الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ١٢ من سورة الحاقة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( لنجعلها لكم تذكرة ) عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه ، أي : وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار ، كما قال : ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) [ الزخرف : 12 ، 13 ] ، وقال تعالى : ( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) [ يس : 41 ، 42 ] .
وقال قتادة : أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة ، والأول أظهر ; ولهذا قال : ( وتعيها أذن واعية ) أي : وتفهم هذه النعمة ، وتذكرها أذن واعية .
قال ابن عباس : حافظة سامعة ، وقال قتادة : ( أذن واعية ) عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله ، وقال الضحاك : ( وتعيها أذن واعية ) سمعتها أذن ووعت .
أي : من له سمع صحيح وعقل رجيح .
وهذا عام فيمن فهم ، ووعى .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي ، حدثنا زيد بن يحيى ، حدثنا علي بن حوشب ، سمعت مكحولا يقول : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وتعيها أذن واعية ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سألت ربي أن يجعلها أذن علي " .
[ قال مكحول ] فكان علي يقول : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته .
وهكذا رواه ابن جرير ، عن علي بن سهل ، عن الوليد بن مسلم ، عن علي بن حوشب ، عن مكحول به .
وهو حديث مرسل .
وقد قال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا جعفر بن محمد بن عامر ، حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد - يعني والد أبي أحمد الزبيري - حدثني صالح بن الهيثم ، سمعت بريدة الأسلمي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وأن تعي ، وحق لك أن تعي " .
قال : فنزلت هذه الآية ( وتعيها أذن واعية ) ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف ، عن بشر بن آدم ، به ، ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن داود الأعمى ، عن بريدة ، به .
ولا يصح أيضا .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ) فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمادا.
وقوله: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) يعني: حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) يقول: حافظة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) يقول: سامعة، وذلك الإعلان.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) قال: أذن عقلت عن الله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ): أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) قال: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: الضحاك يقول في قوله: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ): سمعتها أذن ووعت.
حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب، قال: سمعت مكحولا يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ثم التفت إلى عليّ، فقال: " سأَلْتُ الله أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ"، قال عليّ رضي الله عنه : فما سمعت شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته.
حدثني محمد بن خلف، قال: ثني بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثني عبد الله بن رستم، قال: سمعت بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ: " يا عَليُّ؛ إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وَلا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ وأنْ تَعي، وحَقٌّ على اللهِ أنْ تَعِي"، قال: فنـزلت ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ).
حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا الحسن بن حماد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيميّ، عن فضيل بن عبد الله، عن أبي داود، عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ: " إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ أُدْنِيَكَ، وَلا أجْفُوَكَ وَلا أُقْصِيَكَ "، ثم ذكر مثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) قال: واعية يحذرون معاصي الله أن يعذّبهم الله عليها، كما عذّب من كان قبلهم تسمعها فتعيها، إنما تعي القلوب ما تسمع الآذان من الخير والشرّ من باب الوعي.
لنجعلها لكم تذكرة يعني سفينة نوح عليه الصلاة والسلام .
جعلها الله تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم ; في قول قتادة .
قال ابن جريج : كانت ألواحها على الجودي .
والمعنى : أبقيت لكم تلك الخشبات حتى تذكروا ما حل بقوم نوح ، وإنجاء الله آباءكم ; وكم من سفينة هلكت وصارت ترابا ولم يبق منها شيء .
وقيل : لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح وإنجاء من آمن معه موعظة لكم ; ولهذا قال الله تعالى :وتعيها أذن واعية أي تحفظها وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله .
والسفينة لا توصف بهذا .
قال الزجاج : ويقال وعيت كذا أي حفظته في نفسي ، أعيه وعيا .
ووعيت العلم ، ووعيت ما قلت ; كله بمعنى .
وأوعيت المتاع في الوعاء .
قال الزجاج : يقال لكل ما حفظته في غير نفسك : " أوعيته " بالألف ، ولما حفظته في نفسك " وعيته " بغير ألف .
وقرأ طلحة وحميد والأعرج " وتعيها " بإسكان العين ; تشبيها بقول : " أرنا " .
واختلف فيها عن عاصم وابن كثير .
الباقون بكسر العين ; ونظير قوله تعالى : وتعيها أذن واعية ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب .
وقال قتادة : الأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى ، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل .
وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية : " سألت ربي أن يجعلها أذن علي " .
قال مكحول : فكان علي رضي الله عنه يقول : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته إلا وحفظته .
ذكره الماوردي .
وعن الحسن نحوه .
ذكره الثعلبي قال : لما نزلت وتعيها أذن واعية قال النبي صلى الله عليه وسلم : " سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي " قال علي : فوالله ما نسيت شيئا بعد ، وما كان لي أن أنسى .
وقال أبو برزة الأسلمي قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : " يا علي إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك ، وأن تعي ، وحق على الله أن تعي " .
فاحمدوا الله واشكروا الذي نجاكم حين أهلك الطاغين واعتبروا بآياته الدالة على توحيده ولهذا قال: { لِنَجْعَلَهَا } أي: الجارية والمراد جنسها، { لَكُمْ تَذْكِرَةً } تذكركم أول سفينة صنعت وما قصتها وكيف نجى الله عليها من آمن به واتبع رسوله وأهلك أهل الأرض كلهم فإن جنس الشيء مذكر بأصله.
وقوله: { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } أي: تعقلها أولو الألباب ويعرفون المقصود منها ووجه الآية بها.
وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة وأهل البلادة وعدم الفطنة فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله لعدم وعيهم عن الله، وفكرهم بآيات الله
( لنجعلها ) أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه ( لكم تذكرة ) عبرة وموعظة ( وتعيها ) قرأ القواس عن ابن كثير وسليم عن حمزة باختلاس العين ، وقرأ الآخرون بكسرها أي تحفظها ( أذن واعية ) أي : حافظة لما جاء من عند الله .
قال قتادة : [ أذن ] سمعت وعقلت ما سمعت .
قال الفراء : لتحفظها كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد .
«لنجعلها» أي هذه الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين «لكم تذكرة» عظة «وتعيها» ولتحفظها «أذن واعية» حافظة لما تسمع.
إنَّا لما جاوز الماء حدَّه، حتى علا وارتفع فوق كل شيء، حملنا أصولكم مع نوح في السفينة التي تجري في الماء؛ لنجعل الواقعة التي كان فيها نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين عبرة وعظة، وتحفظها كل أذن مِن شأنها أن تحفظ، وتعقل عن الله ما سمعت.
وقد فعلنا ذلك ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ) أى : لنجعل لكم هذه النعمة وهى إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله - تعالى - عليكم .وهذه النعمة والمنة ( وَتَعِيَهَآ ) وتحفظها ( أُذُنٌ وَاعِيَة ) أى : أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، وتعى ما يجب وعيه .فقوله : ( وَاعِيَة ) من الوعى بمعنى الحفظ للشئ فى القلب .
يقال : وعى فلان الشئ يعيه إذا حفظه أكمل حفظ .وقال - سبحانه - ( حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية ) مع أن الحمل كان للآباء الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - لأن فى نجاة الآباء ، نجاة للأبناء ، ولأنه لو هلك الآباء لما وجد الأبناء .قال صاحب الكشاف قوله : ( حَمَلْنَاكُمْ ) أى : حملنا آباءكم ، فى الجارية ، أى : فى السفينة الجارية ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ، وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم سبب ولادتهم .( لِنَجْعَلَهَا ) الضمير للفعلة : وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ( تَذْكِرَةً ) عبرة وعظة .
( وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) من شأنها أن تعى وتحفظ ما يجب حفظه ووعيه ، ولا تضيعه بترك العمل .فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير؟
قلت : للإِيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله ، فهى السواد الأعظم عند الله ، وأن ما سواها لا يبالى بهم ، وإن ملأوا الخافقين .
.وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ أسلوب ، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل فى القلوب .
قوله تعالى: ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ﴾ الضمير في قوله: ﴿ لِنَجْعَلَهَا ﴾ إلى ماذا يرجع؟
فيه وجهان: الأول: قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التي هي معلومة، وإن كانت هاهنا غير مذكورة، والتقدير لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة وعبرة الثاني: قال الفراء: لنجعل السفينة، وهذا ضعيف والأول هو الصواب، ويدل على صحته قوله: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية ﴾ فالضمير في قوله: ﴿ وَتَعِيَهَا ﴾ عائد إلى ما عاد إليه الضمير الأول، لكن الضمير في قوله: ﴿ وَتَعِيَهَا ﴾ لا يمكن عوده إلى السفينة فكذا الضمير الأول.
قوله تعالى: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: لكل شيء حفظته في نفسك وعيته ووعيت العلم، ووعيت ما قلت ويقال: لكل ما حفظته في غير نفسك: أوعيته يقال: أوعيت المتاع في الوعاء، ومنه قول الشاعر: والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قوم من الغرق بالسفينة وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم ونفاذ مشيئته، ونهاية حكمته ورحمته وشدة قهره وسطوته، وعن النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية: سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي، قال علي: فما نسيت شيئاً بعد ذلك، وما كان لي أن أنسى فإن قيل: لم قال: ﴿ أُذُنٌ واعية ﴾ على التوحيد والتنكير؟
قلنا: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالم منهم.
المسألة الثانية: قراءة العامة: ﴿ وَتَعِيَهَا ﴾ بكسر العين، وروى عن ابن كثير ﴿ وَتَعِيَهَا ﴾ ساكنة العين كأنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ، فأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف، وإنما فعل ذلك لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وهو وهي ومثل ذلك قوله: ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ في قراءة من سكن القاف.
واعلم أنه تعالى لما حكى هذه القصص الثلاث ونبه بها عن ثبوت القدرة والحكمة للصانع فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة، وثبت بثبوت الحكمة إمكان وقوع القيامة.
ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة فذكر أولاً مقدماتها.
فقال: <div class="verse-tafsir"
﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم ﴿ فِى الجارية ﴾ في سفينة؛ لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم ﴿ لِنَجْعَلَهَا ﴾ الضمير للفعلة: وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ﴿ تَذْكِرَةً ﴾ عظة وعبرة ﴿ أُذُنٌ واعية ﴾ من شأنها أن تعي وتحفظ ما سمعت به ولا تضيعه بترك العمل، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته كقولك: وعيت الشيء في الظرف.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعليّ رضي اللَّه عنه عند نزول هذه الآية: «سألت اللَّه أن يجعلها أذنك يا عليّ» قال عليّ رضي اللَّه عنه: فما نسيت شيئاً بعد وما كان لي أن أنسى.
فإن قلت: لم قيل: أذن واعية، على التوحيد والتنكير؟
قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم؛ وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللَّه فهي السواد الأعظم عند اللَّه، وأن ما سواها لا يبالي بهم بالة وإن ملئوا ما بين الخافقين.
وقرئ: ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين للتخفيف: شبه تعي بكبد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ ﴾ ومَن تَقَدَّمَهُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ والكِسائِيُّ ومَن قَبْلَهُ أيْ ومَن عِنْدِهِ مِن أتْباعِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «وَمَن مَعَهُ».
﴿ والمُؤْتَفِكاتُ ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ والمُرادُ أهْلُها.
﴿ بِالخاطِئَةِ ﴾ بِالخَطَأِ أوْ بِالفَعْلَةِ، أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ.
﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها.
﴿ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً ﴾ زائِدَةً في الشِّدَّةِ زِيادَةَ أعْمالِهِمْ في القُبْحِ.
﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ ﴾ جاوَزَ حَدَّهُ المُعْتادَ، أوْ طَغى عَلى خُزّانِهِ وذَلِكَ في الطُّوفانِ وهو يُؤَيِّدُ مَن قَبْلَهُ.
﴿ حَمَلْناكُمْ ﴾ أيْ آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهم.
﴿ فِي الجارِيَةِ ﴾ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ لِنَجْعَلَها لَكُمْ ﴾ لِنَجْعَلَ الفَعْلَةَ وهي إنْجاءُ المُؤْمِنِينَ وإغْراقُ الكافِرِينَ.
﴿ تَذْكِرَةً ﴾ عِبْرَةً ودَلالَةً عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قَهْرِهِ ورَحْمَتِهِ.
﴿ وَتَعِيَها ﴾ وتَحْفَظُها، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ تَعِيَها بِسُكُونِ العَيْنِ تَشْبِيهًا بِكَتِفٍ، والوَعْيُ أنْ تَحْفَظَ الشَّيْءَ في نَفْسِكَ والإيعاءُ أنْ تَحْفَظَهُ في غَيْرِكَ.
﴿ أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ مِن شَأْنِها أنْ تَحْفَظَ ما يَجِبُ حِفْظُهُ بِتَذَكُّرِهِ وإشاعَتِهِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ، والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قِلَّتِها وأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ مَعَ قِلَّتِهِ تَسَبَّبَ لِإنْجاءِ الجَمِّ الغَفِيرِ وإدامَةِ نَسْلِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ أُذُنُ بِالتَّخْفِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
{لِنَجْعَلَهَا} أي الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين {لَكُمْ تَذْكِرَةً} عبرة وعظة {وَتَعِيَهَا} وتحفظها {أُذُنٌ} بضم الذال غير نافع {واعية} حافظة لما تسمع قال قتادة وهي أذن عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت
﴿ لِنَجْعَلَها ﴾ أيِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ ﴿ لَكم تَذْكِرَةً ﴾ عِبْرَةً ودَلالَةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وقُوَّةِ قَهْرِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿ وتَعِيَها ﴾ أيْ تَحْفَظُها والوَعْيُ أنْ تَحْفَظَ الشَّيْءَ في نَفْسِكَ، والإيعاءَ أنْ تَحْفَظَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ مِن وِعاءٍ ﴿ أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ أيْ مِن شَأْنِها أنْ تَحْفَظَ ما يَجِبُ حِفْظُهُ بِتَذَكُّرِهِ وإشاعَتِهِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ ولا تُضَيِّعُهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ.
وعَنْ قَتادَةَ الواعِيَةُ هي الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وفي الخَبَرِ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «إنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ» قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَما سَمِعْتُ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ وما كانَ لِي أنْ أنْسى» .
وفِي جَعْلِ الأُذُنِ واعِيَةً وكَذا جَعَلُها حافِظَةً ومُتَذَكِّرَةً ونَحْوِ ذَلِكَ تَجَوُّزٌ والفاعِلُ لِذَلِكَ إنَّما هو صاحِبُها ولا يُنْسَبُ لَها حَقِيقَةً إلّا السَّمْعُ، والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قِلَّتِها وإنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ مَعَ قَتْلِهِ بِنَسِيبٍ =لِنَجاةِ الجَمِّ الغَفِيرِ وإدامَةِ نَسَلِهِمْ وقِيلَ ضَمِيرُ نَجْعَلُها لِلْجارِيَةِ وجَعَلَها تَذْكِرَةً لِما أنَّهُ عَلى ما قالَ قَتادَةُ أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ أيْ أدْرَكُوا ألْواحَها عَلى الجُودِيِّ كَما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.
بَلْ قِيلَ إنَّ بَعْضَ النّاسِ وجَدَ شَيْئًا مِن أجْزائِها بَعْدَ الإسْلامِ بِكَثِيرٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ ولا يَخْفى أنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ.
وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ عَنْهُ وقِيلَ بِخِلافٍ عَنْهُ «وتَعْيَها» بِإسْكانِ العَيْنِ عَلى التَّشْبِيهِ بِكَتِفٍ وكَبِدٍ كَما قِيلَ وقَرَأ حَمْزَةُ بِإخْفاءِ الكَسْرَةِ ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ الياءِ قالَ في البَحْرِ قِيلَ هو خَطَأٌ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شَدُّ بَيانِ الياءِ احْتِرازًا مِمَّنْ سَكَّنَها لا إدْغامُ حَرْفٍ في حَرْفٍ ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ في الوَقْفِ ثُمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ وإنْ كانَ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم.
ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ ومُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَبْسِيِّ «وتَعِيَها» بِإسْكانِ الياءِ فاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنافَ وهو الظّاهِرُ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قِراءَةِ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم بِسُكُونِ الياءِ وقَرَأ نافِعٌ «أُذْنٌ» بِإسْكانِ الذّالِ لِلتَّخْفِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ يعني: طغى على خزانة يوم نوح، كما روي عن ابن عباس.
ويقال: طغى الماء، أي ارتفع ويقال في اللغة: طغى الشيء، إذا ارتفع جداً.
وقال قتادة: إنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً.
حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ يعني: السفينة، ومعناه: حين غرق الله تعالى قوم نوح، حملناكم يا محمد في السفينة في أصلاب آبائكم.
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً يعني: لنجعل هلاك قوم نوح لكم عبرة لتعتبروا بها.
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ يعني: يسمع هذا الخبر أذن سامعة، ويحفظها قلب حافظ على معنى الإضمار.
ثم رجع إلى أول السورة فقال: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ يعني: نفخ إسرافيل فى الصور نفخة واحدة.
ثم قال: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ يعني: قلعت ما على الأرض من نباتها وشجرها، وحملت الجبال عن أماكنها.
فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً يعني: فضربت على الأرض مرة واحدة وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي: يعني: رفعت الأرض والجبال فزلزلتا زلزلة واحدة.
ويقال: فدكتا دكة واحدة أي: كسرتا كسرة واحدة.
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ يعني: في ذلك اليوم قامت القيامة.
وَانْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء بنزول الملائكة.
فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ يعني: ضعيفة منشقة متمزقة من الخوف.
وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها يعني: الملائكة على نواحيها وأطرافها، يعني: صفوف الملائكة حول العرش وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يعني: فوق الخلائق.
يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ يعني: ثمانية أجزاء من المقربين، لا يعلم كثرة عددهم إلا الله.
وروى عطاء بن السائب، عن ميسرة في قوله: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ يعني: ثمانية من الملائكة، أرجلهم في تخوم الأرض السابعة وقال وهب بن منبه: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه ثور، ووجه أسد، ووجه إنسان.
روى الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «الحاقّة»
[وهي] مكّيّة بإجماع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
قوله عز وجل: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ المُرَادُ بالحاقَّةِ: القيامةُ، وهي اسْمُ فاعلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيءُ يَحِقُّ لأنَها حَقَّتْ لِكُل عَامِلٍ عملَه، قال ابن عباس وغيره: سُمِّيَت القيامةَ حَاقَّةً لأنَّها تُبْدِي حَقَائِقَ الأشياء «١» ، والْحَاقَّةُ: مبتدأ ومَا مبتدأُ ثانٍ، والحاقَّةُ الثانية خَبَرُ مَا والجملةُ خَبَرُ الأُولى، وهذا كما تقول: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ على معنى التعظيمِ له، وإبْهام التعظيمِ أيضاً ليتخَيَّلَ السّامِعُ أقْصَى جُهْدَه.
وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ مبالغة في هذا المعنى: أي: أن فيها مَا لَمْ تَدْرِه مِنْ أهْوَالِها، وتَفَاصِيلِ صِفَاتِها، ثم ذكرَ تعالى تكذيبَ ثَمُودَ وَعَادٍ بهذَا الأَمْرِ الذي هو حَقُّ مشيراً إلى أنْ مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ يَنزلُ به ما نزل بأولئك، والقارعة: من أسماء القيامة أيضاً لأنها تَقْرَعُ القلوبَ بصدمتها.
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)
وقوله سبحانه: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ قال قتادة: معناه: بالصَّيْحَةِ التي خَرَجَتْ عن حدِّ كل صيحةٍ «٢» ، وقيل: المعنى بسَبَبِ الفِئَةِ الطاغيةِ، وقيل: بسببِ الفعلة الطاغية، وقال ابن زيد ما معناه: الطاغيةُ مصدرٌ كالعَاقِبة، فكأنه قال بطغيانهم «٣» وقاله أبو
عبيدة، وَيُقَوِّي هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [الشمس: ١١] وأوْلَى الأقوال وأصوبُها الأوَّلُ، وباقي/ الآيةِ تقدم تفسيرُ نظيرهِ، وما في ذلك من القصص، والعَاتِيَةُ:
معناه الشديدةُ المخالِفَة، فكانت الريحُ قد عَتَتْ على خُزَّانِها بخلافِها، وعلى قومِ عادٍ بشدتها، ورُوِيَ عن عليٍّ وابن عباس أنهما قَالا: لَمْ ينزلْ من السماء قطرةُ ماءٍ قط إلا بمكيالٍ عَلَى يدِ مَلَكٍ، ولا هبتْ ريحٌ إلاَّ كذلك إلاَّ ما كَانَ مِنْ طوفانِ نوحٍ، وريحِ عادٍ، فإنَّ اللَّه أَذِنَ لهما في الخروج دونَ إذن الخزّان «١» ، وحُسُوماً: قال ابن عباس وغيره:
معناه كَامِلَةً تِبَاعاً لم يتخللْها غيرُ ذلك «٢» ، وقال ابن زيد: حُسُوماً جمعُ حَاسِمٍ، ومعناه أنَّ تلكَ الأَيامَ قطعَتْهُم بالإهلاكِ «٣» ، ومنه حَسَمَ العِلَلَ، ومنه الحُسَامُ، والضميرُ في قوله:
فِيها صَرْعى يُحتملُ عُوْدُه على الليالي والأيامِ، ويُحْتَمَلُ عودُه على ديارِهم، وقيل: على الريح، - ص-: «ومن قِبَلَه» النْحويانِ وعاصمٌ في روايةٍ- بكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباء- أي:
أجنادُه وأهلُ طاعتهِ، وقرأ الباقون «٤» : «قَبْلَه» ظَرْفَ زمانٍ، انتهى.
وقوله: بِالْخاطِئَةِ صفةٌ لمحذوفٍ، أي: بالفعلةِ الخاطئةِ، وال «رابية» النَّامِيَة التي قد عَظُمَتْ جِدًّا، ومنه رِبَا المالِ، ومنه اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [ٍالحج: ٥] ، ثم عدد تعالى على الناس نعمه في قوله: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ يعني في وقتِ الطوفانِ الذي كانَ على قوم نوح، والْجارِيَةِ سفينةُ نوحٍ قاله منذر بن سعيد «٥» ، والضميرُ في: لِنَجْعَلَها
عائِدٌ على الجاريةِ أو على الفعلة.
وقوله تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
: عبارةٌ عن الرجلِ الفَهِمِ المُنَوَّرِ القلبِ الذي يسمعُ القرآنَ فيتلقاه بِفَهْمٍ وتدبُّرٍ، قال أبو عمران الجوني: واعِيَةٌ
عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تعالى، وقال الثعلبيُّ: المعنى: لِتَحْفَظَهَا كلُّ أذُنٍ فتكونَ عِظَةً لِمَنْ يأتي بعدُ، تقول وَعَيْتَ العِلْمَ إذا
سُورَةُ الحاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ ﴿ الحاقَّةُ ﴾ : القِيامَةُ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قِيلَ لَها: حاقَّةٌ، لِأنَّ فِيها حَواقَّ الأُمُورِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما سُمِّيَتِ الحاقَّةَ، لِأنَّها تَحِقُّ كُلَّ إنْسانٍ بِعَمَلِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ، مَعْناهُ التَّفْخِيمُ لِشَأْنِها، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ، وما زَيْدٌ؟
عَلى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّهْوِيلِ بِأمْرِها، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ ﴾ أيْ: لِأنَّكَ لَمْ تُعايِنْها، ولَمْ تَدْرِ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المُكَذِّبِينَ بِها، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القارِعَةُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما سُمِّيَتْ بِالقارِعَةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْرَعُ أعْداءَهُ بِالعَذابِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ لِأنَّها تَقْرَعُ، يُقالُ: أصابَتْهم قَوارِعُ الدَّهْرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّها تَقْرَعُ بِالأهْوالِ.
وقالَ غَيْرُهُمْ: لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ.
فَأمّا "الطّاغِيَةُ" فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها طُغْيانُهم وكُفْرُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الطّاغِيَةِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: طُغْيانُهم.
و"فاعِلَةٌ" قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى المَصادِرِ، نَحْوُ عاقِبَةٍ، وعافِيَةٍ.
والثّانِي: بِالصَّيْحَةِ الطّاغِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وذَلِكَ أنَّها جاوَزَتْ مِقْدارَ الصِّياحِ فَأهْلَكَتْهم.
والثّالِثُ: أنَّ الطّاغِيَةَ: عاقِرُ النّاقَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرِّيحُ الصَّرْصَرُ قَدْ فَسَّرْناها في [حَم السَّجْدَةِ: ١٦] .
والعاتِيَةُ: الَّتِي جاوَزَتِ المِقْدارَ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ ﴾ أرْسَلَها وسَلَّطَها.
والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُسُومًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تِباعًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ: التِّباعُ، يُقالُ في الشَّيْءِ إذا تَتابَعَ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ: حُسُومٌ.
وإنَّما أُخِذَ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن حَسْمِ الدّاءِ: إذا كُوِيَ صاحِبُهُ، لِأنَّهُ يُحْمى ثُمَّ يُكْوى، ثُمَّ يُتابَعُ الكَيُّ عَلَيْهِ.
والثّانِي: كامِلَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّها حَسَمَتِ اللَّيالِيَ والأيّامَ فاسْتَوْفَتْها عَلى الكَمالِ، لِأنَّها ظَهَرَتْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وذَهَبَتْ مَعَ غُرُوبِها.
قالَ مُقاتِلٌ: هاجَتِ الرِّيحُ غُدْوَةً، وسَكَنَتْ بِالعَشِيِّ في اليَوْمِ الثّامِنِ، وَقُبِضَتْ أرْواحُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ طَيْرًا أسْوَدَ فالتَقَطَهم حَتّى ألْقاهم في البَحْرِ.
والثّالِثُ: أنَّها حَسَمَتْهُمْ، فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا، أيْ: أذْهَبَتْهم وأفْنَتْهُمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى القَوْمَ فِيها ﴾ أيْ: في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ ﴿ صَرْعى ﴾ وهو جَمْعُ صَرِيعٍ، لِأنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ ﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ "خاوِيَةٌ" أيْ: بالِيَةٌ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [القَمَرِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن بَقاءٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: مِن بَقِيَّةٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ: وهو مَصْدَرٌ كالطّاغِيَةِ.
والثّالِثُ: هَلْ تَرى لَهم مِن أثَرٍ؟
قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿ وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، والكِسائِيُّ، وأبانُ: بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الباءِ.
والباقُونَ: بِفَتْحِ القافِ، وإسْكانِ الباءِ.
فَمَن كَسَرَ القافَ أرادَ: مَن يَلِيهِ ويَحُفُّ بِهِ مِن جُنُودِهِ وأتْباعِهِ.
ومَن فَتَحَها أرادَ: مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ.
وفي "المُؤْتَفِكاتِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُرى قَوْمِ لُوطٍ.
والمَعْنى: وأهْلُ المُؤْتَفِكاتِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ ائْتَفَكُوا بِذُنُوبِهِمْ، أيْ: هَلَكُوا بِالذُّنُوبِ الَّتِي مُعْظَمُها الإفْكُ، وهو الكَذِبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قارُونُ وقَوْمُهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالخاطِئَةِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بِالذُّنُوبِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخاطِئَةُ: الخَطَأُ العَظِيمُ ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ: كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً ﴾ أيْ: زائِدَةً عَلى الأحْداثِ ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ ﴾ أيْ: تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ في زَمَنِ نُوحٍ "حَمَلْناكُمْ" يَعْنِي: حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ "فِي الجارِيَةِ" وهِيَ: السَّفِينَةُ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ "لِنَجْعَلَها" أيْ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الفَعْلَةَ الَّتِي فَعَلْنا مِن إغْراقِ قَوْمِ نُوحٍ، ونَجاةِ مَن حَمَلْنا مَعَهُ "تَذْكِرَةً" أيْ: عِبْرَةً، ومَوْعِظَةً "وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ" أيْ: أُذُنٌ تَحْفَظُ ما سَمِعَتْ، وتَعْمَلُ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ، فَتَكُونَ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ ﴾ ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً ﴾ ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ ﴾ ﴿ لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ ﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ ﴿ وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ ﴿ والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والناسِ: "وَمِن قَبْلِهِ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيِ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ في طُغْيانِ الماءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "مَن قَبْلَهُ" قَدْ تَضَمَّنَهم فَحَسُنَ اقْتِضابُ أمْرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ دُونَ تَصْرِيحٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في -رِوايَةِ أبانَ- والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ: "وَمَن قِبَلَهُ"، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن مَعَهُ]، وفي حِرَفِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: "وَمَن تِلْقاءَهُ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَمَن حَوْلَهُ".
و"قِبَلَ الإنْسانِ": ما يَلِيهِ في المَكانِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ: عِنْدِي وفي ذِمَّتِي وما يَلِينِي بِأيِّ وجْهٍ ولِيَنِيَ.
وَ"المُؤْتَفِكاتُ": قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ أرْبَعًا فِيما رُوِيَ، وائْتَفَكَتْ: قُلِبَتْ وصارَ عالِيَها سافِلَها فائْتَفَكَتْ هي فَهي مُؤْتَفِكَةٌ، وقَرَأالحَسَنُ هُنا: "والمُؤْتَفِكَةِ" عَلى الإفْرادِ، و"الخاطِئَةِ" إمّا أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: بِالفِعْلِ الخاطِئَةِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ المَصْدَرَ، أيْ بِالخَطَأِ في كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الرَسُولُ" اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَصى هَؤُلاءِ الأقْوامَ والفِرَقَ أنْبِياءَ اللهِ تَعالى الَّذِينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الرَسُولُ" بِمَعْنى الرِسالَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: يَعْنِي لُوطًا عَلَيْهِ السَلامُ.
و"الرابِيَةُ": النامِيَةُ الَّتِي قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا، ومِنهُ: الرِبا، ورِبا المالِ، ومِنهُ "اهْتَزَّتْ ورَبَتْ".
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الناسِ نِعْمَتَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ ﴾ والمُرادُ: طَغى الماءُ في وقْتِ الطُوفانِ الَّذِي كانَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والطُغْيانُ: الزِيادَةُ عَلى الحُدُودِ المُتَعارِفَةِ في الأشْياءِ، ومَعْناهُ: طَغى عَلى خُزّانِهِ في خُرُوجِهِ، وعَلى البَشَرِ في أنْ أُغْرِقَهُمْ، قالَ قَتادَةُ: عَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، و"الجارِيَةُ": السَفِينَةُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِنَجْعَلَها ﴾ عائِدٌ عَلى الفِعْلَةِ، أيْ: مِن تَذَكَّرَها ازْدَجَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الجارِيَةِ"، أيْ: مِن سَمِعَها اعْتَبَرَ، و"الجارِيَةِ" يُرادُ بِها سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ مُنْذِرٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى: في السُفُنِ الجارِيَةِ، وقالَ قَتادَةُ: أبْقى اللهُ تَعالى تِلْكَ السَفِينَةَ حَتّى رَأى بَعْضَ عِيدانِها أوائِلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وغَيْرِها مِنَ السَفائِنِ الَّتِي صَنَعَتْ بَعْدَها قَدْ صارَتْ رَمادًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَجُلِ الفَهِمِ المُنَوَّرِ القَلْبِ الَّذِي يَسْمَعُ القَوْلَ فَيَتَلَقّاهُ بِفَهْمٍ وتَدَبُّرٍ، قالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِي: "واعِيَةٌ" عَقَلَتْ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنِّي دَعَوْتُ اللهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ"، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ.» وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعِيها" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى وزْنِ "تَلِيها"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ الحَلْوانِيِّ- وقَنْبَلٌ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "وَتَعِيها" بِسُكُونِ العَيْنِ، جَعَلَ التاءَ الَّتِي هي عَلامَةٌ في المُضارِعِ بِمَنزِلَةِ الكافِ مِن "كَتِفٍ"؛ إذْ حَرْفُ المُضارَعَةِ لا يُفارِقُ الفِعْلَ فَيَسْكُنُ تَخْفِيفًا كَما يُقالُ: "كَتْفٌ" ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا.
عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ مُنْفَصِلٌ، فَهو أبْعَدُ، لَكِنْ ضَرُورَةُ الشِعْرِ تَسامَحُ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بِأمْرِ القِيامَةِ، و"الصُورُ": القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، قالَ سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ عَنِ الصُورِ فَقالَ: "هُوَ قَرْنٌ مِن نُورٍ، فَمَهْ أوسَعُ مِنَ السَماواتِ"» والنَفْخَةُ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ نَفْخَةُ القِيامَةِ الَّتِي لِلْفَزَعِ، ومَعَها يَكُونُ الصَعْقُ ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، وقِيلَ: هي نَفَخاتٌ ثَلاثٌ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، والإشارَةُ بِآياتِنا هَذِهِ إلى نَفْخَةِ الفَزَعِ لِأنَّ حَمْلَ الجِبالِ هو بُعْدَها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَفْخَةٌ" بِالرَفْعِ، لَمّا نَعَتَ صَحَّ رَفْعُهُ، وقَرَأ أبُو السَمالِ بِالنَصْبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَحَمَلَتْ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، بِمَعْنى: حَمْلَتْها الرِياحُ والقُدْرَةُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "وَحَمَّلَتْ" بِشَدِّ المِيمِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها حامِلَةٌ حَمَلَتْ قُدْرَةً للَّهِ تَعالى وعُنْفًا وشِدَّةً تُفَتِّتُها، فَهي مُحَمَّلَةٌ حامِلَةٌ، والآخَرُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً حَمَلَتْها مَلائِكَةٌ أو قُدْرَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ .
قالَ: "فَدُكَّتا" وقَدْ ذَكَرَ جَمْعًا وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ فِرْقَتانِ، وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ألَم يَحْزُنْكِ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكِ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "كانَتا رَتْقًا"، و"دُكَّتا" مَعْناهُ: سِوى جَمِيعِهِما، كَما يُقالُ: "ناقَةٌ دَكّاءُ" إذا ضَعُفَتْ فاسْتَوَتْ حَدَبَتُها مَعَ ظَهْرِها.
و"الواقِعَةُ": القِيامَةُ والطامَّةُ الكُبْرى، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي إشارَةٌ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا ضَعِيفٌ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها وتَمَيُّزُ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ هو الوَهَنُ الَّذِي يَنالُها، كَما يُقالُ في الجِداراتِ البالِيَةِ المُشَقَّقَةِ: واهِيَةٌ، و"المَلَكُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرِيدُ بِهِ المَلائِكَةَ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ في "أرْجائِها" عائِدٌ عَلى السَماءِ، أيِ المَلائِكَةِ عَلى نَواحِيها وما لَمَّ بِهِ مِنها، و"الرَجا".
الجانِبُ مِنَ الحائِطِ والبِئْرِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا مُقَيَّدًا ولا رَجُلًا يُرْمى بِهِ فى الرَجَوانِ أيْ: يَلْقى في بِئْرٍ فَلا يَجِدُ ما أتَمَسَّكُ بِهِ، وقالَ الضَحّاكُ "أيْضًا" وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَمِيرُ في "أرْجائِها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ وإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ قَرِيبٌ لِأنَّ القِصَّةَ واللَفْظَةَ تقْتَضِيانِ إفْهامَ ذَلِكَ، وفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِما رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَماءِ الدُنْيا فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافاتِ الأرْضِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَماءِ الثانِيَةِ فَيُصَفُّونَ خَلْفَهُمْ، ثُمَّ كَذَلِكَ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ، فَكُلَّما بَدا أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ قَدْ أُحِيطَ بِها،وَقالُوا: فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ ، وهو أيْضًا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: يَوْمَ التَنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ عَلى قِراءَةِ مَن شَدَّ الدالَ، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا ﴾ .
واخْتَلَفَ الناسُ في الثَمانِيَةِ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما-: هي ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ عِدَّتَهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى هَيْئَةِ الوُعُولِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هم عَلى هَيْئَةِ الناسِ، أرْجُلُهم تَحْتَ الأرْضِ السُفْلى ورُؤُوسُهُمٍ وكَواهِلُهم فَوْقَ السَماءِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قُوّاهُمُ اللهُ بِأرْبَعَةٍ سِواهُمْ"» والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوْقَهُمْ" قِيلَ:هُوَ لِلْمَلائِكَةِ الحَمَلَةِ، وقِيلَ: لِلْعالَمِ كُلِّهِ، وكُلُّ قُدْرَةٍ كَيْفَما تُصُوِّرَتْ فَإنَّما هي بِحَوَلِ اللهِ وقُوَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ قوله تعالى: ﴿ ومَن قبله ﴾ [الحاقة: 9] لما شمل قومَ نوح وهم أول الأمم كذبوا الرسل حَسَّن اقتضاب التذكير بأخذهم لِمَا فيه من إدماج امتنان على جميع الناس الذين تناسلوا من الفئة الذين نجاهم الله من الغرق ليتخلص من كونه عِظة وعبرة إلى التذكير بأنه نعمة، وهذا من قبيل الإِدماج.
وقد بُني على شهرة مُهلك قوم نوح اعتبارُه كالمذكور في الكلام فجعل شرطاً ل ﴿ لمَّا ﴾ في قوله: ﴿ إنا لمّا طغا الماء حملناكم في الجارية ﴾ ، أي في ذلك الوقت المعروف بطغيان الطوفان.
والطغيان: مستعار لشدته الخارقة للعادة تشبيهاً لها بطغيان الطاغي على الناس تشبيه تقريب فإن الطوفان أقوى شدة من طغيان الطاغي.
و ﴿ الجارية ﴾ : صفة لمحذوف وهو السفينة وقد شاع هذا الوصف حتى صار بمنزلة الاسم قال تعالى: ﴿ وله الجواري المنشآت في البحر ﴾ [الرحمن: 24].
وأصل الحمل وضع جسم فوق جسم لنقله، وأطلق هنا على الوضع في ظرف متنقل على وجه الاستعارة.
وإسناد الحمل إلى اسم الجلالة مجاز عقلي بناء على أنه أوحى إلى نوح بصنع الحاملة ووضع المحمول قال تعالى: ﴿ فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ﴾ الآية [المؤمنون: 27].
وذكر إحدى الحِكَم والعلل لهذا الحمل وهي حكمة تذكير البشر به على تعاقب الأعصار ليكون لهم باعثاً على الشكر، وعظةً لهم من أسواء الكفر، وليخبر بها من عَلِمها قوماً لم يعلموها فتعيهَا أسماعهم.
والمراد ب ﴿ أذن ﴾ : آذَان واعية.
وعموم النكرة في سياق الإِثبات لا يستفاد إلا بقرينة التعميم كقوله تعالى: ﴿ ولْتنظُرْ نفسٌ ما قدّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18].
والوعي: العلم بالمسموعات، أي ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي، أي من شأنها أن تعي.
وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان والسفينة التي نجا بها المؤمنون فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهية.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحاقَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ الحاقَّةُ ﴾ ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما حَقَّ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِحُلُولِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القِيامَةُ الَّتِي يُسْتَحَقُّ فِيها الوَعْدُ والوَعِيدُ، قالَهُ الجُمْهُورُ وفي تَسْمِيَتِها بِالحاقَّةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما ذَكَرْنا مِنَ اسْتِحْقاقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالجَزاءِ عَلى الطّاعاتِ والمَعاصِي، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ ويَحْيى بْنِ سَلامٍ.
الثّانِي: لِأنَّ فِيها حَقائِقَ الأُمُورِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: لِأنَّ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِ أنْ يَخافَها.
وَقَوْلُهُ ( ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ ) تَفْخِيمًا لِأمْرِها وتَعْظِيمًا لِشَأْنِها.
﴿ وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ ﴾ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ فِيهِ (وَما أدْراكَ) فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ إيّاهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ (وَما يُدْرِيكَ) فَهو ما لَمْ يُعْلِمْهُ إيّاهُ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما أدْراكَ ما هَذا الِاسْمُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في كَلامِهِ ولا كَلامِ قَوْمِهِ، قالَهُ الأصَمُّ.
الثّانِي: وما أدْراكَ ما يَكُونُ في الحاقَّةِ.
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ ﴾ أمّا ثَمُودُ فَقَوْمُ صالِحٍ كانَتْ مَنازِلُهم في الحِجْرِ فِيما بَيْنَ الشّامِ والحِجازِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: وهو وادِي القُرى، وكانُوا عَرَبًا.
وَأمّا عادٌ فَقَوْمُ هُودٍ، وكانَتْ مَنازِلُهم بِالأحْقافِ، والأحْقافُ الرَّمْلُ بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ واليَمَنِ كُلِّهِ، وكانُوا عَرَبًا ذَوِي خَلْقٍ وبَسْطَةٍ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
وَأمّا (اَلْقارِعَةُ) فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها قَرَعَتْ بِصَوْتٍ كالصَّيْحَةِ، وبِضَرْبٍ كالعَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ.
الثّانِي: أنَّ القارِعَةَ هي القِيامَةُ كالحاقَّةِ، وهُما اسْمانِ لِما كَذَّبَتْ بِها ثَمُودُ وعادٌ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِالقارِعَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَقْرَعُ بِهَوْلِها وشَدائِدِها.
الثّانِي: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرْعَةِ في رَفْعِ قَوْمٍ وحَطِّ آخَرِينَ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
﴿ فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِالصَّيْحَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِالصّاعِقَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: بِالذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: بِطُغْيانِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّ الطّاغِيَةَ عاقِرُ النّاقَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ﴾ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ)» .
فَأمّا صَرْصَرٌ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرِّيحُ البارِدَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّرِّ وهو البَرْدُ.
الثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَأمّا العاتِيَةُ فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: القاهِرَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: المُجاوِزَةُ لِحَدِّها.
الثّالِثُ: الَّتِي لا تَبْقى ولا تُرْقَبُ.
وَفي تَسْمِيَتِها عاتِيَةً وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها عَتَتْ عَلى القَوْمِ بِلا رَحْمَةٍ ولا رَأْفَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها بِإذْنِ اللَّهِ.
﴿ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا ﴾ اخْتُلِفَ في أوَّلِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أوَّلَها غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: غَداةَ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّالِثُ: غَداةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ حُسُومًا ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُتَتابِعاتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وكَمْ يَحْيى بِها مِن فَرْطِ عامٍ وهَذا الدَّهْرُ مُقْتَبَلٌ حُسُومٌ.
الثّانِي: مَشائِيمُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ.
الثّالِثُ: أنَّها حَسَمَتِ اللَّيالِيَ والأيّامَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ، وانْقَطَعَتْ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: لِأنَّها حَسَمَتْهم ولَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ الشّاعِرُ ومِن مُؤْمِنِ قَوْمِ هُودٍ ∗∗∗ فَأرْسَلَ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا تَوالَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا ﴿ فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: البالِيَةُ، قالَهُ أبُو الطُّفَيْلِ.
الثّانِي: الخالِيَةُ الأجْوافِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّالِثُ: ساقِطَةُ الأبْدانِ، خاوِيَةُ الأُصُولِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفي تَشْبِيهِهِمْ بِالنَّخْلِ الخاوِيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أبْدانَهم خَوَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ في أجْوافِهِمْ مِنَ الخَيْشُومِ، وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، فَصارُوا كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: لِأنَّ الرِّيحَ قَطَعَتْ رُؤُوسَهم عَنْ أجْسادِهِمْ، فَصارُوا بِقَطْعِها كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ.
﴿ وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ (وَمِن قِبَلِهِ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ.
والثّانِي: ومَن تَقَدَّمَهُ، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ (وَمَن قَبْلَهُ) بِفَتْحِ القافِ وتَسْكِينِ الباءِ.
﴿ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ ﴾ في المُؤْتَفِكاتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَقْلُوباتُ بِالخَسْفِ.
الثّانِي: أنَّها الأفِكاتُ وهي الِاسْمُ مِنَ الآفِكَةِ، أيِ الكاذِبَةُ.
والخاطِئَةُ: هي ذاتُ الذُّنُوبِ والخَطايا، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ لُوطٍ.
الثّانِي: قارُونُ وقَوْمُهُ، لِأنَّ اللَّهَ خَسَفَ بِهِمْ.
﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَعَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالتَّكْذِيبِ.
الثّانِي: فَعَصَوْا رِسالَةَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالمُخالَفَةِ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرِّسالَةِ بِالرَّسُولِ، قالَ الشّاعِرُ لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ.
﴿ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شَدِيدَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُهْلِكَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: تَرْبُو بِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ أبَدًا، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجُونِيُّ.
الرّابِعُ: مُرْتَفِعَةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: رابِيَةٌ لِلشَّرِّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظَهَرَ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّانِي: زادَ وكَثُرَ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما أرْسَلَ مِن رِيحٍ قَطُّ إلّا بِمِكْيالٍ.
وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَطْرَةٍ قَطُّ إلّا بِمِثْقالٍ، إلّا يَوْمَ نُوحٍ وعادٍ، فَإنَّ الماءَ يَوْمَ نُوحٍ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ ﴾ الآيَةَ.
وَإنَّ الرِّيحَ طَغَتْ عَلى خُزّانِها يَوْمَ عادٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ ثُمَّ قَرَأ.
(بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمُ) الآيَةَ.
﴿ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ ﴾ يَعْنِي سَفِينَةَ نُوحٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها جارِيَةٌ عَلى الماءِ.
وَفي قَوْلِهِ حَمَلْناكم وجْهانِ: أحَدُهُما: حَمَلْنا آباءَكُمُ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهم في ظُهُورِ آبائِهِمُ المَحْمُولِينَ، فَصارُوا مَعَهم، وقَدْ قالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ وهو قَوْلُهُ في مَدْحِ النَّبِيِّ مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي ∗∗∗ مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ.
∗∗∗ ثُمَّ هَبَطْتَ البِلادَ لا بِشْرٌ ∗∗∗ أنْتَ ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ.
∗∗∗ بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقَدْ ∗∗∗ ألْجَمَ نَسَرًا وأهْلَهُ الغَرَقُ.
﴿ لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً ﴾ يَعْنِي سَفِينَةَ نُوحٍ جَعَلَها اللَّهُ لَكم تَذْكِرَةً وعِظَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُهم في قَوْلِ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ ألْواحُها عَلى الجُودِيِّ.
﴿ وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سامِعَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مُؤْمِنَةٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: حافِظَةٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ وعَيْتُ لِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ، وأوْعَيْتُ لِما حَفِظْتَهُ في غَيْرِكَ.
وَرَوى مَكْحُولٌ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: (سَألْتُ رَبِّي أنْ يَجْلَعَها أُذُنَ عَلِيٍّ)» قالَ مَكْحُولٌ: فَكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا قَطُّ نَسِيتُهُ إلّا وحَفِظْتُهُ.
الرّابِعُ: [أنا الأُذُنُ الواعِيَةُ] أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الحاقة ﴾ قال: من أسماء يوم القيامة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحاقة ﴾ يعني الساعة أحقت لكل عامل عمله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ قال: تعظيماً ليوم القيامة، كما تسمعون، وفي قوله: ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ قال: بالساعة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحاقة ﴾ قال: حققت لكل عامل عمله للمؤمن إيمانه وللمنافق نفاقه، وفي قوله: ﴿ بالقارعة ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأهلكوا بالطاغية ﴾ قال: بالذنوب، وكان ابن عباس يقول: الصيحة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأهلكوا بالطاغية ﴾ قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم فأهلكوا في قوله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ قال: عتت عليهم حتى نقبت أفئدتهم.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أرسل الله شيئاً من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم نوح، فإنه أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان، فخرج فذلك قوله: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ عتت على الخزان.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، قال: ما أمر الخزان أن يرسلوا على عاد إلا مثل موضع الخاتم، من الريح، فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الأبواب، فذلك قوله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ قال: عتوها عتت على الخزان فبدأت بأهل البادية منهم فحملتهم بمواشيهم وبيوتهم فأقبلت بهم إلى الحاضرة ﴿ فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ﴾ [ الأحقاف: 24] فلما دنت الريح وأظلتهم استبق الناس والمواشي فيها فألقت البادية على أهل الحاضرة تقصفهم فهلكوا جميعاً» .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والدارقطني في الأفراد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من السماء كفاً من ماء إلا بمكيال ولا كفاً من ريح إلا بمكيال إلا يوم نوح، فإن الماء طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سلطان، قال الله تعالى: ﴿ إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ﴾ ويوم عاد فإن الريح عتت على الخزان قال الله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ قال: الغالبة» .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الصرصر الباردة ﴿ عاتية ﴾ قال: حيث عتت على خزانها.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عاتية ﴾ قال: شديدة وفي قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: متتابعة.
وأخرج ابن عساكر من طريق ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب قال: ما يخرج من الريح شيء إلا عليها خزان يعلمون قدرها وعددها ووزنها وكيلها حتى كانت الريح التي أرسلت على عاد فاندفق منها شيء لا يعلمون وزنه ولا قدره ولا كيله غضباً لله، ولذلك سميت عاتية، والماء كذلك حين كان أمر نوح فلذلك سمي طاغياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ قال: كان أولها الجمعة.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: متتابعات.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: تبعاً، وفي لفظ متتابعات.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: دائمة شديدة يعني محسومة بالبلاء، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: وكم كنا بها من فرط عام ** وهذا الدهر مقتبل حسوم وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ﴾ قال: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح، فألقتهم في البحر، فذلك قوله: ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله: ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ﴾ قال: وأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عذبهم بكرة وكشف عنهم في اليوم التاني حتى كان الليل» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: متتابعة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: دائمات، وفي قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل خاوية ﴾ قال: هي أصول النخل قد بقيت أصولها وذهبت أعاليها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصولها وفي قوله: ﴿ خاوية ﴾ قال: خربة.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وجاء فرعون ومن قبله ﴾ بنصب القاف.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وجاء فرعون ومن قبله ﴾ قال: ومن معه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والمؤتفكات ﴾ قال: هم قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بالخاطئة ﴾ قال: بالخطايا وفي قوله: ﴿ أخذة رابية ﴾ قال: شديدة وفي قوله: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ قال: كثر وفي قوله: ﴿ حملناكم في الجارية ﴾ قال: السفينة، وفي قوله: ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ قال: حافظة، وفي لفظ: سامعة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ قال: طغى على خزانه، فنزل ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا زمن نوح، فإنه طغى على خزانه فنزل من غير كيل ولا وزن.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لم ينزل من السماء قطرة قط إلا بعلم الخزان إلا حيث طغى الماء، فإنه غضب لغضب الله فطغى على الخزان فخرج ما لا يعلمون ما هو.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ طغى الماء ﴾ قال: بلغني أنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ حملناكم في الجارية ﴾ قال: السفينة وفي قوله: ﴿ لنجعلها لكم تذكرة ﴾ أي تذكرون ما صنع بهم حيث عصوا نوحاً ﴿ وتعيها ﴾ يقول: وتحصيها ﴿ أذن واعية ﴾ يقول: أذن حافظة، يعني حديث السفينة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول قال: «لما نزلت ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت ربي أن يجعلها أذن عليَّ» قال مكحول: فكان عليّ يقول: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فنسيته.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر والبخاري عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: «إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق لك أن تعي» فنزلت هذه الآية ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عليّ قال: «قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: يا عليّ إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي فأنزل هذه الآية ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ فأنت أذن واعية لعلمي» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لنجعلها لكم تذكرة ﴾ قال: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكم من سفينة قد هلكت وأثر قد ذهب يعني ما بقي من السفينة حتى أدركته أمة محمد فرأوه كانت ألواحها ترى على الجودي.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ لنجعلها لكم تذكرة ﴾ قال: عبرة وآية أبقاها الله حتى نظرت إليها هذه الأمة، وكم من سفينة غير سفينة نوح صارت رمماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمران في قوله: ﴿ أذن واعية ﴾ قال: أذن عقلت عن الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ قال سمعت وعقلت ما سمعت وأوعت.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ﴾ الضمير للفعلة وهي الحمل في السفينة وقيل: للسفينة، فإن أراد جنس السفن: فالمعنى أنها تذكرة بقدرة الله ونعمته لمن ركب أو سمع بها، وإن إراد سفينة نوح فقد قيل: إن الله أبقاها حتى رأى بعض عيدانها أو هذه الأمة ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ الضمير يعود على ما عاد عليه ضمير: لنجعلها، وهذا يقوي أن يكون للفعلة، والأذن الواعية: هي التي تفهم ما تسمع وتحفظه، يقال: وعيت العلم إذا حصلته، ولذلك عبّر بعضهم عنها بأنها التي عقلت عن الله، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: إني دعوت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ، قال عليّ: فما نسيت بعد ذلك شيئاً سمعته، قال الزمخشري: إنما قال: أذن واعية، بالتوحيد والتنكير، للدلالة على قلة الوعاة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا عقلت عن الله تعالى فهي المعتبرة عند الله دون غيرها ﴿ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ يعني نفخة الصور وهي الأولى ﴿ فَدُكَّتَا ﴾ الضمير للأرض والجبال، ومعنى دكتا بعضها ببعض حتى تندق، وقال الزمخشري: الدك أبلغ من الدق، وقيل؛ معناه بسطت حتى تستوي الأرض والجبال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.
الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.
وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.
وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.
قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.
وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.
قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.
والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟
وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟
وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.
قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.
﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.
قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".
وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.
ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.
وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.
قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.
واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.
ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.
ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.
الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.
قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.
قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.
قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.
قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.
والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.
وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.
ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.
والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.
الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.
وقيل: ومكفىء الظعن.
والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.
وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.
وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.
ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.
والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.
وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.
﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .
ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.
قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى لزم التخصيص من غير مخصص.
ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.
ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.
والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.
قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.
يقال: أوعيت المتاع في البيت.
والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.
عن النبي أنه قال لعلي عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.
قال علي : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.
وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.
ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.
قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.
والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.
والدك أبلغ من الدق.
وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.
والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.
والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.
سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟
الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.
وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.
قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟
فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.
ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.
قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.
وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.
فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.
روي أن في القيامة ثلاث عرضات.
فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.
قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.
ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.
" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.
" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.
قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.
وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.
وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.
وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.
وعن أبي هريرة أنه قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.
ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.
والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.
يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.
والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.
ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.
وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.
والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.
وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.
ثم أخذ في قصة الأشقياء.
وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.
والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.
ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.
وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.
قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.
قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.
ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.
وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.
يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.
ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.
وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.
والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.
والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.
وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.
والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.
وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.
وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.
قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.
قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.
عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.
وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".
ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.
ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.
قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟
وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.
والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.
وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.
والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.
يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.
وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.
فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.
ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.
قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.
ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.
وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.
والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.
وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.
وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.
وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.
وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.
أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.
وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.
على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.
وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.
ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.
وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.
ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.
ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.
والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".
والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.
وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ أي من قبل الحق.
والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.
وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.
قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".
ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ ﴾ .
قد ذكرنا أن يوم القيامة سمي بأسماء النوازل التي تكون من البلايا والشدائد؛ ليقع بها التخويف والتهويل، وليس في تبيين وقته ولا في ذكر عينه ترهيب ولا ترغيب، فذكر ذلك اليوم بالأسباب التي هي أسباب الزجر والردع؛ فقوله: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ ﴾ أي: حقت لكل عامل عمله، وتحق لكل ذي حق حقه، فإن كان من أهل النار استوجبها، وإن كان من أهل الجنة دخلها.
وقال بعضهم: الحاقة هي النار التي لا ترتفع أبداً، وهو ما ينزل بالخلق من الجزاء وأنواع ما وعدوا به يوم القيامة.
وقيل: هي الواجبة مثل قوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ أي: وجب، ونزل بهم.
والأصل أن القيامة سميت بالأحوال التي يبتلى الخلق بها فيها؛ من نحو: القارعة، والواقعة، والتناد، والطامة، والصاخة، ونحو ذلك مما جاء في القرآن، أخذت أسماؤها من أحوال ما يبتلى الخلق بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ٱلْحَآقَّةُ ﴾ .
فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم أيضاً، كما يقال: فلان ما فلان؛ إذا وصف بالغاية في القوة والسخاوة، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، أي فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم، أيضاً أو ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، أي: لم تكن تدري ما ذلك اليوم؟
فأدراك الله ؛ لأنه لم يكن خبر القيامة علمك ولا علم قومك، لكن الله أطلعك عليه؛ لأن قومه كانوا منكري البعث ولم يكن عندهم من خبره شيء، وذلك أن الله لما ذكرهم من دلائل البعث إلى جهة تدركها العقول، والحكمة من إحالة التسوية بين [الفاجر والبر] والمطيع والعاصي، وأنه لا يجوز خروج كون هذا العالم عبثاً باطلاً، والدلائل الأخرى التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل، حيث استأصلهم، فلم يَبْق لهم سلف، ولا خلَفَ عنهم خلف؛ ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ ﴾ ، ذكرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل، يقول: سيصيبكم بتكذيبكم محمداً فيما يخبركم من الأنباء عن الله كما يصيبهم ما أصاب ثمود وعاداً بتكذيبهم رسلهم؛ لينتهوا عن تكذيبه.
أو يخبرهم أن ثمود وعاداً كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك، وندموا على ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضاً إن دمتم على تكذيبكم محمداً فيما يأتيكم من الأنباء بعد موتكم، ثم ذكرهم نبأ عاد وثمود وإن كانوا مكذبين بتلك الأنباء؛ لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة فيقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك، لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم ذلك، فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة وإن تركوا الإيمان بها.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث لا مخاطبة الرسول؛ كقوله : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول الله .
وجائز أن [يكون] يخاطب به رسول الله ، فإن صرف الخطاب إلى الرسول - - اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون، والأصل أن قول القائل: (فلان ما فلان) يوجب اجتذاب الأسماع ويستدعي السامع إلى البحث في الشاهد؛ لأنه إنما يذكر فلاناً بهذا؛ لأعجوبة فيه، أو لعظم أمره، فيستبحث عن ذلك؛ ليوقف على تلك الأعجوبة التي فيه، فإن كان الخطاب للمكذبين دعاهم ذلك إلى تعرف ما فيه من الأعجوبة والتعظيم، وفي قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ﴾ مبالغة في التعجب وإذا نظروا فيه وفهموه دعاهم ذلك إلى الإيمان به، فصارت الآية في موضع الإغراء واجتذاب الأسماع.
وإن كان الخطاب في رسول الله فتأويله: أن المكذبين يؤذونه ويمكرون به فيتأذى بهم، ويشتد ذلك عليه، فذكر ما ينزل بهم من العذاب ويحق عليهم؛ فيكون في بعض التسلي عما أصابه [من] الأذى من ناحيتهم، أو ذكره أن العذاب يحق عليهم فلا يحزن بصنيعهم، بل يحمله ذلك على الشفقة عليهم والرحمة لهم.
وقيل: إن كان الخطاب في المكذبين، ففيه تخويف لأهل مكة وتهويل أنهم إن كذبوا رسولهم فيما يخبرهم من أمر البعث، نزل بهم من العذاب ما نزل بعاد وثمود بتكذيبهم الرسل، وقد عرف أهل مكة ما نزل بأولئك.
وإن كان الخطاب في رسول الله ففي ذكر نبأ عاد وثمود ما يدعوه إلى الصبر على أذاهم، ويكون له بعض التسلي؛ لأنه يخبر أنك لست بأول رسول كذب، بل شركتك الرسل من قبل وابتلوا بالتكذيب، ثم بين ما نزل بعاد وثمود بالتكذيب بالقارعة، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ﴾ ، والطاغية [والعاتية] والرابية يمكن أن يجعل هذا كله صفة للعذاب الذي نزل بهم.
وجائز أن يكون صفة الأحوال التي سبقت منهم وما كانوا عليه، فإن كان هذا صفة العذاب، فالطغيان عبارة عن الشدة، والطاغي: هو العاتي، الشديد لا يراقب ولا يتقي، فوصف العذاب الذي أرسله عليهم أنه لم يُبْقِ منهم أحداً، بل استأصلهم وأهلكهم بجملتهم.
وقيل: ذلك العذاب هو الصاعقة.
وقيل: الصيحة، وسمي: طاغية: ولم يقل: طاغي؛ لهذا.
وقيل: اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به ليس أنها طاغية، لكن أخذ اسمه عن فعل القوم؛ كقوله : ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، وقال: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وإنما ذلك كله جزاء سيئاتهم واعتدائهم.
وقيل: ﴿ بِٱلطَّاغِيَةِ ﴾ أي: بطغيانهم وذنوبهم الذي سلف منهم؛ كقوله : ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ ﴾ .
ويحتمل أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتوّ ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة، ففيه تخويف لأهل مكة أن سيهلكهم الله - - إن لم ينتهوا عن التكذيب كما أهلك أولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ .
قال الحسن: الريح الصرصر هي الصيحة، وهي التي لها صوت.
وقال بعضهم: هي [الريح الباردة] الشديدة البرد؛ كقوله: ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...
﴾ الآية [آل عمران: 117]، والصر: البارد، والصرصر المكرر منه، فوصفها لدوامها وتكررها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَاتِيَةٍ ﴾ فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية.
وذكر الكلبي وغيره: أنها سميت: عاتية؛ لأنها عتت على الخزان فلم يطيقوها، وهذا لا يستقيم؛ لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها، ثم لا يمكنون من الحفظ حتى تعتوا عليهم، إلا أن يقال بأنهم لم يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت، فأما إذا وكلوا بحفظها، ثم لا يُجعل لهم إلى حفظها سبيل، فهذا مستحيل، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ .
قوله: ﴿ سَخَّرَهَا ﴾ قيل: أرسلها.
وقيل: أدامها عليهم.
وقيل: التسخير: التذليل، أي: ذللها؛ فصيّرها بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها، وإنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم تهلك شيئاً من مساكنهم؛ كقوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ ، والريح إذا عملت على الأبدان؛ فهي على البنيان أكثر، لكن الله لم يأمرها بذلك، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ فيه تبيين أن الأيام لم تكن على عدد الليالي، ولو كانا على عدد واحد، لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد الآخر؛ لأن تسمية الليالي تسمية للأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي؛ ألا ترى إلى قوله في قصة زكريا: ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حُسُوماً ﴾ ، قيل: متتابعة دائمة.
وقيل: قطعاً، [قطعاً] من الحسم، يقال: حسمت الريح كل شيء مرت به حسماً، أي: قطعته.
وقيل: مشئومات حيث انقطعت بركتها عنهم.
وقوله : ﴿ فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ ﴾ .
أي: إنك لو أدركتهم وشهدتهم وعاينتهم، لرأيتهم صرعى.
﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ .
وقال بعضهم: أي: ترى الأعضاء المتفرقة، كل قطعة منها كأنها عجز نخلة؛ إذ كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل، فيصرف تأويله إلى الأعضاء المتباينة.
ثم ذكر النخل هاهنا بالتأنيث، فقال: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ، ووصف في سورة ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ﴾ بصفة التذكير فقال: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ ؛ لأن النخل يذكر ويؤنث؛ كذا قاله الزجاج.
وقيل: النخل يذكر على كل حال، لكن قوله: ﴿ خَاوِيَةٍ ﴾ صفة الأعجاز لا صفة النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد فيذكر، وليس كذلك؛ لأن الخاوية صفة النخل، ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع.
ولأن النخل اسم جمع، يقال: نخلة ونخل؛ كما يقال: شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاوِيَةٍ ﴾ .
قال بعضهم: أي: بالية.
وقيل: الخاوية، أي: ساقطة؛ كقوله - -: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ ، أي: ساقطة على قوائمها.
وقيل: أي: خالية، فوصفها بالخلاء لأنها أقلعت من أصلها حتى خلا ذلك المكان عنها، وأعجاز النخل: أصوله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ﴾ .
فيه أنه لم يبق لهم نسل يذكرون بهم، بل أهلكوا بأجمعهم، وانقطع نسلهم، وانقطع عنهم الذكر إلا بالسوء، وإلا كان يرى لهم باقية، ففيه أنهم استؤصلوا وعم العذاب الكبير والصغير، يخوف أهل مكة بما يخبرهم عما فعل أولئك، وفيه إخبار أنهم عذبوا بعذاب لا رحمة فيه، وهكذا سنة الله - - في مكذبي الرسل من قبل، وجعل تعذيب هذه الأمة أن يجاهدوا ويقاتلوا، فتعذيب هذه الأمة تعذيب فيه رحمة؛ لأن الصغار منهم لا يقاتلون، والنساء لا يقاتلن، بل يسبين رجاء أن يسلمن؛ فعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، والله أعلم.
ويشبه أن يكون هذا جواب قولهم: إن محمداً صرور، أي: ليس له ولد يُبقي نسله وذكره، فأخبر - - أن كثرة الأولاد لا تغني من الله شيئاً؛ إذ قد كانت لهم أهالٍ وأولاد فأهلكوا عن آخرهم، وانقطع التناسل منهم؛ ليعلموا [أنه يبقى ذكر] لمن أطاع الله - - ورسوله، كان ثَمَّ أولاد، أو لم يكن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ ﴾ .
قرئ بكسر القاف وفتح الباء، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء.
فتأويل القراءة الأولى: أي: جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه، أو من قبله: من كان من أهل القرى التي بغرب المصر، وقد روي [في الشاذ] في بعض الحروف: ﴿ وجاء فرعون ومن دونه ﴾ .
وجائز أن يكونوا من أتباع فرعون.
وجائز ألا يكونوا.
وتأويل القراءة الثانية: أي: جاء فرعون ومن كان متقدماً عليه من الأمم الماضية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ ﴾ .
قيل: قريات لوط، ائتفكت على أهلها، أي: انقلبت عليهم؛ بما عصت رسلها.
وقيل: المؤتفك: الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب، ومن الحق إلى الباطل، ومن العدل إلى الجور، فمن قرأه: ﴿ وَمَن قَبْلَهُ ﴾ بخفض القاف، كان قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ واقعا كله على العصيان لموسى - - والمراد من المؤتفكات: كل من ائتفك من الحق إلى الباطل، دون أهل قريات لوط؛ لأنهم كانوا قبل زمان موسى بكثير.
ومن قرأه: ﴿ وَمَن قَبْلَهُ ﴾ بنصب القاف، كان قوله: ﴿ فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ واقعاً على رسول [كل فريق]، كأنه قال: عصى كل أمة رسولها، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد من المؤتفكات قوم لوط، .
ثم قوله: ﴿ بِالْخَاطِئَةِ ﴾ ، أي: بالخطايا والشرك.
وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر، وأنكر ذلك، واحتج بأن الله - - لم يذكر من قوم لوط - - كفراً وشركاً في كتابه، إنما ذكر [ركونهم للفاحشة] وبها أهلكوا؛ إذ لم ينزعوا ولم يتوبوا.
قال: ولو كانوا مشركين، لم يقل لهم لوط: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ ، أراد بذلك الإنكاح والكافر لا يصح منه نكاح المسلمة.
وليس كما زعم، بل كانوا أهل شرك وكفر بالله ؛ ألا ترى إلى قوله فيما حكى عن قوم لوط من قولهم: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ﴾ ، فإخراج الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر.
وقال في موضع آخر: ﴿ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ﴾ فطابت أنفسهم بإخراج لوط - - من قراهم، ومن فعل ذلك، لم يشك في كفره.
وقال في قصة لوط أيضاً: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ، فثبت أنهم كانوا كفاراً.
ثم لقائل أن يقول في قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى وعصاه كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاء فعصاه فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان؟
قيل: إن كل من أتى آخر وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب إلى الآخر، فقد قرب الآخر إليه، لأن المجيء فعل مشترك؛ لأنه اسم الالتقاء، وإنما يقع الالتقاء بهما جميعاً ليس بأحدهما؛ فلذلك استقام [إضافة] المجيء إلى فرعون، وعلى هذا تأويل قوله : ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: قربت للمتقين، وأهلها هم الذي يقربون إليها في الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم، فأضيف إليها التقريب لهذا؛ فعلى هذه العبارة يمكن أن يتأول قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ ﴾ ، أي: أتاه الخلق، لا أن يكون هو الذي يأتيهم؛ لأنه قال: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ ، فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن نسب المجيء والإتيان إلى الله ؛ لأنهم إذا أتوه [فكأنه قد] أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال في الله .
والثاني: أن اسم المجيء وإن أطلق واستعمل [في المجيء] إلى مكان من مكان، فقد يستعمل أيضاً في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال؛ قال الله : ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ ، ومعناه: ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع فانتقل عنه إلى غيره؛ فأمكن أن يكون قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ ﴾ أي: كذب بما أنزل على موسى، .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ ﴾ أي: جاء بالخاطئة؛ فيكون المجيء مصروفاً إلى الخطايا، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية؛ لأنه قال: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴾ ، أي: جاءوا بالخطايا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ﴾ .
أي: عالية؛ حيث علت أبدانهم.
وجائز أن يكون المراد منه: أن عقوبتهم ربت على الأخذ أي: [زادت على الأخذ]؛ لأنها أخذت أبدانهم وأهلكتها، ثم ردت أرواحهم إلى جهنم فتعرض عليها غدوّاً وعشيّاً، فذلك هو الزيادة على الأخذ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: أي: طغى على الخزان؛ لأن الخُزَّان يطلقون القطر بالكيل والوزن والقدر المعلوم، ثم ذكر في موضع آخر: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ أي: منصب؛ فيكون تأويله: أن الله - - لم يمكنهم من حفظ القطر في ذلك الوقت؛ فطغى عليهم لهذا المعنى، وإلا لو لزموا حفظه في ذلك الوقت، لكان الماء لا يطغى عليهم، على ما ذكرنا: أنه لا يجوز أن يؤمروا بحفظه ولا يملكون حفظه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ طَغَا ﴾ ، أي: طغى على الذين أهلكوا من مكذبي نوح - - وقد وصفنا تأويل الطاغي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ ﴾ .
قد ذكر أنه حملنا، ولم نكن نحن يومئذ فنُحْمَل، والخطاب للذين كانوا في زمن النبي وإنما كان لأن بنجاة أولئك المحمولين نجاة ذريتهم، وبهلاك أولئك فناء ذريتهم؛ فكأنه قد حملهم بحمل أولئك؛ لما حصلت لهم النجاة بحملهم.
أو أضاف إليهم؛ لأنه قدر كونهم من آبائهم؛ فكانوا حملوا تقديراً، وهو كقوله: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ ، ومعناه: أنزلنا عليكم ما قدرنا كون اللباس منه، وهو المطر، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون اللباس منه، فكأنه أنزل اللباس، وقال - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ ، ونحن لم نخلق من التراب، ولكن لما قدر خلقنا من التراب الذي أصلنا منه فكأنا خلقنا منه؛ فعلى ذلك وإن لم نكن محمولين في السفينة، فقد حمل أصلنا؛ لنكون [نحن من] ذلك الأصل، فكأنا قد حملنا فيها؛ إذ كنا في إرادة الله - - من الكائنين، والله أعلم.
أو ذكر ذلك منّة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء؛ ليعلم أن على الأبناء شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ ﴾ فوجه التذكرة فيه: أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ فذكرهم أنهم، أولاد من حملوا مع نوح - - في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعاً باتباعهم الرسل، فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا المكذبين للرسل، أو يذكرهم كذبهم في قولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ ﴾ ، بل قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه، وقد تعلمون أن آباءكم هم الذين اتبعوا نوحاً فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة.
ووجه آخر: أنه ذكرهم أحوال المكذبين، وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق والهلاك؛ فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول الله ؛ فصارت تلك الجارية وهي السفينة موعظة وتذكرة تذكرهم عواقب المصدقين بالرسل والمكذبين لهم.
أو ذكرهم عظيم نعمه على آبائهم الذين حملوا في السفينة؛ ليستأدي منهم شكر ذلك.
وقال بعضهم: كم من سفينة قد هلكت منذ ذلك الوقت وهي قائمة في موضع كذا عبرة وتذكرة.
ثم التذكرة تخرج على وجهين: أحدهما: أن يراد بها الآية والعبرة؛ أي: جعلنا لكم ذلك؛ لتعتبروا، وتكون آية لكم على وحدانية الله - - وقدرته؛ كقوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
والثاني: أي: جعلنا تلك الأنباء تذكرة لكم؛ أي: جعلناها قرآنا تقرءونها وتذكرونها إلى آخر الأبد؛ فتشكرون الله - - على ما صنع إليكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ يقال: وعى الشيء: إذا حفظه، وأوعاه: إذا حفظه بإناء أو غيره؛ أي: تحفظها أذن واعية؛ بمعنى: حافظة؛ فأضاف الوعي والحفظ إلى الأذن، والأذن لا تعي؛ بل تسمع، ثم يعيه القلب، ولكن نسب الوعي [إلى] الأذن، لأنه يوصل إلى الوعي من جهة الأذن؛ إذ بالسمع يوعى، والسمع من عمل الأذن، ثم يقع المسموع فيما فيه يُوعى، وهو القلب؛ فنسب الوعي إلى السمع؛ لما يتطرق به إلى الوعي، كما ذكرنا من إضافة اللباس إلى ما منه قدر اللباس، وهو المطر، وأضيف خلقنا إلى التراب؛ لأن أصل ما منه قدر خلقنا هو التراب.
وجائز أن يكون الله - - يجعل للقلوب آذاناً بها تعي، وأبصاراً بها تبصر؛ فيضيف الوعي إلى آذان القلوب، ليس إلى آذان الرءوس، والله أعلم.
وقيل: ﴿ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ أي: عقلت عن الله ، وانتفعت بما سمعت من كتابه، وهي أذن المؤمن، فأما أذن الكافر؛ فإنها تسمع وتقذف ولا تعي؛ لما لم يحصل لهم الانتفاع به؛ ألا ترى أنه وصف آذانهم بالصمم؛ لما لم ينتفعوا بالمسموع، وكذلك قال: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ جعل تركهم الانتفاع به نبذاً؛ فعلى ذلك جعل الانتفاع به وعياً، وكذلك المتعارف في الخلق أنهم إذا أرادوا الانتفاع بعلم أو شيء، اجتهدوا في وعيهما وحفظهما.
<div class="verse-tafsir"
لنجعل السفينة وقصتها موعظة يُسْتدلّ بها على إهلاك أهل الكفر، وإنجاء أهل الإيمان، وتحفظها أذن حافظة لما تسمع.
<div class="verse-tafsir" id="91.qX8rR"