الآية ١٣ من سورة الحاقة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ١٣ من سورة الحاقة

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الحاقة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة ، وأول ذلك نفخة الفزع ، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين ، والبعث والنشور ، وهي هذه النفخة .

وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة ، لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ، ولا يحتاج إلى تكرار وتأكيد .

وقال الربيع : هي النفخة الأخيرة .

والظاهر ما قلناه ; ولهذا قال هاهنا :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) يقول تعالى ذكره: ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ ) إسرافيل ( نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) وهي النفخة الأولى، ( وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) يقول: فزلزلتا زلزلة واحدة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدةقال ابن عباس : هي النفخة الأولى لقيام الساعة ، فلم يبق أحد إلا مات .

وجاز تذكير " نفخ " لأن تأنيث النفخة غير حقيقي .

وقيل : إن هذه النفخة هي الأخيرة .

وقال : " نفخة واحدة " أي لا تثنى .

قال الأخفش : ووقع الفعل على النفخة إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع فقيل : نفخة .

ويجوز " نفخة " نصبا على المصدر .

وبها قرأ أبو السمال .

أو يقال : اقتصر على الإخبار عن الفعل كما تقول : ضرب ضربا .

وقال الزجاج : " في الصور " يقوم مقام ما لم يسم فاعله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر ما فعله تعالى بالمكذبين لرسله وكيف جازاهم وعجل لهم العقوبة في الدنيا وأن الله نجى الرسل وأتباعهم كان هذا مقدمة لذكر الجزاء الأخروي وتوفية الأعمال كاملة يوم القيامة.

فذكر الأمور الهائلة التي تقع أمام القيامة وأن أول ذلك أنه ينفخ إسرافيل { فِي الصُّورِ } إذا تكاملت الأجساد نابتة.

{ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } فتخرج الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فإذا الناس قيام لرب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة"، وهي النفخة الأولى.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» للفصل بين الخلائق وهي الثانية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا نفخ المَلَك في "القرن" نفخة واحدة، وهي النفخة الأولى التي يكون عندها هلاك العالم، ورُفعت الأرض والجبال عن أماكنها فكُسِّرتا، ودُقَّتا دقة واحدة.

ففي ذلك الحين قامت القيامة، وانصدعت السماء، فهي يومئذ ضعيفة مسترخية، لا تماسُك فيها ولا صلابة، والملائكة على جوانبها وأطرافها، ويحمل عرش ربك فوقهم يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام.

في ذلك اليوم تُعرضون على الله- أيها الناس- للحساب والجزاء، لا يخفى عليه شيء من أسراركم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخذت السورة فى تفصيل أهوال يوم القيامة ، وفى بيان ما تكون عليه الأرض والساء فى هذا اليوم ، وفى بيان ما أعده - سبحانه - لمن أوتى كتابه بيمينه فى هذا اليوم ، فقال - تعالى - :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور .

.

.

) .الفاء فى قوله - تعالى - : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور .

.

) للتفريع ، أى : لتفريع ما بعدها على ما قبلها ، وهو الحديث عن أهوال يوم القيامة .والصور : هو البوق الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - .قال الآلوسى : قوله : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) شروع فى بيان نفس الحاقة ، وكيفية وقوعها ، إثر بيان عظم شأنها ، بإهلاك مكذبيها .والمراد بالنفخة الواحدة : النفخة الأولى ، التى عندها يكون خراب العالم .

وقيل هى النفخة الثانية .

والأول أولى ، لأنه هو المناسب لما بعده .وجواب الشرط قوله : ( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة ) أو قوله : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) .أى : فإذا نفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا .

وقعت الواقعة التى لا مفر من وقوعها ، لكى يحاسب الناس على أعمالهم .ووصفت النفخة بأنها واحدة ، للتأكيد على أنها نفخة واحدة وليست أكثر ، وللتبيه على أن هذه النفخة - مع أنها واحدة - تتأثر بها السموات والأرض والجبال ، وهذا دليل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .وقوله - سبحانه - : ( وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) بيان لما ترتب على تلك النفخة الهائلة من آثار .والمراد بحمل الأرض والجبال : إزالتهما من أماكنهما ، وتفريق أجزائهما .والدك : هو الدق الشديد الذى يترتب عليه التكسير والتفتيت للشئ .أى : عندما ينفخ إسرافيل فى الصور بأمرنا نفخة واحدة ، وعندما تزال الأرض والجبال عن أماكنهما ، وتتفتت أجزاؤهما تفتتا شديدا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ نَفْخَةٌ ﴾ بالرفع والنصب، وجه الرفع أسند الفعل إليها، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ثم نصب ﴿ نفخة ﴾ على المصدر.

المسألة الثانية: المراد من هذه النفخة الواحدة هي النفخة الأولى لأن عندها يحصل خراب العالم، فإن قيل: لم قال بعد ذلك ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ  ﴾ والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية؟

قلنا: جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة والنشور، والوقوف والحساب، فلذلك قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ كما تقول: جئته عام كذا، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أسند الفعل إلى المصدر، وحسن تذكيره للفصل.

وقرأ أبو السمال ﴿ نفخة واحدة ﴾ بالنصب مسنداً للفعل إلى الجار والمجرور.

فإن قلت: هما نفختان، فلم قيل: واحدة؟

قلت معناه أنها لا تثني في وقتها.

فإن قلت: فأي النفختين هي؟

قلت الأولى لأن عندها فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس.

وقد روى عنه أنها الثانية.

فإن قلت: أما قال بعد، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ والعرض إنما هو عند النفخة الثانية؟

قلت: جعل اليوم إسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قيل: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ كما تقول: جئته عام كذا؛ وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته ﴿ وَحُمِلَتِ ﴾ ورفعت من جهاتها بريح بلغت من قوّة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال.

أو بخلق من الملائكة.

أو بقدرة اللَّه من غير سبب.

وقرئ: ﴿ وحملت ﴾ بحذف المحمل وهو أحد الثلاثة ﴿ فَدُكَّتَا ﴾ فدكت الجملتان: جملة الأرضين وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض حتى تندقّ وترجع كثيباً مهيلا وهباء منبثاً والدك أبلغ من الدق.

وقيل: فبسطتا بسطة واحدة، فصارتا أرضاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، من قولك: اندكّ السنام إذا انفرش وبعير أدك وناقة دكاء.

ومنه: الدكان ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة (15) ﴾ فحينئذٍ نزلت النازلة وهي القيامة ﴿ وَاهِيَةٌ ﴾ مسترخية ساقطة القوّة جدّا بعد ما كانت محكمة مستمسكة.

يريد: والخلق الذي يقال له الملك، وردّ إليه الضمير مجموعاً في قوله: ﴿ فَوْقَهُمُ ﴾ على المعنى: فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ﴿ والملك ﴾ ، وبين أن يقال (والملائكة)؟

قلت: الملك أعمّ من الملائكة، ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة ﴿ على أَرْجَآئِهَا ﴾ على جوانبها: الواحد رجا مقصور، يعني: أنها تنشق، وهي مسكن الملائكة، فينضوون إلى أطرافها وما حولها من حافاتها ﴿ ثمانية ﴾ أي: ثمانية منهم.

وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية» وروي: ثمانية أملاك: أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون مسبحون.

وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر.

وروي: ثمانية أملاك في خلق الأوعال، ما بين أظلافها إلى ركبها: مسيرة سبعين عاماً.

وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك؛ وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك وعن الحسن: الله أعلم كم هم، أثمانية أم ثمانية آلاف؟

وعن الضحاك: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله.

ويجوز أن تكون الثمانية من الروح، أو من خلق آخر، فهو القادر على كل خلق، ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] .

العرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة.

شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله.

وروى أنّ في يوم القيامة ثلاثة عرضات.

فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله ﴿ خَافِيَةٌ ﴾ سريرة وحال كانت تخفي في الدنيا بستر اللَّه عليكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ لَمّا بالَغَ في تَهْوِيلِ القِيامَةِ وذَكَرَ مَآلَ المُكَذِّبِينَ بِها تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِها عادَ إلى شَرْحِها، وإنَّما حَسُنَ إسْنادُ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ لِتَقَيُّدِهِ وحُسْنِ تَذْكِيرِهِ لِلْفَصْلِ، وقُرِئَ «نَفْخَةً» بِالنَّصْبِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ والمُرادُ بِها النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي عِنْدَها خَرابُ العالَمِ.

﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ رُفِعَتْ مِن أماكِنِها بِمُجَرَّدِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ، أوْ بِتَوَسُّطِ زَلْزَلَةٍ أوْ رِيحٍ عاصِفَةٍ.

﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ فَضُرِبَتِ الجُمْلَتانِ بَعْضُها بِبَعْضٍ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَصِيرُ الكُلُّ هَباءً، أوْ فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً فَصارَتا أرْضًا لا عِوَجَ فِيها ولا أمْتًا لِأنَّ الدَّكَّ سَبَبٌ لِلتَّسْوِيَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ناقَةٌ دَكّاءُ لِلَّتِي لا سَنامَ لَها، وأرْضٌ دَكّاءُ لِلْمُتَّسِعَةِ المُسْتَوِيَةِ.

﴿ فَيَوْمَئِذٍ ﴾ فَحِينَئِذٍ.

﴿ وَقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ قامَتِ القِيامَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة} هي النفخة

الأولى ويموت عندها الناس والثانية يبعثون عندها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ شُرُوعُ بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.

والمُرادُ بِالنَّفْخَةِ الواحِدَةِ النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي عِنْدَها خَرابُ العالَمِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ ومُقاتِلٌ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ وإنْ كانَتِ الواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ لَكِنَّ مُخالَفَةَ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ والنَّفْخَةُ قالَ جارُ اللَّهِ في حَواشِي كَشّافِّهِ: المَرَّةُ ودَلالَتُها عَلى النَّفْخِ اتِّفاقِيَّةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ وحُدُوثُ الأمْرِ العَظِيمِ بِها وعَلى عَقِبِها إنَّما اسْتُعْظِمَ مِن حَيْثُ وُقُوعُ النَّفْخِ مَرَّةً واحِدَةً لا مِن حَيْثُ إنَّهُ نَفْخٌ فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ واحِدَةٌ ﴾ .

وعَنِ ابْنِ الحاجِبِ أنَّ ﴿ نَفْخَةٌ ﴾ لَمْ يُوضَعْ لِلدَّلالَةِ عَلى الوَحْدَةِ عَلى حِيالِها وإنَّما وُضِعَ لِلدَّلالَةِ عَلى النَّفْخِ والدَّلالَةُ عَلى الوَحْدَةِ اتِّفاقِيَّةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا بَعْدَ التَّسْلِيمِ لا يَضُرُّ لِأنَّ الكَلامَ في مُقْتَضى المَقامِ لا أصْلِ الوَضْعِ.

وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ يُجْعَلُ مُعْتَمِدًا حَتّى كانَ غَيْرُهُ = مَطْرُوحًا فالمَرَّةُ هي المُعْتَمِدَةُ نَظَرًا لِلْمَقامِ دُونَ النَّفْخِ نَفْسِهِ وإنْ كانَ النَّظَرُ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ يَقْتَضِي العَكْسَ فافْهَمْ.

وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الفِعْلِ إلى نَفْخَةٍ لَيْسَ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ كَضَرَبَ =ضَرْبًا وإنْ لَمْ يُلاحِظْ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ واحِدَةٌ ﴾ وحَسَّنَ تَذْكِيرَ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ وكَوْنِ المَرْفُوعِ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ وكَوْنِهِ مَصْدَرًا فَقَدْ ذَكَرَ = الجارَبِرَدِّي في شَرْحِ الشّافِيَةِ إنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ لِتَأْوِيلِهِ بِأنَّ والفِعْلِ والمَشْهُورُ أنَّ ﴿ واحِدَةٌ ﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ وأطْلَقَ عَلَيْها بَعْضُهُمُ التَّوْكِيدَ وبَعْضُهُمُ البَيانَ وذَكَرَ الطِّيِبِيُّ أنَّ التَّوابِعَ كالبَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ والصِّفَةِ بَيانٌ مِن وجْهٍ لِلْمَتْبُوعِ عِنْدَ أرْبابِ المَعانِي وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في المُطَوَّلِ.

وقَرَأ أبُو =السَّمالِ «نَفْخَةً واحِدَةً» بِنَصْبِهِما عَلى إقامَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَقامَ الفاعِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ يعني: طغى على خزانة يوم نوح، كما روي عن ابن عباس.

ويقال: طغى الماء، أي ارتفع ويقال في اللغة: طغى الشيء، إذا ارتفع جداً.

وقال قتادة: إنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً.

حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ يعني: السفينة، ومعناه: حين غرق الله تعالى قوم نوح، حملناكم يا محمد في السفينة في أصلاب آبائكم.

لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً يعني: لنجعل هلاك قوم نوح لكم عبرة لتعتبروا بها.

وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ يعني: يسمع هذا الخبر أذن سامعة، ويحفظها قلب حافظ على معنى الإضمار.

ثم رجع إلى أول السورة فقال: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ يعني: نفخ إسرافيل فى الصور نفخة واحدة.

ثم قال: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ يعني: قلعت ما على الأرض من نباتها وشجرها، وحملت الجبال عن أماكنها.

فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً يعني: فضربت على الأرض مرة واحدة وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي: يعني: رفعت الأرض والجبال فزلزلتا زلزلة واحدة.

ويقال: فدكتا دكة واحدة أي: كسرتا كسرة واحدة.

فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ يعني: في ذلك اليوم قامت القيامة.

وَانْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء بنزول الملائكة.

فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ يعني: ضعيفة منشقة متمزقة من الخوف.

وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها يعني: الملائكة على نواحيها وأطرافها، يعني: صفوف الملائكة حول العرش وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يعني: فوق الخلائق.

يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ يعني: ثمانية أجزاء من المقربين، لا يعلم كثرة عددهم إلا الله.

وروى عطاء بن السائب، عن ميسرة في قوله: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ يعني: ثمانية من الملائكة، أرجلهم في تخوم الأرض السابعة وقال وهب بن منبه: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه ثور، ووجه أسد، ووجه إنسان.

روى الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الحاقّة»

[وهي] مكّيّة بإجماع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)

قوله عز وجل: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ المُرَادُ بالحاقَّةِ: القيامةُ، وهي اسْمُ فاعلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيءُ يَحِقُّ لأنَها حَقَّتْ لِكُل عَامِلٍ عملَه، قال ابن عباس وغيره: سُمِّيَت القيامةَ حَاقَّةً لأنَّها تُبْدِي حَقَائِقَ الأشياء «١» ، والْحَاقَّةُ: مبتدأ ومَا مبتدأُ ثانٍ، والحاقَّةُ الثانية خَبَرُ مَا والجملةُ خَبَرُ الأُولى، وهذا كما تقول: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ على معنى التعظيمِ له، وإبْهام التعظيمِ أيضاً ليتخَيَّلَ السّامِعُ أقْصَى جُهْدَه.

وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ مبالغة في هذا المعنى: أي: أن فيها مَا لَمْ تَدْرِه مِنْ أهْوَالِها، وتَفَاصِيلِ صِفَاتِها، ثم ذكرَ تعالى تكذيبَ ثَمُودَ وَعَادٍ بهذَا الأَمْرِ الذي هو حَقُّ مشيراً إلى أنْ مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ يَنزلُ به ما نزل بأولئك، والقارعة: من أسماء القيامة أيضاً لأنها تَقْرَعُ القلوبَ بصدمتها.

فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)

وقوله سبحانه: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ قال قتادة: معناه: بالصَّيْحَةِ التي خَرَجَتْ عن حدِّ كل صيحةٍ «٢» ، وقيل: المعنى بسَبَبِ الفِئَةِ الطاغيةِ، وقيل: بسببِ الفعلة الطاغية، وقال ابن زيد ما معناه: الطاغيةُ مصدرٌ كالعَاقِبة، فكأنه قال بطغيانهم «٣» وقاله أبو

عبيدة، وَيُقَوِّي هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [الشمس: ١١] وأوْلَى الأقوال وأصوبُها الأوَّلُ، وباقي/ الآيةِ تقدم تفسيرُ نظيرهِ، وما في ذلك من القصص، والعَاتِيَةُ:

معناه الشديدةُ المخالِفَة، فكانت الريحُ قد عَتَتْ على خُزَّانِها بخلافِها، وعلى قومِ عادٍ بشدتها، ورُوِيَ عن عليٍّ وابن عباس أنهما قَالا: لَمْ ينزلْ من السماء قطرةُ ماءٍ قط إلا بمكيالٍ عَلَى يدِ مَلَكٍ، ولا هبتْ ريحٌ إلاَّ كذلك إلاَّ ما كَانَ مِنْ طوفانِ نوحٍ، وريحِ عادٍ، فإنَّ اللَّه أَذِنَ لهما في الخروج دونَ إذن الخزّان «١» ، وحُسُوماً: قال ابن عباس وغيره:

معناه كَامِلَةً تِبَاعاً لم يتخللْها غيرُ ذلك «٢» ، وقال ابن زيد: حُسُوماً جمعُ حَاسِمٍ، ومعناه أنَّ تلكَ الأَيامَ قطعَتْهُم بالإهلاكِ «٣» ، ومنه حَسَمَ العِلَلَ، ومنه الحُسَامُ، والضميرُ في قوله:

فِيها صَرْعى يُحتملُ عُوْدُه على الليالي والأيامِ، ويُحْتَمَلُ عودُه على ديارِهم، وقيل: على الريح، - ص-: «ومن قِبَلَه» النْحويانِ وعاصمٌ في روايةٍ- بكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباء- أي:

أجنادُه وأهلُ طاعتهِ، وقرأ الباقون «٤» : «قَبْلَه» ظَرْفَ زمانٍ، انتهى.

وقوله: بِالْخاطِئَةِ صفةٌ لمحذوفٍ، أي: بالفعلةِ الخاطئةِ، وال «رابية» النَّامِيَة التي قد عَظُمَتْ جِدًّا، ومنه رِبَا المالِ، ومنه اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [ٍالحج: ٥] ، ثم عدد تعالى على الناس نعمه في قوله: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ يعني في وقتِ الطوفانِ الذي كانَ على قوم نوح، والْجارِيَةِ سفينةُ نوحٍ قاله منذر بن سعيد «٥» ، والضميرُ في: لِنَجْعَلَها

عائِدٌ على الجاريةِ أو على الفعلة.

وقوله تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ

: عبارةٌ عن الرجلِ الفَهِمِ المُنَوَّرِ القلبِ الذي يسمعُ القرآنَ فيتلقاه بِفَهْمٍ وتدبُّرٍ، قال أبو عمران الجوني: واعِيَةٌ

عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تعالى، وقال الثعلبيُّ: المعنى: لِتَحْفَظَهَا كلُّ أذُنٍ فتكونَ عِظَةً لِمَنْ يأتي بعدُ، تقول وَعَيْتَ العِلْمَ إذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا  ﴾ ، وأنْشَدُوا: هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿ والمَلَكُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ﴿ عَلى أرْجائِها ﴾ أيْ: عَلى جَوانِبِها.

قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ.

والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْها السَّماءُ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.

والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ.

وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ.

قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.

والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ.

وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.

﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ.

بِمَنزِلَةِ هاكم.

تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ.

ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ﴿ راضِيَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿ قُطُوفُها ﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿ دانِيَةٌ ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ.

والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ﴿ الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا.

﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ.

وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ﴾ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ.

وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ.

وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا.

وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ.

ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكُوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها.

والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي.

ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.

والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .

والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الخاطِئُونَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ ﴾ ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً ﴾ ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ ﴾ ﴿ لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ ﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ ﴿ وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ ﴿ والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والناسِ: "وَمِن قَبْلِهِ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيِ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ في طُغْيانِ الماءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "مَن قَبْلَهُ" قَدْ تَضَمَّنَهم فَحَسُنَ اقْتِضابُ أمْرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ دُونَ تَصْرِيحٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في -رِوايَةِ أبانَ- والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ: "وَمَن قِبَلَهُ"، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن مَعَهُ]، وفي حِرَفِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: "وَمَن تِلْقاءَهُ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَمَن حَوْلَهُ".

و"قِبَلَ الإنْسانِ": ما يَلِيهِ في المَكانِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ: عِنْدِي وفي ذِمَّتِي وما يَلِينِي بِأيِّ وجْهٍ ولِيَنِيَ.

وَ"المُؤْتَفِكاتُ": قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ أرْبَعًا فِيما رُوِيَ، وائْتَفَكَتْ: قُلِبَتْ وصارَ عالِيَها سافِلَها فائْتَفَكَتْ هي فَهي مُؤْتَفِكَةٌ، وقَرَأالحَسَنُ هُنا: "والمُؤْتَفِكَةِ" عَلى الإفْرادِ، و"الخاطِئَةِ" إمّا أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: بِالفِعْلِ الخاطِئَةِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ المَصْدَرَ، أيْ بِالخَطَأِ في كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الرَسُولُ" اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَصى هَؤُلاءِ الأقْوامَ والفِرَقَ أنْبِياءَ اللهِ تَعالى الَّذِينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الرَسُولُ" بِمَعْنى الرِسالَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: يَعْنِي لُوطًا عَلَيْهِ السَلامُ.

و"الرابِيَةُ": النامِيَةُ الَّتِي قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا، ومِنهُ: الرِبا، ورِبا المالِ، ومِنهُ "اهْتَزَّتْ ورَبَتْ".

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الناسِ نِعْمَتَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ ﴾ والمُرادُ: طَغى الماءُ في وقْتِ الطُوفانِ الَّذِي كانَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والطُغْيانُ: الزِيادَةُ عَلى الحُدُودِ المُتَعارِفَةِ في الأشْياءِ، ومَعْناهُ: طَغى عَلى خُزّانِهِ في خُرُوجِهِ، وعَلى البَشَرِ في أنْ أُغْرِقَهُمْ، قالَ قَتادَةُ: عَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، و"الجارِيَةُ": السَفِينَةُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِنَجْعَلَها ﴾ عائِدٌ عَلى الفِعْلَةِ، أيْ: مِن تَذَكَّرَها ازْدَجَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الجارِيَةِ"، أيْ: مِن سَمِعَها اعْتَبَرَ، و"الجارِيَةِ" يُرادُ بِها سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ مُنْذِرٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى: في السُفُنِ الجارِيَةِ، وقالَ قَتادَةُ: أبْقى اللهُ تَعالى تِلْكَ السَفِينَةَ حَتّى رَأى بَعْضَ عِيدانِها أوائِلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وغَيْرِها مِنَ السَفائِنِ الَّتِي صَنَعَتْ بَعْدَها قَدْ صارَتْ رَمادًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَجُلِ الفَهِمِ المُنَوَّرِ القَلْبِ الَّذِي يَسْمَعُ القَوْلَ فَيَتَلَقّاهُ بِفَهْمٍ وتَدَبُّرٍ، قالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِي: "واعِيَةٌ" عَقَلَتْ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنِّي دَعَوْتُ اللهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ"، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ.» وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعِيها" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى وزْنِ "تَلِيها"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ الحَلْوانِيِّ- وقَنْبَلٌ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "وَتَعِيها" بِسُكُونِ العَيْنِ، جَعَلَ التاءَ الَّتِي هي عَلامَةٌ في المُضارِعِ بِمَنزِلَةِ الكافِ مِن "كَتِفٍ"؛ إذْ حَرْفُ المُضارَعَةِ لا يُفارِقُ الفِعْلَ فَيَسْكُنُ تَخْفِيفًا كَما يُقالُ: "كَتْفٌ" ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا.

عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ مُنْفَصِلٌ، فَهو أبْعَدُ، لَكِنْ ضَرُورَةُ الشِعْرِ تَسامَحُ بِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بِأمْرِ القِيامَةِ، و"الصُورُ": القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، قالَ سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللهِ  سُئِلَ عَنِ الصُورِ فَقالَ: "هُوَ قَرْنٌ مِن نُورٍ، فَمَهْ أوسَعُ مِنَ السَماواتِ"» والنَفْخَةُ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ نَفْخَةُ القِيامَةِ الَّتِي لِلْفَزَعِ، ومَعَها يَكُونُ الصَعْقُ ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، وقِيلَ: هي نَفَخاتٌ ثَلاثٌ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، والإشارَةُ بِآياتِنا هَذِهِ إلى نَفْخَةِ الفَزَعِ لِأنَّ حَمْلَ الجِبالِ هو بُعْدَها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَفْخَةٌ" بِالرَفْعِ، لَمّا نَعَتَ صَحَّ رَفْعُهُ، وقَرَأ أبُو السَمالِ بِالنَصْبِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَحَمَلَتْ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، بِمَعْنى: حَمْلَتْها الرِياحُ والقُدْرَةُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "وَحَمَّلَتْ" بِشَدِّ المِيمِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها حامِلَةٌ حَمَلَتْ قُدْرَةً للَّهِ تَعالى وعُنْفًا وشِدَّةً تُفَتِّتُها، فَهي مُحَمَّلَةٌ حامِلَةٌ، والآخَرُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً حَمَلَتْها مَلائِكَةٌ أو قُدْرَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ .

قالَ: "فَدُكَّتا" وقَدْ ذَكَرَ جَمْعًا وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ فِرْقَتانِ، وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ألَم يَحْزُنْكِ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكِ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "كانَتا رَتْقًا"، و"دُكَّتا" مَعْناهُ: سِوى جَمِيعِهِما، كَما يُقالُ: "ناقَةٌ دَكّاءُ" إذا ضَعُفَتْ فاسْتَوَتْ حَدَبَتُها مَعَ ظَهْرِها.

و"الواقِعَةُ": القِيامَةُ والطامَّةُ الكُبْرى، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي إشارَةٌ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا ضَعِيفٌ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها وتَمَيُّزُ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ هو الوَهَنُ الَّذِي يَنالُها، كَما يُقالُ في الجِداراتِ البالِيَةِ المُشَقَّقَةِ: واهِيَةٌ، و"المَلَكُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرِيدُ بِهِ المَلائِكَةَ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ في "أرْجائِها" عائِدٌ عَلى السَماءِ، أيِ المَلائِكَةِ عَلى نَواحِيها وما لَمَّ بِهِ مِنها، و"الرَجا".

الجانِبُ مِنَ الحائِطِ والبِئْرِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا مُقَيَّدًا ولا رَجُلًا يُرْمى بِهِ فى الرَجَوانِ أيْ: يَلْقى في بِئْرٍ فَلا يَجِدُ ما أتَمَسَّكُ بِهِ، وقالَ الضَحّاكُ "أيْضًا" وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَمِيرُ في "أرْجائِها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ وإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ قَرِيبٌ لِأنَّ القِصَّةَ واللَفْظَةَ تقْتَضِيانِ إفْهامَ ذَلِكَ، وفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِما رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَماءِ الدُنْيا فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافاتِ الأرْضِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَماءِ الثانِيَةِ فَيُصَفُّونَ خَلْفَهُمْ، ثُمَّ كَذَلِكَ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ، فَكُلَّما بَدا أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ قَدْ أُحِيطَ بِها،وَقالُوا: فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ ، وهو أيْضًا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: يَوْمَ التَنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ عَلى قِراءَةِ مَن شَدَّ الدالَ، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في الثَمانِيَةِ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما-: هي ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ عِدَّتَهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى هَيْئَةِ الوُعُولِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هم عَلى هَيْئَةِ الناسِ، أرْجُلُهم تَحْتَ الأرْضِ السُفْلى ورُؤُوسُهُمٍ وكَواهِلُهم فَوْقَ السَماءِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قُوّاهُمُ اللهُ بِأرْبَعَةٍ سِواهُمْ"» والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوْقَهُمْ" قِيلَ:هُوَ لِلْمَلائِكَةِ الحَمَلَةِ، وقِيلَ: لِلْعالَمِ كُلِّهِ، وكُلُّ قُدْرَةٍ كَيْفَما تُصُوِّرَتْ فَإنَّما هي بِحَوَلِ اللهِ وقُوَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع ما بعدها على التهويل الذي صُدرت به السورة من قوله: ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقّة ﴾ [الحاقة: 13] فعلم أنه تهويل لأمر العذاب الذي هُدد به المشركون من أمثال ما نال أمثالهم في الدنيا.

ومن عذاب الآخرة الذي ينتظرهم، فلما أتم تهديدهم بعذاب الدنيا فرع عليه إنذارهم بعذاب الآخرة الذي يحل عند القارعة التي كذبوا بها كما كذبت بها ثمود وعاد، فحصل من هذا بيان للقارعة بأنها ساعة البعثثِ وهي الواقعة.

و ﴿ الصور ﴾ : قرن ثَوْر يقعر ويجعل في داخله سِداد يسُد بعض فراغه حتى إذا نفَخ فيه نافخ انضغط الهواء فصوَّت صوتاً قوياً، وكانت الجنود تتخذه لنداء بعضهم بعضاً عند إرادة النفير أو الهجوم، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وله المُلْك يوم ينفخ في الصور ﴾ في سورة الأنعام (73).

والنفخ في الصور: عبارة عن أمر التكوين بإحياء الأجساد للبعث مُثِّل الإِحياء بنداء طائفة الجند المكلفة بالأبواق لنداء بقية الجيش حيث لا يتأخر جندي عن الحضور إلى موضع المناداة، وقد يكون للملك الموكَّل موجود يصوّت صوتاً مؤثّراً.

و ﴿ نفخة: ﴾ مصدر نفخ مقترن بهاء دالة على المرة، أي الوحدة فهو في الأصل مفعول مطلق، أو تقع على النيابة عن الفاعل للعلم بأن فاعل النفخ الملك الموكّل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل.

ووصفت ﴿ نفخة ب واحدة ﴾ تأكيد لإِفادة الوحدة من صيغة الفعلة تنصيصاً على الوحدة المفادة من التاء.

والتنصيص على هذا للتنبيه على التعجيب من تأثر جميع الأجساد البشرية بنفخة واحدة دون تكرير تعجيباً عن عظيم قدرة الله ونفوذ أمره لأن سياق الكلام من مبدأ السورة تهويل يوم القيامة فَتعداد أهواله مقصود، ولأجل القصد إليه هنا لم يذكر وصف واحد في قوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دَعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ في سورة الروم (25).

فحصل من ذكر نفحة واحدة تأكيد معنى النفخ وتأكيد معنى الوحدة، وهذا يبين ما روي عن صاحب «الكشاف» في تقريره بلفظٍ مجمل نقله الطيبي، فليس المراد بوصفها ب ﴿ واحدة ﴾ أنها غير مُتَبعة بثانية فقد جاء في آيات أخرى أنهما نفختان، بل المراد أنها غير محتاج حصولُ المراد منها إلى تكررها كناية عن سرعة وقوع الواقعة، أي يوم الواقعة.

وأما ذكر كلمة ﴿ نفخة ﴾ فليتأتى إجراء وصف الوحدة عليها فذِكر ﴿ نفخة ﴾ تبعٌ غير مسوق له الكلام فتكون هذه النفخة هي الأولى وهي المؤذنة بانقراض الدنيا ثم تقع النفخة الثانية التي تكون عند بعث الأموات.

وجملة ﴿ وحُملت الأرض والجبال ﴾ الخ في موضع الحال لأن دَكّ الأرضضِ والجبال قد يحصل قبل النفخ في الصور لأن به فناء الدنيا.

ومعنى ﴿ حُملت: ﴾ أنها أُزيلت من أماكنها بأن أُبعدت الأرض بجبالها عن مدارها المعتاد فارتطمت بأجرام أُخرى في الفضاء ﴿ فدكَّتا ﴾ ، فشبهت هذه الحالة بحمل الحامل شيئاً ليلقيه على الأرض، مثل حمل الكرة بين اللاعبين، ويجوز أن يكون تصرف الملائكة الموكلين بنقض نظام العالم في الكرة الأرضية بإبعادها عن مدارها مشبهاً بالحمل وذلك كله عند اختلال الجاذبية التي جعلها الله لحفظ نظام العالم إلى أمد معلوم لله تعالى.

والدك: دَقّ شديد يكسر الشيء المدقوق، أي فإذا فرقت أجزاء الأرض وأجزاء جبالها.

وبنيت أفعال ﴿ نفخ، وحُملت، ودُكّتا ﴾ للمجهول لأن الغرض متعلق ببيان المفعول لا الفاعل وفاعل تلك الأفعال إما الملائكة أو ما أودعه الله من أسباب تلك الأفعال، والكل بإذن الله وقدرته.

وجملة ﴿ فيومئذٍ وقعت الواقعة ﴾ مشتملة على جواب (إذَا)، أعني قولَه ﴿ وقعت الواقعة، ﴾ وأما قوله: ﴿ فيومئذٍ ﴾ فهو تأكيد لمعنى ﴿ فإذا نُفخ في الصور ﴾ إلخ لأن تنوين (يومئذٍ) عوض عن جملة تدل عليها جملة ﴿ نُفخ في الصور ﴾ إلى قوله ﴿ دَكّة واحدة، ﴾ أي فيوم إذ نفخ في الصور إلى آخره وقعت الواقعة وهو تأكيد لفظي بمرادف المؤكَّد، فإن المراد ب (يوم) من قوله ﴿ فيومئذٍ وقَعت الواقعة، ﴾ مطلقُ الزمان كما هو الغالب في وقوعه مُضافاً إلى (إذا).

ومعنى ﴿ وقعت الواقعة ﴾ تحقق ما كان متوقَّعاً وقوعُه لأنهم كانوا يُتَوعَّدون بواقعة عظيمة فيومئذٍ يتحقق ما كانوا يُتوعدون به.

فعبر عنه بفعل المضي تنبيهاً على تحقيق حصوله.

والمعنى: فحينئذٍ تقع الواقعة.

و ﴿ الواقعة ﴾ : مرادفة للحاقة والقارعة، فذكرها إظهار في مقام الإِضمار لزيادة التهويل وإفادة ما تحتوي عليه من الأحوال التي تنبئ عنها موارد اشتقاق أوصاف الحاقة والقارعة والواقعة.

و ﴿ الواقعة ﴾ صار علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن يوم البعث قال تعالى: ﴿ إذا وقَعت الواقعة ليس لوقْعَتِها كاذبة ﴾ [الواقعة: 12].

وفعل ﴿ انشقت السماء ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على جملة ﴿ نفخ في الصور ﴾ فيكون ملحقاً بشرط (إذا)، وتأخيرُ عطفه لأجل ما اتصل بهذا الانشقاق من وصف الملائكة المحيطين بها، ومن ذكر العرش الذي يحيط بالسماوات وذكر حملته.

ويجوز أن يكون جملة في موضع الحال بتقدير: وقد انشقت السماء.

وانشقاق السماء: مطاوعتها لِفعل الشق، والشقُّ: فتح منافذ في محيطها، قال تعالى: ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلاً المُلكُ يومئذٍ الحقُ للرحمان وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ [الفرقان: 25، 26].

ثم يحتمل أنه غير الذي في قوله تعالى: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ [الرحمن: 37] ويحتمل أنه عينه.

وحقيقة ﴿ واهية ﴾ ضعيفة ومتفرقة، ويستعار الوهي للسهولة وعدم الممانعة، يقال: وهَى عزمه، إذا تسامح وتساهل، وفي المثل «أوهى من بيت العنكبوت» يضرب لعدم نهوض الحجة.

وتقييده ب ﴿ يومئذٍ ﴾ أن الوهي طرا عليها بعد أن كانت صلبة بتماسك أجزائها وهو المعبر عنه في القرآن بالرتق كما عبر عن الشق بالفتق، أي فهي يومئذٍ مطروقة مسلوكة.

والوهي: قريب من الوهن، والأكثر أن الوهْي يوصف به الأشياء غير العاقلة، والوهن يوصف به الناس.

والمعنى: أن الملائكة يترددون إليها صعوداً ونزولاً خلافاً لحالها مِن قبلُ قال تعالى: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ [الرحمن: 37].

وجملة ﴿ والمَلَك على أرجائها، ﴾ حال من ضمير ﴿ فهي ﴾ ، أي ويومئذٍ الملك على أرجائها.

و ﴿ المَلك ﴾ : أصله الواحد من الملائكة، وتعريفه هنا تعريف الجنس وهو في معنى الجمع، أي جنس المَلَك، أي جماعة من الملائكة أو جميع الملائكة إذا أريد الاستغراق، واستغراق المفرد أصرح في الدلالة على الشمول، ولذلك قال ابن عباس: الكتابُ أكْثَرُ من الكُتب، ومنه ﴿ ربّ إني وهَن العظمُ منّي ﴾ [مريم: 4].

والأرجاء: النواحي بلُغة هذيل، واحدُها رجَا مقصوراً وألفه منقلبة عن الواو.

وضمير ﴿ أرجائها ﴾ عائد إلى والمعنى: أن الملائكة يعملون في نواحي السماء ينفّذون إنزال أهل الجنة بالجنة وسَوق أهل النار إلى النار.

وعرش الرب: اسم لما يحيط بالسماوات وهو أعظم من السماوات.

والمراد بالثمانية الذين يحملون العرش: ثمانيةٌ من الملائكة، فقيل: ثمانية شخوص، وقيل: ثمانية صُفوف، وقيل ثمانية أعشار، أي نحو ثمانين من مجموع عدد الملائكة، وقيل غير ذلك، وهذا من أحوال الغيب التي لا يتعلق الغرض بتفصيلها، إذ المقصود من الآية تمثيل عظمة الله تعالى وتقريب ذلك إلى الأفهام كما قال في غير آية.

ولعل المقصود بالإِشارة إلى ما زاد على الموعظة، هو تعليم الله نبيئه شيئاً من تلك الأحوال بطريقة رمزية يفتح عليه بفهم تفصيلها ولم يُرد تشغيلنا بعلمها.

وكأنَّ الدَّاعي إلى ذكرهم إجمالاً هو الانتقال إلى الأخبار عن عرش الله لئلا يكون ذكره اقتضاباً بعد ذكر الملائكة.

وروى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب عن النبي حديثاً ذكر فيه أبْعَادَ ما بين السماوات، وفي ذكر حملة العرش رموز ساقها الترمذي مساق التفسير لهذه الآية، وأحد رواتِه عبد الله بن عُميرة عن الأحْنف بن قيس قال البخاري: لا نعلم له سماعاً عن الأحنف.

وهنالك أخبار غير حديث العباس لا يعبأ بها، وقال ابن العربي فيها: إنها متلفقات من أهل الكتاب أو من شعر لأمية بن أبي الصلت، ولم يصح أن النبي أنشد بين يديه فصدّقه.

اه.

وضمير فوقهم } يعود إلى ﴿ المَلك ﴾ .

ويتعلق ﴿ فوقَهم ﴾ ب ﴿ يحمل عرش ربّك ﴾ وهو تأكيد لما دّل عليه يحمل من كون العرش عالياً فهو بمنزلة القيدين في قوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38].

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وإضافة عرش إلى الله إضافة تشريف مثل إضافة الكعبة إليه في قوله: ﴿ وطهر بيتي للطائفين ﴾ الآية [الحج: 26]، والله منزه عن الجلوس على العرش وعن السكنى في بيت.

والخطاب في قوله: ﴿ تُعرضون ﴾ لجميع الناس بقرينة المقام وما بعد ذلك من التفصيل.

والعرض: أصله إمْرار الأشياء على من يريد التأمل منها مثل عرض السلعة على المشتري وعرض الجيش على أميره، وأطلق هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة معَ جواز إرادة المعنى الصريح.

ومعنى ﴿ لا تخفى منكم خافية: ﴾ لا تخفى على الله ولا على ملائكته.

وتأنيث ﴿ خافية ﴾ لأنه وصف لموصوف مؤنث يقدر بالفَعلة من أفعال العباد، أو يقدر بنفْس، أي لا تختبئ من الحساب نفس أي أحد، ولا يلتبس كافر بمؤمن، ولا بارٌّ بفاجر.

وجملة ﴿ يومئذٍ تعرضون ﴾ مستأنفة، أو هي بيان لجملة ﴿ فيومئذٍ وقعت الواقعة، ﴾ أو بدل اشتمال منها.

و ﴿ منكم ﴾ صفة ل ﴿ خافية ﴾ قدمت عليه فتكون حالاً.

وتكرير ﴿ يومئذٍ ﴾ أربعَ مرات لتهويل ذلك اليوم الذي مبدؤه النفخ في الصور ثم يعقبه ما بعده مما ذكر في الجُمل بعده، فقد جرى ذكر ذلك اليوم خمس مرات لأن ﴿ فيومئذٍ وقَعَتْ الواقعة ﴾ تكرير ل (إذا) من قوله: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ إذ تقدير المضاف إليه في ﴿ يومئذٍ ﴾ هو مدلول جملة ﴿ فإذا نفخ في الصور، ﴾ فقد ذكر زمان النفخ أولاً وتكرر ذكره بعد ذلك أربع مرات.

وقرأ الجمهور ﴿ لا تخفى ﴾ بمثناة فوقية.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية لأن تأنيث ﴿ خافية ﴾ غير حقيقي، مع وقوع الفصل بين الفعل وفاعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القِيامَةُ.

الثّانِي: الصَّيْحَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها السّاعَةُ الَّتِي يَفْنى فِيها الخَلْقُ.

﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ في انْشِقاقِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها فَتَحَتْ أبْوابَها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَفي قَوْلِهِ ( ﴿ واهِيَةٌ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مُتَخَرِّقَةٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ وهى السِّقاءُ إذا انْخَرَقَ، ومِن أمْثالِهِمْ خَلِّ سَبِيلَ مَن وهى سِقاؤُهُ ومَن هُرِيقَ بِالفَلاةِ ماؤُهُ ايْ مَن كانَ ضَعِيفَ العَقْلِ لا يَحْفَظُ نَفْسَهُ.

الثّانِي: ضَعِيفَةٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى أرْجاءِ السَّماءِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

الثّانِي: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَفي ( ﴿ أرْجائِها ﴾ ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى جَوانِبِها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: عَلى نَواحِيها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أبْوابُها، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ما اسْتَدَقَّ مِنها، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَوُقُوفُ المَلائِكَةِ عَلى أرْجائِها لِما يُؤْمَرُونَ بِهِ فِيهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.

﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ﴾ يَعْنِي أنَّ العَرْشَ فَوْقَ الثَّمانِيَةِ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

الثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةٍ، وهُمُ الكَرُّوبِيُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ( «يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وهم يَوْمُ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ» ) .

وفي قَوْلِهِ ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم يَحْمِلُونَ العَرْشَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها.

الثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ.

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ النَّبِيُّ  : ( «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، أمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ مِنَ الأيْدِي فَآخُذٌ بِيَمِينِهِ وآخُذٌ بِشِمالِهِ» ) ﴿ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَخْفى المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، ولا البَرُّ مِنَ الفاجِرِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

الثّانِي: لا تَسْتَتِرُ مِنكم عَوْرَةٌ، كَما قالَ النَّبِيُّ  : ( «يُحْشَرُ النّاسُ حُفاةً عُراةً» ) الثّالِثُ: أنَّ خافِيَةً بِمَعْنى خَفِيَّةٍ كانُوا يُخْفُونَها مِن أعْمالِهِمْ حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الحاقة ﴾ قال: من أسماء يوم القيامة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحاقة ﴾ يعني الساعة أحقت لكل عامل عمله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ قال: تعظيماً ليوم القيامة، كما تسمعون، وفي قوله: ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ قال: بالساعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحاقة ﴾ قال: حققت لكل عامل عمله للمؤمن إيمانه وللمنافق نفاقه، وفي قوله: ﴿ بالقارعة ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأهلكوا بالطاغية ﴾ قال: بالذنوب، وكان ابن عباس يقول: الصيحة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأهلكوا بالطاغية ﴾ قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم فأهلكوا في قوله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ قال: عتت عليهم حتى نقبت أفئدتهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أرسل الله شيئاً من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم نوح، فإنه أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان، فخرج فذلك قوله: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ عتت على الخزان.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، قال: ما أمر الخزان أن يرسلوا على عاد إلا مثل موضع الخاتم، من الريح، فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الأبواب، فذلك قوله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ قال: عتوها عتت على الخزان فبدأت بأهل البادية منهم فحملتهم بمواشيهم وبيوتهم فأقبلت بهم إلى الحاضرة ﴿ فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ﴾ [ الأحقاف: 24] فلما دنت الريح وأظلتهم استبق الناس والمواشي فيها فألقت البادية على أهل الحاضرة تقصفهم فهلكوا جميعاً» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والدارقطني في الأفراد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من السماء كفاً من ماء إلا بمكيال ولا كفاً من ريح إلا بمكيال إلا يوم نوح، فإن الماء طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سلطان، قال الله تعالى: ﴿ إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ﴾ ويوم عاد فإن الريح عتت على الخزان قال الله: ﴿ بريح صرصر عاتية ﴾ قال: الغالبة» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الصرصر الباردة ﴿ عاتية ﴾ قال: حيث عتت على خزانها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عاتية ﴾ قال: شديدة وفي قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: متتابعة.

وأخرج ابن عساكر من طريق ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب قال: ما يخرج من الريح شيء إلا عليها خزان يعلمون قدرها وعددها ووزنها وكيلها حتى كانت الريح التي أرسلت على عاد فاندفق منها شيء لا يعلمون وزنه ولا قدره ولا كيله غضباً لله، ولذلك سميت عاتية، والماء كذلك حين كان أمر نوح فلذلك سمي طاغياً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ قال: كان أولها الجمعة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: متتابعات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: تبعاً، وفي لفظ متتابعات.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: دائمة شديدة يعني محسومة بالبلاء، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: وكم كنا بها من فرط عام ** وهذا الدهر مقتبل حسوم وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ﴾ قال: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح، فألقتهم في البحر، فذلك قوله: ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله: ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ﴾ قال: وأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عذبهم بكرة وكشف عنهم في اليوم التاني حتى كان الليل» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: متتابعة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حسوماً ﴾ قال: دائمات، وفي قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل خاوية ﴾ قال: هي أصول النخل قد بقيت أصولها وذهبت أعاليها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصولها وفي قوله: ﴿ خاوية ﴾ قال: خربة.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وجاء فرعون ومن قبله ﴾ بنصب القاف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وجاء فرعون ومن قبله ﴾ قال: ومن معه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والمؤتفكات ﴾ قال: هم قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بالخاطئة ﴾ قال: بالخطايا وفي قوله: ﴿ أخذة رابية ﴾ قال: شديدة وفي قوله: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ قال: كثر وفي قوله: ﴿ حملناكم في الجارية ﴾ قال: السفينة، وفي قوله: ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ قال: حافظة، وفي لفظ: سامعة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ قال: طغى على خزانه، فنزل ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا زمن نوح، فإنه طغى على خزانه فنزل من غير كيل ولا وزن.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لم ينزل من السماء قطرة قط إلا بعلم الخزان إلا حيث طغى الماء، فإنه غضب لغضب الله فطغى على الخزان فخرج ما لا يعلمون ما هو.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ طغى الماء ﴾ قال: بلغني أنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ حملناكم في الجارية ﴾ قال: السفينة وفي قوله: ﴿ لنجعلها لكم تذكرة ﴾ أي تذكرون ما صنع بهم حيث عصوا نوحاً ﴿ وتعيها ﴾ يقول: وتحصيها ﴿ أذن واعية ﴾ يقول: أذن حافظة، يعني حديث السفينة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول قال: «لما نزلت ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت ربي أن يجعلها أذن عليَّ» قال مكحول: فكان عليّ يقول: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فنسيته.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر والبخاري عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: «إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق لك أن تعي» فنزلت هذه الآية ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عليّ قال: «قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: يا عليّ إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي فأنزل هذه الآية ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ فأنت أذن واعية لعلمي» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لنجعلها لكم تذكرة ﴾ قال: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكم من سفينة قد هلكت وأثر قد ذهب يعني ما بقي من السفينة حتى أدركته أمة محمد فرأوه كانت ألواحها ترى على الجودي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ لنجعلها لكم تذكرة ﴾ قال: عبرة وآية أبقاها الله حتى نظرت إليها هذه الأمة، وكم من سفينة غير سفينة نوح صارت رمماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمران في قوله: ﴿ أذن واعية ﴾ قال: أذن عقلت عن الله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ قال سمعت وعقلت ما سمعت وأوعت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13)﴾.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد النفخة الأولى (١) (٢) (٣) (٤) قال الأخفش: الفعل (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قوله: ﴿ فِي الصُّورِ ﴾ على لفظ الخفض (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: النصب جائز على أن قولك: (في الصور) يقوم مقام ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن المعنى: نفخ الصور نفخة، وإنما ذكَّر نفخ ، لأن تأنيث نفخة ليس بحقيقي ، لأن النفخة والنفخ واحد (١٣) قوله: ﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ﴾ قال مقاتل: رفعت من أماكنها (١٤) ﴿ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ : قال ابن عباس: فُتَّتَا فَتة (١٥) (١٦) (١٧) وقال مقاتل: كسرتا كسرة واحدة، لا شيء حتى يستوي ما عليها (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ جَعَلَهُ دكَآءَ  ﴾ ولا يجوز في (دكة) هاهنا إلا النصب؛ لارتفاع الضمير في (دكتا).

قال الفراء: ولم يقل: فدككن؛ لأنه جعل الجبال كالواحد (٢٢) ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا  ﴾ ، ولم يقل: كُنَّ (٢٣) قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15)﴾.

قال الكلبي: قامت القيامة (٢٤) ﴿ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ ﴾ لنزول من فيها من الملائكة؛ قاله مقاتل (٢٥) ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ قال الليث: يقال: وَهَى الثوبُ والقِرْبةُ والْحَبْلُ ونحوه إذا تَفَزَّرَ واسترْخَى (٢٦) وقال الكسائي: وَهَى يَهي وَهْيًا ووهِيًّا (٢٧) قال أبو إسحاق: (يقال لكل ما ضعف جدًا: قد وَهَى، فهو واهٍ) (٢٨) (٢٩) قوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴾ معنى الأرجاء في اللغة: النواحي، يقال: رَجًا ورَجَوان، والجميع: أرجاء، ويقال ذلك لحرف (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) رِيشُ الحَمَامِ على أرْجَائِهِ ...

لِلْقَلْب مِنْ خَوْفِهِ وَجِيبُ (٣٤) والمفسرون يقولون: على حَافَاتِها (٣٥) (٣٦) واختلفوا أن المراد بالأرجاء: أرجاء الأرض، أم السماء؟

فقال الكلبي: يقول: على حروفها وأطراف الأرض (٣٧) وقال سعيد بن جبير: على أرجائها ما لم تنشق (٣٨) (٣٩) وروي عن ابن عباس: على ما لمْ يَهِ منها (٤٠) وروى (جُوَيْبِر (٤١) (٤٢) (٤٣) قوله تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ .

قال مقاتل: يعني فوق رؤوسهم (٤٤) قوله: ﴿ يَوْمئِذٍ ﴾ .

يعني: يوم القيامة.

﴿ ثَمَانِيَةٌ ﴾ روي عن العباس  قال: (ثمانية أملاك على صور الأوعَال (٤٥) (٤٦) وروي أيضًا عنه في حديث مرفوع "أن فوق السماء (٤٧) وأظلافهن: جمع: ظلف -بكسر الظاء المعجمة- للبقر والشاة والظبي بمنزلة الحافر للدابة، والخف للبعير.

"تحفة الأحوذي" 9/ 165.]].

وقال عطاء عن ميسرة (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) وقال الكلبي أيضًا: وهو يروى عن ابن عباس (٥٩) (٦٠) وقال محمد بن إسحاق: بلغنا أن رسول الله -  - قال: "هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى (٦١) ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ " (٦٢) (١) ورد منسوبًا إلى عطاء فقط في "زاد المسير" 8/ 82، و"فتح القدير" 5/ 281.

ومنسوبًا إلى ابن عباس من غير ذكر طريق عطاء في "الجامع" للقرطبي 18/ 264.

(٢) "فتح القدير" 5/ 281.

(٣) "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 82، و"فتح القدير" 5/ 281.

(٤) هذا القول من مقاتل قد ورد بمثله غير منسوب في "القرطبي" 18/ 264.

(٥) في (أ): القول.

(٦) في (أ): فيها.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 713 بنصه.

(٨) غير مقروءة في (ع).

(٩) لم أجد تتمة كلامه في كتابه "المعاني"، ولا في غيره من المصادر التي بين يدي.

(١٠) عبارة: (ما لم يسم فاعله) من اصطلاحات الكوفيين، ويقابلها عند البصريين: (المبني للمجهول).

انظر: "نحو القراء الكوفيين" 346.

(١١) في (أ): الحافظ، ويراد بالخفض الجر، والخفض اصطلاح كوفي.

انظر: "نحو القراء" 348.

(١٢) لم أعثر على مصدر لهذا القول، ولا على قائله.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 216 باختصار.

(١٤) "تفسير مقاتل" 207/ أ.

وقد ورد بمثله من غير نسبة في "معالم التنزيل" 4/ 387، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 264، و"فتح القدير" 5/ 381 بمعناه.

(١٥) قال الليث: الفَتُّ أن تأخذ الشيء بأصبعك فتصيره فُتاتًا، أي دقاقًا.

"تهذيب اللغة" 14/ 256، (فتت).

وقال ابن فارس: الفاء والتاء كلمة تدل على تكسير شيء ورفْتِه.

"معجم مقاييس اللغة" 4/ 436، (فت).

(١٦) بياض في (ع) ..

(١٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبة في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 264، و"لباب التأويل" 4/ 304.

(١٨) بياض في (ع).

(١٩) الأديم: جمع الأَدَم، وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدَمة الأرض: وجهها.

وقال ابن منظور: الأديم: الجلد ما كان.

وقيل: هو المدبوغ.

والأدمة: باطن الجلد الذي يلي اللحم، والبشرة ظاهرها.

انظر (أدم) في: "تهذيب اللغة" 4/ 215، و"معجم مقاييس اللغة" 1/ 72، و"الصحاح" 5/ 1859، و"لسان العرب" 9/ 12.

(٢٠) "تفسير مقاتل" 207/ أ.

وقد ورد غير منسوب في "زاد المسير" 8/ 82.

(٢١) بياض في (ع).

(٢٢) في (ع): (كالواحدة).

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 181 نقله الواحدي عنه باختصار.

(٢٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه غير منسوب في "الجامع" 18/ 365.

(٢٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه غير منسوب في المصدر السابق.

(٢٦) "تهذيب اللغة" 6/ 488، مادة: (وهي) بتصرف.

(٢٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 216 بنصه.

(٢٩) "معاني القرآن" 3/ 181 بنصه.

(٣٠) بياض في (ع).

(٣١) انظر المعنى اللغوي للأرجاء في "تهذيب اللغة" 11/ 183، مادة: (رجا)، و"معجم مقاييس اللغة" 2/ 495، مادة (رجي)، و"لسان العرب" 1/ 83، مادة: (رجا).

ومن قوله: (ويقال ذلك لحرف البئر إلى: ما أشبه ذلك) ورد بنصه عند السجستاني في "نزهة القلوب في تفسير القرآن العزيز" 106.

(٣٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٤) البيت في "ديوانه" 27، طبعة دار صادر.

والأرجاء: الواحد رجا: الناحية.

الوجيب: الخفقان.

"ديوانه" 27.

(٣٥) في (أ): (حافتها).

(٣٦) قال ابن عباس في معنى الآية: والملك على حافات السماء حين تشقق.

وعن مجاهد قال: أطرافها.

وعن سعيد بن جبير قال: على حافات السماء.

وعن الضحاك أنه قال: حافاتها.

ومثله قال قتادة، وعن قتادة أيضًا: أقطارها، وعنه == أيضًا: نواحيها.

وبهذا قال سفيان.

وعن ابن المسيب: الأرجاء: حافات السماء.

انظر أقوالهم في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 313، و"جامع البيان" 29/ 57 - 58، و"معالم التنزيل" 4/ 387، و"زاد المسير" 8/ 82، و"لباب التأويل" 4/ 304، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 441، و"الدر المنثور" 8/ 269.

وقال اليزيدي: جوانبها.

"غريب القرآن وتفسيره" 387.

وعن ابن قتيبة: نواحيها.

"تفسير غريب القرآن" 484.

وعن مكي بن أبي طالب: على جوانبها.

"تفسير المشكل من غريب القرآن" 352.

(٣٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٨) في (أ): تشق.

(٣٩) "جامع البيان" 29/ 85 بمعناه، قال: "على حافات السماء"، وكذا في "الدر المنثور" 8/ 269.

وعزاه إلى عبد بن حميد، وعنه: أرجاء الدنيا.

"النكت" 6/ 81، و"زاد المسير" 8/ 350، وانظر: "تفسير" سعيد 353.

(٤٠) "جامع البيان" 29/ 58 من طريق عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

"الدر المنثور" 8/ 269، وعزاه إلى الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(٤١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٤٢) في (أ): يكون الملك.

(٤٣) "معالم التنزيل" 4/ 387، من غير ذكر طريق جويبر.

(٤٤) "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 82 بنحوه، وانظر: "لباب التأويل" 4/ 304.

(٤٥) أوعال: جمع وعل، وهو العنز الوحشي، ويقال له: تيس شاه الجبل، والمراد ملائكة على صورة الأوعال.

انظر: "عون المعبود شرح سنن أبي داود" للعظيم آبادي 13/ 8 باب: الجهمية، كتاب: السنة، و"تحفة الأحوذي" للمُباركفوري: 9/ 165: ح: 3540، و"أبواب التفسير"، سورة الحاقة.

(٤٦) "النكت" 6/ 81، وأخرجه عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية"، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والخطيب في "تالي التلخيص" عن العباس.

انظر: "الدر المنثور" 8/ 269.

قلت: وعزاه السيوطي إليه، فهو من المرفوع عنه.

وانظر: "المستدرك" 2/ 500 في التفسير، باب تفسير سورة الحاقة، وزاد: "بين أظلافهم إلى ركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة".

قال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي.

وأخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" 42 ح 72، والآجري في "الشريعة" 263، 292 من طريقين: عن سماك، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" 3/ 389 - 390 ح 650 - 651، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 142، وابن عبد البر في "التمهيد" 7/ 140، وابن قدامة في "إثبات صفة العلو" 95.

وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز، 246.

(٤٧) بياض في (ع).

(٤٨) بياض في (ع).

وميسرة: يراد به: ميسرة أبو صالح؛ مولى كِنْدة، كوفي، روى عنه عطاء بن السائب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه ابن حجر: مقبول.

أو يراد به ميسرة بن يعقوب، أبو جميلة، الطُّهوي، الكوفي، روى عنه عطاء بن السائب أيضًا، مقبول، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال عنه ابن حجر: مقبول من الثالثة.

== انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 374 ت: 1607 - 1608، و"الجرح والتعديل" 8/ 252: ت: 1143، و1144، و"تقريب التهذيب" 2/ 291: ت: 1542 - 1543.

(٤٩) تُخوم: مفرد تَخْم، وهو منتهى كل قرية أو أرض.

"لسان العرب" 12/ 64: (تخم).

(٥٠) يراد بالعرش لغية: السرير الذي للمَلك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز: 248، و"العلو" للذهبي 57.

والعرش من الأمور الغيبية التي يجب علينا الإيمان بها كما أخبر الله ورسوله.

انظر: "إثبات صفات العلو" لابن قدامة، 92 في الحاشية.

(٥١) "جامع البيان" 29/ 50 بنحوه، وفي إسناده ابن حميد، وهو ضعيف.

وانظر: "الدر المنثور" 8/ 270 بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 216 من غير عزو.

(٥٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥٤) ما بين الفوسين ساقط من (أ).

(٥٥) في (أ): كثرت.

(٥٦) الكروبيون: هم المقربون، ويقال لكل حيوان وثيق المفاصل: إنه لمُكْرَب الخلق، إذا كان شديد القوى، والأول أشبه.

انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير 161، مادة: (كرب).

(٥٧) بياض في (ع).

(٥٨) ورد قوله في "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 83، وبمعنى قوله عن ابن عباش.

انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 442.

(٥٩) بياض في (ع).

(٦٠) "جامع البيان" 29/ 58، و"الثعلبي" 12/ 176 ب، و"ابن كثير" 4/ 442، و"الدر المنثور" 8/ 269، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق.

(٦١) في (أ): أجزاء.

(٦٢) ورد الحديث في "جامع البيان" 59/ 29 من طريق ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق.

قلت: وهي رواية ضعيفة السند لوجود ابن حميد، وهو حافظ ضعيف، قاله ابن حجر.

انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 156 ت 159، واسمه: محمد بن حميد بن حيان.

وفي "الكشف والبيان" 12/ 177/ أ، و"النكت" 6/ 82، و"معالم التنزيل" 4/ 387، و"الجامع" 18/ 266، و"لباب التأويل" 4/ 304.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ﴾ الضمير للفعلة وهي الحمل في السفينة وقيل: للسفينة، فإن أراد جنس السفن: فالمعنى أنها تذكرة بقدرة الله ونعمته لمن ركب أو سمع بها، وإن إراد سفينة نوح فقد قيل: إن الله أبقاها حتى رأى بعض عيدانها أو هذه الأمة ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ الضمير يعود على ما عاد عليه ضمير: لنجعلها، وهذا يقوي أن يكون للفعلة، والأذن الواعية: هي التي تفهم ما تسمع وتحفظه، يقال: وعيت العلم إذا حصلته، ولذلك عبّر بعضهم عنها بأنها التي عقلت عن الله، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: إني دعوت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ، قال عليّ: فما نسيت بعد ذلك شيئاً سمعته، قال الزمخشري: إنما قال: أذن واعية، بالتوحيد والتنكير، للدلالة على قلة الوعاة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا عقلت عن الله تعالى فهي المعتبرة عند الله دون غيرها ﴿ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ يعني نفخة الصور وهي الأولى ﴿ فَدُكَّتَا ﴾ الضمير للأرض والجبال، ومعنى دكتا بعضها ببعض حتى تندق، وقال الزمخشري: الدك أبلغ من الدق، وقيل؛ معناه بسطت حتى تستوي الأرض والجبال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.

الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.

وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.

وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.

قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.

وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.

قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.

والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟

وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟

وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.

قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.

﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.

قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".

وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.

ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.

وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.

قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.

واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.

ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.

ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.

الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.

قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.

قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال  ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً  ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.

قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.

والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.

وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.

ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.

والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.

الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.

وقيل: ومكفىء الظعن.

والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.

وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.

وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم  ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.

ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.

والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.

وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.

﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .

ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.

قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين  ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى  لزم التخصيص من غير مخصص.

ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.

ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.

والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.

قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.

يقال: أوعيت المتاع في البيت.

والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.

عن النبي  أنه قال لعلي  عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.

قال علي  : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.

وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.

ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.

قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.

والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.

والدك أبلغ من الدق.

وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.

والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.

والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.

سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟

الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.

وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.

قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟

فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله  " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.

ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.

قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.

وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه  خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.

فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله  تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.

روي أن في القيامة ثلاث عرضات.

فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.

قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.

ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.

" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.

" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.

قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.

وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات  ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.

وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.

وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.

وعن أبي هريرة أنه  قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.

ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.

والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.

يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.

والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.

ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.

وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون  ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.

والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.

وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.

ثم أخذ في قصة الأشقياء.

وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.

والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.

ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.

وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.

قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.

قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.

ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.

وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.

يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.

ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله  ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.

وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله  ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.

والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.

والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.

وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.

والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.

وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.

وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.

قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.

قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.

عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.

وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".

ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.

ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.

قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟

وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.

والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.

وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.

والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.

يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.

وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.

فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.

ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.

قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.

ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.

وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.

والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد  لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً  وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل  لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.

وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.

وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.

وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.

وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.

أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.

وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.

على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.

وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.

ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.

وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.

ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.

ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.

والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".

والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.

وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله  كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين  ﴾ أي من قبل الحق.

والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.

وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.

قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".

ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ فكأنهم سألوا: متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة؟

فأخبر عن ذلك بقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ * وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ ، فجوابهم في قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ \[ثم\] قد بيّنا أن الأسئلة كلها خرجت [على بيان الوقت، والله -  - لم يبين لهم وقت كونه، وإنما أجاب] عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت؛ لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنما الفائدة في تبيين أحواله؛ لما يقع بها الترغيب والترهيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ فجائز أن يكون على حقيقة النفخ.

واحتمل أن يكون على قدر نفخة واحدة؛ فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على الله -  - لأنه قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد، ولا يتعذر.

وجائز أن يكون ذكر النفخ؛ لما أن الروح تدخل في أجسادهم، وتنتشر فيها، وذلك عمل النفخ؛ لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الجسد بالنفخ؛ إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا، وعلى هذا تأويل قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ليس على حقيقة النفخ؛ ولكن عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قيل: الصور: هو القرن ينفخ فيه النفخة الأولى؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ [فيه] مرة فإذا هم قيام ينظرون.

ومنهم من يقول: أي: نفخ الروح في صور الخلق؛ لكن جمع الصورة: الصور، بنصب الواو؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه: جمع الصورة، لكنه يجوز أن يكون الله -  - جعل نفخ الصور سبباً لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سبباً لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء؛ على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال المطر، وتسيير السحاب، وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم، وغير ذلك.

وقوله: ﴿ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ كسرتا كسرة واحدة.

وقيل: هدمتا هدمة واحدة.

وقال بعضهم: زلزلتا زلزلة واحدة؛ فكأنه يقول - والله أعلم -: تتزلزل الأرض، فتقذف ما في بطنها من الفضول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة، وتخرج أصول الجبال منها، ثم يجعله الله -  - كثيباً مهيلاً مثل الرمل، ثم يُعْمِل عليه الريح فيجعله هباء منثوراً، وتراه من لينه كالعهن المنفوش، ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة؛ فتصير الأرض كما قال -  -: ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، وهكذا الريح إذا عملت على شيء وتقع عليه، تفرقه في النواحي، وتسوي به الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ليس أنها تحمل من مكان إلى مكان، ولكن تدخل هذه في هذه، وتضرب هذه على هذه بالدكة؛ فتصير كأنها حملت لذلك، وإذا كان كذلك، فقد وقعت الواقعة يومئذ، وهذا على اختلاف الأوقات؛ ليكون معنى الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، والله أعلم.

وقيل: في آيات أخر بيان آخر: بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا  ﴾ ، أي: يذر الأرض ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ وغيرها من الآيات؛ مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها، فإما أن يكون معنى تبديل الأرض تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان، واستواء الأودية، وإزالة الجبال؛ على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك: تبديلاً؛ كما يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها: تبدلت، يراد: [أي: تغيرت عن حالتك]؛ فعلى ذلك معنى الآية؛ أي: تكسر الجبال، وتتغير حالة الأرض في دفعة واحدة.

أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم أن [يدكه دكة] واحدة؛ تفني الجبال والأرض، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما يفنيان جميعاً بدفعة واحدة، لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض؛ فيكون المراد بيان شدة اليوم وهوله؛ لا بيان ترتيب فناء البعض على البعض، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ وهو الحساب والجزاء؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ  ﴾ وأدخلت الهاء في أسماء القيامة تعظيماً لشأنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ قال بعضهم: تفرقت، وهكذا الشيء إذا انشق تفرق وتباين، وبه يظهر الشق.

ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين؛ أي: لين بعد صعوبتها، دليله: قوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ أي: ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى الصلابة، ويدل على ذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ وإنما يطوي الشيء في الشاهد بعدما يلين في نفسه.

وجائز أن تنشق السماء لنزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على أطرافها، ثم تنضم [فتبين] للطي، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذكر [انفطارها وانشقاقها وانفتاحها؛ تهويلاً للخلق من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل.

وجائز أن تكون للسماوات أبوابٌ، فتفتح أبوابها؛ فيكون] انشقاقها وانفطارها فتح أبوابها.

وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب؛ لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس في فتح أبوابها كثير تهويل.

وقوله: ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ أي: ضعيفة مسترخية.

وقيل: الوهي: الخرق، وهو يحتمل؛ لأنها إذا انشقت انخرقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ الأرجاء: النواحي والأطراف، وهي أطراف السماوات ونواحيها، وواحد الأرجاء: رجا، مقصور.

والملك أريد به الملائكة، أخبر أنهم على أطراف السماوات ونواحيها، فيحتمل أنهم وكلوا وامتحنوا بها وبحفظها بعد الشق؛ لئلا تسقط على أهل الأرض.

وجائز أن يجعل أطرافها وجوانبها لبعض الملائكة، فتفتح أبواب السماء فتنزل الملائكة الذين كان مسكنهم عندها إلى الأرض، كما قال -  -: ﴿ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً  ﴾ ويبقى الملائكة الذين كان مسكنهم في أرجائها ينتظرون أمر ربهم.

ثم الملك ليس يحتاج إلى مكان يقر فيه وإن جعلت السماء مسكناً لهم؛ لأن الملائكة ينزلون من السماء إلى الأرض، ويقرون على الهواء من غير أن يكون [في الهواء مقر].

والثالث: يبين أنها لا تتفرق كل التفرق، ولكن وسطها ينشق لما ذكرنا، والباقي بحاله.

ويحتمل: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ على ما يمرّ به في السماء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ فيحتمل أن يكون الملائكة في النفخة الأولى يصعقون إلا الثمانية الذين يحملون العرش كما قال: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فيكون هؤلاء الثمانية من الذين استثنوا؛ فلا يصعقون؛ فهم يحملون العرش؛ فتكون أمكنتهم على أرجاء السماوات، وهو قوله: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَانِيَةٌ ﴾ جائز أن يكون أراد به ثمانية أملاك.

وجائز أن [يكون أراد به] ثمانية أصناف من الملائكة، كما ذكر في التفسير.

وجائز أن يكون هؤلاء الثمانية يهلكون ثم يحيون قبل أن يحيا سائر الخلق، فيحملون عرش ربنا على أكتافهم، فإذا بعث الله -  - الخلائق رأوا العرش على أكتافهم، والعرش هو سرير الملك.

وجائز أن يكون ذلك من نور، كما ذكر في الخبر: "أن عين الشمس إذا أرادت أن تطلع فإن جبريل -  - يأتي العرش، فيأخذ كفّاً من ضيائه، ثم يلبس الشمس كما يلبس أحدكم قميصه، وإذا أراد القمر أن يطلع أخذ جبريل -  - كفّاً من نور العرش، فيلبس القمر كما يلبس أحدكم قميصه"، فجائز أن يكون العرش من الضياء والنور.

ثم أجل الأشياء وأعظمها في أعين الخلق الضياء والنور، وإليهما ينتهي الرغب؛ فيكون في ذكر العرش ذكر عظيم عرش الرب وملكه  .

ثم إن كل ملك في الشاهد يتخذ لنفسه عرشاً، يتفاوت ذلك على مقدار ملكهم وسلطانهم لا ليجعل ذلك مسكناً لنفسه، فإذا لم يتوهم من الخلق أنهم يتخذون ذلك لمقاعدهم ومجالسهم فلأن لا يتوهم ذلك من الله أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ \[أي: تعرضون على أعمالكم فلا تخفى عليكم خافية\]، أي: يظهر لكم في ذلك اليوم، ويصير بارزاً في ذلك اليوم، كما قال -  -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ أي: تظهر لهم سرائرهم حتى يعرفوها، ولا يخفى عليهم شيء منها.

وجائز أن [يكون قوله]: ﴿ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ أي: على الله -  - ولكن كل من ادعى إخفاء شيء من أمره على الله -  - وظن أن الله -  - لا يطلع عليه، فسيعلم في ذلك اليوم أنه لا تخفى عليه خافية، وهو كقوله -  - ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ ليس فيه أن الملك كان لغيره، ولكن بعض الناس كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم، ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك، وعلى ذلك قوله -  - ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك؛ بل كانوا له في [كل] وقت بارزين، ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم، ويقر بالبروز، والله المستعان.

ثم روي في الخبر "أن العرضات ثلاث: عرضتان فيهما خصومات ومعاذير" ؛ أي: يختصمون ويتنازعون، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون، ويسألون ربهم العفو والصفح عن ذنوبهم وخصومهم، و "العرضة الثالثة عند تطاير الصحف".

ومعنى قوله: ﴿ تُعْرَضُونَ ﴾ أي: يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد خصمه.

أو تعرض أعمالهم حتى يذكر كل أحد صنيعه، وكل خصم خصومته؛ فكأنهم قد نسوا ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال، لكن الله -  - يطلعهم على ذلك حتى يذكروا ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإذا نفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن نفخة واحدة وهي النفخة الثانية.

<div class="verse-tafsir" id="91.kN2Kd"

مزيد من التفاسير لسورة الحاقة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد