الإسلام > القرآن > سور > سورة 64 التغابن > الآية ١٢ من سورة التغابن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 43 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة التغابن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع ، وفعل ما به أمر ، وترك ما عنه نهى ، وزجر ، ثم قال : ( فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) أي : إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ ، وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة .
قال الزهري : من الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم
يقول تعالى ذكره: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ ) أيها الناس في أمره ونهيه (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) فإن أدبرتم عن طاعة الله وطاعة رسوله مستكبرين عنها، فلم تطيعوا الله ولا رسوله (فَإِنَّمَا ) فليس (عَلَى رَسُولِنَا ) محمد إلا(الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) أنه بلاغ إليكم لما أرسلته به يقول جلّ ثناؤه: فقد أعذر إليكم بالإبلاغ والله وليّ الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره، وتولى عنه.
أي هونوا على أنفسكم المصائب , واشتغلوا بطاعة الله , واعملوا بكتابه , وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ; فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ .
{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } أي: في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فإن طاعة الله وطاعة رسوله، مدار السعادة، وعنوان الفلاح، { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } [أي] عن طاعة الله وطاعة رسوله، { فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } أي: يبلغكم ما أرسل به إليكم، بلاغًا يبين لكم ويتضح وتقوم عليكم به الحجة، وليس بيده من هدايتكم، ولا من حسابكم من شيء، وإنما يحاسبكم على القيام بطاعة الله وطاعة رسوله، أو عدم ذلك، عالم الغيب والشهادة.
"وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين".
«وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين» البيَّن.
وأطيعوا الله -أيها الناس- وانقادوا إليه فيما أمر به ونهى عنه، وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما بلَّغكم به عن ربه، فإن أعرضتم عن طاعة الله ورسوله، فليس على رسولنا ضرر في إعراضكم، وإنما عليه أن يبلغكم ما أرسل به بلاغًا واضح البيان.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بحض الناس على الطاعة والإخلاص فى العبادة ، وحذرهم من اقتراف المعاصى فقال : ( وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين ) .أى : وعليكم - أيها الناس - أن تطيعوا الله - تعالى - طاعة تامة ، وأن تطيعوا رسوله فى كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه .فإن أعرضتم عن ذلك ، وانصرفتم عما أمرناكم به أو نهيناكم عنه فلا ضرر على رسولنا بسبب إعراضكم لأن حسابكم وجزاءكم علينا يوم القيامة ، وليس على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لكم سوى البلاغ الواضح البين ، بحيث لا يترك باباً من أبواب الخير إلا ويبينه لكم ، ولا يترك باباً من أبواب الشر إلا وحذركم منه .
قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ أي بأمر الله قاله الحسن، وقيل: بتقدير الله وقضائه، وقيل: بإرادة الله تعالى ومشيئته، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بعلمه وقضائه وقوله تعالى: ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ أي عند المصيبة أو عند الموت أو المرض أو الفقر أو القحط، ونحو ذلك فيعلم أنها من الله تعالى فيسلم لقضاء الله تعالى ويسترجع، فذلك قوله: ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ أي للتسليم لأمر الله، ونظيره قوله: ﴿ الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ ، قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما يهد قلبه إلى ما يحب ويرضى وقرئ ﴿ نهدِ قَلْبَهُ ﴾ بالنون وعن عكرمة ﴿ يُهْدَ قَلْبَهُ ﴾ بفتح الدال وضم الياء، وقرئ ﴿ يهدأ ﴾ قال الزجاج: هدأ قلبه يهدأ إذا سكن، والقلب بالرفع والنصب ووجه النصب أن يكون مثل ﴿ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ﴿ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى اطمئنان القلب عند المصيبة، وقيل: عليم بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد هدى قلبه: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ فيما جاء به من عند الله يعني هونوا المصائب والنوازل واتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى، ومن الرسول فيما دعاكم إليه.
وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه ﴿ فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين ﴾ الظاهر والبيان البائن، وقوله: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة الله تعالى من قوله: ﴿ لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فإن من كان موصوفاً بهذه الصفات ونحوها: فهو الذي ﴿ لا إله إِلاَّ هُوَ ﴾ أي لا معبود إلا هو ولا مقصود إلا هو عليه التوكل في كل باب، وإليه المرجع والمآب، وقوله: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ بيان أن المؤمن لا يعتمد إلا عليه، ولا يتقوى إلا به لما أنه يعتقد أن القادر بالحقيقة ليس إلا هو، وقال في الكشاف: هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه، فإن قيل: كيف يتعلق ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ بما قبله ويتصل به؟
نقول: يتعلق بقوله تعالى: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله ﴾ لما أن من يؤمن بالله فيصدقه يعلم ألا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِن تَولَّيْتُمْ ﴾ فلا عليه إذا توليتم، لأنه لم يكتب عليه طاعتكم، إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على التوكل عليه والتقوى به في أمره، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ إلّا بِتَقْدِيرِهِ وإرادَتِهِ.
﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ لِلثَّباتِ والِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ حُلُولِها، وقُرِئَ «يُهْدَ قَلْبُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى إقامَتِهِ مَقامَ الفاعِلِ وبِالنَّصْبِ عَلى طَرِيقَةِ سَفِهَ نَفْسَهُ، و «يَهْدَأُ» بِالهَمْزَةِ أيْ يَسْكُنُ.
﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ حَتّى القُلُوبِ وأحْوالِها.
﴿ وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ أيْ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إذْ وظِيفَتُهُ التَّبْلِيغُ وقَدْ بَلَّغَ.
﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّ إيمانَهم بِأنَّ الكُلَّ مِنهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَولَّيْتُمْ} عن طاعة الله وطاعة رسوله {فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين} أي فعليه التبلغي وقد فعل
﴿ وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الإطاعَتَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ، وتَوْضِيحِ مَوْرِدِ التَّوَلِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ عَنْ إطاعَةِ الرَّسُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ أُقِيمَ مَقامَهُ أيْ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إذْ ما عَلَيْهِ إلّا التَّبْلِيغُ المُبِينُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإظْهارُ الرَّسُولِ مُضافًا إلى نُونِ العَظَمَةِ في مَقامِ إضْمارِهِ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِمَدارِ الحُكْمِ الَّذِي هو كَوْنُ وظِيفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَحْضَ البَلاغِ ولِزِيادَةِ تَشْنِيعِ التَّوَلِّي عَنْهُ، والحَصْرُ في الكَلامِ إضافِيٌّ <div class="verse-tafsir"
ثم وصف حال الكافرين فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعني: بالكتاب والرسول.
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس المرجع الذي صاروا إليه المغبونين.
ثم قال عز وجل: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ يعني: ما أصاب بني آدم من شدة ومرض وموت الأهلين، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: إلا بإرادة الله تعالى وبعلمه.
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله على المصيبة، ويعلم أنها من الله تعالى، يَهْدِ قَلْبَهُ يعني: إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر.
وروي، عن علقة بن قيس: أن رجلاً قرأ عنده هذه الآية، فقال: أتدرون ما تفسيرها؟
وهو أن الرجل المسلم، يصاب بالمصيبة في نفسه وماله، يعلم أنها من عند الله تعالى، فيسلم ويرضى.
ويقال: مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ للاسترجاع يعني: يوفقه الله تعالى لذلك.
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: عالم بثواب من صبر على المصيبة.
ثم قال عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ يعني: أطيعوا الله في الفرائض، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في السنن.
ويقال: أطيعوا الله في الرضا بما يقضي عليكم من المصيبة، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الصبر وترك الجزع.
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: أبيتم وأعرضتم عن طاعة الله وطاعة رسوله.
فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: ليس عليه أكثر من التبليغ ثم وحّد نفسه، فقال عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا ضار، ولا نافع، ولا كاشف إلاَّ هو.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله، ويفوضوا أمرهم إليه.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ، حين يمنعونكم الهجرة، فَاحْذَرُوهُمْ أن تطيعوهم في ترك الهجرة.
روى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن قوماً أسلموا بمكة، فأرادوا أن يخرجوا إلى المدينة، فمنعهم أزواجهم وأولادهم.
فلما قدموا على النبيّ ، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فأرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ.
وَإِنْ تَعْفُوا يعني: تتركوا عقابهم، وَتَصْفَحُوا يعني: وتتجاوزوا، وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لذنوب المؤمنين رَحِيمٌ بهم.
ثم قال: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ يعني: الذين بمكة بلية لا يقدر الرجل على الهجرة.
روي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله يخطبنا، فأقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران.
فلما رآهما رسول الله ، نزل إليهما وأخذهما واحداً من هذا الجانب، وواحداً من هذا الجانب.
ثم صعد المنبر، فقال: «صَدَقَ الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ .
لَمَّا رأيت هذين الغُلامَيْنِ، لَمْ أَصْبِرْ أَنْ قَطَعْتُ كَلامِي، وَنَزَلْتُ إِلَيْهِمَا» .
ثم أتم الخطبة.
ثم قال: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي: ثواب عظيم، لمن آمن ولمن لم يعص الله تعالى لأجل الأموال والأولاد وأحسن إليهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ قال فيه المفسرون: المعنَى ومَنْ آمنَ وعَرَفَ أنَّ كلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّه وقَدَرَه وَعِلْمِهِ، هانتْ عَلَيْهِ مصيبتُه وسلَّم لأمْرِ اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ إلى آخر الآية، وعيد وتبرئة للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ إلى آخر السورةِ قرآنٌ مدنيٌّ واخْتُلِفَ في سَبَبهِ، فقال عطاء بن أبي ربَاح: إنَّه نَزَلَ في عَوْفِ بن مَالكٍ الأشّجَعِيِّ وذلك أَنَّهُ أراد غَزْواً مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فاجْتَمَعَ أَهْلُهُ وأولاده، وتَشَكَّوْا إلَيْه فِرَاقَهُ، فَرَقَّ لهُمْ فَثَبَّطُوهُ ولم/ يَغْزُ، ثم إنّه نَدِمَ وهَمَّ بمعاقبتِهم، فنزلتِ الآية «١» بسببه محذِّرةً مِن الأَزْوَاجِ والأولاد وفتنتِهم.
ثم صَرَفَ تَعالَى عَنْ معاقبتهِم بقوله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وقال بعضُ المفسرينَ: سببُ الآيةِ أنَّ قوماً آمنُوا وثَبَّطَهُمْ أزْوَاجُهم وأولادُهم عَنْ الهِجرةِ فَلَمْ يُهَاجِروا إلا بَعْدَ مدةٍ، فَوَجَدُوا غيرَهم قد تَفَقَّه في الدين، فَنَدِمُوا وهَمُّوا بمعاقبةِ أزواجِهِم وأولادِهم، ثم أَخْبَرَ تعالى أن الأمْوَالَ والأولادَ فتنةٌ تَشْغَلُ المرءَ عَنْ مَرَاشِدِهِ، وتَحْمِلُه مِنَ الرَّغْبَةِ في الدنيا عَلَى مَا لاَ يَحْمَدُه في آخرتِه، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مُجْبَنَةٌ» «٢» ، وخَرَّجَ أبو داود حديثاً في مصنفه «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجمعةِ عَلى المِنْبَرِ حَتَّى جَاءَ الحَسَنُ والحسينُ عليهما قميصان أحمرانَ يجرانِهما، يعثران ويقومان، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنِ المنبرِ حَتَّى أخَذَهُمَا، وصَعِدَ بِهِمَا، ثم قرأ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ...
الآية، وقال: إني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: ( زَعَمُوا ) كِنايَةُ الكَذِبِ.
وكانَ مُجاهِدٌ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زَعَمَ فُلانٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يَعْنِي: البَعْثَ، "والنُّورُ" هو القُرْآنُ، وفِيهِ بَيانُ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ الجِنَّ والإنْسَ، وأهْلَ السَّمَواتِ، وأهْلَ الأرْضِ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ﴾ تَفاعُلٌ مِنَ الغَبْنِ، وهو فَوْتُ الحَظِّ.
والمُرادُ في تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّغابُنِ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ، إلّا ولَهُ مَنزِلٌ وأهْلٌ في الجَنَّةِ فَيَرِثُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ، فَيُغْبَنُ حِينَئِذٍ الكافِرُ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ غَبْنِ المَظْلُومِ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا، فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يَوْمٌ يَظْهَرُ فِيهِ غَبْنُ الكافِرِ بِتَرْكِهِ لِلْإيمانِ، وغَبْنُ المُؤْمِنِ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ مَثَلًا لِلْبَيْعِ والشِّراءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ ﴾ وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "نُكَفِّرْ" "وَنُدْخِلْهُ" بِالنُّونِ فِيهِما.
والباقُونَ: بِالياءِ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عَلْقَمَةُ: هو الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أنَّها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَيُسَلِّمُ، ويَرْضى.
والثّانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلِاسْتِرْجاعِ، وهو أنْ يَقُولَ: إنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: يَهْدِ قَلْبَهُ، أيْ: يَجْعَلُهُ مُهْتَدِيًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: [يَهْدِ ولِيَّهُ بِالصَّبْرِ والرِّضى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّادِسُ: ] يَهْدِ قَلْبَهُ لِاتِّباعِ السُّنَّةِ إذا صَحَّ إيمانُهُ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ الحَيْرِيُّ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "يَهْدَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وَنَصْبِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مِن هَدَأ يَهْدَأُ: إذا سَكَنَ.
فالمَعْنى: إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والضَّحّاكُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: "نَهْدِ" بِالنُّونِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسْلِمُ.
فَإذا أرادَ الهِجْرَةَ مَنَعَهُ أهْلُهُ، ووَلَدُهُ، وقالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَذْهَبَ وتَدَعَ أهْلَكَ وعَشِيرَتَكَ وتَصِيرَ إلى المَدِينَةِ بِلا أهْلٍ ولا مالٍ.
فَمِنهم مَن يَرِقُّ لَهُمْ، ويُقِيمُ فَلا يُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَلَمّا هاجَرَ أُولَئِكَ، ورَأوُا النّاسَ قَدْ فَقُهُوا في الدِّينِ هَمُّوا أنْ يُعاقِبُوا أهْلَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أرادُوا الهِجْرَةَ قالَ لَهم أزْواجُهُمْ، وأوْلادُهُمْ: قَدْ صَبَرْنا لَكم عَلى مُفارَقَةِ الدِّينِ ولا نَصْبِرُ لَكم عَلى مُفارَقَتِكُمْ، ومُفارَقَةِ الأمْوالِ، والمَساكِنِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَهو عَدُوٌّ، وإنْ كانَ ولَدًا، أوْ كانَتْ زَوْجَةً.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ حُبُّ الرَّجُلِ ولَدَهُ وزَوْجَتَهُ يَحْمِلُهُ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ ومَعْصِيَةِ رَبِّهِ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ مِن أزْواجِهِمْ، وأوْلادِهِمْ مَن يَنْهاهم عَنِ الإسْلامِ، ويُثَبِّطُهم عَنْهُ، فَخَرَجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِمَنعِهِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِكَوْنِهِمْ سَبَبًا لِلْمَعاصِي، وعَلى هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وهَذا عَلى قَوْلِ قَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُطِيعُوهم في التَّخَلُّفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ.
فالمالُ والأوْلادُ يُوقِعانِ في العَظائِمِ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: إغْرامٌ.
يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِالمَرْأةِ، وشُغِفَ بِها، أيْ: أُغْرِمَ بِها.
وقالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما دَخَلَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الأزْواجِ، والأوْلادِ أعْداءً.
ولَمْ يَذْكُرْ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ لِأنَّها لا تَخْلُو مِنَ الفِتْنَةِ، واشْتِغالِ القَلْبِ بِها.
وقَدْ رَوى بُرَيْدَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «أنَّهُ كانَ يَخْطُبُ، فَجاءَ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ عَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَنَزَلَ مِنَ المِنبَرِ، فَحَمَلَهُما، فَوَضَعَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: "صَدَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ نَظَرْتُ إلى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَلَمْ أصْبِرْ حَتّى قَطَعْتُ حَدِيثِي، ورَفَعْتُهُما.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أيْ: ثَوابٌ جَزِيلٌ وهو الجَنَّةُ.
والمَعْنى: لا تَعْصُوهُ بِسَبَبِ الأوْلادِ، ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أيْ: ما أطَقْتُمْ "واسْمَعُوا" ما تُؤْمَرُونَ بِهِ "وَأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ" وفي هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نَفَقَةُ المُؤْمِنِ عَلى نَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: النَّفَقَةُ في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ حَتّى يُعْطِيَ حَقَّ اللَّهِ في مالِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في [الحَشْرِ: ٩] وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٤، والحَدِيدِ: ١٨،١١، والحَشْرِ: ٢٤،٢٣] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟
قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟
قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ [التغابن: 11] لأنها تضمنت أن المؤمنين متهيئون لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما يدعوانهم إليه من صالح الأعمال كما يدل عليه تذييل الكلام بقوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [آل عمران: 122]، ولأن طلب الطاعة فرع عن تحقق الإِيمان كما في حديث معاذ «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فأولُ ما تدعوهم إليه فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة» الحديث.
وتفريع ﴿ فإن توليتم ﴾ تحذير من عصيان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتولي مستعار للعصيان وعدم قبول دعوة الرسول.
وحقيقة التولّي الانصراف عن المكان المستقر فيه واستعير التولي للعصيان تشنيعاً له مبالغة في التحذير منه، ومثله قوله تعالى في خطاب المؤمنين ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ [محمد: 38]، وقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ﴾ [الأنفال: 20].
والتعريف في قوله: ﴿ رسولنا ﴾ بالإِضافة لقصد تعظيم شأنه بأنه صلى الله عليه وسلم رسول ربّ العالمين.
وهذا الضمير التفات من الغيبة إلى التكلم يفيد تشريف الرسول بعزّ الإضافة إلى المتكلم.
ومعنى الحَصْر قوله: ﴿ فإنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ قصر الرسول صلى الله عليه وسلم على كون واجبه البلاغ، قصرَ موصوف على صفةِ فالرسول صلى الله عليه وسلم مقصور على لزوم البلاغ له لا يعدُو ذلك إلى لزوم شيء آخر.
وهو قصر قلب تنزيلاً لهم في حالة العصيان المفروض منزلة من يعتقد أن الله لو شاء لألجأهم إلى العمل بما أمرهم به إلهاباً لنفوسهم بالحث على الطاعة.
ووصف البلاغ ب ﴿ المبين ﴾ ، أي الواضح عُذر للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ادعى ما أمر به على الوجه الأكمل قطعاً للمعذر عن عدم امتثال ما أمر به.
وباعتبار مفهوم القصر جملة ﴿ فإنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ كانت جواباً للشرط دون حاجة إلى تقدير جواب تكون هذه الجملة دليلاً عليه أو علة له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ ﴾ مِن نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ يَقْتَضِي هَمًّا أوْ يُوجِبُ عِقابًا عاجِلًا أوْ آجِلًا.
﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: إلّا بِحُكْمِ اللَّهِ تَسْلِيمًا لِأمْرِهِ وانْقِيادًا لِحُكْمِهِ.
﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَهْدِي قَلْبَهُ اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَرْضى ويُسَلِّمُ، قالَهُ بِشْرٌ.
الثّالِثُ: أنْ يَسْتَرْجِعَ فَيَقُولَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
الرّابِعُ: هو إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أنْعَمَ عَلَيْهِ شَكَرَ وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قيل له: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في (زعموا) قال: سمعته يقول: «بئس مطية الرجل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود أنه كره: زعموا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه كره زعموا لقول الله: ﴿ زعم الذين كفروا ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن هانئ بن عروة أنه قال لابنه: هب لي اثنتين: زعموا وسوف لا يكونان في حديثك.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: زعم كنية الكذب.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن شريح قال: زعم كنية الكذب.
وأخرج ابن أبي شيبة قال: زعموا زاملة الكذب.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يوم يجمعكم ليوم الجمع ﴾ قال: هو يوم القيامة وذلك ﴿ يوم التغابن ﴾ غبن أهل الجنة أهل النار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ يوم التغابن ﴾ من أسماء يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ قال: غبن أهل الجنة أهل النار.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ قال: غابن أهل الجنة أهل النار، والله أعلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن علقمة في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيسلم الأمر لله ويرضى بذلك.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية قال: هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وأخرج ابن المنذر عن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ قال: من أصاب من الإِيمان ما يعرف به الله فهو مهتدي القلب.
قوله تعالى: ﴿ الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ .
أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شعار المؤمنون يوم يبعثون من قبورهم لا إله إلا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون» .
أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم ﴾ في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان الرجل يريد الهجرة فتحبسه امرأته وولده، فيقول: إنا والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن ولأفعلن، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله: ﴿ وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ﴾ .
وأخرج عبد حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم ﴾ قال: منهم من لا يأمر بطاعة ولا ينهى عن معصية، وكفى بذلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه لا يأمر بطاعة، ولا ينهى عن معصية، وكانوا يثبطون عن الجهاد والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ يحتمل أن يريد بالمصيبة الرزايا، وخصها بالذكر لأنها أهم على الناس.
أو يريد جميع الحوادث من خير أو شر، وبإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ قيل: معناه من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا أحسن إلا أن العموم أحسن منه.
القراءات: ﴿ يوم نجمعكم ﴾ بالنون: رويس.
الباقون: على الغيبة ﴿ نكفر ﴾ و ﴿ ندخله ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الآخرون: على الغيبة.
الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ وله الحمد ﴾ ط النوع اختلاف وهو تقديم الخبر على المبتدأ في الأوّل ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مؤمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ صوركم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تعلنون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق الاتصال بالفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ يهدوننا ﴾ ه لاعتراض الاستفهام بين المتفقين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ يبعثوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أنزلنا ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ التغابن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ فاحذروهم ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه لا ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله ﴿ له الملك وله الحمد ﴾ لمكان الاختصاص وأن لا ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له.
قلت: لو عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما سبق في " الفاتحة " ﴿ هو الذي خلقكم ﴾ ذا فطرة سليمة.
وقوله ﴿ فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ بحسب الأسباب الخارجية كقوله "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " والكل على وفق المشيئة.
قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر.
والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى عليه.
وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن.
وقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله في ﴿ أحسن ﴾ وسيجيء في " التين " إن شاء الله العزيز.
وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله خلق أكمل منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان.
وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل أعم أولاً ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال ﴿ ألم يأتكم ﴾ الآية ﴿ ذلك ﴾ الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي ﴿ بأنه ﴾ أي بأن الشان ﴿ كانت ﴾ أي كانت القضية وقد مر نظيره في " حم المؤمن ".
﴿ أبشر ﴾ فاعل فعل محذوف تفسيره ﴿ يهدوننا ﴾ وجمع الضمير لأن البشر اسم جمع ﴿ إنّما أنا بشر ﴾ ﴿ إن نحن إلا بشر ﴾ قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله ﴿ واستغنى الله ﴾ ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.
قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معاً ويلزم منه أن لا يكون الله في الأزل غنياً.
قلت: لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنياً قديماً أو والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل.
قوله ﴿ زعم ﴾ من أفعال القلوب وفيه تقريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه ويؤيده ما روي عن النبي أنه قال "زعموا مطية الكذاب" و ﴿ أن لن يبعثوا ﴾ في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين.
قال جار الله: ﴿ يوم يجمعكم ﴾ منصوب بقوله ﴿ لتنبؤن ﴾ أو بـ ﴿ خبير ﴾ لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: واله يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار " اذكر " قلت: يجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مبنياً على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ .
سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله ﴿ ليوم الجمع ﴾ الجواب إن كان الخطاب في ﴿ يجمعكم ﴾ لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه الأوّلون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي سلف في نحو قوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ ﴿ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ﴾ ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾ هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله أعلم بمراده.
قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء.
قلت: في تسمية القسم الأخير تغابناً نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه.
واعتذر عنه جار الله بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في التحقيق فيلزم التهكم مثل ﴿ فبشرهم ﴾ وروي عن رسول الله "ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم وحمل الظالم خطايا المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئاً من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله.
قوله ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ كقوله ﴿ وزدناهم هدى ﴾ والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا قلبه إلى حقيقة الإيمان.
وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح.
وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ يعلم درجات القلوب من الإيمان.
ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إيلهن أو المعينة عليهن، ثم الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بيّن الله أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوّك هي التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان.
ومن الأولاد أولاد كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب ﴿ وإن تعفوا ﴾ عنهم إذا أطلعتم منهم على معاداة فإن الله يجازيكم.
وروى أن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت.
عن النبي أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجرة على المنبر فقال: صدق الله ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما.
وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات.
وقال بعض أهل التفسير: أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة.
" وما " للمدة أو للمصدر وقوله ﴿ خيراً لأنفسكم ﴾ نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في آخر " النساء " في قوله ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ وفيه إشارة إلى أن أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدّم لأجل نفسه شيئاً يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه أموالاً عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا بما يغنينا وبالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ يعني: بأمر الله، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ يعني: بعلم الله.
وقال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ يعني: بمشيئة الله.
ولكل من ذلك وجه: فأما من قال: بأمر الله، فمعناه وحجته: أن هذه المصائب كلها عقوبات؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر الله؛ فلذلك قال: معنى قوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله.
لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق، كقوله : ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ونحو ذلك، وهذه المصائب لا تحتمل [تأويلاً للأمر] من الله .
ومن قال: بعلم الله، فوجه ذلك: أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد، وفي الشاهد أنه لا يحب أحداً أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه، فأخبر -عز وجل- أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه، وأن هلاكهم لا يضره، ولا ينقص من ملكه؛ لأن الله - وتعالى - أنشأ ما أنشأ من الخلائق لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم؛ فحلول ما يحل بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه [لذلك كان علمها ما ذكر].
ومن قال: بمشيئة الله وإرادته فوجه ذلك: أن الله وعد وأوعد، ولا محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه، وإذا كان كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه؛ لأنه إذا خلق النار، وأوعد عليها، فلو أراد من كل منهم الطاعة، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور، ولو كان يريد [من كل منهم] المعصية، لكان إذا أنجز وعده، وأدخله [الجنة، كان يضع ثوابه غير موضعه ويخرج عن حد الحكمة، وإذا كان] كذلك، ثبت أنه أراد من كل ما علم أنه يختاره، ويكون منه ليخرج فعله على الحكمة، والله الموفق.
ونحن نقول: قد ذكر الله الإذن في مواضع مختلفة، ولكل من ذلك وجه غير وجه صاحبه، فالواجب أن يصرف معناه في كل موضع إلى ما يليق به، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ .
قال أبو بكر: أي: من آمن بما شاهد من التدبير، يهديه الله ؛ ليعلم أن من دبر هذا التدبير هو الذي ابتلاه بهذه المعصية.
ويجوز أن يكون تأويله على وجه آخر، وهو أن يقول: من يؤمن بالله أن له الخلق والأمر -يهدِ قلبه؛ ليسكن، ويعلم أن الله أولى به؛ فيسترجع عند ذلك، وذلك تأويل من قرأ ﴿ يهدأ قلبه ﴾ أي: يسكن؛ من الهدوء وهو السكون، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أن تكون هذه الهداية وإن خرجت على لفظ الإحداث، فليس على الإحداث ولكن معناه: أن إيمانه بالله إنما كان بهدايته منه؛ لأنه لا يجوز أن يكون الإيمان متقدما والهداية متأخرة، ولكن حين هداه، آمن بما هداه؛ وهذا على ما قال الله : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ فهذا خرج في الظاهر على لفظ الإحداث، ولكنه في الحقيقة ليس عليه ولكن على معنى أنهم لما آمنوا، أخرجهم بالإيمان من الظلمات إلى النور بعد الإيمان، فكذلك الأول، والله أعلم.
ويجوز أن يكون تأويله: أن الله يهدي قلبه، أي: يتوب عليه من الزلات عند الموت؛ على ما قال الله : ﴿ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
وقيل: فيه لغات أربع ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ بنصب الياء والباء جميعاً، و ﴿ يُهد قَلبُه ﴾ برفع الياء والباء جميعاً، و ﴿ يَهْدَ قَلبُه ﴾ بفتح الياء وضم الباء، أي: يهتدي، و ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ من السكون.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
الأصل في الأسماء المشتركة إذا أضيف شيء منها إلى الله ، فحق التخصيص في الإضافة إليه أن يضاف بحق الكليات ليكون فرقا بينه وبين العباد فيقال: ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، ويقال في الخلق: فلان عليم بكذا على الخصوص، وليعلموا أن العبيد إنما يعملون ما يعملون بعلمه، وكذلك هذا في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله -عز وجل- ليس بقادر على كثير من الأشياء فكأنهم أشركوا في اسم القدرة غيره؛ لأنه لا أحد من الخلق إلا وله جزء من القدرة، فلو قلنا: إن الله يقدر على بعض [ولا يقدر على بعض] لسوينا بينه وبين خلقه، وشبهناه بهم، جل الله - وتعالى - عن [مثل هذا الوصف] والله المستعان.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ .
يعني: أطيعوا الله فيما تعبدكم به، وأطيعوا الرسول فيما أخبر عنه.
أو أطيعوا الله فيما أمركم وأطيعوا الرسول فيما دعاكم إليه، وهذا كله واحد إلا التعبُّد؛ فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الرسول، وما سواه من الألفاظ من الأمر والدعاء والإخبار، فهو جائز أن يضاف [إلى الله ] وإلى الرسول - -.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَولَّيْتُمْ ﴾ .
يعني: توليتم عن إجابة الرسول إلى ما دعاكم إليه وعن طاعته.
وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
فيه بيان: أن توليهم عن إجابته وكفرهم به، لا يوجب تقصيرا في التبليغ.
وقوله -عز وجل-: ﴿ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُو ﴾ .
يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم من الآيات من قوله: ﴿ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ و ﴿ عَلِيمٌ ﴾ و ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ ، ثم قال الله الذي له الأوصاف التي تقدمت هو الذي لا إله إلا هو، أي: لا معبود إلا هو، وأن معبودهم ليس يجوز أن يكون معبودا؛ لتعريه عن هذه الأوصاف التي تقدم ذكرها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
فيه بيان: أن معتمد المؤمنين على الله ، وإن قلت أعوانهم وأنصارهم، وأنهم ليسوا كالمنافقين والكفرة؛ حيث تركوا اتباع المؤمنين لما رأوا من قلة الأتباع والأعوان لهم وأخبر أن المؤمنين بخلاف تلك الصفة، وأن ثقتهم واعتمادهم على الله ليس على كثرة الأنصار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن أعرضتم عما جاءكم به رسوله فإثم ذلك الإعراض عليكم، وليس على رسولنا الا تبليغ ما أمرناه بتبليغه، وقد بلغكم ما أُمِر بتبليغه.
<div class="verse-tafsir" id="91.kgjZK"