الآية ١١ من سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ١١ من سورة الجمعة

وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًۭا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 157 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الجمعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ ، فقال تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) أي : على المنبر تخطب .

هكذا ذكره غير واحد من التابعين ، منهم : أبو العالية ، والحسن ، وزيد بن أسلم ، وقتادة .

وزعم مقاتل بن حيان : أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم ، وكان معها طبل ، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما على المنبر إلا القليل منهم .

وقد صح بذلك الخبر ، فقال الإمام أحمد : حدثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : قدمت عير المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) أخرجاه في الصحيحين ، من حديث سالم به وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زكريا بن يحيى ، حدثنا هشيم ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، وأبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادي نارا " ونزلت هذه الآية : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) وقال : كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبو بكر ، وعمر ، رضي الله عنهما .

وفي قوله : ( وتركوك قائما ) دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما .

وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال : كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما ، يقرأ القرآن ويذكر الناس .

ولكن ها هنا شيء ينبغي أن يعلم وهو : أن هذه القصة قد قيل : إنها كانت لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة ، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل : حدثنا محمود بن خالد ، عن الوليد ، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى إذا كان يوم والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة يعني : فانفضوا ، ولم يبق معه إلا نفر يسير .

وقوله : ( قل ما عند الله ) أي : الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ( خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) أي : لمن توكل عليه ، وطلب الرزق في وقته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المؤمنون عير تجارة أو لهوًا( انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) يعني أسرعوا إلى التجارة ( وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) يقول للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وتركوك يا محمد قائمًا على المنبر؛ وذلك أن التجارة التي رأوها فانفضّ القوم إليها ، وتركوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائما كانت زيتًا قدم به دحية بن خليفة من الشام.

* ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل السديّ، عن أَبي مالك، قال: قدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، قال: فنـزلت ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن السدّي ، عن قرة إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال: جاء دحية الكلبي بتجارة والنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائم في الصلاة يوم الجمعة، فتركوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وخرجوا إليه، فنـزلت ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) حتى ختم السورة.

حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن سالم بن أَبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: " كنا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الجمعة، فمرّت عير تحمل الطعام، قال: فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا فنـزلت آية الجمعة ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال، قال الحسن: إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدمت عير والنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها، فخرجوا والنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائم، كما قال الله عزّ وجلّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) قال: جاءت تجارة فانصرفوا إليها، وتركوا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائمًا وإذا رأوا لهوا ولعبا( قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) قال: رجال كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يبتغون التجارة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " بينما رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخطب الناس يوم الجمعة، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال: كم أنتم؟

فعدّوا أنفسهم فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة؛ ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم؛ قال سفيان: ولا أعلم إلا أن في حديثه ويعظهم ويذكرهم، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال: كم أنتم، فعدّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة؛ ثم قام في الجمعة الثالثة فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال كم أنتم؟

فعدّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اتَّبَعَ آخِرُكمْ أوَّلَكُمْ لالْتَهَبَ عَلَيْكُمُ الْوَادِي نَارًا " ، وأنـزل الله عزّ وجلّ: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) قال: لو اتبع آخرهم أوّلهم لالتهب عليهم الوادي نارًا.

قال: ثنا ابن ثور، قال معمر، قال قتادة: لم يبق مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يومئذ إلا اثنا عشر رجلا وامرأة معهم.

حدثنا محمد بن عمارة الرازي، قال: ثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن سالم وأبي سفيان، عن جابر، في قوله: ( وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) قال: قدمت عير فانفضّوا إليها، ولم يبق مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلا اثنا عشر رجلا.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلي، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن سالم، عن جابر " أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا قال: فنـزلت هذه الآية في الجمعة ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) وأما اللهو، فإنه اختُلف من أيّ أجناس اللهو كان، فقال بعضهم: كان كَبَرًا (1) ومزامير.

* ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال (2) كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائمًا على المنبر، وينفضون إليها، فأنـزل الله ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) وقال آخرون: كان طبلا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: اللهو: الطبل.

حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، قال: ذكر عبد الله بن أَبي نجيح، عن إبراهيم بن أَبي بكر، عن مجاهد أن اللهو: هو الطبل.

والذي هو أولى بالصواب في ذلك الخبر الذي رويناه عن جابر، لأنه قد أدرك أمر القوم ومشاهدهم.

وقول: ( قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهم يا محمد الذي عند الله من الثواب، لمن جلس مستمعًا خطبة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منها ، خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها( وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) يقول: والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فأسألوا أن يوسع عليكم من فضله دون غيره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين .فيه سبع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام فانفتل [ ص: 100 ] الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا - في رواية : أنا فيهم - فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما .

في رواية : فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .

وقد ذكر الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر ، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره ، فنزل عند أحجار الزيت ، وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه ; فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا .

وقيل : أحد عشر رجلا .

قال الكلبي : وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها ، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال ; حكاه الثعلبي عن ابن عباس ، وذكر الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع ; فالتفتوا إليها وانفضوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم .

قال : وأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما .

قال الدارقطني : لم يقل في هذا الإسناد " إلا أربعين رجلا " غير علي بن عاصم عن حصين ، وخالفه أصحاب حصين فقالوا : لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا .

وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " ; ذكره الزمخشري .

وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا ، رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد .

وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن [ ص: 101 ] الجراح ، وسعيد بن زيد وبلال ، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين .

وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر .قلت : لم يذكر جابرا ; وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم ; والدارقطني أيضا .

فيكونون ثلاثة عشر .

وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر .

وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة ، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا ; فقال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الوليد ، قال : أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف ; فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ; فأنزل الله عز وجل : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها .

فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة .

وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام ; فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده .

فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج ; فأنزل الله تعالى : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا الآية .

قال السهيلي : وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا .

وقال قتادة : وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات ; كل مرة عير تقدم من الشام ، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة .

وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ونظرهم إلى العير تمر - لهو لا فائدة فيه ; إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه ، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته ، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل .

وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه " .

الحديث .

وقد مضى في سورة " الأنفال " فلله الحمد .

وقال جابر بن عبد الله : كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها ; فنزلت .

وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم .

وقرأ طلحة بن [ ص: 102 ] مصرف " وإذا رأوا التجارة واللهو انفضوا إليها " .

وقيل : المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا انفضوا إليه فحذف لدلالته .

كما قال :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفوقيل : الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين .الثانية : واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال ; فقال الحسن : تنعقد الجمعة باثنين .

وقال الليث وأبو يوسف : تنعقد بثلاثة .

وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة : بأربعة .

وقال ربيعة : باثني عشر رجلا .

وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال : حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق ، حدثنا صبح بن دينار قال : حدثنا المعافى بن عمران حدثنا معقل بن عبيد الله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة ، وأنه نزل في دار سعد بن معاذ ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ، ذبح لهم يومئذ شاة .

وقال الشافعي : بأربعين رجلا .

وقال أبو إسحاق الشيرازي في ( كتاب التنبيه على مذهب الإمام الشافعي ) : كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين ، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة ، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة .

ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط .

وقال مالك : إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد .

وكتب عمر بن عبد العزيز : أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة .

وقال أبو حنيفة : لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى ، لا يجوز لهم إقامتها فيها .

واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها : المصر الجامع ، والسلطان القاهر ، والسوق القائمة ، والنهر الجاري .

واحتج بحديث علي : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم .

وهذا يرده حديث ابن عباس ، قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي .

وحجة الإمام الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني .

وفي سنن ابن ماجه والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كنت قائد أبي حين ذهب بصره ، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان ، صلى على أبي أمامة واستغفر له - قال - فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك ; فقلت له : يا أبة ، استغفارك [ ص: 103 ] لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ، ما هو ؟

قال : أي بني ، هو أول من جمع بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات ; قال : قلت : كم أنتم يومئذ ؟

قال : أربعون رجلا .

وقال جابر بن عبد الله : مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما ، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا ، وذلك أنهم جماعة .

خرجه الدارقطني .

وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد : قرئ على عبد الملك بن محمد الرقاشي وأنا أسمع : حدثني رجاء بن سلمة قال : حدثنا أبي قال : حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة قال : قلت لأبي هريرة : على كم تجب الجمعة من رجل ؟

قال : لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال : حدثنا رجاء بن سلمة قال : حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك " .

قال ابن المنذر : وكتب عمر بن عبد العزيز : أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة .

وروى الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة " .

يعني بالقرى : المدائن .

لا يصح هذا عن الزهري .

في رواية : " الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم " .

الزهري : لا يصح سماعه من الدوسية .

والحكم هذا متروك .الثالثة : وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره .

وقال أبو حنيفة : من شرطها الإمام أو خليفته .

ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ابن مسعود بالناس من غير [ ص: 104 ] إذنه .

وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه .

وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان .

وقال مالك : إن لله فرائض في أرضه لا يضيعها ; وليها وال أو لم يلها .الرابعة : قال علماؤنا : من شرط أدائها المسجد المسقف .

قال ابن العربي : ولا أعلم وجهه .

قلت : وجهه قوله تعالى : وطهر بيتي للطائفين ، وقوله : في بيوت أذن الله أن ترفع .

وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف .

هذا العرف ، والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : وتركوك قائما شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب .

قال علقمة : سئل عبد الله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا ؟

فقال : أما تقرأ " وتركوك قائما " .

وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال : انظروا إلى هذا الخبيث ، يخطب قاعدا !

وقال الله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما .

وخرج عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب ; فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ; فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة .

وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء .

وقال أبو حنيفة : ليس القيام بشرط فيها .

ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية .

وخطب عثمان قائما حتى رق فخطب قاعدا .

وقيل : إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته .

رواه جابر بن سمرة .

ورواه ابن عمر في كتاب البخاري .السادسة : والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها ; وهو قول جمهور العلماء .

وقال الحسن : هي مستحبة .

وكذا قال ابن الماجشون : إنها سنة وليست بفرض .

وقال سعيد بن جبير : هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر ; فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر .

والدليل على وجوبها قوله تعالى : وتركوك قائما .

وهذا ذم ، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة .[ ص: 105 ] السابعة : ويخطب متوكئا على قوس أو عصا .

وفي سنن ابن ماجه قال : حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال : حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس ، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا .الثامنة : ويسلم إذا صعد المنبر على الناس عند الشافعي وغيره .

ولم يره مالك .

وقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم .التاسعة : فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند مالك ; ولا إعادة عليه إذا صلى طاهرا .

وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة ; فشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم .

وهو قول أبي حنيفة .العاشرة : وأقل ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويوصي بتقوى الله ويقرأ آية من القرآن .

ويجب في الثانية أربع كالأولى ; إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الأولى الدعاء ; قاله أكثر الفقهاء .

وقال أبو حنيفة : لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزأه .

وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال : الحمد لله ، وارتج عليه فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا ، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وستأتيكم الخطب ; ثم نزل فصلى .

وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد .

وقال أبو يوسف ومحمد : الواجب ما تناوله اسم خطبة .

وهو قول الشافعي .

قال أبو عمر بن عبد البر : وهو أصح ما قيل في ذلك .الحادية عشرة : في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر " ونادوا يا مالك " .

وفيه عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت : ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة .

وقد مضى في أول " ق " .

وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال : كان صدر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

ونشهد أن لا إله إلا الله ; وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله [ ص: 106 ] بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة .

من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى .

نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه ، فإنما نحن به وله " .

وعنه قال : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب : " كل ما هو آت قريب ، ولا بعد لما هو آت ، لا يعجل الله لعجلة أحد ، ولا يخف لأمر الناس ، ما شاء الله لا ما شاء الناس .

يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا ، ما شاء الله كان ولو كره الناس .

ولا مبعد لما قرب الله ، ولا مقرب لما بعد الله .

لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز " .

وقال جابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه : " أيها الناس ، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم .

إن العبد المؤمن بين مخافتين ؛ بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه ، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه .

فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الممات .

والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " .

وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه المدينة .الثانية عشرة : السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة .

والسنة أن يسكت لها من يسمع ومن لم يسمع ، وهما إن شاء الله في الأجر سواء .

ومن تكلم حينئذ لغا ; ولا تفسد صلاته بذلك .

وفي الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " .

الزمخشري : وإذا قال المنصت لصاحبه : صه ; فقد لغا ، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا ؟

نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام .[ ص: 107 ] الثالثة عشرة : ويستقبل الناس الإمام إذا صعد المنبر ; لما رواه أبو داود مرسلا عن أبان بن عبد الله قال : كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة ; فلما خرج الإمام - أو قال صعد المنبر - استقبله وقال : هكذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم .

خرجه ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه ; فزاد في الإسناد : عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم .

قال ابن ماجه : أرجو أن يكون متصلا .قلت : وخرج أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا محمد بن معمر قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا عباد بن يعقوب قال : حدثنا محمد بن الفضل الخراساني عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا .

تفرد به محمد بن الفضل بن عطية عن منصور .الرابعة عشرة : ولا يركع من دخل المسجد والإمام يخطب ; عند مالك رحمه الله .

وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره .

وفي الموطأ عنه : فخروج الإمام يقطع الصلاة ، وكلامه يقطع الكلام .

وهذا مرسل .

وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " .

وهذا نص في الركوع .

وبه يقول الشافعي وغيره .الخامسة عشرة : ذكر ابن عون عن ابن سيرين قال : كانوا يكرهون النوم والإمام يخطب ويقولون فيه قولا شديدا .

قال ابن عون : ثم لقيني بعد ذلك فقال : تدري ما يقولون ؟

قال : يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا ; ثم قال : هل تدري ما أخفقوا ؟

لم تغنم شيئا .

وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا نعس أحدكم فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده " .السادسة عشرة : نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره .

روى الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال : " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم [ ص: 108 ] وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه " وأشار بيده يقللها .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " .

وروي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم ; فلما خرج قلنا : احتبست !

قال : " ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء ، فقلت : ما هذه يا جبريل ؟

قال : هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك ، وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها وهداكم الله لها .

قلت : يا جبريل ما هذه النكتة السوداء ؟

قال : هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ، أو ادخر له مثله يوم القيامة ، أو صرف عنه من السوء مثله ، وإنه خير الأيام عند الله ، وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد " .

وذكر الحديث .

وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا : حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال : تسارعوا إلى الجمعة ، فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في القرب - قال ابن المبارك - على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا .

وقال يحيى بن سلام : كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا .

وزاد : فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك .

قال يحيى : وسمعت غير المسعودي يزيد فيه : وهو قوله تعالى : ولدينا مزيد .قلت : قوله : " في كثيب " يريد أهل الجنة .

أي وهم على كثيب ; كما روى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه ، وفيه نهر جار حافتاه المسك ، عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأولون والآخرون ، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ، ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم ، فلولا أن الله يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم [ ص: 109 ] في كل جمعة " ذكره يحيى بن سلام .

وعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة ، كل مدينة مثل مدائنكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم : اللهم اغفر لمن شهد الجمعة ، اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة " ذكره الثعلبي .

وخرج القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها ، ألوانهم كالثلج بياضا ، وريحهم يسطع كالمسك ، يخوضون في جبال الكافور ، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون " .

وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال " الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر " خرجه مسلم بمعناه .

وعن أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من غسل يوم الجمعة واغتسل ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ ، كان له بكل خطوة عمل سنة ، أجر صيامها وقيامها " .

وعن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا .

وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا .

وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا .

واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة ، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي ، وله إمام عادل أو جائر ، استخفافا بها ، أو جحودا لها ، فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره .

ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له .

ألا ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب ، فمن تاب تاب الله عليه .

ألا لا تؤمن امرأة رجلا ، ولا يؤم أعرابي مهاجرا ، ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن [ ص: 110 ] يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه " .

وقال ميمون بن أبي شيبة : أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب ، ثم قلت : أين أذهب أصلي خلف هذا الفاجر ؟

فقلت مرة : أذهب ، ومرة لا أذهب ، ثم أجمع رأيي على الذهاب ، فناداني مناد من جانب البيت يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .

.السابعة عشرة : قوله تعالى قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة فيه وجهان : أحدهما : ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم .الثاني : ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم .

وقرأ أبو رجاء العطاردي : " قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين آمنوا " .والله خير الرازقين أي خير من رزق وأعطى ; فمنه فاطلبوا ، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا } أي: خرجوا من المسجد، حرصًا على ذلك اللهو، و [تلك] التجارة، وتركوا الخير، { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } تخطب الناس، وذلك [في] يوم جمعة، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، إذ قدم المدينة، عير تحمل تجارة، فلما سمع الناس بها، وهم في المسجد، انفضوا من المسجد، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب استعجالًا لما لا ينبغي أن يستعجل له، وترك أدب، { قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ } من الأجر والثواب، لمن لازم الخير وصبر نفسه على عبادة الله.{ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } التي، وإن حصل منها بعض المقاصد، فإن ذلك قليل منغص، مفوت لخير الآخرة، وليس الصبر على طاعة الله مفوتًا للرزق، فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا يحتسب.وفي هذه الآيات فوائد عديدة:منها: أن الجمعة فريضة على جميع المؤمنين، يجب عليهم السعي لها، والمبادرة والاهتمام بشأنها.ومنها: أن الخطبتين يوم الجمعة، فريضتان يجب حضورهما، لأنه فسر الذكر هنا بالخطبتين، فأمر الله بالمضي إليه والسعي له.ومنها: مشروعية النداء ليوم الجمعة، والأمر به.ومنها: النهى عن البيع والشراء، بعد نداء الجمعة، وتحريم ذلك، وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه، فدل ذلك على أن كل أمر ولو كان مباحًا في الأصل، إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب، فإنه لا يجوز في تلك الحال.ومنها: الأمر بحضور الخطبتين يوم الجمعة، وذم من لم يحضرهما، ومن لازم ذلك الإنصات لهما.ومنها: أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله، وقت دواعي النفس لحضور اللهو [والتجارات] والشهوات، أن يذكرها بما عند الله من الخيرات، وما لمؤثر رضاه على هواه.تم تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والثناء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) الآية ، أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا خالد بن عبد الله [ أخبرنا حصين ] عن سالم بن أبي الجعد وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال : أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله : " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " .

ويحتج بهذا الحديث من يرى [ إقامة ] الجمعة باثني عشر رجلا .

وليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون حجة لاشتراط هذا العدد .

وقال ابن عباس في رواية الكلبي : لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط .

وقال الحسن وأبو مالك : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة زيت من الشام والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه ، فلم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي نارا " وقال مقاتل : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة ، وكان إذا قدم لم تبق بالمدينة عاتق إلا أتته ، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وغيره ، فينزل عند أحجار الزيت ، وهو مكان في سوق المدينة ، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كم بقي في المسجد ؟

فقالوا : اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء " فأنزل الله هذه الآية وأراد باللهو الطبل .

وقيل : كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق .

وقوله : " انفضوا إليها " رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم .

وقال علقمة : سئل عبد الله بن عمر : أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما أو قاعدا ؟

قال : أما تقرأ " وتركوك قائما " .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا أبو الأحوص ، عن سماك عن جابر بن سمرة قال : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس وبهذا الإسناد عن جابر بن سمرة قال : كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا والخطبة فريضة في صلاة الجمعة ، ويجب أن يخطب قائما خطبتين ، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة : أن يحمد الله ، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله ، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعا ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن ، ويدعو للمؤمنين في الثانية ، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لا تصح جمعته عند الشافعي وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه .

وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة ، وهو مأمور بالخطبة .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا عبد الله بن يوسف بن محمد بن مامويه ، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة ، حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان استخلف أبا هريرة على المدينة ، فصلى بهم أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية : " إذا جاءك المنافقون " ( المنافقون - 1 ) فقال عبيد الله : فلما انصرفنا مشيت إلى جنبه فقلت له : لقد قرأت بسورتين سمعت علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الصلاة ؟

فقال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة ؟

فقال : كان يقرأ ب " هل أتاك حديث الغاشية " .

أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى حدثنا قتيبة ، حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب " سبح اسم ربك الأعلى " و " هل أتاك حديث الغاشية " وربما اجتمع في يوم واحد فيقرأ بهما .

ولجواز الجمعة خمس شرائط : الوقت وهو : وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى دخول وقت العصر ، والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإذا فقد شرط من هذه الخمسة يجب أن يصلوها ظهرا .

.

ولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل اجتماع العدد ، وهو عدد الأربعين عند الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انتقص واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة ، بل يصلي الظهر ، ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر الصلاة ، [ كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة ] فلو انتقص واحد منهم قبل أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها أربعا .

وفيه قول آخر : إن بقي معه اثنان أتمها جمعة .

وقيل : إن بقي معه واحد أتمها جمعة ، وعند المزني إذا نقصوا بعد ما صلى الإمام بهم ركعة أتمها جمعة ، وإن بقي وحده فإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعا وإن انتقص من العدد واحد ، وبه قال أبو حنيفة في العدد الذي شرطه كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعا .

.

قوله - عز وجل - : ( قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ) أي ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي - صلى الله عليه وسلم - خير من اللهو ومن التجارة ( والله خير الرازقين ) لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضوا إليها» أي التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو «وتركوك» في الخطبة «قائما قل ما عند الله» من الثواب «خير» للذين آمنوا «من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين» يقال: كل إنسان يرزق عائلته، أي من رزق الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذا رأى بعض المسلمين تجارة أو شيئًا مِن لهو الدنيا وزينتها تفرَّقوا إليها، وتركوك -أيها النبي- قائمًا على المنبر تخطب، قل لهم-أيها النبي-: ما عند الله من الثواب والنعيم أنفع لكم من اللهو ومن التجارة، والله- وحده- خير مَن رزق وأعطى، فاطلبوا منه، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإرشاد والتأنيب ، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى - : ( وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ .

.

) .قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ، التى قدمت المدينة يومئذ ، فقال : ( وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً .

.

) .فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال : قدمت عِيرٌ - أى : تجارة - المدينة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس ، وبقى اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية .وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال : " بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة ، فابتدرها الناس ، حتى لم يبق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " والذى نفسى بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادى نارا " ونزلت هذه الآية .

.

"وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين ، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر .وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ، فقدم دحية الكلى بتجارة له .

فتلقاه أهله بالدفوف .

فخرج الناس .و " إذا " فى قوله - تعالى - : ( وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً .

.

) ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط ، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله : ( انفضوا ) من الانفضاض ، بمعنى التفرق .

يقال : انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه ، وهو من الفض ، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه .والضمير فى قوله ( إِلَيْهَا ) يعود للتجارة ، وكانت عودته إليها دون اللهو ، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة ، والمراد باللهو هنا : فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف ، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار .والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة ، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو .قال الجمل فى حاشيته : والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز ، لانقضاء المقصود وهو الصلاة ، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول الإسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، فلما وقعت هذه الواقعة ، ونزلت الآية ، قدم الخطبة وأخر الصلاة .وقوله - سبحانه - : ( وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ) جملة حالية من فاعل ( انفضوا ) والمقصود بها توبيخ على هذا التصرف ، حيث تركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المبنر ، وانصرفوا إلى التجارة واللهو .وقوله - سبحانه - : ( قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين ) إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب .

.

.

قل لهم : ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله ، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى ، والمنافع العاجلة .والله - تعالى - هو خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق ، وهو الذى يعطى ويمنع ، كما قال - سبحانه - : ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ) وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية ، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها ، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب على المنبر ، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه .وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها ، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع ، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - فضل يوم الجمعة ، وفضل صلاة يوم الجمعة ، والتحذير من ترك أدائها .ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هرير ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمع ، فيه خلق آدم .

وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة " .وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " نحن الآخرون - أى : زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم - ، بيد أنهم - أى : اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى : تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله ، فالناس لنا فيه تبع : اليهود غدا - أى : السبت - والنصارى بعد غد - أى : الأحد - " .وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد مبره : " لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى : تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين ..

" .قال القربطى ما ملخصه : وإنما سميت الجمعة جمعة ، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة .

.

.

وكان يقال ليوم الجمعة : العَرُوبة .

.قال البيهقى : وروينا عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهرى ، أن مصعب بن عمير ، كان أول من جمَّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين ، قبل أن يهاجر إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - .ثم قال القرطبى : وأما أول جمعة جمعها - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ، قال أهل السير والتاريخ : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا حتى نزل بقباء ، على بنى عمروا بن عوف ، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس ، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف ، فى بطن وادٍ لهم ، فجمع بهم وخطب ، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها : الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، وأستغفره ، وأستهديه .

.

.2 - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها ، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها ، وبالغسل لها ، وبمس الطب ، وبالحضور إليها على أحسن حالة .

.

.ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى : كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد ، فكأنما قرب بدنة - أى : ناقة ضخمة .

.

.

.

ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " .وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات ، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ، وما رابع أربعة من الله ببعيد " .وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كل طيب مس منه .

.

.

" .3 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( .

.

.

إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع .

.

.

) أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، وأن السعى لأدائها واجب ، وأن ترك ذلك محرم شرعا ..

.ومن المعروف بين العلمءا أن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف ، ولا صارف له هنا .

.

.قال الإمام القرطبى : فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم ، ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية ، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة .وجمهور الأمة الأئمة أنها فرض على الأعيان ، لقوله - تعالى - : ( .

.

.

إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع .

.

.

) .وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين " .وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها .

.قال بعض العلماء : جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى ، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا ، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة ، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة ، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة ، فالدلالة ظاهرة ، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا ، حتى يكون ذلك الشىء واجبا .وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط ، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة ، وقد أمر بالسعى إليه ، والأمر للوجوب ، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا ، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب .

.كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم ، لأن الأمر للوجوب ، وقال بعضهم : هو مكروه كراهة تحريم .ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، وأن السعى إليها واجب ، وأن الاشتغال عنها بالبيع أبو الشراء محرم ، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها ، ومن التحذير من تركها ، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى الجعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها ، طبع الله على قلبه " .4 - قوله - تعالى - : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض .

.

) يدل دلالة واضحة ، على سمو شريعة الإسلام ، وعلى سماحتها ويسرها ، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة .ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان إذا انتهت الصلاة ، خرج من المسجد ، ودار فى السوق ساعة ، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى .قال الإمام ابن كثير : كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة ، انصرف فوقف على باب المسجد وقال : اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتنى ، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين .هذا ، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها ، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال مقاتل: إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق: وكان ذلك في يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا إثنا عشر رجلاً أو أقل كثمانية أو أكثر كأربعين، فقال عليه السلام: «لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة»، ونزلت الآية: وكان من الذين معه أبو بكر وعمر.

وقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم ناراً» قال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات، وقوله تعالى: ﴿ أَوْ لَهْواً ﴾ وهو الطبل، وكانوا إذا أنكحوا الجواري يضربون المزامير، فمروا يضربون، فتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿ انفضوا إِلَيْهَا ﴾ أي تفرقوا وقال المبرد: مالوا إليها وعدلوا نحوها، والضمير في (إليها) للتجارة، وقال الزجاج: انفضوا إليه وإليها، ومعناهما واحد كقوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ واعتبر هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم، وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَائِماً ﴾ اتفقوا على أن هذا القيام كان في الخطبة للجمعة قال جابر: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة إلا وهو قائم، وسئل عبد الله أكان النبي يخطب قائماً أو قاعداً فقرأ: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَائِماً ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ ﴾ أي ثواب الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ خَيْرٌ مّنَ اللهو وَمِنَ التجارة ﴾ من اللهو الذي مر ذكره، والتجارة التي جاء بها دحية، وقوله تعالى: ﴿ والله خَيْرُ الرازقين ﴾ هو من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين، والمعنى إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين، وقيل: لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز، ولا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز، وفي الآية مباحث: البحث الأول: أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلاً، ولو كان كذلك كيف يصح ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً ﴾ نقول: ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة، ومثله حتى يسمع كلام الله، إذ الكلام غير مسموع، بل المسموع صوت يدل عليه.

الثاني: كيف قال: ﴿ انفضوا إِلَيْهَا ﴾ وقد ذكر شيئين وقد مر الكلام فيه، وقال صاحب الكشاف: تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ والله خَيْرُ الرازقين ﴾ مناسب للتجارة التي مر ذكرها لا للهو، نقول: بل هو مناسب للمجموع لما أن اللهو الذي مر ذكره كالتبع للتجارة، لما أنهم أظهروا ذلك فرحاً بوجود التجارة كما مر، والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة؛ فقاموا إليه، خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير.

قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون، فقال عليه السلام: «والذي نفس محمد بيده، لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً» وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو، وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير.

فإن قلت: فإن افتق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع؟

قلت: إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة، فعند أبي حنيفة: يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع.

وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها.

وعند زفر: إذا نفروا قبل التشهد بطلت.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ إِلَيْهَا ﴾ وقد ذكر شيئين؟

قلت: تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه؛ فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: ﴿ انفضوا إليه ﴾ .

وقراءة من قرأ: ﴿ لهوا أو تجارة انفضوا إليها ﴾ وقرئ: ﴿ إليهما ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ فَمَرَّتْ عَلَيْهِ عِيرٌ تَحْمِلُ الطَّعامَ، فَخَرَجَ النّاسُ إلَيْهِمْ إلّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ.» وَإفْرادُ التِّجارَةِ بِرَدِّ الكِنايَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ اللَّهْوِ الطَّبْلُ الَّذِي كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ العِيرَ، والتَّرْدِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مِنهم مَنِ انْفَضَّ لِمُجَرَّدِ سَماعِ الطَّبْلِ ورُؤْيَتِهِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِانْفِضاضَ إلى التِّجارَةِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها إذا كانَ مَذْمُومًا كانَ الِانْفِضاضُ إلى اللَّهْوِ أوْلى بِذَلِكَ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ إذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها وإذا رَأوْا لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ.

﴿ وَتَرَكُوكَ قائِمًا ﴾ أيْ عَلى المِنبَرِ.

﴿ قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِنَ الثَّوابِ.

﴿ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مُحَقَّقٌ مُخَلَّدٌ بِخِلافِ ما تَتَوَهَّمُونَ مِن نَفْعِهِما ﴿ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ واطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنهُ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الجُمُعَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن أتى الجُمُعَةَ ومَن لَمْ يَأْتِها في أمْصارِ المُسْلِمِينَ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} تفرقوا عنك إليها وتقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدها لدلالة المذكور عليه وانما خص التجارة لأنها كانت أهم عندهم رُوي أن اهل المدينة اصابهم جوعه وغلاء فقد دحية بن خليفة بتجارة

من زيت الشأم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه فما بقي معه إلا ثمانية أو اثنا عشر فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لاضرم الله عليهم ناراً وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو {وَتَرَكُوكَ} على المنبر {قَائِمَاً} تخطب وفيه دليل على أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائماً {قُلْ مَا عِندَ الله}

من ثواب {خَيْرٌ مّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين} أي لا يفوتهم رزق الله بترك البيع فهو خير الرازقين والله أعلم

سورة المنافقين إحدى عشرة آية مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ««بَيْنَما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قائِمًا إذْ قَدِمَتْ عِيرٌ المَدِينَةَ فابْتَدَرَها أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا أنا فِيهِمْ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ».

وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَ في المَسْجِدِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وسَبْعُ نِسْوَةٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَوْ خَرَجُوا كُلُّهم لاضْطَرَمَ المَسْجِدُ عَلَيْهِمْ نارًا»» وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ ««والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اتَّبَعَ آخِرُكم أوَّلَكم لالتَهَبَ الوادِي عَلَيْكم نارًا»»، وقِيلَ: لَمْ يَبْقَ إلّا أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وهم عَلى ما قالَ أبُو بَكْرٍ: غالِبُ بْنُ عَطِيَّةَ العَشْرَةُ المُبَشَّرَةُ وعَمّارٌ في رِوايَةٍ وابْنُ مَسْعُودٍ في أُخْرى، وعَلى الرِّوايَةِ السّابِقَةِ عَدُّوا العَشَرَةَ أيْضًا مِنهم.

وعَدُّوا بِلالًا وجابِرًا لِكَلامِهِ السّابِقِ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ جابِرًا وذَكَرَ بِلالًا وابْنَ مَسْعُودٍ ومِنهم مَن ذَكَرَ عَمّارًا بَدَلَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقِيلَ: لَمْ يَبْقَ إلّا ثَمانِيَةٌ، وقِيلَ: بَقِيَ أرْبَعُونَ، وكانَتِ العِيرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَحْمِلُ طَعامًا، وكانَ قَدْ أصابَ أهْلَ المَدِينَةِ جُوعٌ وغَلاءُ سِعْرٍ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ قَبْلَ الخُطْبَةِ مِثْلَ العِيدَيْنِ حَتّى كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَخْطُبُ وقَدْ صَلّى الجُمُعَةَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ دَحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَدِمَ بِتِجارَةٍ وكانَ إذا قَدِمَ تَلَقّاهُ أهْلُهُ بِالدِّفافِ فَخَرَجَ النّاسُ ولَمْ يَظُنُّوا إلّا أنَّهُ لَيْسَ في تَرْكِ حُضُورِ الخُطْبَةِ شَيْءٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا رَأوْا ﴾ » إلَخْ فَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الخُطْبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وأخَّرَ الصَّلاةَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذا الخَبَرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ مُقَدِّمًا خُطْبَتَها عَلَيْها، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها شَرْطُ صِحَّتِها وشَرْطُ الشَّيْءِ سابِقٌ عَلَيْهِ، ولَمْ أرَ أحَدًا مِنَ الفُقَهاءِ ذَكَرَ أنَّ الأمْرَ كانَ كَما تَضَمَّنَهُ ولَمْ أظْفَرْ بِشَيْءٍ مِنَ الأحادِيثِ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ القَبُولِ مُتَضَمِّنٍ ذَلِكَ، نَعَمْ ذَكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ أنَّ بَعْضَهم شَذَّ عَنِ الإجْماعِ عَلى كَوْنِ الخُطْبَةِ قَبْلَها واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والآيَةُ لَمّا كانَتْ في أُولَئِكَ المُنْفَضِّينَ وقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم قالُوا: إنَّ ”إذا“ فِيها قَدْ خَرَجَتْ عَنِ الِاسْتِقْبالِ واسْتُعْمِلَتْ لِلْماضِي كَما في قَوْلِهِ: ونَدْمانُ تَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا سَقِيَتْ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ ووُحِّدَ الضَّمِيرُ لِأنَّ العَطْفَ بِأوْ واخْتِيرَ ضَمِيرُ التِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ لِأنَّها الأهَمُّ المَقْصُودُ، فَإنَّ المُرادَ بِاللَّهْوِ ما اسْتَقْبَلُوا بِهِ العِيرُ مِنَ الدُّفِّ ونَحْوِهِ، أوْ لِأنَّ الِانْفِضاضَ لِلتِّجارَةِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعَ بِها إذا كانَ مَذْمُومًا فَما ظَنُّكَ بِالِانْفِضاضِ إلى اللَّهْوِ وهو مَذْمُومٌ في نَفْسِهِ ؟

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرُّؤْيَةِ المَفْهُومَةِ مِن ﴿ رَأوْا ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيرٌ، والأصْلُ إذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها، أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ العَطْفِ بِأوْ لا يُحْتاجُ إلى الضَّمِيرِ لِكُلٍّ مِنهُما بَلْ يَكْفِي الرُّجُوعُ لِأحَدِهِما فالتَّقْدِيرُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ”أوْ“ في ﴿ أوْ لَهْوًا ﴾ مِثْلُها في قَوْلِهِ: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى ∗∗∗ وصُورَتُها أوْ أنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ فَقالَ الجَوْهَرِيُّ: يُرِيدُ بَلْ أنْتِ فالضَّمِيرُ في ﴿ إلَيْها ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهْوِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ التِّجارَةَ إذا شَغَلَتِ المُكَلَّفَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى عُدَّتْ لَهْوًا، وتُعَدُّ فَضْلًا إنْ لَمْ تَشْغَلْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ انْتَهى ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ - إلَيْهِ - بِضَمِيرِ اللَّهْوِ، وقُرِئَ - إلَيْهِما - بِضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما  ﴾ وهو مُتَأوَّلٌ لِأنَّهُ بَعْدَ العَطْفِ بِأوْ لِكَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ لا يُثَنّى الضَّمِيرُ وكَذا الخَبَرُ، والحالُ والوَصْفُ فَهي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الواوِ كَما قِيلَ بِهِ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها ﴿ وتَرَكُوكَ قائِمًا ﴾ أيْ عَلى المِنبَرِ.

واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القِيامِ في الخُطْبَةِ وهو عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ أحَدُ سُنَنِها، وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ هو شَرْطٌ في الخُطْبَتَيْنِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ أكانَ النَّبِيُّ  يَخْطُبُ قائِمًا أوْ قاعِدًا ؟

فَقالَ: أما تَقْرَأُ ﴿ وتَرَكُوكَ قائِمًا ﴾ ؟» وكَذا سُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ وأبُو عُبَيْدَةَ وأجابا بِذَلِكَ، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ.

ولَعَلَّ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنِ القِيامِ، وإلّا فَقَدْ خالَفَ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُما»، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ أوَّلَ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَأنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِراحَةِ غَيْرَ الجُلُوسِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ إذْ ذاكَ ما كانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مُحَقَّقٌ مُخَلَّدٌ بِخِلافِ ما فِيهِما مِنَ النَّفْعِ، فَإنَّ نَفْعَ اللَّهْوِ لَيْسَ بِمُحَقَّقٍ بَلْ هو مُتَوَهَّمٌ، ونَفْعُ التِّجارَةِ لَيْسَ بِمُخَلَّدٍ، وتَقْدِيمُ اللَّهْوِ لَيْسَ مِن تَقْدِيمِ العَدَمِ عَلى المَلَكَةِ كَما تُوُهِّمَ بَلْ لِأنَّهُ أقْوى مَذَمَّةً، فَناسَبَ تَقْدِيمَهُ في مَقامِ الذَّمِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قُدِّمَتِ التِّجارَةُ عَلى اللَّهْوِ في الرُّؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَّفْضِيلِ لِتَقَعَ النَّفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ، وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: قُدِّمَ ما كانَ مُؤَخَّرًا وكُرِّرَ الجارُّ لِإرادَةِ الإطْلاقِ في كُلِّ واحِدٍ، واسْتِقْلالُهُ فِيما قُصِدَ مِنهُ لِيُخالِفَ السّابِقَ في اتِّحادِ المَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ في قِصَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، واسْتَدَلَّ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النّابْلُسِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى حِلِّ المَلاهِي بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَكانِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ المُقْتَضِي لِإثْباتِ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ لِلَّهْوِ كالتِّجارَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى الزَّعْمِ والتَّوَهُّمِ، وأعْجَبُ مِنهُ اسْتِدْلالُهُ عَلى ذَلِكَ بِعَطْفِ التِّجارَةِ المُباحَةِ عَلى اللَّهْوِ في صَدْرِ الآيَةِ، والأعْجَبُ الأعْجَبُ أنَّهُ ألَّفَ رَسائِلَ في إباحَةِ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَعْمِلُهُ الطّائِفَةُ المَنسُوبَةُ إلى مَوْلانا جَلالِ الدِّينِ الرُّومِيِّ دائِرَةً عَلى أدِلَّةٍ أضْعَفَ مِن خَصْرِ شادِنٍ يَدُورُ عَلى مِحْوَرِ الغُنْجِ في مُقابَلَتِهِمْ، ومِنها أكاذِيبُ لا أصْلَ لَها لَنْ يَرْتَضِيَها عاقِلٌ ولَنْ يَقْبَلَها، ولا أظُنُّ ما يَفْعَلُونَهُ إلّا شَبَكَةً لِاصْطِيادِ طائِرِ الرِّزْقِ والجَهَلَةُ يَظُنُّونَهُ مُخُلِّصًا مِن رِبْقَةِ الرِّقِّ، فَإيّاكَ أنْ تَمِيلَ إلى ذَلِكَ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ تَعالى المالِكِ ﴿ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ فَإلَيْهِ سُبْحانَهُ اسْعُوا ومِنهُ عَزَّ وجَلَّ اطْلُبُوا الرِّزْقَ.

واسْتُدِلَّ بِما وقَعَ في القِصَّةِ عَلى أقَلِّ العَدَدِ المُعْتَبَرِ في جَماعَةِ الجُمُعَةِ بِأنَّهُ اثْنا عَشَرَ بِناءً عَلى ما في أكْثَرِ الرِّواياتِ مِن أنَّ الباقِينَ بَعْدَ الِانْفِضاضِ كانُوا كَذَلِكَ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ أنَّ العَدَدَ المُعْتَبَرَ في الِابْتِداءِ يُعْتَبَرُ في الدَّوامِ فَلَمّا لَمْ تَبْطُلِ الجُمُعَةُ بِانْفِضاضِ الزّائِدِ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ دَلَّ عَلى أنَّ هَذا العَدَدَ كافٍ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ دالًّا عَلى صِحَّتِها بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا بِلا شُبْهَةٍ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اشْتِراطِ اثْنَيْ عَشَرَ، وأنَّها لا تَصِحُّ بِأقَلِّ مِن هَذا العَدَدِ، فَإنَّ هَذِهِ واقِعَةُ عَيْنٍ أكْثَرُ ما فِيها أنَّهُمُ انْفَضُّوا وبَقِيَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وتَمَّتْ بِهِمُ الجُمُعَةُ، ولَيْسَ فِيها أنَّهُ لَوْ بَقِيَ أقَلُّ مِن هَذا العَدَدِ لَمْ تَتِمَّ بِهِمْ، وفِيما يَصْنَعُ الإمامُ إنِ اتَّفَقَ تَفَرُّقُ النّاسِ عَنْهُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ خِلافٌ: فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ إنْ بَقِيَ وحْدَهُ، أوْ مَعَ أقَلِّ مِن ثَلاثَةِ رِجالٍ يَسْتَأْنِفُ الظُّهْرَ إذا نَفَرُوا عَنْهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وعِنْدَ صاحِبَيْهِ إذا كَبَّرَ وهم مَعَهُ مَضى فِيها، وعِنْدَ زُفَرَ إذا نَفَرُوا قَبْلَ القَعْدَةِ بَطَلَتْ لِأنَّ العَدَدَ شَرْطُ ابْتِداءٍ فَلا بُدَّ مِن دَوامِهِ كالوَقْتِ، ولَهُما أنَّهُ شَرْطُ الِانْعِقادِ فَلا يُشْتَرَطُ دَوامُهُ كالخُطْبَةِ، ولِلْإمامِ أنَّ الِانْعِقادَ بِالشُّرُوعِ في الصَّلاةِ ولا يَتِمُّ ذَلِكَ إلّا بِتَمامِ الرَّكْعَةِ لِأنَّ ما دُونَها لَيْسَ بِصَلاةٍ فَلا بُدَّ مِن دَوامِهِ إلى ذَلِكَ بِخِلافِ الخُطْبَةِ لِأنَّها تُنافِي الصَّلاةَ فَلا يُشْتَرَطُ دَوامُها.

وقالَ جُمْهُورُ الشّافِعِيَّةِ: إنِ انْفَضَّ الأرْبَعُونَ، أوْ بَعْضُهم في الصَّلاةِ ولَمْ يُحْرِمْ عَقِبَ انْفِضاضِهِمْ في الرَّكْعَةِ الأُولى عَدَدٌ نَحْوُهم سَمِعَ الخُطْبَةَ بَطَلَتِ الجُمُعَةُ فَيُتِمُّونَها ظُهْرًا لِنَحْوِ ما قالَ زُفَرُ، وفي قَوْلٍ: لا يَضُرُّ إنْ بَقِيَ اثْنانِ مَعَ الإمامِ لِوُجُودِ مُسَمّى الجَماعَةِ إذْ يُغْتَفَرُ في الدَّوامِ ما لا يُغْتَفَرُ في الِابْتِداءِ وتَمامُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

وطَعَنَ الشِّيعَةُ لِهَذِهِ الآيَةِ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم آثَرُوا دُنْياهم عَلى آخِرَتِهِمْ حَيْثُ انْفَضُّوا إلى اللَّهْوِ والتِّجارَةِ ورَغِبُوا عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ وأفْضَلُ كَثِيرٍ مِنَ العِباداتِ لا سِيَّما مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ مِرارًا مِنهم، وفِيهِ أنَّ كِبارَ الصَّحابَةِ كَأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وسائِرِ العَشَرَةِ المُبَشَّرَةِ لَمْ يَنْفَضُّوا، والقِصَّةُ كانَتْ في أوائِلِ زَمَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يَكُنْ أكْثَرُ القَوْمِ تامَّ التَّحَلِّي بِحِلْيَةِ آدابِ الشَّرِيعَةِ بَعْدُ، وكانَ قَدْ أصابَ أهْلَ المَدِينَةِ جُوعٌ وغَلاءُ سِعْرٍ فَخافَ أُولَئِكَ المُنْفَضُّونَ اشْتِدادَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِشِراءِ غَيْرِهِمْ ما يُقْتاتُ بِهِ لَوْ لَمْ يَنْفَضُّوا، ولِذا لَمْ يَتَوَعَّدْهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ بِالنّارِ أوْ نَحْوِها بَلْ قُصارى ما فَعَلَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عاتَبَهم ووَعَظَهم ونَصَحَهم، ورِوايَةُ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهم مِرارًا إنْ أُرِيدَ بِها رِوايَةُ البَيْهَقِيِّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَمِثْلُ ذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ولا يَعْلُو عِنْدَ المُحَدِّثِينَ عَلَيْهِ، وإنْ أُرِيدَ بِها غَيْرُها فَلْيُبَيَّنْ ولْتَثْبُتْ صِحَّتُهُ، وأنّى بِذَلِكَ ؟

!

والجُمْلَةُ الطَّعْنُ بِجَمِيعِ الصَّحابَةِ لِهَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي كانَتْ مِن بَعْضِهِمْ في أوائِلِ أمْرِهِمْ وقَدْ عَقَبَها مِنهم عِباداتٌ لا تُحْصى سَفَهٌ ظاهِرٌ وجَهْلٌ وافِرٌ.

* * * هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ» عَلى ما قِيلَ في الآياتِ: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ إشارَةٌ إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّ إفاضَةَ العُلُومِ لا تَتَوَقَّفُ عَلى الأسْبابِ العادِيَّةِ، ومِنهُ قالُوا: إنَّ الوَلِيَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمِّيًّا كالشَّيْخِ مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ - عَلى ما قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ - وعِنْدَهُ مِنَ العُلُومِ اللَّدُنِيَّةِ ما تَقْصُرُ عَنْها العُقُولُ، وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ: قَدْ يَكُونُ الإنْسانُ عالِمًا بِاللَّهِ تَعالى ذا يَقِينٍ ولَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ أعْلَمَ مِن عُلَماءِ التّابِعِينَ بِحَقائِقِ اليَقِينِ ودَقائِقِ المَعْرِفَةِ مَعَ أنَّ عُلَماءَ التّابِعِينَ مَن هو أقْوَمُ بِعِلْمِ الفِقْهِ مِن بَعْضِ الصَّحابَةِ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخَلُصَتْ رُوحُهُ أُفِيضَ عَلى قَلْبِهِ أنْوارٌ إلَهِيَّةٌ تَهَيَّأتْ بِها لِإدْراكِ العُلُومِ الرَّبّانِيَّةِ والمَعارِفِ اللَّدُنِيَّةِ، فالوِلايَةُ لا تَتَوَقَّفُ قَطْعًا عَلى مَعْرِفَةِ العُلُومِ الرَّسْمِيَّةِ كالنَّحْوِ والمَعانِي والبَيانِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولا عَلى مَعْرِفَةِ الفِقْهِ مَثَلًا عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ بَلْ عَلى تَعَلُّمِ ما يَلْزَمُ الشَّخْصُ مِن فُرُوضِ العَيْنِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن قِراءَةٍ أوْ سَماعٍ مِن عالِمٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ولا يُتَصَوَّرُ وِلايَةُ شَخْصٍ لا يَعْرِفُ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ كَأكْثَرِ مَن تُقَبَّلُ يَدُهُ في زَمانِنا، وقَدْ رَأيْتُ مِنهم مَن يَقُولُ - وقَدْ بَلَغَ مِنَ العُمُرِ نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً - إذا تَشَهَّدَ لا إلَهَ أنَّ اللَّهَ بِأنْ بَدَلَ إلّا فَقُلْتُ لَهُ: مُنْذُ كَمْ تَقُولُ هَكَذا ؟

فَقالَ: مِن صِغَرِي إلى اليَوْمِ فَكَرَّرْتُ عَلَيْهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ فَما قالَها عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ إلّا بِجُهْدٍ، ولا أظُنُّ ثَباتَهُ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وخَبَرُ ««لا يَتَّخِذُ اللَّهُ ولِيًّا جاهِلًا ولَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلِمَهُ»» لَيْسَ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُفِيدُ في دَعْوى وِلايَةِ مَن ذَكَرْنا.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى الإفاضَةِ القَلْبِيَّةِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى الإفادَةِ القالِيَّةِ اللِّسانِيَّةِ، وقالَ بِحُصُولِها لِلْأوْلِياءِ المُرْشِدِينَ: فَيُزَكُّونَ مُرِيدِيهِمْ بِإفاضَةِ الأنْوارِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَخْلُصَ قُلُوبُهم وتَزْكُوَ نُفُوسُهم، وهو سِرُّ ما يُقالُ لَهُ التَّوَجُّهُ عِنْدَ السّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ، وقالُوا: بِالرّابِطَةِ لِيَتَهَيَّأ بِبَرَكَتِها القَلْبُ لِما يُفاضُ عَلَيْهِ، ولا أعْلَمُ لِثُبُوتِ ذَلِكَ دَلِيلًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَنِ الشّارِعِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا عَنْ خُلَفائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وكُلُّ ما يَذْكُرُونَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ ويَعُدُّونَهُ دَلِيلًا لا يَخْلُو عَنْ قادِحٍ بَلْ أكْثَرُ تَمَسُّكاتِهِمْ فِيها تُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبالِ القَمَرِ، ولَوْلا خَوْفُ الإطْنابِ لَذَكَرْتُها مَعَ ما فِيها، ومَعَ هَذا لا أُنْكِرُ بَرَكَةَ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ: التَّوَجُّهُ والرّابِطَةُ، وقَدْ شاهَدْتُ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأيْضًا لا أدَّعِي الجَزْمَ بِعَدَمِ دَلِيلٍ في نَفْسِ الأمْرِ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ولَعَلَّ أوَّلَ مَن أرْشَدَ إلَيْهِما مِنَ السّادَةِ وجَدَ فِيهِما ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، أوْ يُقالُ: يَكْفِي لِلْعَمَلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ نَحْوَ ما تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ أجِلَّةِ مُتَأخَّرِيهِمْ وإنْ كانَ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ ولِأرْبابِ القالِ في أمْرِهِ مَقالٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآخَرِينَ ﴾ إلَخْ بِناءٌ عَلى عَطْفِهِ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ قِيلَ: إشارَةً إلى عَدَمِ انْقِطاعِ فَيْضِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ قالُوا بِعَدَمِ انْقِطاعِ فَيْضِ الوَلِيِّ أيْضًا بَعْدَ انْتِقالِهِ مِن دارِ الكَثافَةِ والفَناءِ إلى دارِ التَّجَرُّدِ والبَقاءِ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المُنْكِرِينَ مَعَ عِلْمِهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا ﴾ الآيَةَ إشارَةٌ الى جَوازِ امْتِحانِ مُدَّعِي الوِلايَةِ لِيَظْهَرَ حالُهُ بِالِامْتِحانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْرَمُ أوْ يُهانُ، وفي عِتابِ اللَّهِ تَعالى المُنْفَضِّينَ إشارَةٌ إلى نَوْعٍ مِن كَيْفِيّاتِ تَرْبِيَةِ المُرِيدِ إذا صَدَرَ مِنهُ نَوْعُ خِلافٍ لِيَسْلُكَ الصِّراطَ السَّوِيَّ ولا يَرْتَكِبَ الِاعْتِسافَ، وفي الآياتِ بَعْدُ إشاراتٌ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ العِباراتِ، ««ومَن عَمِلَ بِما عَلِمَ أوْرَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» .

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يعني: إذا أذن للصلاة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: امضوا إلى الصلاة فصلوها.

ويقال: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: الخطبة فاستمعوها.

وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان ابن مسعود يقرأ: (فامضوا إلى ذكر الله) ويقول: لو قرأتها فاسعوا، لسعيت حتى يسقط ردائي.

وقال: القتبي: السعي على وجه الإسراع في المشي كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [القصص: 20] والسعي: العمل كقوله تعالى: وَسَعى لَها سَعْيَها [الإسراء: 19] وقال: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) [الليل: 4] ، والسعي: المشي، كقوله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْياً [البقرة: 260] وكقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] وقال الحسن في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: ليس السعي بالأقدام، ولكن سعي بالنية، وسعي بالقلب، وسعي بالرغبة.

ثم قال: وَذَرُوا الْبَيْعَ، ولم يذكر الشراء، لأنه لما ذكر البيع، فقد دل على الشراء.

ومعناه: اتركوا البيع والشراء.

وقال جماعة من العلماء: لو باع بعد الأذان يوم الجمعة، لم يجز البيع.

وقال الزهري: يحرم البيع يوم الجمعة عند خروج الإمام.

وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، حَرُمَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْع، وَلَوْ كُنْت قَاضِيّاً لَرَدَدْتُهُ.

وروى معمر، عن الزهري قال: الأَذَان الَّذِي يُحرمُ نِيَّةَ الْبَيْعِ عِنْدَ خُروجِ الإمَامِ وَقْتَ الخُطْبَةِ، وقال الحسن: إذَا زَالَتِ الشَّمْسِ، فَلا تَشْتَرِ وَلا تَبِعْ.

وقال محمد: يُحْرَمُ البَيْعُ عِنْدَ النِّداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِنْدِ الصَّلاةِ.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يَصحُّ البَيْعُ وَالشِّراءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى بِالصَّلاةِ حَتَّى تَنْقَضِي.

وقال عامة أهل الفتوى من الفقهاء: إنَّ البَيْعَ جَائِزٌ فِي الحُكْمِ لأنَّ النَّهْيَ لأَجْلِ الصَّلاةِ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ.

ثم قال: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: السعي إلى الصلاة، وترك الشراء والبيع.

والاستماع إلى الخطبة، خير لكم من الشراء والبيع.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: فاعلموا ذلك.

وكل ما في القرآن إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم مؤمنين، فهو بمعنى التقرير والأمر.

ثم قال عز وجل: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ يعني: فرغتم من الصلاة، فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يعني: اطلبوا الرزق من الله تعالى بالتجارة والكسب.

اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الرخصة، كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] ، وهي رخصة بعد النهي.

وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً يعني: واذكروا الله باللسان، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: لكي تنجوا.

ثم قال عز وجل: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً، قال مجاهد: اللهو هو الضرب بالطبل، فنزلت الآية حين قدم دحية بن خليفة الكلبي.

وروى سالم، عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله  ، ونحن نصلي الجمعة، فانفض الناس إليهم، فما بقي غير اثني عشر رجلاً، فنزلت الآية وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً.

انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً.

وروى معمر، عن الحسن: أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدمت عير والنبي  قائم، يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها فخرجوا إليه، والنبي  قائم.

قال الله تعالى: وتركوك قائماً، فقال النبي  : «وَلَوْ اتَّبَعَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ لالْتَهَبَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً» .

قال معمر، عن قتادة قال: لم يبق يومئذ معه إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ويقال: إن أهل المدينة كانوا إذا قدمت عير، ضربوا بالطبل وخرج الناس، فنزل وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها والمعنى خرجوا إليها، يعني: إلى التجارة، ويقال: إِلَيْها يعني: جملة ما رأوا من اللهو والتجارة.

وتركوك قائماً على المنبر.

قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ يعني: ثواب الله تعالى خير من اللهو وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وخير المعطين والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.

وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...

الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:

أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.

ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.

وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.

وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:

والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :

«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.

وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:

«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...

الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...

الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:

ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد

ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، إذْ أقْبَلَتْ عِيرٌ قَدْ قَدِمَتْ، فَخَرَجُوا إلَيْها حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ: وذَلِكَ «أنَّهم أصابَهم جُوعٌ، وغَلاءُ سِعْرٍ، فَلَمّا سَمِعُوا بِها خَرَجُوا إلَيْها، فَقالَ النَّبِيُّ  : "لَوِ اتَّبَعَ آخِرُهم أوَّلَهُمُ التَهَبَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا" .» قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الَّذِي قَدِمَ بِالتِّجارَةِ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ.

قالُوا: قَدِمَ بِها مِنَ الشّامِ، وضُرِبَ لَها طَبْلٌ يُؤْذِنُ النّاسَ بِقُدُومِها.

وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهم إذا قَدِمَتْ عِيرٌ.

قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كانَتِ التِّجارَةُ طَعامًا.

وقالَ أبُو مالِكٍ: كانَتْ زَيْتًا.

والمُرادُ بِاللَّهْوِ: ضَرْبُ الطَّبْلِ.

و"انْفَضُّوا" بِمَعْنى: تَفَرَّقُوا عَنْكَ، فَذَهَبُوا إلَيْها.

والضَّمِيرُ لِلتِّجارَةِ.

وإنَّما خُصَّتْ بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها، لِأنَّها كانَتْ أهَمَّ إلَيْهِمْ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وإذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها، أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ، فَحُذِفَ خَبَرُ أحَدِهِما، لِأنَّ الخَبَرَ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "انْفَضُّوا إلَيْهِما" عَلى التَّثْنِيَةِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ "انْفَضُّوا إلَيْهِ" عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿ وَتَرَكُوكَ قائِمًا ﴾ وهَذا القِيامُ كانَ في الخُطْبَةِ ﴿ قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن ثَوابِ الصَّلاةِ والثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرٌ الرّازِقِينَ ﴾ لِأنَّهُ يَرْزُقُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ويَعْبُدُهُ، ومَن يَكْفُرُ بِهِ ويَجْحَدُهُ، فَهو يُعْطِي مَن سَألَ، ويَبْتَدِئُ مَن لا يَسْألُ، وغَيْرُهُ إنَّما يَرْزُقُ مَن يَرْجُو مَنفَعَتَهُ، ويُقْبِلُ عَلى خِدْمَتِهِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ  مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ  ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ.

والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ ، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي.

واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟

بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى.

وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا  ﴾ ، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا ﴾ ، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ  قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ".

وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ [الجمعة: 9] الآية.

عُطف التوبيخ على ترك المأمور به بعد ذكر الأمر وسُلكت في المعطوفة طريقة الالتفات لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأنهم أحرياء أن يصرف للخطاب عنهم فحرموا من عز الحضور.

وأخبر عنهم بحال الغائبين، وفيه تعريض بالتوبيخ.

ومقتضى الظاهر أن يقال: وإذا رأيتم تجارة أو لهواً فلا تنفضّوا إليها.

ومن مقتضيات تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر هنا أن يكون هذا التوبيخ غير شامل لجميع المؤمنين فإن نفراً منهم بَقُوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين خطبته ولم يخرجوا للتجارة ولا للهو.

وفي «الصحيح» عن جابر بن عبد الله قال: «بينما نحن نصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة إذْ أقبلتْ عير من الشام تحمل طعاماً فانفتل الناس إليها حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم».

وفي رواية: وفيهم أبو بكر وعمر، فأنزل الله فيهم هذه الآية التي في الجمعة ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ اه.

وقد ذكروا في روايات أخرى أنه بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، فهؤلاء أربعة عشر.

وذكر الدارقطني في حديث جابر: «أنه قال ليس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعون رجلاً».

وعن مجاهد ومقاتل: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقدم دِحية بن خليفة الكلبي بتجارة فتلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس».

وفي رواية «أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بتجارة من زيت الشام».

وفي رواية «وطعام وغير ذلك فخرج الناس من المسجد خشية أن يُسبقوا إلى ذلك».

وقال جابر بن عبد الله «كانت الجواري إذا نَكحن يمرّرن بالمزامير والطَّبْل فانفضّوا إليها»، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ ، فقد قيل إن ذلك تكرر منهم ثلاث مرات، فلا شك أن خروجهم كان تارة لأجل مجيء العِير وتارة لحضور اللهو.

وروي أن العِير نزلت بموضع يقال له: أحجار الزيت فتوهم الراوي فقال: بتجارة الزيت.

وضمير ﴿ إليها ﴾ عائد إلى التجارة لأنها أهم عندهم من اللهو ولأن الحدث الذي نزلت الآية عنده هو مجيء عِير دحية من الشام.

واكتفى به عن ضمير اللهو كما في قول قيس بن الخطيم، أو عمرو بن الحارث بن امرئ القيس: نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راضضٍ والرأيُ مختلف ولعل التقسيم الذي أفادته ﴿ أو ﴾ في قوله: ﴿ أو لهواً ﴾ تقسيم لأحوال المنفضّين إذ يكون بعضهم من ذوي العائلات خرجوا ليَمْتَاروا لأهلهم، وبعضهم من الشباب لا همة لهم في الميرة ولكن أحبوا حضور اللهو.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف للزمان الماضي مجرد عن معنى الشرط لأن هذا الانفضاض مضى.

وليس المراد أنهم سيعودون إليه بعد ما نزل هذا التوبيخ وما قبله من الأمر والتحريض.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ [النساء: 83] وقوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ [التوبة: 92] الآية.

والانفضاض: مطاوع فَضَّه إذا فرقه، وغلب إطلاقه على غير معنى المطاوعة، أي بمعنى مطلق كما تفرق.

قال تعالى: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا ﴾ [المنافقون: 7].

وقوله: ﴿ أو لهواً ﴾ فيه للتقسيم، أي منهم من انفضّ لأجل التجارة، ومنهم من انفضّ لأجل اللهو، وتأنيث الضمير في قوله: ﴿ إليها ﴾ تغليب للفظ (تجارة) لأن التجارة كانت الداعي الأقوى لانفضاضهم.

وجملة ﴿ وتركوك قائماً ﴾ تفظيع لفعلهم إذ فرطوا في سماع وعظ النبي صلى الله عليه وسلم أي تركوك قائماً على المنبر.

وذلك في خطبة الجمعة، والظاهر أنها جملة حالية، أي تركوك في حال الموعظة والإِرشاد فأضاعوا علماً عظيماً بانفضاضهم إلى التجارة واللهو.

وهذه الآية تدل على وجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة إذ لم يقل: وتركوا الصلاة.

وأمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم أن يعظهم بأن ما عند الله من الثواب على حضور الجمعة خير من فائدة التجارة ولذة اللهو.

وكذلك ما أعد الله من الرزق للذين يؤثرون طاعة الله على ما يشغل عنها من وسائل الارتزاق جزاء لهم على إيثارهم جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة، فرب رزق لم ينتفع به الحريص عليه وإن كان كثيراً، وربّ رزق قليل ينتفع به صاحبه ويعود عليه بصلاح، قال تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

وقال حكاية عن خطاب نوع قومه ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ﴾ [نوح: 10 12].

وذيل الكلام بقوله: ﴿ والله خير الرازقين ﴾ لأن الله يرزق الرزق لمن يرضى عنه سليماً من الأكدار والآثام، ولأنه يرزق خير الدنيا وخير الآخرة، وليس غير الله قادراً على ذلك، والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله وهو العالم بالسرائر.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا ﴾ رَوى سالِمٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَتْ عِيرٌ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  يَعْنِي في الخُطْبَةِ فانْفَتَلَ النّاسُ إلَيْها وما بَقِيَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ الَّذِي قَدِمَ بِها دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ مِنَ الشّامِ عِنْدَ مَجاعَةٍ وغَلاءِ سِعْرٍ، وكانَ مَعَهُ جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن بُرٍّ ودَقِيقٍ وغَيْرِهِ فَنَزَلَ عِنْدَ أحْجارِ الزَّيْتِ وضَرَبَ الطَّبْلَ لِيُؤْذِنَ النّاسَ بِقُدُومِهِ، وكانُوا في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ، فانْفَضُّوا إلَيْها، وبَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ثَمانِيَةُ رِجالٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ والتِّجارَةُ مِن أمْوالِ التِّجاراتِ.

وَفي اللَّهْوِ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي لَعِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الطَّبْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِزْمارُ، قالَهُ جابِرٌ.

الرّابِعُ: الغِناءُ.

﴿ وَتَرَكُوكَ قائِمًا ﴾ يَعْنِي في خُطْبَتِهِ، ورَوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ ابْتَدَرْتُمُوها حَتّى لا يَبْقى مَعِيَ أحَدٌ لَسالَ الوادِي بِكم نارًا»، وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿ انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِما، لِأنَّ غالِبَ انْفِضاضِهِمْ كانَ لِلتِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ.

وَقالَ الأخْفَشُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ وإذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها أوْ لَهْوًا، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وُفي ﴿ انْفَضُّوا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذَهَبُوا.

الثّانِي: تَفَرَّقُوا.

فَمَن جَعَلَ مَعْناهُ ذَهَبُوا أرادَ التِّجارَةَ، ومَن جَعَلَ مَعْناهُ تَفَرَّقُوا أرادَ عَنِ الخُطْبَةِ وهَذا أفْصَحُ الوَجْهَيْنِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ انْفَضَّ جَمْعُهم عَنْ كُلِّ نائِرَةٍ تَبْقى وتُدَنِّسُ عِرْضَ الواجِمِ الشَّبِمِ ﴿ قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ صَلاتِكم مِن لَذَّةِ لَهْوِكم وفائِدَةِ تِجارَتِكم.

الثّانِي: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن رِزْقِكُمُ الَّذِي قَسَمْتُ لَكم خَيْرٌ مِمّا أصَبْتُمُوهُ بِانْفِضاضِكم مِن لَهْوِكم وتِجارَتِكم.

﴿ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَيْرُ مَن رَزَقَ وأعْطى.

الثّانِي: ورِزْقُ اللَّهِ خَيْرُ الأرْزاقِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله ﴾ قالوا: نحن أبناء الله واحباؤه، وفي قوله: ﴿ ولا يتمنونه أبداً، بما قدمت أيديهم ﴾ قال: عرفوا أن محمداً نبي الله فكتموه، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم ﴾ قال: إن سوء العمل يكره الموت شديداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: تلا قتادة ﴿ ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: إن الله أذل ابن آدم بالموت لا أعلمه إلا رفعه.

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه «عن أبي هريرة قال: قلت يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟

قال: لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا فيها بدعوة استجاب له» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أتدري ما يوم الجمعة؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل فيحسن طهوره، ويلبس أحسن ثيابه، ويصيب من طيب أهله، إن كان لهم طيب، وإلا فالماء ثم يأتي المسجد فيجلس وينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كانت كفارة ما بين الجمعة ما اجتنيت الكبائر، وذلك الدهر كله» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال: خلق الله فيه آدم، وأهبط فيه إلى الأرض، وفيه توفي الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك ولا أرض ولا سماء ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن سعد بن عبادة «أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير؟

قال: فيه خمس خصال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه ما لم يسأل مأثماً أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبل ولا ريح إلا يشفقن من يوم الجمعة» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «في سبعة أيام يوم اختاره الله على الأيام كلها يوم الجمعة، فيه خلق الله السموات والأرض، وفيه قضى الله خلقهن، وفيه خلق الله الجنة والنار، وفيه خلق آدم، وفيه أهبطه من الجنة وتاب عليه، وفيه تقوم الساعة ليس شيء من خلق إلا وهو يفزع من ذلك اليوم شفقة أن تقوم الساعة إلا الجن والانس» .

وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئاتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة لأهلها يحفون بها كالعروس يهدي إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانها كالثلج بياضهم، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرفون تعجباً حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الأيام يوم الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه النفخة وفيه الصعقة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: لم تطلع الشمس في يوم هو أعظم من يوم الجمعة إنها إذا طلعت فزع لها كل شيء إلا الثقلان اللذان عليهما الحساب والعذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إن يوم الجمعة لتفزع له الخلائق إلا الجن والإِنس وأنه ليضاعف فيه الحسنة والسيئة، وإنه ليوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: الحسنة تضاعف يوم الجمعة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عمر قال: «نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده شبه مرآة فيها نكتة سوداء، فقال يا جبريل: ما هذه؟

قال: هذه الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء، فقلت يا جبريل: ما هذه؟

قال: هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة؟

قال: لكم فيها خير، قلت: وما لنا فيها؟

قال: تكون عيداً لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لك.

قلت: وما لنا فيها؟

قال: لكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً من الدنيا والآخرة هو لكم قسم إلا أعطاه إياه، وليس له قسم إلا ادخر له عنده ما هو أفضل منه، أو يتعوّذ به من شر هو عليه مكتوب إلا صرف عنه من البلاء ما هو أعظم منه، قلت له: وما هذه النكتة فيها؟

قال: هي الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو عندنا سيد الأيام، ونحن ندعوه يوم القيامة، يوم المزيد، قلت: مم ذاك؟

قال: لأن ربك اتخذ في الجنة وادياً من مسك أبيض، فإذا كان يوم القيامة هبط من عليين على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، ثم يجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، وينزل أهل الغرف حتى يجلسوا على ذلك الكثيب، ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى ثم يقول: سلوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كريم، متى تسألوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيشهدهم أني قد رضيت عنهم، فيفتح لهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، وذلكم مقدار انصرافكم من يوم الجمعة، ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي درة بيضاء ليس فيها وصم ولا فصم، أو درة حمراء، أو زبرجدة خضراء فيها غرفها وأبوابها مطروزة، وفيها أنهارها وثمارها متدلية، قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا إلى ربهم نظراً، وليزدادوا منه كرامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة ما دعا الله فيها عبد مسلم بشيء إلا استجاب له» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطي سؤله، قيل: أي ساعة هي؟

قال: هي أن تقام الصلاة إلى الانصراف فيها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تفتح فيه أبواب الرحمة، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئاً إلا أعطاه، قيل وأي ساعة؟

قال: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة.

وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، وإن فيه لساعة تفتح أبواب الرحمة، فقيل: أي ساعة؟

قالت: حين ينادي بالصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: الساعة التي تذكر في الجمعة، قال: فقلت: هي الساعة اختار الله لها أوفى فيها الصلاة، قال: فمسح رأسي وبرك عليّ وأعجبه ما قلت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة قال: إني لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات إذا أذن المؤذن أو جلس الإِمام على المنبر، أو عند الإِقامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: هي عند زوال الشمس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بردة قال: إن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة حين يقوم الإِمام في الصلاة حتى ينصرف منها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن حصيرة في الساعة التي ترجى في الجمعة ما بين خروج الإِمام إلى أن تقضى الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: إن الساعة التي ترجى في الجمعة بعد العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار قال: قال رسول الله: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه، فقال رجل: يا رسول الله ماذا أسأله؟

قال: سل الله العافية في الدنيا والآخرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهوره وادهن من دهنه أو مس طيباً من بيته، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا تكلم الإِمام إلا غفر له ما بينه إلى الجمعة الأخرى» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن السائب بن يزيد قال: كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان أن ينادي المنادي إذا جلس الإِمام على المنبر، فلما تباعدت المساكن وكثر الناس أحدث النداء الأول، فلم يعب الناس ذلك عليه، وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى، قال: فكنا في زمان عمر نصلي، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر قطعنا الصلاة وتحدثنا، فربما أقبل عمر على بعض من يليه فسألهم عن سوقهم وقد أمهم والمؤذن يؤذن، فإذا سكت المؤذن قام عمر فتكلم ولم يتكلم حتى يفرغ من خطبته.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ قال: هو الوقت.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ قال: النداء عند الذكر عزمة.

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان عن ابن عباس قال: الأذان نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم تجمعون فيه كل سبعة أيام، والنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، وذلك لقلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ الآية.

وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: «أذن النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير» أما بعد، فأنظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نسائكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين «قال: فهو أول من جمع حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فجمع بعد الزوال من الظهر وأظهر ذلك» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت له يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الآذان للجمعة ما هو؟

قال: إنه أول من جمع بنا في نقيع يقال له نقيع الخضمات من حرة بني بياضة.

قلت: كم كنتم يومئذٍ؟

قال: أربعون رجلاً.

وأخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة بهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلاً.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن ابن شهاب قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من قباء، فمر على بني سالم، فصلى فيهم الجمعة ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن ماجة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بركة له، حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد المنبر: «لينتهين أقوام عن ترك الجمعة والجماعات، أو ليطمسن الله على قلوبهم وليكتبن من الغافلين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة بن جندب مرفوعاً: «من ترك الجمعة من غير عذر طمس على قلبه» .

وأخرج أحمد والحاكم عن أبي قتادة مرفوعاً: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه» .

وأخرج النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من حديث جابر مثله.

وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي الجعد الضمري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق» .

وأخرج أبو يعلى والمروزي في الجمعة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم «سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، أعظم من يوم النحر والفطر، وفيه خمس خلال: خلق آدم فيه، وفيه أهبط من الجنة إلى الأرض، وتوفي فيه آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه إلا أعطاه، ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ميمون بن أبي شعيب قال: أردت الجمعة في زمن الحجاج، فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا، فقلت مرة أذهب ومرة لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من جانب البيت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ الآية.

أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ فقال: من أملى عليك هذا؟

قلت: أبيّ بن كعب.

قال: إن أبياً أقرؤنا للمنسوخ قرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: قيل لعمر: إن أبياً يقرأ ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال عمر: أبيّ أعلمنا بالمنسوخ، وكان يقرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرأها قط إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ قال: ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي.

وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود: ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ وهو كقوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ [ الليل: 4] .

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبيّ بن كعب وابن مسعود أنهما كانا يقرآن ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: فامضوا.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها.

قال الله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ [ الصافات: 102] قال: لما مشى مع أبيه.

وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال: كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء بالصلاة فقال: قم لنسعى إليها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: الذهاب والمشي.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: إنما السعي العمل، وليس السعي على الأقدام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: السعي العمل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله.

وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال: خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء، فرفعت في المشي لقول الله: ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: موعظة الإِمام.

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت التجارة يوم الجمعة ما بين الأذان الأول إلى الإِقامة إلى انصراف الإِمام، لأن الله يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ﴾ إلى ﴿ وذروا البيع ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب فيدعونه ويقومون فيما هم إلا بيعاً حتى تقام الصلاة فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴾ قال: فحرم عليهم ما كان قبل ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: الأذان الذي يحرم فيه البيع هو الأذان الذي عند خروج الإِمام.

قال: وأرى أن يترك البيع الآن عند الأذان الأول.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم الشراء والبيع.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك قال: إذا زالت الشمس من يوم الجمعة حرم البيع والتجارة حتى تقضى الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء والحسن أنهما قالا: ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن أيوب قال: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع، وذلك عند خروج الإِمام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: كان بالمدينة إذا أذن المؤذن من يوم الجمعة ينادون في الأسواق: حرم البيع حرم البيع.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم دخل على أهله في يوم الجمعة وعندهم عطار يبايعونه، فاشتروا منه، وخرج القاسم إلى الجمعة، فوجد الإِمام قد خرج، فأمرهم أن يناقضوه البيع.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: من باع شيئاً بعد الزوال يوم الجمعة فإن بيعه مردود لأن الله تعالى نهى عن البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل تعلم من شيء يحرم إذا أذن بالأولى سوى البيع؟

قال عطاء: إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها هي بمنزلة البيع والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً قلت: إذا نودي بالأولى وجب الرواح حينئذ؟

قال: نعم.

قلت: من أجل قوله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؟

قال: نعم، فليدع حينئذ كل شيء وليرح.

أخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبدالله بن بسر الحراني قال: رأيت عبدالله بن بشر المازني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟

قال: لأني رأيت سيد المرسلين هكذا يصنع، وتلا هذه الآية ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره.

وأخرج ابن المنذر عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يصلي بالناس الجمعة، فإذا سلم صاح ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ﴾ فيبتدر الناس الأبواب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعطاء ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ قالا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ قال: هو إذن من الله، فإذا فرغ فإن شاء خرج، وإن شاء قعد في المسجد.

وأخرج ابن جرير عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ قال: ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا، إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الجمعة فصام يومه وعاد مريضاً وشهد جنازة وشهد نكاحاً وجبت له الجنة» .

قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبدالله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج البزار عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدم دحية بن خليفة يبيع سلعة له، فما بقي في المسجد أحد إلا نفر، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ قال: قدم دحية الكلبي بتجارة، فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ قال: «جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة، بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قدمت عير المدينة يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، فانفض أكثر من كان في المسجد، فأنزل الله في هذه الآية ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف، فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مقاتل بن حيان قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقوم قائماً، وإن دحية الكلبي كان رجلاً تاجراً، وكان قبل أن يسلم: قدم بتجارته إلى المدينة خرج الناس ينظرون إلى ما جاء به ويشترون منه، فقدم ذات يوم ووافق الجمعة، والناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وهو قائم يخطب، فاستقبل أهل دحية العير حين دخل المدينة بالطبل واللهو، فذلك اللهو الذي ذكر الله، فسمع الناس في المسجد أن دحية قد نزل بتجارة عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، وسمعوا أصواتاً، فخرج عامة الناس إلى دحية ينظرون إلى تجارته وإلى اللهو، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ليس معه كبير عدة أحد، فبلغني والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبلغنا أن العدة التي بقيت في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة قليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: لولا هؤلاء، يعني الذين بقوا في المسجد؛ عند النبي صلى الله عليه وسلم: لقصدت إليهم الحجارة من السماء» ونزل ﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، فإذا كان نكاح لعب أهله وعزفوا ومروا باللهو على المسجد، وإذا نزل بالبطحاء جلب قال: وكانت البطحاء مجلساً بفناء المسجد الذي يلي بقيع الغرقد، وكانت الأعراب إذا جلبوا الخيل والإِبل والغنم وبضائع الأعراب نزلوا البطحاء، فإذا سمع ذلك من يقعد للخطبة قاموا للهو والتجارة وتركوه قائماً، فعاتب الله المؤمنين لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ قال: رجال يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يقدمون يبتغون التجارة واللهو.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ قدمت عير المدينة فانفضوا إليها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق معه إلا رهط منهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى معي أحد منكم لسال بكم الوادي ناراً» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الجمعة فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم فقال: كم أنتم فعدوا أنفسكم فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم، فقال:كم أنتم فعدوا أنفسكم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال: والذي نفس محمد بيده لو أتبع آخركم أولكم لالتهب الوادي عليكم ناراً» وأنزل الله فيها ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لهواً ﴾ قال: هو الضرب بالطبل.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة أقبل شاء وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تتابعتم لتأجج الوادي ناراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود أنه سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟

قال: أما تقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مرديه والبيهقي في سننه عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله: ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سمرة قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب خطبتين يجلس بينهما.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة رضي الله عنه عن الخطبة يوم الجمعة، فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وإن أوّل من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: إنما خطب معاوية قاعداً حين كثر شحم بطنه ولحمه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه الكريم، فقال: السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن سمرة قال: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قصراً وصلاته قصراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: إنما قصرت صلاة الجمعة من أجل الخطبة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في شعب الإِيمان والديلمي «عن الحسن البصري قال: طلبت خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فقال: كان يخطب فيقول في خطبته يوم الجمعة: يا أيها الناس إن لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه، فليتزوّد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، فإنكم خلقتم للآخرة، والدنيا خلقت لكم والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار، وأستغفر الله لي ولكم» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن شهاب قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب: «كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً ويريد الله أمراً، وما شاء الله كان، ولو كره الناس، لا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: إذا صليتم الفريضة (١) وقال مقاتل: فرغتم من الصلاة يوم الجمعة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحته للانتشار بعد الأمر بالاجتماع للصلاة بالسعي إليها (٢) قال ابن عباس: فإن شئت فأخرج وان شئت فصل العصر، وإن شئت فاقعد (٣) ﴿ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ ﴾ إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع بقوله: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ .

قال مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة فمن شاء خرج إلى تجارته ومن شاء لم يفعل (٤) وقال مجاهد: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل (٥) وقال الضحاك: هو إذن من الله إذا فرع إن شاء خرج وإن شاء قعد في المسجد (٦) والأحسن في الابتغاء من فضل الله أنه طلب الرزق وذكر أوجه من طلب الولد، وطلب العلم، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والظاهر هو الأول، لأن إباحة ما منع هو البيع (٧) وروى أن عراك بن مالك (٨) (٩) (١٠) وأجمع المفسرون على أن الأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  ﴾ وليس على كل من حل من إحرامه أن يصطاد، قال أبو إسحاق: هذا مثل قولك في الكلام: إذا حضرتني فلا تنطق (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قال مقاتل: باللسان (١٣) (١٤) وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيرًا حتى يذكره قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً ﴾ الآية.

قال مقاتل: إن دحية الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق، ووافق قدومه يوم الجمعة، والنبي -  - قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي -  - ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً.

فقال النبي -  -: "لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة".

وأنزل الله هذه الآية (١٦) (١٧) وقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع، وغلا سعرهم، فقدمت عير ورسول الله -  - يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها وخرجوا إليها، والنبي -  - قائم كما هو فقال: "لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب عليهم الوادي نارًا" (١٨) وقال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات لعير تقدم (١٩) قوله تعالى: ﴿ أَوْ لَهْوًا ﴾ المفسرون على أنه الطبل الذي كان يضرب لقدوم الغير.

وقال جابر: كان النبي -  - يخطب يوم الجمعة قائمًا على المنبر، وكانوا إذا نكحوا الجواري يضربون المزامير والكبر (٢٠)  - قائمًا على المنبر (٢١) قوله تعالى: ﴿ انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾ أي تفرقوا عنك، كقوله: ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  ﴾ قال المبرد: انفضوا إليها، الضمير للتجارة (٢٢) وقال الزجاج، والمبرد: ولو كان انفضوا إليه وإليهما جاز كما جاز انفضوا إليها (٢٣) (٢٤) وهذا من كلام العرب المستقيم أن يذكروا الشيئين اللذين يرجعان إلى معنى مما يطلب فيهما فيردوا الخبر إلى أحدهما استغناء واختصارًا، كقوله: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ  ﴾ ، ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا  ﴾ .

ونحو هذا قال الفراء، وزاد فقال: وأجود من (٢٥) (٢٦) قوله تعالى: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ أجمعوا على أن هذا القيام كان في الخطبة، وهذا دليل على أن من (٢٧) قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله -  - خطب إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه (٢٨)  - يخطب قائمًا أو قاعدًا؟

فقرأ (وتركوك قائمًا) (٢٩) (٣٠) وروي أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن (٣١) ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا ﴾ وتلا الآية (٣٢) وقال الشعبي: أول من خطب قاعدًا معاوية (٣٣) قوله: ﴿ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ﴾ قال مقاتل: يعني من الطبل والصفق ﴿ وَمِنَ التِّجَارَةِ ﴾ التي جاء بها دحية (٣٤) قوله: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ المخلوق مرزوق فإذا غضب قطع رزقه، والله عز وجل يسخط ولا يقطع وهو أحكم الحاكمين.

(63) تفسير سورة المنافقون (١) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 74، بلفظ: (إذا فرغ الإمام من صلاة الجمعة).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ.

(٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 345، و"التفسير الكبير" 30/ 9.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 155/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 9.

(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 157 عن مجاهد وعطاء.

وانظر: "الدر المنثور" 6/ 22.

(٦) انظر: "جامع البيان" 28/ 66، و"الدر" 6/ 22.

(٧) قال النحاس: وظاهر الآية يدل على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزق في الدنيا أو ثواب في الآخرة.

"إعراب القرآن" 3/ 430.

(٨) هو عِرَاكُ بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل.

مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة.

انظر: "العبر" 1/ 92، و"التقريب" 2/ 17.

(٩) (إني) ساقطة من (ك).

(١٠) أخرج ابن أبي حاتم عنه، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 367.

(١١) في (ك): (تنطلق).

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 172.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ، و"التفسير الكبير" 3/ 9.

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 3/ 9.

(١٥) انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 367.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، وفيه: (اثنا عشر رجلاً وامرأة ..).

(١٧) أخرجه مسلم في رواية هشيم.

"فتح الباري" 2/ 424، والإمام أحمد في "المسند"، وروى العقيلي: أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وأناسًا من الأنصار، وعنده بسند متصل أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود.

"فتح الباري" 2/ 424.

(١٨) انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 494، ونسبه للمفسرين، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 292، عن الحسن، و"جامع البيان" 28/ 67، عن الحسن.

وقوله: (لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب علبهم الوادي نارًا) قال ابن حجر -رحمه الله- (فائدة: ذكر الحميد في الجمع أن أبا مسعود الدمشقي ذكر في آخر هذا الحديث أنه -  - قال: (...)، ولم أر هذه الزيادة في الأطراف لابن مسعود، ولا هي في شيء من طرق حديث جابر المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة) "فتح البارى" 2/ 424 - 425.

(١٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 67، و"الكشف والبيان" 13/ 127 أ.

(٢٠) الكّبَر: طبل له وجه واحد.

"تهذيب اللغة" 10/ 213، و"اللسان" 3/ 212 (كبر).

(٢١) وقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً، ووصله أبو عوانه في "صحيحه"، والطبري.

وانظر: "جامع البيان" 28/ 68، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 43 ..

قلت: ما صح عن جابر  في سبب النزول وما ذكره المفسرون في المراد باللهو لا تعارض بينهما إذ تفسير جابر للمراد باللهو بأنه ضرب الطبل في النكاح لم يصرح فيه على ما رواه ابن جرير وغيره بأن ذلك كان في يوم الجمعة فلعله كان أثناء خطبته -  - في غير الجمعة فحملت الآية على العموم، وربما تكررت الحادثة كما ذكر قتادة، والله أعلم.

"فتح الباري" 2/ 424، وقال: ولا بعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر 2/ 424.

(٢٢) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 11.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 172.

(٢٤) انظر: "الكشاف" 4/ 99.

(٢٥) (من) ساقطة من (ك).

(٢٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 157.

(٢٧) لعل الصواب: (وهذا دليل على من) بدون (أن).

(٢٨) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وما فيهما من الجلسة، وأبو داود في باب: الخطبة قائمًا، من كتاب: الصلاة، وأحمد في "المسند" 5/ 87، والنسائي في باب: السكوت في القعدة بين الخطبتين، كتاب: الجمعة.

(٢٩) أخرجه ابن مردويه، وابن أبي شيبة، انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، وابن ماجه، والطبراني.

"الدر" 6/ 221، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 13/ 127 ب.

(٣٠) انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، عن ابن سيرين.

"الدر" 6/ 222، وذكره البغوي فقال: (وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر ..)، و"معالم التنزيل" 4/ 346.

(٣١) هو عبد الرحمن بن أبي الحكم.

(٣٢) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة 2/ 590، وابن أبي شيبة 2/ 112.

(٣٣) رواه ابن أبي شيبة 2/ 112 من طريق الشعبي، أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه.

وأخرج عن طاووس ..

وأول من جلس على المنبر معاوية.

وروى سعيد بن منصور عن الحسن: ..

وأول من خطب جالسًا معاوية.

وانظر: "فتح الباري" 2/ 401، و"الدر" 6/ 222 (٣٤) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ﴾ «سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام بطعام، وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي، وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سروراً بها، فلما دخلت العير كذلك انفض أهل المسجد إليها، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً.

قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم» وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عبد الله بن مسعود، وقيل: عمار بن ياسر، وقيل: إنما بقي معه صلى الله عليه وسلم ثمانية وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهؤلاء: لقد كانت الحجارة سُوِّمت في السماء على المنفضين.

وظاهر الآية يقتضي أن الجماعة شرط من الجمعة وهو مذهب مالك والجمهور، إلا أنهم اختلفوا في مقدار الجماعة الذي تنعقد بهم الجمعة؟

فقال مالك: ليس في ذلك عدد محدود، وإنما هم جماعة تقوم بهم قرية.

وروى ابن الماجشون عن مالك ثلاثون.

وقال الشافعي: أربعون.

وقال أبو حنيفة: ثلاثة مع الإمام وقيل: اثنا عشر عدد الذي بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: لم قال انفضوا إليها بضمير المفرد وقد ذكر التجارة واللهو؟

فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد انفضوا إلى اللهو وانفضوا إلى التجارة، ثم حذف أحدهما لدلالة الآخرة عليه.

قاله الزمخشري.

والآخر أنه قال ذلك مهتماً بالتجارة إذ كانت أهم، وكانت هي سبب اللهو، ولم يكن اللهو سببها، قاله ابن عطية.

﴿ وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ اختلفوا في القيام في الخطبة هل هو وجب أم لا؟

وإذ قلنا بوجوبه فهل هو شرط فيها أم لا؟

فمن أوجبه واشترطه أخذ بظاهر الآية من ذكر القيام.

ومن لم يوجبه رأى أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لم يكن على الوجوب.

ومذهب مالك أن من سنة الخطبة الجلوس قبلها والجلوس بين الخطبتين، وقال أبو حنيفة: لا يجلس بين الخطبيتن لظاهر الآية وذكر القيام فيها دون الجلوس، وحجة مالك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة ﴾ إن قيل: لم قدم اللهو هنا على التجارة وقدم التجارة قبل هذا على اللهو؟

فالجواب: أن كل واحد من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه؛ وذلك أن العرب تارة يبتدئون بالأكثر ثم ينزلون إلى الأقل كقولك: فلان يخون في الكثير والقليل فبدأت بالكثير ثم أردفت عليه الخيانة فيما دونه، وتارة يبتدئون بالأقل ثم يرتقون إلى الأكثر كقولك: فلان أمين على القليل والكثير فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الأمانة فيما هو أكثر منه، ولو عكست في كل واحد من المثالين لم يكن حسناً؛ فإنك لو قدمت في الخيانة القليل لعلم أنه يخون في الكثير.

من باب أولى وأحرى، ولو قدمت في الأمانة ذكر الكثير لعلم أنه أمين في القليل من باب أولى وأحرى، فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة وكذلك قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ﴾ .

قدم التجارة هنا ليبين أنهم ينفضون إليها، وأنهم مع ذلك ينفضون إلى اللهو الذي هو دونها وقوله: ﴿ خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة ﴾ قدم اللهو ليبين أن ما عند الله خير من اللهو، وأنه أيضاً خير من التجارة التي هي أعظم منه، ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يحسن.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.

التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.

وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ  ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".

والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.

ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد  مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.

ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.

ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.

ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.

قال أهل النظم: قد أبطل الله  قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.

قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.

قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.

وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.

وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.

لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.

والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله  مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.

وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله  لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.

وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله  آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي  وأول جمعة جمعها رسول الله  أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.

وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه  " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.

وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.

وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.

وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.

ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.

وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.

قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.

ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.

وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.

وعن جابر كان رسول الله  يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعنه أن النبي  كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.

وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله  يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.

قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.

وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.

ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.

وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟

نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.

وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.

قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.

وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.

وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.

وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.

وقيل: صلاة التطوع.

وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي  إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي  إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

يروى أنه  وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.

ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو  وقد مر مراراً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، هذا السعي يحتمل وجهين: أحدهما: أن أقبلوا على العمل الذي أمرتم به وامضوا فيه.

والثاني: واسعوا في المشي وأسرعوا، لأن السعي في المشي هو السرعة فيه، والسعي في الأعمال هو الإقبال عليها والمبادرة إليها، فإن كان المراد من هذا السعي في المشي فخروج الآية مخرج الترهيب والتضييق؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ كيف أمرك بترك البيع وقد يمكن البيع في حال المشي، وإلى قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كيف أمر بالانتشار في الأرض بعد الفراغ من الفريضة دون أن يذكر هنالك شيئاً في أدائها، ولو كان المراد منه الترغيب، لكان يأمره بالعدو إليها؛ فدلت هذه المعاني أن تخرج الآية على الترهيب والتضييق، وإن كان السعي في سائر الصلاة المفروضة غير مندوب إليه؛ على ما روي عن النبي  أنه قال: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، عليكم بالسكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" فاختص الجمعة به؛ لما ذكرنا من التضييق هاهنا والتوسيع في سائر الصلاة، ولكن الأشبه أن المراد من السعي هو الإقبال على أدائها والتأهب لها والمبادرة إليها، والسعي مستعمل في هذا؛ قال الله  : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ  وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ  ﴾ ، وإنما أراد العمل، وكذلك روي عن عمر وابن مسعود وأبي وابن الزبير -  م - أنهم قرءوا: (فامضوا إلى ذكر) حتى قال عبد الله: "لو كانت القراءة ﴿ فَٱسْعَوْاْ ﴾ لسعيت، ولو سقط ردائي لم ألتفت إليه"؛ خوفا من تضييع حقها؛ فذلك يدل على أن تأويل الأول عندهم على الإقبال والمبادرة إليها دون السرعة والمشي، ولأن هذا موافق لسائر الصلوات في أن العدو غير مستحب، والله أعلم.

والحديث الوارد في السكينة الوقار مطلق ليس فيه فصل بين الجمعة وغيرها، وعليه إجماع الفقهاء أنه يمشي إلى الجمعة على هينته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ قال بعض الناس بأنه إذا باع في وقت الجمعة، لم يجز بيعه؛ لهذه الآية.

وعندنا أن البيع جائز، لكنه مكروه.

والذي يدل على جوازه أن النهي عن البيع في هذه الآية ليس لمكان البيع، ولكن لمكان الجمعة، فالفساد إذا ورد فإنما يرد في الجمعة لا في البيع؛ لأنه إذا باع في الصلاة فالبيع يفسد الصلاة؛ لأن الصلاة تفسد البيع، ولأن الأصل عندنا أن كل عقد نهي لأجل غيره، فالنقصان إذا ورد من النهي فإنما يرد في ذلك الغير لا في العقد، وعلى هذا ما روي عنه -  - أنه قال: "المحرم لا ينكح ولا ينكح" إذ النهي عن النكاح إنما هو لمكان الإحرام ليس لمكان النكاح؛ ولذلك نقول بجواز نكاح المحرم وبفساد الحج إذا جامع بذلك النكاح؛ لأن النهي إذا لم يكن لنفس العقد لم يستقم فساد العقد والنهي ليس من أجله، والله أعلم.

ثم لما قال: ﴿ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ لم يقل: إلى الجمعة، ولا: لها؛ دل أنه قبل الجمعة ذكر يجب الاستماع إليه والسعي إليه؛ فدل هذا على فرضية الخطبة، ولما ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أن المراد بالذكر الخطبة، ثم أمر بترك البيع للسعي إلى هذا الذكر والاستماع له - ثبت أن الكلام في وقت الخطبة مكروه، وفي وقت خروج الإمام إلى الخطبة مكروه أيضاً؛ لأن البيع في ذلك الوقت مكروه، والبيع كلام؛ فيدل على كراهية كل كلام؛ فيدل على صحة مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في أنه يلزم السكوت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من الصلاة، وعلى ذلك ورد الحديث عن النبي  أنه قال: "من أتى الجمعة ثم صلى ما شاء أن يصلي، ثم إذا خرج الإمام سكت إلى أن يفرغ من صلاته - كان ذلك كفارة له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام بعده" ، فلما ألزمه السكوت من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة، ثبت أن الكلام في ذلك الوقت مكروه، والله أعلم.

قال: وفي هذه الآية دلالة على كذب من قال: إن الصلاة إنما تفترض في آخر الوقت، وأن من أدى فرضاً في أول وقت فإنما يؤدي تطوعا؛ لأنه أمره بالسعي وفرض عليه إذا نودي، ومعلوم أنه إذا تهيأ للإمام تأخير الصلاة في ذلك الوقت نص عليه مع ذلك؛ فدل هذا على كذب مقالتهم، والله أعلم.

وأقبح من هذا أنهم قالوا: إن الصلوات مفروضات على الكفرة في حال كفرهم وعلى المسلمين تطوع مع أنه يجيء على قولهم: إنه ليس أحد من الأمة أدى فرضا ألبتة؛ لأنه لم يذكر عن أحد منهم أنه فرط في أداء الصلاة حتى خاف خروج وقتها، فهذا قول قبيح يجب أن يستتاب عنه صاحبه وعن أمثاله، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أن الجمعة لا تجب على من بعد من الإمام بفرسخين؛ لأنه أمره بالسعي بعد النداء، ومن بعد فرسخين، قد يخرج وقت الجمعة ولا يدركها؛ فثبت أنه على ما دونه وهو أن يكون في حد الأمصار، والله أعلم.

ثم الوقت الذي نهي عن البيع فيه يوم الجمعة: عن مسروق وجماعة: هو وقت الزوال إلى أن يفرغ الإمام من الجمعة.

وعن مجاهد والزهري: أنه ينهى عن البيع بعد النداء؛ عملا بظاهر الآية: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ ﴾ ، والأول أشبه؛ لأنه إنما يجب الحضور إلى الجمعة عند دخول الوقت وهو زوال الشمس وإن تأخر النداء؛ ولأن النداء بعد الزوال غير معتبر فكان وجوده وعدمه سواء.

وقوله -عز وجل-: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: رحمة الله؛ هذا خرج في الظاهر مخرج الأمر، ولكنه في حكم الإباحة عندنا؛ لأن هذا أمر خرج على أثر الحظر، والأصل المجمع عليه عندهم: أن كل أمر خرج على أثر الحظر فهو في حكم الإباحة، وما خرج مخرج الإباحة فإن الحكم فيه يتصرف على تصرف الأحوال، فإن كانت الحالة توجب فرضيته كان فرضاً، وإن كانت توجب واجبا فواجب، وإن أدبا فأدب.

والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر، فهو في حق الإباحة - قوله  : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه، ولكن على إباحة الاصطياد، أي: اصطادوا [إن] شئتم، وأتوهن إن أردتم، فكذلك يجوز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على ذلك الوجه، وإذا كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال: فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها، فانتشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: التجارة والكسب، قال: البيع؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل الله، لكن قال فيما خرج [مخرج] الإذن والإطلاق: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال فيما نهى عن ذلك: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، وإن كان المراد منهما جميعاً البيع؛ لأن كان يقبح أن يقول: وذروا ابتغاء فضل الله؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره؛ فلا يستقيم أن يقال: "وذروا ابتغاء فضل الله"، فقال هاهنا ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ ؛ ليلحقه النهي خاصة، وأما الإطلاق والإذن، فإنه يستقيم في البيع وغيره، فقال: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، والله المستعان.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: اذكروا الله كثيرا بألسنتكم وقلوبكم.

والثاني: اذكروا الله بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر الله.

وقوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ، له أوجه: أحدها: على رجاء الفلاح.

والثاني: أي: لكي تفلحوا.

والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) من الله  واجب.

وقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ .

التجارة واللهو لا يريان في الحقيقة، وإنما يرى اللاهي والتاجر، ولكنه ذكر فيه الرؤية؛ لقرب اللهو من اللاهي والتجارة من التاجر، كما قال  : ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ وكما يقال: سمعت كلام فلان، والكلام ليس بمسموع في الحقيقة، وإنما المسموع في ذلك الصوت الذي به يفهم كلامه، ولكن أطلق لفظ السماع في ذلك لتقاربهما، والله أعلم.

وبعد، فإن المعنى من هذا - والله أعلم - ليس نفس الرؤية؛ وإنما المعنى منه عندنا: كأنه قال: (وإذا علموا)؛ وذلك أنهم كانوا لا يرون التجارة، ولكن ينهى إليهم خبرها فيعلمون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ .

ولم يقل: (إليهما) وقد ذكر شيئين، ولم يلحق ما بعدهما من الكناية بهما، بل بأحدهما، ويجوز مثل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  ﴾ ، ولم يقل: (ولا ينفقونهما) لرجع الكناية إلى جميع ما سبق ذكره، وكما قال: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ  ﴾ وقد رجعت الكناية إلى أحد المذكورين لا إليهما، وكذلك هذا، وهذا؛ لأن المقصود من خروجهم إنما كان هو التجارة دون اللهو، ولكنهم إنما يعلمون ما يجلب إليهم بذلك اللهو؛ فجاز أن يكون ذكر الله لهذا المعنى، وإنما المقصود من ذلك التجارة، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  ﴾ فذكر حق الإنفاق فيما كان الإنفاق منه أيسر وأسهل في المتعارف وذلك الفضة، وإن كان الحق واجبا فيهما جميعاً؛ لما أن المقصود [واحد] وهو الصرف إلى الفقراء فعلى ذلك هاهنا، وأما المعنى منه عندنا: إنما خص الصلاة برجوع الكناية إليها؛ لأنها ثقلت على اليهود؛ لأن القبلة كانت أولا إلى بيت المقدس فلما حولت إلى الكعبة ثقلت الصلاة إلى الكعبة على الكفار، فقال: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ  ﴾ يعني: الصلاة إلى الكعبة، والله أعلم.

فإن قيل: كيف جاز أن ينفر أصحاب رسول الله  وهو في الخطبة إلى اللهو والتجارة، مع جلال قدرهم وتعظيمهم للنبي  ، وكذلك السؤال عن ضحكهم حين دخل الأعمى المسجد فوقع في بئر؟!

والجواب عن هذا أن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانوا من سوقة القوم ومن سفلتهم، ولم يكونوا عرفوا حق الخطاب وحق الخطبة عليهم، وكانت تلك تجارة يأملون منها منافع لو لم يبادروا إليها ذهبت عنهم، فإنما خرجوا من المسجد؛ جهلا منهم بحق الخُطْبة والخاطب.

وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلة القوم، ولا صَاحَبُوا أجلتهم؛ ليعرفوا حق الخُطْبة والخاطب، فانفلت منهم الزلة، ومن مثلهم هذه، فأما الذين كانوا من أجلة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن علمائهم، فلم ينفر واحد منهم.

وكذلك الضحك أيضاً يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم وسفلتهم، ولم يكونوا من الأجلة والنجباء، ولا يستنكر من مثل أولئك هذا الصنيع، والله أعلم.

قال: والمعنى من ترك النبي  نهيهم عن الخروج - وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام كان محرماً وقت الخطبة؛ فلم ينههم للنهي عن الكلام في ذلك الوقت.

والثاني: يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج؛ فلم يبلغهم نهيه، أو لم ينههم؛ لما علم أنهم لم يسمعوا، والله أعلم.

وفي الخبر "أنه عد الذين ثبتوا معه بعدما فرغ من الصلاة فوجدهم اثني عشر رجلا، فقال: لو لحق آخركم بأولكم لاضطرم الوادي ناراً" أي: المدينة، ففي هذا دلالة على أن الجمعة تقام بدون الأربعين؛ لأنه -  - جمع باثني عشر رجلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ .

هذا يدل على [أن] الخطبة إنما تكون قائما.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ ﴾ .

قال إمام الهدى: ولولا هذا قد كان يعلم أن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، ولكن المعنى من ذلك - والله أعلم - أن الدنيا كلها متجر، وأن أهلها فيها تجار: إما تجارة الدنيا، أو تجارة الآخرة؛ لأن الطاعة والعبادة في الاعتبار كأنها تجارة؛ لأنه يكتسب بها منافع الآخرة، وتجارة الدنيا يكتسب بها منافع الدنيا، فقال: التجارة التي عند الله في طاعته واكتساب منافع الآخرة خير من اللهو، ومن التجارة التي يكتسب بها منافع الدنيا، والله أعلم.

وجائز أن يكون معناه كأنه قال: اتقوا الله؛ فإنكم إذا اتقيتموه اكتسبتم به المنافع في الرزق وغيره، والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا؛ ألا ترى إلى [قوله]: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ  ﴾ ، فإذا كانت التقوى يستفاد بها الرزق والبر في الأمور وكفارة الذنوب، والتجارة لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا، فرغبهم فيما فيه جملة المنافع وهو التقوى؛ ليمكثوا عند النبي  ، فيقول: رغبتكم فيما يكسبكم جملة المنافع إن اتقيتم ومكثتم عند النبي  خير من اللهو ومن التجارة التي تُكْسِبكم منفعة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

ليس يقتضي ذكر هذا أن هناك رازقا آخر؛ ليكون هو خيرهم، ولكن المعنى من هذا [كالمعنى] في قوله: و ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\] و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ ؛ لأنه كان هو خير الرازقين، وأحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين؛ لأنه لا يحكم إلا عدلا، ولا يخلق إلا ما فيه حكمة؛ فكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وجائز أن يضاف الرزق والخلق والحكم إلى العبيد مجازا، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ ممن يرزقكم؛ لأن غيره من الخلق إنما يرزق غيره من رزقه، ويعدل بحكمه، ويفعل بتوفيقه وتسديده، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ الذين يرزقون من رزقه، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا عاين بعض المسلمين تجارة أو لهوًا تفرقوا خارجين إليها، وتركوك -أيها الرسول- قائمًا على المنبر، قل -أيها الرسول-: ما عند الله من الجزاء على العمل الصالح خير من التجارة واللهو الذي خرجتم إليه، والله خير الرازقين.

مزيد من التفاسير لسورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده