الآية ٣ من سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ٣ من سورة الجمعة

وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الجمعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ) قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله .

حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزلت عليه سورة الجمعة : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قالوا : من هم يا رسول الله ؟

فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا ، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو : رجل - من هؤلاء " .

ورواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير من طرق عن ثور بن زيد الديلي ، عن سالم أبي الغيث ، عن أبي هريرة به ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية ، وعلى عموم بعثته - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الناس ; لأنه فسر قوله : ( وآخرين منهم ) بفارس ولهذا كتب كتبه إلى فارس ، والروم ، وغيرهم من الأمم ، يدعوهم إلى الله عز وجل ، وإلى اتباع ما جاء به ; ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال : هم الأعاجم ، وكل من صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير العرب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب " ثم قرأ : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) يعني : بقية من بقي من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقوله : ( وهو العزيز الحكيم ) أي : ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، وفي آخرين منهم لما يلحقوا بهم، فآخرون في موضع خفض عطفًا على الأميين.

وقد اختلف في الذين عُنوا بقوله: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ) ، فقال بعضهم: عُنِي بذلك العجم.

* ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: هم الأعاجم.

حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن طلحة، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: هم الأعاجم.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس ، عن ليث، عن مجاهد ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: الأعاجم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: الأعاجم.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان الثوريّ لا أعلمه إلا عن مجاهد: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: العجم.

حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن معين، قال : ثنا هشام بن يوسف، عن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن بن العاص ، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عمر، أنه قال له: أما إن سورة الجمعة أنـزلت فينا وفيكم في قتلكم الكذّاب، ثم قرأ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ...

حتى بلغ ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: فأنتم هم.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: الأعاجم.

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا عبد العزيز؛ وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سليمان بن بلال، جميعًا عن ثور بن زيد، عن أَبي الغيث، عن أَبي هريرة، قال: " كنا جلوسًا عند النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فنـزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله ؟

قال: فلم يراجعه النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى سأله مرّة أو مرتين أو ثلاثًا، قال: وفينا سلمان الفارسيّ، فوضع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يده على سلمان فقال: " لَوْ كاَنَ الإيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاءِ".

حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا سليمان بن بلال المدنيّ، عن ثور بن زيد، عن سالم أََبي الغيث، عن أَبي هريرة، قال: وكنا جلوسًا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فذكر نحوه.

وقال آخرون: إنما عُنِي بذلك جميع من دخل في الإسلام من بعد النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كائنًا من كان إلى يوم القيامة.

* ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: من ردف الإسلام من الناس كلهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) قال: هؤلاء كلّ من كان بعد النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى يوم القيامة، كلّ من دخل في الإسلام من العرب والعجم.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عُنِي بذلك كلّ لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في إسلامهم من أيّ الأجناس؛ لأن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) كلَّ لاحق بهم من آخرين، ولم يخصص منهم نوعًا دون نوع، فكلّ لاحق بهم فهو من الآخرين الذين لم يكونوا في عداد الأوّلين الذين كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يتلو عليهم آيات الله وقوله: ( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) يقول: لم يجيئوا بعد وسيجيئون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك : حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) يقول: لم يأتوا بعد.

وقوله: ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يقول: والله العزيز في انتقامه ممن كفر به منهم، الحكيم في تدبيره خلقه.

وقوله: ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل تعالى ذكره من بعثته في الأميين من العرب، وفي آخرين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويفعل سائر ما وصف، فضل الله، تفضل به على هؤلاء دون غيرهم، يؤتيه من يشاء، يقول: يؤتي فضلَه ذلك من يشاء من خلقه، لا يستحقّ الذمّ ممن حرمه الله إياه، لأنه لم يمنعه حقًا كان له قبله ولا ظلمه في صرفه عنه إلى غيره، ولكنه على مَنْ هُو له أهل، فأودعه إياه، وجعله عنده.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيمقوله تعالى : " وآخرين منهم " هو عطف على الأميين ؛ أي بعث في الأميين وبعث في آخرين منهم .

ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء والميم في يعلمهم ويزكيهم ; أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين ; لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ." لما يلحقوا بهم " أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم .

قال ابن عمر وسعيد بن جبير : هم العجم .

وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة " الجمعة " فلما قرأ : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟

فلم يراجعه [ ص: 84 ] النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا .

قال : وفينا سلمان الفارسي .

قال : فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء " .

في رواية : " لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال - من أبناء فارس حتى يتناوله " لفظ مسلم .

وقال عكرمة : هم التابعون .

مجاهد : هم الناس كلهم ; يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم .

وقاله ابن زيد ومقاتل بن حيان .

قالا : هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة .

وروى سهل بن سعد الساعدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب " ثم تلا : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم .

والقول الأول أثبت .

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رأيتني أسقي غنما سودا ثم أتبعتها غنما عفرا ، أولها يا أبا بكر " .

فقال : يا رسول الله ، أما السود فالعرب ، وأما العفر فالعجم تتبعك بعد العرب .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كذا أولها الملك " يعني جبريل عليه السلام .

رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } أي: وامتن على آخرين من غيرهم أي: من غير الأميين، ممن يأتي بعدهم، ومن أهل الكتاب، لما يلحقوا بهم، أي: فيمن باشر دعوة الرسول، ويحتمل أنهم لما يلحقوا بهم في الفضل، ويحتمل أن يكونوا لما يلحقوا بهم في الزمان، وعلى كل، فكلا المعنيين صحيح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وآخرين منهم ) وفي " آخرين " وجهان من الإعراب : أحدهما الخفض ، على الرد إلى الأميين مجازه : وفي آخرين .

والثاني النصب ، على الرد إلى الهاء والميم في قوله " ويعلمهم " أي : ويعلم آخرين منهم ، أي من المؤمنين الذين يدينون بدينهم ، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم ، فإن المسلمين كلهم أمة واحدة .

واختلف العلماء فيهم ، فقال قوم : هم العجم ، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير ورواية ليث عن مجاهد ، والدليل عليه ما : أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد المعلم الطوسي بها حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب ، أخبرنا أبو النصر محمد بن محمد بن يوسف ، حدثنا الحسين بن سفيان ، وعلي بن طيفور ، وأبو العباس الثقفي قالوا : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نزلت سورة الجمعة ، فلما قرأ : " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟

فلم يراجعه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى سأله مرتين أو ثلاثا قال : وفينا سلمان الفارسي قال : فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان ، ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء " أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق الدبري ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن جعفر الجزري عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كان الدين عند الثريا لذهب إليه رجل ، أو قال : رجال ، من أبناء فارس حتى يتناولوه " وقال عكرمة ومقاتل : هم التابعون .

وقال ابن زيد : هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - .

إلى يوم القيامة وهي رواية [ ابن ] أبي نجيح عن مجاهد .

قوله ( لما يلحقوا بهم ) أي [ لم ] يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم .

وقيل : " لما يلحقوا بهم " أي في الفضل والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو الصحابة .

( وهو العزيز الحكيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآخرون» عطف على الأميين، أي الموجودين «منهم» والآتين منهم بعدهم «لما» لم «يلحقوا بهم» في السابقة والفضل «وهو العزيز الحكيم» في ملكه وصنعه وهم التابعون والإقتصار عليهم كاف في بيان فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم على من عداهم ممن بعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة لأن كل قرن خير ممن يليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله سبحانه هو الذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون، ولا كتاب عندهم ولا أثر رسالة لديهم، رسولا منهم إلى الناس جميعًا، يقرأ عليهم القرآن، ويطهرهم من العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة، ويعلِّمهم القرآن والسنة، إنهم كانوا من قبل بعثته لفي انحراف واضح عن الحق.

وأرسله سبحانه إلى قوم آخرين لم يجيئوا بعدُ، وسيجيئون من العرب ومن غيرهم.

والله تعالى- وحده- هو العزيز الغالب على كل شيء، الحكيم في أقواله وأفعاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن رسالة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - لن يكون نفعها مقصورا على المعاصرين له والذين شاهدوه .

.

.

بل سيعم نفعها من سيجيئون من بعدهم ، فقال - تعالى - : ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ العزيز الحكيم .

.

) .وقوله : ( وَآخَرِينَ ) جمع آخر بمعنى الغير ، والجملة معطوفة على قوله قبل ذلك ( فِي الأميين .

.

) فيكون المعنى :هو - سبحانه - الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ، كما بعثه فى آخرين منهم .( لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ) أى : لم يجيئوا بعد ، وهم كل من يأتى بعد الصحابة من أهل الإسلام إلى يوم القيامة ، بدليل قوله - تعالى - : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ .

.

.

) أى : وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به جميع من بلغه هذا الكتاب ، ووصلت إليه دعوته من العرب وغيرهم إلى يوم القيامة .

.

.وفى الحديث الشريف : " بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله ، فقد بلغه أمر الله " .وعن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - .ويصح أن يكون قوله : ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ .

.

) معطوف على الضمير المنصوب فى قوله : ( وَيُعَلِّمُهُمُ .

.

) فيكون المعنى :هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويعلم آخرين منهم ( لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ) أى : لم يجيئوا بعد وسيجيئون .

.

.

وهم كل من آمن بالرسول من بعد الصحابة إلى يوم القيامة .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( وَآخَرِينَ ) مجرور عطف على الأميين يعنى : أنه بعثه فى الأميين الذين على عهده ، وفى آخرين من الأميين الذين لم يلحقوا بهم بعد ، وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة .

.وقيل : لما نزلت قيل : " من هم يا رسول الله ، فوضع يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء " " .وقيل : هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة .ويجوز أن ينتصب عطفا عل المنصوب فى ( وَيُعَلِّمُهُمُ ) أى يعلمهم ويعلم آخرين ، لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله ، فكأنه هو الذى تولى كل ما وجد منه ..

.والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تشير ‘لى أن دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ستبلغ غير المعاصرين له - صلى الله عليه وسلم - وأنهم سيتبعونها ، ويؤمنون بها ، ويدافعون عنها .

.وهذا ما أيده الواقع ، فقد دخل الناس فى دين الله أفواجا من العرب ومن غير العرب ، ومن أهل المشارق والمغارب .فالآية الكريمة تخبر عن معجزة من معجزات القرآن الكريم ، ألا وهى الإخبار عن أمور مستقبلة أيدها الواقع المشاهد .وقوله - تعالى - : ( وَهُوَ العزيز الحكيم ) تذييل المقصود به بيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شىء ، وأن حكمته هى أسمى الحكم وأسدها .أى : وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلب قدرته شىء ، الحكيم فيما يريده ويقدره ويوجده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ وَءاخَرِينَ ﴾ عطف على الأميين.

يعني بعث في آخرين منهم، قال المفسرون: هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أي طائفة كانت، قاله ابن عباس وجماعة، وقال مقاتل: يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم، وفي الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة فالمراد بالأميين العرب.

وبالآخرين سواهم من الأمم، وقوله: ﴿ وَءاخَرِينَ ﴾ مجرور لأنه عطف على المجرور يعني الأميين، ويجوز أن ينتصب عطفاً على المنصوب في ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ  ﴾ أي ويعلمهم ويعلم آخرين منهم، أي من الأميين وجعلهم منهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فالمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلف أجناسهم، قال تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وأما من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد بقوله: ﴿ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ ﴾ وإن كان النبي مبعوثاً إليهم بالدعوة فإنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة  ﴾ وغير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب والحكمة ﴿ وَهُوَ العزيز ﴾ من حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل له والفقر إليه، والحكيم حيث جعل في كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته، قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ قال ابن عباس: يريد حيث ألحق العجم وابناءهم بقريش، يعني إذا آمنوا ألحقوا في درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام، وشاركوهم في ذلك، وقال مقاتل: ﴿ ذلك فَضْلُ الله ﴾ يعني الإسلام ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ﴾ وقال مقاتل بن حيان: يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء، فاختص بها محمداً صلى الله عليه وسلم.

والله ذو المن العظيم على جميع خلقه في الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة كما مر، وفي الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال.

ثم إنه تعالى ضرب لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد.

الأمي: منسوب إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم.

وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار.

ومعنى ﴿ بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ بعث رجلاً أمياً في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء: أني أبعث أعمى في عميان، وأميّاً في أميين وقيل ﴿ منهم ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128] يعلمون نسبه وأحواله.

وقرئ: ﴿ في الأمين ﴾ ، بحذف ياءي النسب ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته ﴾ يقرؤها عليهم مع كونه أميّاً مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمي بغير تعلم أية بينة ﴿ وَيُزَكّيهِمْ ﴾ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة ﴾ القرآن والسنة.

وإن في ﴿ وَإِن كَانُواْ ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أي: كانوا في ضلال لا ترى ضلالاً أعظم منه ﴿ وَءاخَرِينَ ﴾ مجرور عطف على الأميين، يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم.

وقيل: [1172] لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل: هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفاً على المنصوب في ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستنداً إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ في تمكينه رجلاً أميّاً من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ﴿ ذَلِكَ ﴾ الفضل الذي أعطاه محمداً وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي أبناء العصور الغوابر.

هو ﴿ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ إعطاءه وتقتضيه حكمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآخَرِينَ مِنهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُمِّيِّينَ، أوِ المَنصُوبِ في يُعَلِّمُهُمُ وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، فَإنَّ دَعْوَتَهُ وتَعْلِيمَهُ يَعُمُّ الجَمِيعَ.

﴿ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ وسَيَلْحَقُونَ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ في تَمْكِينِهِ مِن هَذا الأمْرِ الخارِقِ لِلْعادَةِ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ في اخْتِيارِهِ وتَعْلِيمِهِ.

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ ذَلِكَ الفَضْلُ الَّذِي امْتازَ بِهِ عَنْ أقْرانِهِ فَضْلُهُ.

﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ تَفَضُّلًا وعَطِيَّةً.

﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ الَّذِي يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ نَعِيمُ الدُّنْيا، أوْ نَعِيمُ الآخِرَةِ أوْ نَعِيمُهُما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآخرين مِنْهُمْ} مجرور معطوف على الأميين يعني أنه بعثه في الأميين الذين على عهده وفي آخرين من الأميين {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} أي لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم وهم الذين بعد الصحاة رضي الله تعالى عنهم أو هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم الدين وقيل هم العجم أو منصوب معطوف على المنصوب في وَيُعَلّمُهُمُ أي يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستند إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه {وَهُوَ العزيز الحكيم} في تمكينه رجلاً أمياً من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واخيتاره إياه من بين كافة البشر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآخَرِينَ ﴾ جَمْعُ آخَرَ بِمَعْنى الغَيْرِ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ الأُمِّيِّينَ ﴾ أيْ وفي آخَرِينَ ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ، ومِن - لِلتَّبْيِينِ ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ أيْ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ وسَيَلْحَقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ جاؤُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في ﴿ ويُعَلِّمُهُمُ ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ فَإنَّ التَّعْلِيمَ إذا تَناسَقَ إلى آخِرِ الزَّمانِ كانَ كُلُّهُ مُسْتَنِدًا إلى أوَّلِهِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الَّذِي تَوَلّى كُلَّ ما وُجِدَ مِنهُ واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ، والمَذْكُورُ في الآيَةِ قَوْمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجِنْسُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ، وأمّا المَبْعُوثُ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِيها نَفْيًا أوْ إثْباتًا، وقَدْ تَعَرَّضَ لِإثْباتِهِ في آياتٍ أُخَرَ، وخُصُوصُ القَوْمِ لا يُنافِي عُمُومَ ذَلِكَ فَلا إشْكالَ في تَخْصِيصِ الآخَرِينَ بِكَوْنِهِمْ مِنَ الأُمِّيِّينَ أيِ العَرَبِ في النَّسَبِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأُمِّيِّينَ في الأُمِّيَّةِ فَيَشْمَلُ العَجَمَ، وبِهِمْ فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ - كَما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ - وتُعُقِّبَ بِأنَّ العَجَمَ لَمْ يَكُونُوا أُمِّيِّينَ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنهم في كَوْنِهِمْ مَنسُوبِينَ إلى أُمَّةٍ مُطْلَقًا لا في كَوْنِهِمْ لا يَقْرَؤُونَ ولا يَكْتُبُونَ، وهو كَما تَرى إلّا أنَّهُ لا يُشْكِلُ عَلَيْهِ - وكَذا عَلى ما قَبْلَهُ - ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الجُمُعَةِ فَتَلاها فَلَمّا بَلَغَ ﴿ وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنا ؟

فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ»» فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهم فارِسُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الأُمِّيِّينَ المُرادُ بِهِمُ العَرَبُ في النَّسَبِ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالأُمِّيِّينَ مُقابِلَ أهْلِ الكِتابِ لِعَدَمِ اعْتِناءِ أكْثَرِهِمْ بِالقِراءَةِ والكِتابَةِ لِعَدَمِ كِتابٍ لَهم سَماوِيٍّ تَدْعُوهم مَعْرِفَتُهُ إلى ذَلِكَ فَيَشْمَلُ الفُرْسَ إذْ لا كِتابَ لَهم كالعَرَبِ، وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ ما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ مِن تَفْسِيرِ الآخَرِينَ بِالفُرْسِ وهو مَعَ ذَلِكَ بابُ التَّمْثِيلِ، والِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ الأنْواعِ بِناءً عَلى أنَّ بَعْضَ الأُمَمِ لا كِتابَ لَهم أيْضًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ - مِن - في ”مِنهُمُ“ اسْمِيَّةٌ بِمَعْنى بَعْضٍ مُبْتَدَأٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ  ﴾ وضَمِيرُ الجَمْعِ - لِآخَرِينَ - وجُمْلَةُ ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ خَبَرٌ فَيَشْمَلُ آخَرِينَ، طَوائِفَ النّاسِ الَّذِينَ يَلْحَقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ العَرَبِ والرُّومِ والعَجَمِ وغَيْرِهِمْ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ حَيّانَ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، ويَكُونُ الحَدِيثُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ والتَّمْثِيلِ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: هم أهْلُ اليَمَنِ، وابْنُ جُبَيْرٍ هُمُ الرُّومُ والعَجَمُ فَتَدَبَّرْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ أنَّهم لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في الفَضْلِ لِفَضْلِ الصَّحابَةِ عَلى التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وفِيهِ أنَّ ”لَمّا“ مَنفِيُّها مُسْتَمِرٌّ إلى الحالِ ويُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ بَعْدَهُ فَتُفِيدُ أنَّ لُحُوقَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم في الفَضْلِ لِلصَّحابَةِ مُتَوَقَّعُ الوُقُوعِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا يَبْلُغُ تابِعِيٌّ وإنْ جَلَّ قَدْرًا في الفَضْلِ مَرْتَبَةَ صَحابِيٍّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن كِبارِ الصَّحابَةِ، وقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ مُعاوِيَةَ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أيُّهُما أفْضَلُ ؟

فَقالَ: الغُبارُ الَّذِي دَخَلَ أنْفَ فَرَسِ مُعاوِيَةَ أفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِن مِائَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَدْ صَلّى مُعاوِيَةُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ  ﴾ إلَخْ فَقالَ مُعاوِيَةُ: آمِينَ، واسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ اللُّحُوقِ بِما صَحَّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ: ««لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» عَلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ لِسائِرِ الأُمَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُمَّتِي كالمَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ»» فَمُبالَغَةٌ في خَيْرِيَّتِهِمْ كَقَوْلِ القائِلِ في ثَوْبٍ حَسَنِ البِطانَةِ: لا يُدْرى ظِهارَتُهُ خَيْرٌ أمْ بِطانَتُهُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولًا في الأُمِّيِّينَ ومَن بَعْدَهم مُعَلِّمًا مُزَكِّيًا وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ ﴿ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ وإحْسانُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ تَفَضُّلًا، ولا يَشاءَ سُبْحانَهُ إيتاءَهُ لِأحَدٍ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ الَّذِي يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ نِعَمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وقد ذكرناه.

الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ يعني: الملك الذي يملك كل شيء، ولا يزال ملكه القدوس يعني: الطاهر عن الشريك والولد.

قرئ في الشاذ: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بالضم ومعناه هو الملك القدوس وقرأه العامة بالكسر، فيكون نعتاً لله تعالى: الْعَزِيزِ في ملكه، الْحَكِيمِ في أمره.

ثم قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني: في العرب.

والأميون الذين لا يكتبون، وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة.

رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: من قومهم العرب.

يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يعني: يقرأ عليهم آياتِهِ يعني: القرآن، وَيُزَكِّيهِمْ يعني: يدعوهم إلى التوحيد، ويطهرهم به من عبادة الأوثان ويقال: يُزَكِّيهِمْ يعني: يصلحهم، ويقال: يأمرهم بالزكاة.

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني: الحلال والحرام.

وَإِنْ كانُوا يعني: وقد كانوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث إليهم محمدا  ، لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: لفي خطأ بيِّن يعني: الشرك.

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ يعني: التابعين من هذه الأمة ممن بقي، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يعني: لم يكونوا بعد فسيكونون.

وروى جويبر، عن الضحاك في قوله: آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: يعني: من أسلم من الناس، وعمل صالحاً إلى يوم القيامة من عربي وعجمي.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.

قوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء، ويكرم به من يشاء من كان أهلاً لذلك.

وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالإسلام.

ثم قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ يعني: صفة الذين علموا التوراة، وأمروا بأن يعملوا بما فيها.

ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، أي: لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد  .

ويقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ وأمروا بأن يحملوا تفسيرها، ثم لم يحملوها يعني: لم يعلموا تفسيرها، فمثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً يعني: يحمل كتباً ولا يدري ما فيها، كما لا يدري اليهود ما حملوا من التوراة.

ثم قال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال، ويقال: بئس صفة القوم الذين كَذَّبُواْ بآيات الله، يعني: جحدوا بالقرآن وبمحمد  .

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق.

وقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية.

إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ يعني: إن ادعيتم وقلتم إنكم أَوْلِياءُ لِلَّهِ يعني: أحباباً لِلَّهِ.

مِنْ دُونِ النَّاسِ يعني: من دون المؤمنين، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعني: سلوا الموت، فقولوا: اللهم أمتنا.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم أولياء الله من دون المؤمنين.

وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً يعني: لا يسألون أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: بما عملت وأسلفت أيديهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني: عليماً بحالهم بأنهم لا يتمنون الموت.

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي: تكرهون الموت، يعني: نازل بكم لا محالة.

ثُمَّ تُرَدُّونَ يعني: ترجعون في الآخرة.

إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وقد ذكرناه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.

وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...

الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:

أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.

ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.

وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.

وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:

والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :

«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.

وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:

«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...

الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...

الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:

ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد

ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الجُمُعَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ فاتِحَتِها.

وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ ( المَلِكُ القُدُّوسُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في إعادَتِهِ ذِكْرَ التَّسْبِيحِ في هَذِهِ السُّورَةِ؟

فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ لِاسْتِفْتاحِ السُّورِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما تُسْتَفْتَحُ بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وإذا جَلَّ المَعْنى في تَعْظِيمِ اللَّهِ، حَسُنَ الِاسْتِفْتاحُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ ﴾ يَعْنِي: العَرَبَ، وكانُوا لا يَكْتُبُونَ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في [البَقَرَةِ: ٧٨] ﴿ رَسُولا ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ ونَسَبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ في أنَّهُ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: لِمُوافِقَةِ ما تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ [بِهِ في كُتُبِ] الأنْبِياءِ.

والثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ لِمُوافَقَتِهِمْ.

والثّالِثُ: لِئَلّا يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَعْلَمُ كُتُبَ مَن قَبْلَهُ.

وما بَعْدَ هَذا في سُورَةِ [البَقَرَةِ: ١٢٩] .

إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: وما كانُوا قَبْلَ بِعْثَتِهِ إلّا في ﴿ ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ بَيِّنٍ، وهو الشِّرْكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرِينَ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وبَعَثَ مُحَمَّدًا في آخَرِينَ مِنهُمْ، أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ.

والثّانِي: ويَعْلَمُ آخَرِينَ مِنهُمْ، ويُزَكِّيهِمْ.

وفي المُرادِ بِالآخَرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهي رِوايَةُ لَيْثٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَعَلى هَذا إنَّما قالَ: " مِنهم "، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهُمْ، إذِ المُسْلِمُونَ يَدٌ واحِدَةٌ، ومِلَّةٌ واحِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ التّابِعُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الإسْلامَ والهُدى ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ".

و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ.

وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ  : « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ  : مَنِ الآخَرُونَ؟

فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا ﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ ﴾ الآيَةُ...

تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لا يجوز أن يكون ﴿ وآخرين ﴾ عطفاً على ﴿ الأميين ﴾ [الجمعة: 2] لأن آخرين يقتضي المغايرة لما يقابله فيقتضي أنه صادق على غير الأميين، أي غير العرب والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بين غير العرب فتعين أن لا يعطف ﴿ وآخرين ﴾ على ﴿ الأميين ﴾ لئلا يتعلق بفعل ﴿ بعث مجرور القي ولا على الضمير في قوله: منهم ﴾ كذلك.

فهو إما معطوف على الضمير في ﴿ عليهم ﴾ من قوله: ﴿ يتلوا عليهم ﴾ [الجمعة: 2] والتقدير: ويتلو على آخرين وإذا كان يتلو عليهم فقد علم أنه مرسل إليهم لأن تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا تلاوة تبليغ لما أُوحي به إليه.

وإما أن يجعل ﴿ وآخرين ﴾ مفعولاً معه.

والواو للمعية ويتنازعه الأفعال الثلاثة وهي «يتلو، ويزكي، ويعلم».

والتقدير: يتلو على الأميين آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة مع آخرين.

وجملة ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [الجمعة: 2] معترضة بين المعطوف والمعطوف عليها أو بين الضمائر والمفعول معه و ﴿ آخرين ﴾ : جمع آخر وهو المغاير في وصف مما دل عليه السياق.

وإذ قد جعل ﴿ آخرين ﴾ هنا مقابلاً للأميين كان مراداً به آخرون غير الأميين، أي من غير العرب المعنيين بالأميين.

فلو حملنا المغايرة على المغايرة بالزمان أو المكان، أي مغايرين للذين بعث فيهم الرسول، وجعلنا قوله: ﴿ منهم ﴾ بمعنى أنهم من الأميين، وقلنا: أريد وآخرين من العرب غير الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، أي عَرباً آخرين غير أهل مكة، وهم بقية قبائل العرب ناكده ما روى البخاري ومسلم والترمذي يزيد آخِرهم على الأوَّلَيْن عن أبي هريرة قال: كنّا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال له رجل: مَن هم يا رسول الله؟

فلم يراجعه حتى سأَل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي ووضع رسول الله يده على سلمان وقال: لو كان الإِيمانُ عند الثريا لناله رجال من هؤلاء؟

وهذا وارد مورد التفسير لقوله تعالى: ﴿ وآخرين ﴾ .

والذي يلوح أنه تفسير بالجزئي على وجه المثال ليفيد أن ﴿ آخرين ﴾ صادق على أمم كثيرة منها أمةُ فارس، وأما شموله لقبائل العرب فهو بالأوْلى لأنهم مما شملهم لفظ الأميين.

ثم بِنَا أن ننظر إلى تأويل قوله تعالى: ﴿ منهم ﴾ .

فلنا أن نجعل (مِن) تبعيضية كما هو المتبادر من معانيها فنجعلَ الضمير المجرور ب (مِن) عائداً إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ كانوا ﴾ من قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [الجمعة: 2]، فالمعنى: وآخرين من الضَّالين يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم الكتاب والحكمة ولنا أن نجعل (مِن) اتصالية كالتي في قوله تعالى: ﴿ لست منهم في شيء ﴾ [الأنعام: 159].

والمعنى: وآخرين يتصلون بهم ويصيرون في جملتهم، ويكون قوله: ﴿ منهم ﴾ موضع الحال، وهذا الوجه يناسب قوله تعالى: ﴿ لما يلحقوا بهم ﴾ لأن اللحوق هو معنى الاتصال.

وموضع جملة ﴿ لما يلحقوا بهم ﴾ موضع الحال، وينشأ عن هذا المعنى إيماء إلى أن الأمم التي تدخل في الإِسلام بعد المسلمين الأولِينَ يصيرون مثلهم، وينشأ منه أيضاً رمز إلى أنهم يتعربون لفهم الدين والنطق بالقرآن فكم من معان جليلة حوتها هذه الآية سكت عنها أهل التفسير.

وهذه بشارة غيبية بأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ستبلغ أُمماً ليسوا من العرب وهم فارس، والأرمن، والأكراد، والبربر، والسودان، والروم، والترك، والتتار، والمغول، والصين، والهنود، وغيرهم وهذا من معجزات القرآن من صنف الإِخبار بالمغيبات.

وفي الآية دلالة على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لجميع الأمم.

والنفي ب (لمَّا) يقتضي أن المنفي بها مستمر الانتفاء إلى زمن التكلم فيشعر بأنه مترقَّب الثبوت كقوله تعالى: ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14]، أي وسيدخل كما في «الكشاف»، والمعنى: أن آخرين هم في وقت نزول هذه الآية لم يدخلوا في الإِسلام ولم يلتحقوا بمن أسلم من العرب وسيدخلون في أزمان أخرى.

واعلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم «لو كان الإِيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء» إيماء إلى مثال مما يشمله قوله تعالى: ﴿ وآخرين منهم ﴾ لأنه لم يصرح في جواب سؤال السائل بلفظ يقتضي انحصار المراد ب ﴿ آخرين ﴾ في قوم سلمان.

وعن عكرمة: هم التابعون.

وعن مجاهد: هم الناس كلهم الذين بُعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم وقال ابن عمر: هم أهل اليمن.

وقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ تذييل للتعجيب من هذا التقدير الإلهي لانتشار هذا الدين في جميع الأمم.

فإن ﴿ العزيز ﴾ لا يغلب قدرته شيء.

و ﴿ الحكيم ﴾ تأتي أفعاله عن قدر محكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الجُمُعَةِ ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي في العَرَبِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أُمِّيِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ ولا كانَ فِيهِمْ كاتِبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ خاصَّةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ حَتّى تَعْلَّمَ بَعْضُها في آخِرِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهْلِ الحِيرَةِ.

الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ ولا كَتَبَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

فَلَوْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ بِأنْ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟

فالجَوابُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِمُوافَقَتِهِ ما تَقَدَّمَتْ بِشارَةُ الأنْبِياءِ بِهِ.

الثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مُوافَقَتِهِمْ.

الثّالِثُ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ في تَعَلُّمِهِ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَرَأها والحِكَمِ الَّتِي تَلاها.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْعَلُهم أزْكِياءَ القُلُوبِ بِالإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الكُفْرِ والذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: يَأْخُذُ زَكاةَ أعْمالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الخَطَّ إنَّما فَشا في العَرَبِ بِالشَّرْعِ لِما أُمِرُوا بِتَقْيِيدِهِ بِالخَطِّ.

الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما يَعْرِفُونَهُ بِالكِتابِ لِيَفْعَلُوا الخَيْرَ ويَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.

﴿ والحِكْمَةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحِكْمَةَ السُّنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ الفِقْهُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الفَهْمُ والِاتِّعاظُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ أيْ ويَعْلَمَ آخَرِينَ ويُزَكِّيهِمْ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ العَجَمُ بَعْدَ العَرَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُ في مَنامِي غَنَمًا سُودًا تَتْبَعُها غَنَمٌ عُفْرٌ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ العَرَبُ يَتْبَعُها العَجَمُ، فَقالَ: (كَذَلِكَ عَبَّرَها لِي المَلَكُ» .

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُلُوكُ أبْناءُ الأعاجِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ بَعْدَ الرِّجالِ.

وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُمُ النِّساءُ بَعْدَ الرِّجالِ.

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ هي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: الإسْلامُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، فَأمَرَ ذَوِي الفاقَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَدَلًا مِنَ التَّصَدُّقِ بِالأمْوالِ، فَفَعَلَ الأغْنِياءُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُ انْقِيادُ النّاسِ إلى تَصْدِيقِهِ  ودُخُولِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية ﴿ يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ﴾ أول سورة الجمعة.

قوله تعالى: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ الآية، قال: كان هذا الحي من العرب أمة أمية ليس فيها كتاب يقرأونه فبعث الله فيهم محمداً رحمة وهدى يهديهم به.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يتلوا عليهم آياته ﴾ قال: القرآن ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ قال: هو الشرك.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ قال: العرب ﴿ وآخرين منهم لم يلحقوا بهم ﴾ قال: العجم.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال، له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟

فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال: والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن الإِيمان بالثريا لناله رجال من أهل فارس» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالاً ونساء يدخلون الجنة بغير حساب» ثم قرأ ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال: من ردف الإِسلام من الناس كلهم.

وأخرج عبد الزراق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال: هم التابعون.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ يعني من أسلم من الناس وعمل صالحاً من عربي وعجمي إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ قال: الدين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ﴾ نسق على قوله: ﴿ فِي الْأُمِّيِّينَ ﴾ المعنى: وبعث في آخرين منهم ﴿ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ قال المفسرون: يعني الأعاجم، وكل من دخل في الإسلام وصدق النبي من العجم.

هذا قول ابن عباس، ومجاهد (١) وقال مقاتل: يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم (٢)  - إلى يوم القيامة.

وقول المفسرين: هم الأعاجم، يعنون بالأعاجم من ليس من العرب، والعرب تسمي من لا يتكلم بلغتهم عجميًا، من أي جنس كان، ومنه قول الشاعر: سَلُّومُ لو أصبحتِ وسط الأعجمِ ...

بالروم أو بالترك أو بالديلم (٣) فعبر عن الأعجم بهؤلاء الأجناس فالأميين هم العرب، ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ سواهم من الأمم غير العرب، فالنبي -  - مبعوث إلى من شاهده وإلى كل من كان بعدهم من العجم والعرب.

وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أي من الأميين، وجعلهم منهم؛ لأنهم إذا أسلموا ودانوا بدينهم صاروا منهم، فالمسلمون كلهم يد واحدة وأمة واحدة وإن اختلفت أجناسهم، قال الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  ﴾ ، وقال أيضًا في صفة المؤمنين ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فأما من لم يؤمن بالنبي -  - ولم يدخل في دينه فإنهم ليسوا ممن عناهم الله بقوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ﴾ وإن كان -  - مبعوثا إليهم بالدعوة، لأن الله تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ ومن لم يؤمن فليس ممن زكاه النبي -  - من الكفر وعلمه القرآن والسنة.

وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر في إعراب ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ وهو النصب بالعطف على الضمير في ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ﴾ على معنى: ويعلم (٤) (٥) (٦)  - كيف يعلمهم النبي -  - ولم يدركوه، إلا أن يحمل على أنهم إذا تعلموا ما أتى به فهو علمهم وإن لم يشاهدوه، وكل ما نعلمه من الدين فهو مما علمنا نبينا -  -.

(٧) (١) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وغيرهم عن مجاهد.

انظر: "جامع البيان" 28/ 62، و"الدر" 6/ 215، وفي "صحيح البخاري" وغيره عن أبي هريرة  قال: كنا جلوسًا عند النبي -  - فأنزلت عليه سورة الجمعة == ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم ﴾ قالوا من هم يا رسول الله؟

فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله -  - يده على سلمان الفارسي ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء".

"صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم ﴾ 6/ 188، قال ابن كثير: نفى هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثه -  - إلى جميع الناس لأنه فسر قوله تعالى: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُم ﴾ بفارسي، ولهذا كتب كتبه إلى فارس، والروم، وغيرهم من الأمم يدعوهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وإلى اتباع ما جاء به.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 363.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 154 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 4.

(٣) ورد غير منسوب في اللسان (عجم)، وعجزه: في الروم أو فارس أو في الديلم (٤) في (ك): (ويعلمهم).

(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 170، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 155.

و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 417.

(٦) كذا في (ك)، ولعل صوابها: (وهذا بعيد).

(٧) ذكر العلماء هذا الوجه للدلالة على جوازه مع تقديمهم لغيره وتعليلهم للجواز بنحو ما ذكر المؤلف.

قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب عطفًا على المنصوب في ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين، أن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندًا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه).

"الكشاف" 4/ 96.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ القدوس ﴾ ذكر في [الحشر: 24] ﴿ هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ يعني سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، والأميين: هم العرب، وقد ذكر معنى الأمي في [الأعراف: 157] ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ﴾ عطفاً على الأميين، وأراد بهؤلاء فارس «وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هؤلاء الآخرون فأخذ بيد سليمان الفارسي، وقال: لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء» يعني فارس، وقيل: هم الروم، و ﴿ مِنْهُمْ ﴾ على هذين القولين، يريد به في البشرية وفي الدين، لا في النسب.

وقيل؛ هم أهل اليمن وقيل: التابعون، وقيل: هم سائر المسلمين، والأول أرجح لوروده في الحديث الصحيح ﴿ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾ أي لما يلحقوا بهم بالنفي وسيلحقون، وذلك أن ﴿ لَمَّا ﴾ لذكر الماضي القريب من الحال ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله ﴾ إشارة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهداية الناس به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.

التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.

وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ  ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".

والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.

ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد  مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.

ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.

ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.

ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.

قال أهل النظم: قد أبطل الله  قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.

قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.

قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.

وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.

وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.

لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.

والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله  مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.

وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله  لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.

وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله  آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي  وأول جمعة جمعها رسول الله  أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.

وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه  " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.

وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.

وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.

وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.

ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.

وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.

قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.

ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.

وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.

وعن جابر كان رسول الله  يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعنه أن النبي  كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.

وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله  يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.

قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.

وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.

ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.

وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟

نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.

وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.

قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.

وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.

وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.

وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.

وقيل: صلاة التطوع.

وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي  إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي  إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

يروى أنه  وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.

ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو  وقد مر مراراً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ﴾ ، ولم يقل: يسبح الله، وقد جرت العادة في الناس التسبيح بالإله؛ كقولهم: سبحان الله، وسبحان ربي العظيم، فكان حق هذا القول على ما جرت به العادة في اللسان أن يقول: يسبح الله ما في السماوات وما في الأرض، ولكنه يجوز أن يكون هذا من نوع ما يجري فيه اللفظان جميعاً؛ كما يقال: شكره وشكر له، ونصحه ونصح له.

والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: تسبيح الخلقة: أنك إذا نظرت إلى كل شيء على الإشارة إليه والتعيين، دلك جوهره وخلقته على وحدانية الله  ، وعلى تعاليه عن الأشباه وبراءته عن جميع العيوب والآفات؛ فذلك من كل شيء تسبيحه.

والثاني: تسبيح المعرفة، ووجه ذلك: أن يجعل الله  بلطفه في كل شيء حقيقة المعرفة؛ ليعرف الله  وينزهه، وإن كان لا يبلغه عقولنا؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

ولكن عندنا بواسطة إحداث نوع حياة فيه؛ إذ المعرفة بدون الحياة لا تتحقق.

والوجه الثالث: هو أن يكون التسبيح تسبيح ضرورة وتلقين، ووجهه: أن الله  يُجري التسبيح على ذلك الجوهر من غير أن يكون له حقيقة المعرفة، كما أظهر من آياته وأعلامه على عصا موسى، وكما أجرى السفينة على وجه الماء، وإن لم يكن لها حقيقة المعرفة؛ وذلك تسبيح كل شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمَلِكِ ﴾ .

يعني: الملك الذي له ملك الملوك، أو الذي له الملك في الحقيقة.

وقوله - عز وجل - : ﴿ ٱلْقُدُّوسِ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: الطاهر من كل عيب وآفة وحاجة، أو الطاهر مما يحتمله غيره.

والثاني: المبارك، يعني: به ينال كل بركة وخير.

ويجوز أن يجمع في المبارك معنى التنزيه من العيوب ومعنى البركة؛ لأنك إذا وصفته بالبركة فقد وصفته بالبراءة من كل عيب وأضفت إليه كل بركة ويمن؛ كما روي في الخبر أن قول: "سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان" ، وكان معناهما عندنا أن قول: "سبحان الله" يختص بتبرئته من العيوب، "والحمد لله" ينتظم معنى التنزيه من العيوب، ومعنى إضافة النعم كلها إليه، فإذا كان فيه هذان المعنيان جميعاً، جاز أن يمتلئ به الميزان، ولما اختص "سبحان الله" بتطهيره من العيوب، ولم يتعده إلى غيره، أخذ نصف الميزان، والله أعلم.

وكذلك هذا الاختلاف في تأويل قوله: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

العزيز: يعني: الغالب القاهر، لا يعجزه شيء.

أو يجوز أن يكون العزيز مقابل الذليل، والذليل ينتظم كل فقر وحاجة وضعف؛ فالواجب: أن يتنظم العزيز - إذا كان ضدّاً ومقابلا - كل شرف ومكرمة وغناء وقوة، والله الموفق.

والحكيم: قالوا: هو الذي يضع الأشياء مواضعها، فالله  حكيم حيث وضع الأشياء مواضعها التي جعلها الله  مواضع لها، أو الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، وهو معنى المصيب أيضاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

احتج أهل الكتاب علينا أن الله  إنما بعث محمدا رسولا إلى الأميين خاصة بهذه الآية، وفهموا منها تخصيص الأميين بإرسال الرسول إليهم، فيقتضي نفيه عن غيرهم.

ولكن نقول: لا يجب أن يفهم من الآية نفي ما ذكر في ظاهرها، بل يفهم منها ظاهرها دون النفي، والتخصيص بالذكر لا يحتمل على النفي؛ لأنه إذا حمل التخصيص بالذكر على نفي غيره، أدى إلى ما لا يستقيم ولا يحل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ حيث لم يفهم أنه لم يخطه بيمينه أن كان خطه بشماله، ولا من قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ  ﴾ أنه كان يتلى عليه، ولكن المعنى من ذلك كله والله أعلم: أن الله بعث رسوله أميّاً في قوم أميين لا يعلمون الحكمة وماهيتها، وجعل ذلك آية لرسالته وحجة لنبوته؛ لأنه إذا كان أميّاً لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ثم آتاهم الكتاب مؤلفاً منظوماً يوافق كتب أهل الكتاب دل أنه إنما علم ذلك بالوحي، وأنه لم يختلقه من عند نفسه، والله أعلم.

ثم الدليل على أنه كان رسولا إليهم جميعاً قوله: ﴿ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً  ﴾ ، وما روي عنه -  - أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" يعني: إلى الإنس والجن، ولأجل أنه لما بعث إلى طائفة ليدعوهم إلى طاعة الله  وعبادته، علم أنه رسول إلى غيرهم؛ إذا لم يكن لهم رسول آخر؛ لأن الطائفة الأخرى إذ لم يكن لهم رسول آخر، واحتاجوا إلى معرفة الأمر والنهي وإلى طاعة الرحمن حاجة الطائفة التي بعث إليهم؛ دل أنه رسول إليهم جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

معناه: أنه بعث  في قوم أميين لا يعرفون عبادة الله ولا يقرءون الكتاب، بل كانت عادتهم عبادة الأصنام.

وقيل في تأويل الأميين: هم الذين لم يؤمنوا بالكتب، ولكن هذا فاسد؛ لأن الله  سمى نبيه -  - أميّاً بقوله: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ .

وقيل: سماهم: أميين؛ لأنهم لا يقرءون الكتاب ولا يكتبون على الأعم الأغلب، وإن كان فيهم القليل ممن يقرأ ويكتب، ومن هذا سمي النبي  : أميّاً؛ لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ في كتاب ولم يعلم ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ، وعلى ذلك روي عن النبي -  -: "الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصبعه، وقال: إنما نحن أمة أمية لا تحسب ولا تكتب" وقال الزجاج: الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة ولم يتعلم، ويكون على ما سقط من أُمِّهِ فنسب إلى حال ولادته التي سقط من أمه؛ لأن ذلك إنما يكون بالتعليم دون الحال التي يجري فيها المولود.

ثم وجه الحكمة في جعل النبوة في الأمي أن يكون ذلك سبب معرفة نبوته وعلامة رسالته، بحيث يعلم أنه ما اخترع ذلك من لدن نفسه؛ إذ لم يعرف الكتابة والقراءة ولا اختلف إلى أحد؛ ليتعلم منه، ثم أحوج جميع الحكماء إلى حكمته، وجميع أهل الكتاب إلى معرفة كتابه؛ لحسن نظمه وتأليفه؛ ليعلم أنه إنما ناله بالوحي والرسالة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ .

الآيات: الأعلام، فكأنه يقول: يتلو عليهم في كتابه أعلاما تبين رسالته وتظهر نبوته.

أو يجوز أن يكون الآيات: الحلال والحرام وما أشبهه.

أو الآيات: الحجج التي يستظهر بها الحق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: يصلحهم، يعني: يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون أذكياء أتقياء.

ويجوز [أن يكون] معنى قوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ أي: يطهرهم من خبث الشرك وخبث الأخلاق وخبث الأقوال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، اختلفوا فيه: قال الحسن: هذا كلام مثنى؛ الكتاب والحكمة واحد.

وقال أبو بكر: الكتاب: ما يتلى من الآيات، والحكمة: هي الفرائض.

وقال بعضهم: الحكمة: هي السنة؛ لأنه كان يتلو عليهم آياته، ويعلمهم سنته؛ إما بلطف من الله  وإلهامه إياه أو بالوحي.

ومنهم من قال: الكتاب: ما يتلى من الآيات نصّاً، والحكمة: ما أودع فيها من المعاني؛ [والله أعلم] أي: ذلك كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: أنهم كانوا عن الكتاب والحكمة لفي ضلال بين ظاهر؛ لأنهم كانوا مشركين عبدة الأصنام، ليس عندهم كتاب، ولا يعرفون الحكمة.

ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: في الشرك وعبادة الأصنام، فدعاهم الرسول إلى توحيده وترك ما هم فيه من عبادة الأصنام.

قال الفقيه - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : إن الله  قد جعلهم أتقياء أذكياء علماء بعدما كانوا أميين جهالا سفهاء؛ آية ودلالة على حقية دينه -  - على سائر الأديان؛ حيث لم يكن أهلها كذلك، ويكون فيه ترغيب للآخرين؛ ليصيروا علماء حكماء.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ﴾ .

يجوز أن يكون هذا تعليماً من الله  ؛ فيجعلهم علماء بعدما كانوا سفهاء، وأذكياء بعدما كانوا أنجاساً وأقذارا عبدة الأوثان، وذلك من لطف الله  بهم؛ لأن ما أضيف من هذه الأفعال إلى الله  ، فهو على حقيقة الوجود، وما أضيف إلى الرسول فهو على الأسباب، وذلك أنه لا يجوز أن يعلم الله  أحدا فلا يصير عالما؛ لأن تعليمه خلق العلم في المحل الذي أراد، وما أراد وخلق يكون لا محالة، فأما [الرسول] فيجوز أن يعلم البشر فلا يتعلم؛ لأن تعليمه بسبب؛ لأنه ليس له قدرة الخلق والإيجاد؛ فثبت أنه على جهة السبب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾ .

فإن كان معناه الخفض، فهو منسوق على قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ ومن آخرين لم يلحقوا بهم؛ فيكون فيه إخبار أن رسالته تبقى إلى آخر الدهر.

وإن كان معناه النصب فهو منسوق على قوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، فيكون فيه بشارة أنه يكون في الآخرين علماء أتقياء حكماء كما كان في هؤلاء.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا في أهل النفاق؛ فيكون معناه: فهو الذي بعث في الأميين رسولا فيصيرون علماء حكماء مؤمنين على الحقيقة في الظاهر والباطن، وآخرين من هؤلاء الأميين في الظاهر لما يلحقوا بهم في الباطن؛ والتأويل الأول أصح وأقرب.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل به والفقر إليه.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

في أمره حيث أمرهم بالحكمة.

أو الحكيم في تدبيره؛ حيث جعل في كل مخلوقاته ما يشهد بوحدانيته وتدبيره فيه.

أو هو الحكيم في تقديره؛ حيث خلق الأشياء المتضادة من نحو النور والظلمة والليل والنهار؛ لأنه وضع كل شيء موضعه، لم يخلط ظلمة بنور ولا نورا بظلمة، ولا ليلا بنهار ولا نهارا بليل.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ : يعني: ذلك الفضل: - النبوة والرسالة - يؤتيه من يشاء، يعني: يخلق من البشر من يصلح للنبوة والرسالة.

أو ذلك الفضل من تعليم الكتاب والحكمة يؤتيه من يشاء.

وفيه دلالة على كذب قول المعتزلة؛ لأن من قولهم: إن الله لا يؤتي أحدا شيئاً بفضله، بل حق عليه أن يفعل ذلك، فإذا كان هذا على الله فعله كان ذلك حقّاً يقضيه، ومن قضى حقّاً، فليس يوصف بالفضل، وقد وصف الله  نفسه بالفضل، فثبت بهذا كذب قولهم، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

أي: ذو الفضل العظيم في الدنيا؛ حيث تفضل عليهم بالكتاب والحكمة بعدما كانوا جهالا.

أو يجوز أن يكون هذا في الآخرة أن الله يجزيهم عن أعمالهم الجنة؛ فضلا منه عليهم.

﴿ ٱلْعَظِيمِ ﴾ هو الدائم الباقي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبعث هذا الرسول إلى قوم آخرين من العرب وغيرهم لم يأتوا بعد، وسيأتون، وهو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.

<div class="verse-tafsir" id="91.yBwxa"

مزيد من التفاسير لسورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله