الآية ١٢ من سورة الطلاق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 65 الطلاق > الآية ١٢ من سورة الطلاق

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة الطلاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الطلاق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم ( الله الذي خلق سبع سماوات ) كقوله تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ) [ نوح : 15 ] وقال تعالى ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ) [ الإسراء : 44 ] .

وقوله تعالى ( ومن الأرض مثلهن ) أي سبعا أيضا ، كما ثبت في الصحيحين " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين " وفي صحيح البخاري " خسف به إلى سبع أرضين " وقد ذكرت طرقه وألفاظه وعزوه في أول " البداية والنهاية " عند ذكر خلق الأرض ولله الحمد والمنة .

ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة ، وأغرق في النزع ، وخالف القرآن ، والحديث بلا مستند .

وقد تقدم في سورة الحديد عند قوله : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) [ الآية : 3 ] ذكر الأرضين السبع ، وبعد ما بينهن ، وكثافة كل واحدة منهن خمسمائة عام ، وهكذا قال ابن مسعود وغيره ، وكذا في الحديث الآخر " ما السماوات السبع ، وما فيهن ، وما بينهن ، والأرضون السبع ، وما فيهن ، وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة " .

وقال ابن جرير ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) قال لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم ، وكفركم تكذيبكم بها .

وحدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي الأشعري ، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال رجل لابن عباس ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) الآية .

فقال : ابن عباس ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر .

وقال ابن جرير ، حدثنا عمرو بن علي ، ومحمد بن المثنى قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس في هذه الآية ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) قال عمرو : قال في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق .

وقال ابن المثنى في حديثه في كل سماء إبراهيم ، وقد روى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا السياق فقال : أنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أحمد بن يعقوب ، حدثنا عبيد بن غنام النخعي ، أنا علي بن حكيم ، حدثنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) قال : سبع أرضين ، في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم ، كإبراهيم ، وعيسى كعيسى .

ثم رواه البيهقي من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، في قول الله عز وجل ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) قال في كل أرض نحو إبراهيم عليه السلام .

ثم قال البيهقي : إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة ، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا ، والله أعلم قال الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه التفكر والاعتبار : حدثني إسحاق بن حاتم المدائني ، حدثنا يحيى بن سليمان عن عثمان بن أبي دهرس قال بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون ، فقال : " ما لكم لا تتكلمون ؟

" فقالوا : نتفكر في خلق الله عز وجل ، قال : " فكذلك فافعلوا ، تفكروا في خلق الله ، ولا تتفكروا فيه ، فإن بهذا المغرب أرضا بيضاء نورها ساحتها - أو قال : ساحتها نورها - مسيرة الشمس أربعين يوما بها خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط ، قالوا : فأين الشيطان عنهم ؟

قال : " ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق ؟

قالوا : أمن ولد آدم ؟

قال : " لا يدرون خلق آدم ، أم لم يخلق ؟

" وهذا حديث مرسل وهو منكر جدا وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه ، فقال : روى عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص ، وعنه سفيان بن عيينة ، ويحيى بن سليم الطائفي ، وابن المبارك ، سمعت أبي يقول ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) لا ما يعبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تقدر على خلق شيء.

وقوله: ( وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ) يقول: وخلق من الأرض مثلهنّ لما في كلّ واحدة منهنّ مثل ما في السموات من الخلق.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عمرو بن عليّ ومحمد بن المثنى، قالا ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أَبي الضحى، عن ابن عباس، قال في هذه الآية: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ) قال عمرو: قال: في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق.

وقال ابن المثنى: في كلّ سماء إبراهيم.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ) قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها.

حدثنا أَبو كُرَيب، قال: ثنا أَبو بكر، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، قال: خلق الله سبع سموات غلظ كلّ واحدة مسيرة خمس مئة عام، وبين كلّ واحدة منهنّ خمس مئة عام، وفوق السبع السموات الماء، والله جلّ ثناؤه فوق الماء، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.

والأرض سبع، بين كلّ أرضين خمس مئة عام، وغلظ كلّ أرض خمس مئَة عام.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القُمي الأشعري، عن جعفر بن أبي المُغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبَير، قال: قال رجل لابن عباس ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ) ...

الآية، فقال ابن عباس: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر.

قال: ثنا عباس، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، قال: هذه الأرض إلى تلك مثل الفسطاط ضربته في فلاة، وهذه السماء إلى تلك السماء، مثل حلقة رميت بها في أرض فلاة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أَبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: السماء أوّلها موج مكفوف؛ والثانية صخرة؛ والثالثة حديد؛ والرابعة نحاس؛ والخامسة فضة؛ والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: ثني حميد بن قيس، عن مجاهد، قال: هذا البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتًا في كل سماء بيت، كل بيت منها حذو صاحبه، لو وقع وقع عليه، وإن هذا الحرم حرمي بناؤه من السموات السبع والأرضين السبع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ) خلق سبع سموات وسبع أرضين في كل سماء من سمائه، وأرض من أرضه، خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: بينا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جالس مرّة مع أصحابه، إذ مرّت سحابة، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " أتدرون ما هَذَا؟

هَذِهِ العنَانُ، هَذِهِ رَوَايَا الأرْضِ يَسوُقُهَا اللهُ إلَى قَوْمٍ لا يَعْبُدُونَهُ"؛ قال: " أَتدْرُونَ مَا هَذِهِ السَّمَاءُ؟

" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " هَذِهِ السَّمَاءُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ"؛ ثُم قال: " أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِك؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فَوْقَ ذَلك سَمَاءٌ أُخْرَى "، حتى عدّ سبع سموات وهو يقول: " أَتَدْرُونَ مَا بَيْنَهُمَا؟

خَمْس مِئَةِ سَنَةَ"؛ ثم قال: " أَتَدْرُونَ مَا فَوْق ذَلك؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ"، قال: " أتدرون ما بينهما؟" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " بَينَهُمَا خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ"؛ ثُمَّ قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هذِهِ الأرْضُ؟

قالوا: الله وَرَسولُهُ أَعلم، قَالَ: " تَحْتَ ذِلكَ أَرْضٌ"، قال: أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُمَا؟

قَالُوا: الله وَرسوله أَعلم.

قال: " بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، حتى عدّ سبع أرضين، ثم قال: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دُلِي رَجُلٌ بِحَبْلٍ حَتى يَبْلُغَ أَسْفَلَ الأرْضِينَ السَّابِعَةِ لَهَبَطَ عَلَى اللهِ"؛ ثُم قَال: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: " التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟

قال أحدهم: أرْسلني ربي من السماء السابعة، وتركته؛ ثمَّ، قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته؛ ثمَّ، قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته؛ ثمَّ، قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثمَّ".

وقوله: ( يَتَنـزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ) يقول تعالى ذكره: يتنـزل أمر الله بين السماء السابعة والأرض السابعة.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( يَتَنـزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ) قال: بين الأرض السابعة إلى السماء السابعة.

وقوله: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: ينـزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كنه قدرته وسلطانه، وأنه لا يتعذّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه أمر شاءه؛ ولكنه على ما يشاء قدير، ( وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) يقول جلّ ثناؤه: ولتعلموا أيها الناس أن الله بكل شيء من خلقه محيط علمًا، لا يعزُب عنه مثقالُ ذرّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر: يقول جلّ ثناؤه فخافوا أيها الناس المخالفون أمر ربكم عقوبته، فإنه لا يمنعه من عقوبتكم مانع، وهو على ذلك قادر، ومحيط أيضًا بأعمالكم، فلا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم، ليجازيكم بها، يوم تجزى كلّ نفس ما كسبت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما[ ص: 162 ] قوله تعالى : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن دل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة .

ولا خلاف في السموات أنها سبع بعضها فوق بعض ; دل على ذلك حديث الإسراء وغيره .

ثم قال : ومن الأرض مثلهن يعني سبعا .

واختلف فيهن على قولين : أحدهما : وهو قول الجمهور - أنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء ، وفي كل أرض سكان من خلق الله .

وقال الضحاك : ومن الأرض مثلهن أي سبعا من الأرضين ، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات .

والأول أصح ; لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما .

وقد مضى ذلك مبينا في " البقرة " .

وقد خرج أبو نعيم قال : حدثنا محمد بن علي بن حبيش قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق السراج ، ( ح ) وحدثنا أبو محمد بن حبان قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا سويد بن سعيد قال : حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها : " اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها " .

قال أبو نعيم : هذا حديث ثابت من حديث موسى بن عقبة تفرد به عن عطاء .

روى عنه ابن أبي الزناد وغيره .

وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ومثله حديث عائشة ، وأبين منهما حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة " .

قال الماوردي : وعلى أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض تختص دعوة أهل الإسلام بأهل الأرض العليا ، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان [ ص: 163 ] فيها من يعقل من خلق مميز .

وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان : أحدهما : أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها .

وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة .

والقول الثاني : أنهم لا يشاهدون السماء ، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدونه .

وهذا قول من جعل الأرض كالكرة .

وفي الآية قول ثالث حكاه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ; ليس بعضها فوق بعض ، تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء .

فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض ، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم ; لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه ، واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردا ، ولكان صلى الله عليه وسلم بها مأمورا .

والله أعلم ما استأثر بعلمه ، وصواب ما اشتبه على خلقه .ثم قال : يتنزل الأمر بينهن قال مجاهد : يتنزل الأمر من السموات السبع إلى الأرضين السبع .

وقال الحسن : بين كل سماءين أرض وأمر .

والأمر هنا الوحي ; في قول مقاتل وغيره .

وعليه فيكون قوله : بينهن إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها .

وقيل : الأمر القضاء والقدر .

وهو قول الأكثرين .

فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى : بينهن إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها .

وقيل : يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض وموت بعض وغنى قوم وفقر قوم .

وقيل : هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره ; فينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنهار ، والصيف والشتاء ، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها ; فينقلهم من حال إلى حال .

قال ابن كيسان : وهذا على مجال اللغة واتساعها ; كما يقال للموت : أمر الله ; وللريح والسحاب ونحوها .لتعلموا أن الله على كل شيء قدير يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر ، ومن العفو والانتقام أمكن ; وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته .وأن الله قد أحاط بكل شيء علما فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته .

ونصب علما على المصدر المؤكد ; لأن أحاط بمعنى علم .

وقيل : بمعنى : وأن الله أحاط إحاطة علما .

ختمت السورة بحمد الله وعونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[ثم] أخبر [تعالى] أنه خلق الخلق من السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن، وما بينهن، وأنزل الأمر، وهو الشرائع والأحكام الدينية التي أوحاها إلى رسله لتذكير العباد ووعظهم، وكذلك الأوامر الكونية والقدرية التي يدبر بها الخلق، كل ذلك لأجل أن يعرفه العباد ويعلموا إحاطة قدرته بالأشياء كلها، وإحاطة علمه بجميع الأشياء فإذا عرفوه بأوصافه المقدسة وأسمائه الحسنى وعبدوه وأحبوه وقاموا بحقه، فهذه الغاية المقصودة من الخلق والأمر معرفة الله وعبادته، فقام بذلك الموفقون من عباد الله الصالحين، وأعرض عن ذلك، الظالمون المعرضون.[تم تفسيرها والحمد لله]

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) [ في العدد ] ( يتنزل الأمر بينهن ) بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى .

قال أهل المعاني : هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره ، فينزل المطر ويخرج النبات ، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء ، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاتها وينقلها من حال إلى حال .

وقال قتادة : في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه .

( لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) فلا يخفى عليه شيء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن» يعني سبع أرضين «يتنزل الأمر» الوحي «بينهن» بين السماوات والأرض ينزل به جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة «لتعلموا» متعلق بمحذوف، أي أعلمكم بذلك الخلق والتنزيل «أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله وحده هو الذي خلق سبع سموات، وخلق سبعًا من الأرَضين، وأنزل الأمر مما أوحاه الله إلى رسله وما يدبِّر به خلقه بين السموات والأرض؛ لتعلموا- أيها الناس- أن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على كمال قدرته ، وسعة علمه فقال : ( الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ .

.

) .أى : الله - تعالى - وحده هو الذى خلق سبع سماوات طباقا وخلق من الأرض مثلهن ، أى : فى العدد فهى سبع كالسماوات .والتعدد قد يكون باعتبار أصول الطبقات الطينية والصخرية والمائية والمعدنية ، وغير ذلك من الاعتبارات التى لا يعلمها إلا الله - تعالى - .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية يقول - تعالى - مخبرا عن قدرته التامة ، وسلطانه العظيم ، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم : ( الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) كقوله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال لقومه : ( أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً .

.

) وقال - تعالى - ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ ) وقوله : ( وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ) أى : سبعا - أيضا - كما ثبت فى الصحيحين : " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه مع سبع أرضين " .ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم ، فقد أبعد النجعة ، وأغرق فى النزع ، وخالف القرآن والحديث بلا مستند .

.وقال الآلوسى : الله الذى خلق سبع سماوات مبتدأ وخبر ( وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ) أى : وخلق من الأرض مثلهن ، على أن ( مِثْلَهُنَّ ) مفعول محذوف ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها .والمثلية تصدق بالاشتراك فى بعض الأوصاف ، فقال الجمهور : هى هنا فى كونها سبعا وكونها طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض ، وفى كل أرض سكان من خلق الله ، لا يعلم حقيقتهم أحد إلا الله - تعالى - .وقيل : المثلية فى الخلق لا فى العدد ولا فى غيره ، فهى أرض واحدة مخلوقة كالسموات السبع .ورد هذا القيل بأنه قد صح من رواية البخارى وغيره ، قوله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن .

.

" .والذى نراه أن كون المثلية فى العد ، هو المعول عليه ، لورود الأحاديث الصحيحة التى صرحت بأن الأرضين سبع ، فعلينا أن نؤمن بذلك ، وأن نرد كيفية تكوينها ، وهيئاتها ، وأبعادها ، ومساحاتها ، وخصائصها .

.

.

إلى علم الله - تعالى - .وقوله : ( يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ ) أى : يجرى أمر الله - تعالى - وقضاؤه وقدره بينهن ، وينفذ حكمه فيهن ، فالمراد بالأمر : قضاؤه وقدره ووحيه .واللام فى قوله - تعالى - : ( لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) متعلقة بقوله ( خَلَقَ ) .

.أى : خلق - سبحانه - سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، وأخبركم بذلك ، لتعلموا علما تاما أن الله - تعالى - على كل شىء قدير ، وأن علمه - تعالى - قد أحاط بكل شىء سواء أكان هذا الشىء جليلا أم حقيرا ، صغيرا أم كبيرا .وبعد : هذا تفسير لسورة " الطلاق " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال الكلبي: خلق سبع سموات بعضها فوق بعض مثل القبة، ومن الأرض مثلهن في كونها طباقاً متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة وطبقة طينية، وهي غير محضة، وطبقة منكشفة بعضها في البحر وبعضها في البر وهي المعمورة، ولا بعد في قوله: ﴿ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ﴾ من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سموات، وسبع كواكب فيها وهي السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل إقليم من أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل، وما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل مثل ما يقال: السموات السبع أولها: موج مكفوف.

وثانيها: صخر.

وثالثها: حديد.

ورابعها: نحاس.

وخامسها: فضة.

وسادسها: ذهب.

وسابعها: ياقوت، وقول من قال: بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة وغلظ كل واحدة منها كذلك، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق، اللهم إلا أن يكون نقل متوتر (اً)، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو.

فقوله: ﴿ الله الذي خَلَقَ ﴾ مبتدأ وخبر، وقرئ ﴿ مِثْلَهُنَّ ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ سَبْعَ سموات ﴾ وبالرفع على الإبتداء وخبره ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ ﴾ قال عطاء يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء، وقال مقاتل: يعني الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى، وقال مجاهد: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ ﴾ بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلاً وقال قتادة: في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه، وقرئ ﴿ يُنَزّلٍ الأمر بَيْنَهُنَّ ﴾ قوله تعالى: ﴿ لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قرئ ﴿ لِيَعْلَمُواْ ﴾ بالياء والتاء أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السموات والأرض، وما جرى من التدبير فيها أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء عما أراده وقوله: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ من قبل ما تقدم ذكره ﴿ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا ﴾ يعني بكل شيء من الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، عالم بجميع الأشياء وقادر على الإنشاء بعد الإفناء، فتبارك الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله الذى خَلَقَ ﴾ مبتدأ وخبر.

وقرئ: ﴿ مثلهنّ ﴾ بالنصب، عطفاً على سبع سموات؛ وبالرفع على الابتداء، وخبره: من الأرض.

قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه.

وقيل: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السموات ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ ﴾ أي يجري أمر الله وحكمه بينهن، وملكه ينفذ فيهن.

وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه.

وقيل: هو ما يدبر فيهنّ من عجائب تدبيره.

وقرئ: ﴿ ينزل الأمر ﴾ ، وعن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرضين خلق؟

قال: نعم.

قال: فما الخلق؟

قال: إما ملائكة أو جنّ ﴿ لتعلموا ﴾ قرئ بالتاء والياء.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.

﴿ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ أيْ وخَلَقَ مِثْلَهُنَّ في العَدَدِ مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ أيْ يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ وقَضاؤُهُ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهِنَّ.

﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ عِلَّةٌ لِ خَلَقَ أوْ لِ يَتَنَزَّلُ، أوْ مُضْمَرٌ يَعُمُّهُما فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الطَّلاقِ ماتَ عَلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ  ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله الذى خَلَقَ} مبتدأ وخبر {سَبْعَ سماوات} اجمع المفسرون على أن السموات سبع {وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ} بالنصب عطفاً على سَبْعَ سموات قيل ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك والأرضون مثل السموات وقيل الأرض واحدة إلا أن الأقاليم سبعة {يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ} أي يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه ينفذ فيهن {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} اللام يتعلق بخلق {وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا} هو تمييز أو مصدر من غير لفظ الأول أي قد علم كل شيء علماً وهو علام الغيوب

سورة التحريم مدنية وهي اثنتا عشرة آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ أيْ وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ عَلى أنَّ مِثْلَهُنَّ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، وقِيلَ: مِثْلَهُنَّ عَطْفٌ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ.

وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ مِثْلُهُنَّ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ ومِنَ الأرْضِ ﴾ الخَبَرُ.

والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ فَقالَ الجُمْهُورُ: هي ها هُنا في كَوْنِها سَبْعًا وكَوْنِها طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وفي كُلِّ أرْضِ سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ أوْ جِنٌّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ - في شُعَبِ الإيمانِ.

وفي الأسْماءِ والصِّفاتِ - مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَبْعُ أرَضِينَ في كُلِّ أرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكم وآدَمُ كَآدَمَ ونُوحٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمَ وعِيسى كَعِيسى»، قالَ الذَّهَبِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ شاذٌّ بِمَرَّةٍ لا أعْلَمَ لِأبِي الضُّحى عَلَيْهِ مُتابِعًا.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ نَحْوَهُ عَنِ الحَبْرِ وقالَ: هَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ وهو مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ.

وأقُولُ لا مانِعَ عَقْلًا ولا شَرْعًا مِن صِحَّتِهِ، والمُرادُ أنَّ في كُلِّ أرْضٍ خَلْقًا يَرْجِعُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ رُجُوعَ بَنِي آدَمَ في أرْضِنا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ أفْرادٌ مُمْتازُونَ عَلى سائِرِهِمْ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وغَيْرِهِما فِينا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أنَّ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ والَّتِي تَلِيها خَمْسَمِائَةِ عامٍ والعُلْيا مِنها عَلى ظَهْرِ حُوتٍ قَدِ التَقى طَرَفاهُ في السَّماءِ والحُوتُ عَلى صَخْرَةٍ والصَّخْرَةُ بِيَدِ مَلَكٍ والثّانِيَةُ مَسْجَنُ الرِّيحِ والثّالِثَةُ فِيها حِجارَةُ جَهَنَّمَ والرّابِعَةُ فِيها كِبْرِيتُها والخامِسَةُ فِيها حَيّاتُها والسّادِسَةُ فِيها عَقارِبُها والسّابِعَةُ فِيها سَقَرُ وفِيها إبْلِيسُ مُصَفَّدٌ بِالحَدِيدِ يَدٌ أمامَهُ ويَدٌ خَلْفَهُ يُطْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ - كَما قالَ الذَّهَبِيُّ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا فَلا تَغْتَرَّ بِتَصْحِيحِ الحاكِمِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في هَذا البابِ لَوْلا خَوْفُ المَلَلِ لَذَكَرْناها لَكَ لَكِنْ كَوْنُ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ جاءَ في أخْبارٍ مُعْتَبَرَةٍ كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««بَيْنَما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ وأصْحابُهُ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَكم ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ، قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما بَيْنَكم وبَيْنَها ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَها خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سَماءٌ وإنَّ بُعْدَ ما بَيْنَها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ قالَ كَذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ قالَ هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءَيْنِ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَكم ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها الأرْضُ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّ تَحْتَها أرْضًا أُخْرى بَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حَتّى عَدَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَبْعَ أرَضِينَ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» .

والأخْبارُ في تَقْدِيرِ المَسافَةِ بِما ذَكَرَ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الأخْبارِ في تَقْدِيرِها بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ وأصَحُّ، ومِنها ما هو مَذْكُورٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ الصِّحاحِ، وفِيها أيْضًا أنَّ ثِخَنَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَقَوْلُ الرّازِيِّ في ذَلِكَ إنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ كَلامٌ لا يَخْفى بَشاعَتُهُ عَلى مَن سَلَكَ مِنَ السُّنَّةِ أقْوَمَ طَرِيقٍ، نَعَمْ ما حَكاهُ مِن أنَّ السَّماءَ الأُولى مَوْجٌ مَكْفُوفٌ والثّانِيَةَ صَخْرٌ والثّالِثَةَ حَدِيدٌ والرّابِعَةَ نُحاسٌ والخامِسَةَ فِضَّةٌ والسّادِسَةَ ذَهَبٌ والسّابِعَةَ ياقُوتٌ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ أصْلًا ولَمْ يَرِدْ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ خَبَرٌ صَحِيحٌ لَكِنَّ في قَوْلِهِ: إنَّهُ مِمّا يَأْباهُ العَقْلُ إنْ أرادَ بِهِ نَفْيَ الإمْكانِ عَقْلًا مَنعٌ ظاهِرٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي في كَوْنِها سَبْعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ لا في كَوْنِها كَذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَسافَةٍ بَيْنِ أرْضٍ وأرْضٍ، واخْتارَهُ بَعْضُهم زاعِمًا أنَّ المُرادَ بِهاتَيْكِ السَّبْعِ طَبَقَةُ التُّرابِ الصِّرْفَةُ المُجاوِرَةُ لِلْمَرْكَزِ والطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ والطَّبَقَةُ المَعْدِنِيَّةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ والطَّبَقَةُ المُمْتَزِجَةُ بِغَيْرِها المُنْكَشِفَةِ الَّتِي هي مَسْكَنُ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَوانِ وفِيها يَنْبُتُ النَّباتُ وطَبَقَةُ الأدْخِنَةِ والطَّبَقَةُ الزَّمَهْرِيرِيَّةُ وطَبَقَةُ النَّسِيمِ الرَّقِيقِ جِدًّا، ولا يَخْفى أنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالهَذَيانِ، ومِثْلُهُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاظِرِينَ في كُتُبِ العُلُومِ المُسَمّاةِ بِالحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ مِن أنَّ الأرْضَ انْفَصَلَتْ بِسَبَبِ بَعْضِ الحَوادِثِ مِن بَعْضِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ صَغِيرَةً ثُمَّ تَكَوَّنَتْ فَوْقَها طَبَقَةٌ وهَكَذا حَتّى صارَ المَجْمُوعُ سَبْعًا، وزَعَمَ أنَّهم شاهَدُوا بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ آثارًا مِن مَخْلُوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: هي في كَوْنِها سَبْعًا لا غَيْرُ فَهي سَبْعُ أرَضِينَ مُنْبَسِطَةٌ لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ يَفْرُقُ بَيْنَها البِحارُ، ويُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالنِّسْبَةُ بَيْنَ أرْضٍ وأرْضٍ عَلى هَذا نَحْوَ نِسْبَةِ أمْرِيقِيا إلى آسْيا أوْ أُورُوبّا أوْ أفْرِيقْيا لَكِنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ البِحارَ الفارِقَةَ لا يُمْكِنُ قَطْعُها.

وقِيلَ: مِنَ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ وهي مُخْتَلِفَةُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ واللَّيْلِ والنَّهارِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم ولا أظُنُّهُ شَيْئًا لِأنَّ المُتَبادَرَ اعْتِبارُ انْفِصالِ أرْضٍ عَنْ أرْضٍ انْفِصالًا حَقِيقِيًّا في المِثْلِيَّةِ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الخَلْقِ لا في العَدَدِ ولا في غَيْرِهِ فَهي أرْضٌ واحِدَةٌ مَخْلُوقَةٌ كالسَّماواتِ السَّبْعِ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأرْضَ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا مُوَحَّدَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ ««اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»» الحَدِيثَ، وكَذا صَحَّ ««مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مَن أرْضٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ»» وأصَحُّ الأقْوالِ - كَما قالَ القُرْطُبِيُّ - قَوْلُ الجُمْهُورِ السّابِقُ، وعَلَيْهِ اخْتُلِفَ في مُشاهَدَةِ أهْلِ ما عَدا هَذِهِ الأرْضِ السَّماءَ واسْتِمْدادِهِمُ الضَّوْءَ مِنها فَقِيلَ: إنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها.

وقِيلَ: إنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لَهم ضِياءً يُشاهِدُونَهُ، ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ نَحْوًا مِمّا قالَهُ الجُمْهُورُ، أخْرَجَ العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ خالِدٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «بَسَطَ كَفَّهُ اليُسْرى ثُمَّ وضَعَ اليُمْنى عَلَيْها فَقالَ: «هَذِهِ الأرْضُ الدُّنْيا والسَّماءُ الدُّنْيا عَلَيْها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّانِيَةُ فَوْقَ السَّماءِ الدُّنْيا والسَّماءُ الثّانِيَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّالِثَةُ فَوْقَ السَّماءِ الثّانِيَةِ والسَّماءُ الثّالِثَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ حَتّى ذَكَرَ الرّابِعَةَ والخامِسَةَ والسّادِسَةَ فَقالَ: والأرْضُ السّابِعَةُ فَوْقَ السَّماءِ السّادِسَةِ والسَّماءُ السّابِعَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ وعَرْشُ الرَّحْمَنِ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ»، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ إلَخْ.

وأنا أقُولُ بِنَحْوِ ما قالَهُ الجُمْهُورُ راجِيًا العِصْمَةَ مِمَّنْ عَلى مِحْوَرِ إرادَتِهِ تَدُورُ أفْلاكُ الأُمُورِ: هي سَبْعُ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مِنها مَسافَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم ضِياءٌ يَسْتَضِيئُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم لَيْلٌ ونَهارٌ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضِياؤُهم مِن هَذِهِ الشَّمْسِ ولا مِن هَذا القَمَرِ، وقَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ أهْلِ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ أنَّ القَمَرَ عالَمٌ كَعالَمِ أرْضِنا هَذِهِ وفِيهِ جِبالٌ وبِحارٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُحِسُّونَ بِها بِواسِطَةِ أرْصادِهِمْ وهم مُهْتَمُّونَ بِالسَّعْيِ في تَحْقِيقِ الأمْرِ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما نَقُولُ بِهِ مِنَ الأرَضِينَ عَلى هَذا النَّحْوِ، وقَدْ قالُوا أيْضًا: إنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ في عالَمٍ هي مَرْكَزُ دائِرَةٍ وبَلْقِيسُ مَمْلَكَتُهُ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِن كَواكِبِهِمُ السَّيّارَةِ تَدُورُ عَلَيْها فِيهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ ونَمَطٍ مَضْبُوطٍ، وقَدْ تَقْرُبُ إلَيْها فِيهِ وتَبْعُدُ عَنْها إلى غايَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى كَواكِبُ ذَواتُ الأذْنابِ، وهي عِنْدَهم كَثِيرَةٌ جِدًّا تَتَحَرَّكُ عَلى شَكْلٍ بَيْضِيٍّ وأنَّ الشَّمْسَ بِعالَمِها مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ تَدُورُ عَلَيْهِ دَوَرانَ تَوابِعِها مِنَ السَّيّاراتِ عَلَيْها هو فِيما نَسْمَعُ أحَدُ كَواكِبِ النَّجْمِ، ولَهم ظَنٌّ في أنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ وهَكَذا، ومُلْكُ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ عَظِيمٌ لا تَكادُ تُحِيطُ بِهِ مَنطِقَةُ الفِكْرِ ويَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وسَماءُ كُلِّ عالَمٍ كالقَمَرِ عِنْدَهم ما انْتَهى إلَيْهِ هَواؤُهُ حَتّى صارَ ذَلِكَ الجِرْمُ في نَحْوِ خَلاءٍ فِيهِ لا يُعارِضُهُ ولا يُضْعِفُ حَرَكَتَهُ شَيْءٌ والجِسْمُ مَتى تَحَرَّكَ في خَلاءٍ لا يَسْكُنُ لِعَدَمِ المُعارِضِ فَلْيَكُنْ كُلُّ أرْضٍ مِن هَذِهِ الأرَضِينَ مَحْمُولَةً بِيَدِ القُدْرَةِ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنِ الرِّضا عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ، وهُناكَ ما يَسْتَضِيءُ بِهِ أهْلُها سابِحًا في فَلَكِ بَحْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونِسْبَةُ كُلِّ أرْضٍ إلى سَمائِها نِسْبَةُ الحَلْقَةِ إلى الفَلاةِ وكَذا نِسْبَةُ السَّماءِ إلى السَّماءِ الَّتِي فَوْقَها، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الأرَضُونَ وكَذا السَّماواتُ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ المَذْكُورِ الَّذِي هو عَدَدٌ تامٌّ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ الزّائِدِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ والسَّماءَ الدُّنْيا مُنْتَهى دائِرَةٍ يَتَحَرَّكُ فِيها أعْلى كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ وبَيْنَها وبَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ بُعْدٌ بَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««خَمْسُمِائَةِ عامٍ»» مِن بابِ التَّقْرِيبِ لِلْأفْهامِ، ويَقْرُبُ الأمْرُ إذا اعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّاكِبِ المُجِدِّ كَما وقَعَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارٍ فِيها تَقْدِيرُ مَسافَةٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فِي السَّماءِ الدُّنْيا: «مَوْجٌ مَكْفُوفٌ»» يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في اللَّطافَةِ ونَحْوِها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الصَّحِيحُ عَلى امْتِناعِها، وتَزْيِينُ هَذِهِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ لِظُهُورِها فِيها عَلى ما يُشاهَدُ فَلا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها كُلًّا أوْ بَعْضًا فَوْقَها أوْ تَحْتَها، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَواكِبِ مَغْرُوزٌ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ كالفَصِّ في الخاتَمِ والمِسْمارِ في اللَّوْحِ، بَلْ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأخْبارِ في أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها كَما أشارَ إلَيْهِ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ، وكَذا ما قالَهُ قُدَماءُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومُحْدَثُوهم، وفي كُلٍّ مِمّا ذَهَبَ الفَرِيقانِ إلَيْهِ ما يُوافِقُ أُصُولَنا وما يُخالِفُهُ وما شَرِيعَتُنا ساكِتَةٌ عَنْهُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ أوْ إثْباتٍ، وحَيْثُ كانَ مِن أُصُولِنا أنَّهُ مَتى عارَضَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ وجَبَ تَأْوِيلُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُ أصْلُهُ ولَوْ أُبْطِلَ بِهِ لَزِمَ بُطْلانُهُ نَفْسَهُ فالأمْرُ سَهْلٌ لِأنَّ بابَ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن فَلَكِ الثَّوابِتِ ولا أرى بَأْسًا في ارْتِكابِ تَأْوِيلِ بَعْضِ الظَّواهِرِ المُسْتَبْعَدَةِ بِما لا يُسْتَبْعَدُ وإنْ لَمْ يَصِلِ الِاسْتِبْعادُ إلى حَدِّ الِامْتِناعِ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مُصادَمَةَ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وقَدْ يَلْتَزِمُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ رِعايَةً لِأذْهانِ العَوامِّ المُقَيَّدِينَ بِالظَّواهِرِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ الخُرُوجَ عَنْها لا سِيَّما إلى ما يُوافِقُ الحِكْمَةَ الجَدِيدَةَ ضَلالًا مَحْضًا وكُفْرًا صِرْفا ورَحِمَ اللَّهُ تَعالى امْرَأً جَبَّ الغَيْبَةَ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَوْ حَدَّثْتُكم بِتَفْسِيرِها لَكَفَرْتُمْ بِتَكْذِيبِكم بِها.

وبِالجُمْلَةِ مَن صَدَّقَ بِسَعَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ في وُجُودِ سَبْعِ أرَضِينَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ويُحْمَلُ السَّبْعُ عَلى الأقالِيمِ أوْ عَلى الطَّبَقاتِ المَعْدِنِيَّةِ والطِّينِيَّةِ ونَحْوِهِما مِمّا تَقَدَّمَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُصادِمُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ أوْ يُخالِفُ قَطْعِيًّا مِن أدِلَّةِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِذَلِكَ التَّعَدُّدِ هو المُتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ، وتَقْتَضِيهِ الأخْبارُ، ومَعَ هَذا هو لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ فَلا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ أوِ المُتَرَدِّدُ فِيهِ لَكِنْ لا أرى ذَلِكَ إلّا عَنْ جَهْلٍ بِما هو الألْيَقُ بِالقُدْرَةِ والأحْرى بِالعَظْمَةِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ أيْ يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ مُلْكُهُ فِيهِنَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: في كُلِّ سَماءٍ وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأمْرٌ مِن أمْرِهِ وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنى وفَقْرٍ، وقِيلَ: هو ما يُدَبِّرُهُ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: ﴿ الأمْرُ ﴾ هُنا الوَحْيُ، ”وبَيْنَهُنَّ“ إشارَةٌ إلى بَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ القَضاءُ والقَدَرُ كَما سَبَقَ، وأنْ بَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنَ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها وقَرَأ عِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «يُنَزِّلُ» مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا «الأمْرَ» بِالنَّصْبِ أيْ يُنَزِّلُ اللَّهُ الأمْرَ ﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِخَلَقَ - أوْ - بِيَتَنَزَّلُ - أوْ بِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أخْبَرْتُكم أوْ أعْلَمْتُكم بِذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، وقُرِئَ - لِيَعْلَمُوا - بِياءِ الغَيْبَةِ.

﴿ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ هَذِهِ الأفاعِيلِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: فكم من أهل قرية قرأ ابن كثير وَكَأَيِّنْ بغير الألف، والباقون بغير مد مع تشديد الياء، وهما لغتان ومعناهما واحد، يعني: وكم من قرية.

عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها يعني: أبت وعصت عن أمر ربها يعني: عن طاعة ربها.

قال مقاتل: عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها يعني: خالفت وعصت وقال الكلبي: العتو المعصية.

وقال أهل اللغة: العتو مجاوزة الحد في المعصية.

ثم قال: وَرُسُلِهِ يعني: عن طاعة رسول الله  .

فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً يعني: جازاها الله بعملها.

ويقال: حاسبناها في الآخرة حِساباً شَدِيداً.

وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً يعني: عذاباً منكراً، على معنى التقديم يعني: عذبناها في الدنيا عذاباً شديداً، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً.

ويقال: وحاسبناها يعني: في الدنيا يعني: جازيناها وخذلناها وحرمناها.

ثم قال عز وجل: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها يعني: جزاء ذنبها.

وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً يعني: أهل القرية، يعني: أن آخر أمرهم صار إلى الخسران والندامة.

ثم قال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً يعني: ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم، ولكن مع ما أصابهم في الدنيا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة، لأنهم لم يرجعوا عن كفرهم.

ثم أمر المؤمنين بأن يعتبروا بهم، ويثبتوا على إيمانهم، فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني: اخشوا الله وأطيعوه يا ذوي العقول من الناس.

الَّذِينَ آمَنُوا بالله يعني: الذين صدقوا بالله ورسوله.

قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً يعني: كتاباً.

ويقال: شرفاً وعزاً وهو القرآن.

ثم قال: رَسُولًا يعني: أرسل إليكم رسولاً، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ يعني: يقرأ عليكم ويعرض عليكم.

ويقال: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا، يعني: كتاباً مع رسوله، ليتلو عليكم يعني: يقرأ عليكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ يعني: واضحات.

ويقال: بيّن فيه الحلال والحرام.

لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله وطاعته وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: من الجهالة إلى البيان.

ويقال: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا اللفظ لفظ المستقبل، والمراد به الماضي يعني: أخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، يعني: من الكفر إلى الإيمان ويقال: هو المستقبل يعني: يخرجهم من الشبهات والجهالات إلى الدلالات والبراهين ويقال: ليدعو النبيّ  ، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان من قدرة الله الإيمان في سابق علمه.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله.

ويقال: يثبت على الإيمان، وَيَعْمَلْ صالِحاً يعني: فرائض الله وسنن الرسول  .

يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.

قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون، والباقون بالياء يعني: يدخله الله تعالى في الآخرة.

خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين في الجنة دائمين فيها.

أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً يعني: أعد الله له ثواباً في الجنة.

ثم قال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يعني: خلق سبع أرضين مثل عدد السماوات.

يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ يعني: ينزل الوحي من السموات.

ويقال: في كل سماء، وفي كل أرض أمره نافذ.

وقال القتبي: الأمر، على وجوه الأمر أي القضاء، كقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس: 3] ويعني: يقضي القضاء، وكقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: 54] أي: القضاء.

والأمر: الدين، كقوله: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [الأنبياء: 93] وكقوله: وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ [التوبة: 48] أي: دين الله.

والأمر: القول كقوله: يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف: 21] أي قولهم الأمر: العذاب، كقوله: إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: 76] والأمر: القيامة، كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1] والأمر: الوحي، كقوله: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [الطلاق: 12] يعني: الوحي.

والأمر: الذنب، كقوله: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها [الطلاق: 9] أي: جزاء ذنبها.

وأصل هذا كله واحد، لأن الأشياء كلها بأمر الله تعالى، فسميت الأشياء أموراً.

ثم قال: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: يمكنكم أن تعلموا أن الله على كل شىء قدير.

وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً يعني: أحاط علمه بكل شيء.

وروى معمر، عن قتادة في قوله: سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قال: في كل سماء، وفي كل أرض من أرضه، وخلق من خلقه وأمر من أموره، وقضاء من قضائه سبحانه وتعالى.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ...

الآية، عَدَلَ بَيْنَ الأزواج لِئَلاَّ تَضِيعَ هي ولا يُكَلَّفَ هو ما لا يُطِيقُ، ثُم رجَّى تعالى باليُسْرِ تِسْهِيلاً على النفوس وتطييباً لها.

وقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ الثعلبي: وكأين، أي: وَكَمْ مِنْ قَرْيَة، عَتَتْ أي:

عَصَتْ.

وقوله: فَحاسَبْناها قال ع «١» : قال بعضُ المتأولينَ: الآيةُ في أحوالِ الآخِرَةِ، أي: ثمَّ هُو الحسابُ والتعذيبُ والذَوْقُ وخَسَارُ العَاقِبَةِ، وقال آخرونَ: ذلك في الدنيا، ومعنى فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً أي: لم تُغْتَفَرْ لهم زَلَّةٌ، بل أُخِذَتْ بالدقائق من الذنوب، ثم نَدَبَ تعالى أولي الألباب إلى التقوى تحذيراً.

وقوله تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا اخْتُلِفَ في تقديرِه، وأبْيَنُ الأقوالِ فيه معنى أنْ يكونَ الذكرُ القرآن، والرسول محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، والمِعْنَى وأرْسَلَ رسولاً لكنَّ الإيجازَ اقتضَى اختصارَ الفعلِ الناصب للرسول ونحا هذا المنحى السدي، وسائر الآية بيّن «٢» .

وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ لا خلافَ بين العلماءِ أن السموات سَبْعٌ وأمّا/ الأرْضُ فالجمهورُ: على أنها سَبْع أَرْضِينَ، وهو ظاهرُ هذهِ الآيةِ، وإنما المماثلة في العدد، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديثِ الصحيحِ: «مَنْ غَصَبَ شِبْراً مِنْ أرْضٍ طَوَّقَه اللَّه مِنْ سَبْعِ أرضِينَ» ، إلى غير هذا مما وردت به الرواياتُ، ورُوِيَ عن قومٍ مِنَ العلماءِ أنهم قَالوا: الأرضُ واحِدَةٌ وهي مماثلةٌ لكلِّ سَماءٍ بانْفِرَادِها في ارتفاع جُرْمِها، وفي أن فيها عَالماً يعبُدُ اللَّهَ كما في كلِّ سَمَاءٍ عَالَمٌ يعبُد اللَّه.

وقوله سبحانه: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ الأمْرُ هنا يعُمُّ الوحيَ وجميعَ ما يأمُرُ به سبحانه

من تَصْرِيف الرياحِ، والسحابِ، وغير ذلك من عجائب صنعه لاَ إله غيرُه، وبَاقِي السُّورَةِ وعظ وحضّ على توحيد الله- عز وجل-.

وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عُمُومٌ معناه الخُصُوصُ في المقدوراتِ.

وقوله: بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً عموم على إطلاقه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ: ﴿ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ أيْ: وخَلَقَ الأرْضَ بِعَدَدِهِنَّ.

وجاءَ في الحَدِيثِ: " «كَثافَةُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى كَذَلِكَ، وكَثافَةُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ الأُخْرى كَذَلِكَ "» .

وقَدْ رَوى أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ مِثْلُ آدَمِكُمْ، ونُوحٌ مِثْلُ نُوحِكُمْ، وإبْراهِيمُ مِثْلُ إبْراهِيمِكُمْ، وعِيسى كَعِيسى"، فَهَذا الحَدِيثُ [تارَةً] يُرْفَعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وتارَةً يُوقَفُ عَلى أبِي الضُّحى، ولَيْسَ لَهُ مَعْنًى إلّا ما حَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ أنَّ مَعْناهُ: إنَّ في كُلِّ أرْضٍ خَلْقًا مِن خَلْقِ اللَّهِ لَهم سادَةٌ، يَقُومُ كَبِيرُهم ومُتَقَدِّمُهم في الخَلْقِ مَقامَ آدَمَ فِينا، وتَقُومُ ذُرِّيَّتُهُ في السِّنِّ والقِدَمِ كَمَقامِ نُوحٍ.

وعَلى هَذا المِثالِ سائِرُهم.

وقالَ كَعْبٌ: ساكِنُ الأرْضِ الثّانِيَةِ: البَحْرُ العَقِيمُ، وفي الثّالِثَةِ: حِجارَةُ جَهَنَّمَ، والرّابِعَةِ: كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ، والخامِسَةِ: حَيّاتُ جَهَنَّمَ، والسّادِسَةِ: عَقارِبُ جَهَنَّمَ، والسّابِعَةِ: فِيها إبْلِيسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ في الأمْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

قالَ قَتادَةُ: في كُلِّ أرْضٍ مِن أرْضِهِ وسَماءٍ مِن سَمائِهِ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، وأمْرٌ مِن أمْرِهِ، وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أعْلَمَكم بِهَذا لِتَعْلَمُوا قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ السَمَواتِ سَبْعٌ لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا  ﴾ ، وفَسَّرَ رَسُولُ اللهِ  أمْرَهُنَّ في حَدِيثِ الإسْراءِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ أرْقِعَةٍ"،» ونَطَقَتْ بِذَلِكَ الشَرِيعَةُ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وأمّا "الأرْضُ" فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها سَبْعُ أرْضِينَ، وهو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ المُماثَلَةَ إنَّما هي في العَدَدِ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "مَن غَصِبَ شِبْرًا مِن أرْضٍ طَوَّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ"»، إلى غَيْرِ هَذا مِمّا ورَدَتْ بِهِ رِواياتٌ، ورُوِيَ عن قَوْمٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّهم قالُوا: الأرْضُ واحِدَةٌ، وهي مُماثِلَةٌ لِكُلِّ سَماءٍ بِانْفِرادِها فِي ارْتِفاعِ جِرْمِها، وفي أنَّ فِيها عالَمًا يَعْبُدُ، كَما في كُلِّ سَماءٍ عالَمٌ يَعْبُدُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلَهُنَّ " بِالنَصْبِ، وقَرَأ عاصِمٌ: "مِثْلُهُنَّ" بِالرَفْعِ، و"الأمْرُ" هُنا الوَحْيُ وجَمِيعُ ما يَأْمُرُ بِهِ تَعالى مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ، فَإنَّ الرِياحَ والسَحابَ وغَيْرَ ذَلِكَ مَأْمُورٌ كُلُّها، وباقِي السُورَةِ حَضٌّ عَلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّ اللهَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) عُمُومُ مَعْناهُ الخُصُوصُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ عُمُومٌ عَلى إطْلاقِهِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطَلاقِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اسم الجلالة خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الله.

وهذا من حذف المسند إليه لمتابعة الاستعمال كما سماه السكاكي، فإنه بعد أن جرى ذكر شؤون من عظيم شؤون الله تعالى ابتداء من قوله: ﴿ واتقوا الله ربكم ﴾ [الطلاق: 1] إلى هنا، فقد تكرر اسم الجلالة وضميره والإِسناد إليه زهاء ثلاثين مرة فاقتضى المقام عقب ذلك أن يُزاد تعريف الناس بهذا العظيم، ولمَّا صار البساط مِليئاً بذكر اسمه صح حذفه عند الإِخبار عنه إيجازاً وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ رب السماوات والأرض وما بينهما ﴾ في سورة مريم (65)، وكذلك عند قوله: صم بكم عمي } [البقرة: 18]، وقوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ في سورة البقرة (125.

(فالجملة على هذا الوجه مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

والموصول صفة لاسم الجلالة وقد ذُكرت هذه الصلة لما فيها من الدلالة على عظيم قدرته تعالى، وعلى أن الناس وهم من جملة ما في الأرض عبيده، فعليهم أن يتقوه، ولا يتعدوا حدوده، ويحاسبوا أنفسهم على مدى طاعتهم إياه فإنه لا تخفى عليه خافية، وأنه قدير على إيصال الخير إليهم إن أطاعوه وعقابهم إن عصوه.

وفيه تنويه بالقرآن لأنه من جملة الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض.

والسبع السماوات تقدم القول فيها غير مرة، وهي سبع منفصل بعضها عن الآخر لقوله تعالى في سورة نوح (15): ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً ﴾ وقوله: ومن الأرض مثلهن } عطف على ﴿ سبع سموات ﴾ وهو يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعطوف قوله: ﴿ من الأرض ﴾ على أن يكون المعطوف لفظ الأرض ويكون حرف ﴿ مِن ﴾ مزيداً للتوكيد بناء على قول الكوفيين والأخفش أنه لا يشترط لزيادة ﴿ من ﴾ أن تقع في سياق النفي والنهي والاستفهام والشرط وهو الأحق بالقبول وإن لم يكن كثيراً في الكلام، وعدمُ الكثرة لا ينافي الفصاحة، والتقدير: وخلق الأرض، ويكون قوله: ﴿ مثلهن ﴾ حالاً من ﴿ الأرض ﴾ .

ومماثلة الأرض للسماوات في دلالة خلقها على عظيم قدرة الله تعالى، أي أن خلْق الأرض ليس أضعف دلالة على القدرة من خلق السماوات لأن لكل منهما خصائص دالة على عظيم القدرة.

وهذا أظهر ما تُؤَوَّلُ به الآية.

وفي إفراد لفظ ﴿ الأرض ﴾ دون أن يُؤتى به جمعاً كما أُتي بلفظ السماوات إيذان بالاختلاف بين حاليهما.

والوجه الثاني: أن يكون المعطوف ﴿ مثلهن ﴾ ويكون قوله: ﴿ ومن الأرض ﴾ بياناً للمثل فمصدق ﴿ مثلهن ﴾ هو ﴿ الأرض ﴾ .

وتكون ﴿ مِن ﴾ بيانية وفيه تقديم البيان على المبيّن، وهو وارد غير نادر.

فيجوز أن تكون مماثلة في الكُروية، أي مثل واحدة من السماوات، أي مثل كوكب من الكواكب السبعة في كونها تسير حول الشمس مثل الكواكب فيكون ما في الآية من الإِعجاز العلمي الذي قدمنا ذكره في المقدمة العاشرة.

وجمهور المفسرين جعلوا المماثلة في عدد السبع وقالوا: إن الأرض سبع طبقات فمنهم من قال هي سبع طبقات مُنبسطة تفرق بينها البحار.

وهذا مروي عن ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، ومنهم من قال هي سبع طباق بعضُها فوق بعض وهو قول الجمهور.

وهذا يقرب من قول علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا)، من إثبات طبقات أرضية لكنها لا تصل إلى سبع طبقات.

وفي «الكشاف» «قيل ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه» اه.

وقد علمت أنها لا دلالة فيها على ذلك.

وقال المازري في كتابه «المُعلم» على «صحيح مسلم» عند قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الشفعة: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».

كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد كتب إليّ بعدَ فراقي له: هل وقع في الشرع عما يدل على كون الأرض سبعاً، فكتبت إليه قولُ الله تعالى: ﴿ الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ﴾ وذكرت له هذا الحديث فأعاد كتابه إليّ يذكر فيه أن الآية محتملة هل مثلهن في الشكل والهيئة أو مثلهن في العدد.

وأن الخبر من أخبار الآحاد، والقرآن إذا احتمل والخبر إذا لم يتواتر لم يصح القطع بذلك، والمسألة ليست من العمليات فيتمسك فيها بالظواهر وأخبارِ الآحاد، فأعدت إليه المجاوبة أحتج لبعد الاحتمال عن القرآن وبسطتُ القول في ذلك وترددتُ في آخر كتابي في احتماللِ ما قال.

فقطع المجاوبة اه.

وأنت قد تبينت أن إفراد الأرض مشعر بأنها أرض واحدة وأن المماثلة في قوله: ﴿ مثلهن ﴾ راجعة إلى المماثلة في الخلق العظيم، وأما الحديث فإنه في شأن من شؤون الآخرة وهي مخالفة للمتعارف، فيجوز أن يطوق الغاصب بالمقدار الذي غصبه مضاعفاً سبع مرات في الغِلظ والثقل، على أن عدد السبع يجوز أن يراد به المبالغة في المضاعفة.

ولو كان المراد طبقات معلومة لقال: طوقه من السبع الأرضين بصيغة التعريف.

وكلام عبد الحميد أدخل في التحقيق من كلام المازري.

وعلى مجاراة تفسير الجمهور لقوله: ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ من المماثلة في عدد السبع، فيجوز أن يقال: إن السبع سبع قطع واسعة من سطح الأرض يفصل بينها البحار نسميها القارات ولكن لا نعني بهذه التسمية المعنى الاصطلاحي في كتب الجغرافيا القديمة أو الحديثة بل هي قارات طبيعية كان يتعذر وصول سكان بعضها إلى بعضها الآخَر في الأزمان التي لم يكن فيها تنقّل بحري وفيما بعدها مما كان ركوب البحر فيها مهولاً.

!

وهي أن آسيا مع أوروبا قارة، وإفريقيا قارة، وأستراليا قارة، وأميركا الشمالية قارة، وأميركا الجنوبية قارة، وجرولندة في الشمال، والقارة القطبية الجنوبية.

ولا التفات إلى الأجزاء المتفرقة من الأرض في البحار، وتكون ﴿ من ﴾ تبعيضية لأن هذه القارات الاصطلاحية أجزاء من الأرض.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ لا اخْتِلافَ بَيْنِهِمْ في السَّماواتِ السَّبْعِ أنَّها سَماءٌ فَوْقَ سَماءٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ يَعْنِي سَبْعًا، واخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وجُعِلَ في كُلِّ أرْضٍ مِن خَلْقِهِ مَن شاءَ، غَيْرَ أنَّهم تُقِلُّهم أرْضٌ وتُظِلُّهم أُخْرى، ولَيْسَ تُظِلُّ السَّماءُ إلّا أهْلَ الأرْضِ العُلْيا الَّتِي عَلَيْها عالَمُنا هَذا، فَعَلى هَذا تَخْتَصُّ دَعْوَةُ الإسْلامِ بِأهْلِ الأرْضِ العُلْيا ولا تَلْزَمُ مَن في غَيْرِها مِنَ الأرَضِينَ وإنْ كانَ فِيها مَن يَعْقِلُ مِن خَلْقٍ مُمَيِّزٍ.

وَفي مُشاهَدَتِهِمُ السَّماءَ واسْتِمْدادِ الضَّوْءِ مِنها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ الأرْضَ مَبْسُوطَةً.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وإنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهم ضِياءً يَسْتَمِدُّونَهُ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ الأرْضَ مَبْسُوطَةً.

القَوْلُ الثّانِي: حَكاهُ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ مُنْبَسِطَةٌ لَيْسَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرُقُ بَيْنَهُنَّ البِحارُ وتُظِلُّ جَمِيعَهُنَّ السَّماءُ، فَعَلى هَذا إنْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ هَذِهِ الأرْضِ وُصُولٌ لِلْأُخْرى اخْتَصَّتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ بِأهْلِ هَذِهِ الأرْضِ، وإنْ كانَ لِقَوْمٍ مِنهم وصُولٌ إلى أرْضٍ أُخْرى احْتَمَلَ أنْ تَلْزَمَهم دَعْوَةُ الإسْلامِ عِنْدَ إمْكانِ الوُصُولِ إلَيْهِمْ لِأنَّ فَصْلَ البِحارِ إذا أمْكَنَ سُلُوكُها لا يَمْنَعُ مِن لُزُومِ ما عَمَّ حُكْمُهُ، واحْتَمَلَ ألّا تَلْزَمَهم دَعْوَةُ الإسْلامِ لِأنَّها لَوْ لَزِمَتْ لَكانَ النَّصُّ بِها وارِدًا ولَكانَ الرَّسُولُ بِها مَأْمُورًا، واَللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ما اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ وصَوابِ ما اشْتَبَهَ عَلى خَلْقِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الوَحْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ بَيْنَهُنَّ ﴾ إشارَةً إلى ما بَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ العُلْيا الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ " بَيْنَهُنَّ " الإشارَةَ إلى ما بَيْنَ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها.

ثُمَّ قالَ ﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا المُلْكِ العَظِيمِ فَهو عَلى ما بَيْنَهُما مِن خَلْقِهِ أقْدَرُ، ومِنَ العَفْوِ والِانْتِقامِ أمْكَنُ، وإنِ اسْتَوى كُلُّ ذَلِكَ في مَقْدُورِهِ ومُكْنَتِهِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أوْجَبَ التَّسْلِيمَ بِما تَفَرَّدَ بِهِ مِنَ العِلْمِ كَما أوْجَبَ التَّسْلِيمَ بِما تَفَرَّدَ بِهِ مِنَ القُدْرَةِ، ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن خَوْضٍ فِيما اشْتَبَهَ وفِيما التَبَسَ وهو حَسْبُ مَنِ اسْتَعانَهُ ولَجَأ إلَيْهِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فحاسبناها حساباً شديداً ﴾ يقول: لم ترحم ﴿ وعذبناها عذاباً نكراً ﴾ يقول: عظيماً منكراً.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ عذاباً نكراً ﴾ مثقلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فذاقت وبال أمرها ﴾ قال: جزاء أمرها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فذاقت وبال أمرها ﴾ قال: عقوبة أمرها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ آيات مبينات ﴾ بنصب الياء، والله تعالى أعلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق أبي رزين قال: سألت ابن عباس هل تحت الأرض خلق؟

قال: نعم ألم تر إلى قوله: ﴿ خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ﴾ ؟.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل ﴿ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ﴾ إلى آخر السورة فقال ابن عباس: للرجل ما يؤمنك إن أخبرك بها فتكفر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: وفي كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يتنزل الأمر بينهن ﴾ قال: من السماء السابعة إلى الأرض السابعة.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يتنزل الأمر بينهن ﴾ قال: السماء مكفوفة والأرض مكفوفة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: بين كل سماء وأرض، خلق وأمر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: بلغني أن عرض كل أرض مسيرة خمسمائة سنة، وأن بين أرضين مسيرة خمسمائة سنة، وأخبرت أن الريح بين الأرض الثانية والثالثة والأرض السابعة فوق الثرى، واسمها تخوم، وأن أرواح الكفار فيها ولها فيها اليوم حنين، فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى برهوت، فاجتمع أنفس المسلمين بالجابية، والثرى فوق الصخرة التي قال الله في صخرة، والصخرة خضراء مكللة، والصخرة على الثور، والثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الأرض كلها يوم القيامة، والثور على الحوت، وذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الأرض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش، ويقال: الأرض السفلى على عمد من قرني الثور، ويقال: بل على ظهره واسمه بهموت يأثرون أنهما نزل أهل الجنة فيشبعون من زائد كبد الحوت ورأس الثور، وأخبرت بأن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: علام الحوت؟

قال: على ماء أسود وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار، وحدثت أن إبليس تغلغل إلى الحوت فعظم له نفسه وقال: ليس خلق بأعظم منك غنى ولا أقوى، فوجد الحوت في نفسه، فتحرك فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك، فبعث الله حوتاً صغيراً فأسكنه في أذنه، فإذا ذهب يتحرك تحرك الذي في أذنه فسكن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الضريس من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم بتكذيبكم بها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، قال البيهقي: إسناده صحيح، ولكنه شاذ لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: منكرعن ابن عمر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح بقدر منخر الثور، فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه: ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ [ الذاريات: 42] والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، قالوا: يا رسول الله أللنار كبريت؟

قال: نعم، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت، والخامسة فيها حيات جهنم إن أفواهها كالأودية تلسع الكافر اللسعة فلا تبقي منه لحماً على وضم، والسادسة فيها عقارب جهنم إن أدنى عقربة منها كالبغال الموكفة تضرب الكافر ضربة ينسيه ضربها حر جهنم، والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يدٌ أمامه ويدٌ خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما شاء أطلقه» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كثف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وكثف الثانية مثل ذلك، وما بين كل أرضين مثل ذلك» .

وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهميه عن ابن عباس قال: سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين التي نحن عليها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: الأرضون السبع على صخرة، والصخرة في كف ملك، والملك على جناح الحوت، والحوت في الماء، والماء على الريح، والريح على الهواء، ريح عقيم لا تلقح، وإن قرونها معلقة بالعرش.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: الصخرة التي تحت الأرض منتهى الخلق على أرجائها أربعة أملاك ورؤوسهم تحت العرش.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: إن الأرضين على حوت، والسلسلة في أذن الحوت.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ قال الكلبي: بعضها فوق بعض مثل القبة (١) ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ قال مقاتل: وخلق من الأرض مثل عدد السموات (٢) ﴿ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ قال عطاء: يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء (٣) وقال الكلبي: يعني الوحي، وفي كل أرض منهن خلق وماء (٤) وقال مقاتل: يعني الوحي (٥) (٦) وقال مجاهد: يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض وموت (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال قتادة: في كل سماء من سمائه، وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه (١١) وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ قال: بين الأرض السابعة إلى السماء السابعة (١٢) وروى مجاهد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (١٣) وروى أبو الضحى (١٤) (١٥) قوله تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾ قال الزجاج: معناه أعلمكم ذلك لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ وهو منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ معناه: علم كل شيء (١٦) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب، وهو قول الجمهور.

انظر: "البداية والنهاية" 1/ 21، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 385، و"روح المعاني" 28/ 142.

وقال ابن حجر عند شرحه لحديث البخاري في كتاب: المظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض 3/ 170: وفيه أن الأرضين السبع طباق كالسموات، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ خلافًا لمن قال: إن المراد بقوله سبع أرضين سبعة أقاليم؛ لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرًا من إقليم آخر.

"فتح الباري" 5/ 105.

(٢) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 40.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 95، ولفظه: ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ سبعًا ولكنها منبسطة.

(٤) في (ك): (ومرض).

(٥) من قوله (وفي كل أرض) إلى (يعني الوحي) ساقطة من (ك).

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب.

(٧) في (ك): (ومرض).

(٨) في (ك): (بعض واحد).

(٩) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 40.

(١٠) انظر: "جامع البيان" 28/ 99.

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 299، و"جامع البيان" 28/ 99، و"الدر" 6/ 238.

(١٢) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 682، و"جامع البيان" 28/ 100.

(١٣) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن الضريس.

انظر: "جامع البيان" 28/ 99، و"الدر" 6/ 238.

(١٤) هو مسلم بن صبيح الهمداني، العطار، ثقة، فاضل، مشهور بكنيته.

وقد تقدم.

(١٥) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 28/ 99، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493، == وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 267، وقال: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.

وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" 1/ 21، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس -  - عن الإسرائيليات، والله أعلم.

وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 385.

وقال أبو حيان: وعن ابن عباس من رواية الواقدي الكذاب ..

ثم ذكر الحديث وقال: وهذا حديث لا شك في وضعه.

انظر: "البحر المحيط" 8/ 287.

(١٦) انظر: "معاني القرآن" 5/ 189.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ﴾ لا خلاف أن السموات سبع، وأما الأرض فاختلف فيها فقيل: إنها سبع أرضين لظاهر هذه الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من عصب شبراً من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» وقيل: إنما هي واحدة فقوله: ﴿ مِثْلَهُنَّ ﴾ على القول الأول يعني به المماثلة في العدد، وعلى القول الثاني: يعني به المماثلة في عظم الجرم وكثرة العمار وغير ذلك، والأول أرجح ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ ﴾ يحتمل أن يريد بالأمر الوحي أو أحكام الله وتقديره لخلقه.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة: حفص.

الآخرون: بالتنوين والنصب ﴿ وجدكم ﴾ بكسر الواو: روح.

﴿ ندخله ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الوقوف: ﴿ العدة ﴾ ج تعظيماً لأمر الاتقاء ﴿ ربكم ﴾ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف ﴿ مبينة ﴾ ج ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ مخرجاً ﴾ لا ﴿ لا يحتسب ﴾ ط ﴿ حسبه ﴾ ط ﴿ أمره ﴾ ط ﴿ قدراً ﴾ ه ﴿ أشهر ﴾ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك ﴿ لم يحضن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ أجورهن ﴾ ط ﴿ بمعروف ﴾ ك ﴿ أخرى ﴾ ه ط ﴿ من سعته ﴾ ط ﴿ آتاه الله ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ خسراً ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ز والوصل ههنا والوقف على ﴿ آمنوا ﴾ أجوز من العكس ﴿ ذكراً ﴾ ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ه ﴿ مثلهن ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين.

وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه  وحده ثم قال ﴿ إذا طلقتم ﴾ على الجمع؟

والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب.

وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً.

وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة.

وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين.

ومعنى ﴿ إذا طلقتم ﴾ إذا أردتم تطليقهن كقوله ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله  ﴾ واللام في قوله ﴿ لعدتهنّ ﴾ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.

وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها.

قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها.

فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله  ﴿ فطلقوهن لعدّتهن ﴾ وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي  عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء.

فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.

والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص.

وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله  في قصة ابن عمر " ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها" " ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.

هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت.

أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة.

وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.

وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً.

ولم ينكر عليه النبي  .

وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة.

ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.

والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.

"وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟

فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" .

قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله  ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به  ﴾ ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة.

قال جار الله: اللام في قوله ﴿ النساء ﴾ للجنس وقد علم بقوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص.

قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.

قوله ﴿ وأحصوا العدة ﴾ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص ﴿ لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ﴾ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ.

وقوله ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.

والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية.

قوله ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.

والخطاب في ﴿ لا تدري ﴾ للنبي  على نسق أول السورة أو لكل مكلف ﴿ فإذا بلغن أجلهنّ ﴾ أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " ﴿ وأشهدوا ﴾ على الرجعة أو الفرقة و ﴿ ذوى عدل منكم ﴾ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.

وعن قتادة: من أحراركم.

وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.

وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.

ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ﴿ ذلكم ﴾ الحث على أداء الشهادة لله ﴿ يوعظ به من ﴾ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله  أعلم بأسرار كلامه.

ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ﴿ ومن يتق الله ﴾ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يجعل له مخرجاً ﴾ ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ﴿ ويرزقه ﴾ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.

عن النبي  " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم" ﴿ ومن يتق الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها.

"وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله  فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة.

فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.

ففعل" ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.

قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة.

ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه  حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ﴿ ومن يتق الله ﴾ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها.

الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً.

الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء.

ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.

الثاني ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب.

الثالثة ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ أي وقتاً ومقداراً.

وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض.

قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت ﴿ واللائي يئسن ﴾ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.

قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية.

نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.

والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت ﴿ فعدّتهن ثلاثة أشهر ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى.

وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين.

والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.

﴿ واللائي لم يحضن ﴾ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه.

قوله ﴿ وأولات الأحمال ﴾ أي النساء الحوامل ﴿ أجلهن ﴾ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه.

فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ.

وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟

فقيل ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه.

والوجد.

الوسع والطاقة.

قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.

قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة.

وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.

وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله  : لا سكنى لك ولا نفقة.

وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي  يقول لها السكنى والنفقة ﴿ ولا تضاروهن ﴾ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه.

قوله ﴿ وإن كن أولات حمل ﴾ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة.

هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.

وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.

ثم بين أمر الطفل قائلاً ﴿ فإن أرضعن ﴾ أي هؤلاء المطلقات ﴿ لكم ﴾ أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية.

وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة.

وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار.

ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله ﴿ وأتمروا ﴾ قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً ﴿ وإن تعاسرتم ﴾ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع ﴿ فسترضع ﴾ أي الطفل ﴿ له ﴾ أي للأب مرضعة ﴿ أخرى ﴾ وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ.

يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم.

ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم.

ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة.

والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.

يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها.

ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وعلى هذا يكون قوله ﴿ أعد الله ﴾ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ وجوز جار الله أن يكون ﴿ عتت ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية و ﴿ أعد الله ﴾ عاملاً في ﴿ كأين ﴾ .

قوله ﴿ رسولاً ﴾ قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ﴿ ذكراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله ﴿ قد أنزل الله ﴾ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل ﴿ ذكراً ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً.

قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد  .

ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ﴿ ليخرج ﴾ والمعنى ليخرج الله أو الرسول ﴿ الذين ﴾ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان.

قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم.

ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ مثلهن ﴾ أي في الخلق لا في العدد.

وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها.

وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم.

وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء.

وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به.

وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات.

ومعنى ﴿ تنزل الأمر بينهن ﴾ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب  وتقدس.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ ﴾ ، وصف الله  القرية بالعتو، ومعلوم أنها لا تعتو، ولكن المراد منه، أي: عتا أهلها عن أمر ربهم، وقد يجوز أن يكنى بالمكان عن الأهل، كما قال في آية أخرى ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا  ﴾ [يعني: وأسال أهل القرية] وفي هذا دلالة أن ما خرج مخرج الكناية في الحقيقة، لم يكن كذبا، وإن كان في ظاهره يرى أنه كذب؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً  ﴾ ، ومعلوم أنه لم يكن هناك نعجة، ولكن كناية عن النساء، فخرج على الصدق في الحقيقة؛ كأنه قال: إن هذا أخي، لو كان له تسع وتسعون امرأة، فكذلك الأول والله أعلم.

والعتو: النهاية في الاستكبار؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً ﴾ : له أوجه من التأويل: أحدها: يقول: ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا ﴾ ، أي: بلغوا في الكفر والعتو والاستكبار مبلغا صاروا من أهل الحساب الشديد والعذاب المنكر.

أو يجعل ما ذكر الله  من نزول النقمة بالأمم الماضية؛ لعتوهم واستكبارهم حساباً شديداً لهذه الأمة؛ ليتذكروا ويتعظوا.

أو يكون معناه ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا ﴾ أي: سنحاسب حساباً شديداً في الآخرة، كما [كان معنى] قوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ بمعنى: وإذ يقول الله، فكذلك الأول، والله أعلم.

ووجه نزول هذه الآيات: أن يكون له معنيان: أحدهما: تخويف أمة محمد  والكفرة من أهل مكة بما نزل بالأمم الخالية حين تركوا اتباع رسلهم والإيمان بهم، واستكبروا في أنفسهم، وعتوا لكي ينتهي أهل قريته -  - عما هم فيه من الكفر والعتو، ويحظروا الوقوع فيه في حادث الأوقات.

ويحتمل أن يكون هذا تسكينا لقلب رسول الله  ، وتهوينا عليه ما يلقى من كفر قومه وعصيانهم وعتوهم، وليعلم ما لقيت الرسل المتقدمة من أممهم حتى بلغ كفرهم واستكبارهم المبلغ الذي وقع اليأس منه عن إيمانهم، حتى أنزل الله  بهم ما أنزل من النقم والعقوبة.

ويجوز أن يكون هذه محنة امتحن بها رسوله؛ ليعلم شفقته على أمته في ترك الدعاء عليهم بالإهلاك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ﴾ .

أي: شدة أمرها، أو نقمة أمرها، وعقوبة كفرها.

وقوله: ﴿ وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً ﴾ .

أي: عاقبة عتوها خسارة في الآخرة.

وقوله: ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: فاتقوا الله يا من تدعون أن لهم لُبّاً، فاتقوه عن أن تكفروا به وبرسوله.

وفيه دلالة: أن خطاب الله إنما يتناول العقلاء منهم، وأن من لا عقل له لا خطاب عليه.

وقوله: ﴿ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن يجعل الذكر والرسول كله واحداً، فيقول: أنزل الله إليكم ذكرا، وهو الرسول، وإنما سماه: ذكرا؛ لوجهين: أحدهما: أن من اتبعه شرُفَ وصار مذكورا.

أو سماه: ذكرا؛ لأنه يذكرهم المصالح والمضار، وما يرجع إليهم من أمر دينهم وعقباهم.

ويجوز أن يكون فيه إضمار، وهو أن يقول: أنزل الله إليكم ذكراً، وأرسل إليكم رسولا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ ﴾ .

[بالخفض؛ فمعناه أنه يبين الحلال والحرام والأمر والنهي ونصب] الآيات والأعلام والحجج.

فمن قرأ ﴿ مُبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، فمعناه: أنها تبين الحلال والحرام والأمر والنهي.

ومن قرأ بالنصب؛ فكأنه يريد به: أن الله -  - أوضح آياته وبينها، حتى إن من تفكر فيها وفي جوهرها، علم أنها من عند الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ كل من آمن، فقد خرج من الظلمات إلى النور.

وإذا كان هذا هكذا فحق هذا الكلام أن يقول: ليخرج الذين كفروا من الظلمات إلى النور، ولكن يحتمل أن يكون معناه: ليخرج الذين يؤمنون؛ على ما جاز أن يراد من الماضي المستقبل.

وقوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ  ﴾ .

أي: إذ يقول الله: يا عيسى بن مريم، جاز أن يراد من المستقبل الماضي، وهذا سائغ في اللغة.

ويحتمل أن يقول: ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم إلى النور، والله أعلم.

وقيل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ يعني: الذين وحدوا الله، وعظموه وبجلوه من معاني الشبه ووصفوه بالتعالي [عن العيوب] والآفات، وعملوا في إيمانهم صالحاً إذا خافوه ورجوه بإيمانهم وذلك عملهم الصالح في الإيمان، وذلك معنى قوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً  ﴾ ، ومعنى ذلك الكسب: ما وصفنا من التعظيم والتبجيل والرجاء والخوف في نفس الإيمان، والله أعلم.

ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ في أداء الفرائض التي افترض الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً ﴾ .

أي: طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة؛ وذلك معنى قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، وفي هذه الآية دلالة أن من نال الإيمان، فإنما ناله بفضل الله  وبرحمته، لأنه لولا ذلك، لم يكن ليمن الله -  - عليه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ .

اختلفوا في قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ : منهم من قال ﴿ مِثْلَهُنَّ ﴾ أي: طباقاً مثل السماوات بعضها طباق فوق بعض.

ومنهم من قال ﴿ مِثْلَهُنَّ ﴾ يعني: سبع جزائر، على مثل ما قال: ﴿ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ  ﴾ ، فكذلك خلق سبع جزائر.

ومنهم من قال: خلق هذه الأرض التي نشاهدها على حد السماء ومقدارها، والست من وراء هذه السماء، والله أعلم.

وليس بنا إلى أن نعرف ما بينها وكيفيتها وعددها حاجة؛ لأنه ليس في تعرفها حكم يتعلق به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ .

له تأويلان: أحدهما: ينزل الوحي بينهن، وما ينزل الله  من الكتب والرسل بينهن، ومعناه: أن الله  ذكر أمة محمد  أنهم لم يخصوا بمحنة الرسل والكتب والوحي، بل كل من في السماوات والأرض ممتحن بذلك.

والثاني: ﴿ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ يعني التكوين، ووجه ذلك: أنه لا يخلو مكان في السماوات والأرض في كل وقت من مكون يكونه الله  ، أو محدث يحدثه، وذلك قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ ؛ فيجوز أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ ﴾ : أمر التكوين، ومعناه: ما وصفنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

أي: لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السماوات والأرض، وما جرى من التدبير فيهما أن من بلغت قدرته هذا المبلغ كانت قدرته ذاتية، لا يعجزه شيء عما أراده.

أو يدل هذا التدبير أنه خرج عن عالم لا يخفى عليه شيء، والله أعلم.

قوله: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل أوجها: أحدها: أن الله  [على] خلق فعل كل فاعل من خلائقه قدير.

ووجه ذلك: أن الله  قد كان أعلمهم بخلق السماوات والأرضين بقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ فلما قال: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، لم يكن بد من أن يكون هذا في غير خلق السماوات والأرضين؛ فثبت أن فيه دلالة قدرته على خلق فعل كل مخلوق.

ولأنه لما بلغ قدرته وتدبيره في السماوات والأرضين مع عظم أمرهما وشأنهما، ومع عجز البشر عن تدبير مثلهما؛ فلأن يبلغ قدرته وتدبيره فيما يقع فيه تدبير البشر - وهو أفعالهم - أحق، والله المستعان.

ووجه آخر: أن يقول: ﴿ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ بما وعد وأوعد أو على كل شيء من منافع العباد [ومضارهم قدير]، وعلى قول المعتزلة: إن الله  لا يقدر على فعل بعوضة فما فوقها، ولا يقدر على إصلاح أحد من خلقه وإن أنفد جميع خزائنه، وإن من صلح فإنما يصلح بنفسه، ومن فسد فإنما يفسد بنفسه؛ وهذا خلاف ما وصف الله به نفسه من أنه على كل شيء قدير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

يعني: أن علمه لا يشذ عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء من الفعل والأمر وغيره، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله هو الَّذي خلق سبع سماوات، وخلق سبع أرضين مثل خلقه سبع سماوات، يتنزل أمر الله الكوني والشرعي بينهنّ؛ رجاء أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، وأنه سبحانه أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض.

من فوائد الآيات عدم وجوب الإرضاع على الحامل إذا طلقت.

التكليف لا يكون إلا بالمستطاع.

الإيمان بقدرة الله وإحاطة علمه بكل شيء سبب للرضا وسكينة القلب.

مزيد من التفاسير لسورة الطلاق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر