الآية ١١ من سورة الطلاق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 65 الطلاق > الآية ١١ من سورة الطلاق

رَّسُولًۭا يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍۢ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًۭا يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزْقًا ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الطلاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الطلاق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ) قال بعضهم : ( رسولا ) منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة ; لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر .

وقال ابن جرير : الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر ، يعني تفسيرا له ولهذا قال تعالى : ( رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ) أي في حال كونها بينة واضحة جلية ( ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) كقوله تعالى ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) [ إبراهيم : 1 ] وقال تعالى ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) [ البقرة : 257 ] أي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورا لما يحصل به من الهدى كما سماه روحا لما يحصل به من حياة القلوب فقال : تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [ الشورى : 52 ] وقوله : ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا ) قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قد أنـزل الله إليكم أيها الناس ذكرًا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات، كي يخرج الذين صدّقوا الله ورسوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله به وأطاعوه (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) يعني من الكفر وهي الظلمات، إلى النور يعني إلى الإيمان.

وقوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا ) يقول: ومن يصدّق بالله ويعمل بطاعته (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول: يُدخله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) يقول: ماكثين مقيمين في البساتين التي تجري من تحتها الأنهار أبدًا، لا يموتون، ولا يخرجون منها أبدًا.

وقوله: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ) يقول: قد وسع الله له في الجنات رزقًا، يعني بالرزق: ما رزقه فيها من المطاعم والمشارب، وسائر ما أعدّ لأوليائه فيها، فطيبه لهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

" رسولا " قال الزجاج : إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل ; أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا .

وقيل : إن المعنى قد أنزل الله إليكم صاحب ذكر رسولا ; ف " رسولا " نعت للذكر على تقدير حذف المضاف .

وقيل : إن رسولا معمول للذكر لأنه مصدر ; والتقدير : قد أنزل الله إليكم أن ذكر رسولا .

ويكون ذكره الرسول قوله : محمد رسول الله .

ويجوز أن يكون " رسولا " بدل من ذكر ، على أن يكون رسولا بمعنى رسالة ، أو على أن يكون على بابه ويكون محمولا على المعنى ، كأنه قال : قد أظهر الله لكم ذكرا رسولا ، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء وهو هو .

ويجوز أن ينتصب رسولا على الإغراء كأنه قال : اتبعوا رسولا .

وقيل : الذكر هنا الشرف ، نحو قوله تعالى : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ، وقوله تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك ، ثم بين هذا الشرف ، فقال : رسولا .

والأكثر على أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال الكلبي : هو جبريل ، فيكونان جميعا منزلين .يتلو عليكم آيات الله نعت لرسول .

و " آيات الله " القرآن ." مبينات " قراءة العامة بفتح الياء ; أي بينها الله .

وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسرها ، أي يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام .

والأولى قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، لقوله تعالى : قد بينا لكم الآيات .ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي من سبق له ذلك في علم الله .من الظلمات أي من الكفر .إلى النور الهدى والإيمان .

قال ابن عباس : نزلت في مؤمني أهل الكتاب .

وأضاف الإخراج إلى الرسول لأن الإيمان يحصل منه بطاعته .قوله تعالى : ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار قرأ نافع وابن عامر بالنون ، والباقون بالياء .قد أحسن الله له رزقا أي وسع الله له في الجنات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر عباده المؤمنين بما أنزل عليهم من كتابه، الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ليخرج الخلق من ظلمات الكفر والجهل والمعصية، إلى نور العلم والإيمان والطاعة، فمن الناس، من آمن به، ومنهم من لم يؤمن [به]، { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا } من الواجبات والمستحبات.

{ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } فيها من النعيم المقيم، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا } [أي:] ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فأولئك أصحاب النار، هم فيها خالدون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( رسولا ) بدل من الذكر ، وقيل : أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا .

وقيل : مع الرسول ، وقيل : " الذكر " هو الرسول .

وقيل : " ذكرا " أي شرفا .

ثم بين ما هو فقال : ( رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا ) يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«رسولا» أي محمدا صلى الله عليه وسلم منصوب بفعل مقدر، أي وأرسل «يتلو عليكم آيات الله مبيَّنات» بفتح الياء وكسرها كما تقدم «ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات» بعد مجيء الذكر والرسول «من الظلمات» الكفر الذي كانوا عليه «إلى النور» الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر» ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله» وفي قراءة بالنون «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا» هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أعدَّ الله لهؤلاء القوم الذين طغَوا، وخالفوا أمره وأمر رسله، عذابًا بالغ الشدة، فخافوا الله واحذروا سخطه يا أصحاب العقول الراجحة الذين صدَّقوا الله ورسله وعملوا بشرعه.

قد أنزل الله إليكم- أيها المؤمنون- ذكرًا يذكركم به، وينبهكم على حظكم من الإيمان بالله والعمل بطاعته.

وهذا الذكر هو الرسول يقرأ عليكم آيات الله موضحات لكم الحق من الباطل؛ كي يخرج الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله به وأطاعوه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن يؤمن بالله ويعمل عملا صالحًا، يدخله جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، ماكثين فيها ابدًا، قد أحسن الله للمؤمن الصالح رزقه في الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بالرسول فى قوله - تعالى - : ( رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ ) محمد - صلى الله عليه وسلم - وللمفسرين جملة من الأقوال فى إعرابه ، فمنهم من يرى أنه منصوب بفعل مقدر ، ومنهم من يرى أنه بدل من ذكرا .

.والمعنى : فاتقوا الله - أيها المؤمنون - فقد أنزلنا إليكم قرآنا فيه ما يذكركم بخير الدنيا والآخرة .

.

.

وأرسلنا إليكم رسولا هو عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لكى يتلو عليكم آياتنا تلاوة تدبر وفهم ، يعقبهما تنفيذ ما اشتملت عليه هذه الآيات من أحكام وأداب وهدايات .

.ولكى يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الشرك الذى كانوا واقعين فيه ، إلى نور الإيمان الذى صاروا إليه .ومنهم من فسر الذكر بالرسول - صلى الله عليه وسلم - .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً ) هو النبى - صلى الله عليه وسلم - وعبر عنه بالذكر ، لمواظبته على تلاوة القرآن الذى هو ذكر .

.وقوله - تعالى - ( رَّسُولاً ) بدل من ( ذِكْراً ) ، وعبر عن إرساله بالإنزال ، لأن الإرسال مسبب عنه .والظاهر أن الذكر هو القرآن ، والرسول هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسولا منصوب بمقدر ، أى : وأرسل رسولا .

.ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الصادقين فقال : ( وَمَن يُؤْمِن بالله ) إيمانا حقا ( وَيَعْمَلْ ) عملا ( صَالِحاً يُدْخِلْهُ ) - سبحانه - بفضله وإحسانه ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) خلودا أبديا .

.وقوله : ( قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً ) حال من الضمير فى قوله ( يُدْخِلْهُ ) ، والجمع فى الضمائر باعتبار معنى ( مِن ) كما أن الأفراد فى الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها : والرزق : كل ما ينتفع به الإنسان ، وتنكيره للتعظيم .أى : قد وسع الله - تعالى - لهذا المؤمن الصادق فى إيمانه رزقه فى الجنة ، وأعطاه من الخير والنعيم ، ما يشرح صدره ، ويدخل السرور على نفسه .

ويصلح باله .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ ﴾ الكلام في كأين قد مر، وقوله: ﴿ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا ﴾ وصف القرية بالعتو والمراد أهلها، كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ قال ابن عباس: ﴿ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا ﴾ أي أعرضت عنه، وقال مقاتل: خالفت أمر ربها، وخالفت رسله، فحاسبناها حساباً شديداً، فحاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها العذاب، وهو قوله: ﴿ وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً ﴾ أي عذاباً منكراً عظيماً، فسر المحاسبة بالتعذيب.

وقال الكلبي: هذا على التقديم والتأخير، يعني فعذبناها في الدنيا وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً، والمراد حساب الآخرة وعذابها ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ﴾ أي شدة أمرها وعقوبة كفرها.

وقال ابن عباس: عاقبة كفرها ﴿ وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً ﴾ أي عاقبة عتوها خساراً في الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿ أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ يخوف كفار مكة أن يكذبوا محمداً فينزل بهم ما نزل بالأمم قبلهم، وقوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ياأولى الألباب ﴾ خطاب لأهل الإيمان، أي فاتقوا الله عن أن تكفروا به وبرسوله، وقوله: ﴿ قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً ﴾ هو على وجهين: أحدهما: أنزل الله إليكم ذكراً، هو الرسول، وإنما سماه ذكراً لأنه يذكر ما يرجع إلى دينهم وعقباهم وثانيهما: أنزل الله إليكم ذكراً، وأرسل رسولاً.

وقال في الكشاف: ﴿ رَّسُولاً ﴾ هو جبريل عليه السلام، أبدل من ﴿ ذِكْراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، والذكر قد يراد به الشرف، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ وقد يراد به القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر  ﴾ وقرئ (رسول) على هو رسول، و ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايات الله مبينات ﴾ بالخفض والنصب، والآيات هي الحجج فبالخفض، لأنها تبين الأمر والنبي والحلال والحرام، ومن نصب يريد أنه تعالى أوضح آياته وبينها أنها من عنده.

وقوله تعالى: ﴿ لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ يعني من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الشبهة إلى نور الحجة، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم.

وفي الآية مباحث: الأولى: قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ياأولى الألباب ﴾ يتعلق بقوله تعالى: ﴿ وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا ﴾ أم لا؟

فنقول: قوله: ﴿ فاتقوا الله ﴾ يؤكد قول من قال: المراد من قرية أهلها، لما أنه يدل على أن خطاب الله تعالى لا يكون إلا لذوي العقول فمن لا عقل له فلا خطاب عليه، وقيل قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ ﴾ مشتمل على الترهيب والترغيب.

الثاني: الإيمان هو التقوى في الحقيقة وأولوا الألباب الذين آمنوا كانوا من المتقدمين بالضرورة فكيف يقال لهم: ﴿ فاتقوا الله ﴾ ؟

نقول: للتقوى درجات ومراتب فالدرجة الأولى هي التقوى من الشرك والبواقي هي التقوى من المعاصي التي هي غير الشرك فأهل الإيمان إذا أمروا بالتقوى كان ذلك الأمر بالنسبة إلى الكبائر والصغائر لا بالنسبة إلى الشرك.

الثالث: كل من آمن بالله فقد خرج من الظلمات إلى النور وإذا كان كذلك فحق هذا الكلام وهو قوله تعالى: ﴿ لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ ﴾ أن يقال: ليخرج الذين كفروا؟

نقول: يمكن أن يكون المراد: ليخرج الذين يؤمنون على ما جاز أن يراد من الماضي المستقبل كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى  ﴾ أي وإذ يقول الله، ويمكن أن يكون ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً ﴾ .

قوله: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بالله ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن من الثواب، وقرئ ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ بالياء والنون، و ﴿ قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً ﴾ قال الزجاج: رزقه الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها، وقيل: ﴿ رِزْقاً ﴾ أي طاعة في الدنيا وثواباً في الآخرة ونظيره ﴿ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد ﴿ حِسَاباً شَدِيداً ﴾ بالاستقصاء والمناقشة ﴿ عَذَاباً نُّكْراً ﴾ وقرئ: ﴿ نكرا ﴾ منكراً عظيماً، والمراد: حساب الآخرة وعذابها وما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة ﴾ [الأعراف: 44] ، ﴿ ونادى أصحاب النار ﴾ [الأعراف: 50] ونحو ذلك؛ لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكأن قد كان.

وقوله: ﴿ أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقباً، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك ﴿ ياأولي الألباب ﴾ من المؤمنين لطفاً في تقوى الله وحذر عقابه.

ويجوز أن يراد إحصاء السيئات، واستقصاؤها عليهم في الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل؛ وأن يكون ﴿ عَتَتْ ﴾ وما عطف عليه: صفة للقرية.

وأعد الله لهم: جواباً لكأين ﴿ رَسُولاً ﴾ هو جبريل صلوات الله عليه: أبدل من ذكرا، لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه.

أو أريد بالذكر: الشرف، من قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ [الزخرف: 44] فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف: إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى: ﴿ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ ﴾ [التكوير: 20] أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر.

أو أريد: ذا ذكر، أي ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها.

أو دل قوله: ﴿ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً ﴾ [الطلاق: 10] على: أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا؛ أو أعمل ذكراً في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل، أي: أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا.

وقرئ: ﴿ رسول ﴾ ، على: هو رسول.

أنزله ﴿ لّيُخْرِجَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ بعد إنزاله، أي ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح: لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ.

أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون.

قرئ: ﴿ يدخله ﴾ ، بالياء والنون ﴿ قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وبَيانٌ لِما يُوجِبُ التَّقْوى المَأْمُورَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحِسابِ اسْتِقْصاءَ ذُنُوبِهِمْ وإثْباتَها في صُحُفِ الحَفَظَةِ، وبِالعَذابِ ما أُصِيبُوا بِهِ عاجِلًا.

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ يَعْنِي بِالذِّكْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، أوْ لِنُزُولِهِ بِالذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، أوْ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في السَّماواتِ أوْ ذا ذِكْرٍ أيْ شَرَفٍ، أوْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُواظَبَتِهِ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ، أوْ تَبْلِيغِهِ وعَبَّرَ عَنْ إرْسالِهِ بِالإنْزالِ تَرْشِيحًا، أوْ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْزالِ الوَحْيِ إلَيْهِ، وأبْدَلَ مِنهُ رَسُولًا لِلْبَيانِ أوْ أرادَ بِهِ القُرْآنَ، ورَسُولًا.

مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مِثْلَ أرْسَلَ أوْ ذِكْرًا مَصْدَرٌ ورَسُولًا مَفْعُولُهُ أوْ بَدَلُهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ.

﴿ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ ﴾ حالٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ أوْ صِفَةُ رَسُولًا، والمُرادُ بِ الَّذِينَ آمَنُوا في قَوْلِهِ: ﴿ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ إنْزالِهِ أيْ لِيَحْصُلَ لَهم ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أوْ لِيُخْرِجَ مَن عَلِمَ أوْ قَدَّرَ أنَّهُ يُؤْمِنُ ﴿ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى.

﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ نُدْخِلْهُ بِالنُّونِ.

﴿ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ وتَعْظِيمٌ لِما رُزِقُوا مِنَ الثَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{رَسُولاً} بفعل مضمر تقديره أرسل رسولاً أو بدل من ذِكْراً كأنه في نفسه ذكراً وعلى تقدير حذف المظاف أي قد أنزل الله إليكم ذا ذكر رسولاً أو أريد بالذكر الشرف كقوله وَإِنَّهُ لذكر لك ولقومك أي

فاشرف ومجد عند الله وبالرسول جبريل أو محمد عليهما السلام {يتلو} أي الرسول والله عز وجل {عليكم آيات الله مبينات ليخرج} الله {الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} أي ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح أو ليخرج الذين علم أنهم يؤمنون {مِّنَ الظلمات إِلَى النور} من ظلمات الكفر أو الجهل إلى نور الإيمان أو العلم {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا يُدْخِلْهُ} وبالنون مدني وشامي {جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا} وحد وجمع حملاً على لفظ من ومعناه {قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً} فيه معنى التعجيب والتعظيم لما رزق المؤمنين من الثواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَسُولا ﴾ بَدَلًا مِنهُ، وعَبَّرَ عَنْ إرْسالِهِ بِالإنْزالِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، أوْ لِأنَّ الإرْسالَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَيَكُونُ ﴿ أنْزَلَ ﴾ مَجازًا مُرْسَلًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، والرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسَ الذِّكْرِ مَجازًا.

أوْ يَكُونَ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذا ذِكْرٍ ﴿ رَسُولا ﴾ فَيَكُونُ ﴿ رَسُولا ﴾ نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا، وقِيلَ: ﴿ رَسُولا ﴾ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مِثْلَ أرْسَلَ رَسُولًا دَلَّ عَلَيْهِ أنْزَلَ.

ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو ذِكْرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ أيْ ﴿ أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ تَعالى ذِكْرَهُ ﴿ رَسُولا ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَدُلُّ عَلى كَرامَتِهِ عِنْدَهُ وزُلْفاهُ، ويُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: القُرْآنُ وفِيهِ تَعَسُّفٌ، ومِثْلُهُ جَعَلَ ﴿ رَسُولا ﴾ بَدَلًا مِنهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ ها هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ بَدَلًا أيْضًا مِن ﴿ ذِكْرًا ﴾ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ فَهو مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً - كَرَجُلٍ عَدْلٍ - أوْ لِنُزُولِهِ بِالذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، فَبَيْنَهُما مُلابَسَةٌ نَحْوَ الحُلُولِ، أوْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَذْكُورٌ في السَّماواتِ وفي الأُمَمِ، فالمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وقَدْ يُفَسَّرُ الذِّكْرُ حِينَئِذٍ بِالشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ شَرَفٌ إمّا لِأنَّهُ شَرَفٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وإمّا لِأنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ  ﴾ وفِي الكَشْفِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ القُرْآنُ وبِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَكُونُ البَدَلُ بَدَلَ اشْتِمالِهِ، وإذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ الشَّرَفُ وغَيْرُهُ يَكُونُ مِن بَدَلِ الكُلِّ فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ رَسُولٌ عَلى إضْمارِ هو، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ ﴾ نَعْتٌ - لِرَسُولًا - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ اسْمِ «اللَّهِ» تَعالى، ونِسْبَةُ التِّلاوَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازِيَّةٌ كَبَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، و ﴿ آياتِ اللَّهِ ﴾ القُرْآنَ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، و”مُبَيِّناتٍ“ حالٌ مِنها أيْ حالَ كَوْنِها مُبَيِّناتٍ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ، وقُرِئَ «مُبَيَّناتٍ» أيْ بَيَّنَها اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ“ [آلَ عِمْرانَ: 118، الحَدِيدَ: 170] واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأنْزَلَ - أوْ - بِيَتْلُو - وفاعِلُ يُخْرِجُ عَلى الثّانِي ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ إنْزالِ الذِّكْرِ وقَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ مَن عَلِمَ سُبْحانَهُ وقَدَّرَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ أيْ لِيُحَصِّلَ لَهُمُ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أوْ لِيُخْرِجَ مَن عَلِمَ وقَدَّرَ أنَّهُ يُؤْمِنُ مِن أنْواعِ الضَّلالاتِ إلى الهُدى، فالمُضِيُّ إمّا بِالنَّظَرِ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ سُبْحانَهُ الأزَلِيِّ.

﴿ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا ﴾ حَسْبَما بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّناتِ.

﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ - نُدْخِلْهُ - بِنُونِ العَظَمَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ حالٌ أُخْرى مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ”خالِدِينَ“ بِطَرِيقِ التَّداخُلِ، وإفْرادُ ضَمِيرِ ”لَهُ“ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ أيْضًا، وفِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ وإلّا لَمْ يَكُنْ في الأخْبارِ بِما ذَكَرَ ها هَنا كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى.

واسْتَدَلَّ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا.

ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى.

ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ما فِيها لَيْسَ كَما ذُكِرَ لِأنَّ الضَّمِيرَ في ”خالِدِينَ“ لَيْسَ عائِدًا عَلى مَن كالضَّمائِرِ قَبْلُ، وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ - يُدْخِلُ - و”خالِدِينَ“ حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها - يُدْخِلُ - لا فِعْلَ الشَّرْطِ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: فكم من أهل قرية قرأ ابن كثير وَكَأَيِّنْ بغير الألف، والباقون بغير مد مع تشديد الياء، وهما لغتان ومعناهما واحد، يعني: وكم من قرية.

عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها يعني: أبت وعصت عن أمر ربها يعني: عن طاعة ربها.

قال مقاتل: عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها يعني: خالفت وعصت وقال الكلبي: العتو المعصية.

وقال أهل اللغة: العتو مجاوزة الحد في المعصية.

ثم قال: وَرُسُلِهِ يعني: عن طاعة رسول الله  .

فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً يعني: جازاها الله بعملها.

ويقال: حاسبناها في الآخرة حِساباً شَدِيداً.

وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً يعني: عذاباً منكراً، على معنى التقديم يعني: عذبناها في الدنيا عذاباً شديداً، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً.

ويقال: وحاسبناها يعني: في الدنيا يعني: جازيناها وخذلناها وحرمناها.

ثم قال عز وجل: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها يعني: جزاء ذنبها.

وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً يعني: أهل القرية، يعني: أن آخر أمرهم صار إلى الخسران والندامة.

ثم قال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً يعني: ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم، ولكن مع ما أصابهم في الدنيا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة، لأنهم لم يرجعوا عن كفرهم.

ثم أمر المؤمنين بأن يعتبروا بهم، ويثبتوا على إيمانهم، فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني: اخشوا الله وأطيعوه يا ذوي العقول من الناس.

الَّذِينَ آمَنُوا بالله يعني: الذين صدقوا بالله ورسوله.

قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً يعني: كتاباً.

ويقال: شرفاً وعزاً وهو القرآن.

ثم قال: رَسُولًا يعني: أرسل إليكم رسولاً، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ يعني: يقرأ عليكم ويعرض عليكم.

ويقال: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا، يعني: كتاباً مع رسوله، ليتلو عليكم يعني: يقرأ عليكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ يعني: واضحات.

ويقال: بيّن فيه الحلال والحرام.

لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله وطاعته وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: من الجهالة إلى البيان.

ويقال: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا اللفظ لفظ المستقبل، والمراد به الماضي يعني: أخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، يعني: من الكفر إلى الإيمان ويقال: هو المستقبل يعني: يخرجهم من الشبهات والجهالات إلى الدلالات والبراهين ويقال: ليدعو النبيّ  ، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان من قدرة الله الإيمان في سابق علمه.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله.

ويقال: يثبت على الإيمان، وَيَعْمَلْ صالِحاً يعني: فرائض الله وسنن الرسول  .

يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.

قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون، والباقون بالياء يعني: يدخله الله تعالى في الآخرة.

خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين في الجنة دائمين فيها.

أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً يعني: أعد الله له ثواباً في الجنة.

ثم قال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يعني: خلق سبع أرضين مثل عدد السماوات.

يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ يعني: ينزل الوحي من السموات.

ويقال: في كل سماء، وفي كل أرض أمره نافذ.

وقال القتبي: الأمر، على وجوه الأمر أي القضاء، كقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس: 3] ويعني: يقضي القضاء، وكقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: 54] أي: القضاء.

والأمر: الدين، كقوله: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [الأنبياء: 93] وكقوله: وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ [التوبة: 48] أي: دين الله.

والأمر: القول كقوله: يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف: 21] أي قولهم الأمر: العذاب، كقوله: إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: 76] والأمر: القيامة، كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1] والأمر: الوحي، كقوله: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [الطلاق: 12] يعني: الوحي.

والأمر: الذنب، كقوله: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها [الطلاق: 9] أي: جزاء ذنبها.

وأصل هذا كله واحد، لأن الأشياء كلها بأمر الله تعالى، فسميت الأشياء أموراً.

ثم قال: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: يمكنكم أن تعلموا أن الله على كل شىء قدير.

وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً يعني: أحاط علمه بكل شيء.

وروى معمر، عن قتادة في قوله: سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قال: في كل سماء، وفي كل أرض من أرضه، وخلق من خلقه وأمر من أموره، وقضاء من قضائه سبحانه وتعالى.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فما عِدَّةُ مَنْ لاَ قَرْءَ لَهَا مِنْ صِغَرٍ أو كِبَرٍ «١» ، فنزلَتْ هذه الآية، فقالَ قائلٌ منهم: فَمَا عِدَّةُ الحَامِلِ فنزلَتْ: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وهُو لفظٌ يَعُمُّ الحواملَ المطلقاتِ والمعْتَدَّاتِ من الوَفَاةِ، والارتيابُ المذكورُ قيلَ: هو بأمر الحَمْلِ.

وقوله سبحانه: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ...

الآية، أمْرٌ بإسكانِ المطلقاتِ ولاَ خِلاَفَ في ذلك في التي لَمْ تُبَتَّ وأمَّا المَبْتُوتَةُ فَمَالكٌ يَرَى لَها السُّكْنَى لمكانِ حِفْظِ النسب، ولا يَرَى لها نَفَقَةً لأنَّ النفقةَ بإزَاء الاسْتِمْتَاعِ، وقال الثعلبيُّ: مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي: في مساكِنِكم التي طلقتموهنَّ فِيها، انتهى، والوُجْدُ السِّعَةُ في المالِ، وأما الحَامِلُ فَلا خِلاَفَ في وُجُوبِ سُكْنَاها ونفقتِها بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ لأَنَّها مُبَيَّنة في الآيةِ، وأَنما اخْتَلَفُوا في نفقةِ الحامِل المُتَوفَّى عَنْهَا زوجُها، هَلْ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ التِّرْكَةِ، أمْ لاَ، وكذلكَ النَّفَقَةُ على المُرْضِعِ المطلقةِ وَاجِبَةٌ، وبَسْطُ ذلك في كتبِ الفقه.

وقوله سبحانه: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي ليأمُرْ كلُّ واحدٍ صاحبَه بخيرٍ، ولْيَقْبَلْ كلُّ أحَدٍ مَا أُمِرَ بهِ من المعروف.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي: تَشَطَّطت «٢» المرأة في الحدِّ الذي يكونُ أُجْرَةً على الرِّضَاعِ، فللزَّوْجِ أن يسترضع/ بما فيه رفقه أَلاَّ يقبلَ المولودُ غَيْرَ أمِّه، فَتُجْبَرُ هِي حِينَئِذٍ عَلى رَضَاعِه بأجْرَةِ مثلها ومثل الزوجِ في حالهما وغناهما.

ت: وهذا كله في المطلقة البائِنِ، قال ابن عبد السلام من أصحابنا: الضمير في قوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عائِدٌ على المطلقاتِ وكَذَلِكَ قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [البقرة: ٢٣٣] وأمَّا ذَاتُ الزوج أو الرَّجْعِية، فَيَجِبُ عليها أنْ ترضِعَ مِنْ غَيْر أجْرٍ إلا أنْ تكون شريفة فلا يلزمها ذلك، انتهى.

لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ أيْ: وكَمْ ﴿ "مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ ﴾ ، أيْ: عَنْ أمْرِ رُسُلِهِ.

والمَعْنى: عَتا أهْلُها.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَتَتْ، أيْ: كَفَرَتْ، وتَرَكَتْ أمْرَ رَبِّها، فَلَمْ تَقْبَلْهُ.

وفي باقِي الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ فِيها تَقْدِيمًا، وتَأْخِيرًا.

والمَعْنى: عَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا في الدُّنْيا بِالجُوعِ، والسَّيْفِ، والبَلايا، وحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها، والمَعْنى: حاسَبْناها بِعَمَلِها في الدُّنْيا، فَجازَيْناها بِالعَذابِ عَلى مِقْدارِ عَمَلِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَعَذَّبْناها" فَجَعَلَ المُجازاةَ بِالعَذابِ مُحاسَبَةً.

والحِسابُ الشَّدِيدُ: الَّذِي لا عَفْوَ فِيهِ، والنُّكْرُ: المُنْكَرُ ﴿ فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها ﴾ أيْ: جَزاءَ ذَنْبِها ﴿ وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ في الدُّنْيا، والآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخُسْرُ: الهَلَكَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ أيْ: قُرْآنًا.

﴿ رَسُولا ﴾ أيْ: وبَعَثَهُ رَسُولًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: الرَّسُولُ ها هُنا: جِبْرائِيلُ، فَعَلى هَذا: يَكُونُ الذِّكْرُ والرَّسُولُ جَمِيعًا مُنَزَّلَيْنِ.

وقالَ ثَعْلَبٌ: الرَّسُولُ: هو الذِّكْرُ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الذِّكْرِ هاهُنا: الشَّرَفُ.

وَما بَعْدَهُ قَدْ تَقَدَّمَ [البَقَرَةِ: ٢٥٧، والأحْزابِ: ٤٣، والتَّغابُنِ: ٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عن أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا ﴾ ﴿ فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللهُ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنَ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللهِ لَهُ رِزْقًا ﴾ "كَأيِّنْ" هي كافُ الجَرِّ دَخَلَتْ عَلى "أيِّ"، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعُبَيْدُ عن أبِي عَمْرٍو: "وَكائِنٍ" مَمْدُودَةٌ مَهْمُوزَةٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: وكائِنُ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ..........

وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَكايِنٍ" بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وفي هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ قَلْبٌ؛ لِأنَّ الياءَ قَبْلَ الألِفاتِ.

و"العُتُوُّ": تَرْكُ الِائْتِمارِ والقَبُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَحاسَبْناها" قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الآيَةُ في الآخِرَةِ، أيْ: ثُمَّ هو الحِسابُ والتَعْذِيبُ والذَوْقُ وخَسارُ العاقِبَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، ومَعْنى ( حاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا ) لَمْ نَغْتَفِرْ لَهم زَلَّةً بَلْ أخَذُوا بِالدَقائِقِ مِنَ الذُنُوبِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ وابْنُ ذَكْوانَ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، وأسْكَنَها الباقُونَ، وهي قِراءَةُ عِيسى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ بَيانٌ لِوَجْهِ خُسْرانِ عاقِبَتِهِمْ، فَيَتَأيَّدُ بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ المُحاسَبَةُ والتَعْذِيبُ والذَوْقُ في الدُنْيا.

ثُمَّ نَدَبَ تَعالى أُولِي الألْبابِ إلى التَقْوى تَحْذِيرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ صِفَةٌ لـ "أُولِي الألْبابِ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في تَقْدِيرِ ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِالِاسْمَيْنِ القُرْآنُ، و"رَسُولًا" بِمَعْنى رِسالَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ آخَرُونَ: "رَسُولًا" نَعْتٌ أو كالنَعْتِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ، "ذِكْرًا" فالمَعْنى ذِكْرًا ذا رَسُولٍ، وقِيلَ "الرَسُولُ": تَرْجَمَةٌ عن "الذِكْرِ" كَأنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِما جَمِيعًا مُحَمَّدٌ، والمَعْنى: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِ المُتَأوِّلِينَ: الذِكْرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام، واحْتَجَّ بِهَذا القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِي في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: مَعْنى الآيَةِ: ذِكْرًا بُعِثَ رَسُولًا، فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "رَسُولًا" مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِكْرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبَيْنُ الأقْوالِ عِنْدِي مَعْنى أنْ يَكُونَ "الذِكْرُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ" مُحَمَّدٌ  ، والمَعْنى: بَعَثَ رَسُولًا، لَكِنَّ الإيجازَ اقْتَضى اخْتِصارَ الفِعْلِ الناصِبِ لِلرَّسُولِ، ونَحا هَذا المَنحى السُدِّيُّ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: "مُبَيَّناتٍ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأها بِكَسْرِ الياءِ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى.

وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ، والرِزْقُ المُشارُ إلَيْهِ رِزْقُ الجَنَّةِ لِدَوامِهِ ودُرُورِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما شُرعت للمسلمين أحكام كثيرة من الطلاف ولَواحِقه، وكانت كلها تكاليف قد تحجُم بعضُ الأنفس عن إيفاء حق الامتثال لها تكاسلاً أو تقصيراً رغّب في الامتثال لها بقوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ﴾ [الطلاق: 4]، وقوله: ﴿ ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً ﴾ [الطلاق: 5] وقوله: ﴿ سيجعل الله بعد عسر يسراً ﴾ [الطلاق: 7].

وحذر الله الناس في خلال ذلك من مخالفتها بقوله: ﴿ وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ [الطلاق: 1]، وقوله: ﴿ ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ [الطلاق: 2] أعقبها بتحذير عظيم من الوقوع في مخالفة أحكام الله ورسله لقلة العناية بمراقبتهم، لأن الصغير يُثير الجليل، فذكَّر المسلمين (وليسوا ممن يعتوا على أمر ربهم) بما حلّ بأقوام من عقاب عظيم على قلة اكتراثهم بأمر الله ورسله لئلا يسلكوا سبيل التهاون بإقامة الشريعة، فيلقي بهم ذلك في مَهواة الضلال.

وهذا الكلام مقدمة لما يأتي من قوله: ﴿ فاتقوا الله يا أولي الألباب ﴾ الآيات.

فالجملة معطوفة على مجموع الجمل السابقة عطف غرض على غرض.

و ﴿ كأيّن ﴾ اسم لعدد كثير مُبهم يفسره ما يميزه بعده من اسم مجرور بمن و ﴿ كأيّن ﴾ بمعنى (كَم) الخبرية.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكأيّن من نبيء قتل معه ربيون كثير ﴾ في [آل عمران: 146].

والمقصود من إفادة التكثير هنا تحقيق أن العذاب الذي نال أهل تلك القرى شيء ملازم لِجزائهم على عتوّهم عن أمر ربهم ورسله فلا يتوهم متوهم أن ذلك مصادفة في بعض القرى وأنها غير مطردة في جميعهم.

وكأيّن} في موضع رفع على الابتداء، وهو مبني.

وجملة ﴿ عتت عن أمر ربها ﴾ في موضع الخبر ل ﴿ كأيّن ﴾ .

والمعنى: الإِخبار بكثرة ذلك باعتبار ما فُرع عليه من قوله: ﴿ فحاسبناها ﴾ فالمفرع هو المقصود من الخبر.

والمراد بالقرية: أهلها على حد قوله: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ [يوسف: 82] بقرينة قوله عَقب ذلك ﴿ أعد الله لهم عذاباً شديداً ﴾ إذ جيء بضمير جمع العقلاء.

وإنما أوثر لفظ القرية هنا دون الأُمة ونحوها لأن في اجتلاب هذا اللفظ تعريضاً بالمشركين من أهل مَكة ومشايعةً لهم بالنذارة ولذلك كثر في القرآن ذكر أهل القرى في التذكير بعذاب الله في نحو ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ [الأعراف: 4].

وفيه تذكير للمسلمين بوعد الله بنصرهم ومحق عدوّهم.

والعتوّ ويقال العُتِيّ: تجاوز الحدّ في الاستكبار والعناد.

وضمن معنى الإِعراض فعدي بحرف ﴿ عن ﴾ .

والمحاسبة مستعملة في الجزاء على الفعل بما يناسب شدته من شديد العقاب، تشبيهاً لتقدير الجزاء بإجراء الحساب بين المتعاملين، وهو الحساب في الدنيا، ولذلك جاء ﴿ فحاسبناها ﴾ و ﴿ عذبناها ﴾ بصيغة الماضي.

والمعنى: فجازيناها على عتوّها جزاءً يكافئ طغيانها.

والعذاب النُكُر: هو عذاب الاستئصال بالغرق، والخسف، والرجم، ونحو ذلك.

وعطفُ العذاب على الحساب مؤذن بأنه غيره، فالحساب فيما لقوه قبل الاستئصال من المخوفات وأشراط الإِنذار مثل القحط والوباء والعذاب هو ما توعدوا به.

ولك أن تجعل الحساب على حقيقته ويراد به حساب الآخرة.

وشدته قوة المناقشة فيه والانتهارُ على كل سيئة يحاسبون عليها.

والعذاب: عذاب جهنم، ويكون الفعل الماضي مستعملاً في معنى المستقبل تشبيهاً للمستقبل بالماضي في تحقق وقوعه مثل قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1]، وقوله: ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ﴾ [الأعراف: 44].

والنُكُر بضمتين، وبضم فَسكون: ما ينكره الرأي من فظاعة كيفيته إنكاراً شديداً.

وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوبُ ﴿ نكُراً ﴾ بضمتين.

وقرأه الباقون بسكون الكاف.

وتقدم في سورة الكهف.

والفاء في قوله: ﴿ فذاقت وبال أمرها ﴾ لتفريع ﴿ فحاسبناها ﴾ ﴿ وعذبناها ﴾ .

والذَّوق: هنا الإِحساس مطلقاً، وهو مجاز مرسل.

والوبيل: صفة مشبهة.

يقال: وَبُل (بالضم): المرعى، إذا كان كَلأُه وخيماً ضاراً لما يرعاه.

والأمر: الحال والشأن، وإضافة الوَبال إلى الأمر من إضافة المسبب إلى السبب، أي ذاقوا الوبال الذي تسبب لهم فيه أمرهم وشأنهم الذي كانوا عليه.

وعاقبة الأمر: آخره وأثره.

وهو يشمل العاقبة في الدنيا والآخرة كما دل عليه قوله: ﴿ أعد الله لهم عذاباً شديداً ﴾ .

وشبهت عاقبتهم السّوأى بخسارة التاجر في بيعه في أنهم لما عتوا حسبوا أنهم أرضَوْا أنفسهم بإعْراضهم عن الرسل وانتصروا عليهم فلما لبثوا أن صاروا بمذلة وكما يخسر التاجر في تجره.

وجيء بفعل ﴿ كان ﴾ بصيغة المضي لأن الحديث عن عاقبتها في الدنيا تغليباً.

وفي كل ذلك تفظيع لما لحقهم مبالغة في التحذير مما وقعوا فيه.

وجملة ﴿ أعد الله لهم عذاباً شديداً ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وكان عاقبة أمرها خسراً ﴾ أو بدلَ بعض من كل.

والمراد عذاب الآخرة لأن الإِعداد التهيئة وإنما يهيَّأ الشيء الذي لم يحصل.

وإن جعلتَ الحساب والعذاب المذكورين آنفاً حساب الآخرة وعذابها كما تقدم آنفاً فجملة ﴿ أعد الله لهم عذاباً شديداً ﴾ استئنافاً لبيان أن ذلك متزايد غير مخفف منه كقوله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ [النبأ: 30].

(هذا التفريع المقصود على التكاليف السابقة وخاصة على قوله: ﴿ وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه شَدِيداً فاتقوا الله ياأولى الألباب الذين ﴾ [الطلاق: 1] وهو نتيجة ما مهّد له به من قوله: ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ﴾ .

وفي نداء المؤمنين بوصف ﴿ أولي الألباب ﴾ إيماء إلى أن العقول الراجحة تدعو إلى تقوى الله لأنها كمال نفساني، ولأن فوائدها حقيقية دائمة، ولأن بها اجتناب المضار في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ [يونس: 62، 63]، وقوله: ﴿ أولي ﴾ معناه ذوي، وتقدم بيانه عند قوله: ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ [الطلاق: 4] آنفاً و ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل من ﴿ أولي الألباب ﴾ .

وهذا الاتباع يومئ إلى أن قبولهم الإِيمان عنوان على رجاحة عقولهم.

والإتيان بصلة الموصول إشعار بأن الإِيمان سبب للتقوى وجامع لمعظمها ولكن للتقوى درجات هي التي أمروا بأن يحيطوا بها.

لله.

في هذه الجملة معنى العلة للأمر بالتقوى لأن إنزال الكتاب نفع عظيم لهم مستحق شكرهم عليه.

وتأكيد الخبر ب ﴿ قدءَامَنُواْ قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايات الله مبينات لِّيُخْرِجَ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ للاهتمام به وبعث النفوس على تصفح هذا الكتاب ومتابعة إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم والذكر: القرآن.

وقد سمي بالذكر في آيات كثيرة لأنه يتضمن تذكير الناس بما هم في غفلة عنه من دلائل التوحيد وما يتفرع عنها من حسن السلوك، ثم تذكيرهم بما تضمنه من التكاليف وبيناه عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ في سورة [الحجر: 6].

وإنزال القرآن تبليغه إلى الرسول بواسطة الملك واستعير له الإِنزال لأن الذكر مشبه بالشيء المرفوع في السماوات، كما تقدم في سورة الحجر وفي آيات كثيرة.

وجعل إنزال الذكر إلى المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به وعملوا بما فيه فخصصوا هنا من بين جميع الأمم لأن القرآن أنزل إلى الناس كلهم.

وقوله: رسولاً } بدل من ﴿ ذكراً ﴾ بدل اشتمال لأن بين القرآن والرسول محمد صلى الله عليه وسلم ملازمةً وملابسةً فإن الرسالة تحققت له عند نزول القرآن عليه، فقد أُعمل فعل ﴿ أنزل ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ تبعاً لإِعماله في المبدل منه باعتبار هذه المقارنة واشتمال مفهوم أحد الاسمين على مفهوم الآخر.

وهذا كما أبدل ﴿ رسول من الله ﴾ [البينة: 2] من قوله: والرسول: هو محمد.

وأما تفسير الذكر بجبريل، وهو مروي عن الكلبي لتصحيح إبدال رسولاً} منه ففيه تكلفات لا داعي إليها فإنه لا محيص عن اعتبار بدل الاشتمال، ولا يستقيم وصف جبريل بأنه يتلو على الناس الآيات فإن معنى التلاوة بعيد من ذلك، وكذلك تفسير الذكر بجبريل.

ويجوز أن يكون ﴿ رسولاً ﴾ مفعولاً لفعل محذوف يدل عليه ﴿ أنزل الله ﴾ وتقديره: وأرسل إليكم رسولاً، ويكون حذفه إيجازاً إلاّ أن الوجه السابق أبلغ وأوجز.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء.

وقرأه الباقون بكسرها ومَآل القراءتين واحد.

وجعلت علة إنزال الذكر إخراجَ المؤمنين الصالحين من الظلمات إلى النور وإن كانت علة إنزاله إخراج جميع الناس من ظلمات الكفر وفساد الأعمال إلى نور الإِيمان والأعمال الصالحات، نظراً لخصوص الفريق الذي انتفع بهذا الذكر اهتماماً بشأنهم.

وليس ذلك بدالّ على أن العلة مقصورة على هذا الفريق ولكنه مجرد تخصيص بالذكر.

وقد تقدم نظير هذه الجملة في مواضع كثيرة منها أول سورة الأعراف.

﴿ النور وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ ﴾ .

عطف على الأمر بالتقوى والتنويه بالمتقين والعناية بهم هذا الوعد على امتثالهم بالنعيم الخالد بصيغة الشرط للدلالة على أن ذلك نعيم مقيّد حصوله لراغبيه بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات.

و ﴿ صالحاً ﴾ نعت لموصوف محذوف دل عليه ﴿ يعمل ﴾ أي عملاً صالحاً، وهو نكرة في سياق الشرط تفيد العموم كإفادته إياه في سياق النفي.

فالمعنى: ويعمل جميع الصالحات، أي المأمور بها أمراً جازماً بقرينة استقراء أدلة الشريعة.

وتقدم نظير هذه الآية في مواضع كثيرة من القرآن.

وجملة ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ ندخله ﴾ ولذلك فذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإِضمار لتكون الجملة مستقلة بنفسها.

والرزق: كل ما ينتفع به وتنكيره هنا للتعظيم، أي رزقاً عظيماً.

وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ ندخله ﴾ بنون العظمة.

وقرأه الباقون بالتحتية على أنه عائد إلى اسم الجلالة من قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ وعلى قراءة نافع وابن عامر يكون فيه سكون الالتفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ الذَّكَرُ القُرْآنُ، وفي الرَّسُولِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، فَيَكُونانِ جَمِيعًا، مَنزِلَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا وبَعَثَ إلَيْكم رَسُولًا.

﴿ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.

﴿ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.

الثّانِي: مِن ظُلْمَةِ المَنسُوخِ إلى ضِياءِ النّاسِخِ.

الثّالِثُ: مِن ظُلْمَةِ الباطِلِ إلى ضِياءِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فحاسبناها حساباً شديداً ﴾ يقول: لم ترحم ﴿ وعذبناها عذاباً نكراً ﴾ يقول: عظيماً منكراً.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ عذاباً نكراً ﴾ مثقلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فذاقت وبال أمرها ﴾ قال: جزاء أمرها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فذاقت وبال أمرها ﴾ قال: عقوبة أمرها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ آيات مبينات ﴾ بنصب الياء، والله تعالى أعلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق أبي رزين قال: سألت ابن عباس هل تحت الأرض خلق؟

قال: نعم ألم تر إلى قوله: ﴿ خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ﴾ ؟.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل ﴿ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ﴾ إلى آخر السورة فقال ابن عباس: للرجل ما يؤمنك إن أخبرك بها فتكفر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: وفي كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يتنزل الأمر بينهن ﴾ قال: من السماء السابعة إلى الأرض السابعة.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يتنزل الأمر بينهن ﴾ قال: السماء مكفوفة والأرض مكفوفة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: بين كل سماء وأرض، خلق وأمر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: بلغني أن عرض كل أرض مسيرة خمسمائة سنة، وأن بين أرضين مسيرة خمسمائة سنة، وأخبرت أن الريح بين الأرض الثانية والثالثة والأرض السابعة فوق الثرى، واسمها تخوم، وأن أرواح الكفار فيها ولها فيها اليوم حنين، فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى برهوت، فاجتمع أنفس المسلمين بالجابية، والثرى فوق الصخرة التي قال الله في صخرة، والصخرة خضراء مكللة، والصخرة على الثور، والثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الأرض كلها يوم القيامة، والثور على الحوت، وذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الأرض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش، ويقال: الأرض السفلى على عمد من قرني الثور، ويقال: بل على ظهره واسمه بهموت يأثرون أنهما نزل أهل الجنة فيشبعون من زائد كبد الحوت ورأس الثور، وأخبرت بأن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: علام الحوت؟

قال: على ماء أسود وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار، وحدثت أن إبليس تغلغل إلى الحوت فعظم له نفسه وقال: ليس خلق بأعظم منك غنى ولا أقوى، فوجد الحوت في نفسه، فتحرك فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك، فبعث الله حوتاً صغيراً فأسكنه في أذنه، فإذا ذهب يتحرك تحرك الذي في أذنه فسكن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الضريس من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم بتكذيبكم بها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، قال البيهقي: إسناده صحيح، ولكنه شاذ لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: منكرعن ابن عمر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح بقدر منخر الثور، فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه: ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ [ الذاريات: 42] والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، قالوا: يا رسول الله أللنار كبريت؟

قال: نعم، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت، والخامسة فيها حيات جهنم إن أفواهها كالأودية تلسع الكافر اللسعة فلا تبقي منه لحماً على وضم، والسادسة فيها عقارب جهنم إن أدنى عقربة منها كالبغال الموكفة تضرب الكافر ضربة ينسيه ضربها حر جهنم، والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يدٌ أمامه ويدٌ خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما شاء أطلقه» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كثف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وكثف الثانية مثل ذلك، وما بين كل أرضين مثل ذلك» .

وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهميه عن ابن عباس قال: سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين التي نحن عليها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: الأرضون السبع على صخرة، والصخرة في كف ملك، والملك على جناح الحوت، والحوت في الماء، والماء على الريح، والريح على الهواء، ريح عقيم لا تلقح، وإن قرونها معلقة بالعرش.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: الصخرة التي تحت الأرض منتهى الخلق على أرجائها أربعة أملاك ورؤوسهم تحت العرش.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: إن الأرضين على حوت، والسلسلة في أذن الحوت.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال أبو إسحاق: ويكون ﴿ رَسُولًا ﴾ منصوبًا بقول: ﴿ ذِكْرًا ﴾ ويكون المعنى: قد أنزل إليكم أن ذكر رسولاً يعني به النبي -  -.

قال أبو علي: هذا الوجه ﴿ رَسُولًا ﴾ (١) (٢) ﴿ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا  ﴾ فشيء مفعول المصدر (٣) الوجه الثالث: قال أبو إسحاق: ويكون المعنى قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولاً.

بدلاً من: ﴿ ذِكْرًا ﴾ (٤) أحدهما: ذا شرف وصيت (٥) ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ .

الآخر: ذا قرآن كقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ  ﴾ والإنزال على هذا القول يكون بمعنى الإنشاء والإحداث، كما ذكرنا في قوله: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ  ﴾ .

قال أبو إسحاق: ويكون يعني به جبريل يريد أن المعنى في قوله: فأنزل الله إليكم ذا ذكر رسولاً، وهو جبريل (٦)  ، وهذا محتمل وأن يكون النبي -  أولى لقوله بعده: ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ ﴾ .

وذكر أبو جعفر (٧) ﴿ رَسُولًا ﴾ (٨) أحدهما: أنه قال: ﴿ رَسُولًا ﴾ بدل من ﴿ ذِكْرًا ﴾ بمعنى رسالة (٩) ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ...

﴾ إلى آخر الآية.

وهو من صفة الرسول لا الرسالة (١٠) الثاني: أنه قال: ﴿ رَسُولًا ﴾ أي مع رسول فيكون مفعولًا معه (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا ﴾ قال الزجاج (١٣) (١٤) ثم ذكر عَزَّ وَجَلَّ ما يدل على توحيده فقال: (١) في (س): (رسولاً) زيادة.

(٢) في (ك): (يكون رسول).

(٣) في (س): (المصدر) زيادة.

(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.

(٥) في (ك): (وصلب).

(٦) انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.

(٧) في (س): (أبو جعفر) زيادة.

(٨) انظر: "القطع والائتناف" ص731.

(٩) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 458.

(١٠) انظر: "البحر المحيط" 8/ 286، و"روح المعاني" 28/ 141.

(١١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 145 ب.

(١٢) انظر: "النحو الوافي" لعباس حسن 2/ 310.

(١٣) (ك): (الزجال).

(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً ﴾ الذكر هنا هو القرآن، والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، وإعراب رسولاً مفعول بفعل مضمر تقديره: أرسل رسولاً.

وهذا الذي اختاره ابن عطية وهو أظهر الأقوال.

وقيل: إن الذكر والرسول معاً يراد بهما القرآن، والرسول على هذا بمعنى الرسالة، وقيل: إنهما يراد بهما القرآن على حذف مضاف تقديره ذكراً ذا رسول، وقيل: رسولاً مفعول بالمصدر الذي هو الذكر.

وقال الزمخشري: الرسول هو جبريل بدل من الذكر، لأنه نزل به أو سمى ذكراً لكثرة ذكره لله، وهذا كله بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة: حفص.

الآخرون: بالتنوين والنصب ﴿ وجدكم ﴾ بكسر الواو: روح.

﴿ ندخله ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الوقوف: ﴿ العدة ﴾ ج تعظيماً لأمر الاتقاء ﴿ ربكم ﴾ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف ﴿ مبينة ﴾ ج ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ مخرجاً ﴾ لا ﴿ لا يحتسب ﴾ ط ﴿ حسبه ﴾ ط ﴿ أمره ﴾ ط ﴿ قدراً ﴾ ه ﴿ أشهر ﴾ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك ﴿ لم يحضن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ أجورهن ﴾ ط ﴿ بمعروف ﴾ ك ﴿ أخرى ﴾ ه ط ﴿ من سعته ﴾ ط ﴿ آتاه الله ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ خسراً ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ز والوصل ههنا والوقف على ﴿ آمنوا ﴾ أجوز من العكس ﴿ ذكراً ﴾ ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ه ﴿ مثلهن ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين.

وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه  وحده ثم قال ﴿ إذا طلقتم ﴾ على الجمع؟

والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب.

وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً.

وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة.

وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين.

ومعنى ﴿ إذا طلقتم ﴾ إذا أردتم تطليقهن كقوله ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله  ﴾ واللام في قوله ﴿ لعدتهنّ ﴾ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.

وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها.

قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها.

فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله  ﴿ فطلقوهن لعدّتهن ﴾ وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي  عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء.

فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.

والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص.

وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله  في قصة ابن عمر " ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها" " ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.

هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت.

أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة.

وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.

وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً.

ولم ينكر عليه النبي  .

وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة.

ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.

والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.

"وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟

فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" .

قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله  ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به  ﴾ ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة.

قال جار الله: اللام في قوله ﴿ النساء ﴾ للجنس وقد علم بقوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص.

قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.

قوله ﴿ وأحصوا العدة ﴾ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص ﴿ لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ﴾ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ.

وقوله ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.

والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية.

قوله ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.

والخطاب في ﴿ لا تدري ﴾ للنبي  على نسق أول السورة أو لكل مكلف ﴿ فإذا بلغن أجلهنّ ﴾ أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " ﴿ وأشهدوا ﴾ على الرجعة أو الفرقة و ﴿ ذوى عدل منكم ﴾ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.

وعن قتادة: من أحراركم.

وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.

وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.

ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ﴿ ذلكم ﴾ الحث على أداء الشهادة لله ﴿ يوعظ به من ﴾ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله  أعلم بأسرار كلامه.

ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ﴿ ومن يتق الله ﴾ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يجعل له مخرجاً ﴾ ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ﴿ ويرزقه ﴾ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.

عن النبي  " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم" ﴿ ومن يتق الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها.

"وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله  فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة.

فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.

ففعل" ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.

قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة.

ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه  حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ﴿ ومن يتق الله ﴾ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها.

الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً.

الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء.

ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.

الثاني ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب.

الثالثة ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ أي وقتاً ومقداراً.

وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض.

قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت ﴿ واللائي يئسن ﴾ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.

قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية.

نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.

والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت ﴿ فعدّتهن ثلاثة أشهر ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى.

وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين.

والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.

﴿ واللائي لم يحضن ﴾ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه.

قوله ﴿ وأولات الأحمال ﴾ أي النساء الحوامل ﴿ أجلهن ﴾ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه.

فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ.

وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟

فقيل ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه.

والوجد.

الوسع والطاقة.

قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.

قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة.

وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.

وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله  : لا سكنى لك ولا نفقة.

وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي  يقول لها السكنى والنفقة ﴿ ولا تضاروهن ﴾ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه.

قوله ﴿ وإن كن أولات حمل ﴾ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة.

هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.

وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.

ثم بين أمر الطفل قائلاً ﴿ فإن أرضعن ﴾ أي هؤلاء المطلقات ﴿ لكم ﴾ أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية.

وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة.

وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار.

ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله ﴿ وأتمروا ﴾ قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً ﴿ وإن تعاسرتم ﴾ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع ﴿ فسترضع ﴾ أي الطفل ﴿ له ﴾ أي للأب مرضعة ﴿ أخرى ﴾ وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ.

يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم.

ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم.

ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة.

والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.

يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها.

ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وعلى هذا يكون قوله ﴿ أعد الله ﴾ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ وجوز جار الله أن يكون ﴿ عتت ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية و ﴿ أعد الله ﴾ عاملاً في ﴿ كأين ﴾ .

قوله ﴿ رسولاً ﴾ قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ﴿ ذكراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله ﴿ قد أنزل الله ﴾ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل ﴿ ذكراً ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً.

قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد  .

ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ﴿ ليخرج ﴾ والمعنى ليخرج الله أو الرسول ﴿ الذين ﴾ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان.

قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم.

ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ مثلهن ﴾ أي في الخلق لا في العدد.

وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها.

وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم.

وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء.

وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به.

وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات.

ومعنى ﴿ تنزل الأمر بينهن ﴾ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب  وتقدس.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ ﴾ ، وصف الله  القرية بالعتو، ومعلوم أنها لا تعتو، ولكن المراد منه، أي: عتا أهلها عن أمر ربهم، وقد يجوز أن يكنى بالمكان عن الأهل، كما قال في آية أخرى ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا  ﴾ [يعني: وأسال أهل القرية] وفي هذا دلالة أن ما خرج مخرج الكناية في الحقيقة، لم يكن كذبا، وإن كان في ظاهره يرى أنه كذب؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً  ﴾ ، ومعلوم أنه لم يكن هناك نعجة، ولكن كناية عن النساء، فخرج على الصدق في الحقيقة؛ كأنه قال: إن هذا أخي، لو كان له تسع وتسعون امرأة، فكذلك الأول والله أعلم.

والعتو: النهاية في الاستكبار؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً ﴾ : له أوجه من التأويل: أحدها: يقول: ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا ﴾ ، أي: بلغوا في الكفر والعتو والاستكبار مبلغا صاروا من أهل الحساب الشديد والعذاب المنكر.

أو يجعل ما ذكر الله  من نزول النقمة بالأمم الماضية؛ لعتوهم واستكبارهم حساباً شديداً لهذه الأمة؛ ليتذكروا ويتعظوا.

أو يكون معناه ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا ﴾ أي: سنحاسب حساباً شديداً في الآخرة، كما [كان معنى] قوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ بمعنى: وإذ يقول الله، فكذلك الأول، والله أعلم.

ووجه نزول هذه الآيات: أن يكون له معنيان: أحدهما: تخويف أمة محمد  والكفرة من أهل مكة بما نزل بالأمم الخالية حين تركوا اتباع رسلهم والإيمان بهم، واستكبروا في أنفسهم، وعتوا لكي ينتهي أهل قريته -  - عما هم فيه من الكفر والعتو، ويحظروا الوقوع فيه في حادث الأوقات.

ويحتمل أن يكون هذا تسكينا لقلب رسول الله  ، وتهوينا عليه ما يلقى من كفر قومه وعصيانهم وعتوهم، وليعلم ما لقيت الرسل المتقدمة من أممهم حتى بلغ كفرهم واستكبارهم المبلغ الذي وقع اليأس منه عن إيمانهم، حتى أنزل الله  بهم ما أنزل من النقم والعقوبة.

ويجوز أن يكون هذه محنة امتحن بها رسوله؛ ليعلم شفقته على أمته في ترك الدعاء عليهم بالإهلاك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ﴾ .

أي: شدة أمرها، أو نقمة أمرها، وعقوبة كفرها.

وقوله: ﴿ وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً ﴾ .

أي: عاقبة عتوها خسارة في الآخرة.

وقوله: ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: فاتقوا الله يا من تدعون أن لهم لُبّاً، فاتقوه عن أن تكفروا به وبرسوله.

وفيه دلالة: أن خطاب الله إنما يتناول العقلاء منهم، وأن من لا عقل له لا خطاب عليه.

وقوله: ﴿ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن يجعل الذكر والرسول كله واحداً، فيقول: أنزل الله إليكم ذكرا، وهو الرسول، وإنما سماه: ذكرا؛ لوجهين: أحدهما: أن من اتبعه شرُفَ وصار مذكورا.

أو سماه: ذكرا؛ لأنه يذكرهم المصالح والمضار، وما يرجع إليهم من أمر دينهم وعقباهم.

ويجوز أن يكون فيه إضمار، وهو أن يقول: أنزل الله إليكم ذكراً، وأرسل إليكم رسولا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ ﴾ .

[بالخفض؛ فمعناه أنه يبين الحلال والحرام والأمر والنهي ونصب] الآيات والأعلام والحجج.

فمن قرأ ﴿ مُبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، فمعناه: أنها تبين الحلال والحرام والأمر والنهي.

ومن قرأ بالنصب؛ فكأنه يريد به: أن الله -  - أوضح آياته وبينها، حتى إن من تفكر فيها وفي جوهرها، علم أنها من عند الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ كل من آمن، فقد خرج من الظلمات إلى النور.

وإذا كان هذا هكذا فحق هذا الكلام أن يقول: ليخرج الذين كفروا من الظلمات إلى النور، ولكن يحتمل أن يكون معناه: ليخرج الذين يؤمنون؛ على ما جاز أن يراد من الماضي المستقبل.

وقوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ  ﴾ .

أي: إذ يقول الله: يا عيسى بن مريم، جاز أن يراد من المستقبل الماضي، وهذا سائغ في اللغة.

ويحتمل أن يقول: ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم إلى النور، والله أعلم.

وقيل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ يعني: الذين وحدوا الله، وعظموه وبجلوه من معاني الشبه ووصفوه بالتعالي [عن العيوب] والآفات، وعملوا في إيمانهم صالحاً إذا خافوه ورجوه بإيمانهم وذلك عملهم الصالح في الإيمان، وذلك معنى قوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً  ﴾ ، ومعنى ذلك الكسب: ما وصفنا من التعظيم والتبجيل والرجاء والخوف في نفس الإيمان، والله أعلم.

ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ في أداء الفرائض التي افترض الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً ﴾ .

أي: طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة؛ وذلك معنى قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، وفي هذه الآية دلالة أن من نال الإيمان، فإنما ناله بفضل الله  وبرحمته، لأنه لولا ذلك، لم يكن ليمن الله -  - عليه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ .

اختلفوا في قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ : منهم من قال ﴿ مِثْلَهُنَّ ﴾ أي: طباقاً مثل السماوات بعضها طباق فوق بعض.

ومنهم من قال ﴿ مِثْلَهُنَّ ﴾ يعني: سبع جزائر، على مثل ما قال: ﴿ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ  ﴾ ، فكذلك خلق سبع جزائر.

ومنهم من قال: خلق هذه الأرض التي نشاهدها على حد السماء ومقدارها، والست من وراء هذه السماء، والله أعلم.

وليس بنا إلى أن نعرف ما بينها وكيفيتها وعددها حاجة؛ لأنه ليس في تعرفها حكم يتعلق به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ .

له تأويلان: أحدهما: ينزل الوحي بينهن، وما ينزل الله  من الكتب والرسل بينهن، ومعناه: أن الله  ذكر أمة محمد  أنهم لم يخصوا بمحنة الرسل والكتب والوحي، بل كل من في السماوات والأرض ممتحن بذلك.

والثاني: ﴿ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ يعني التكوين، ووجه ذلك: أنه لا يخلو مكان في السماوات والأرض في كل وقت من مكون يكونه الله  ، أو محدث يحدثه، وذلك قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ ؛ فيجوز أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ ﴾ : أمر التكوين، ومعناه: ما وصفنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

أي: لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السماوات والأرض، وما جرى من التدبير فيهما أن من بلغت قدرته هذا المبلغ كانت قدرته ذاتية، لا يعجزه شيء عما أراده.

أو يدل هذا التدبير أنه خرج عن عالم لا يخفى عليه شيء، والله أعلم.

قوله: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل أوجها: أحدها: أن الله  [على] خلق فعل كل فاعل من خلائقه قدير.

ووجه ذلك: أن الله  قد كان أعلمهم بخلق السماوات والأرضين بقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ فلما قال: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، لم يكن بد من أن يكون هذا في غير خلق السماوات والأرضين؛ فثبت أن فيه دلالة قدرته على خلق فعل كل مخلوق.

ولأنه لما بلغ قدرته وتدبيره في السماوات والأرضين مع عظم أمرهما وشأنهما، ومع عجز البشر عن تدبير مثلهما؛ فلأن يبلغ قدرته وتدبيره فيما يقع فيه تدبير البشر - وهو أفعالهم - أحق، والله المستعان.

ووجه آخر: أن يقول: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ بما وعد وأوعد أو على كل شيء من منافع العباد [ومضارهم قدير]، وعلى قول المعتزلة: إن الله  لا يقدر على فعل بعوضة فما فوقها، ولا يقدر على إصلاح أحد من خلقه وإن أنفد جميع خزائنه، وإن من صلح فإنما يصلح بنفسه، ومن فسد فإنما يفسد بنفسه؛ وهذا خلاف ما وصف الله به نفسه من أنه على كل شيء قدير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

يعني: أن علمه لا يشذ عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء من الفعل والأمر وغيره، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا الذكر هو رسول منه يتلو عليكم آيات الله مبينات لا لبس فيها؛ رجاء أن يُخْرِج الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله، وعملوا الأعمال الصالحات من ظلمات الضلال إلى نور الهداية، ومن يؤمن بالله، ويعمل عملًا صالحًا، يدخله الله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، قد أحسن الله له رزقًا حيث أدخله جنة لا ينقطع نعيمها.

<div class="verse-tafsir" id="91.wPL4p"

مزيد من التفاسير لسورة الطلاق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله