الآية ٥ من سورة المنافقون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 63 المنافقون > الآية ٥ من سورة المنافقون

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة المنافقون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة المنافقون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المنافقين - عليهم لعائن الله - أنهم ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ) أي : صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارا عن ذلك ، واحتقارا لما قيل لهم ولهذا قال : ( ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم لووا رءوسهم، يقول حرّكوها وهزّوها استهزاء برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وباستغفاره وبتشديد الواو من ( لَوَّوْاْ ) قرأت القرّاء على وجه الخبر عنهم أنهم كرّروا هز رءوسهم وتحريكها، وأكثروا، إلا نافعًا فإنه قرأ ذلك بتخفيف الواو ( لَوَوْا ) على وجه أنهم فعلوا ذلك مرّة واحدة.

والصواب من القول في ذلك قراءة من شدّد الواو لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: ( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: ورأيتهم يُعْرضون عما دُعوا إليه بوجوههم ( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) يقول وهم مستكبرون عن المصير إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليستغفر لهم، وإنما عُنِي بهذه الآيات كلها فيما ذُكر، عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وذلك أنه قال لأصحابه: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ فسمع بذلك زيد بن أرقم، فأخبر به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فدعاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فسأله عما أخبر به عنه، فحلف أنه ما قاله، وقيل له: لو أتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فسألته أن يستغفر لك، فجعل يلوي رأسه ويحرّكه استهزاء، ويعني ذلك أنه غير فاعل ما أشاروا به عليه، فأنـزل الله عزّ وجلّ فيه هذه السورة من أوّلها إلى آخرها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وجاءت الأخبار.

* ذكر الرواية التي جاءت بذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا إسرائيل، عن أَبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: " خرجت مع عمي في غزاة، فسمعت عبد الله بن أُبيّ ابن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذلّ؛ قال: فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأرسل إليّ، فحدثته، فأرسل إلى عبد الله عليًّا رضي الله عنه وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، قال: فكذّبني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وصدّقه، فأصابني همّ لم يصبني مثله قطّ؛ فدخلت البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذّبك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومقتك، قال: حتى أنـزل الله عزّ وجلّ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قال: فبعث إليّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقرأها، ثم قال: " إن الله عزَّ وَجَلَّ قَدْ صَدَّقَكَ يا زيد ".

حدثنا أبو كُرَيْب والقاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا يحيى بن بكير ، قال: ثنا شعبة، قال الحكم: أخبرني، قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ قال: سمعت زيد بن أرقم قال: لما قال عبد الله بن أُبيّ ابن سلول ما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قال: سمعته فأتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فذكرت ذلك، فلاقى ناس من الأنصار، قال: وجاء هو فحلف ما قال ذلك، فرجعت إلى المنـزل فنمت قال: فأتاني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أو بلغني ، فأتيت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: " إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ صَدَّقَكَ وَعَذَرَكَ" قال: فنـزلت الآية هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ...

الآية.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هاشم أبو النضر، عن شعبة، عن الحكم، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، قال : سمعت زيد بن أرقم يحدّث بهذا الحديث.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم، قال: " كنا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوة، فقال عبد الله بن أُبيّ ابن سلول لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ قال: فأتيت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبرته، فحلف عبد الله بن أُبيّ إنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا : ما أردتّ إلى هذا، قال: فانطلقت فنمت كئيبًا أو حزينًا، قال: فأرسل إليّ نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، أو أتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: " إنَّ الله قَدْ أنـزلَ عُذْرَكَ وَصَدَّقَكَ"، قال: ونـزلت هذه الآية: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ...

حتى بلغ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أَبي عديّ، قال: أخبرني ابن عون، عن محمد، قال: " سمعها زيد بن أرقم فرفعها إلى وليه، قال: فرفعها وَليه إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال: فقيل لزيد: وَفَتْ أذنك ".

حدثنا أحمد بن منصور الرّمَادي، قال: ثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، قال: ثني أبي، قال: ثني بشير بن مسلم " أنه قيل لعبد الله بن أُبيّ ابن سلول: يا أبا حباب إنه قد أنـزل فيك آي شداد، فأذهب إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فأعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة "( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا ) ...

الآية كلها قرأها إلى الْفَاسِقِينَ أنـزلت في عبد الله بن أُبيّ، وذلك أن غلامًا من قرابته انطلق إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فحدّثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فإذا هو يحلف ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام، فلاموه وعَذَلوه وقيل لعبد الله: لو أتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فجعل يلوي رأسه: أي لستُ فاعلا وكذب عليّ، فأنـزل الله ما تسمعون ".

حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ) قال: عبد الله بن أُبَيّ، قيل له: تعالَ ليستغفر لك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال له قومه: لو أتيت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنـزلت فيه ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرونقوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لما نزل القرآن بصفتهم [ ص: 117 ] مشى إليهم عشائرهم وقالوا : افتضحتم بالنفاق فتوبوا إلى رسول الله من النفاق ، واطلبوا أن يستغفر لكم .

فلووا رءوسهم ; أي حركوها استهزاء وإباء ; قاله ابن عباس .

وعنه أنه كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبب يحض على طاعة الله وطاعة رسوله ; فقيل له : وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم غضبان فأته يستغفر لك ; فأبى وقال : لا أذهب إليه .

وسبب نزول هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق على ماء يقال له " المريسيع " من ناحية " قديد " إلى الساحل ، فازدحم أجير لعمر يقال له : " جهجاه " مع حليف لعبد الله بن أبي يقال له : " سنان " على ماء " بالمشلل " ; فصرخ جهجاه بالمهاجرين ، وصرخ سنان بالأنصار ; فلطم جهجاه سنانا فقال عبد الله بن أبي : أوقد فعلوها !

والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز - يعني أبيا - الأذل ; يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .

ثم قال لقومه : كفوا طعامكم عن هذا الرجل ، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه .

فقال زيد بن أرقم - وهو من رهط عبد الله - أنت والله الذليل المنتقص في قومك ; ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة من المسلمين ، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا .

فقال عبد الله : اسكت إنما كنت ألعب .

فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ، فأقسم بالله ما فعل ولا قال ; فعذره النبي صلى الله عليه وسلم .

قال زيد : فوجدت في نفسي ولامني الناس ; فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله .

فقيل لعبد الله : قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لك ; فألوى برأسه ، فنزلت الآيات .

خرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه .

وقد تقدم أول السورة .

وقيل : " يستغفر لكم " يستتبكم من النفاق ; لأن التوبة استغفار .ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن الإيمان .

وقرأ نافع " لووا " بالتخفيف .

وشدد الباقون ; واختاره أبو عبيد وقال : هو فعل لجماعة .

النحاس : وغلط في هذا ; لأنه نزل في عبد الله بن أبي لما قيل له : تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم - حرك رأسه استهزاء .

فإن قيل : كيف أخبر عنه بفعل الجماعة ؟

قيل له : العرب تفعل هذا إذا كنت عن الإنسان .

أنشد سيبويه لحسان :ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم وفينا رسول عنده الوحي واضعهوإنما خاطب حسان ابن الأبيرق في شيء سرقه بمكة .

وقصته مشهورة .

وقد يجوز أن يخبر عنه وعمن فعل فعله .

وقيل : قال ابن أبي لما لوى رأسه : أمرتموني أن أومن فقد آمنت ، وأن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت ; فما بقي إلا أن أسجد لمحمد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا قِيلَ } لهؤلاء المنافقين { تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ } عما صدر منكم، لتحسن أحوالكم، وتقبل أعمالكم، امتنعوا من ذلك أشد الامتناع، و { لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ } امتناعًا من طلب الدعاء من الرسول، { وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } عن الحق بغضًا له { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } عن اتباعه بغيًا وعنادًا، فهذه حالهم عندما يدعون إلى طلب الدعاء من الرسول، وهذا من لطف الله وكرامته لرسوله، حيث لم يأتوا إليه، فيستغفر لهم،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ) أي عطفوا وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار .

قرأ نافع ويعقوب " لووا " بالتخفيف ، وقرأ الآخرون بالتشديد ، لأنهم فعلوه مرة بعد مرة .

( ورأيتهم يصدون ) يعرضون عما دعوا إليه ، ( وهم مستكبرون ) متكبرون عن استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم تعالوا» معتذرين «يستغفر لكم رسول الله لوّوا» بالتشديد والتخفيف عطفوا «رؤوسهم ورأيتهم يصدون» يعرضون عن ذلك «وهم مستكبرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: أقبلوا تائبين معتذرين عمَّا بدر منكم من سيِّئ القول وسفه الحديث، يستغفر لكم رسول الله ويسأل الله لكم المغفرة والعفو عن ذنوبكم، أمالوا رؤوسهم وحركوها استهزاءً واستكبارًا، وأبصرتهم -أيها الرسول- يعرضون عنك، وهم مستكبرون عن الامتثال لما طُلِب منهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى ، لا تقل فى قبحها وبشاعتها عن سابقتها فقال - تعالى - : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ .

.

.

) .قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، فصلها الإمام ابن كثير - رحمه الله - فقال ما ملخصه :وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق نزل فى عبد الله بن أبى بن سلول وأتباعه ، فقد ذكر محمد بن إسحاق ، أنه لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد غزوة أحد ، قام عبد الله بن أبى ، والرسول - صلى الله عيه وسلم - يخطب للجمعة ، فقال : أيها الناس ، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمكم الله به .

.

.

فأخذ بعض المسلمين بثيابه من نواحيه وقالوا له : اجلس يا عدو الله ، لست لهذا المقام بأهل ، وقد صنعت ما صنعت - يعنون مرجعه بثلث الناس دون أن يشتركوا فى غزوة أحد - .فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بَجْرًا - أى : أمرا منكرا - أن قمت أشدد أمره .فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد ، فقالوا له : ويلك ، مالك؟

ارجع للنبى يستغفر لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : والله ما أبتغى أن يستغفر لى .وفى رواية أنه قيل له : لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألته أن يستغفر لك ، فجعل يلوى رأسه ويحركه استهزاء .ثم قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - ما ملخصه : وذكر ابن إسحاق فى حديثه عن غزوة بنى المصطلق - وكانت فى شعبان من السنة الخامسة من الهجرة - " أن غلاما لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - اسمه الجهجاه بن سعيد الغفارى تزاحم على ماء مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وَبْر .

.

.فقال سنان : يا معشر الأنصار ، وقال الجهجاه : يا معشر المهاجرين .

فغضب عبد الله بن أبى - وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم - وقال : أو قد فعلوها؟!!

قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا .

والله ما مثلنا وجلابيب قريش - يعنى المهاجرين - إلا كما قال القائل : " سمن كلبك يأكلك " والله لئن رجعنا إلى المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل .فذهب زيد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر .فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ، مر عباد بن بشر فليضرب عنق عبد الله بن أبى بن سلول .فقال - صلى الله عليه وسلم - : فكيف إذا الناس تحدث يا عمر ، أن محمدا يقتل أصحابه؟

لا ، ولكن ناد يا عمر فى الناس بالرحيل .فلما بلغ عبد الله بن أبى أن ذلك قد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه فاعتذر إليه ، وحلف بالله ما قال الذى قاله عنه زيد بن أرقم .

.وراح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهجرا فى ساعة كان لا يروح فيها ، فلقيه أسيد بن الحضير ، فقال له : يا رسول الله ، لقد رحت فى ساعة ما كنت تروح فيها .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما بلغك ما قال صاحبك بن أبى؟

زعم أنه إذا قدم المدينة أنه سَيُخْرِجُ الأعزُّ منها الأذلَّ .فقال أسيد : فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل .وإنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هذا الوقت الذى لم يتعود السفر فيه ، ليشغل الناس عن الحديث ، الذى كان من عبد الله بن أبى " .قال ابن إسحق : ونزلت سورة المنافقين فى ابن أبىّ وأتباعه ، فلما نزلت أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد بن أرقم ثم قال : " هذا الذى أوفى الله بأذنه " .وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى زيد فقرأها عليه ثم قال : " إن الله قد صدقك " ثم قال ابن إسحاق : وبلغنى أن عبد الله بن عبد الله بن أبى بلغه ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : " يا رسول الله بلغنى أنك تريد قتل أبى .

.

.

فإن كنت فاعلا ، فمرنى به ، فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى ، وإنى أخشى أن تأمر غيرى بقلته ، فلا تدعنى نفسى أن أرى قاتل أبى يمشى على الأرض فأقتله ، فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر ، فأدخل النار .فقال - صلى الله عليه وسلم - : " بل نترفق به ونحسن صحبته ، ما بقى معنا " " .وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما : أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة ، وقف عبد الله بن عبد الله بن أبى على باب المدينة ، واستل سيفه ، فجعل الناس يمرون عليه ، فلما جاء أبوه قال له : وراءك فقال له أبوه : ويلك مالك؟

فقال : والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه العزيز وأنت الذليل .فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يسير فى مؤخرة الجيش شكا إليه عبد الله بن أبى ما فعله ابنه عبد الله معه .فقال ابنه : والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له .

فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .فقال عبد الله لأبيه : أما إذ أذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجز الآن .والآن وبعد ذكر جانب من هذه الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات ، نعود إلى تفسيرها فنقول وبالله التوفيق .قوله - تعالى - : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ) بيان لصفة أخرى من صفات المنافقين ، تدل على عنادهم وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم .والقائل لهم : ( تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله ) جماعة من المؤمنين ، على سبيل النصح لهؤلاء المنافقين لعلهم يقلعون عن كفرهم وفجورهم .والمراد باستغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم : توبتهم من ذنوبهم ، وتركهم لنفاقهم ، وإعلان ذلك أمامه - صلى الله عليه وسلم - لكى يدعو الله - تعالى - لهم بقبول توبتهم .وقوله : ( لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ) من اللى بمعنى الإمالة من جانب إلى آخر ، يقال : لوى فلان رأسه ، إذا أمالها وحركها ، وهو كناية عن التكبر والإعراض عن النصيحة .أى : وإذ قال قائل لهؤلاء المنافقين : لقد نزل فى شأنكم ما نزل من الآيات القرآنية التى تفضحكم .

.

.

فتوبوا إلى الله توبة نصوحا ، وأقلعوا عن نفاقكم ، وأقبلوا نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم ، لكى يستغفر الله - تعالى - لكم ، بأ يلتمس منه قبول توبتكم .

.

ما كان من هؤلاء المنافقين ، إلا أن تكبروا ولجوا فى طغيانهم ، وأمالوا رءوسهم استهزاء وسخرية ممن نصحهم .( وَرَأَيْتَهُمْ ) أيها المخاطب ( يَصُدُّونَ ) أى : يعرضون عن النصيحة ( وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) عن قبولها ، لانطماس بصائرهم ، وإصرارهم على ما هم فيه من باطل وجحود للحق .قال الآلوسى ما ملخصه : روى أنه لما صدق الله - تعالى - زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبى ، مقت النسا ابن أبى ، وقال له بعضهم : امض إلى رسول الله - صلى الله عيه وسلم - واعترف بذنبك ، يستغفر لك ، فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأى ، وقال لهم : لقد أشرتم على بالإيمان فآمنت ، وأشرتم على بأن أعطى زكاة مالى فأعطيت .

.

.

ولم يبق لكم إلا أن تأمرونى بالسجود لمحمد - صلى الله عليه وسلم - .وفى حديث أخرجه أحمد والشيخان .

.

.

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاهم ليستغفر لهم ، فلووا رءوسهم .وقوله : ( يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ .

.

) مجزوم فى جواب الأمر ، وهو قوله : ( تَعَالَوْاْ ) وقوله : ( لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ) جواب ( إِذَا ) .والتعبير بقوله : ( تَعَالَوْاْ ) تتضمن إرادة تخليص هؤلاء المنافقين مما هم فيه من ضلال ، وإرادة ارتفاعهم من انحطاط هم فيه إلى علو يدعون إليه ، لأن الأصل فى كل " تعالى " أن يقولها من كان فى مكان عال ، لمن هو أسفل منه .والتعبير بقوله - تعالى - ، ( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) يرسم صورة بغيضة لهم وهم يتركون دعوة الناصح لهم ، بعناد وتكبر وغرورهم ، وبراهم الرائى بعينه وهم على تلك الصورة المنكرة ، التى تدل على جهالاتهم وإعراضهم عن كل خير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ ﴾ يعني عبد الله بن أبي، ومغيث بن قيس، وجد بن قيس، كانت لهم أجسام ومنظر، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها، وكان عبد الله بن أبي جسيماً صبيحاً فصيحاً، وإذا قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ أي ويقولوا: إنك لرسول الله تسمع لقولهم، وقرئ يسمع على البناء للمفعول، ثم شبههم بالخشب المسندة، وفي الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد، والتثقيل كذلك كثمرة وثمر، وخشبة وخشب، ومدرة ومدر.

وهي قراءة ابن عباس، والتثقيل لغة أهل الحجاز، والخشب لا تعقل ولا تفهم، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم، والاستبصار بمنزلة الخشب.

وأما المسندة يقال: سند إلى شيء، أي مال إليه، وأسنده إلى الشيء، أي أماله فهو مسند، والتشديد للمبالغة، وإنما وصف الخشب بها، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو وتثمر بوجه ما، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به، فقال: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو ﴾ وقال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر، وانفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلاً ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة، ثم أعلم (الله) رسوله بعداوتهم فقال: ﴿ هُمُ العدو فاحذرهم ﴾ أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى: ﴿ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك، و ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله ﴾ قال الكلبي: لما نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا: لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فنزلت، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي، وجعل يلوي رأسه فنزلت.

وعند الأكثرين، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الاذل  ﴾ وقال: ﴿ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله  ﴾ فقيل له: تعال يستغفر لك رسول الله فقال: ماذا قلت: فذلك قوله تعالى: ﴿ لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ لَوَّوْاْ ﴾ بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد تجعل جمعاً والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير: لا بارك الله فيمن كان يحسبكم *** إلا على العهد حتى كان ما كانا وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ قال قتادة: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين» فأنزل الله تعالى: ﴿ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ قال ابن عباس: المنافقين، وقال قوم: فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية البيان، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك، وقيل: معناه لا يهديهم لفسقهم وقالت المعتزلة: لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية مباحث: البحث الأول: لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها؟

نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى: قال في الكشاف: شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير، بالخشب المسندة إلى الحائط، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم، وقلة جداوهم الثانية: الخشب المسندة في الأصل كانت غصناً طرياً يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها، ثم تصير غليظة يابسة، والكافر والمنافق كذلك كان في الأصل صالحاً لكذا وكذا، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة: الكفرة من جنس الإنس حطب، كما قال تعالى: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ والخشب المسندة حطب أيضاً الرابعة: أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة، والآخر إلى جهة أخرى، والمنافقون كذلك، لأن المنافق أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام الخامسة: المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات والنباتات، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك، وإذا كانوا من المشركين إذ هو الأصنام، إنها من الجمادات أو النباتات.

الثاني: من المباحث أنه تعالى شبهم بالخشب المسندة، ثم قال من بعد ما ينافي هذا التشبيه وهو قوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو ﴾ والخشب المسندة لا يحسبون أصلاً، نقول: لا يلزم أن يكون المشبه والمشبه به يشتركان في جميع الأوصاف، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها.

الثالث: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ ولم يقل: القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره؟

نقول: كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله: ﴿ الفاسقين ﴾ أي الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ ﴾ عطفوها وأما لوها إعراضاً عن ذلك واستكباراً.

وقرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ عَطَفُوها إعْراضًا واسْتِكْبارًا عَنْ ذَلِكَ، وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الواوِ.

﴿ وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ يُعْرِضُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ.

﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنِ الِاعْتِذارِ.

﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ لِرُسُوخِهِمْ في الكُفْرِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ الخارِجِينَ عَنْ مَظِنَّةِ الِاسْتِصْلاحِ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ والنِّفاقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ} عطفوها وأمالوها إعراضاً عن ذلك واستكبارا الواوا بالتخفيف نافع {ورأيتهم يصدون وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن الاعتذار والاستغفار رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جهجاه ابن سعيد أجير لعمر وسنان الجهني حليف لابن ابي واقتتلا فصرخ جهجاه للمهاجرين وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها من فقراء المهاجرين ولطم سنان فقال عبد الله الجعال وأنت هناك وقال ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلما إلا كما قال سمن كلبك يأكلك وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل عني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لقومه والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم فلا تنفقوا عليه ينفضوا من حول محمد بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ومحمد على رأسه تاج المعراج في عز من الرحمن وقوة من المسلمين فقال عبد الله اسكت فإنما كنت ألعب فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله فقال إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصارينا قال فكيف اذا تحد الناس

أن محمدا يقتل اصحابه وقال عليه الصلاة السلام لعبد الله أنت صاحب الكلام الذي بلغني قال والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك وإن زيداً لكاذب فهو قوله اتخذوا أيمانهم جُنَّةً فقال الحاضرون يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكن قد وهم فلما نزلت قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين فلما بان كذب عبد الله قيل له نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فلوى رأسه فقال أمرتموني أن اؤمن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت وما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد فنزل واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسو لالله ولم يلبث إلا أياماً حتى اشتكى ومات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ أيْ عَطَفُوها وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والإعْراضِ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿ ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ يُعْرِضُونَ عَنِ القائِلِ أوْ عَنِ الِاسْتِغْفارِ ﴿ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنْ ذَلِكَ.

رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا صَدَّقَ اللَّهُ تَعالى زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِ ابْنِ أُبَيٍّ مَقَتَ النّاسُ ابْنَ أُبَيٍّ ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مِن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضُهم لَهُ: امْضِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ فَلَوى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَّأْيِ، وقالَ لَهم: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُّجُودِ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «تُبْ» فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ إلَخْ»، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدٍ بَعْدَ نَقْلِ القِصَّةِ إلى أنْ قالَ: «حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقِيَ في ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ ﴾ ما نَصُّهُ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم فَلَوَوْا رُؤُوسَهم»، فَجَمْعُ الضَّمائِرِ: إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مِن بابِ بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإذا عَلى ما مَرَّ، ويَسْتَغْفِرْ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، ورَسُولُ اللَّهِ فاعِلٌ لَهُ، والكَلامُ عَلى ما في البَحْرِ مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّ رَسُولُ اللَّهِ يَطْلُبُهُ عامِلانِ: يَسْتَغْفِرْ وتَعالَوْا فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ ولَوْ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ تَعالَوْا يُسْتَغْفَرْ لَكم إلى رَسُولِ اللَّهِ، وجُمْلَةُ ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وأتَتْ بِالمُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، ومِثْلُها في الحالِيَّةِ جُمْلَةُ ﴿ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ ونافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والمُفَضَّلُ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ والحَسَنِ ويَعْقُوبَ - بِخِلافٍ عَنْهُما - «لَوَوْا» بِتَخْفِيفِ الواوِ، والتَّشْدِيدُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ لِلتَّكْثِيرِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إذا حرف من حروف التوقيت، وجوابه قوله: فَاحْذَرْهُمْ وهذا إعلام من الله تعالى بنفاقهم وكذبهم وغرورهم.

قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ يعني: يقولون ذلك بلسانهم دون قلوبهم.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ من غير قولهم.

وَاللَّهُ يَشْهَدُ يعني: يبيِّن إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ يعني: إنهم مصدقون في قولهم، ولكنهم كاذبون بأنهم أرادوا به الإيمان.

ثم قال عز وجل: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يعني: حلفهم جُنَّة من القتل، وقرأ بعضهم: اتخذوا إيمانهم بكسر الألف، يعني: اتخذوا إظهارهم الإسلام وتصديقهم ستراً.

لأنفسهم، وقراءة العامة: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ بالنصب يعني: استتروا بالحلف.

وكلما ظهر نفاقهم، حلفوا كاذبين.

ثم قال: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: صرفوا الناس عن دين الله وهو الإسلام.

إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بئس ما كانوا يعملون، حيث أظهروا الإيمان وأسروا الكفر، وصدوا الناس عن الإيمان.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني: ذلك الحلف وصرف الناس عن الإيمان بأنهم آمَنُوا يعني: أقروا باللسان علانية، ثُمَّ كَفَرُوا يعني: كفروا في السر.

فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر، فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ الهدى ولا يرغبون فيه.

قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ يعني: المنافقين، تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، كان رجلاً جسيماً فصيحاً يعني: يعجبك منظرهم وفصاحتهم.

وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يعني: تصدقهم فتحسب أنهم محقون.

كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، قال مقاتل: فيها تقديم، يقول: كأن أجسامهم خشب مسندة بعضها على بعض قائماً، وإنها لا تسمع ولا تعقل، ويقال: خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يعني: خشب أسند إلى الحائط، ليس فيها أرواح، فكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلون.

قرأ الكسائي، وأبو عمرو، وابن كثير في إحدى الروايتين كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ بجزم الشين، والباقون بالضم، ومعناهما واحد، وهو جماعة الخشب.

فوصفهم بتمام الصور، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم بمنزلة الخشب.

ثم قال: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، فوصفهم بالجبن أي: كلما صاح صائح، ظنوا أن ذلك لأمر عليهم ويقال: إن كل من خاطب النبيّ  ، كانوا يخافون ويظنون أنه مخاطب يخاطبه في أمرهم، وكشف نفاقهم.

ثم أمر أن يحذرهم، وبيّن أنهم أعداؤه فقال: هُمُ الْعَدُوُّ يعني: هم أعداؤك، فَاحْذَرْهُمْ ولا تأمن من شرهم.

ثم قال: قاتَلَهُمُ اللَّهُ يعني: لعنهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: من أين يكذبون؟

ويقال: من أين يصرفون عن الحق؟.

ثم قال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ يعني: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وأعرضوا عنه.

وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول قيل له: يا أبا الحباب قد أنزل فيك آي: شداد، فاذهب إلى رسول الله  يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن، فقد آمنت.

وامرتموني أن أعطي زكاة مالي، فقد أعطيت.

وما بقي إلا أن أسجد لمحمد  .

قرأ نافع لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ بالتخفيف، والباقون بالتشديد.

ومن قرأ بالتخفيف، فهو من لوى يلوي ومن قرأ بالتشديد، فهو للتكثير.

ثم قال: وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ يعني: يعرضون عن الاستغفار مستكبرين عن الإيمان في السر.

ثم أخبر: أن الاستغفار لا ينفعهم، ما داموا على نفاقهم، فقال: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، لأنهم منافقون.

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعني: لا يرشدهم إلى دينه، لأنهم لا يرغبون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:

امض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.

وقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ...

الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.

وقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،

والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.

وقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته.

وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣» ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤» ، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥» : «وَأَكُونَ» ، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا سَبَبَهُ في نُزُولِ السُّورَةِ ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: "لَوَوْا" بِالتَّخْفِيفِ.

واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ التَّشْدِيدَ.

وقالَ: لِأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ لَوى رَأْسَهُ، قالَ: ماذا قُلْتُ؟

وقالَ مُقاتِلٌ: عَطَفُوا رُؤُوسَهم رَغْبَةً عَنِ الِاسْتِغْفارِ.

وقالَ الفَرّاءُ: حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً بِالنَّبِيِّ وبِدُعائِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ.

﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُتَكَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ لَهم لا يَنْفَعُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( آسْتَغْفَرْتَ ) بِالمَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ.

و ﴿ يَنْفَضُّوا ﴾ بِمَعْنى: يَتَفَرَّقُوا.

﴿ وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خَزائِنُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرْضِ: النَّباتُ.

والمَعْنى: أنَّهُ هو الرَّزّاقُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ، لا أُولَئِكَ، ﴿ وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رازِقُهم في حالِ إنْفاقِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِمْ ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا ﴾ مِن هَذِهِ الغَزْوَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها وهَذا قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ ﴾ يَعْنِي: نَفْسَهُ، وعَنى بِـ ﴿ الأذَلَّ ﴾ رَسُولَ اللَّهِ  .

وقَرَأ الحَسَنُ: ( لَنُخْرِجَنَّ ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، ( الأعَزَّ ) بِنَصْبِ الزّايِ [والأذَلَّ مَنصُوبٌ] عَلى الحالِ [بِناءً عَلى جَوازِ تَعْرِيفِ الحالِ، أوْ زِيادَةِ "ألْ" فِيهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ "مِثْلَ"] .

المَعْنى: لِنُخْرِجَنَّهُ ذَلِيلًا عَلى أيِّ حالِ ذُلٍّ.

والكُلُّ نَصَبُوا "الأذَلَّ" فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ وَلِلَّهِ العِزَّةُ ﴾ وهِيَ: المَنعَةُ والقُوَّةُ ﴿ وَلِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بِإعْزازِ اللَّهِ ونَصْرِهِ إيّاهم ﴿ وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ فَقالَ النَبِيُّ  : أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟

واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ  فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ  عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ  زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ  واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا.

و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ.

وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ  ﴾ قالَ رَسُولُ اللهِ  : "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ  : « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ.

وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ.

و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ  ﴾ ، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟

فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ.

وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ".

ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ  ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ  العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا حالهم في العناد ومجافاة الرسول صلى الله عليه وسلم والإِعراض عن التفكر في الآخرة، بَلْهَ الاستعداد للفوز فيها.

و ﴿ تعالوا ﴾ طَلَب من المخاطب بالحضور عند الطالب، وأصله فِعل أمر من التَعالي، وهو تكلف العُلو، أي الصعود، وتنوسي ذلك وصار لمجرد طلب الحضور، فلزم حالة واحدة فصار اسم فِعل، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ الآية في سورة [الأنعام: 151].

وهذا الطلب يجعل تعالوا } مشعر بأن هذه حالة من أحوال انفرادهم في جماعتهم فهي ثالث الأغراض من بيان مختلف أنواع تلك الأحوال، وقد ابتدأت ب ﴿ إذا ﴾ كما ابتدئ الغرضان السابقان ب ﴿ إذا ﴾ ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ [المنافقون: 1].

و ﴿ إذا رأيتَهم تعجبك أجسامهم ﴾ [المنافقون: 4].

والقائل لهم ذلك يحتمل أن يكون بعضَ المسلمين وَعَظوهم ونصحوهم، ويحتمل أنه بعض منهم اهتدى وأراد الإِنابة.

قيل المقول له هو عبد الله بنُ أُبَيّ ابن سلول على نحو ما تقدم من الوجوه في ذكر المنافقين بصيغة الجمع عند قوله: ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ [المنافقون: 1] وما بعده.

والمعنى: اذهبوا إلى رسول الله وسَلُوه الاستغفار لكم.

وهذا بدل دلالة اقتضاء على أن المراد توبوا من النفاق وأخلصوا الإِيمان وسَلُوا رسول الله ليستغفر لكم ما فرط منكم، فكانَ الذي قال لهم ذلك مطَّلعاً على نفاقهم وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة (13) ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ﴾ وليس المراد من الاستغفار الصفح عن قول عبد الله بن أُبَيّ ليخرجن الأعز منها الأذل.

لأن ابنَ أُبَيّ ذَهب إلى رسول الله وتبرأ من أن يكون قال ذلك ولأنه لا يلتئم مع قوله تعالى: ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ [المنافقون: 6].

ولَيُّ الرؤوس: إمالتها إلى جانب غير وِجاه المتكلم.

إعراضاً عن كلامه، أي أبوا أن يستغفروا لأنهم ثابتون على النفاق، أو لأنهم غيرُ راجعين فيما قالوه من كلام بَذيء في جانب المسلمين، أو لئلا يُلزموا بالاعتراف بما نسب إليهم من النفاق.

وقرأ الجمهور ﴿ لوّوا ﴾ بتشديد الواو الأولى مضاعف لوى للدلالة على الكثرة فيقتضي كثرة اللي منهم، أي لوى جمع كثير منهم رؤوسهم، وقرأهُ نافع ورَوح عن يعقوب بتخفيف الواو الأولى اكتفاء بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة.

والخطاب في ﴿ ورأيتهم ﴾ لغير معيّن، أي ورأيتهم يا من يراهم حينئذٍ.

وجملة ﴿ وهم مستكبرون ﴾ في موضع الحال من ضمير يصدون، أي يصدون صدّ المتكبر عن طلب الاستغفار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ بَلَغَهُ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ آخِرُ النّاسِ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ  حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى رَأْسَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ إشارَةً إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، أيْ حَرَّكُوها، وأعْرَضُوا يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى غَيْرِ جِهَةِ المُخاطَبِ يَنْظُرُونَ شَزَرًا.

وَيُحْتَمَلُ قَوْلًا ثانِيًا: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ يَسْتَتِيبُكم مِنَ النِّفاقِ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْتِغْفارٌ.

وَفِيما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ لَوى رَأْسَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً وامْتِناعًا مِن فِعْلِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ لِلِاسْتِغْفارِ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوى رَأْسَهُ بِمَعْنى ماذا قُلْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَمْتَنِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا الثّانِي: يُعْرِضُونَ، قالَ الأعْشى صَدَّقَ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ جَهْلًا بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلُ مَن تَصِلُ وَفِيما يَصُدُّونَ عَنْهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِنَ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ  .

الثّانِي: عَنِ الإخْلاصِ لِلْإيمانِ.

﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُتَكَبِّرُونَ.

الثّانِي: مُمْتَنِعُونَ.

﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، وسَبَبُهُ أنَّ النَّبِيَّ  بَعْدَ انْكِفائِهِ مِن غَزاةِ بَنِي المُصْطَلَقِ في شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ نَزَلَ عَلى ماءِ المُرَيْسِيعِ، فَتَنازَعَ عَلَيْهِ جَهْجاهٌ، وكانَ مُسْلِمًا وهو رَجُلٌ مِن غِفارٍ، وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ سِنانٌ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَطَمَهُ جَهْجاهٌ، فَغَضِبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ: يا مَعاشِرَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أوْطَأْنا هَذا الرَّجُلَ دِيارَنا وقاسَمْناهم أمْوالَنا ولَوْلانا لانْفَضُّوا عَنْهُ، ما لَهم، رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى جَهْجاهٍ، لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ غُلامًا، فَأعادَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فاعْتَذَرَ لَهُ قَوْمُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها.

﴿ وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: النَّباتُ.

الثّانِي: خَزائِنُ السَّماواتِ: ما قَضاهُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: ما أعْطاهُ.

وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ (ثالِثٌ: أنَّ خَزائِنَ السَّماواتِ: الغُيُوبُ، وخَزائِنَ الأرْضِ القُلُوبُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً في السفر لم يرتحل منه حتى يصلي فيه، فلما كان غزوة تبوك نزل منزلاً، فقال عبدالله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتحل ولم يصل، فذكروا ذلك فذكر قصة ابن أبيّ، ونزل القرآن ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ﴾ وجاء عبدالله بن أبيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يعتذر ويحلف ما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: تب، فجعل يلوي رأسه» ، فأنزل الله عز وجل ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ﴾ قال: عبدالله بن أبيّ بن سلول، قيل له: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ﴾ قال: حركوها استهزاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية، قال: نزلت في عبدالله بن أبيّ وذلك أن غلاماً من قرابته انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحديث وتكذيب شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلف ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذلوه، وقيل لعبدالله رضي الله عنه: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغفر لك فجعل يلوي رأسه، ويقول: لست فاعلاً وكذب علي، فأنزل الله ما تسمعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الحكم عن عكرمة «أن عبدالله بن أبيّ بن سلول كان له ابن يقال له حباب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، فقال يا رسول الله: إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل أباك ثم جاءه أيضاً، فقال له: يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل أباكثم جاءه أيضا فقال: يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل أباك فقال: يا رسول الله فذرني حتى أسقيه من وضوئك لعل قلبه يلين، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه، فذهب به إلى أبيه فسقاه ثم قال له: هل تدري ما سقيتك؟

قال له والده: سقيتني بول أمك، فقال له ابنه: والله ولكن سقيتك وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال عكرمة: وكان عبدالله بن أبيّ عظيم الشأن، وفيه أنزلت هذه الآية في المنافقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وهو الذي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

قال الحكم: ثم حدثني بشر بن مسلم أنه قيل له: يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كان لعبدالله بن أبيّ مقام يقومه كل جمعة لا يتركه شرفاً له في نفسه وفي قومه، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب قام فقال: أيها الناس هذا رسو ل الله بين أظهركم أكرمكم الله به، وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد وصنع المنافق ما صنع في أحد، فقام يفعل كما كان يفعل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس يا عدو الله، لست لهذا المقام بأهل.

قد صنعت ما صنعت.

فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأني قلت هجراً أن قمت أسدد أمره، فقال له رجل: ويحك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق: والله لا أبغي أن يستغفر لي.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «لما نزلت آية براءة ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ [ التوبة: 80] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم فنزلت ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عروة قال: «لما نزلت ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ [ التوبة: 80] قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين» فأنزل الله: ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الأية ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ في عسيف لعمر بن الخطاب.

وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم وعبدالله بن مسعود أنهما كانا يقرآن ﴿ لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ قال: إن عبدالله بن أبيّ قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا، وفي قوله: ﴿ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ قال: قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا أحدهما غفاري والآخر جهني، فظهر الغفاري على الجهني، وكان بين جهينة وبين الأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين: وهو عبدالله بن أبيّ، يا بني الأوس والخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم.

ثم قال: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك.

والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فسعى بها بعضهم إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا نبي الله مر معاذاً أن يضرب عنق هذا المنافق.

فقال: لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.

وذكر لنا أنه كثر على رجلين من المنافقين عنده فقال عمر: هل يصلي؟

قالوا: نعم ولا خير في صلاته.

قال نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ يقول: لا تطعموا محمداً وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة فيتركوا نبيهم وفي قوله: ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ قال: قال ذلك عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين وأناس معه من المنافقين.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المنافقين رجلاً من الأنصار فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟

قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها منتنة» فسمع ذلك عبدالله بن أبيّ، فقال: أو قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» زاد الترمذي، فقال له ابن عبدالله: والله لا تنقلب حتى تَقِرَّ أنك الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان بين غلام من الأنصار وغلام من بني غفار في الطريق كلام، فقال عبدالله بن أبيّ: هنيئاً، لكم بأس، هنيئاً جمعتم سوّاق الحجيج من مزينة وجهينة فغلبوكم على ثماركم، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما حضر عبدالله بن أبيّ الموت قال ابن عباس رضي الله عنهما: فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى بينهما كلام، فقال له عبدالله بن أبيّ: قد أفقه ما تقول، ولكن منَّ عليَّ اليوم وكفّنّي بقميصك هذا وصلّ عليّ.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقميصه، وصلى عليه والله أعلم أي صلاة كانت، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يخدع إنساناً قط، غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة، فسئل عكرمة رضي الله عنه ما هذه الكلمة؟

قال: قالت له قريش: يا أبا حباب إنا قد منعنا محمداً طواف هذا البيت، ولكنا نأذن لك، فقال: لا لي في رسول الله أسوة حسنة.

قال: فلما بلغوا المدينة أخذ ابنه السيف ثم قال لوالده: أنت تزعم لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الحميدي في مسنده عن أبي هارون المدني قال: قال عبدالله بن عبدالله بن أبيّ لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل.

وأخرج الطبراني عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني المصطلق قام عبدالله بن عبدالله بن أبيّ فسلّ على أبيه السيف، وقال: والله عليّ أن لا أغمده حتى تقول: محمد الأعز وأنا الأذل.

فقال: ويلك محمد الأعز وأنا الأذل.

فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته، وشكرها له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما قدموا المدينة سلّ عبدالله بن عبدالله بن أبيّ على أبيه السيف وقال: لأضربنك أو تقول: أنا الأذل ومحمد الأعز.

فلم يبرح حتى قال ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة بن الزبير رضي الله عنه «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين وغلمان من الأنصار، فقال غلمان من المهاجرين: يا للمهاجرين، وقال غلمان من الأنصار: يا للأنصار، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ بن سلول فقال: أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالرحيل، فأدرك ركباً من بني عبد الأشهل في المسير، فقال لهم: ألم تعلموا ما قال المنافق عبدالله بن أبي؟

قالوا: وماذا قال: يا رسول الله قال: قال أما والله لو لم تنفقوا عليهم لانفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قالوا: صدق يا رسول الله، فأنت والله الأعز العزيز وهو الذليل» .

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معسكراً وأن رجلاً من قريش كان بينه وبين رجل من الأنصار كلام حتى اشتد الأمر بينهما، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ، فخرج فنادى: غلبني على قومي من لا قوم له، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخذ سيفه ثم خرج عامداً ليضربه، فذكر هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ [ الحجرات: 1] فرجع حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا عمر؟

قال: العجب من ذلك المنافق، يقول غلبني على قومي من لا قوم له، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال النبي صلى الله عليه وسلم: قم فناد في الناس يرتحلوا، فارتحلوا فساروا حتى إذا كان بينهم وبين المدينة مسيرة ليلة، فعجل عبدالله بن عبدالله بن أبيّ حتى أناخ بجامع طرق المدينة، ودخل الناس حتى جاء أبوه عبدالله بن أبيّ فقال: وراءك.

فقال: ما لك ويلك؟

قال: والله لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول الله، وليعلمن اليوم من الأعز من الأذل.

فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ما صنع ابنه.

فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن خلِّ عنه حتى يدخل ففعل، فلم يلبثوا إلا أياماً قلائل حتى اشتكى عبدالله فاشتد وجعه فقال لابنه عبدالله: يا بني ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه فإنك إذ أنت طلبت ذلك إليه فعل.

ففعل ابنه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول إن عبدالله بن أبيّ شديد الوجع، وقد طلب إليّ أن آتيك فتأتيه فإنه قد اشتاق إلى لقائك، فأخذ نعليه فقام، وقام معه نفر من أصحابه حتى دخلوا عليه، فقال لأهله حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم: أجلسوني، فأجلسوه فبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجزعاً يا عدو الله الآن؟

فقال: يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني، ولكن دعوتك لترحمني، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما حاجتك؟

قال: حاجتي إذا أنا مت أن تشهد غسلي وتكفني في ثلاثة أثواب من ثيابك، وتمشي مع جنازتي، وتصلي عليّ.

ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية بعد ﴿ ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ [ التوبة: 84] » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ قال الكلبي: لما نزل القرآن على رسول الله بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا لهم: ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله -  -، وتوبوا إليه من النفاق، وسلوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فأنزل الله فيهم هذه الآية (١) قال عطاء عن ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله -  - حتى يستغفر لك ويرضى عنك.

قال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي (٢) قال قتادة: قال قوم عبد الله بن أبي: لو أتيت رسول الله -  - فاستغفر لك.

فجعل يلوي رأسه، فنزلت هذه الآية (٣) وقال أكثر المفسرين: إنما دعي إلى الاستغفار؛ لأنه كان قد قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ﴾ ، وقال: ﴿ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ ، فقيل له: تعال يستغفر لكم رسول الله فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟.

فذلك قوله: ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ (٤) (٥) وقرئ (لووا) بالتخفيف من الليّ، وهو يصلح للقليل والكثير، ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ (٦) (٧) ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ  ﴾ على أنه قد جاء: تَلْوِية الخاتِنِ زُبَّ المُعْذَرِ (٨) واختار أبو عبيد بالتشديد.

قال: لأنهم كثير (٩) قال المبرد: لا أعلم الرواية اختلفت في أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي وهو القائل: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ ﴾ الآية (١٠) لا بارك الله فيمن كان يحسبكم ...

إلا على العهد حتى كان ما كانا (١١) وإنما يخاطب بهذه امرأة، وهذا كثير في أشعارهم وكلامهم، يقول الرجل الواحد: نحن فعلنا، يعني نفسه، ويقول لرجل الواحد يخاطبه: أنتم فعلتم، يعني المخاطب وحده.

وقوله: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ ﴾ أي عن الاستغفار ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ عن استغفار رسول الله -  -.

ثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم فقال ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ قال قتادة، ومقاتل: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ الآية، وذلك أنها لما نزلت قال نبي الله -  - خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين فأنزل الله هذه الآية (١٢) ﴿ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد المنافقين (١٣) ثم أخبر بشنيع مقالتهم فقال: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ﴾ قال المفسرون: اقتتل أجير لعمر مع أجير لعبد الله بن أبي في بعض الغزوات، وأسمع أجير عمر لعبد عبد الله بن أبي المكروه، واشتد عليه لسانه فغضب عبد الله وعنده وهي من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل -يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله -  - ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء -يعني المهاجرين- لأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فأنزل الله فيه هذه الآية (١٤) قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات (١٥) ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ  ﴾ .

وقال أهل المعاني: خزائن الله مقدوراته؛ لأن فيها كل ما شاء مما يريد إخراجه (١٦) قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ قال ابن عباس: لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون (١٧) قوله: ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ ﴾ من تلك الغزوة التي كانوا فيها -وهي غزوة بني المصطلق- إلى المدينة ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ ﴾ يعني عبد الله بن أبي بالأعز نفسه وبالأذل (١٨) ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ﴾ قال ابن عباس: المنعة (١٩) ﴿ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بإعزاز الله ونصره إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان.

وقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه مظهر (٢٠) (٢١) قوله: ﴿ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، ولو علموا ما قالوا مقالتهم هذه.

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قال عطاء: عن فرائض الله الحج والزكاة (٢٢) وقال الضحاك: الصلوات الخمس (٢٣) وقال مقاتل: عن الصلاة المكتوبة.

وعنده أن هذه الآية والتي بعدها خطاب للمنافقين الذين أقروا بالإيمان (٢٤) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أي من ألهاه ماله وولده عن ذكر الله، فعبر عن هذا بفعله، لأنه ما لم يله بماله لم يلهه المال، ومن لم يغتر بشيء لم يغره، وهذا معنى قول صاحب النظم (٢٥) ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال (٢٦) ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ فيسأل الرجعة إلى الدنيا، وهو قوله: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال أبو إسحاق: حضهم على إدامة الذكر، وأن لا يضنوا بالأموال من قبل أن يعاين ما يعلم معه أنه ميت (٢٧) ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى أجل قريب، يعني استزاده في أجله حتى يتصدق ويزكي، وهو قوله تعالى: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين، وذلك أن المؤمن لا يسأل الرجعة، إنما يسأل الكافر (٢٨) وقال الضحاك: لم ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤد الزكاة إلا سأل الرجعة.

وقرأ (٢٩) وقال في قوله: ﴿ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ يعني الحج (٣٠) ﴿ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ قال: أحج (٣١) قال أبو إسحاق: معناه: هلا أخرتني.

وجزم ﴿ وَأَكُنْ ﴾ على موضع ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين، ومن قرأ (وأكونَ): فهو على لفظ فأصدق وأكون (٣٢) ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ جواب للاستفهام الذي فيه التمني، وهو قوله: ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي ﴾ أي: هلا أخرتني، والجزم على موضع الفاء لأن الفاء دخلت على شيء لو لم يكن فيه لكان مجزومًا ولم يتغير المعنى فكأنه لولا أخرقني إلى أجل قريب أصدق وأكن.

وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة في العمل على الموضع منها قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٣٣) ومنه قول لبيد: فإن لم نجد من دون عدنان والدًا ...

ودون معدا فلترعك العوازل (٣٤) فنصب دون معد على الموضع، لأن من زائدة، وزاد أبو علي شرحًا وبيانًا فقال: ﴿ وَأَكُنْ ﴾ عطفًا على موضع قوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ لأنه في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزمًا بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط حمل قوله: ﴿ وَأَكُنْ ﴾ هو عليه، وأنشد الأئمة في وجه هذه القراءة قول الشاعر: فَأَبْلُونيِ بَلَّيُكُمْ لَعَلِّي ...

أصالحِكُمْ وأستدرجْ نَوَتَّا (٣٥) (٣٦) (٣٧) ثم أخبر الله تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ أي عند الموت ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ قال عطاء: أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج (٣٨) ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ (٣٩) وروي عن عاصم أنه قرأ (يعملون) بالياء (٤٠) ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ لأن النفس وان كان واحدًا في اللفظ فالمراد به الكثرة، فحمل على المعنى (٤١) (64) تفسير سورة التغابن (١) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 15.

(٢) أخرجه البيهقي في "الدلائل" عن الزهري، نحو هذا بسياق أطول.

"الدر" 6/ 224.

وذكره الرازي عن ابن عباس من غير سند.

"التفسير الكبير" 30/ 15.

(٣) أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وعبد الرزاق في "التفسير"، وعبد بن حميد.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 294، و"جامع البيان" 28/ 71، و"الدر" 6/ 224، وقال ابن حجر: ووقع في مرسل الحسن، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة، ومن طريق مجاهد، ومن طريق عكرمة "فتح الباري" 8/ 648.

(٤) وهو المروي عن أكثر أهل التفسير والسير.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 294، و"جامع البيان" 28/ 70، و"الكشف والبيان" 13/ 128/ أ، و"أسباب النزول" 496.

(٥) انظر "تفسير مقاتل" 156/ أ، و"زاد المسير" 8/ 276.

(٦) قال تعالى ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ  ﴾ .

(٧) قرأ نافع، ويعقوب من طريق روح، والمفضل، عن عاصم: ﴿ لَوَّوْا ﴾ بالتخفيف.

وقرأ الباقون: ﴿ لَوَّوْا ﴾ بالتشديد.

انظر: "حجة القراءات" 709، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" 416، "معاني الأخفش" 2/ 709.

(٨) أنشده أبو زيد، وورد في "اللسان" غير منسوب لقائل.

انظر: "الحجة" للقراء السبعة 6/ 293، و"اللسان" 2/ 719 (عذر).

(٩) انظر: "زاد المسر" 8/ 276، وهو اختيار ابن جرير أيضًا.

"جامع البيان" 28/ 70.

قلت: واختيارهم هذا لا يعني الطعن في قراءة التخفيف لثبوتها عن النبي -  -.

(١٠) قلت: الروايات تظافرت على هذا، وإنما وقع الخلاف في الغزوة التي نزلت فيها هذه الآيات، والصواب أنها نزلت في غزوة بني المصطلق، كما ذكر ابن كثير رحمه الله.

انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 368، و"فتح الباري" 8/ 648 - 649.

(١١) "ديوان جرير" 1/ 162.

(١٢) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر، وفيه (فقال رسول الله -  -: "إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة}.

وسأزيده على السبعين") "صحيح البخاري".

كتاب: التفسير، باب: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ، وباب: ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره.

وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 15، قال ابن حجر: وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: لما نزلت ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ قال النبي -  -: "لأزيدن على السبعين"، فأنزل الله تعالى ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان معًا نزلتا في ذلك.

"فتح الباري" 8/ 336.

(١٣) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 77، و"التفسير الكبير" 30/ 15.

(١٤) انظر: "أسباب النزول" للواحدي 496، و"زاد المسير" 8/ 271، و"التفسير الكبير" 30/ 17.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 156 ب، و"التفمير الكبير" 30/ 17.

(١٦) انظر: "مفردات الراغب" (خزن)، و"التفسير الكبير" 30/ 17.

(١٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 350، و"التفسير الكبير" 30/ 17، ولم ينسباه لقائل.

(١٨) (ك): (بالأذل) بدون الواو.

(١٩) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 78.

(٢٠) (ك): (يظهر).

(٢١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 177.

(٢٢) لم أجده، منسوبًا لقائل.

وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 30/ 18.

(٢٣) أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما.

"جامع البيان" 28/ 76، و"الدر" 6/ 226.

(٢٤) انظر: "تفسير مقاتل" 157/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 18.

(٢٥) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 18 (٢٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 351، و"التفسير الكبير" 30/ 18.

(٢٧) انظر: "معانى القرآن" للزجاج 5/ 177.

(٢٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 19.

(٢٩) في (ك): (وقال).

(٣٠) أخرجه ابن جرير عنه.

"جامع البيان" 28/ 77، و"التفسير الكبير" 30/ 19.

(٣١) أخرجه ابن جرير، والترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، من طريق أبي حناب، وهو ضعيف، وفيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس.

انظر: "جامع البيان" 28/ 76، و"سنن الترمذي" كتاب تفسير القرآن 5/ 390، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 373.

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 5/ 178، وفي قوله تعالى: ﴿ وَأَكُنْ ﴾ قرأ الجمهور.

(وأكن) بجزم النون من غير واو، وقرأ أبو عمرو (وأكونَ) بالواو ونصب النون.

انظر: "حجة القراءات" 710، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" 417.

(٣٣) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 19.

والبيت لعقيبة بن هبيرة الأسدي.

انظر: "شرح الشواهد" 1/ 34، و"الخزانة" 1/ 343، و"شرح المفصل" 2/ 109، وينسب أيضًا لعبد الله ابن الزبير الأسدي.

(٣٤) "ديوان لبيد" ص 255، و"الكتاب" 1/ 34، و"الخزانة" 2/ 252، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 130.

(٣٥) البيت لأبي دؤاد، كما في "ديوانه" ص 350، و"الخصائص" 1/ 176، و"شواهد شرح أبيات المغني" 6/ 292، و"اللسان" (علل)، أمالي ابن الشجري 1/ 280، و"مغني اللبيب" ص 423، و"النقائض" ص 408، والنوى الوجه الذي يقصد، == وأستدرج أرجع أدراجي.

(٣٦) في (ك): (على موضع لعلّي وما بعدها) والتصحيح من "الحجة".

(٣٧) انظر: "الحجة" للقراء السبعة 6/ 293 - 294.

(٣٨) "التفسير الكبير" 30/ 19، ولم ينسبه لقائل.

(٣٩) قال تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ .

(٤٠) قرأ أبو بكر، عن عاصم ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ خبر غائبين، وقرأ الباقون (تعملون) بالتاء على الخطاب.

انظر: "حجة القراءات": 711، و"النشر" 2/ 388.

(٤١) "الحجة" للقراء السبعة 6/ 294.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ أي أمالوها إعراضاً واستكباراً.

وقصص هذه الآية وما بعدها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس إلى ماء ازدحموا عليه، فكان ممن ازدحم عليه جهجهاه بن سعيد أجير لعمر بن الخطاب وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فلطم الجهجاه سناناً، فغضب سنان ودعا بالأنصار ودعا جهجاه بالمهاجرين، فقال عبد الله بن أبيّ: والله ما مثلنا ومثلُ هؤلاء يعني المهاجرين إلا كما قال الأول: سَمِّنْ كلبَك يأكلك.

ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعني: بالأعز نفسه وأتباعه، ويعني بالأذنل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ثم قال لقومه: إنما يقيم هؤلاء المهاجرون بالمدينة بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفرُّوا عن مدينتكم.

فسمعه زيد بن أرقم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول.

فحلف أنه ما قال من ذلك شيئاً.

وكذَّب زيداً فنزلت السورة عند ذلك.

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد، وقال: لقد صدّقك الله يا زيد، فخزيَ عبد الله بن أبي بن سلول ومقته الناس، فقيل له: امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي وقال: أمرتموني بالإسلام فأسلمت، وأمرتموني بأداء زكاة مالي ففعلت، ولم يبقى لكم إلا أن تأمروني أن أسجد لمحمد.

ثم مات عبد الله بن أبيّ بعد ذلك بقليل» وأسندت هذه الأقوال التي قالها عبد الله بن أبيّ إلى ضمير الجماعة، لأنه كان له أتباع من المنافقين يوافقونه عليها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ خشب ﴾ بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد ﴿ لووا ﴾ بالتخفيف: نافع وقالون ﴿ تعملون ﴾ على الغيبة: يحي وحماد.

الوقوف: ﴿ لرسول الله ﴾ ط م لئلا يوهم أن قوله ﴿ والله يعلم ﴾ من مقول المنافقين ﴿ لرسوله ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ط ﴿ أجسامهم ﴾ ط ﴿ لقولهم ﴾ ط ﴿ مسندة ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ فاحذرهم ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ ينفضوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ الأذل ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ عن ذكر الله ﴾ ط للشرط مع الواو ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ج ه لتعلق الجواب ﴿ الصالحين ﴾ ه ز ﴿ أجلها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله  لأجل علمه بعدم المواطأة.

أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.

قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده.

وفائدة إقحام قوله ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم ﴿ إنك لرسول الله ﴾ كذب.

ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ".

وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون ﴿ بـ ﴾ سبب ﴿ أنهم آمنوا ﴾ باللسان ﴿ ثم كفروا ﴾ بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله  فيستندون، فيه وكان النبي  والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب.

ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط.

ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها.

قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له.

قوله ﴿ عليهم ﴾ ثاني مفعولي ﴿ يحسبون ﴾ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.

ثم أخبر عنهم بأنهم ﴿ هم العدو ﴾ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له.

ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون ﴿ هم العدو ﴾ المفعول الثاني و ﴿ عليهم ﴾ لغو.

وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر.

ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.

يروى أن رسول الله  لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي  ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل.

فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب.

فأخبر زيد رسول الله  فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.

قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه.

ولما أنزل الله  تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله  يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم.

أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها.

وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.

وعن الحسن بن علي  أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.

وحينئذ عير المنافقين بما عير.

وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.

وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله  .

وعن الحسن: جميع الفرائض.

وقيل: القرآن.

وقيل: الصلوات الخمس ﴿ يفعل ذلك ﴾ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين.

ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد.

وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ﴿ ولن يؤخر الله نفساً ﴾ والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل ﴿ فأصدّق وأكون ﴾ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن.

وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .

اختلفوا في تأويل قوله  : ﴿ نَشْهَدُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ بمعنى: نقسم ونحلف.

وقال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ على ابتداء الشهادة.

فمن حمله على القسم قرأه ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ يعني: حلفهم، ومن حمله على الشهادة ابتداء قرأ: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ يعني: تصديقهم، ليس أنها قراءة واحدة فقرئت بلفظين، ولكنهما كانا جميعا فقرئت بالمعنيين جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

والإشكال أن كيف قال الله  : ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وهم إنما قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، ومعلوم أن هذا القول منهم صدق، ولكن المعنى من هذا -والله أعلم- أنهم طعنوا فيما أظهروا من الخلاف والتكذيب عند غير رسول الله، فحسبوا أن رسول الله  اطلع على صنيعهم فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ وأن ما بلغك منا من القول كذب وما قلناه، فأخبر الله  أنهم لكاذبون فيما أخبروا أنهم ما قالوه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون معناه: إنا نشهد أن في قلوبنا إنك لرسول الله كما نظهره بألسنتنا، فأخبر الله  أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم أن يكون المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر الله أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، والله أعلم.

ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول الله ولا يقولون ذلك، فكيف قال المنافقون ذلك؟!

فمعناه عندنا - والله أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة الله ورسوله امتحنهم الله  بهذه المقالة.

ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما ءامنتم، وإذا لقوا المشركين قالوا: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ، فإذا لقوا رسول الله قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، والله أعلم.

ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول الله  خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ كانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول الله  فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، والله أعلم.

ثم قال هاهنا: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ ولم يقل (نشهد بالله)؛ لأن المعنى من هذا الحلفُ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون بالله  ؛ فلذلك أجزئ بقوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ عن قول: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ﴿ فَصَدُّواْ ﴾ أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله والإيمان برسوله.

والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول الله  ، وعن الإيمان.

وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر على الإيمان.

ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول الله،  .

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم.

والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول الله ورأوا أنهم لا يغلبون أبداً، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم [الكفار]، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك بمعنى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ فكذلك تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ .

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم.

وقولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ هو أنهم آمنوا ثم كفروا.

وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر، ولكنهم كانوا أقواما همتهم الدنيا وسعتها، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون، وإن رأوها مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر، والله المستعان.

وقوله: ﴿ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ .

الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم؛ فلا يرون بها الحق وحججه.

قال: ويجوز أن يجعل الله  الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج والآيات.

أو يجوز أن يجعل الكفر كنّاً في قلبه؛ ليضيق؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر، وأيهما كان فذلك معنى الآية، يعني: أن اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه، والله أعلم.

قال الفقيه -  - في قوله: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول الله، وإنما جاءه بعضهم، وكذلك في قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أن المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ في بعض التأويلات: نقسم، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة، وإنما ذلك من فعل الأجلة والرؤساء؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين، ثم ذكر الله  ذلك البعض بصيغة الكل؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته، فإن كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه، وإن كان يوجب تخصيصه أجري على خصوصه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .

يحتمل أن يكون معناه، أي: لا يفقهون؛ لأنه طبع على قلوبهم، وإلا لم يعرضوا عن الحق والآيات، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق، فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق، وجعلوا جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى يجازون فيه بأعمالهم، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به، ولم ينظروا إلى منافعهم ومضارهم، والله المستعان.

ويحتمل: أي: لا يفقهون عن الله  ، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله واتباعه ويحتمل أي: لا يفقهون أنهم يتعبدون، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما فعلوا، ويجازيهم على جميع ذلك.

ثم قال هاهنا: ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ ، ولم يقل: (لا يعلمون)؛ لأن الفقه إنما هو الذي يعرف به الشيء بالشيء، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا.

وقال ابن الراوندي: الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره.

وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له أو لم يكن؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع، ومن عرف الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة، وليسا بنظيرين.

ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له، وظهوره بنفسه، والفقه يعرف بغيره استدلالا؛ ولذلك جاز أن يقال: الله  عالم؛ لتجلي الأشياء له، ولم يجز أن يقال: إن الله فقيه؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال، والله الموفق.

والحكمة: وضع الأشياء موضعها، والإيقان: إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب؛ ولذلك جاز أن يقال: إن الله  حكيم، ولم يجز أن يقال: إنه موقن، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .

في هذا بيان أن الله  قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، وأنه قد آتاهم العلم؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم؛ فكأن الله  ذكر نعمه التي آتاهم؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها، فكأنه يقول: كيف ترجو منهم حسن الصحبة لك، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين؟!

فيكون [له] بعض التسلي؛ لما اهتم رسول الله  من سوء صنيعهم به، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .

يعني: وإن يقولوا تحسب قولهم حقّاً؛ فتسمع لقولهم لتقبله.

ويحتمل: تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته -  - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى يفرغ منه، ثم قبله إن كان مما يجب قبوله، وغيره على صاحبه ورده إن كان مستحقّاً للتغيير عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ .

يقول: إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث يعجبك، وفيما يلقى إليهم من الحق والدين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة.

ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف لهم يوضع فيها الحكمة والدين والحق، والله أعلم.

وجائز أن يكون معناه: كأنهم خشب مسندة؛ من حيث إن الخشب المسندة، ليس لها أسماع ولا أبصار ولا قلوب، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق وقبوله، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم [و] تفضحهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ ، فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم، فكذلك يحسبون أن من كلم رسول الله  فإنما تكلم بما يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم، والله المستعان.

والثاني: يحتمل أن يكون ذلك في الحرب: أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب خافوا أن يكون فيه هلاكهم، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على حدة، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حرباً للفريق الآخر، وإذا وافقوا الآخر صاروا حرباً لهؤلاء، فأخبر الله  أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن يكون ذلك سبباً لهلاكهم.

ويحتمل أن يكون الله  عاقبهم بالخوف الدائم؛ لتأميلهم الأمن من وجه لم يؤذنوا فيه؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكلٍّ؛ رجاء أمنهم، وكان جميع مقاصدهم في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من الأديان، وذلك غير مأذون فيه، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم، عاقبهم بالخوف الدائم إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم أو من الهلاك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ﴾ ، له أوجه من التأويل: أحدها: أن يقول: هم العدو، يعني: أنهم أدنى عدوكم؛ فاحذرهم في جميع أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ممن بعد ونأي.

أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب؛ فيحتالون به على هلاكك، أو يطلعون الكفرة على سرك.

أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك؛ لأنهم يغرون أصحابك عليك، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك.

وقوله: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ يعني: لعنهم.

وقوله: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن يقول: أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك، وقد أتيتهم بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم، وذلك لا يكون إلا عن الوحي.

أو يقول: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ يعني: أنى يكذبون؛ تقليدا لأولئك الكفرة من غير أن يظهر لهم في ذلك آية وحجة، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ .

ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين، وكذلك قوله  : ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .

وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول المنافق؛ لأنه روي "أن رسول الله  كان كلما قام يوم الجمعة قام عبد الله بن أُبيٍّ [ابنُ] سلول في ناحية المسجد، وقال: هذا رسول الله، فوقروه، وعظموه، حتى نزلت هذه السورة، فقال بمثل مقالته، فقال له عمر -  -: اجلس يا كافر؛ فإن الله  قد فضحك، قال: فخرج من المسجد قبل أن يصلي الجمعة، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء الجمعة، فأخبرهم عن القصة، فقالوا: ارجع إلى رسول الله وسله أن يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: ما لي إلى استغفاره حاجة" .

وروي "أنه لما قال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، ثم أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة، فحبسه ابنه وقال: لا أدعك تدخلها ما لم تقر أنك الأذل وأن رسول [الله] هو الأعز، فبلغ ذلك رسول الله  فأمره أن يخلي عن أبيه، ثم قال له: إنك أولى أن تسمى: عبد الله بن أبيك" ، فسمى من بعد ذلك: عبد الله، وكان يسمى حباباً.

فهذان الخبران يدلان على أن هذه الآية إنما نزلت في واحد منهم، وظاهرها يدل على [أن] ذلك كان في جملة المنافقين.

ولكن الوجه في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يجوز أن يكون اعتقاد جملتهم على ذلك، فذكرهم الله  ؛ لاعتقادهم عليه، وذلك أنهم كانوا أقواماً لا يؤمنون بالآخرة.

والاستغفار إنما هو طلب المغفرة، وذلك إنما يتحقق في الآخرة، فإذا كان على هذا أصل اعتقادهم جملة ذكرهم الله  على ذلك؛ وكذلك قوله: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ كان عندهم أن الله  إنما آتاهم العز والغناء والشرف؛ لفضيلة لهم على محمد  ؛ فكانوا ينكرون عليه من ذلك الوجه، ثم إن الله قد ذكر في هذه الآية أنباء أنه قد كان آتاهم جميع ما به العز والشرف في الدنيا؛ ليمتحنهم بحقوق هذه النعم وتعظيمها وشكرها، وأنهم بلغوا في كل ذلك غاية ما عليه عمل الكفرة في سوء الصحبة بالنعم، وذلك أنه لما قال: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ ، دل أنه كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، ولما قال: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ ؛ دل أنه قد كان آتاهم الغناء، ولما قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ دل أنه قد كان آتاهم العز والشرف، ومعلوم أن هذه الأسباب التي وصفنا هي أسباب العز والشرف في الظاهر، ثم أخبر أنهم تركوا شكر ما أنعم عليهم في تعظيم الحق ولم يؤدوا شكره، وأنهم بلغوا في الباطن في كل شيء من ذلك غايته في سوء الصنع؛ لأنه دل بقوله  : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ ﴾ على غاية البخل؛ حيث امتنع عن الإنفاق بنفسه، وأمر غيره ألا ينفق أيضاً وذلك في غاية البخل، ولما قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ، فكأنهم كانوا في الغفلة عن ذكر الله وقبول الموعظة غايته، ولما قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ دل أنهم كانوا في الاستخفاف به - حيث تركوا الإنصاف، وأخذوا سبيل الاعتساف والاستكبار عليه - غايته، ولما قال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ دل أنهم كانوا في سوء السريرة غايته.

قال: ويجوز أن يقع ذلك منهم لوجهين: أحدهما: أنهم رأوا ذلك حقّاً لهم على الله  .

أو يروا أن الله  آتاهم ذلك؛ تفضيلا لهم على غيرهم، فكانوا يتكبرون ويستعظمون على غيرهم، ويستخفون برسول الله  لذلك الوجه، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن الله  آتاهم جميع تلك النعم محنة عليهم، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها، وذلك معنى ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لا يستعملون النظر في هذه النعم، وذلك أنه لو لم يكن رسول الله، كان يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا، فإذا تفكروا في ذلك، ولم يجدوا لهم عند الله صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك، ولا لهم فضل يفضلهم الله به على غيرهم؛ فكان يتبين لهم أن الله  إنما أعطاهم هذه النعم محنة؛ ليتعبدهم بأداء شكرها؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه: أن ما كان حقه التأمل والنظر، فحق اللفظ فيه أن يقال: يفقهون، ولا يفقهون، وما كان حق العلم به السماع والخبر، أطلق فيه لفظ (العلم)؛ ولذلك قال عند العزة والغلبة والنصر: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم يكن رسول الله  .

وقوله: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك.

والثاني: يصدون ضعفتهم عن اتباعك.

وقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا؛ لأنه كان عندهم أنهم على الحق.

والثاني: ما قلنا: إنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، والمغفرة إنما تطلب من الله، ويتحقق ذلك في الآخرة.

وقوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ .

على ذلك أيضاً أنه لا يغفر أَستغفرت أم لم تستغفر.

قال - رحمه الله -: ورسول الله -  - كان لا يستغفر للمنافقين بعدما ظهر عنده نفاقهم، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لن يغفر الله لهم ما داموا على النفاق، ولم يتوبوا عنه.

والثاني: أن يقول: لن يغفر لهم في قوم علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون أبداً، فقال في أولئك: لن يغفر الله لهم؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ .

فيه أن الله  يملك هداية وراء هداية البيان؛ لأن من لم يملك شيئاً لم يستقم أن يوصف بالتعظيم أنه لا يفعل؛ لأنه يعلم إذا لم يقدر ولم يملك لا يفعل، وإنما يوصف بهذا من يملك ذلك، ولكن لا يفعل، فلو لم يملك ولم يقدر خلق فعل الاهتداء فيمن أراد، لم يوصف بأنه لا يهدي الفاسقين؛ فدل أنه يملك هداية وراء هداية البيان، وهو خلق الاهتداء فيمن علم منه ذلك، والله الموفق.

وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ أي: لا يهديهم لفسقهم.

وقالت المعتزلة: أي: لا يسميهم مهتدين إذا فسقوا وضلوا.

وأيهما كان فهو محال؛ لأن من هدى ضالا لضلالته فهو سفيه، فكأنه يقول: لا يسفه: ومن سمى الضال: مهتديا فهو كاذب، فكأنه قال: لا يكذب، وهما جميعا غير مستقيم؛ لأنا نعلم أنه لا يسفه ولا يكذب، فثبت أن في ملكه هداية يهدي من يشاء من عباده سوى هداية البيان، وإذا ثبت ما وصفنا أن في ملكه هداية سوى هداية البيان، ثبت أن له فيها مشيئة؛ لأن من ملك سبباً لم يجز أن يقطع عنه سببه؛ فلذلك قلنا: إن الله  يضل من يشاء من عباده لمن علم أنه يؤثر الضلال ويختاره على الهدى، ويهدي من يشاء لمن علم أنه يؤثر الهدى على الضلالة؛ فيهديه لذلك ويوفقه ويسدده، والله المستعان.

وقوله  : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ .

قد وصفنا أن هذا من غاية بخلهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ دلالة أنهم أرادوا إطفاء هذا النور وإخفاءه، فأبى الله  إلا إظهاره.

وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يبسطها على المنافقين؛ ليمتحنهم بالإنفاق على المؤمنين.

أو لله خزائن السماوات والأرض يضيقها على المؤمنين؛ ليمتحنهم بالصبر في حال الضيق.

أو يجوز أن يكون هذا بشارة للمؤمنين بأن الله  يوسع عليهم الدنيا بعدما ضاقت، وقد جعل حيث فتح لهم الفتوح وآتاهم النصر والغلبة على أعدائهم، والله أعلم.

وقوله -تعالى-: ﴿ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .

الأعز قد يحتمل معاني: أحدها: الأغلب، وإلا فهو على مثال قوله: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ  ﴾ ، أي: غلبني في الخصومة.

والثاني: الأقوى والأشد، على مثال قوله -تعالى-: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ يعني: أقوياء وأشداء.

والثالث: الأعلى الأجل، وكذلك قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج، والكفار اتبعوا أهواءهم.

وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم.

وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعاً؛ ولذلك قال ذلك المنافق: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبداً؛ فأظهر النفاق، وقال عند ذلك: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله معتذرين عما بدر منكم، يطلب لكم من الله المغفرة لذنوبكم، عطفوا رؤوسهم استهزاءً وسخرية، ورأيتهم يُعْرِضون عما أُمِرُوا به، وهم مستكبرون عن قبول الحق والإذعان له.

<div class="verse-tafsir" id="91.6VAZ4"

مزيد من التفاسير لسورة المنافقون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر