الإسلام > القرآن > سور > سورة 63 المنافقون > الآية ٤ من سورة المنافقون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة المنافقون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ) أي : كانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة ، إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم ، وهم مع ذلك في غاية الضعف ، والخور ، والهلع ، والجزع ، والجبن ; ولهذا قال : ( يحسبون كل صيحة عليهم ) أي : كلما وقع أمر ، أو كائنة ، أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم ، كما قال تعالى : ( أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ) [ الأحزاب : 19 ] فهم جهامات وصور بلا معاني .
ولهذا قال : ( هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) أي : كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي ، عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، .
عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن للمنافقين علامات يعرفون بها : تحيتهم لعنة ، وطعامهم نهبة ، وغنيمتهم غلول ، ولا يقربون المساجد إلا هجرا ، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا ، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون ، خشب بالليل ، صخب بالنهار " .
وقال يزيد مرة : سخب بالنهار
يقول جلّ ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورها(وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وإن يتكلموا تسمع كلامهم يشبه منطقهم منطق الناس (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) يقول كأن هؤلاء المنافقين خُشُب مسنَّدة لا خير عندهم ولا فقه لهم ولا علم، وإنما هم صور بلا أحلام، وأشباح بلا عقول.
وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) يقول جلّ ثناؤه: يحسب هؤلاء المنافقون من خُبثهمْ وسوء ظنهم، وقلة يقينهم كلّ صيحة عليهم، لأنهم على وجل أن يُنـزل الله فيهم أمرا يهتك به أستارهم ويفضحهم، ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم من ذلك كلما نـزل بهم من الله وحي على رسوله، ظنوا أنه نـزل بهلاكهم وعَطَبهم.
يقول الله جلّ ثناؤه لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هم العدوّ يا محمد فاحذرهم، فإن ألسنتهم إذا لَقُوكم معكم وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهم عين لأعدائكم عليكم.
وقوله: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) يقول: أخزاهم الله إلى أيّ وجه يصرفون عن الحقّ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، وسمعته يقول في قول الله: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ) ...
الآية، قال: هؤلاء المنافقون.
واختلفت القراء في قراءة قوله: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة خلا الأعمش والكسائي ( خُشُبُ ) بضم الخاء والشين، كأنهم وجهوا ذلك إلى جمع الجمع، جمعوا الخشبة خشَابا ثم جمعوا الخِشاب خُشُبا، كما جمعت الثَّمرةُ ثمارا، ثم ثُمُرًا.
وقد يجوز أن يكون الخُشُب بضم الخاء والشين إلى أنها جمع خَشَبة، فتضم الشين منها مرة، وتُسكن أخرى، كما جمعوا الأكمة أكمًا وأكمًا بضم الألف والكاف مرة، وتسكين الكاف لها مرة، وكما قيل: البُدُن والبُدْن، بضم الدال وتسكينها لجمع البَدنة، وقرأ ذلك الأعمش والكسائي ( خُشْبُ ) بضم الخاء وسكون الشين.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وتسكين الأوسط فيما جاء من جمع فُعُلة على فُعْل في الأسماء على ألسن العرب أكثر وذلك كجمعهم البدنة بُدْنا، والأجمة أُجْما.
قوله تعالى : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكونقوله تعالى : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم أي هيئاتهم ومناظرهم .وإن يقولوا تسمع لقولهم يعني عبد الله بن أبي .
قال ابن عباس : كان عبد الله بن أبي وسيما جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته .
وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة .
وقال الكلبي : المراد ابن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير ، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة .
وفي صحيح مسلم : وقوله كأنهم خشب مسندة قال : كانوا رجالا أجمل شيء كأنهم خشب مسندة ، شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون ، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام .
وقيل : شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها .
وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي " خشب " بإسكان الشين .
وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد ، لأن واحدتها خشبة .
كما تقول : بدنة وبدن ، وليس في اللغة فعلة يجمع على فعل .
ويلزم من ثقلها أن تقول : البدن ، فتقرأ " والبدن " .
وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء ، كقوله عز وجل : وحدائق غلبا واحدتها حديقة غلباء .
وقرأ الباقون بالتثقيل وهي رواية البزي عن ابن كثير وعياش عن أبي عمرو ، وأكثر الروايات عن عاصم .
واختاره أبو حاتم ، كأنه جمع خشاب وخشب ، نحو ثمرة وثمار وثمر .
وإن شئت جمعت خشبة على خشب كما قالوا : بدنة وبدن وبدن .
وقد روي عن ابن المسيب فتح الخاء والشين في " خشب " .
قال سيبويه : خشبة وخشب ، مثل بدنة وبدن ، قال : ومثله بغير هاء أسد وأسد ، ووثن ووثن وتقرأ خشب ، وهو جمع الجمع ، خشبة وخشاب وخشب ، مثل ثمرة وثمار [ ص: 116 ] وثمر .
والإسناد الإمالة ، تقول : أسندت الشيء أي أملته .
و " مسندة " للتكثير ; أي استندوا إلى الأيمان بحقن دمائهم .قوله تعالى : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو أي كل أهل صيحة عليهم هم العدو .
ف " هم العدو " في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه .
يصفهم بالجبن والخور .
قال مقاتل والسدي : أي إذا نادى مناد في العسكر أن انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون ; لما في قلوبهم من الرعب .
كما قال الشاعر وهو الأخطل :ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالاوقيل : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو كلام ضميره فيه لا يفتقر إلى ما بعد ; وتقديره : يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم ; لأن للريبة خوفا .
ثم استأنف الله خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : " هم العدو " وهذا معنى قول الضحاك وقيل : يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم ; فهم أبدا وجلون من أن ينزل الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم ، ويهتك به أستارهم .
وفي هذا المعنى قول الشاعر :فلو أنها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيدا وأزنمابطن من بني يربوع .ثم وصفهم الله بقوله : هم العدو فاحذرهم حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم .
وفي قوله تعالى : فاحذرهم وجهان : أحدهما : فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم .الثاني : فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك ." قاتلهم الله " أي لعنهم الله قاله ابن عباس وأبو مالك .
وهي كلمة ذم وتوبيخ .
وقد تقول العرب : قاتله الله ما أشعره !
يضعونه موضع التعجب .
وقيل : معنى قاتلهم الله أي أحلهم محل من قاتله عدو قاهر ; لأن الله تعالى قاهر لكل معاند .
حكاه ابن عيسى ." أنى يؤفكون " أي يكذبون ; قاله ابن عباس .
قتادة : معناه يعدلون عن الحق .
الحسن : معناه يصرفون عن الرشد .
وقيل : معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل ; وهو من الإفك وهو الصرف .
و " أنى " بمعنى كيف ; وقد تقدم .
{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } من روائها ونضارتها، { وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } أي: من حسن منطقهم تستلذ لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، ولكن ليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح شيء، ولهذا قال: { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ } لا منفعة فيها، ولا ينال منها إلا الضرر المحض، { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم، والريب الذي في قلوبهم يخافون أن يطلع عليهم.فهؤلاء { هُمُ الْعَدُوُّ } على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، { فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي: كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا يفيدهم إلا الخسار والشقاء.
( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) يعني أن لهم أجساما ومناظر ، ( وإن يقولوا تسمع لقولهم ) فتحسب أنه صدق ، قال عبد الله بن عباس : كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله .
( كأنهم خشب مسندة ) أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام .
قرأ أبو عمرو والكسائي : " خشب " بسكون الشين ، وقرأ الباقون بضمها .
( مسندة ) ممالة إلى جدار ، من قولهم : أسندت الشيء ، إذا أملته ، والتثقيل للتكثير ، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر ، ولكنها خشب مسندة إلى حائط ، ( يحسبون كل صيحة عليهم ) أي لا يسمعون صوتا في العسكر بأن نادى مناد أو انفلتت دابة وأنشدت ضالة ، إلا ظنوا - من جبنهم وسوء ظنهم - أنهم يرادون بذلك ، وظنوا أنهم قد أتوا ، لما في قلوبهم من الرعب .
وقيل : ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ثم قال : ( هم العدو ) وهذا ابتداء وخبره ، ( فاحذرهم ) ولا تأمنهم ، ( قاتلهم الله ) لعنهم الله ( أنى يؤفكون ) يصرفون عن الحق .
«وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» لجمالها «وإن يقولوا تسمع لقولهم» لفصاحته «كأنهم» من عظم أجسامهم في ترك التفهم «خُشْب» بسكون الشين وضمها «مسندة» ممالة إلى الجدار «يحسبون كل صيحة» تصاح كنداء في العسكر وإنشاد ضالة «عليهم» لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم «هم العدوُّ فاحذرهم» فإنهم يفشون سرك للكفار «قاتلهم الله» أهلكهم «أنَّى يؤفكون» كيف يصرفون عن الإيمان بعد قيام البرهان.
وإذا نظرت إلى هؤلاء المنافقين تعجبك هيئاتهم ومناظرهم، وإن يتحدثوا تسمع لحديثهم؛ لفصاحة ألسنتهم، وهم لفراغ قلوبهم من الإيمان، وعقولهم من الفهم والعلم النافع كالأخشاب الملقاة على الحائط، التي لا حياة فيها، يظنون كل صوت عال واقعًا عليهم وضارًا بهم؛ لعلمهم بحقيقة حالهم، ولفرط جبنهم، والرعب الذي تمكَّن من قلوبهم، هم الأعداء الحقيقيون شديدو العداوة لك وللمؤمنين، فخذ حذرك منهم، أخزاهم الله وطردهم من رحمته، كيف ينصرفون عن الحق إلى ما هم فيه من النفاق والضلال؟
ثم رسم - سبحانه - لهم بعد ذلك صورة تجعل كل عاقل يستهزىء بهم ، ويحتقرهم ، ويسمو بنفسه عن الاقتراب منهم .
فقال - تعالى - : ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) .قال القرطبى : قال ابن عباس : كان عبد الله بن أبى ، وسيما جسيما صحيحا صبيحا ، ذلق اللسان ، فإذا قال : سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - مقالته .وقال الكلبى : المراد انب أبى ، وجد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، كانت لهم أجسام ومنظر ، وفصاحة .
.
.و ( خُشُبٌ ) - بضم الخاء والشين - جمع خَشَبة - بفتحهما - كثَمرة وثُمر .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى : كأنهم خُشْب - بضم الخاء وسكون الشين - كبَدَنة وبُدْن .أى : وإذا رأيت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المنافقين ، أعجبتك أجسامهم ، لكمالها وحسن تناسقها ، وإن يقولوا قولا حسبت أنه صدق ، لفصاحته ، وأحببت الاستماع إليه لحلاوته .وعدى الفعل " تسمع " باللام ، لتضمنه معنى تصغ لقولهم .وجملة : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) مستأنفة ، أو خبر لمبتدأ محذوف .أى : كأنهم وهم جالسون فى مجلسك ، مستندين على الجدران ، وقد خلت قلوبهم من الخير والإيمان ، كأنهم بهذه الحالة ، مجموعة من الأخشاب الطويلة العريضة ، التى استندت إلى الحوائط ، دون أن يكون فيها حسن ، أو نفع ، أو عقل .فهم أجسام تعجب ، وأقوال تغرى بالسماع إليها ، ولكنهم قد خلت قلوبهم من كل خير ، وامتلأت نفوسهم بكل الصفات الذميمة .
فهم كما قال القائل :لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ ...
جسم البغال وأحلام العصافيروشبههم - سبحانه - بالخشب المسندة على سبيل الذم لهم ، أى : كأنهم فى عدم الانتفاع بهم ، وخلوهم من الفائدة كالأخشاب المسندة إلى الحوائط الخالية من أية فائدة .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : ما معنى ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) ؟قلت : شبهوا فى استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحوائط لأن الخشب إذا انتفع به ، كان فى سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به ، وأسند إلى الحائط ، فشبهوا به فى عدم الانتفاع .ويجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب ، المسندة إلى الحيطان ، وشبهوا بها فى حسن صورهم ، وقلة جدواهم ، والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يخاطب .
.فأنت ترى القرآن الكريم وصفهم بتلك الصفة البديعة فى التنفير منهم وعدم الاغترار بمظهرهم لأنهم كما قال القائل :لا تخدعنك اللحى ولا الصور ...
تسعة أعشار من ترى بقرتراهم كالسحاب منتشرا ...
وليس فيه لطالب مطرفى شجر السرو منهم شبه ...
له رواء وماله ثمرثم وصفهم - سبحانه - بعد ذلك بالجبن والخور فقال : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ .
.
) .والصيحة : المرة من الصياح ، والمراد بها ما ينذر ويخيف أى : يظنون لجبن قلوبهم ولسوء نواياهم ، وخبث نفوسهم - أن كل صوت ينادى به المنادى ، لنشدان ضالة ، أو انفلات دابة .
.
.
إنما هو واقع عليهم ضار بهم مهلك لهم .
.
.قال الآلوسى : قوله : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) أى : واقعة عليهم ، ضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم .وقيل : كانوا على وجل من أن ينزل الله - تعالى - فيهم ما يهتك أستارهم ، ويبيح دماءهم وأموالهم .والوقف على " عليهم " الواقع مفعولا ثانيا ل " يحسبون " وهو وقف تام .وقوله - تعالى - : ( هُمُ العدو ) استئناف .
أى : هم الكاملون فى العداوة ، والراسخون فيها ، فإن أعدى الأعداء ، العدو المداجى .( فاحذرهم ) لكونهم أعدى الأعداء ، ولا تغترن بظواهرهم .وقوله - سبحانه - : ( قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) دعاء عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى - ، وتعجيب لكل مخاطب من أحوالهم التى بلغت النهاية فى السوء والقبح .عن ابن عباس أن معنى ( قَاتَلَهُمُ الله ) طردهم من رحمته ولعنهم ، وكل شىء فى القرآن قتل فهو لعن .و ( أَنَّى ) بمعنى كيف ، و ( يُؤْفَكُونَ ) بمعنى يصرفون ، من الأفك - بفتح الهمزة والفاء - بمعنى الانصراف عن الشىء .أى : لعن الله - تعالى - هؤلاء المنافقين ، وطردهم من رحمته ، لأنهم بسبب مساكلهم الخبيثة ، وأفعالهم القبيحة ، وصفاتهم السيئة .
.
صاروا محل مقت العقلاء ، وعجبهم ، إذ كيف ينصرفون عن الحق الواضح إلى الباطل الفاضح ، وكيف يتركون النور الساطع ، ويدخلون فى الظلام الدامس؟!وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة : قد فضحت المنافقين ، وحذرت من شرورهم ، ووصفتهم بالصفات التى تخزيهم ، وتكشف عن دخائلهم المريضة .
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ ﴾ يعني عبد الله بن أبي، ومغيث بن قيس، وجد بن قيس، كانت لهم أجسام ومنظر، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها، وكان عبد الله بن أبي جسيماً صبيحاً فصيحاً، وإذا قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ أي ويقولوا: إنك لرسول الله تسمع لقولهم، وقرئ يسمع على البناء للمفعول، ثم شبههم بالخشب المسندة، وفي الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد، والتثقيل كذلك كثمرة وثمر، وخشبة وخشب، ومدرة ومدر.
وهي قراءة ابن عباس، والتثقيل لغة أهل الحجاز، والخشب لا تعقل ولا تفهم، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم، والاستبصار بمنزلة الخشب.
وأما المسندة يقال: سند إلى شيء، أي مال إليه، وأسنده إلى الشيء، أي أماله فهو مسند، والتشديد للمبالغة، وإنما وصف الخشب بها، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو وتثمر بوجه ما، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به، فقال: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو ﴾ وقال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر، وانفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلاً ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة، ثم أعلم (الله) رسوله بعداوتهم فقال: ﴿ هُمُ العدو فاحذرهم ﴾ أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى: ﴿ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك، و ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق.
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله ﴾ قال الكلبي: لما نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا: لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فنزلت، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي، وجعل يلوي رأسه فنزلت.
وعند الأكثرين، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الاذل ﴾ وقال: ﴿ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله ﴾ فقيل له: تعال يستغفر لك رسول الله فقال: ماذا قلت: فذلك قوله تعالى: ﴿ لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ لَوَّوْاْ ﴾ بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد تجعل جمعاً والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير: لا بارك الله فيمن كان يحسبكم *** إلا على العهد حتى كان ما كانا وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ قال قتادة: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين» فأنزل الله تعالى: ﴿ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ قال ابن عباس: المنافقين، وقال قوم: فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية البيان، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك، وقيل: معناه لا يهديهم لفسقهم وقالت المعتزلة: لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية مباحث: البحث الأول: لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها؟
نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى: قال في الكشاف: شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير، بالخشب المسندة إلى الحائط، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم، وقلة جداوهم الثانية: الخشب المسندة في الأصل كانت غصناً طرياً يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها، ثم تصير غليظة يابسة، والكافر والمنافق كذلك كان في الأصل صالحاً لكذا وكذا، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة: الكفرة من جنس الإنس حطب، كما قال تعالى: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ والخشب المسندة حطب أيضاً الرابعة: أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة، والآخر إلى جهة أخرى، والمنافقون كذلك، لأن المنافق أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام الخامسة: المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات والنباتات، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك، وإذا كانوا من المشركين إذ هو الأصنام، إنها من الجمادات أو النباتات.
الثاني: من المباحث أنه تعالى شبهم بالخشب المسندة، ثم قال من بعد ما ينافي هذا التشبيه وهو قوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو ﴾ والخشب المسندة لا يحسبون أصلاً، نقول: لا يلزم أن يكون المشبه والمشبه به يشتركان في جميع الأوصاف، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها.
الثالث: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ ولم يقل: القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره؟
نقول: كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله: ﴿ الفاسقين ﴾ أي الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون.
<div class="verse-tafsir"
كان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً صبيحاً، فصيحاً، ذلق اللسان وقوم من المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ؟
قلت: شبهوا في استنادهم- وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير- بالخشب المسندة إلى الحائط؛ ولأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع.
ويجوز أن يراد بالخشب المسندة: الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان؛ شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم؛ والخطاب في ﴿ رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ ﴾ لرسول الله، أو لكل من يخاطب.
وقرئ: ﴿ يُسمع ﴾ على البناء للمفعول، وموضع ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ ﴾ رفع على هم كأنهم خشب.
أو هو كلام مستأنف لا محل له.
وقرئ: ﴿ خشب ﴾ جمع خشبة، كبدنة وبدن.
وخشب، كثمرة وثمر.
وخشب، كمدرة ومدر، وهي في قراءة ابن عباس.
وعن اليزيدي أنه قال في ﴿ خُشُبٌ ﴾ : جمع خشباء، والخشباء: الخشبة التي دعر جوفها: شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ ثاني مفعولي يحسبون، أي: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب: إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة: ظنوه إيقاعاً بهم.
وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.
ومنه أخذ الأخطل: مَا زِلْتَ تَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُم ** خَيْلاَ تَكِرُّ عَلَيْهِمُ وَرِجَالاَ يوقف على ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ ويبتدأ ﴿ هُمُ العدو ﴾ أي الكاملون في العداوة: لأنّ أعدى الأعداء العدوّ المداجي، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغترر بظاهرهم.
ويجوز أن يكون ﴿ هُمُ العدو ﴾ المفعول الثاني، كما لو طرحت الضمير.
فإن قلت: فحقه أن يقال: هي العدوّ.
قلت: منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في ﴿ هذا رَبّى ﴾ [الأنعام: 76] وأن يقدر مضاف محذوف على: يحسبون كل أهل صحية ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم.
أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ كيف يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ لِضَخامَتِها وصَباحَتِها.
﴿ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ لِذَلاقَتِهِمْ وحَلاوَةِ كَلامِهِمْ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ في جَمْعٍ مِثْلِهِ، فَيُعْجَبُ بِهَيْكَلِهِمْ ويُصْغِي إلى كَلامِهِمْ.
﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في لِقَوْلِهِمْ أيْ تَسْمَعُ لِما يَقُولُونَهُ مُشَبَّهِينَ بِأخْشابٍ مَنصُوبَةٍ مُسَنَّدَةٍ إلى الحائِطِ في كَوْنِهِمْ أشْباحًا خالِيَةً عَنِ العِلْمِ والنَّظَرِ، وقِيلَ: ال خُشُبُ جَمْعُ خَشْباءَ وهي الخَشَبَةُ الَّتِي نُخِرَ جَوْفُها، شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ المَنظَرِ وقُبْحِ المَخْبَرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الشِّينِ عَلى التَّخْفِيفِ، أوْ عَلى أنَّهُ كَبُدْنٍ في جَمْعِ بَدَنَةٍ ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ واقِعَةٍ عَلَيْهِمْ لِجُبْنِهِمْ واتِّهامِهِمْ، فَ عَلَيْهِمْ ثانِي مَفْعُولَيْ يَحْسَبُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَتَهُ والمَفْعُولُ: هُمُ العَدُوُّ وعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْكُلِّ وجَمْعُهُ بِالنَّظَرِ إلى الخَبَرِ لَكِنْ تَرَتُّبَ قَوْلِهِ: فاحْذَرْهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُنافِقِينَ.
﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وهو طَلَبٌ مِن ذاتِهِ أنْ يَلْعَنَهُمْ، أوْ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
والخطاب في {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم} لرسول الله أو لكل من
يخاطب {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} كان ابن أبي رجلا جسيما صبيحا واضحا وقوم من المنافقين في مثل صفته فكانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيستندرون فيه ولهم جهارة المناظرة وفصاحة الألسن فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم وموضع {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ} رفع على هم كأنهم خشب أو هو كلام مستأنف لا محل له {مُّسَنَّدَةٌ} إلى الحائط شبهوا في اسنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة على الحائط لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جمار أو غيرها من مظان الانتفاع وما دام متروكاً غير منتفع به اسند على الحائط فشبهوا به في عدم الانتفاع أو لأنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام خُشُبٌ أبو عمرو غير عباس وعلي جمع خشبة كبدنة وبدن وخشب كثمرة وثمر {يحسبون كلّ صيحةٍ عليهم} كُلَّ صَيْحَةٍ مفعول أول والمفعول الثاني عَلَيْهِمْ وتم الكلام أي يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم لخيفتهم ورعبهم يعني إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة وانشدت ضالة ظنوه إبقاعا بهم ثم قال {هُمُ العدو} أي هم الكاملون في العدواة لان اعدى الاعداء العدو المداجي الذي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء
الدوي {فاحذرهم} ولا تغترر بظواهرهم {قاتلهم الله} دعاء عليهم أو تعليم المؤمنين أو يدعوا عليهم بذلك {أنى يُؤْفَكُونَ} كيف يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم
﴿ وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ لِصَباحَتِها وتَناسُبِ أعْضائِها ﴿ وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ لِفَصاحَتِهِمْ وذَلاقَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحَلاوَةِ كَلامِهِمْ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ في نَفَرٍ مِن أمْثالِهِ كالجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ومُتْعِبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ يَعْجَبُونَ مِن هَياكِلِهِمْ ويَسْمَعُونَ لِكَلامِهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِكْرِمَةَ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ - يُسْمَعُ -بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا أبْلَغُ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ أجْسامَهم إذا أعْجَبَتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأوْلى أنْ تُعْجِبَ غَيْرَهُ وكَذا السَّماعُ لِقَوْلِهِمْ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ ﴾ والسَّماعُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإصْغاءِ فَلَيْسَتِ اللّامُ زائِدَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِذَمِّهِمْ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم كَأنَّهم إلَخْ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ أيْضًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ صالِحٌ لِلِاسْتِئْنافِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿ لِقَوْلِهِمْ ﴾ أيْ تَسْمَعُ لِما يَقُولُونَ مُشَبَّهِينَ بِخُشُبٍ مُسَنَّدَةٍ كَما في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ عَسى أنْ تُبْصِرِينِي كَأنَّما بُنِيَ حَوالَيَّ الأُسُودُ الحَوادِرُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحالِيَّةَ تُفِيدُ أنَّ السَّماعَ لِقَوْلِهِمْ لِأنَّهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، و”خُشُبٌ“ جَمْعُ خَشَبَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، والمُرادُ بِهِ ما هو المَعْرُوفُ شُبِّهُوا في جُلُوسِهِمْ مَجالِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَنِدِينَ فِيها وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ بِخُشُبٍ مَنصُوبَةٍ مُسَنَّدَةٍ إلى الحائِطِ في كَوْنِهِمْ أشْباحًا خالِيَةً عَنِ الفائِدَةِ لِأنَّ الخُشُبَ تَكُونُ مُسَنَّدَةً إذا لَمْ تَكُنْ في بِناءٍ أوْ دِعامَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحِيطانِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ وقِلَّةِ جَدْواهم، وفي مِثْلِهِمْ قالَ الشّاعِرُ: لا يَخْدَعَنَّكَ اللِّحى ولا الصُّوَرُ ∗∗∗ تِسْعَةُ أعْشارِ مَن تَرى بَقَرُ تَراهم كالسَّحابِ مُنْتَشِرًا ∗∗∗ ولَيْسَ فِيها لِطالِبٍ مَطَرُ فِي شَجَرِ السَّرْوِ مِنهم شَبَهٌ ∗∗∗ لَهُ رُواءٌ وما لَهُ ثَمَرُ وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ والنَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ «خُشْبٌ» بِإسْكانِ الشِّينِ تَخْفِيفَ خُشُبٍ المَضْمُومِ، ونَظِيرُهُ بَدَنَةٌ وبُدْنٌ، وقِيلَ: جَمْعُ خَشْباءَ كَحُمُرٍ وحَمْراءَ، وهي الخَشَبَةُ الَّتِي نُخِرَ جَوْفُها شُبِّهُوا بِها في فَسادِ بَواطِنِهِمْ لِنِفاقِهِمْ، وعَنِ اليَزِيدِيِّ حَمَلَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالضَّمِّ عَلى ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعَلاءَ لا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ، ومِنهُ يُعْلَمُ ضَعْفُ القِيلِ إذِ الأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ جُبَيْرٍ «خَشَبٌ» بِفَتْحَتَيْنِ كَمَدْرَةٍ ومَدَرٍ وهو اسْمُ جِنْسٍ عَلى ما في البَحْرِ، ووَصْفُهُ بِالمُؤَنَّثِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ واقِعَةً عَلَيْهِمْ ضارَّةً لَهم لِجُبْنِهِمْ وهَلَعِهِمْ فَكانُوا كَما قالَ مُقاتِلٌ: مَتى سَمِعُوا بِنِشْدانِ ضالَّةٍ أوْ صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ طارَتْ عُقُولُهم وظَنُّوا ذَلِكَ إيقاعًا بِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا عَلى وجَلٍ مِن أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ ما يَهْتِكُ أسْتارَهم ويُبِيحُ دِماءَهم وأمْوالَهم ومِنهُ أخَذَ جَرِيرٌ قَوْلَهُ يُخاطِبُ الأخْطَلَ: ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكُرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالا وكَذا المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: وضاقَتِ الأرْضُ حَتّى ظَنَّ هارِبُهم ∗∗∗ إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلا والوَقْفُ عَلى ”عَلَيْهِمْ“ الواقِعِ مَفْعُولًا ثانِيًا - لِيَحْسَبُونِ - وهو وقْفٌ تامٌّ كَما في الكَواشِيِّ، وعَلَيْهِ كَلامُ الواحِدِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ العَدُوُّ ﴾ اسْتِئْنافٌ أيْ هُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ والرّاسِخُونَ فِيها فَإنَّ أعْدى الأعادِي العَدُوُّ المُداجِي الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ كَكَثِيرٍ مِن أبْناءِ الزَّمانِ ﴿ فاحْذَرْهُمْ ﴾ لِكَوْنِهِمْ أعْدى الأعادِي ولا تَغْتَرَّنَّ بِظاهِرِهِمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ صِلَةَ ﴿ صَيْحَةٍ ﴾ و ﴿ هُمُ العَدُوُّ ﴾ والمَفْعُولُ الثّانِي - لِيَحْسَبُونِ - كَما لَوْ طُرِحَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى أنَّهم يَحْسُبُونَ الصَّيْحَةَ نَفْسَ العَدُوِّ، وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ هو أوْ هي العَدُوُّ لَكِنَّهُ أتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ المَجْمُوعِ لِمُراعاةِ مَعْنى الخَبَرِ أعْنِي العَدُوَّ بِناءً عَلى أنَّهُ يَكُونُ جَمْعًا ومُفْرَدًا وهو هُنا جَمْعٌ، وفِيهِ أنَّهُ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ جِدًّا لا حاجَةَ إلَيْهِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ لا يَخْلُو عَنْ بَلاغَةٍ ولُطْفٍ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ تَرَتُّبُ ﴿ فاحْذَرْهُمْ ﴾ لِأنَّ التَّحْذِيرَ مِنهم يَقْتَضِي وصْفَهم بِالعَداوَةِ لا بِالجُبْنِ ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ لَعَنَهم وطَرَدَهم فَإنَّ القَتْلَ قُصارى شَدائِدِ الدُّنْيا وفَظائِعِها، وكَذَلِكَ الطَّرْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى والبُعْدُ عَنْ جَنابِهِ الأقْدَسِ مُنْتَهى عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وغايَةُ نَكالِهِ جَلَّ وعَلا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والكَلامُ دُعاءٌ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ سُبْحانَهُ أنْ يَلْعَنَهم ويَطْرُدَهم مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وهو مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ فَلا يَكُونُ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ يَفُوتُ بِهِ نَضارَةُ الكَلامِ، أوْ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَهو عَلى مَعْنى قُولُوا: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطَّلَبِ في شَيْءٍ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ وُقُوعَ اللَّعْنِ بِهِمْ مُقَرَّرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قاتَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةُ ذَمٍّ وتَوْبِيخٍ، وتَسْتَعْمِلُها العَرَبُ في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى لَعْنٍ، والمَشْهُورُ تَعْقِيبُها بِالتَّعَجُّبِ نَحْوَ قاتَلَهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ .
﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ ؟
فَأنّى ظَرْفٌ مُتَضَمِّنٌ لِلِاسْتِفْهامِ مَعْمُولٌ لِما بَعْدَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ظَرْفًا - لِقاتَلَهم - ولَيْسَ هُناكَ اسْتِفْهامٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ”أنّى“ لا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ أصْلًا، فالقَوْلُ بِذَلِكَ باطِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
وهي إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إذا حرف من حروف التوقيت، وجوابه قوله: فَاحْذَرْهُمْ وهذا إعلام من الله تعالى بنفاقهم وكذبهم وغرورهم.
قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ يعني: يقولون ذلك بلسانهم دون قلوبهم.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ من غير قولهم.
وَاللَّهُ يَشْهَدُ يعني: يبيِّن إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ يعني: إنهم مصدقون في قولهم، ولكنهم كاذبون بأنهم أرادوا به الإيمان.
ثم قال عز وجل: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يعني: حلفهم جُنَّة من القتل، وقرأ بعضهم: اتخذوا إيمانهم بكسر الألف، يعني: اتخذوا إظهارهم الإسلام وتصديقهم ستراً.
لأنفسهم، وقراءة العامة: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ بالنصب يعني: استتروا بالحلف.
وكلما ظهر نفاقهم، حلفوا كاذبين.
ثم قال: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: صرفوا الناس عن دين الله وهو الإسلام.
إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بئس ما كانوا يعملون، حيث أظهروا الإيمان وأسروا الكفر، وصدوا الناس عن الإيمان.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني: ذلك الحلف وصرف الناس عن الإيمان بأنهم آمَنُوا يعني: أقروا باللسان علانية، ثُمَّ كَفَرُوا يعني: كفروا في السر.
فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر، فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ الهدى ولا يرغبون فيه.
قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ يعني: المنافقين، تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، كان رجلاً جسيماً فصيحاً يعني: يعجبك منظرهم وفصاحتهم.
وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يعني: تصدقهم فتحسب أنهم محقون.
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، قال مقاتل: فيها تقديم، يقول: كأن أجسامهم خشب مسندة بعضها على بعض قائماً، وإنها لا تسمع ولا تعقل، ويقال: خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يعني: خشب أسند إلى الحائط، ليس فيها أرواح، فكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلون.
قرأ الكسائي، وأبو عمرو، وابن كثير في إحدى الروايتين كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ بجزم الشين، والباقون بالضم، ومعناهما واحد، وهو جماعة الخشب.
فوصفهم بتمام الصور، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم بمنزلة الخشب.
ثم قال: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، فوصفهم بالجبن أي: كلما صاح صائح، ظنوا أن ذلك لأمر عليهم ويقال: إن كل من خاطب النبيّ ، كانوا يخافون ويظنون أنه مخاطب يخاطبه في أمرهم، وكشف نفاقهم.
ثم أمر أن يحذرهم، وبيّن أنهم أعداؤه فقال: هُمُ الْعَدُوُّ يعني: هم أعداؤك، فَاحْذَرْهُمْ ولا تأمن من شرهم.
ثم قال: قاتَلَهُمُ اللَّهُ يعني: لعنهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: من أين يكذبون؟
ويقال: من أين يصرفون عن الحق؟.
ثم قال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ يعني: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وأعرضوا عنه.
وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول قيل له: يا أبا الحباب قد أنزل فيك آي: شداد، فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن، فقد آمنت.
وامرتموني أن أعطي زكاة مالي، فقد أعطيت.
وما بقي إلا أن أسجد لمحمد .
قرأ نافع لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ بالتخفيف، والباقون بالتشديد.
ومن قرأ بالتخفيف، فهو من لوى يلوي ومن قرأ بالتشديد، فهو للتكثير.
ثم قال: وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ يعني: يعرضون عن الاستغفار مستكبرين عن الإيمان في السر.
ثم أخبر: أن الاستغفار لا ينفعهم، ما داموا على نفاقهم، فقال: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، لأنهم منافقون.
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعني: لا يرشدهم إلى دينه، لأنهم لا يرغبون فيه.
<div class="verse-tafsir"
فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:
امض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.
وقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ...
الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.
وقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...
الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،
والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.
وقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته.
وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣» ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤» ، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥» : «وَأَكُونَ» ، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.
سُورَةُ المُنافِقُونَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ونُظَرائِهِ.
وكانَ السَّبَبُ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ في خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ المُنافِقِينَ إلى المُرَيْسِيعِ، وهو ماءٌ لَبَنِي المُصْطَلِقِ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، لا لِلرَّغْبَةِ في الجِهادِ، لِأنَّ السَّفَرَ قَرِيبٌ.
فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ غَزْوَهُ، أقْبَلُ رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، يُقالُ لَهُ: سِنانٌ، وهو حَلِيفٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ورَجُلٌ مِن بَنِي غِفارٍ يُقالُ لَهُ: جَهْجاهُ بْنُ سَعِيدٍ، وهو أجِيرٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِاسْتِقاءِ الماءِ، فَدارَ بَيْنَهُما كَلامٌ، فَرَفَعَ الغِفارِيُّ يَدَهُ فَلَطَمَ الجُهَنِيَّ، فَأدْماهُ، فَنادى الجُهَنِيُّ: يا آلَ الخَزْرَجِ، فَأقْبَلُوا، ونادى الغِفارِيُّ: يا آلَ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا، فَأصْلَحَ الأمْرَ قَوْمٌ مِنَ المُهاجِرِينَ.
فَبَلَغَ الخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أُبَيٍّ، فَقالَ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ: واللَّهِ ما مَثَلُكم ومَثَلُ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ مِن قُرَيْشٍ إلّا مِثْلُ ما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَكِنَّ هَذا فِعْلُكم بِأنْفُسِكُمْ، آوَيْتُمُوهم في مَنازِلِكُمْ، وأنْفَقْتُمْ عَلَيْهِمْ أمْوالَكُمْ، فَقَوُوا وضَعُفْتُمْ.
وايْمُ اللَّهِ: لَوْ أمْسَكْتُمْ أيْدِيَكم لَتَفَرَّقَتْ عَنْ هَذا جُمُوعُهُ، ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وكانَ في القَوْمِ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وهو غُلامٌ يَوْمَئِذٍ لا يَؤُبَهُ لَهُ، فَقالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: أنْتَ واللَّهِ الذَّلِيلُ القَلِيلُ، فَقالَ: إنَّما كُنْتُ ألْعَبُ، فَأقْبَلَ زَيْدٌ بِالخَبَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقالَ: إذَنْ تُرْعَدُ لَهُ آنُفٌ كَبِيرَةٌ، قالَ: فَإنْ كَرِهْتَ أنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَمَرَّ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، أوْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أوْ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ، فَقالَ: إذَنْ يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأتاهُ، فَقالَ: أنْتَ صاحِبُ هَذا الكَلامِ؟
فَقالَ: والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ ما قُلْتُ شَيْئًا مِن هَذا، وإنَّ زَيْدًا لَكَذّابٌ، فَقالَ مَن حَضَرَ: لا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ كَلامُ غُلامٍ، عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ وهِمَ، فَعَذَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وفَشَتِ المَلامَةُ مِنَ الأنْصارِ لِزَيْدٍ، وكَذَّبُوهُ، وقالَ لَهُ عَمُّهُ: ما أرَدْتَ إلّا أنَّ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ والمُسْلِمُونَ، ومَقَتُوكَ!
فاسْتَحْيا زَيْدٌ، وجَلَسَ في بَيْتِهِ.
فَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ما كانَ مِن أمْرِ أبِيهِ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لِما بَلَغَكَ عَنْهُ.
فَإنْ كُنْتَ فاعِلًا فَمُرْنِي، فَأنا أحْمِلُ إلَيْكَ رَأْسَهُ، فَإنِّي أخْشى أنْ يَقْتُلَهُ غَيْرِي، فَلا تَدَعُنِي نَفْسِي حَتّى أقْتُلَ قاتِلَهُ، فَأدْخُلُ النّارَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "بَلْ تُحْسِنُ صُحْبَتَهُ ما بَقِيَ مَعَنا" وأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ [المُنافِقِينَ] في تَصْدِيقِ زَيْدٍ، وتَكْذِيبِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ.
ولَمّا أرادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ جاءَ ابْنُهُ، فَقالَ: ما وراءَكَ، قالَ: مالَكَ ويْلَكَ؟
قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلُها أبَدًا إلّا بِإذْنِ رَسُولِ اللَّهِ لِيُعَلَمَ اليَوْمَ مَنِ الأعَزُّ، ومَنِ الأذَلُّ، فَشَكا عَبْدُ اللَّهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ما صَنَعَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أنْ خَلِّ عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وبانَ كَذِبُهُ قِيلَ لَهُ: يا أبا حُبابٍ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ فِيكَ آياتٌ شِدادٌ، فاذْهَبْ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى بِهِ رَأْسَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ » وقِيلَ: الَّذِي قالَ لَهُ هَذا عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكَذِبُ ﴿ بِأنَّهم آمَنُوا ﴾ بِاللِّسانِ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ في السِّرِّ ﴿ فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ الإيمانَ والقُرْآنَ ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ يَعْنِي: أنَّ لَهم أجْسامًا ومَناظِرَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا، ذَلْقَ اللِّسانِ، فَإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ قَوْلَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: تُصْغِي إلى قَوْلِهِمْ، فَتَحْسَبُ أنَّهُ حَقٌّ ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: وحَمْزَةُ: ( خُشُبٌ ) بِضَمِّ الخاءِ، والشِّينِ جَمِيعًا، وهو جَمْعُ خَشَبَةٍ.
مِثْلُ ثَمَرَةٍ، وثُمُرٌ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِضَمِّ الخاءِ، وتَسْكِينِ الشِّينِ، مِثْلُ: بَدَنَةٍ، وبُدْنٍ، وأكَمَةٍ، وأُكْمٍ.
وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، مِثْلُهُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُرْوَةُ، وابْنُ سِيرِينَ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ، والشِّينِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَسْكِينِ الشِّينِ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وإبانَةِ المَنطِقِ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم في تَرْكِ التَّفَهُّمِ والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ.
والمُسَنَّدَةُ: المُمالَةُ إلى الجِدارِ.
والمُرادُ: أنَّها لَيْسَتْ بِأشْجارٍ تُثْمِرُ وتُنَمِّي، بَلْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ إلى حائِطٍ.
ثُمَّ عابَهم بِالجُبْنِ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ صَوْتًا إلّا ظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُتُوا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ أنْ يَكْشِفَ اللَّهُ أسْرارَهُمْ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الجُبْنِ.
وأنْشَدُوا في هَذا المَعْنى: ولَوْ أنَّها عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَها مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْدًا وأزْنَما أيْ: لَوْ طارَتْ عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَها مِن جُبْنِكَ خَيْلًا تَدْعُو هاتَيْنِ القَبِيلَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ ﴾ أيْ: لا تَأْمَنهم عَلى سِرِّكَ، لِأنَّهم عُيُونٌ لِأعْدائِكَ مِنَ الكُفّارِ ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٠] <div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ : نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ.
وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو...............
فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ .
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ.
وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟
أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ .
هذا انتقال إلى وضَحْ بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها تبرز من مشاهدتهم، فكان الوضح الأول مفتتحاً ب ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ [المنافقون: 1] وهذا الوضح مفتتحاً ب ﴿ إذا رأيتهم ﴾ .
فجملة ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ [المنافقون: 3] واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم.
واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترَار بحسن صورهم فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية: لابأس بالقوم من طُول ومن غلظ *** جِسم البغال وأحلام العصافِير وتفيد مع الاحتراس تنبيهاً على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من الجملتين لصح وقوعهما موقع الاستئناف الابتدائي.
ولكن أوثر العطف للتنبيه على أن هاتين صفتان تحسبان كمالاً وهما نقيصَتان لعدم تناسقهما مع ما شأنُه أن يكون كمالاً.
فإن جمال النفس كجمال الخلقة إنما يحصل بالتناسب بين المحاسن وإلا فرّبما انقلب الحسن موجب نقص.
فالخطاب في هذه الآية لغير معيّن يشمل كل من يراهم ممن يظن أن تغرّه صورهم فلا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله قد أطلعه على أحوالهم وأوقفه على تعيينهم فهو كالخطاب الذي في قوله في سورة [الكهف: 18] ﴿ لو اطلعتَ عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ﴾ والظاهر أن المراد بضمير الجمع واحد معيّن أو عدد محدود إذ يبعد أن يكون جميع المنافقين أحاسن الصور.
وعن ابن عباس: كان ابن أُبيّ جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان.
وقال الكلبي: المراد ابنُ أُبيّ والجِد بن قَيس ومعتب بن قُشير كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة.
وقال في الكشاف } : وقوم من المنافقين في مثل صفة ابن أُبيّ رؤساء المدينة.
وأجسام: جمع جسم بكسر الجيم وسكون السين وهو ما يقصد بالإِشارة إليه أو ما له طُول وعَرض وعُمق.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وزادهُ بَسطة في العلم والجسم ﴾ في سورة [البقرة: 247].
وجملة وإن يقولوا تسمع لقولهم } معترضة بين جملة ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ الخ وبين جملة ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ .
والمراد بالسَّماع في قوله: ﴿ تسمع لقولهم ﴾ الإِصغاء إليهم لحسن إبانتهم وفصاحة كلامهم مع تغريرهم بحلاوة معانيهم تمويه حالهم على المسلمين.
فاللام في قوله: ﴿ لقولهم ﴾ لتضمين ﴿ تسمع ﴾ معنى: تُصْغ أيها السامع، إذ ليس في الإِخبار بالسماع للقول فائدة لولا أنه ضمن معنى الإِصغاء لوعي كلامهم.
وجملة ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال يَنشأ عن وصف حسن أجسامهم وذَلاقة كلامهم، فإنه في صورة مدح فلا يناسب ما قبله من ذمهم فيترقب السامع ما يَرد بعد هذا الوصف.
ويجوز أن تكون الجملة حالاً من ضميري الغيبة في قوله: ﴿ رأيتهم تعجبك أجسامهم ﴾ .
ومعناه أن حسن صورهم لا نفع فيه لأنفسهم ولا للمسلمين.
و ﴿ خشب ﴾ بضم الخاء وضم الشين جمع خَشَبة بفتح الخاء وفتح الشين وهو جمع نادر لم يحفظ إلا في ثَمَرة، وقيل: ثُمر جمع ثمار الذي هو جمع ثَمرة فيكون ثُمُر جمعَ جمع.
فيكون خُشب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرده.
ويقال: خُشْب بضم فسكون وهو جمع خشبة لا محالة، مثل: بُدْن جمع بدنة.
وقرأه الجمهور بضمتين.
وقرأه قنبل عن ابننِ كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوبُ بضمة فسكون.
والمسنَّدة التي سُندت إلى حائط أو نحوه، أي أميلت إليه فهي غليظة طويلة قوية لكنها غير منتفع بها في سَقف ولا مشدود بها جدار.
شُبهوا بالخُشُب المسنَّدة تشبيه التمثيل في حُسن المرأى وعدم الجَدوى، أفيد بها أن أجسامهم المعجَب بها ومقالَهم المصغى إليه خاليان عن النفع كخُلوّ الخُشب المسنَّدة عن الفائدة، فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لبّ وشجاعة وعلم ودراية.
وإذا اختبرتموهم وجدّتموهم على خلاف ذلك فلا تحْتفلوا بهم.
﴿ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ ﴾ .
هذه الجملة بمنزلة بدل البعض من مضمون جملة ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ ، أي من مخالفة باطنهم المشوه للظاهر المموّه، أي هم أهل جبن في صورة شجعان.
وهذا من جملة ما فضحته هذه السورة من دخائلهم ومطاوي نفوسهم كما تقدم في الآيات السابقة وإن اختلفت مواقعها من تفنن أساليب النظم، فهي مشتركة في التنبيه على أسرارهم.
والصيحة: المرة من الصياح، أي هم لسوء ما يضمرونه للمسلمين من العداوة لا يزالون يتوجّسون خيفة من أن ينكشف أمرهم عند المسلمين فهم في خوف وهلع إذا سمعوا صيحة في خصومة أو أنشدت ضالة خشُوا أن يكون ذلك غارة من المسلمين عليهم للإِيقاع بهم.
و ﴿ كلّ ﴾ هنا مستعمل في معنى الأكثر لأنهم إنما يتوجّسون خوفاً من صيحات لا يعلمون أسبابها كما استعمله النابغة في قوله: بها كل ذيَّال وخنساءَ ترعوي *** إلى كُلّ رَجَّاف من الرمل فارد وقوله: ﴿ عليهم ﴾ ظرف مستقر هو المفعول الثاني لفعل ﴿ يحسبون ﴾ وليس متعلقاً ب ﴿ صيحة ﴾ .
﴿ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو ﴾ .
يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ لأن تلك الجملة لغرابة معناها تثير سؤالاً عن سبب هلعهم وتخوفهم من كلّ ما يتخيَّل منه بأس المسلمين فيجاب بأن ذلك لأنهم أعداء ألِدّاءُ للمسلمين ينظرون للمسلمين بمرآة نفوسهم فكما هم يتربصون بالمسلمين الدوائر ويتمنون الوقيعة بهم في حين يظهرون لهم المودة كذلك يظنون بالمسلمين التربص بهم وإضمار البطش بهم على نحو ما قال أبو الطيب: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدَّق ما يعتاده من توهم ويجوز أن تكون الجملة بمنزلة العلة لِجملة ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ على هذا المعنى أيضاً.
ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً لِذكر حالة من أحوالهم تهُم المسلمين معرفتُها ليترتب عليها تفريع ﴿ فاحذرهم ﴾ وعلى كل التقادير فنظم الكلام واف بالغرض من فضح دخائلهم.
والتعريف في ﴿ العدو ﴾ تعريف الجنس الدال على معيّن كمال حقيقة العدوّ فيهم، لأن أعدى الأعادي العدوّ المتظاهر بالموالاة وهو مداح وتحت ضلوعه الداء الدوي.
وعلى هذا المعنى رتب عليه الأمر بالحذر منهم.
و ﴿ العدوّ ﴾ : اسم يقع على الواحد والجمع.
والمراد: الحذر من الاغترار بظواهرهم الخلابة لئلا يُخلص المسلمون إليهم بسرهم ولا يتقبلوا نصائحهم خشية المكائد.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليبلغه المسلمين فيحذروهم.
﴿ فاحذرهم قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى ﴾ .
تذييل فإنه جمع على الإِجمال ما يغني عن تعداد مذامّهم (كقوله ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ [النساء: 63]، مسوق للتعجيب من حال توغلهم في الضلالة والجهالة بعُدولهم عن الحق.
فافتتح التعجيب منهم بجملة أصلها دعاء بالإِهلاك والاستئصال ولكنها غلب استعمالها في التعجب أو التعجيب من سوء الحال الذي جرّهُ صاحبه لنفسه فإن كثيراً من الكَلم التي هي دعاء بسوء تستعمل في التعجيب من فعل أو قول مكروهٍ مثل قولهم: ثكلته أمهُ، ووَيلُ أمّه.
وتَربتْ يمينه.
واستعمال ذلك في التعجب مجاز مرسل للملازمة بين بُلوغ الحال في السوء وبين الدعاء على صاحبه بالهلاك، إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه، ثم الملازمةِ بين الدعاء بالهلاك وبين التعجب من سوء الحال.
فهي ملازمة بمرتبتين كنايةٌ رمزية.
و ﴿ أنَّى ﴾ هنا اسم استفهام عن المكان.
وأصل ﴿ أنَّى ﴾ ظرف مكان وكثر تضمينه معنى الاستفهام في استعمالاته، وقد يكون للمكان المجازي فيفسر بمعنى (كيفَ) كقوله تعالى: ﴿ قلتم أنى هذا ﴾ في سورة [آل عمران: 165]، وفي قوله: ﴿ أنَّى لهم الذكرى ﴾ في سورة [الدخان: 13].
ومنه قوله هنا أنى يؤفكون } ، والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب على وجه المجاز المرسل لأن الأمر العجيب من شأنه أن يستفهم عن حال حصوله.
فالاستفهام عنه من لوازم أعجوبته.
فجملة ﴿ أنى يؤفكون ﴾ بيان للتعجيب الإجمالي المفاد بجملة ﴿ قاتلهم الله ﴾ .
و ﴿ يؤفكون ﴾ يُصرفون يقال: أفَكَه، إذا صرفه وأبعده، والمراد: صرفهم عن الهدى، أي كيف أمكن لهم أن يصرفوا أنفسهم عن الهدى، أو كيف أمكن لمضلليهم أن يصرفوهم عن الهدى مع وضوح دلائله.
وتقدم نظير هذه الآية في سورة براءة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُنافِقُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ المُنافِقِ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ، وهُمُ اليَوْمَ شَرٌّ مِنهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، لِأنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَهُ وهُمُ اليَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.
﴿ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي نَحْلِفُ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَلِفِ بِالشَّهادَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحِلْفِ والشَّهادَةِ إثْباتٌ لِأمْرِ مُغَيَّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ أنَّهم يَشْهَدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اعْتِرافًا بِالإيمانِ ونَفْيًا لِلنِّفاقِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهو الأشْبَهُ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في غَزاةٍ وفِيها أعْرابٌ يَتَّبِعُونَ النّاسَ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَصْنَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ في كُلِّ يَوْمٍ طَعامًا، فاسْتَقى أعْرابِيٌّ ماءً في حَوْضٍ عَمِلَهُ مِن أحْجارٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ ابْنِ أُبَيٍّ بِناقَةٍ لِيَسْقِيَها مِن ذَلِكَ الماءِ فَمَنَعَهُ الأعْرابِيُّ واقْتَتَلا فَشَجَّهُ الأعْرابِيُّ، فَأتى الرَّجُلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أُبَيٍّ] ودَمُهُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، فَحَزَنَهُ، فَنافَقَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: ما لَهم رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى تَبالِ، وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ حَتّى يَتَفَرَّقَ عَنْهُ الأعْرابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ حَدَثًا، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَأتى عَمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ فَحَدَّثَهُ، فَبَعَثَ إلى ابْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِن أوَسَمِ النّاسِ وأحْسَنِهِمْ مَنطِقًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَحَلَفَ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُلْتُ مِن هَذا شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» .
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ أيْ إنْ نافَقَ مَن نافَقَكَ مَن عَلِمَ اللَّهُ بِأنَّكَ رَسُولُهُ فَلا يَضُرُّكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واَللَّهُ يُقْسِمُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أيْمانِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ واَللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فِيها.
﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً ﴾ والجُنَّةُ: الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ.
( إذا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً ∗∗∗ مِنَ المالِ سارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرٍ وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِنَ المَوْتِ ألّا يُصَلّى عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ نِفاقُهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: جُنَّةٌ تَدْفَعُ عَنْهم فَضِيحَةَ النِّفاقِ.
﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الإسْلامِ بِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْهُ.
الثّانِي: عَنِ الجِهادِ بِتَثْبِيطِهِمُ المُسْلِمِينَ وإرْجافِهِمْ بِهِ وتَمَيُّزِهِمْ عَنْهم، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أخافُ عَلَيْكم رَجُلَيْنِ: مُؤْمِنًا قَدِ اسْتَبانَ إيمانُهُ وكافِرًا قَدِ اسْتَبانَ كُفْرُهُ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكم مُنافِقًا يَتَعَوَّذُ بِالإيمانِ ويَعْمَلُ بِغَيْرِهِ.
﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ يَعْنِي حُسْنَ مَنظَرِهِمْ وتَمامَ خَلْقِهِمْ.
﴿ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي لِحُسْنِ مَنطِقِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: لِإظْهارِ الإسْلامِ وذِكْرِ مُوافَقَتِهِمْ.
﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَبَهُهم بِالنَّخْلِ القِيامِ لِحُسْنِ مَنظَرِهِمْ.
الثّانِي: [شَبَّهَهُمْ] بِالخُشُبِ النَّخِرَةِ لِسُوءِ مَخْبَرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ شَبَهُهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يَقْبَلُونَهُ، كَما لا تَسْمَعُهُ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ مُسَنَّدَةٌ ﴾ لِأنَّهم يَسْتَنِدُونَ إلى الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ.
﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لِوَجَلِهِمْ وخُبْثِهِمْ يَحْسُبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها - حَتّى لَوْ دَعا رَجُلٌ صاحِبَهِ أوْ صاحَ بِناقَتِهِ - أنَّ العَدُوَّ قَدِ اصْطَلَمَ وأنَّ القَتْلَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ كَلامٌ ضَمِيرُهُ فِيهِ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أنَّهم قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وعُلِمَ فَقالَ: ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها في المَسْجِدِ أنَّها عَلَيْهِمْ، وأنَّ النَّبِيَّ قَدْ أمَرَ فِيها بِقَتْلِهِمْ، فَهم أبَدًا وجِلُونَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ قالَ: ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ ﴾ حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فاحْذَرْهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاحْذَرْ أنْ تَثِقَ بِقَوْلِهِمْ وتَمِيلَ إلى كَلامِهِمْ.
الثّانِي: فاحْذَرْ مُمايَلَتَهم لِأعْدائِكَ وتَخْذِيلِهَمْ لِأصْحابِكَ.
﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: أيْ أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مَن قاتَلَهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قاهِرٌ لِكُلِّ مُعانِدٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ كَيْفَ يَضِلُّ عُقُولُهم عَنْ هَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدّة، فقال عبدالله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبدالله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم، وهو قوله: ﴿ خشب مسندة ﴾ قال: كانوا رجالاً أجمل شيء.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معنا ناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفض من حوله يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، وقال عبدالله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل، قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت، وكنا أخواله عبدالله فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله، فحلف وجحد فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فجاء إلى عمي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبك المسلمون، فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد قط، فبينما أنا أسير، وقد خففت برأسي من الهم إذا آتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عَرَكَ أذني وضحك في وجهي، فقال: ابشر ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ﴾ حتى بلغ ﴿ ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ .
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: «لما قال عبدالله بن أبيّ ما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، سمعته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فلامني ناس من الأنصار، وجاءهم يحلف ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل، فنمت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله صدقك وعذرك» ، فأنزلت هذه الآية ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ الآيتين.
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: لما قال ابن أبيّ ما قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء فحلف ما قال، فجعل ناس يقولون: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب حتى جلست في البيت مخافة إذا رأوني قالوا: هذا الذي يكذب، حتى أنزل الله: ﴿ هم الذين يقولون ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: كنت جالساً مع عبدالله بن أبيّ فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فقال عبدالله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت سعد بن عبادة فأخبرته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبدالله بن أبيّ، فحلف له عبدالله بن أُبيّ بالله ما تكلم بهذا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فقال سعد: يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام زيد بن أرقم، فجاء سعد فأخذ بيدي، فانطلق بي، فقال: هذا حدثني، فانتهرني عبدالله بن أبيّ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكيت وقلت: أي والذي أنزل النور عليك لقد قاله، وانصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإِيمان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ قال: حلفهم بالله إنهم لمنكم اجنوا بأيمانهم من القتل والحرب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ قال: اتخذوا حلفهم جنة ليعصموا بها دماءهم وأموالهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر كان مع كل رجل من أغنياء المؤمنين رجل من الفقراء يحمل له زاده وماءه، فكانوا إذا دنوا من الماء تقدم الفقراء فاستقوا لأصحابهم، فسبقهم أصحاب عبدالله بن أبيّ، فأبوا أن يخلوا عن المؤمنين، فحصرهم المؤمنون، فلما جاء عبدالله بن أبيّ نظر إلى أصحابه فقال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال: امسكوا عنهم البيع لا تبايعوهم.
فسمع زيد بن أرقم قول ابن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة، وقوله: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فأخبر عمه النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبيّ وأصحابه، فعجب من صورته وجماله، وهو يمشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: ﴿ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة ﴾ فعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبره حلف ما قاله، فذلك قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة وقالوا نشهد إنك لرسول الله ﴾ وذلك قوله: ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ﴾ وكل شيء أنزله في المنافقين فإنما أراد عبدالله ابن أبيّ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ﴾ قال: أقروا بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقلوبهم تأبى ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ قال: نخل قيام.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ قال الكلبي: يعني عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير كانت لهم أجسام ومنظر (١) قال زيد بن أرقم: كانوا رجالًا أجمل شيء (٢) وقال ابن عباس: يريد أن لهم أجسامًا ومناظر (٣) وقال مقاتل: كان عبد الله بن أبي جسيمًا صحيحًا فصيحًا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي - - قوله (٤) ﴿ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .
وقال الكلبي: وإن يقولوا إنك لرسول الله تسمع لقولهم فتحسب أنه حق وصدق منهم (٥) ثم شبههم فقال ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ ﴾ والاختيار في ﴿ خُشُبٌ ﴾ التخفيف (٦) قال الأخفش: ولغة أهل الحجاز التثقيل في ﴿ خُشُبٌ ﴾ وذلك نحو ثمرَ وثُمرُ، وقالوا: أسَدٌ بالتثقيل فيجمع أُسْدٌ.
أنشد المبرد: يقدم أقداما عليل كالأسد (٧) قال المفسرون: الخشب لا أرواح فيها فلا تعقل ولا تفهم، كذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلون وليس في أجوافهم إيمان لذلك شبههم بالخشب.
(٨) (٩) (١٠) (١١) قوله: ﴿ مُسَنَّدَةٌ ﴾ يقال: أسندت الشيء.
أي: أملته فاستند كالخشب يسند إلى الجدار، و ﴿ مُسَنَّدَةٌ ﴾ للتكثير (١٢) (١٣) (١٤) ثم عابهم بالجبن فقال ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ قال المفسرون: من الفرق والجبن لا يسمعون صوتًا إلا ظنوا أن قد أوتوا.
قال مقاتل: إن نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو نشدت ضالة ظنوا أنهم يرادون بذلك مما في قلوبهم من الرعب (١٥) (١٦) وقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: يحسبون أن كل من خاطب النبي - - فإنما يخاطبه في أمرهم بكشف نفاقهم (١٧) ثم أعلم رسوله بعداوتهم فقال: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ أىِ هم وإن كانوا معك يظهرون تصديقك أعداء لك فاحذرهم أن تأمنهم على سرك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار يلقون (١٨) قوله: ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مفسر في سورة براءة (١٩) (١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 348، و"التفسير الكبير" 30/ 14، ولم ينسباه لأحد.
(٢) "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ﴾ 6/ 191، و"فتح الباري" 8/ 647.
(٣) انظر.
"تنوير المقباس" 6/ 76، و"معالم التنزيل" 4/ 348.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 348، و"زاد المسير" 8/ 274.
(٥) انظر: "زاد المسير" 8/ 275.
(٦) قرأ أبو عمرو، والكسائي، وقنبل في رواية ابن مجاهد: (خُشْب) بضم الخاء وإسكان الشين، وقرأ الباقون ﴿ خُشُبٌ ﴾ بضم الخاء والشين.
انظر: "حجة القراءات" ص 709، و"النشر" 2/ 216، و"الإتحاف" ص 416.
وقال ابن جرير -رحمه الله- بعد تصويب القراءتين: وتسكين الأوسط فيما جاء من الجامع لأحكام القرآن فعلة على فعل في الأسماء على ألسن العرب أكثر وذلك كجمعهم البدنة بدنا، والآجمة أجما.
"جامع البيان" 28/ 70، قلت: إذا كان العرب في كلامهم على ما ذكر ابن جرير وأكثر القراء على خلاف ذلك فهذا مما يقوي قراءه الجمهور ويؤكد على صحتها عن رسول الله - - وإذا كان للترجيح مجال هنا فترجيح ما تعددت طرقه عن الرسول - - أولى.
والله أعلم.
(٧) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 291 - 292، و"اللسان" 1/ 832 (خشب).
ولم أجد البيت منسوبًا لقائل.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 155 سب، و"جامع البيان" 28/ 69، و"روح المعاني" 28/ 111.
(٩) في (ك): (أعلمهم).
(١٠) في (ك): (ترك).
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 176.
(١٢) انظر: "اللسان" 2/ 215 (سند).
(١٣) في (ك): (أثمار).
(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 15، ولم ينسبه لقائل.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 155/ ب، و"الكشف والبيان" 13/ 128/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 15، و"البحر المحيط" 8/ 272.
(١٦) في (ك): (ساعة).
وانظر: "جامع البيان" 28/ 69، و"التفسير الكبير" 30/ 15.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 176.
(١٨) في (ك): (يتلقون).
(١٩) عند "تفسيره" لآية (30) من سورة التوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ﴾ يعني أنهم حِسانُ الصور ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ يعني أنهم فصحاء الخطاب، والضمير في قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ﴾ وفي قوله: ﴿ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ : للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل مخاطب ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ شبههم بالخشب في قلة أفهامهم، فكان لهم منظر بلا مخبر، وقال الزمخشري: إنما شبههم بالخشب المسندة إلى حائط، لأن الخشب إذا كانت كذلك لم يكن فيها منفعة، بخلاف الخشب التي في سقف أو مغروسة في جدار؛ فإن فيها حينئذ منفعة.
فالتشبيه على هذا في عدم المنفعة، وقيل: كانوا يستندون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فشبههم في استنادهم بالخشب المسندة إلى الحائط ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ عبارة عن شدّة خوفهم من المسلمين، وذلك أنهم كانوا إذا سمعوا صياحاً ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقتلهم ﴿ قَاتَلَهُمُ الله ﴾ الدعاء عليهم يتضمن ذمَّمهم وتقبيح أحوالهم ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي كيف يصرفون عن الإيمان مع ظهوره.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ خشب ﴾ بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد ﴿ لووا ﴾ بالتخفيف: نافع وقالون ﴿ تعملون ﴾ على الغيبة: يحي وحماد.
الوقوف: ﴿ لرسول الله ﴾ ط م لئلا يوهم أن قوله ﴿ والله يعلم ﴾ من مقول المنافقين ﴿ لرسوله ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ط ﴿ أجسامهم ﴾ ط ﴿ لقولهم ﴾ ط ﴿ مسندة ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ فاحذرهم ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ ينفضوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ الأذل ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ عن ذكر الله ﴾ ط للشرط مع الواو ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ج ه لتعلق الجواب ﴿ الصالحين ﴾ ه ز ﴿ أجلها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله لأجل علمه بعدم المواطأة.
أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده.
وفائدة إقحام قوله ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم ﴿ إنك لرسول الله ﴾ كذب.
ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ".
وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون ﴿ بـ ﴾ سبب ﴿ أنهم آمنوا ﴾ باللسان ﴿ ثم كفروا ﴾ بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله فيستندون، فيه وكان النبي والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب.
ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط.
ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها.
قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له.
قوله ﴿ عليهم ﴾ ثاني مفعولي ﴿ يحسبون ﴾ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.
ثم أخبر عنهم بأنهم ﴿ هم العدو ﴾ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له.
ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون ﴿ هم العدو ﴾ المفعول الثاني و ﴿ عليهم ﴾ لغو.
وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر.
ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.
يروى أن رسول الله لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل.
فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب.
فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه.
ولما أنزل الله تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم.
أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها.
وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.
وعن الحسن بن علي أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.
وحينئذ عير المنافقين بما عير.
وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.
وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله .
وعن الحسن: جميع الفرائض.
وقيل: القرآن.
وقيل: الصلوات الخمس ﴿ يفعل ذلك ﴾ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين.
ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد.
وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ﴿ ولن يؤخر الله نفساً ﴾ والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل ﴿ فأصدّق وأكون ﴾ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن.
وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .
اختلفوا في تأويل قوله : ﴿ نَشْهَدُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ بمعنى: نقسم ونحلف.
وقال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ على ابتداء الشهادة.
فمن حمله على القسم قرأه ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ يعني: حلفهم، ومن حمله على الشهادة ابتداء قرأ: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ يعني: تصديقهم، ليس أنها قراءة واحدة فقرئت بلفظين، ولكنهما كانا جميعا فقرئت بالمعنيين جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
والإشكال أن كيف قال الله : ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وهم إنما قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، ومعلوم أن هذا القول منهم صدق، ولكن المعنى من هذا -والله أعلم- أنهم طعنوا فيما أظهروا من الخلاف والتكذيب عند غير رسول الله، فحسبوا أن رسول الله اطلع على صنيعهم فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ وأن ما بلغك منا من القول كذب وما قلناه، فأخبر الله أنهم لكاذبون فيما أخبروا أنهم ما قالوه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون معناه: إنا نشهد أن في قلوبنا إنك لرسول الله كما نظهره بألسنتنا، فأخبر الله أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم أن يكون المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر الله أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، والله أعلم.
ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول الله ولا يقولون ذلك، فكيف قال المنافقون ذلك؟!
فمعناه عندنا - والله أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة الله ورسوله امتحنهم الله بهذه المقالة.
ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما ءامنتم، وإذا لقوا المشركين قالوا: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ، فإذا لقوا رسول الله قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، والله أعلم.
ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول الله خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ كانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول الله فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، والله أعلم.
ثم قال هاهنا: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ ولم يقل (نشهد بالله)؛ لأن المعنى من هذا الحلفُ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون بالله ؛ فلذلك أجزئ بقوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ عن قول: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ﴿ فَصَدُّواْ ﴾ أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله والإيمان برسوله.
والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول الله ، وعن الإيمان.
وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر على الإيمان.
ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول الله، .
وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم.
والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول الله ورأوا أنهم لا يغلبون أبداً، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم [الكفار]، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك بمعنى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ فكذلك تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ .
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم.
وقولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ هو أنهم آمنوا ثم كفروا.
وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر، ولكنهم كانوا أقواما همتهم الدنيا وسعتها، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون، وإن رأوها مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر، والله المستعان.
وقوله: ﴿ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ .
الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم؛ فلا يرون بها الحق وحججه.
قال: ويجوز أن يجعل الله الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج والآيات.
أو يجوز أن يجعل الكفر كنّاً في قلبه؛ ليضيق؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر، وأيهما كان فذلك معنى الآية، يعني: أن اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه، والله أعلم.
قال الفقيه - - في قوله: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول الله، وإنما جاءه بعضهم، وكذلك في قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أن المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ في بعض التأويلات: نقسم، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة، وإنما ذلك من فعل الأجلة والرؤساء؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين، ثم ذكر الله ذلك البعض بصيغة الكل؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته، فإن كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه، وإن كان يوجب تخصيصه أجري على خصوصه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
يحتمل أن يكون معناه، أي: لا يفقهون؛ لأنه طبع على قلوبهم، وإلا لم يعرضوا عن الحق والآيات، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق، فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق، وجعلوا جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى يجازون فيه بأعمالهم، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به، ولم ينظروا إلى منافعهم ومضارهم، والله المستعان.
ويحتمل: أي: لا يفقهون عن الله ، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله واتباعه ويحتمل أي: لا يفقهون أنهم يتعبدون، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما فعلوا، ويجازيهم على جميع ذلك.
ثم قال هاهنا: ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ ، ولم يقل: (لا يعلمون)؛ لأن الفقه إنما هو الذي يعرف به الشيء بالشيء، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا.
وقال ابن الراوندي: الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره.
وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له أو لم يكن؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع، ومن عرف الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة، وليسا بنظيرين.
ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له، وظهوره بنفسه، والفقه يعرف بغيره استدلالا؛ ولذلك جاز أن يقال: الله عالم؛ لتجلي الأشياء له، ولم يجز أن يقال: إن الله فقيه؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال، والله الموفق.
والحكمة: وضع الأشياء موضعها، والإيقان: إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب؛ ولذلك جاز أن يقال: إن الله حكيم، ولم يجز أن يقال: إنه موقن، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .
في هذا بيان أن الله قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، وأنه قد آتاهم العلم؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم؛ فكأن الله ذكر نعمه التي آتاهم؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها، فكأنه يقول: كيف ترجو منهم حسن الصحبة لك، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين؟!
فيكون [له] بعض التسلي؛ لما اهتم رسول الله من سوء صنيعهم به، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .
يعني: وإن يقولوا تحسب قولهم حقّاً؛ فتسمع لقولهم لتقبله.
ويحتمل: تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته - - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى يفرغ منه، ثم قبله إن كان مما يجب قبوله، وغيره على صاحبه ورده إن كان مستحقّاً للتغيير عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ .
يقول: إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث يعجبك، وفيما يلقى إليهم من الحق والدين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة.
ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف لهم يوضع فيها الحكمة والدين والحق، والله أعلم.
وجائز أن يكون معناه: كأنهم خشب مسندة؛ من حيث إن الخشب المسندة، ليس لها أسماع ولا أبصار ولا قلوب، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق وقبوله، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم [و] تفضحهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ ، فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم، فكذلك يحسبون أن من كلم رسول الله فإنما تكلم بما يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم، والله المستعان.
والثاني: يحتمل أن يكون ذلك في الحرب: أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب خافوا أن يكون فيه هلاكهم، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على حدة، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حرباً للفريق الآخر، وإذا وافقوا الآخر صاروا حرباً لهؤلاء، فأخبر الله أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن يكون ذلك سبباً لهلاكهم.
ويحتمل أن يكون الله عاقبهم بالخوف الدائم؛ لتأميلهم الأمن من وجه لم يؤذنوا فيه؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكلٍّ؛ رجاء أمنهم، وكان جميع مقاصدهم في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من الأديان، وذلك غير مأذون فيه، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم، عاقبهم بالخوف الدائم إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم أو من الهلاك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ﴾ ، له أوجه من التأويل: أحدها: أن يقول: هم العدو، يعني: أنهم أدنى عدوكم؛ فاحذرهم في جميع أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ممن بعد ونأي.
أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب؛ فيحتالون به على هلاكك، أو يطلعون الكفرة على سرك.
أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك؛ لأنهم يغرون أصحابك عليك، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك.
وقوله: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ يعني: لعنهم.
وقوله: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن يقول: أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك، وقد أتيتهم بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم، وذلك لا يكون إلا عن الوحي.
أو يقول: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ يعني: أنى يكذبون؛ تقليدا لأولئك الكفرة من غير أن يظهر لهم في ذلك آية وحجة، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ .
ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين، وكذلك قوله : ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .
وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول المنافق؛ لأنه روي "أن رسول الله كان كلما قام يوم الجمعة قام عبد الله بن أُبيٍّ [ابنُ] سلول في ناحية المسجد، وقال: هذا رسول الله، فوقروه، وعظموه، حتى نزلت هذه السورة، فقال بمثل مقالته، فقال له عمر - -: اجلس يا كافر؛ فإن الله قد فضحك، قال: فخرج من المسجد قبل أن يصلي الجمعة، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء الجمعة، فأخبرهم عن القصة، فقالوا: ارجع إلى رسول الله وسله أن يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: ما لي إلى استغفاره حاجة" .
وروي "أنه لما قال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، ثم أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة، فحبسه ابنه وقال: لا أدعك تدخلها ما لم تقر أنك الأذل وأن رسول [الله] هو الأعز، فبلغ ذلك رسول الله فأمره أن يخلي عن أبيه، ثم قال له: إنك أولى أن تسمى: عبد الله بن أبيك" ، فسمى من بعد ذلك: عبد الله، وكان يسمى حباباً.
فهذان الخبران يدلان على أن هذه الآية إنما نزلت في واحد منهم، وظاهرها يدل على [أن] ذلك كان في جملة المنافقين.
ولكن الوجه في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يجوز أن يكون اعتقاد جملتهم على ذلك، فذكرهم الله ؛ لاعتقادهم عليه، وذلك أنهم كانوا أقواماً لا يؤمنون بالآخرة.
والاستغفار إنما هو طلب المغفرة، وذلك إنما يتحقق في الآخرة، فإذا كان على هذا أصل اعتقادهم جملة ذكرهم الله على ذلك؛ وكذلك قوله: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ كان عندهم أن الله إنما آتاهم العز والغناء والشرف؛ لفضيلة لهم على محمد ؛ فكانوا ينكرون عليه من ذلك الوجه، ثم إن الله قد ذكر في هذه الآية أنباء أنه قد كان آتاهم جميع ما به العز والشرف في الدنيا؛ ليمتحنهم بحقوق هذه النعم وتعظيمها وشكرها، وأنهم بلغوا في كل ذلك غاية ما عليه عمل الكفرة في سوء الصحبة بالنعم، وذلك أنه لما قال: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ ، دل أنه كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، ولما قال: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ ؛ دل أنه قد كان آتاهم الغناء، ولما قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ دل أنه قد كان آتاهم العز والشرف، ومعلوم أن هذه الأسباب التي وصفنا هي أسباب العز والشرف في الظاهر، ثم أخبر أنهم تركوا شكر ما أنعم عليهم في تعظيم الحق ولم يؤدوا شكره، وأنهم بلغوا في الباطن في كل شيء من ذلك غايته في سوء الصنع؛ لأنه دل بقوله : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ ﴾ على غاية البخل؛ حيث امتنع عن الإنفاق بنفسه، وأمر غيره ألا ينفق أيضاً وذلك في غاية البخل، ولما قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ، فكأنهم كانوا في الغفلة عن ذكر الله وقبول الموعظة غايته، ولما قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ دل أنهم كانوا في الاستخفاف به - حيث تركوا الإنصاف، وأخذوا سبيل الاعتساف والاستكبار عليه - غايته، ولما قال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ دل أنهم كانوا في سوء السريرة غايته.
قال: ويجوز أن يقع ذلك منهم لوجهين: أحدهما: أنهم رأوا ذلك حقّاً لهم على الله .
أو يروا أن الله آتاهم ذلك؛ تفضيلا لهم على غيرهم، فكانوا يتكبرون ويستعظمون على غيرهم، ويستخفون برسول الله لذلك الوجه، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن الله آتاهم جميع تلك النعم محنة عليهم، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها، وذلك معنى ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لا يستعملون النظر في هذه النعم، وذلك أنه لو لم يكن رسول الله، كان يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا، فإذا تفكروا في ذلك، ولم يجدوا لهم عند الله صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك، ولا لهم فضل يفضلهم الله به على غيرهم؛ فكان يتبين لهم أن الله إنما أعطاهم هذه النعم محنة؛ ليتعبدهم بأداء شكرها؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه: أن ما كان حقه التأمل والنظر، فحق اللفظ فيه أن يقال: يفقهون، ولا يفقهون، وما كان حق العلم به السماع والخبر، أطلق فيه لفظ (العلم)؛ ولذلك قال عند العزة والغلبة والنصر: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم يكن رسول الله .
وقوله: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك.
والثاني: يصدون ضعفتهم عن اتباعك.
وقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا؛ لأنه كان عندهم أنهم على الحق.
والثاني: ما قلنا: إنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، والمغفرة إنما تطلب من الله، ويتحقق ذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ .
على ذلك أيضاً أنه لا يغفر أَستغفرت أم لم تستغفر.
قال - رحمه الله -: ورسول الله - - كان لا يستغفر للمنافقين بعدما ظهر عنده نفاقهم، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لن يغفر الله لهم ما داموا على النفاق، ولم يتوبوا عنه.
والثاني: أن يقول: لن يغفر لهم في قوم علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون أبداً، فقال في أولئك: لن يغفر الله لهم؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ .
فيه أن الله يملك هداية وراء هداية البيان؛ لأن من لم يملك شيئاً لم يستقم أن يوصف بالتعظيم أنه لا يفعل؛ لأنه يعلم إذا لم يقدر ولم يملك لا يفعل، وإنما يوصف بهذا من يملك ذلك، ولكن لا يفعل، فلو لم يملك ولم يقدر خلق فعل الاهتداء فيمن أراد، لم يوصف بأنه لا يهدي الفاسقين؛ فدل أنه يملك هداية وراء هداية البيان، وهو خلق الاهتداء فيمن علم منه ذلك، والله الموفق.
وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ أي: لا يهديهم لفسقهم.
وقالت المعتزلة: أي: لا يسميهم مهتدين إذا فسقوا وضلوا.
وأيهما كان فهو محال؛ لأن من هدى ضالا لضلالته فهو سفيه، فكأنه يقول: لا يسفه: ومن سمى الضال: مهتديا فهو كاذب، فكأنه قال: لا يكذب، وهما جميعا غير مستقيم؛ لأنا نعلم أنه لا يسفه ولا يكذب، فثبت أن في ملكه هداية يهدي من يشاء من عباده سوى هداية البيان، وإذا ثبت ما وصفنا أن في ملكه هداية سوى هداية البيان، ثبت أن له فيها مشيئة؛ لأن من ملك سبباً لم يجز أن يقطع عنه سببه؛ فلذلك قلنا: إن الله يضل من يشاء من عباده لمن علم أنه يؤثر الضلال ويختاره على الهدى، ويهدي من يشاء لمن علم أنه يؤثر الهدى على الضلالة؛ فيهديه لذلك ويوفقه ويسدده، والله المستعان.
وقوله : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ .
قد وصفنا أن هذا من غاية بخلهم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ دلالة أنهم أرادوا إطفاء هذا النور وإخفاءه، فأبى الله إلا إظهاره.
وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
يبسطها على المنافقين؛ ليمتحنهم بالإنفاق على المؤمنين.
أو لله خزائن السماوات والأرض يضيقها على المؤمنين؛ ليمتحنهم بالصبر في حال الضيق.
أو يجوز أن يكون هذا بشارة للمؤمنين بأن الله يوسع عليهم الدنيا بعدما ضاقت، وقد جعل حيث فتح لهم الفتوح وآتاهم النصر والغلبة على أعدائهم، والله أعلم.
وقوله -تعالى-: ﴿ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .
الأعز قد يحتمل معاني: أحدها: الأغلب، وإلا فهو على مثال قوله: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: غلبني في الخصومة.
والثاني: الأقوى والأشد، على مثال قوله -تعالى-: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يعني: أقوياء وأشداء.
والثالث: الأعلى الأجل، وكذلك قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج، والكفار اتبعوا أهواءهم.
وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم.
وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعاً؛ ولذلك قال ذلك المنافق: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبداً؛ فأظهر النفاق، وقال عند ذلك: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا رأيتهم -أيها الناظر- تعجبك هيئاتهم وأشكالهم؛ لما هم فيه من النضارة والنعيم، وإن يتكلموا تسمع لكلامهم لما فيه من البلاغة، كأنهم في مجلسك -أيها الرسول- خُشب مُسَنَّدة، لا يفهمون شيئًا ولا يعونه، يظنون كل صوت يستهدفهم لما فيهم من الجبن، هم العدوّ حقًّا، فاحذرهم -أيها الرسول- أن يفشوا لك سرًّا أو يكيدوا لك مكيدة، لعنهم الله، كيف يُصْرَفون عن الإيمان مع وضوح دلائله، وجلاء براهينه؟!
من فوائد الآيات وجوب السعي إلى الجمعة بعد النداء وحرمة ما سواه من الدنيا إلا لعذر.
تخصيص سورة للمنافقين فيه تنبيه على خطورتهم وخفاء أمرهم.
العبرة بصلاح الباطن لا بجمال الظاهر ولا حسن المنطق.
<div class="verse-tafsir" id="91.wX52l"