الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ٤ من سورة الممتحنة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين ، وعداوتهم ، ومجانبتهم ، والتبري منهم : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) أي : وأتباعه الذين آمنوا معه ( إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ) أي : تبرأنا منكم ( ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ) أي : بدينكم وطريقكم ( وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ) يعني : وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ، ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) أي : إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له ، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأنداد والأوثان .
وقوله : ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) أي : لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها ، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه ، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه .
وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ، ويقولون : إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه ، فأنزل الله ، عز وجل : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) [ التوبة : 113 ، 114 ] .
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) إلى قوله : ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ) أي : ليس لكم في ذلك أسوة ، أي : في الاستغفار للمشركين ، هكذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ومقاتل ، والضحاك ، وغير واحد .
ثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم والذين معه ، حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم ، فلجئوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا : ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) أي : توكلنا عليك في جميع الأمور ، وسلمنا أمورنا إليك ، وفوضناها إليك ( وإليك المصير ) أي : المعاد في الدار الآخرة .
القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قد كان لكم أيها المؤمنون أُسوة حسنة: يقول: قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرحمن، تقتدون به، والذين معه من أنبياء الله.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عزّ وجلّ: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) قال: الذين معه الأنبياء.
وقوله: ( إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله، وعبدوا الطاغوت: أيها القوم إنا برآء منكم، ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.
وقوله: ( كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) يقول جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة: كفرنا بكم، أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقًّا، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة، حتى تؤمنوا بالله وحده، يقول: حتى تصدّقوا بالله وحده، فتوحدوه، وتفردوه بالعبادة.
وقوله: ( إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) يقول تعالى ذكره: قد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها من مباينة الكفار ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه ( لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدوّ الله؛ فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه.
يقول تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله، فتبرّءوا من أعداء الله من المشركين به ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده ويتبرّءوا عن عبادة ما سواه وأظهروا لهم العداوة والبغضاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ ) قال: نُهُوا أن يتأسَّوْا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن مطرَّف الحارثي، عن مجاهد: ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ) ...
إلى قوله: ( لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) يقول: في كلّ أمره أسوة، إلا الاستغفار لأبيه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ) ...
الآية، ائتسوا به في كلّ شيء، ما خلا قوله لأبيه: ( لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) فلا تأتسوا بذلك منه، فإنها كانت عن موعدة وعدها إياه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ ) يقول: لا تأسوا بذلك فإنه كان عليه موعدًا، وتأسوا بأمره كله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ...
إلى قوله: ( إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) قال: يقول: ليس لكم في هذا أسوة.
ويعني بقوله: ( وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) يقول: وما أدفع عنك من الله من عقوبة، إن الله عاقبك على كفرك به، ولا أُغْنِي عنك منه شيئًا.
وقوله: ( رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ) يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل إبراهيم وأنبيائه صلوات الله عليهم: ( رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ) يعني: وإليك رجعنا بالتوبة مما تكره إلى ما تحب وترضى ( وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) يقول: وإليك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا، وتحشرنا في القيامة إلى موقف العَرْض.
قوله تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير[ ص: 51 ] قوله تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم لما نهى عز وجل عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار ; أي فاقتدوا به وأتموا ; إلا في استغفاره لأبيه .
والإسوة والأسوة ما يتأسى به ، مثل القدوة والقدوة .
ويقال : هو إسوتك ; أي مثلك وأنت مثله .
وقرأ عاصم أسوة بضم الهمزة لغتان .والذين معه يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين .
وقال ابن زيد : هم الأنبياءإذ قالوا لقومهم الكفار .إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله أي الأصنام .
وبرآء جمع بريء ; مثل شريك وشركاء ، وظريف وظرفاء .
وقراءة العامة على وزن فعلاء .
وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق " براء " بكسر الباء على وزن فعال ; مثل قصير وقصار ، وطويل وطوال ، وظريف وظراف .
ويجوز ترك الهمزة حتى تقول : برا ; وتنون .
وقرئ " براء " على الوصف بالمصدر .
وقرئ " براء " على إبدال الضم من الكسر ; كرخال ورباب .
والآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله .
وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله ." كفرنا بكم " أي بما آمنتم به من الأوثان .
وقيل : أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق .وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم .حتى تؤمنوا بالله وحده فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة .إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين ; فإنه كان عن موعدة منه له ; قاله قتادة ومجاهد وغيرهما .
وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه ، ثم بين عذره في سورة " التوبة " .
وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء ; لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله .
وقيل : هو استثناء منقطع ; أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ، إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم ، فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه .
وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم ; وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن ، فلم توالوهم .وما أملك لك من الله من شيء هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه ; أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به ." ربنا عليك توكلنا " هذا من دعاء [ ص: 52 ] إبراهيم عليه السلام وأصحابه .
وقيل : علم المؤمنين أن يقولوا هذا .
أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا : ربنا عليك توكلنا ؛ أي اعتمدنا .وإليك أنبنا ؛ أي رجعنا ." وإليك المصير " لك الرجوع في الآخرة .
قد كان لكم يا معشر المؤمنين { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، { فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله.ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: { كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا } أي: ظهر وبان { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ } أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك { أَبَدًا } ما دمتم مستمرين على كفركم { حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية، فلكم أيها المؤمنون أسوة [حسنة] في إبراهيم ومن معه في القيام بالإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء تعبدوا به لله وحده، { إِلَّا } في خصلة واحدة وهي { قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ } آزر المشرك، الكافر، المعاند، حين دعاه إلى الإيمان والتوحيد، فامتنع، فقال إبراهيم : { لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ و } الحال أني لا { أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } لكني أدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا، فليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم في هذه الحالة التي دعا بها للمشرك، فليس لكم أن تدعوا للمشركين، وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك بقوله: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إن إبراهيم لأواه حليم } ولكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه، حين دعوا الله وتوكلوا عليه وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير، فقالوا: { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } أي: اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك.{ وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } أي: رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك، فنحن في ذلك ساعون، وبفعل الخيرات مجتهدون، ونعلم أنا إليك نصير، فسنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما يقربنا الزلفى إليك
( قد كانت لكم أسوة ) قدوة ( حسنة في إبراهيم والذين معه ) من أهل الإيمان ( إذ قالوا لقومهم ) من المشركين ( إنا برآء منكم ) جمع بريء ( ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ) جحدنا وأنكرنا دينكم ( وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) يأمر حاطبا والمؤمنين بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام والذين معه من المؤمنين في التبرؤ من المشركين ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) يعني : لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في استغفاره لأبيه المشرك فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قد قال لأبيه : لأستغفرن لك ثم تبرأ منه - على ما ذكرناه في سورة التوبة - ( وما أملك لك من الله من شيء ) يقول إبراهيم لأبيه : ما أغني عنك ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيته وأشركت به ( ربنا عليك توكلنا ) يقوله إبراهيم ومن معه من المؤمنين ( وإليك أنبنا وإليك المصير ) .
(قد كانت لكم أسوة) بكسر الهمزة وضمها في الموضعين، قدوة (حسنة في إبراهيم) أي به قولا وفعلا (والذين معه) من المؤمنين (إذ قالوا لقومهم إنا برءاء) جمع بريء كظريف (منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم) أنكرناكم (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واوا (حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) مستثنى من أسوة، فليس لكم التأسي به في ذلك بأن تستغفروا للكفار وقوله (وما أملك لك من الله) أي من عذابه وثوابه (من شيء) كني به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار فهو مبني عليه مستثنى من حيث ظاهره مما يتأسى فيه (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو لله كما ذكره في "" براءة "" (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) من مقول الخليل ومن معه أي قالوا:
قد كانت لكم-أيها المؤمنون- قدوة حسنة في إبراهيم عليه السلام والذين معه من المؤمنين، حين قالوا لقومهم الكافرين بالله: إنا بريئون منكم وممَّا تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد، كفرنا بكم، وأنكرنا ما أنتم عليه من الكفر، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا ما دمتم على كفركم، حتى تؤمنوا بالله وحده، لكن لا يدخل في الاقتداء استغفار إبراهيم لأبيه؛ فإن ذلك إنما كان قبل أن يتبين لإبراهيم أن أباه عدو لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ربنا عليك اعتمدنا، وإليك رجعنا بالتوبة، وإليك المرجع يوم القيامة.
وبعد هذا النهى للمؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .
.
.
ساقت لهم السورة الكريمة ، جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام - الذى تبرأ من كل صلة تربطه بغيره سوى صلة الإيمان ، وإخلاص العبادة لله - تعالى - ، وأمرتهم بأن يقتدوا به فى ذلك لينالوا رضا الله - عز وجل - فقال - تعالى - : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ .
.
.
) .الأسوة كالقدوة ، وهى اتباع الغير على الحالة التى يكون عليها ، قال - تعالى - : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ ) تأكيد لأمر الإنكار عليهم ، والتخطئة فى موالاة الكفار ، بقصة إبراهيم - عليه السلام - ومن معه ، ليعلم أن الحب فى الله - تعالى - والبغض فيه - سبحانه - من أوثق عرا الإيمان ، فلا ينبغى أن يغفل عنها .والأسوة - بضم الهمزة وكسرها - بمعنى الائتساء وكسرها - بمعنى الائتساء والاقتداء ، وتطلق على الخصلة التى من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها ، وعلى نفس الشخص المؤتسى به .والمعنى : قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة ، وخصلة حميدة ، ومنقبة كريمة ، فى قصة أبيكم إبراهيم - عليه السلام - ، وفى قصة الذين آمنوا معه .وافتتح - سبحانه - الكلام بقوله : ( قَدْ كَانَتْ ) لتأكيد الخبر ، فإن هذا الأسلوب المشتمل على قد وفعل الكون ، يفيد التأكيد بموجب الخبر ، والتعريض بغفلة من يخالفه .ووصف - سبحانه - الأسوة بالحسن ، على سبيل المدح لها والتحريض على الاقتداء بصاحبها .وعطف - سبحانه - على إبراهيم الذين آمنوا معه ، ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم - صلى الله عليه وسلم - أى : كونوا - أيها المؤمنون - متأسين ومقتدين برسولكم - صلى الله عليه وسلم - ومطيعين له ، ومستجيبين لتوجيهاته ، كما كان أتباع أبيكم إبراهيم كذلك .ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم الاقتداء به من حال إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه ، فقال : ( إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء أَبَداً حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ ) و ( إِذْ ) ظرف زمان بمعنى وقت وحين ، وهو يدل اشتمال من إبراهيم والذين معه .
أو خبر لكان .( بُرَءآؤاْ ) جمع برئ .
يقال : برئ فلان من كذا يبرأ براء وبراءة .
إذا ابتعد عنه ، لكراهته له .أى : قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة فى إبراهيم - عليه السلام - وفى الذين آمنوا معه ، وقت أن قالوا لقومهم الكافرين ، بشجاعة وقوة : إنا برآة منكم ، ومن آلهتكم التى تعبدونها من دون الله - عز وجل - وإننا قد كفرنا بكم وبمعبوداتكم ( وَبَدَا ) أى : وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغض على سبيل التأييد والاستمرار ، ولن نتخلى عن ذلك معكم ، حتى تؤمنوا بالله - تعالى - وحده ، وتتركوا عبادتكم لغيره - تعالى - .فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه ، قد أعلنوا بكل شجاعة وشدة ، إيمانهم الكامل بالحق ، وبراءتهم وكراهيتهم واحتقارهم ، لكل من أشرك مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى .وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلبى للمنكر ، بل جاهروا بعداوتهم له ، وبالتنزه عن اقترابهم منه .
وبتجافيهم عنه .
.
ولعل هذا هو أقصى ما كانوا يملكونه بالنسبة لتغيير هذا المنكر فى ذلك الوقت .وقد أخبرنا القرآن الكريم أن إبراهيم - عليه السلام - لم يكتف بذلك ، بل حطم الأصنام التى كان يعبدها قومه وقال لهم : ( أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) قال صاحب الكشاف : أى : كان فيهم - أى : فى إبراهيم ومن آمن معه - مذهب حسن مرضى ، جدير بأن يؤتسى به ، ويتبع أثره ، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا ، حيث كاشفوهم بالعداوة ، وقشروا لهم العصا ، وأظهروا لهم البغضاء والمقت ، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ، ليس إلا كفرهم بالله .وما دام هذا السبب قائما ، كانت العداوة قائمة ، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده ، انقلبت العداوة موالاة ، والبغضاء مودة ، والمقت محبة - فأفصحوا عن محض الإخلاص .وقوله - تعالى - : ( إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ .
.
.
) كلام معترض بين الأقوال التى حكاها - سبحانه - عن إبراهيم - عليه السلام - .والاستثناء يترجح أنه منقطع ، لأن هذا القول من إبراهيم لأبيه ، ليس من جنس الكلام السابق ، الذى تبرأ فيه هو ومن معه مما عليه أقوامهم الكافرون .والمعنى : اقتدوا - أيها المؤمنون - بأبيكم إبراهيم - عليه السلام - وبالذين آمنوا معه ، فى براءتهم من الشرك والمشركين .
.
.
ولكن لا تقتدوا به فى استغفاره لأبيه الكافر ، لأن استغفاره له كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه .قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ .
.
) هو استثناء متصل من قوله : ( في إِبْرَاهِيمَ ) بتقدير مضاف .
.
.
أى : قد كانت لكم أسوة حسنة فى مقالات إبراهيم ، إلا فى قوله لأبيه : لأستغفرن لك .ويصح أن يكون استثناء متصلا من قوله : ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة ، فكأنه قيل : قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم فى جميع أقواله وأفعاله ، إلا فى قوله لأبيه لأستغفرن لك .أو هو استثناء منقطع ، أى : اقتدوا بإبراهيم فى كل أقواله وأحواله .
لكن لا تقتدوا به فى قوله لأبيه المشرك : لأستغفرن لك ، بأن تستغفروا لآبائكم المشركين ، لأن استغفار إبراهيم لأبيه المشرك كان عن موعدة وعدها إياه ، أو أنه ظن أن أباه قد أسلم .وقوله - سبحانه - ( وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْءٍ ) حكاية لبقية كلام إبراهيم لأبيه ، وليس الاستثناء متوجها إليه ، لأن هذه الجملة بيان لما تحلى به إبراهيم - عليه السلام - من آداب مع ربه - تعالى - حيث فوض الأمر إليه - سبحانه - .أى : وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له ، أملا فى هدايته ، وقال له : يا أبت إنى لا أملك لك من أمر قبول الاستغفار شيئان بل الأمر كله الله ، إن شاء عذبك وإن شاء عفا عنك ، والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال من فاعل ( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) أى : لأستغفرن لك حالة كونى لا أملك من أمر المغفرة أو غيرها شيئا ، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - عز وجل - .ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا مما تضرع به إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه فقال : ( رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير ) .أى : يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا ، وإليك وحدك قبول توبتنا ، وإليك لا إلى أحد سواك مرجعنا ومصيرنا .
اعلم أن الأسوة ما يؤتسى به مثل القدوة لما يقتدى به، يقال: هو أسوتك، أي أنت مثله وهو مثلك، وجمع الأسوة أسى، فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به، قال المفسرون أخبر الله تعالى أن إبراهيم وأصحابه تبرءوا من قومهم وعادوهم، وقالوا لهم: ﴿ إِنَاْ بُرآء مِنكُمْ ﴾ ، وأمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأنسوا بهم وبقوله، قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهله في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وهو مشرك وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفرون للمشركين، وقال مجاهد وقتادة: ائتسوا بأمر إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه، وقيل: تبرءوا من كفار قومكم فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم، لا في الاستغفار لأبيه، وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وقال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره، بل المعنى قد كانت لكم أسوة في كل شيء فعله، إلا في قوله لأبيه: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيء ﴾ هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له: ما أغنى عنك شيئاً، ولا أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام، وقال ابن عباس: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ﴾ الآية، أي في جميع أمورنا ﴿ وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ﴾ رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك، وفي الآية مباحث: الأول: لقائل أن يقول: ﴿ حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ ﴾ ما الفائدة في قوله: ﴿ وَحْدَهُ ﴾ والإيمان به وبغيره من اللوازم، كما قال تعالى: ﴿ كُلٌّ ءَامَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ فنقول: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، من لوازم الإيمان بالله وحده، إذ المراد من قوله: ﴿ وَحْدَهُ ﴾ هو وحده في الألوهية، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره، لا يكون إيماناً بالله، إذ هو الإشراك في الحقيقة، والمشرك لا يكون مؤمناً.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم ﴾ استثناء من أي شيء هو، نقول: من قوله: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به، ويتخذوه سنة يستنون بها.
الثالث: إن كان قوله: ﴿ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ مستثنى من القول الذي سبق وهو: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ فما بال قوله: ﴿ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيء ﴾ وهو غير حقيق بالاستثناء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئاً ﴾ نقول: أراد الله تعالى استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أنا استغفر لك، وما وسعي إلا الاستغفار.
الرابع: إذا قيل: بم اتصل قوله: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ﴾ نقول: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة، ويجوز أن يكون المعنى هو الأمر بهذا القول تعليماً للمؤمنين وتتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم تنبيهاً على الإنابة إلى حضرة الله تعالى، والاستعاذة به.
الخامس: إذا قيل: ما الفائدة في هذا الترتيب؟
فنقول: فيه من الفوائد مالا يحيط به إلا هو، والظاهر من تلك الجملة أن يقال: التوكل لأجل الإفادة، وإفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ والتقوى الإنابة، إذ التقوى الاحتراز عما لا ينبغي من الأمور، والإشارة إلى أن المرجع والمصير للخلائق حضرته المقدسة ليس إلا، فكأنه ذكر الشيء، وذكر عقيبه ما يكون من اللوازم لإفادة ذلك كما ينبغي، والقراءة في ﴿ بُرَاء ﴾ على أربعة أوجه: برآء كشركاء، وبراء كظراف، وبراء على إبدال الضم من الكسر كرخال، وبراء على الوصف بالمصدر والبراء والبراءة، مثل الطماء والطماءة.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ أسوة وإسوة ﴾ وهو اسم المؤتسى به، أي كان فيهم مذهب حسن مرضي بأن يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله؛ ومادام هذا السبب قائماً كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت مقة، فأفصحوا عن محض الإخلاص.
ومعنى ﴿ كَفَرْنَا بِكُمْ ﴾ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء.
فإن قلت: مم استثني قوله: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم ﴾ ؟
قلت: من قوله: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ لأنه أراد بالأسوة الحسنة: قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها.
فإن قلت: فإن كان قوله ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ مستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة، فما بال قوله: ﴿ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْء ﴾ وهو غير حقيق بالاستثناء.
ألا ترى إلى قوله ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ [المائدة: 17] قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبنيّ عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.
فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ﴾ ؟
قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة.
ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا، أمراً من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليماً منه لهم تتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيهاً على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم.
وقرى: ﴿ برآء ﴾ كشركاء.
وبراء كظراف.
وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب.
وبراء على الوصف بالمصدر.
والبراء والبراءة كالظماء والظماءة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ قُدْوَةٌ.
اسْمٌ لِما يُؤْتَسى بِهِ.
﴿ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ خَبَرُ كانَ ولَكم لَغْوٌ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( حَسَنَةٌ ) أوْ صِلَةٌ لَها لا لِـ أُسْوَةٌ لِأنَّها وُصِفَتْ.
﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِخَبَرِ كانَ.
﴿ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ جَمِيعُ بَرِيءٍ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ.
﴿ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ أيْ بِدِينِكُمُ أوْ بِمَعْبُودِكُمْ، أوْ بِكم وبِهِ فَلا نَعْتَدُّ بِشَأْنِكم وآلِهَتِكم.
﴿ وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ ﴾ فَتَنْقَلِبُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أُلْفَةً ومَحَبَّةً.
﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَإنَّ اسْتِغْفارَهُ لِأبِيهِ الكافِرِ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَأْتَسُوا بِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ.
﴿ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ المُسْتَثْنى ولا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْناءِ المَجْمُوعِ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أجْزائِهِ.
﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أوْ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ تَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ.
﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا بِعَذابٍ لا نَتَحَمَّلُهُ.
﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ ما فَرَّطَ مِنّا ﴿ رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُجِيرَ المُتَوَكِّلَ ويُجِيبَ الدّاعِيَ.
<div class="verse-tafsir"
{قد كانت لكم أسوة} قدوة في التبرئ من الأهل {حَسَنَةٌ فِى إبراهيم} أي في اقواله ولهذا استثنى منها إلى قول إبراهيم {والذين مَعَهُ} من المؤمنين وقيل كانوا أنبياء {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} جمع برئ كظريف وظرفاء {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة} بالأفعال {والبغضاء} بالقلوب {أَبَداً حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ} فحينئذ نترك عداوتك {إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} وذلك لموعدة وعدها إياه أي افتدوا به في أقواله ولا تأتسوا به في الاستغفار لأبيه الكافر {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء} أي من هداية ومغفرة وتوفيق وهذه الجملة لاتليق بالاستثناء ألا ترى إلى قوله قُلْ فَمَن يملك لكم من الله شيئا ولكن المراد استثناء جملة قوله لأبيه والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده تابع له كأنه قال أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار
{رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} متصل بما قبل الاستثناء وهو من جملة الأسوة الحسنة وقيل معناه قولوا ربنا فهو ابتداء أر من الله للمؤمنين بأن يقولوه {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أقبلنا {وَإِلَيْكَ المصير} المرجع
﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّخْطِئَةِ في مُوالاةِ الكُفّارِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ لِيُعْلَمَ أنَّ الحُبَّ في اللَّهِ تَعالى والبُغْضَ فِيهِ سُبْحانَهُ مِن أوْثَقِ عُرا الإيمانِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُغْفَلَ عَنْهُما، والأُسْوَةُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ، وبِالكَسْرِ قَرَأ جَمِيعُ القُرّاءِ إلّا عاصِمًا وهي بِمَعْنى الِائْتِساءِ والِاقْتِداءِ، وتُطْلَقُ عَلى الخَصْلَةِ الَّتِي مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى ويُقْتَدى بِها.
وعَلى نَفْسِ الشَّخْصِ المُؤْتَسى بِهِ، فَفِي زَيْدٍ أُسْوَةٌ مِن بابِ التَّجْرِيدِ نَحْوَ: ولِلضُّعَفاءِ في الرَّحْمَنِ كافٍ وفي البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدٌ وكُلٌّ مِن ذَلِكَ قِيلَ: مُحْتَمَلٌ في الآيَةِ، ورُجِّحَ إرادَةُ الخَصْلَةِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ الآتِي عَلَيْها أظْهَرُ، ”ولَكم“ لِلْبَيانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في سُقْيا لَكَ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بَكانَ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِها، و”أُسْوَةٌ“ اسْمُها و”حَسَنَةٌ“ صِفَتُهُ، و”في إبْراهِيمَ“ خَبَرُها، أوْ ”لَكم“ هو الخَبَرُ، و”في إبْراهِيمَ“ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ - لِأُسْوَةٍ - أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ - لِكانَ - أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ”لَكم“ عَلى ما قِيلَ، أوْ في ”حَسَنَةٌ“ ولَمْ يُجَوَّزْ كَوْنُهُ صِلَةَ ”أُسْوَةٌ“ بِناءً عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، أوِ اسْمُهُ وهو إذا وُصِفَ لا يَعْمَلُ مُطْلَقًا لِضَعْفِ شَبَهِهِ بِالفِعْلِ، قِيلَ: وإذا قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ مَصْدَرًا ولا اسْمَهُ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ يُغْتَفَرُ عَمَلُهُ وإنْ وُصِفَ قَبْلَ العَمَلِ في الظَّرْفِ لِلِاتِّساعِ فِيهِ جازَ ذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ - بِالَّذِينَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعُهُ المُؤْمِنُونَ لَكِنْ قالَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ كانُوا قَرِيبًا مِن عَصْرِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وقْتَ مُكافَحَتِهِ قَوْمَهُ وبَراءَتِهِ مِنهم أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ كافَحُوهم مَعَهُ وتَبَرَّؤُوا مِنهم، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِسارَةَ حِينَ رَحَلَ إلى الشّامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدِ نَمْرُوذَ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى غَيْرِي وغَيْرُكِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ وُجُودُ الأتْباعِ المُؤْمِنِينَ في أوَّلِ وقْتِ المُكافَحَةِ بَلِ اللّازِمُ وُجُودُهم ولَوْ بَعْدُ، ولا شَكَّ في أنَّهم وُجِدُوا بَعْدُ فَلْيُحْمَلْ مَن مَعَهُ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ التَّبَرِّي المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ إلَخْ وقْتَ وُجُودِهِمْ، ”وإذْ“ قِيلَ: ظَرْفٌ لِخَبَرِ ﴿ كانَتْ ﴾ والعامِلُ الجارُّ والمَجْرُورُ أوِ المُتَعَلِّقُ، أوْ - لِكانَ - نَفْسِها عَلى ما مَرَّ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ أُسْوَةٌ ﴾ و ﴿ بُرَآءُ ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ «بِراءٌ» كَظِرافٍ جَمْعُ ظَرِيفٍ أيْضًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «بُراءٌ» بِضَمِّ الباءِ كَتُؤامٍ وظُؤارٍ، وهو اسْمُ جَمْعٍ الواحِدُ بَرِيءٌ وتُوامٌ وظِئْرٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ عَلى إبْدالِ الضَّمِّ مِنَ الكَسْرِ كَرُخالٍ بِضَمِّ الرّاءِ جَمْعُ رَخِلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ضَمٌّ أصْلِيٌّ، والصِّيغَةُ مِن أوْزانِ أسْماءِ الجُمُوعِ، ولَيْسَ ذَلِكَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ فَتَكُونُ الضَّمَّةُ بَدَلًا مِنَ الكَسْرَةِ ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ وعَنْهُ «بَراءٌ» عَلى فَعالٍ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ في [الزُّخْرُفِ: 26]، وهو مَصْدَرٌ عَلى فَعالٍ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ وغَيْرُهُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، أوْ لِأنَّ قَوْمَهُمُ المُشْرِكُونَ مُسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ شاكُّونَ فِيهِ حَيْثُ يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم عَلى شَيْءٍ وكَأنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا ذَلِكَ مِنهم فَقالُوا لَهم: ﴿ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ .
﴿ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ وغَيْرِها ﴿ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا بُرَآءُ ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو عَلى مَعْنى كَفَرْنا بِكم وبِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿ بِكُمْ ﴾ القَوْمَ ومَعْبُودِيهِمْ بِتَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ، والكُفْرُ بِذَلِكَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِدادِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لا نَعْتَدُّ بِشَأْنِكم ولا بِشَأْنِ آلِهَتِكم وما أنْتُمْ عِنْدَنا عَلى شَيْءٍ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ الأصْلَ كَفَرْنا بِما تَعْبُدُونَ ثُمَّ كَفَرْنا بِكم وبِما تَعْبُدُونَ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِما أتى بِهِ الشَّخْصُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ، ثُمَّ اكْتَفى - بِكُفْرِنا بِكم - لَتَضَمُّنِهِ الكُفْرَ بِجَمِيعِ ما أتَوْا بِهِ وما تَلَبَّسُوا بِهِ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَهُ ﴿ إنّا بُرَآءُ ﴾ فُسِّرَ بِأنّا لا نَعْتَدُّ إلَخْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى كُفْرًا لُغَةً وعُرْفًا وإنَّما هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى أدْخَلِ الأشْياءِ في الِاسْتِهْجانِ والذَّمِّ، وما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ، وهو مَعْنى ما في الكَشّافِ دُونَهُ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَعْطُوفًا عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مَحْذُوفًا أيْ بِكم وبِما تَعْبُدُونَ، وحُذِفَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ السِّياقِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا ﴾ أيْ هَذا دَأْبُنا مَعَكم لا نَتْرُكُهُ ﴿ حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ ﴾ وتَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ فَتَنْقَلِبُ العَداوَةُ وِلايَةً والبَغْضاءُ مَحَبَّةً، وفَسَّرَ الفَيْرُوزابادِي ﴿ البَغْضاءُ ﴾ بِشِدَّةِ البُغْضِ ضِدَّ الحُبِّ، وأفادَ أنَّ العَداوَةَ ضِدُّ الصَّداقَةِ، وفَسَّرَ الصَّداقَةَ بِالمَحَبَّةِ، فالعَداوَةُ والبَغْضاءُ عَلى هَذا مُتَقارِبانِ، وأفادَ الرّاغِبُ أنَّ العَداوَةَ مُنافاةُ الِالتِئامِ قَلْبًا، وقالَ: البُغْضُ نِفارُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي تَرْغَبُ عَنْهُ وهو ضِدُّ الحُبِّ، ثُمَّ قالَ: يُقالُ: بَغَضَ الشَّيْءَ بُغْضًا وبَغْضَةً وبَغْضاءَ، وهو نَحْوُ كَلامِ الفَيْرُوزابادِي، والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّهُ كَثِيرًا ما يُعْتَبَرُ في العَداوَةِ التَّخاذُلُ دُونَ البَغْضاءِ فَلْيُراجَعْ هَذا المَطْلَبُ.
﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ كَما قالَهُ قَتادَةُ.
وجَماعَةٌ وهو عَلى تَقْدِيرِ التَّجْرِيدِ أوْ تَفْسِيرًا - لِأُسْوَةٍ - بِالِاقْتِداءِ مُنْقَطِعٌ بِلا رَيْبٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِها ما يُؤْتَسى بِهِ فَقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُ، وتَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ إلى العِدَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لا إلى نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ المَحْكِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واغْفِرْ لأبِي ﴾ الآيَةَ مَعَ أنَّهُ المُرادُ قِيلَ: لِأنَّها كانَتْ هي الحامِلَةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِثْناءُ نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وجَعَلَها بَعْضُهم كِنايَةً عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنَّ عِدَةَ الكَرِيمِ خُصُوصًا مِثْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما إذا أُكِّدَتْ بِالقَسَمِ يُلازِمُها الإنْجازُ ولَيْسَ بِلازِمٍ كَما لا يَخْفى، وكَأنَّ هَذِهِ العِدَةَ غَيْرُ العِدَةِ السّابِقَةِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: 47] في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ الآيَةَ ولَعَلَّها وقَعَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تِلْكَ تَأْكِيدًا لَها وحُكِيَتْ ها هُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ.
وفِي الإرْشادِ تَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ دُونَ ما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِوُرُودِها عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، واسْتِثْناءُ ذَلِكَ في الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ قِيلَ: لِأنَّ اسْتِغْفارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ بِمَعْنى أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلتَّوْبَةِ ويَهْدِيَهُ سُبْحانَهُ لِلْإيمانِ وإنْ كانَ جائِزًا عَقْلًا وشَرْعًا لِوُقُوعِهِ قَبْلَ تَبَيُّنِ أنَّهُ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ التَّوْبَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتَسى بِهِ أصْلًا إذِ المُرادُ بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لِوُرُودِ الوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ: ﴿ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ فاسْتِثْناؤُهُ عَمّا سَبَقَ إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ اسْتِدْعاءِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ المَرْجُوِّ إيمانُهُ، وذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ، وأمّا عَدَمُ جَوازِهِ فَلا دَلالَةَ لِلِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ قَطْعًا، وزَعَمَ الإمامُ عَلِيٍّ ما نُقِلَ عَنْهُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْصِيَةً لِأنَّ كَثِيرًا مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجُوزُ التَّأسِّي بِهِ لِأنَّهُ أُبِيحَ لَهم خاصَّةً وهو كَما تَرى إذْ هو ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ فُرِضَ واقِعًا مِن غَيْرِهِ لَكانَ مَعْصِيَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو مُباحٌ مِمَّنْ وقَعَ.
وعَنِ الطَّيِّبِيِّ ما حاصِلُهُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أجابَ قَوْلَ أبِيهِ: ﴿ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ رَحْمَةً ورَأْفَةً بِهِ، ولَمْ يَكُنْ عارِفًا بِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ وفّى بِوَعْدِهِ، وقالَ: ﴿ واغْفِرْ لأبِي ﴾ فَلَمّا تَبَيَّنَ إصْرارَهُ تَرَكَ الدُّعاءَ وتَبَرَّأ مِنهُ، فَظَهَرَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا، وهو في حَياتِهِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّهُ فَصَّلَ عَداوَتَهم وحِرْصَهم عَلى قَطْعِ أرْحامِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ ﴾ إلَخْ وسَلّاهم عَنِ القَطِيعَةِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنها ما ذُكِرَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُجامِلُوهم ولا تُبْدُوا لَهُمُ الرَّأْفَةَ كَما فَعَلَ إبْراهِيمُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ كَما تَبَيَّنَ لَكُمُ.
انْتَهى، وفِيهِ رَمْزٌ إلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى نَفْسَ العِدَةِ مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، ومَآلُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وعَلَّلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَدَمَ كَوْنِ اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتَسى بِهِ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ وتُعُقِّبَ الثّانِي بِأنَّ الوَعْدَ بِالمَحْظُورِ لا يَرْفَعُ حَظْرَهُ، والأوَّلُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَناوُلِ النَّهْيِ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ مَعَ أنَّ النَّهْيَ إنَّما ورَدَ في شَأْنِ الِاسْتِغْفارِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأمْرِ، وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَهُ، ومُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِ الِاسْتِغْفارِ مُؤْتَسى بِهِ لَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ مَعَ أنَّ ما يُؤْتَسى بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ لا ما يَجُوزُ فِعْلُهُ في الجُمْلَةِ، وأُجِيبَ بِما لا يَرْفَعُ القالَ والقِيلَ فالأوْلى التَّعْلِيلُ بِما سَبَقَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مُضافٍ لِإبْراهِيمَ مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْ لَقَدْ كانَ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في مَقالاتِ إبْراهِيمَ ومُحاوَراتِهِ لِقَوْمِهِ ﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴾ إلَخْ، وجَزَمَ بِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ، وكَذا جَزَمَ الطَّيِّبِيُّ بِاتِّصالِهِ عَلى قَوْلِ البَغْوِيِّ أيْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ وأُمُورِهِ إلّا في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ المُشْرِكِ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومَتى ارْتُكِبَ فالأوْلى تَقْدِيرُ أُمُورٍ، بَقِيَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مَنعِ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ الحَيِّ مَعَ أنَّهُ بِالمَعْنى السّابِقِ أعْنِي طَلَبَ الإيمانِ لَهُ لا مَنعَ عَنْهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما مُنِعَ مِنَ التَّأسِّي بِظاهِرِهِ وظُنَّ أنَّهُ جائِزٌ مُطْلَقًا كَما وقَعَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وفِيهِ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لَيْسَ مِمّا يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لا عَلى مَنعِهِ وحُرْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ تَبَيُّنَ كَوْنِ أبِيهِ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ الَّذِي كانَ الِاسْتِغْفارُ قَبْلَهُ كانَ في الدُّنْيا وكَذا التَّبَرِّي مِنهُ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ قَوْلٌ: بِكَوْنِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لِدَلالَةِ ظَواهِرِ بَعْضِ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ عَلَيْهِ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَشْفَعُ لِأبِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهي اسْتِغْفارٌ أيِ اسْتِغْفارٌ فِيهِ، ولَوْ كانَ تَبَيَّنَ أنَّهُ يَمُوتُ كافِرًا في الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لِيَشْفَعَ، ويَطْلُبَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ المَغْفِرَةَ لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنْكارُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ عاقِلٌ، والذّاهِبُونَ إلى أنَّ التَّبَيُّنَ كانَ في الدُّنْيا كَما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ - وهو الصَّحِيحُ الَّذِي أجْزِمُ بِهِ اليَوْمَ - أشْكَلَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الظَّواهِرُ مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى الشَّفاعَةِ الَّتِي هي في ذَلِكَ اليَوْمِ اسْتِغْفارٌ، وأتْهَمُوا وأنْجَدُوا في الجَوابِ عَنْها، وقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ما وجَدْتُهُ لَهم فارْجِعْ إلَيْهِ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.
ثُمَّ إنِّي أقُولُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ لا بِمَعْنى التَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ، والآياتُ الَّتِي في سُورَةِ التَّوْبَةِ وما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِها تُؤَيِّدُ ظَواهِرُها ذَلِكَ.
وألْتَزِمَ أنَّ امْتِناعَ جَوازِ الِاسْتِغْفارِ إنَّما عُلِمَ بِالوَحْيِ لا بِالعَقْلِ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِ وهو سُبْحانَهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إذِ اسْتَغْفَرَ عالِمًا بِالوَحْيِ امْتِناعُهُ، ومَعْنى الآيَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - إنَّ لَكُمُ الِاقْتِداءَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ مَعَهُ في البَراءَةِ مِنَ الكَفَرَةِ لَكِنَّ اسْتِغْفارَهُ لِلْكافِرِ لَيْسَ لَكُمُ الِاقْتِداءُ بِهِ فِيهِ وما لَهُ يَجِبُ عَلَيْكُمُ البَراءَةُ ويَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الِاسْتِغْفارُ وإبْداءُ الرَّأْفَةِ، فَلَيْسَ لَكُمُ الَّذِي اعْتَبَرْناهُ في الِاسْتِثْناءِ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿ كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ إلَخْ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى المَنعِ ظاهِرَةٌ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما قَدَّمْناهُ، ووَراءَهُ كَلامٌ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَضاءٌ مُبْرَمٌ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ القُطْبِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ، وشَيَّدَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أرْكانَهُ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَسَطَ فِيها الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّها لا تَخْلُو عَنْ بَحْثٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المُسْتَثْنى مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ لأسْتَغْفِرَنَّ ﴾ ومَوْرِدُ الِاسْتِثْناءِ نَفْسُ الِاسْتِغْفارِ لا قَيْدُهُ فَإنَّهُ في نَفْسِهِ مِن خِصالِ الخَيْرِ لِكَوْنِهِ إظْهارًا لِلْعَجْزِ وتَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، فالكَلامُ مِن قَبِيلِ ما رَجَعَ فِيهِ النَّفْيُ لِلْمُقَيَّدِ دُونَ القَيْدِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ كَلامًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ حَسَنًا أنْ يُجْعَلَ أُسْوَةً إلّا أنَّهُ شَفَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما في طاقَتِي إلّا هَذا فَهو مَبْذُولٌ لا مَحالَةَ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ مَلَكَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لَفَعَلَ، وعَلى هَذا فَهو حَقِيقٌ بِالِاسْتِثْناءِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ إلى آخِرِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُتَّصِلَةٌ مَعْنًى بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ عَلى أنَّها بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُجاهَدَةِ لِأعْداءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَشْرِ العَصا، ثُمَّ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى في كِفايَةِ شَرِّهِمْ وأنَّ تِلْكَ مِنهم لَهُ عَزَّ وجَلَّ لا لِحَظِّ نَفْسِي، وقِيلَ: اتِّصالُها بِما تَقَدَّمَ لَفْظِيٌّ عَلى أنَّها بِتَقْدِيرِ قَوْلِهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ ﴾ أيْ وقالُوا: رَبَّنا إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى قُولُوا رَبَّنا أمْرًا مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ، وتَعْلِيمًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم وتَتْمِيمًا لِما وصّاهم سُبْحانَهُ بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ والِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ في البَراءَةِ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى الإنابَةِ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِعاذَةِ بِهِ مِن فِتْنَةِ أهْلِ الكُفْرِ والِاسْتِغْفارِ مِمّا فَرَطَ مِنهم وهو كَما قِيلَ: وجْهٌ حَسَنٌ لا يَأْباهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وفِيهِ شَمَّةٌ مِن أُسْلُوبِ ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَثَّهم عَلى الِائْتِساءِ بِمَن سَمِعْتَ في الِانْتِهاءِ عَنِ الكُفْرِ ومُوالاةِ أهْلِهِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى اللَّجَأِ إلَيْهِ تَعالى يَكُونُ في المَعْنى نَهْيًا عَنِ الأوَّلِ وأمْرًا بِالثّانِي.
وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْطُوفًا عَلى ”لا تَتَّخِذُوا“ أيْ وقُولُوا رَبَّنا إلَخْ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلْقَصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِكَ وإلَيْكَ أنَبْنا لا إلى غَيْرِكَ وإلَيْكَ المَصِيرُ لا إلى غَيْرِكَ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ يعني: هلا فعلتم كما فعل إبراهيم، تبرأ من أبيه لأجل كفره؟
ويقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني: قدوة حسنة وسنة صالحة في إبراهيم فاقتدوا به.
وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: من كان مع إبراهيم من المؤمنين.
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ أي: لمن كفر من قومهم: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ يعني: من دينكم، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: برآء مما تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة.
كَفَرْنا بِكُمْ يعني: تبرأنا منكم.
قرأ عاصم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ بضم الألف، والباقون بالكسر، وهما لغتان إسوة وأُسوة وهما بمعنى الاقتداء.
ثم قال: وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ يعني: حتى تصدقوا بالله وحده، فأعلم الله تعالى أن أصحاب إبراهيم تبرؤوا من قومهم، وعادوهم، لأجل كفرهم، فأمر الله تعالى أصحاب النبيّ أن يقتدوا بهم.
ثم قال: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ، يعني: اقتدوا بهم إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ يعني: لأدعون لك أن يهديك الله ويكون على هذا التفسير إلا بمعنى لكن قَوْلَ إبراهيم لاًّبِيهِ لاّسْتَغْفِرَنَّ لك يعني: لأدعون لك أن يهديك الله يعني: هذا التفسير إلا بمعنى لكن قول إبراهيم لأبيه بالهدى.
ثم قال: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: إبراهيم تبرأ من قومه، لكنه يدعو لأبيه لاستغفرن لك يعني: لأدعون لك أن ثم علَّمهم ما يقولون، فقال: قولوا رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا يعني: فوَّضنا أمرنا إليك وأمر أهالينا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا يعني: أقبلنا إليك بالطاعة وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع في الآخرة.
قوله تعالى: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، فتقتر علينا الرزق وتبسط عليهم، فيظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفي قراءة عبد الله بن مسعود- - إِنَّكَ أَنتَ الغفور الرحيم.
وقال بعضهم: هذا كله حكاية عن قول إبراهيم أنه دعا ربه بذلك، ويقال: هذا تعليم لحاطب بن أبي بلتعة هلاّ دعوت بهذا الدعاء، حتى ينجو أهلك، ولا يسلط عليهم عدوك.
قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني: في إبراهيم وقومه في الاقتداء.
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ يعني: لمن يخاف الله ويخاف البعث ويقال: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا ثواب الله وثواب يوم القيامة.
وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن الحق ويقال: يأبى عن أمر الله تعالى.
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يعني: الغني عن عباده الحميد في فعاله.
<div class="verse-tafsir"
فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ أي: إنْ يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم ظهرت عداوتهم، وانبسطت إليكم أيديهم بِضَرَرِكُمْ وَقَتْلِكُمْ، وانبسطت ألسنتُهم بسبِّكم، وأَشَدُّ من هذا كله إنَّما يقنعهم أَنْ تكفروا، وهذا هو ودهم، ثم أخبر تعالى أنَّ هذه الأرحامَ التي رغبتم في وصلها، ليستْ بنافعة يومَ القيامة، فالعامل في يَوْمَ قوله تَنْفَعَكُمْ، وقيل: العامل فيه يَفْصِلُ وهو مِمَّا بعده لا مِمَّا قبله، وعبارةُ الثعلبيِّ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أي: قرابتكم منهم وَلا أَوْلادُكُمْ: الذين عندهم بمكة يَوْمَ الْقِيامَةِ: إذا عصيتم اللَّه من أجلهم يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ: فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النارَ، انتهى.
ت: وهذه الآيةُ تُنظر إلى قوله تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ...
[سبأ: ٣٧] الآية: واعلم أنَّ المال والسبب النافع يوم القيامة، ما كان لِلَّهِ وقُصِدَ به العونُ على طاعة اللَّه، وإلاَّ فهو على صاحبه وَبَالٌ وطولُ حساب، قال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن الحارث يُحَدِّثُ عن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن/ العاصي أَنَّه سمعه يقول: ويجمعون- يعني ليوم القيامة- فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينُها؟
فيبرزون، فَيُقَالُ: ما عندكم؟
فيقولون: يا رَبَّنَا، ابْتُلِينَا فَصَبِرْنَا، وأنت أعلم، أحسبه، قال: ووليت الأموال والسلطانَ غَيْرَنا، فيقال: صدقتم، فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان، وتبقى شِدَّةُ الحساب على ذَوِي السلطان والأموال، قال: قلت: فأين المؤمنون يومئذ؟
قال: توضع لهم كراسيُّ من نور، ويُظَلِّلُ عليهم الغمامُ، ويكون ذلك اليومُ أقصرَ عليهم من ساعة من نهار، انتهى، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعيد وتحذير.
وقوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ أي: قدوة فِي إِبْراهِيمَ: الخليل وَالَّذِينَ مَعَهُ: قيل: مَنْ آمن به مِنَ الناس، وقال الطبريُّ وغيره «١» : الَّذِينَ مَعَهُ: هم الأنبياء المعاصرون له أو قريباً من عصره، قال ع «٢» : وهذا أرجح لأَنَّهُ لم يرو أنّ لإبراهيم
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
والثّانِي: المُؤْمِنُونَ ﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ أفَلا تَأسَّيْتَ يا حاطِبُ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ فَتَبَرَّأْتَ مِن أهْلِكَ كَما تَبَرَّؤُوا مِن قَوْمِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: تَأسُّوا بِإبْراهِيمَ إلّا في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَلا تَأسَّوْا بِهِ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ كانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴿ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ: ما أدْفَعُ عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنْ أشْرَكْتَ بِهِ، وكانَ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وأصْحابِهِ: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قُولُوا أنْتُمْ: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في [يُونُسَ] [آيَةُ: ٨٥] .
ثُمَّ أعادَ الكَلامَ في ذِكْرِ الأُسْوَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ ﴾ أيْ: في إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُبْغِضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ وبَيانٌ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ، ويَخْشى عِقابَ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أيْ: يُعْرِضْ عَنِ الإيمانِ ويُوالِ الكُفّارَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ خَلْقِهِ "الحَمِيدُ" إلى أوْلِيائِهِ.
فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ عادَوْا أقْرِباءَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن كَفّارِ مَكَّةَ "مَوَدَّةً" فَفَعَلَ ذَلِكَ، بِأنْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم يَوْمَ الفَتْحِ، وتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ، فانْكَسَرَ أبُو سُفْيانَ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ عَلَيْهِ حَتّى هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ ﴿ واللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ عَلى جَعْلِ المَوَدَّةِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لَهم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِمْ بَعْدَما أسْلَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، وذَلِكَ «أنَّ أُمَّها قَتِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ العُزّى.
قَدِمَتْ عَلَيْها المَدِينَةَ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْ هَداياها، ولَمْ تُدْخِلْها مَنزِلَها، فَسَألَتْ لَها عائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ أنْ تُدْخِلَها مَنزِلَها، وتَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وتُكْرِمَها، وتُحْسِنَ إلَيْها،» قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في خُزاعَةَ وبَنِي مُدْلَجٍ، وكانُوا صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ، ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ أحَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في خُزاعَةَ، وبَنِي الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ، فَدامُوا عَلى الوَفاءِ بِهِ.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ ومُرَّةُ.
والرّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفّارِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: نَزَلَتْ في النِّساءِ والصِّبْيانِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةٌ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يَنْصِبُوا الحَرْبَ لِلْمُسْلِمِينَ، وجَوازِ بِرِّهِمْ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ أنْ ﴿ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ أيْ: تُعامِلُوهم بِالعَدْلِ فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ ﴾ أيْ: عاوَنُوا عَلى ذَلِكَ ﴿ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ والمَعْنى: إنَّما يَنْهاكم عَنْ أنْ تَوَلَّوْا هَؤُلاءِ، لِأنَّ مُكاتَبَتَهم بِإظْهارِ ما أسَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مُوالاةٌ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِادِّعاءِ النَّسْخِ، لِأنَّ بِرَّ المُؤُمِنِينَ لِلْمُحارِبِينَ سَواءٌ كانُوا قَرابَةً أوْ غَيْرَ قَرابَةٍ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لَهم عَلى الحَرْبِ بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ، أوْ دَلالَةٌ لَهم عَلى عَوْرَةِ أهْلِ الإسْلامِ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ أسْماءَ وأمِّها الَّذِي سَبَقَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ" هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ﴾ الآيَةُ...
حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فى إبراهيم والذين مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا ﴾ .
صدر هذه الآية يفيد تأكيداً لمضمون جملة ﴿ إن يثقفوكم ﴾ [الممتحنة: 2] وجملة ﴿ لن تنفعكم أرحامكم ﴾ [الممتحنة: 3]، لأنها بما تضمنته من أن الموجه إليهم التوبيخ خالفوا الأسوةَ الحسنة تقوي إثبات الخطأ المستوجب للتوبيخ.
ذلك أنه بعد الفراغ من بيان خطأ من يوالي عدوَّ الله بما يجرّ إلى أصحابه من مضارّ في الدنيا وفي الآخرة تحذيراً لهم من ذلك، انتقل إلى تمثيل الحالة الصالحة بمثال من فعل أهل الإِيمان الصادق والاستقامة القويمة وناهيك بها أسوة.
وافتتاح الكلام بكلمتي ﴿ قد كانت ﴾ لتأكيد الخبر، فإن ﴿ قد ﴾ مع فعل الكون يراد بهما التعريض بالإِنكار على المخاطب ولومه في الإِعراض عن العمل بما تضمنه الخبر كقول عُمر لابن عباس يوم طَعَنه غلامُ المغيرة: «قد كنتَ أنتَ وأبوك تُحبان أن يكثر هؤلاء الأعلاجُ بالمدينة»، ومنه قوله تعالى: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ﴾ [ق: 22] توبيخاً على ما كان منهم في الدنيا من إنكار للبعث، وقوله تعالى: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ [القلم: 43] وقوله: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ [الأحزاب: 21].
ويتعلق ﴿ لكم ﴾ بفعل «كان»، أو هو ظرف مستَقِرّ وقع موقع الحال من ﴿ أسوة حسنة ﴾ .
وإبراهيم عليه السلام مَثَل في اليقين بالله والغضب به، عَرف ذلك العرب واليهود والنصارى من الأمم، وشاع بين الأمم المجاورة من الكنعانيين والأَراميين، ولعله بلغ إلى الهند.
وقد قيل: إن اسم (بَرهما) معبودِ البراهة من الهنود مُحرف عن (اسم إبراهيم) وهو احتمال.
وعُطف ﴿ والذين معه ﴾ ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم بحال إبراهيم عليه السلام والذين معه، أي أن يكون المسلمون تابعين لرضى رسولهم صلى الله عليه وسلم كما كان الذين مع إبراهيم عليه السلام.
والمراد ب ﴿ الذين معه ﴾ الذين آمنوا به واتبعوا هديه وهم زوجه سَارَةُ وابن أخيه لوطٌ ولم يكن لإِبراهيم أبناء، فضمير ﴿ إذ قالوا ﴾ عائد إلى إبراهيم والذين معه فهم ثلاثة.
و ﴿ إذْ ﴾ ظرف زمان بمعنى حينَ، أي الأسوة فيه وفيهم في ذلك الزمن.
والمراد بالزمن: الأحوال الكائنة فيه، وهو ما تبينه الجملة المضاف إليها الظرف وهي جملة ﴿ قالوا لقومهم إنا برءآء منكم ﴾ الخ.
والإِسوة بكسر الهمزة وضمها: القُدوة التي يقتدَى بها في فعل ما.
فوصفت في الآية ب ﴿ حسنة ﴾ وصفاً للمدح لأن كونها حسنة قد علم من سياق ما قبله وما بعده.
وقرأ الجمهور ﴿ إسوة ﴾ بكسر الهمزة، وقرأه عاصم بضمها.
وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ في سورة [الأحزاب: 21].
وحرف في} مستعار لقوة الملابسة إذ جعل تلبس إبراهيم والذين معه بكونهم أسوة حسنة، بمنزلة تلبس الظرف بالمظروف في شدة التمكن من الوصف.
ولذلك كان المعنى: قد كانَ لكم إبراهيمُ والذين معه أسوةً في حين قولهم لقومهم.
فليس قوله: ﴿ إسوة حسنة في إبراهيم ﴾ من قبيل التجريد مثل قول أبي خالد العتابي.
وفي الرَّحمان للضعفاء كاف لأن الأسوة هنا هي قول إبراهيم والذين معه لا أنفسهم.
و ﴿ برءآء ﴾ بهمزتين بوزن فُعَلاء جَمْع بريء مثل كَريم وكُرماء.
وبريء فعيل بمعنى فاعل من بَرِئ من شيء إذا خَلاَ منه سواءً بعد ملابسته أو بدون ملابسة.
والمراد هنا التبرؤ من مخالطتهم وملابستهم..
وعطف عليه ﴿ ومما تعبدون من دون الله ﴾ أي من الأصنام التي تعبدونها من دون الله والمراد بُرَءآء من عبادتها.
وجملة ﴿ كفرنا بكم ﴾ وما عطف عليها بيان لمعنى جملة ﴿ إنا برءآء ﴾ .
وضمير ﴿ بكم ﴾ عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون الله، ويفسَّر الكفرُ بما يناسب المعطوف عليه والمعطوف، أي كفرنا بجميعكم فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم.
وعُطف عليه ﴿ وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً ﴾ وبدا معناه: ظهر ونشأ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرةً لا مواربة فيها، أي ليست عداوة في القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب.
وهو أقصى ما يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليَد لقلتهم وضعفهم بين قومهم.
و ﴿ العداوة ﴾ المعاملة بالسوء والاعتداءِ.
و ﴿ البغضاء ﴾ : نفرة النفس، والكراهيةُ وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا، فذِكرهما معاً هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم: حالة المعاملة بالعدوان، وحالة النفرة والكراهية، أي نُسِيءُ معاملتكم ونُضمر لكم الكراهية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك.
والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس، فالمؤتَسَى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم يصانعوهم ويغضُّوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية.
﴿ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لاَِبِيهِ لاََسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن ﴾ .
الأظهر أن هذه الجملة معترضة بين جمل حكاية مقال إبراهيم والذين معه وجملة ﴿ لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة ﴾ [الممتحنة: 6]، والاستثناء منقطع إذ ليس هذا القول من جنس قولهم: ﴿ إنا برءآء منكم ﴾ الخ، فإن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك رفقٌ بأبيه وهو يغاير التبرُّؤ منه، فكان الاستثناء في معنى الاستدراك عن قوله: ﴿ إذ قالوا لقومهم إنا برءآء منكم ﴾ الشامل لمقالة إبراهيم معهم لاختلاف جنسي القولين.
قال في «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط ﴾ في سورة [الحجر: 58، 59].
أنه استثناء منقطع من قوم } لأن القوم موصوفون بالإِجرام فاختلَف لذلك الجنسان ا ه.
فجعل اختلاف جنسي المستثنى والمستثنى منه موجباً اعتبار الاستثناء منقطعاً.
وفائدة الاستدراك هنا التعريض بخطأ حاطب ابن أبي بلتعة، أي إن كنتم معتذرين فليكن عذركم في مواصلة أعداء الله بأن تَوَدُّوا لهم مغفرةَ كفرهم باستدعاء سبب المغفرة وهو أن يهديهم الله إلى الدين الحق كما قال إبراهيم لأبيه ﴿ لأستغفرن لك ﴾ ، ولا يكون ذلك بمصانعة لا يفهمون منها أنهم منكم بمحلّ المودة والعناية فيزدادوا تعنتاً في كفرهم.
وحكاية قول إبراهيم لأبيه ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ إكمال لجملة ما قاله إبراهيم لأبيه وإن كان المقصود من الاستثناء مجرد وعده بالاستغفار له فبني عليه ما هو من بقية كلامه لما فيه من الدلالة على أن الاستغفار له قد لا يقبله الله.
والواو في ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ يجوز أن تكون للحال أو للعطف.
والمعنى متقارب، ومعنى الحال أوضح وهو تذييل.
ومعنى الملك في قوله: ﴿ وما أملك ﴾ القدرة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قل فمن يملك من الله شيئاً ﴾ في سورة [العقود: 17].
ومن شيء} عامّ للمغفرة المسؤولة وغيرها مما يريده الله به.
﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ .
الأظهر أن يكون هذا من كلام إبراهيم وقومه وجملة ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ إلى آخرها معترضة بين أجزاء القول فهو مما أمر المسلمون أن يأتسوا به، وبه يكون الكلام شديد الاتصال مع قوله: ﴿ لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة ﴾ [الممتحنة: 6].
ويحتمل أن يكون تعليماً للمؤمنين أن يقولوا هذا الكلام ويستحضروا معانيه ليجري عملهم بمقتضاه فهو على تقدير أمر بقول محذوف والمقصود من القول العمل بالقول فإن الكلام يجدد المعنى في نفس المتكلم به ويذكر السامع من غفلته.
وهذا تتميم لما أوصاهم به من مقاطعة الكفار بعد التحريض على الائتساء بإبراهيم ومن معه.
فعلى المعنى الأول يكون حكاية لما قاله إبراهيم وقومه بما يفيد حاصل معانيه فقد يكون هو معنى ما حكاه الله عن إبراهيم من قوله: ﴿ الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفينِ والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ [الشعراء: 78 82].
فإن التوكل على الله في أمور الحياة بسؤاله النجاح في ما يصلح أعمال العبد في مساعيه وأعظمه النجاحُ في دينه وما فيه قوام عيشه ثم ما فيه دفع الضرّ.
وقد جمعها قول إبراهيم هناك ﴿ فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ .
وهذا جمعه قوله هنا ﴿ عليك توكلنا ﴾ ﴿ والذي يميتني ثم يحيين ﴾ جمعه قوله: ﴿ وإليك المصير ﴾ فإن المصير مَصيراننِ مصيرٌ بعد الحياة ومصير بعد البعث.
وقوله: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ﴾ فإن وسيلة الطمع هي التوبة وقد تضمنها قوله: ﴿ وإليك أنبنا ﴾ .
وعلى المعنى الثاني هو تعليم للمؤمنين أن يَصرفوا توجههم إلى الله بإرضائه ولا يلتفتوا إلى ما لا يرضاه وإن حسبوا أنهم ينتفعون به فإن رضى الله مقدم على ما دونه.
والقول في معنى التوكل تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ في سورة [آل عمران: 159].
والإِنابة: التوبة، وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لحليم أواه منيب ﴾ في سورة [هود: 75]، وعند قوله: ﴿ منيبين إليه ﴾ في سورة [الروم: 31].
وتقديم المجرور على هذه الأفعال لإِفادة القصر، وهو قصر بعضه ادعائي وبعضه حقيقي كما تصرف إليه القرينة.
وإعادة النداء بقولهم: ربنا} إظهار للتضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّهُ أرادَ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عِبْرَةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ الكُفّارِ.
﴿ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فَتَبَرَّؤُوا مِنهم فَهَلّا تَبَرَّأْتَ أنْتَ يا حاطِبُ مِن كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلْتَهُ مِن مُكاتَبِتِهِمْ وإعْلامِهِمْ.
ثُمَّ قالَ ﴿ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَفَرْنا بِما آمَنتُمْ بِهِ مِنَ الأوْثانِ.
الثّانِي: بِأفْعالِكم وكَذَّبْنا بِها.
﴿ وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَأسَّوْا بِإبْراهِيمَ في فِعْلِهِ واقْتَدُوا بِهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ فَلا تَقْتَدُوا بِهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ اسْتَثْنى أباهُ مِن قَوْمِهِ في الِاسْتِغْفارِ لَهُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتُنُونا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَنَصِيرُ فِتْنَةً لَهم فَيَقُولُوا لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل «عن عليّ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب.
قالت: ما معي كتاب.
قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟
قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم: قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ » .
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر من طريق الحارث عن علي قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة أسر إلى ناس من أصحابه أنه يريد الدخول إلى مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثني أنا ومن معي فقال: ائتوا روضة خاخ فذكر له ما تقدم فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذرر من طريق قتادة وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في الآية قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السيرورة من الحديبية إلى مشركي قريش كتب إليها حاطب بن أبي بلتعة يحذرهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، فوجد الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها فقال له: ما حملك على الذي صنعت؟
قال: أما والله ما ارتبت في أمر الله، ولا شككت فيه، ولكنه كان لي بها أهل ومال، فأردت مصانعة قريش، وكان حليفاً لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية، قال: نزلت في رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش كتب إلى أهله وعشيرته بمكة يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.
وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟
قال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت: أكتب كتاباً لا يضر الله ورسوله، فقلت: أضرب عنقه يا رسول الله فقد كفر، فقال: وما يدريك يا ابن الخطاب أن يكون الله أطلع على أهل العصابة من أهل بدر؟
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .
وأخرج ابن مردويه من طريق شهاب «عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب رجل من أهل اليمن كان حليفاً للزبير بن العوام من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير، فقال لهما انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب، فخذا الكتاب، فائتياني به، فانطلقا حتى أدركا المرأة بحليفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلاً، فقالا لها: أعطينا الكتاب الذي معك.
قالت: ليس معي كتاب.
قالا كذبت قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتاباً، والله لتعطين الكتاب الذي معك أو لا نترك عليك ثوباً إلا التمسنا فيه.
قالت: أو لستم بناس مسلمين؟
قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن معك كتاباً حتى إذ ظنت أنهما ملتمسان كل ثوب معها حلت عقاصها، فأخرجت لهما الكتاب من بين قرون رأسها كانت قد اعتقصت عليه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، قال: أنت كتبت هذا الكتاب؟
قال: نعم قال: فما حملك على أن تكتب به؟
قال حاطب: أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله عز وجل، ولكني كنت امرأ غريباً فيكم أيها الحيّ من قريش وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم، فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإنه قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم ما عملتم فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ حتى بلغ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ » .
أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة مرسلاً.
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الفتح إلا أربعة: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فذكر الحديث قال: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئاً، ثم أتاها رجل، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليها لحفظ عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فلقياها في الطريق، ففتشاها، فلم يقدرا على شيء معها، فأقبلا راجعين، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها، فرجعا إليها، فسلاّ سيفهما، فقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعنّ إلينا الكتاب، فأنكرت، ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبلا ذلك منها فحلت عقاص رأسها، فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها، فدفعته إليهما، فرجعا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إليه، فدعا الرجل فقال: ما هذا الكتاب؟
فقال: أخبرك يا رسول الله أنه ليس من رجل ممن معك إلا وله بمكة من يحفظ عياله، فكتبت بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين كتاباً يذكر فيه مسير النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث به مع امرأة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأخذ الكتاب منها فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطباً فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟
قال: نعم يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، وما كفرت منذ أسلمت ولا شككت منذ استيقنت، ولكني كنت امرأ لا نسب لي في القوم، إنما كنت حليفهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمت، فكتبت إليهم بشيء قد علمت أن لن يغني عنهم من الله شيئاً أراده أن أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله خلّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق فأضرب عنقه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً عرف عمر أنه قد غضب، ثم قال: ويحك يا عمر بن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل موطن من مواطن الخير فقال للملائكة: اشهدوا أني قد غفرت لأعبدي هؤلاء فليعملوا ما شاؤوا؟» قال عمر: الله ورسوله أعلم.
قال: «إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر، فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد «عن جابر أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدلّ النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، فقال: يا حاطب أفعلت؟
قال: نعم أما إني لم أفعل غشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفاقاً قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له غير أني كنت غريباً بين ظهرانيهم، وكانت والدتي فأردت أن أخدمها عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟
قال: أتقتل رجلاً من أهل بدر، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم» .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي «عن جابر أن عبداً لحاطب بن أبي بلعتة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتكي حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية» .
وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: اسم الذي أنزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ حاطب بن أبي بلتعة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يحذرهم سيرورة رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال له نبي الله: ما حملك على الذي صنعت؟
قال: أما والله ما شككت في أمري، ولا ارتبت فيه، ولكن كان لي هناك مال وأهل، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي، وذكر لنا أنه كان حليفاً لقريش، ولم يكن من أنفسهم، فأنزل الله القرآن وقال: ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ إلى قوله: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ قال: يقول فلا تأسوا في ذلك فإنها كانت موعدة وعدها إياه ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا يقول: لا تظهرهم علينا ففتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا لأنهم أولى بالحق منا» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بما تعملون بصير ﴾ قال: في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم.
وفي قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه ﴾ قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين، وفي قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: لا تعذبنا بأيديهم ولا تعذب من عبدك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بصير ﴾ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم، وقوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ نهو أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة ﴾ قال: في صنع إبراهيم كله إلا في الاستغفار لأبيه لا يستغفر له وهو مشرك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ يقول: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
<div class="verse-tafsir"
ثم ضرب لهم إبراهيم -صلى الله عليه- مثلاً حين تبرأ من قومه ونابذهم وباغضهم وهو قوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ والأسوة: ما يؤتسى (١) (٢) (٣) قال المفسرون: أعلم الله عز وجل أن إبراهيم وأصحابه تبرأوا من قومهم وعادوهم وقالوا لهم ﴿ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ﴾ وأمر أصحاب رسول الله - - أن يتأسوا بهم وبقولهم.
قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما برئ إبراهيم - - (٤) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ قال ابن عباس: كان لهم أسوة حسنة في صنع إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه وهو مشرك (٥) وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين.
وقال قتادة: يقول ائتسوا بأمره (٦) (٧) وقال مقاتل: يقول الله: تبرأوا من كفار قومكم، فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم المشركين، وليس لكم أسوة في إبراهيم في الاستغفار لأبيه فتقتدوا به في الاستغفار للمشركين (٨) (٩) وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه لأستغفرن له (١٠) ﴿ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ فإن هذا مما لا يجب أن تتأسوا به فيه (١١) قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ هذا من قول إبراهيم لأبيه، يقول: ما أغني عنك شيئًا وما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به وعصيته، فوعده (١٢) (١٣) (١) في (ك): (يأتس).
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 139 (أسى)، و"اللسان" 1/ 63 (أسا)، و"المفردات" ص 18 (أسا).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149.
(٤) أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه من طريق سعيد بن جبير.
"الدر" 6/ 205.
(٥) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم، وصححه عن ابن عباس.
انظر: "جامع البيان" 28/ 41، و"الدر" 6/ 205، و"تفسير مجاهد" 2/ 667.
(٦) في (ك): (يإبراهيم).
(٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 287، و"جامع البيان" 28/ 41، و"تفسير غريب القرآن" ص 461، و"البحر المحيط" 1/ 254، ونسبه لقتادة، ومجاهد، وعطاء الخراساني.
(٨) في (ك): (استغفار المشركين).
(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 157 ب.
(١٠) انظر: "تأويل المشكل" ص 277.
(١١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 300.
(١٢) في (ك): (بوعده).
(١٣) عند تفسيره الآية (114) من سورة براءة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ والذين مَعَهُ ﴾ الأسوة هي الذي يقتدى به، فأمر الله المسلمين أن يقتدوا بإبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة الكفار والتبري منهم، ومعنى: والذين معه من آمن به من الناس، وقيل: الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريباً من عصره، ورجح ابن عطية هذا القول بما ورد في الحديث: «إن إبراهيم عليه السلام قال لزوجته: ما على الأرض مؤمن بالله غيري وغيرك» ﴿ بُرَءآؤُاْ ﴾ جمع بريء ﴿ كَفَرْنَا بِكُمْ ﴾ أي كذبناكم في أقوالكم، ويحتمل أن يكون عبارة عن إفراد البغض والمقاطعة لهم ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ هذا استثناء من قوله أسوة حسنة، فالمعنى اقتدروا بهم في عداوتهم للكفار، ولا تقتدوا بهم في هذا، لأن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وقيل: الاستثناء من التبري والقطيعة، والمعنى تبرأ إبراهيم والذين معه من الكفار، إلا أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ﴾ هذا من كلام سيدنا إبراهيم عليه السلام، والذين معه وهو متصل بما قبل الاستثناء، فهو من جملة ما أمروا أن يقتدوا به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.
الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.
التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.
اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم".
فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله علياً وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.
فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.
فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟
فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.
و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.
والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول بسبب المودة.
و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.
و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.
وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.
وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.
ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.
قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.
ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ الآية.
ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.
ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.
ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.
وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.
ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.
ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.
ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.
ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.
ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.
ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.
وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.
وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.
وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.
وقيل: هم النساء والصبيان.
وعن قتادة: نسختها آية القتال.
قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.
فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.
وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.
فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.
وعن الضحاك: كان بين رسول الله وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.
وللنبي من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله لقوله ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.
وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.
ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.
قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.
احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.
وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.
وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.
أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.
ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.
قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.
يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.
ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.
ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.
وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.
قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.
أعطاهم رسول الله مهور نسائهم من الغنيمة.
وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.
ثم نبّه نبيه على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.
وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.
وقيل: قذف المحصنين.
قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.
واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.
وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.
وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.
وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.
قال رسول الله : فيما استطعن وأطقتن.
قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.
قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.
يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.
وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.
وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
الأصل في أنباء المتقدمين أنها عِبَرٌ لهذه الأمة، فما ذكر منها في المؤمنين منهم فهو تذكير للمؤمنين من هذه الأمة، وتعليم لهم معاملة الكفرة ومنابذتهم على مثل ما فعل المؤمنون منهم بكَفَرتهم من سائر الأمم.
وما ذكر منها في الكفرة من الأمم الماضية؛ فهو تخويف لكفرة هذه الأمة لئلا يصنعوا مثل صنيعهم فيستوجبوا من النقمة مثل ما استوجب أولئك.
وما كان منها في حق الرسل - عليهم السلام - فهو في حق التسلي لرسولنا وسيدنا محمد عن بعض ما مسه.
وأصل آخر: أن الخطاب قد يلزم المخاطب مرة بما يخاطب في نفسه، ومرة بما يؤمر بالاقتداء بغيره إذا كان ذلك الغير لم يفعل ما فعله إلا عن أمر.
ثم إن الله - - أمر المؤمنين من هذه الأمة الاقتداء بإبراهيم - - ومن معه من المؤمنين، وأخبرهم عن معاملتهم إياهم وترك مولاتهم؛ فكأنه قال: اتركوا موالاة الكفرة والإسرار إليهم بالمودة ما داموا على كفرهم، كما فعله إبراهيم - - والذين معه ﴿ ذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ ﴾ : فنابذوهم ولم يوالوهم، فافعلوا كفعلهم.
﴿ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ .
فكأنه قال: اقتدوا بهم إلا بما قال إبراهيم لأبيه: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ ، يعني: لا تستغفروا للمشركين مثلما استغفر إبراهيم لأبيه المشرك؛ لأنكم لا تعلمون المعنى الذي استغفر إبراهيم - - لأبيه.
ثم اختلفوا في المعنى الذي استغفر إبراهيم لأبيه: فقال أبو بكر: إنه كان - صلوات الله عليه - وعد أن يستغفر لأبيه، وأرى أن إيجاب الوعد لازم عليه؛ فاستغفر لهذا المعنى.
قال الحسن: إنه إنما اسغفر له لوقت توبته لا في حال الشرك؛ لأنه لا يتوهم أنه لم يعلم أنه لا يحل له أن يستغفر للمشر، ومن علم أنه يحل له لم يكن مسلماً ومؤمناً؛ فثبت [أنه] إنما استغفر لوقت إسلامه.
وعندنا: الاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة من الله - - على وجهين: أحدهما: مغفرة رحمة وفضل وكرم.
والثاني: أن يوفقه للسبب الذي إذا جاء به غفر له؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، أي: السبب الذي إذا جئتم به غفر لكم، وإذا كان كذلك جاز أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه على هذا الوجه أن يكون طلب من الله - - التوفيق له بالسبب الذي إذا جاء به غفر له، وذلك مستقيم، ولكنه لم تبين أنه لا يوفقه لذلبك السبب تبرأ منه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
أي: لا أملك أن أدفع عند عذاب الله من شيء، أو لا أملك أن أهديك دون أن يهديك الله؛ فكأنه قال: [لا أملك] سوى أن أدعو لك بالتوفيق للهداية لا أملك لك من عذاب الله من شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ﴾ .
يجوز أن يكون هذا عند المنابذة وإظهار العداوة مع الكفرة، يعني: عليك معتمدنا في النصر على أعدائنا عند قلة عددنا وكثرة عددهم، وإليك مرجعنا ومفزعنا.
﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، إذا قبضنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
ذكر أهل التفسير أن تأويل هذه الآية يخرج على ثلاثة أوجه: أحدها: أي: لا تسلط علينا أعدائنا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.
أو لا تنزل علينا العذاب دونهم؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.
أو لا توسع عليهم الدنيا وتضيق علينا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.
ولو كان التأويل هو الثاني لكان يجء على هذا أن يكون الواجب على العدول من هذه الأمة أن يسألوا الله - - العافية؛ لئلا يتوهم فساقهم أنهم على حق.
ولكن الجواب عن هذا أن الفساق من هذه الأمة قد علموا أن الذي هم فيه من الفسق محظور، وأما الكفرة فإن عندهم أن ما يدينون به من الكفر حق؛ فإذا سلطوا على المؤمنين توهموا أن الذي حسبوه حقّاً: حق، وأما الفسقة من هذه الأمة إذ علموا أن الفسق منهي عنه محظور، لا يقع لهم هذا الحسبان، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى من قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ ، يعني: عذاباً، أي: سبباً يعذب به الكفرة؛ كما قال: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، وكان تأويله أن آتنا السبب الذي نستوجب به ما وعدتنا على رسلك، فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
يعني: المنتقم من أعدائه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ .
يعني: لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا اقتديتم بهم وأطعتموهم.
وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أي: لمن كان يرجو ثواب الله .
والثاني: أن يؤمن بالبعث؛ وذلك أن الله - - وصف أمر البعث في كتابه بصفات مختلفة: مرة أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ ، وكان المعنى منه البعث.
ومرة وصفه بصفة أخرى.
وإن كان المراد: الثواب؛ ففيه إخبار أن الراجي في الحقيقة هو الطالب لما يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعا ورجا، والخائف في الحقيقة هو الحذر عما حذر، والمنتهي عما نهى عنه وحظر.
فإن من اعتمد على مجرد الرجاء والخوف دون التمسك بسببهما، فهو متمن على الله .
والدليل على تأييد ما نقول: قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ألا تراه كيف حقق معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل الله والعمل بطاعته، والله أعلم.
وإن كن على البعث فكذلك أيضاً؛ لأنه أضرب عما نهي عنه، وطلب لما أمر به؛ فقد تبين أنه يوالي من تفضي موالاته إلى ثواب الله ورحمته، وأنه يعادي من تفضي موالاته إلى نقمة الله وعذابه، ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن بالبعث؛ فإنما يوالي من رجا منهم منفعة الدنيا ويتولى عمن يضره في هذه الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ .
يعني: من يتول عن طاعة الله فيما أمره من معاداة من عادوا ربهم.
﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .
يعني: عن طاعة الخلق؛ ليعلم أن ما أمرهم به لم يأمرهم لحاجة له في طاعتهم أو لمنفعة ترجع إليه؛ بل هو غني عن كل ذلك؛ وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك، ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ له معنيان: معنى: الحامد، ومعنى: المحمود.
فإن كان المراد منه: المحمود، ففيه أن الله - - يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم.
وإن كان المراد: الحامد، فمعناه: أن الله يحمد الخلق ويشكرهم، حتى يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال فيتفضل عليهم بأعمالهم، فهو حميد من هذين المعنيين.
<div class="verse-tafsir"
لقد كان لكم -أيها المؤمنون- قدوة حسنة في إبراهيم والمؤمنين الذين كانوا معه، حين قالوا لقومهم الكفار: إنا بريئون منكم ومما تعبدون من دون الله من الأصنام، كفرنا بما أنتم عليه من الدين، وظهرت بيننا وبينكم العداوة والكراهية حتَّى تؤمنوا بالله وحده، ولا تشركوا به أحدًا، فكان عليكم أن تتبرؤوا من قومكم الكفار مثلهم، إلا قول إبراهيم لأبيه: لأطلبنّ المغفرة لك من الله، فلا تتأسوا به فيه؛ لأن هذا كان قبل يأس إبراهيم من أبيه، فليس لمؤمن أن يطلب المغفرة لمشرك، ولست بدافع عنك من عذاب الله شيئًا، ربنا عليك اعتمدنا في أمورنا كلها، وإليك رجعنا تائبين، وإليك المرجع يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.2nN6k"