرأ غريباً فيكم أيها الحيّ من قريش وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم، فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإنه قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم ما عملتم فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ حتى بلغ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ » .

أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة مرسلاً.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الفتح إلا أربعة: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فذكر الحديث قال: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئاً، ثم أتاها رجل، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليها لحفظ عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فلقياها في الطريق، ففتشاها، فلم يقدرا على شيء معها، فأقبلا راجعين، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها، فرجعا إليها، فسلاّ سيفهما، فقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعنّ إلينا الكتاب، فأنكرت، ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبلا ذلك منها فحلت عقاص رأسها، فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها، فدفعته إليهما، فرجعا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إليه، فدعا الرجل فقال: ما هذا الكتاب؟

فقال: أخبرك يا رسول الله أنه ليس من رجل ممن معك إلا وله بمكة من يحفظ عياله، فكتبت بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين كتاباً يذكر فيه مسير النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث به مع امرأة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأخذ الكتاب منها فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطباً فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، وما كفرت منذ أسلمت ولا شككت منذ استيقنت، ولكني كنت امرأ لا نسب لي في القوم، إنما كنت حليفهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمت، فكتبت إليهم بشيء قد علمت أن لن يغني عنهم من الله شيئاً أراده أن أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله خلّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق فأضرب عنقه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً عرف عمر أنه قد غضب، ثم قال: ويحك يا عمر بن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل موطن من مواطن الخير فقال للملائكة: اشهدوا أني قد غفرت لأعبدي هؤلاء فليعملوا ما شاؤوا؟» قال عمر: الله ورسوله أعلم.

قال: «إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر، فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد «عن جابر أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدلّ النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، فقال: يا حاطب أفعلت؟

قال: نعم أما إني لم أفعل غشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفاقاً قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له غير أني كنت غريباً بين ظهرانيهم، وكانت والدتي فأردت أن أخدمها عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟

قال: أتقتل رجلاً من أهل بدر، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي «عن جابر أن عبداً لحاطب بن أبي بلعتة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتكي حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية» .

وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: اسم الذي أنزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ حاطب بن أبي بلتعة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يحذرهم سيرورة رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال له نبي الله: ما حملك على الذي صنعت؟

قال: أما والله ما شككت في أمري، ولا ارتبت فيه، ولكن كان لي هناك مال وأهل، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي، وذكر لنا أنه كان حليفاً لقريش، ولم يكن من أنفسهم، فأنزل الله القرآن وقال: ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ إلى قوله: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ قال: يقول فلا تأسوا في ذلك فإنها كانت موعدة وعدها إياه ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا يقول: لا تظهرهم علينا ففتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا لأنهم أولى بالحق منا» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بما تعملون بصير ﴾ قال: في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم.

وفي قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه ﴾ قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين، وفي قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: لا تعذبنا بأيديهم ولا تعذب من عبدك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بصير ﴾ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم، وقوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ نهو أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة ﴾ قال: في صنع إبراهيم كله إلا في الاستغفار لأبيه لا يستغفر له وهو مشرك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ يقول: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ﴾ لما عوتب حاطب على ما فعل اعتقد بأن له أرحاماً وأولاداً فيما بينهم وليس له (١) ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم ﴾ (٢) قال المفسرون: يقول لا يدعونكم قراباتكم وأولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله -  - والمؤمنين فلن ينفعكم أولئك الذين عصيتم الله لأجلهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ ﴾ الله ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، وأهل معصيته والكفر به النار.

وقوله: ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لقوله: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ ﴾ ويجوز أن يكون ظرفاً ليفصل في قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ (٣) ﴿ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ ﴾ ، وهذه قراءة عاصم.

وقرأ ابن كثير (يُفصَل) بضم الياء وفتح الصاد مخففة، والمعنى راجع إلى الله تعالى، لأنه وإن لم يسم فاعله معروف أنه يفصل، وهو خير الفاصلين، كما أن قوله: ﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ  ﴾ معناه: خلق الله الإنسان وقرئ (٤) (٥) قوله: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ ظرف على معنى الذي بينكم كقوله: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 54] في قراءة من نصب، ومن لم يسند الفعل إلى الله وقرأه على غير تسمية الفاعل فقوله: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً كما ذكرنا.

قال أبو علي: وكان أبو الحسن يذهب في هذا النحو إلى أن الظرف أقيم مقام الفاعل، وترك على الفتح الذي كان يجري عليه في الكلام يجريه في أكثر الكلام منصوباً، فاللفظ على هذا القول مفتوح، والموضع رفع كما كان اللفظ في قوله: ﴿ كَفَى بِاللَّهِ  ﴾ وما جائني من رجل، مجرورًا، والموضع موضع رفع (٦) قال ابن عباس في هذه الآية: لا يجمع بين كافر ومؤمن (٧) ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ يعني بما عمل حاطب من مكاتبة أهل مكة، (بصير) حين أخبر نبيه -  - بذلك (٨) (١) في (ك): (وأن له).

(٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 299.

(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412 - 413، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 728 (٤) في (ك): (وقرئ من) والصواب: وقرئ (يُفَصّل).

(٥) قرأ عاصم، ويعقوب (يَفْصِلُ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففة مع إسكان الفاء.

وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر (يُفْصَلُ) بضم الياء وفتح الصاد مع إسكان الفاء وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يُفَصَّلُ) بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد وتشديدها.

وقرأ ابن عامر (يُفَصَّلُ) بضم الياء وفتح الصاد مع التشديد.

انظر: "حجة القراءات" ص 706، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 285 - 286، "النشر" 2/ 387، "الإتحاف" ص 414.

(٦) انظر: "لحجة للقراء السبعة" 6/ 285.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 51، ولفظه (يفرق بينكم وبين المؤمنين يوم القيامة).

(٨) رواه عبد بن حميد، عن مجاهد.

"الدر" 6/ 205.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

ِ ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ ﴾ إشارة إلى ما قصد حاطب من رعي قرابته ﴿ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون من الفصل بالحكم بينهم أو من الفصل بمعنى التفريق، أي يفرق بينكم وبين قرابتكم يوم القيامة، وقيل: إن العامل في يوم القيامة ما قبله وذلك بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ .

هذه الآية وما أشبهها من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ، وفي كل ما ذكر ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ دلالة واضحة أن الإيمان ذو حد في نفسه، وأنه ليس كما قالت الحشوية وأصحاب الحديث: إن الطاعات كلها إيمان، ووجه ذلك أن كلا في نفسه قد فهم من هذا الآية أنه محتمل لهذا الخطاب وأنه له؛ فثبت أنه ذو حد في نفسه وهو التصديق بالقلب، وغيره من الطاعات شرائعه، والله أعلم.

وفيما ذرك من قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ  ﴾ وما أشبهها من الآي دلالة على أن الإنسان ما يشاهد، وليس كما قال النظام: إن الإنسان إنما هو جسم آخر سوى هذال الإنسان، ولا كما قال الناشئ: إن الإنسان إنما هو جوهر بسيط في هذا الإنسان.

ووجه ذلك: أنه ليس كل أحد يعلم كونه جوهراً بسيطاً أو جسماً آخر فيه لطيفاً، وقد فهم الكل من هذه الآيات أنه محتمل للخطاب بها؛ فثبت بما وصفنا أن الإنسان هو ما نشاهده والله [أعلم].

وفيه دلالة أن ما يفهم من هذه الآيات من عموم أو خصوص ليس يفهم بظاهر الخطاب؛ ولكن بما توجبه الحكمة، فإن أوجبت عمومها أجورها على عمومها، وإن أوجبت تخصيصها أجروءا على ذلك، والذي يدل على ما وصفنا أنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، وهذا مخرجه في الظاهر على العموم، ولكنه لما قال: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ ، ومعلوم أن الذي كان يلقي بالمودة خاصة لا كل المؤمنين، فكان يجب أن يكون مجراها على الخصوص؛ لما بين في سياق هذه الآية، ولكن الحكمة توجب تعميم هذه الآية؛ لأنه لو قال لواحد: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ كان هذا الخطاب لازماً للكل بما توجبه الحكمة، أنه إذا علم من أحد عداوته ألا يتخذه ولياً وكذلك قوله: ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ﴾ .

خرج مخرج العمو في الظاهر، ولكن الذين أخرجوه إنما كانوا أهل مكة خاصة دون سائر الكفرة، فهذا يبين أن ما أجرى مجرى العموم لم يجر لظاهر اللفظ، ولكن لما يوجب الحكمة والدليل.

وكذلك قوله -  -: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الجمعة: 9]: ليس أن السعي إنما فرض يوم الجمعة لتخصيصه بالذكر؛ ولكن لما أن النداء في يوم الجمعة إلى ذكرين، وفي غيره من الأيام إلى ذكر واحد؛ ولأجل أن النداء المضيق في يوم الجمعة هو النداء الأول، وفي غيره من الأيام هو النداء الثاني، فإذا جاز أن يكون فرض السعي في وم الجمعة إنما هو لهذين المعنيين - ثبت أن التخصيص ليس لظاهر اللفظ، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة رسالته  وذلك أن قوله: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ أن ذلك الرجل لم يطلع على سره أحداً، وقد أطلع الله -  - نبيه؛ حيث أخبرهم بالكتاب؛ فثبت أنه علمه بالوحي، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟

فقال الحسن: إنها نزلت في أهل النفاق.

وقال غيره من عامة المفسرين: إنها نزلت في حاطب بن [أبي] بلتعة، وهذا أشبه التآويل بالصواب، وأقرب إلى الحق؛ وذلك أن الله -  - [قال]: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ﴾ : فقد أخبر أن الكفرة عدو لهم، ولو كانت الآية في أهل النفاق لم يكن الكفرة عدوّاً لهم؛ بل كانوا أولياء، فثبت أن المراد منه: المؤمنون، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة أن ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل لم يخرجه من الولاية؛ لأنه قال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، ولو كان ذلك الذنب بكفره ويخرجه عن الإيمان لم يكن ذلك الكافر عدوّاً له؛ بل يكون وليّاً له بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، ولأجل أنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : سماه: مؤمناً، والدليل على أن ذلك الذنب كان كبيرة أنه أخبرهم بأن رسول الله  جهزهم للقتال، وفيما أخبر: أمر بأن يستعدوا لقتال النبي  وحربه، ولا يشكل أن من أمر بقتال رسول الله  كان مرتكب كبيكرة، وإذا كان كذلك، وقد أحله الله -  - في جملة المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي ﴾ وبما وصفناه من الدليل - ثبت أن الكبيرة لا تكفره، ولا تغير اسم الإيمان عنه، والله الموفق.

ثم فيما نهانا أن نتخذ عدونا وعدوه أولياء دلالة أن ليس في الحكمة اتخاذ الولاية مع الأعداء.

ثم من قال المعتزلة: إن الله -  - أراد من جميع عباده أن يؤمنوا، وإذا أراد أن يؤمنوا فقد أراد أن يواليهم مع علمه أنهم يختارون عداوته؛ فكأنهم وصفوا الله -  - بما يخرجه من الحكمة ويدخل في السفه والجهل بالعواقب، وذلك كله منفي عن الله -  وتعالى - والمعتزلة فيما وصفوا فجرة فسقه، ويخشى أن يكونوا كفرة، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ ، أي: بما كتب في الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي ﴾ .

يحتمل أ ن يكون ذلك فيمن هاجر من مكة إلى المدينة، وهو أقرب التأويلين؛ لأن حاطباً إنما كان هاجر من مكة إلى المدينة وفيه نزلت الآية.

ويحتمل أن يكون ذلك حين أرادوا الجهاد إلى مكة، والله أعلم أي ذلك كان.

وقوله - عز جل -: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ﴾ .

أي: هو ﴿ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ ﴾ من كتابة الكمتاب إلى أهل مكة، ﴿ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ﴾ : بما أظهرتم من العذر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ ، أي: من اتخاذ الولاية مع أعدائه، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، في الاعتقاد: إن اعتقد ذلك، وفي الفعل: إن لم يعتقده، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ﴾ .

التزام مراقبة الله -  - في السر والعلانية، وتحذير لهم؛ ليجمعوا بين السر والعلانية وتخويف لهم عن أن يطلع رسوله - عليه الصلاة والسلام - على سرائرهم كما أطلعه على أمر الكتاب إلى أهل مكة.

ثم في هذه الآية ما أعظم شيء في زجرهم ونهيهم عن المعاصي، وذلك أنه لما أطلعه على جميع ما يتعاطونه من الذنوب سرّاً وعلانية؛ فإذا علموا أن الرسول  يعلم من سرهم ما يعلم من علانيتهم بما يطلعه الله عليه؛ يحملهم ذلك على الانتهاء عن المعاصي في السر والعلانية، وعلى الإجابة إلى ما يدعوهم إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ .

فوجه ذلك وتأويله عندنا - والله أعلم -: أنه لما رآهم رغبوا في أموالهم ومودتهم رغبة منهم في الكفرة أن يحفظوا أولادهم وأموالهم، أخبرهم أن كيف يرغبون في حفظهم ذلك، وهم لو قدروا عليكم وظفروا بكم قتلوكم وآذوكم بألسنتهم؟!

فكأنه يقول: كيف توالونهم من حيث تسرون إليهم بالمودة، وهم لو ظفروا بكم قتلوكم، وكانوا لكم أعداء؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ .

يعني: أنهم يودون أن يكفروا، ومع ما يودون أن يكفروا: لو قدروا عليكم قتلوكم، فمن كانت حالهم معكم مثل هذا: فكيف تطمعون أن يحفظوا أولادكم وأموالكم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن كيف توالون الكفرة؛ لمكان أولادكم وأرحامكم، وهم لا ينفعونكم يوم القيامة؟!

والثاني: أن أرحامكم لا تنفعكم ولا تشفع لكم يوم القيامة.

وقوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ [يحتمل - أيضاً - وجهين: أحدهما:] أي: بينكم وبين أرحامكم؛ لقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ  ﴾ .

والثاني: أي: يفصل بينكم وبين أرحامكم؛ لاختلاف أعمالكم؛ فينزل كل واحد منكم منزل عمله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لن تنفعكم قرابتكم، ولا أولادكم إذا واليتم الكفار من أجلهم، يوم القيامة يفرق الله بينكم، فيدخل أهل الجنّة منكم الجنّة، وأهل النار النار، فلا ينفع بعضكم بعضًا، والله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.XKjDX"

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله