الإسلام > القرآن > سور > سورة 70 المعارج > الآية ٢ من سورة المعارج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة المعارج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( واقع للكافرين ) أي : مرصد معد للكافرين .
وقال ابن عباس : ( واقع ) جاء ) ليس له دافع ) أي : لا دافع له إذا أراد الله كونه ; ولهذا قال
الضحاك يقول في قوله: ( بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ ) يقول: واقع على الكافرين، واللام في قوله: ( لِلْكَافِرِينَ ) من صلة الواقع.
للكافرين أي على الكافرين .
وهو النضر بن الحارث حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل [ ص: 257 ] سؤاله ، وقتل يوم بدر صبرا هو وعقبة بن أبي معيط ; لم يقتل صبرا غيرهما ; قاله ابن عباس ومجاهد .
وقيل : إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري .
وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال : يا محمد ، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك ، وأن نصلي خمسا فقبلناه منك ، ونزكي أموالنا فقبلناه منك ، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام فقبلناه منك ، وأن نحج فقبلناه منك ، ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا !
أفهذا شيء منك أم من الله ؟
!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله الذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله " .
فولى الحارث وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم .
فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله ; فنزلت : سأل سائل بعذاب واقع الآية .
وقيل : إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل لذلك ، قاله الربيع .
وقيل : إنه قول جماعة من كفار قريش .
وقيل : هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين .
وقيل : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أي دعا عليه السلام بالعقاب وطلب أن يوقعه الله بالكفار ; وهو واقع بهم لا محالة .
وامتد الكلام إلى قوله تعالى : فاصبر صبرا جميلا أي لا تستعجل فإنه قريب .
وإذا كانت الباء بمعنى عن - وهو قول قتادة - فكأن سائلا سأل عن العذاب بمن يقع أو متى يقع .
قال الله تعالى : فاسأل به خبيرا أي سل عنه .
وقال علقمة :فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيبأي عن النساء .
ويقال : خرجنا نسأل عن فلان وبفلان .
فالمعنى سألوا بمن يقع العذاب ولمن يكون فقال الله : للكافرين .
قال أبو علي وغيره : وإذا كان من السؤال فأصله أن يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما .
وإذا اقتصر على أحدهما جاز أن يتعدى إليه بحرف جر ; فيكون التقدير : سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب .
ومن [ ص: 258 ] قرأ بغير همز فله وجهان : أحدهما : أنه لغة في السؤال وهي لغة قريش ; تقول العرب : سال يسال ; مثل نال ينال وخاف يخاف .
والثاني : أن يكون من السيلان ; ويؤيده قراءة ابن عباس " سال سيل " .
قال عبد الرحمن بن زيد : سال واد من أودية جهنم يقال له : سائل ; وهو قول زيد بن ثابت .
قال الثعلبي : والأول أحسن ; كقول الأعشى في تخفيف الهمزة :سالتاني الطلاق إذ رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكروفي الصحاح : قال الأخفش : يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان .
وقد تخفف همزته فيقال : سال يسال .
وقال :ومرهق سال إمتاعا بأصدته لم يستعن وحوامي الموت تغشاهالمرهق : الذي أدرك ليقتل .
والأصدة بالضم : قميص صغير يلبس تحت الثوب .
المهدوي : من قرأ " سال " جاز أن يكون خفف الهمزة بإبدالها ألفا ، وهو البدل على غير قياس .
وجاز أن تكون الألف منقلبة عن واو على لغة من قال : سلت أسال ; كخفت أخاف .
النحاس : حكى سيبويه سلت أسال ; مثل خفت أخاف ; بمعنى سألت .
وأنشد :سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصبويقال : هما يتساولان .
المهدوي : وجاز أن تكون مبدلة من ياء ، من سال يسيل .
ويكون سايل واديا في جهنم ; فهمزة سايل على القول الأول أصلية ، وعلى الثاني بدل من واو ، وعلى الثالث بدل من ياء .
القشيري : وسائل مهموز ; لأنه إن كان من سأل بالهمز فهو مهموز ، وإن كان من غير الهمز كان مهموزا أيضا ; نحو قائل وخائف ; لأن العين اعتل في الفعل واعتل في اسم الفاعل أيضا .
ولم يكن الاعتلال بالحذف لخوف الالتباس ، فكان بالقلب إلى الهمزة ، ولك تخفيف الهمزة حتى تكون بين بين .
" واقع " أي يقع بالكفار ، بين أنه من الله ذي المعارج .
[لِلْكَافِرينَ } لاستحقاقهم له بكفرهم وعنادهم { لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ } أي: ليس لهذا العذاب الذي استعجل به من استعجل، من متمردي المشركين، أحد يدفعه قبل نزوله، أو يرفعه بعد نزوله، وهذا حين دعا النضر بن الحارث القرشي أو غيره من المشركين فقال: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } إلى آخر الآيات.
فقال الله مبينا مجيبا لذلك السائل : ( للكافرين ) وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب قال بعضهم لبعض : من أهل هذا العذاب ؟
ولمن هو ؟
سلوا عنه محمدا فسألوه فأنزل الله : " سأل سائل بعذاب واقع للكافرين " أي : هو للكافرين ، هذا قول الحسن وقتادة .
وقيل : الباء صلة ومعنى الآية : دعا داع وسأل سائل عذابا واقعا للكافرين ، أي : على الكافرين ، اللام بمعنى " على " وهو النضر بن الحارث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب ، فقال : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " الآية ( الأنفال - 32 ) فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرا ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد : ( ليس له ) أي للعذاب ( دافع ) مانع .
(للكافرين ليس له دافع) هو النضر بن الحارث قال: "" اللهم إن كان هذا هو الحق "" الآية.
دعا داع من المشركين على نفسه وقومه بنزول العذاب عليهم، وهو واقع بهم يوم القيامة لا محالة، ليس له مانع يمنعه من الله ذي العلو والجلال، تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سني الدنيا، وهو على المؤمن مثل صلاة مكتوبة.
ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال : ( لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ .مِّنَ الله ذِي المعارج ) واللام فى قوله ( لِّلْكَافِرِينَ ) بمعنى على .
أو للتعليل .أى : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم .
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ سَأَلَ ﴾ فيه قراءتان منهم من قرأه بالهمزة، ومنهم من قرأه بغير همزة، أما الأولون وهم الجمهور فهذه القراءة تحتمل وجوهاً من التفسير: الأول: أن النضر بن الحرث لما قال: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى قوله: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ ﴾ أي دعا داع بعذاب واقع من قولك دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة ءامِنِينَ ﴾ قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول تقدير الباء الإسقاط، وتأويل الآية: سأل سائل عذاباً واقعاً، فأكد بالباء كقوله تعالى: ﴿ وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة ﴾ وقال صاحب الكشاف لما كان ﴿ سَأَلَ ﴾ معناه هاهنا دعا لا جرم عدى تعديته كأنه قال دعا داع بعذاب من الله الثاني: قال الحسن وقتادة لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وخوف المشركين بالعذاب قال المشركون: بعضهم لبعض سلوا محمداً لمن هذا العذاب وبمن يقع فأخبره الله عنه بقوله: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ قال ابن الأنباري: والتأويل على هذا القول: سأل سائل عن عذاب والباء بمعنى عن، كقوله: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير بأدواء النساء طبيب وقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ وقال صاحب الكشاف: ﴿ سَأَلَ ﴾ على هذا الوجه في تقدير عنى واهتم كأنه قيل: اهتم مهتم بعذاب واقع الثالث: قال بعضهم: هذا السائل هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين، فبين الله أن هذا العذاب واقع بهم، فلا دافع له قالوا: والذي يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ فاصبر صَبْراً جَمِيلاً ﴾ وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره بالصبر الجميل، أما القراءة الثانية وهي (سال) بغير همز فلها وجهان: أحدهما: أنه أراد ﴿ سَأَلَ ﴾ بالهمزة فخفف وقلب قال: سألت قريش رسول الله فاحشة *** ضلت هذيل بما سالت ولم تصب والوجه الثاني: أن يكون ذلك من السيلان ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل والسيل مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر، والمعنى اندفع عليهم واد بعذاب، وهذا قول زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد قالا: سال واد من أودية جهنم بعذاب واقع.
أما ﴿ سَائِلٌ ﴾ ، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز فيه غير الهمز لأنه إن كان من سأل المهموز فهو بالهمز، وإن لم يكن من المهموز كان بالهمز أيضاً نحو قائل وخائف إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين، وقوله تعالى: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ للكافرين ﴾ فيه وجهان، وذلك لأنا إن فسرنا قوله: ﴿ سَأَلَ ﴾ بما ذكرنا من أن النضر طلب العذاب، كان المعنى أنه طلب طالب عذاباً هو واقع لا محالة سواء طلب أو لم يطلب، وذلك لأن ذلك العذاب نازل للكافرين في الآخرة واقع بهم لا يدفعه عنهم أحد، وقد وقع بالنضر في الدنيا لأنه قتل يوم بدر، وهو المراد من قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ وأما إذا فسرناه بالوجه الثاني وهو أنهم سألوا الرسول عليه السلام، أن هذا العذاب بمن ينزل فأجاب الله تعالى عنه بأنه واقع للكافرين، والقول الأول وهو السديد، وقوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ فيه وجهان الأول: أن يكون تقدير الآية بعذاب واقع من الله للكافرين الثاني: أن يكون التقدير ليس له دافع من الله، أي ليس لذلك العذاب الصادر من الله دافع من جهته، فإنه إذا أوجبت الحكمة وقوعه امتنع أن لا يفعله الله وقوله: ﴿ ذِي المعارج ﴾ المعارج جمع معرج وهو المصعد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً أحدها: قال ابن عباس في رواية الكلبي: ﴿ ذِي المعارج ﴾ ، أي ذي السموات، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها.
وثانيها: قال قتادة: ذي الفواضل والنعم وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب، وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة.
وثالثها: أن المعارج هي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة، وعندي فيه وجه رابع: وهو أن هذه السموات كما أنها متفاوتة في الارتفاع والانخفاض والكبر والصغر، فكذا الأرواح الملكية مختلفة في القوة والضعف والكمال والنقص وكثرة المعارف الإلهية وقوتها وشدة القوة على تدبير هذا العالم وضعف تلك القوة، ولعل نور إنعام الله وأثر فيض رحمته لا يصل إلى هذا العالم إلا بواسطة تلك الأرواح، إما على سبيل العادة أولا كذلك على ما قال: ﴿ فالمقسمات أَمْراً ﴾ ، ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ فالمراد بقوله: ﴿ مِّنَ الله ذِي المعارج ﴾ الإشارة إلى تلك الأرواح.
المختلفة التي هي كالمصاعد لارتفاع مراتب الحاجات من هذا العالم إليها وكالمنازل لنزول أثر الرحمة من ذلك العالم إلى ما هاهنا.
<div class="verse-tafsir"
ضمن ﴿ سَأَلَ ﴾ معنى دعا، فعدّي تعديته، كأنه قيل: دعا داع ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ من قولك: دعا بكذا.
إذا استدعى وطلبه.
ومنه قوله تعالى: ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة ﴾ [الدخان: 55] وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: هو النضر بن الحرث قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.
وقيل: هو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، استعجل بعذاب للكافرين.
وقرئ: ﴿ سال سائل ﴾ وهو على وجهين: إما أن يكون من السؤال وهي لغة قريش، يقولون: سلت تسأل، وهما يتسايلان؛ وأن يكون من السيلان.
ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ سال سيل ﴾ ، والسيل: مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر.
والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم وأهلكهم.
وعن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع؟
فنزلت، وسأل على هذا الوجه مضمن معنى: عنى واهتم فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ للكافرين ﴾ قلت: هو على القول الأوّل متصل بعذاب صفة له، أي: بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل، أي: دعا للكافرين بعذاب واقع، أو بواقع؛ أي: بعذاب نازل لأجلهم، وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين.
فإن قلت: فقوله ﴿ مِّنَ الله ﴾ بم يتصل؟
قلت: يتصل بواقع، أي واقع من عنده، أو بدافع؛ بمعنى: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته وأوجبت الحكمة وقوعه ﴿ ذِي المعارج ﴾ ذي المصاعد جمع معرج، ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال: ﴿ تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ ﴾ إلى عرشه وحيث تهبط منه أوامره ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ كمقدار مدة ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ مما يعد الناس.
والروح.
جبريل عليه السلام، أفرده لتميزه بفضله.
وقيل: الروح خلق هم حفظة على الملائكة، كما أنّ الملائكة حفظة على الناس.
فإن قلت: بم يتعلق قوله ﴿ فاصبر ﴾ ؟
قلت: بسأل سائل؛ لأنّ استعجال النصر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالصبر عليه، وكذلك من سأل عن العذاب لمن هو، فإنما سأل على طريق التعنت، وكان من كفار مكة.
ومن قرأ: ﴿ سال سائل ﴾ أو سيل، فمعناه: جاء العذاب لقرب وقوعه، فاصبر فقد شارفت الانتقام، وقد جعل ﴿ فِى يَوْمٍ ﴾ من صلة ﴿ وَاقِعٍ ﴾ أي: يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم، وهو يوم القيامة: إما أن يكون استطالة له لشدّته على الكفار، وإما لأنه على الحقيقة كذلك.
قيل: فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر.
الضمير في ﴿ يَرَوْنَهُ ﴾ للعذاب الواقع، أو ليوم القيامة فيمن علق (في يوم) بواقع؛ أي: يستبعدونه على جهة الإحالة نحن ﴿ نَرَاهُ قَرِيبًا (7) ﴾ هيناً في قدر في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر، فالمراد بالبعيد: البعيد من الإمكان، وبالقريب: القريب منه نصب ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ﴾ بقريباً، أي: يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم.
أو بإضمار يقع، لدلالة (واقع) عليه أو يوم تكون السماء كالمهل.
كان كيت وكيت.
أو هو بدل عن (في يوم) فيمن علقه بواقع ﴿ كالمهل ﴾ كدردي الزيت.
وعن ابن مسعود: كالفضة المذابة في تلوّنها ﴿ كالعهن ﴾ كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو: أشبهت العهن المنقوش إذا طيرته الريح ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) ﴾ أي لا يسأله بكيف حالك ولا يكلمه، لأن بكل أحد ما يشغله عن المساءلة ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أي يبصر الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم، فما يمنعهم من المساءلة أنّ بعضهم لا يبصر بعضاً، وإنما يمنعهم التشاغل: وقرئ: ﴿ يبصرونهم ﴾ وقرئ: ﴿ ولا يسئل ﴾ على البناء للمفعول، أي: لا يقال لحميم أين حميمك ولا يطلب منه؛ لأنهم يبصرونهم فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب.
فإن قلت: ما موقع يبصرونهم؟
قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لما قال ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) ﴾ قيل: لعله لا يبصره، فقيل: يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم.
فإن قلت: لم جمع الضميران في ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ وهما للحميمين؟
قلت: المعنى على العموم لكل حميمين لا لحميمين اثنين.
ويجوز أن يكون ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ صفة، أي: حميماً مبصرين معرّفين إياهم.
قرئ: ﴿ يومئذ ﴾ بالجرّ والفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن، ومن عذاب يومئذ، بتنوين (عذاب) ونصب ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ وانتصابه بعذاب.
لأنه في معنى تعذيب ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تُئْوِيهِ ﴾ تضمه انتماء إليها، أو لياذاً بها في النوائب.
﴿ يُنجِيهِ ﴾ عطف على يفتدي، أي: يودّ لو يفتدى، ثم لو ينجيه الافتداء.
أو من في الأرض.
وثم: لاستبعاد الإنجاء، يعني: تمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك وهيهات أن ينجيه ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّع للمجرم عن الودادة، وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب، ثم قال: ﴿ إِنَّهَا ﴾ والضمير للنار، ولم يجر لها ذكر؛ لأنّ ذكر العذاب دل عليها.
ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً ترجم عنه الخبر، أو ضمير القصة.
و ﴿ لظى ﴾ علم للنار، منقول من اللظى: بمعنى اللهب.
ويجوز أن يراد اللهب.
و ﴿ نَزَّاعَةً ﴾ خبر بعد خبر؛ لأنّ أو خبر للظى إن كانت الهاء ضمير القصة، أو صفة له إن أردت اللهب، والتأنيث لأنه في معنى النار.
أو رفع على التهويل، أي: هي نزاعة.
وقرئ: ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب على الحال المؤكدة، أو على أنها متلظية نزاعة؛ أو على الاختصاص للتهويل.
والشوى: الأطراف أو جمع شواة: وهي جلدة الرأس تتزعها نزعاً فتبتكها؟
ثم تعاد ﴿ تَدْعُواْ ﴾ مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم.
ونحوه قول ذي الرمّة: ......
تَدْعُو أَنْفَهُ الرِّببُ وقوله: لَيَالِى اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأَتْبَعُهُ وقول أبي النجم: تَقُولُ للِرَّائِدِ أَعْشَبْت َانْزِلِ وقيل: تقول لهم: إليّ إليّ يا كافر يا منافق.
وقيل: تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب، فيجوز أن يخلق الله فيها كلاماً كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وكما خلقه في الشجرة ويجوز أن يكون دعاء الزبانية.
وقيل: تدعو تهلك، من قول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك.
قال: دَعَاكَ اللَّهُ مِنْ رَجُلٍ بِأفْعَى ﴿ مَنْ أَدْبَرَ ﴾ عن الحق ﴿ وتولى ﴾ عنه ﴿ وجمع ﴾ المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤدّ الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن الدين؛ وزهى بإقتنائه وتكبر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المَعارِجِ مَكِّيَّةٌ وآيُها أرْبَعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ أيْ دَعا داعٍ بِهِ بِمَعْنى اسْتَدْعاهُ ولِذَلِكَ عَدّى الفِعْلَ بِالباءِ والسّائِلُ هو النَّضِرُ بْنُ الحَرْثِ فَإنَّهُ قالَ ﴿ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ الآيَةَ أوْ أبُو جَهْلٍ فَإنَّهُ قالَ ﴿ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ سَألَهُ اسْتِهْزاءً أوِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَعْجَلَ بِعَذابِهِمْ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ سالَ وهو إمّا مِنَ السُّؤالِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ قالَ: سالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِما سالَتْ ولَمْ تُصِبْ أوْ مِنَ السَّيَلانِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «سالَ سَيْلٌ» عَلى أنَّ السَّيْلَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السّائِلِ كالغَوْرِ والمَعْنى سالَ وادٍ بِعَذابٍ ومَضى الفِعْلُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ إمّا في الدُّنْيا وهو قَتْلُ بَدْرٍ أوْ في الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ.
﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أوْ صِلَةٌ لِ واقِعٍ وإنْ صَحَّ أنَّ السُّؤالَ كانَ عَمَّنْ يَقَعُ بِهِ العَذابُ كانَ جَوابًا والباءُ عَلى هَذا لِتَضَمُّنِ سَألَ مَعْنى اهْتَمَّ.
﴿ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ﴾ يَرُدُّهُ.
<div class="verse-tafsir"
{للكافرين} صفة لعذاب أي بعذاب واقع كائن للكافرين {لَيْسَ لَهُ} لذلك العذاب {دَافِعٌ} راد
﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أيْ كائِنٍ ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ أوْ صِلَةٌ لِواقِعٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوْ بِمَعْنى عَلى ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ( أُبَيٍّ ) «عَلى الكافِرِينَ» وإنْ صَحَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمّا خَوَّفَهم النَّبِيُّ بِعَذابٍ سَألُوا عَنْهُ عَلى ما يَنْزِلُ وبِمَن يَقَعُ فَنَزَلَتْ» كانَ هَذا ابْتِداءَ كَلامٍ جَوابًا لِلسّائِلِ أيْ هو لِلْكافِرِينَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ بِالعَمَلِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِعَذابٍ عَلى ما قِيلَ أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِهو ( لِلْكافِرِينَ ) عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
وهي أربع وأربعون آية مكية قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ.
قرأ نافع بغير همزة، والباقون بالهمزة.
فمن قرأ بغير همزة، فهو من سال يسال يعني: جرى واد بعذاب الله تعالى.
ومن قرأ بالهمزة، فهو من سأل يسأل بمعنى دعا داع.
بِعَذابٍ واقِعٍ، وهو النضر بن الحارث، فوقع به العذاب، فقتل يوم بدر في الدنيا.
وقال مجاهد: دعا داع بعذاب يقع في الآخرة، وهو قولهم: إِن كَانَ هذا هُوَ الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء.
ويقال: سَأَلَ سائِلٌ عن عذاب واقع والجواب: لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يعني: أن ذلك العذاب من الله واقع للكافرين.
مِنَ اللَّهِ الذي هو ذِي الْمَعارِجِ.
قال مقاتل: يعني: ذي الدرجات، يعني: السموات السبع.
وقال القتبي: يعني: معارج الملائكة أي تصعد.
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ يعني: جبريل.
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يعني: ذلك العذاب واقع في يوم القيامة، مقداره خمسين ألف سنة.
ويقال: يعني: يعرج جبريل والملائكة في يوم واحد كان مقداره لو صعد غيرهم خمسين ألف سنة.
وقال محمد بن كعب: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة.
ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا يعني: اصبر صبراً حسناً لا جزع فيه.
ثم أخبر متى يقع العذاب فقال: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً يعني: يوم القيامة غير كائن عندهم.
وَنَراهُ قَرِيباً لا خلف فيه.
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ يعني: اليوم الذي تكون السماء كالمهل أي: كدردي الزيت من الخوف.
ويقال: ما أذيب من الفضة أو النحاس.
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ يعني: كالصوف المندوف.
قرأ الكسائي: يَعْرُجُ الملائكة بالياء، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأنها جمع الملائكة.
ومن قرأ بالياء، فلتقديم الفعل.
وروي عن ابن كثير أنه قرأ: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ بضم الياء، والباقون بالنصب.
ومن قرأ بالضم، فمعناه أنه لا يسأل قريب عن ذي قرابته، لأن كل إنسان يعرف بعضهم بعضاً قوله تعالى يُبَصَّرُونَهُمْ يعني: يعرفونهم ملائكة الله تعالى.
ومن قرأ بالنصب، معناه لا يسأل قريب عن قريبه، لأنه يعرف بعضهم بعضاً يُبَصَّرُونَهُمْ يعني: يعرفونهم ويقال: مرة يعرفونهم، ويقال: ومرة لا يعرفونهم.
ثم قال عز وجل: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ أي: يتمنى الكافر.
لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ يعني: ينادي نفسه بولده، وَصاحِبَتِهِ يعني: وزوجته، وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ يعني: عشيرته التي يأوى إليهم.
وقال مجاهد: وَفَصِيلَتِهِ أي: قبيلته، هكذا روي عن قتادة.
وقال الضحاك: يعني: عشيرته.
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: يفادي نفسه بجميع من في الأرض.
ثُمَّ يُنْجِيهِ يعني: ينجي نفسه من العذاب.
<div class="verse-tafsir"
مصحف «١» أُبَيٍّ: «على الكافرين» والمعارجُ في اللُّغةِ الدَّرَجُ في الأجْرَام، وهي هنا مستَعارَةٌ في الرُّتَبِ والفضائِل، والصفاتِ الحميدة قاله ابن عباس وقتادة «٢» ، وقال الحسن: هي المَرَاقي في السماء «٣» ، قال عياض، في «مشارق الأنوار» : قوله صلّى الله عليه وسلّم «فَعَرَجَ بي إلى السَّماء» ، أي: ارْتَقَى بي، والمعراجُ الدَّرَجُ وقيل: سُلَّمٌ تَعْرُج فيه الأرواحُ، وقيل: هو أحْسَنُ شيءٍ لا تتمالكُ النفسُ إذا رأته أنْ تَخْرُجَ، وإليه يَشْخَصُ بَصَرُ الميْتِ مِنْ حُسْنِهِ، وقيل: هو الذي تَصْعَدُ فيه الأَعْمَالُ، وقيل: قوله: ذِي الْمَعارِجِ مَعَارِجِ الملائكة، وقيل: ذي الفواضل، انتهى.
وقوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ معناه تَصْعَدُ، والرُّوحُ عِنْدَ الجمهورِ هو جبريلُ ع وقال مجاهد: الرُّوحُ ملائِكَةٌ حَفَظَةٌ للملائِكَةِ الحافظين لبني آدم لا تَراهم الملائكةُ كَمَا لا نرى نحن الملائكة «٤» ، وقال بعض المفسرين: هو اسم جنسِ لأرواحِ الحيوان.
وقوله سبحانه: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال ابن عباس وغيره: هو يومُ القيامةِ «٥» ، ثم اختلفُوا فقال بعضُهم: قُدْرُه في الطولِ قَدْرَ/ خمسينَ ألفَ سَنَةٍ، وقال بعضهم: بل قَدْرُه في الشدّة، والأولُ هو الظاهر، وهو ظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما مِنْ رجلٍ لا يؤَدِّي زكاةَ مالِه إلا جُعِلَ له صفائحُ مِن نارٍ يوم القيامةِ تكْوَى بها جَبْهَتُه وظهرُه وجَنْبَاه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» .
قال أبو سعيدِ الخدريُّ: «قيل: يا رسولَ اللَّه!
مَا أطْوَلَ يَوْماً مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَة!
فقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيَخِفُّ عَلَى المُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ» «٦» ، قال ابن المبارك: أَخبرنا معمر عن قتادة عن
سُورَةُ المَعارِجِ سُورَةُ سَألَ سائِلٌ، ويُقالُ لَها: سُورَةُ المَعارِجِ، ويُقالُ لَها: سُورَةُ الواقِعِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ ﴾ ، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو أبُو جَهْلٍ.
قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "سالَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ.
والباقُونَ: بِالهَمْزِ.
فَمَن قَرَأ: "سَألَ" بِالهَمْزِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ.
والثّانِي: سَألَ سائِلٌ عَنْ عَذابٍ واقِعٍ لِمَن هُوَ؟
وعَلى مَن يَنْزِلُ؟
ومَتى يَكُونُ؟
وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ، الِاسْتِهْزاءِ فَتَكُونُ الباءُ بِمَعْنى "عَنْ" وأنْشَدُوا: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والثّالِثُ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، والباءُ زائِدَةٌ.
وَمَن قَرَأ بِلا هَمْزٍ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ أيْضًا، وإنَّما لَيَّنَ الهَمْزَةَ، يُقالُ: سَألَ، وسالَ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: تَعالَوْا فَسالُوا يَعْلَمِ النّاسُ أيُّنا ∗∗∗ لِصاحِبِهِ في أوَّلِ الدَّهْرِ تابِعُ والثّانِي: المَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ بِالعَذابِ لِلْكافِرِينَ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ يَقْرَؤُونَ "سالَ سَيْلٌ" بِفَتْحِ السِّينِ، وسُكُونِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ولا هَمْزٍ.
وَإذا قُلْنا: إنَّهُ مِنَ السُّؤالِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ جَوابٌ لِلسُّؤالِ، كَأنَّهُ لَمّا سَألَ: لِمَن هَذا العَذابُ؟
قِيلَ: لِلْكافِرِينَ.
والواقِعُ: الكائِنُ.
والمَعْنى: أنَّ العَذابَ لِلَّذِي سَألَهُ هَذا الكافِرُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في الآخِرَةِ "لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَلِكَ العَذابُ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي المَعارِجِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي مَعارِجُ المَلائِكَةِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ "المَعارِجِ" الدَّرَجُ وهي مِن عَرَجَ: إذا صَعِدَ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَتِ المَلائِكَةُ تَعْرُجُ إلَيْهِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
قالَ الخَطّابِيُّ: المَعارِجُ: الدَّرَجُ، واحِداها: مَعْرَجٌ، وهو المِصْعَدُ، فَهو الَّذِي يُصْعَدُ إلَيْهِ بِأعْمالِ العِبادِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ.
فالمَعارِجُ: الطَّرائِقُ الَّتِي يُصْعَدُ فِيها.
والثّانِي: أنَّ المَعارِجَ: الفَواضِلُ والنِّعَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: "يَعْرُجُ" بِالياءِ.
"والرُّوحُ" في "الرُّوحِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، قالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلَيْهِ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "فِي يَوْمٍ ﴿ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ" ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وهَذا هو مِقْدارُ يَوْمِ القِيامَةِ مِن وقْتِ البَعْثِ إلى أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الخَلْقِ.
وُفي الحَدِيثِ: « "إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ" وقِيلَ: بَلْ لَوْ ولِيَ حِسابَ الخَلْقِ سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والحَقُّ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ مِن نَهارٍ.» وقالَ عَطاءٌ: يَفْرَغُ اللَّهُ مِن حِسابِ الخَلْقِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ المَعْنى سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والثّانِي: أنَّ مِقْدارَ صُعُودِ المَلائِكَةِ مِن أسْفَلِ الأرْضِ إلى العَرْشِ لَوْ صَعِدَهُ غَيْرُهم قَطَعَهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ "صَبْرًا جَمِيلًا" لا جَزَعَ فِيهِ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِقِتالِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ "إنَّهم يَرَوْنَهُ" يَعْنِي: العَذابَ "بَعِيدًا" غَيْرَ كائِنٍ "وَنَراهُ قَرِيبًا" كائِنًا، لِأنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ مَتى يَكُونُ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الكَهْفِ: ٢٩] ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ أيْ: كالصُّوفِ، فَشَبَّهَها في ضَعْفِها ولِينِها بِالصُّوفِ.
وقِيلَ: شَبَّهَها بِهِ في خِفَّتِها وسَيْرِها، لِأنَّهُ قَدْ نُقِلَ أنَّها تَسِيرُ عَلى صُوَرِها، وهي كالهَباءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: "العِهْنُ" الصُّوفُ واحِدَتُهُ: عِهْنَةٌ، ويُقالُ: عِهْنَةٌ، وعِهْنٌ، مِثْلُ: صُوفَةٍ، وصُوفٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "العِهْنُ" الصُّوفُ المَصْبُوغُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "يَسْألُ" بِفَتْحِ الياءِ.
والمَعْنى: لا يَسْألُ قَرِيبٌ عَنْ قَرابَتِهِ، لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْألُ الرَّجُلُ قَرابَتَهُ، ولا يُكَلِّمُهُ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ.
وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وأبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الياءِ.
والمَعْنى: لا يُقالُ لِلْحَمِيمِ: أيْنَ حَمِيمُكَ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أيْ: يُعَرَّفُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُ عَنْ شَأْنِهِ، ولا يُكَلِّمُهُ اشْتِغالًا بِنَفْسِهِ.
يُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا كَذا: إذا عَرَّفْتَهُ إيّاهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَسْألُ ذُو قُرابَةِ عَنْ قَرابَتِهِ، ولَكِنَّهم يُبَصَّرُونَهُمْ، أيْ: يُعَرَّفُونَهم.
وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، "يُبْصِرُونَهُمْ" بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ الصّادِ، وكَسْرِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوَدُّ المُجْرِمُ ﴾ يَعْنِي: يَتَمَنّى المُشْرِكُ لَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ ﴿ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ ﴾ وهي الزَّوْجَةُ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَشِيرَتُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي أدْنى قَبِيلَتِهِ مِنهُ.
ومَعْنى "تُؤْوِيهِ" تَضُمُّهُ، فَيَوَدُّ أنْ يَفْتَدِيَ بِهَذِهِ المَذْكُوراتِ ﴿ ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ ذَلِكَ الفِداءُ ﴿ كَلا ﴾ لا يُنْجِيهِ ذَلِكَ ﴿ إنَّها لَظى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها في اللُّغَةِ: اللَّهَبُ الخالِصُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ لَظى لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وتَلَهُّبِها، يُقالُ: هو يَتَلَظّى، أيْ: يَتَلَهَّبُ ويَتَوَقَّدُ.
وكَذَلِكَ النّارُ تَتَلَظّى يُرادُ بِها هَذا المَعْنى.
وأنْشَدُوا: جَحِيمًا تَلَظّى لا تُفَتَّرُ ساعَةً ∗∗∗ ولا الحَرُّ مِنها غابِرَ الدَّهْرِ يَبْرُدُ ﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "نَزّاعَةٌ لِلشَّوى" بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: هي نَزّاعَةٌ.
وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "نَزّاعَةً" بِالنَّصْبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى مَعْنى "إنَّها تَتَلَظّى نَزّاعَةً" .
وَفِي المُرادِ بِـ "الشَّوى" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: جِلْدَةُ الرَّأْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَحاسِنُ الوَجْهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: العَصَبُ، والعَقِبُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: الأطْرافُ: اليَدانِ، والرِّجْلانِ، والرَّأْسُ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ "وَتَوَلّى" عَنِ الحَقِّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ "وَجَمَعَ فَأوْعى" قالَ الفَرّاءُ: أيْ جَمَعَ المالَ في وِعاءٍ فَلَمْ يُؤَدِّ مِنهُ زَكاةً، ولَمْ يَصِلْ مِنهُ رَحِمًا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المَعارِجِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، لا خِلافَ بَيْنِ الرُواةِ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ ﴿ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ﴾ ﴿ مِنَ اللهِ ذِي المَعارِجِ ﴾ ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ ﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ ﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَماءُ كالمُهْلِ ﴾ ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ ﴿ وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَألَ" بِهَمْزَةٍ مُخَفَّفَةٍ، قالُوا: والمَعْنى: دَعا داعٍ، والإشارَةُ إلى مَن قالَ مِن قُرَيْشٍ: "اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، وإلى مَن قالَ: "رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا".
وقالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: بَحَثَ باحِثٌ واسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِمٌ، قالُوا: والإشارَةُ إلى قَوْلِ قُرَيْشٍ: "مَتى هَذا الوَعْدُ"؟
وما جَرى مَجْراهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
فَأمّا مَن قالَ: المَعْنى: دَعا داعٍ فالباءُ فى قَوْلِهِ تَعالى: "بِعَذابٍ" عَلى عُرْفِها، وأمّا مَن قالَ: المَعْنى: اسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِمٌ فالباءُ تُوَصَّلُ تَوْصِيلَ "عن"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "عن عَذابٍ"، وهَذا كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِساءِ طَبِيبُ وَقَرَأ نافِعُ بْنُ عامِرٍ: "سالَ" ساكِنَةَ الألِفِ، واخْتَلَفَ القِراءَةُ فِيها، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي "سَألَ" المَهْمُوزَةُ إلّا أنَّها سُهِّلَتْ، كَما قالَ: ...............................
∗∗∗ لا هُناكَ المَرْتَعُ ونَحْوُ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي لُغَةُ مَن يَقُولُ: "سَلْتُ أسْألُ ويَتَساوَلانِ"، وهي بِلُغَةٍ مَشْهُورَةٍ حَكاها سِيبَوَيْهِ، فَتَجِيءُ الألِفُ مُنْقَلِبَةً عَنِ الواوِ الَّتِي هي عَيْنٌ كَقالَ وخافَ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: سالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ اللهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِما سالَتْ ولَمْ تَصِبْ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: هو عَلى لُغَةِ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَلَّتْ"، وقالَ بَعْضُهم في الآيَةِ: هى مِن "سالَ يَسِيلُ" إذا جَرى، ولَيْسَتْ مِن مَعْنى السُؤالَ، قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وغَيْرُهُ: في جَهَنَّمَ وادٍ يُسَمّى "سائِلًا"، والأخْبارُ هُنا عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ -إنْ لَمْ يَصِحَّ أمْرُ الوادِي- أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عن نُفُوذِ القَدَرِ بِذَلِكَ العَذابِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ السَيْلِ لِما عَهِدَ مِن نُفُوذِ السَيْلِ وتَصْمِيمِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "سالَ سَيْلَ" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "سالَ سالَ" مِثْلَ "قالَ"، "قالَ"، أُلْغِيَتِ الياءُ مِنَ الخَطِّ تَخْفِيفًا، والمُرادُ "سائِلٌ" إذًا سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ العَذابِ -حَسَبَ قِراءَةِ الجَماعَةِ- إنَّما كانَ عَلى أنَّهُ كَذَبَ، فَوَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ واقِعٌ وعِيدًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكافِرِينَ" قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: اللامُ تُوَصَّلُ المَعْنى تَوْصِيلَ "عَلى"، ورُوِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: قَوْلُهُ تَعالى "عَلى الكافِرِينَ"، وقالَ قَتادَةَ والحَسَنُ: المَعْنى: كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَن هَذا العَذابُ الواقِعُ؟
فَقِيلَ "لِلْكافِرِينَ".
و"المَعارِجِ" في اللُغَةِ: الدُرْجُ في الأجْرامِ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ في الرُتَبِ والصِفاتِ الحَمِيدَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "المَعارِجُ": السَماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ، وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَماءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ ﴾ مَعْناهُ: تَصْعَدُ، عَلى أصْلِ اللُغَةِ فى اللَفْظَةِ.
و"الرُوحُ" عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، خَصَّصَهُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ المَلائِكَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو اسْمُ الجِنْسِ في أرْواحِ الحَيَوانِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ، فَقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ: المَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ -إنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ- خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، فَمَن جَعَلَ "الرُوحَ" جِبْرِيلَ ونَوْعًا مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السابِعَةِ إلى العَرْشِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِن جَعَلَ "الرُوحَ" جِنْسَ أرْواحِ الحَيَوانِ قالَ: المَسافَةُ مِن وجْهِ هَذِهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ عُلُوًّا، قالَهُ وهْبُ بْن مُنَبِّهٍ، وقالَ: قَوْمٌ المَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في نَفْسِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكُمْ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، والحَكَمُ: أرادَ اللهُ تَعالى مُدَّةَ الدُنْيا فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها ولا ما بَقِيَ، فالمَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في مُدَّةِ الدُنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ، ويَتَمَكَّنُ -عَلى هَذا فِي- "الرُوحِ" أنْ يَكُونَ جِنْسَ أرْواحِ الحَيَوانِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بَلِ اليَوْمَ المُشارِ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ -ثُمَّ اخْتَلَفُوا- فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْرُهُ في الطُولِ قَدْرَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ : « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا جَعَلَ لَهُ صَفائِحَ مِن نارِ يَوْمِ القِيامَةِ تُكْوى بِها جَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ وجَنْباهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ".» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: بَلْ قَدْرُهُ في هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ ورَزاياهُ لِلْكُفّارِ قَدْر خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ في اليَوْمِ العَصِيبِ: إنَّهُ كَسَنَةٍ، ونَحْوُ هَذا، قالَ أبُو سَعِيدٍ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ، ما أطْوَلُ يَوْمًا مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيَخِفَّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ"،» وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى كانَ مِقْدارَ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ القَضايا والحِسابِ قَدْرَ ما يَنْقَضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُنْيا.
وقَدْ ورَدَ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ كَألْفِ سَنَةٍ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ دُونَ طَوائِفَ.
والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" - عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ - قَوْلُهُ تَعالى: "مِن دافِعٍ"، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ "تَعْرُجُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَعْرُجُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "يُعَرِّجُ" بِالياءِ لِأنَّ التَأْنِيثَ بِالياءِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وبِالياءِ مِن تَحْتٍ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأنَّهُ كانَ يَذْكُرُ المَلائِكَةَ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَبْرِ الجَمِيلِ، وهو الَّذِي لا يَلْحَقُهُ عَتَبَ مِن فَشَلِ ولا شَكَّ ولا قِلَّة رَضِيَ ولا غَيْرَ ذَلِكَ، والأمْرُ بِالصَبْرِ الجَمِيلِ مُحْكَمٌ في كُلِّ حالَةٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا" يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ فَهو في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَهُمْ، وإنَّهُ تَعالى يَراهُ قَرِيبًا مِن حَيْثُ هو واقِعٌ وآتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ في "يَرَوْنَهُ" عائِدٌ عَلى العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ" تَكُونُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ، و"المُهْلِ": عَكِرَ الزَيْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَهي لِسَوادِها وانْكِدارِ أنْوارِها تُشْبِهُ ذَلِكَ، والمُهْلُ أيْضًا ما أُذِيبَ مِن فِضَّةٍ ونَحْوِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، فَتَجِيءُ لَهُ ألْوانٌ وتَمَيُّعٌ مُخْتَلَطٌ، والسَماءُ أيْضًا لِلْأهْوالِ الَّتِي تُدْرِكُها تَصِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ، و"العِهْنُ" الصُوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو الصُوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وقِيلَ المَصْبُوغُ أيُّ لَوْنٍ كانَ، وقالَ الحَسَنُ: هو الأحْمَرُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّهُ المَصْبُوغُ ألْوانًا بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ ∗∗∗ نَزَلْنَ بِهِ حَبَّ الفَنا لَمْ يُحَطِّمِ وحَبُّ الفَنا هو عِنَبُ الثَعْلَبِ، وكَذَلِكَ هو عِنْدَ طِيبِهِ وقَبْلَ تَحْطِيمِهِ ألْوانٌ، بَعْضُهُ أحْمَرُ، وبَعْضُهُ أصْفَرُ، وبَعْضُهُ أخْضَرُ؛ لِاخْتِلافِهِ في النُضْجِ، وتُشْبِهُ الجِبالَ بِهِ عَلى هَذا لِأنَّها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ، فَيَجِيءُ التَشْبِيهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما في الألْوانِ، والثانِي وَفِي الِانْتِفاشِ، ومَن قالَ إنَّ "العِهْنَ" الصُوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ جَعَلَ التَشْبِيهَ في الِانْتِفاشِ وتَخَلْخُلِ الأجْزاءِ فَقَطْ، قالَ الحَسَنُ: والجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ تَسِيرُ بِالرِياحِ ثُمَّ يَشْتَدُّ الأمْرُ بِها فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ لا يَزالُ الأمْرُ بِها فَتَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا.
وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ والمَدَنِيُّونَ وطَلْحَةُ والناسُ: "وَلا يَسْألُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، و"الحَمِيمُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ-: القَرِيبُ والوالِي، فالمَعْنى: ولا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُها عِنْدَهُ، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: ولا يَسْألُهُ عن حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ، قَدْ بَصَّرَ كُلُّ أحَدٍ حالَةَ الجَمِيعِ وشُغِلَ بِنَفْسِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ السُدِّيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ - بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو حَيْوَةَ "وَلا يُسْألُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى: ولا يُسْألُ إبْصارُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ لَهُ سِيما يَعْرِفُ بِها، وكَذَلِكَ كَلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ سِيما خَيْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُسْألُ عن أعْمالِهِ وذُنُوبِهِ لِيُؤْخَذَ بِها ولَيُّهُ ووِزْرُهُ.
و"يُبَصَّرُونَهُمْ"- عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِيلَ: مَعْناهُ: في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ المُجْرِمُ حَمِيمَهُ ثُمَّ يَفِرُّ عنهُ لِشَغْلِهِ بِنَفْسِهِ، تَقُولُ: بَصَرُ فُلانٍ بِالشَيْءِ وبَصَّرْتُهُ بِهِ: أرَيْتُهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا بَصَرَتْكَ البَيْداءَ فاسْرِي ∗∗∗ وأمّا الآنَ فاقْتَصِدِي وقَيْلِي وقَرَأ قَتادَةُ: "يُبَصِّرُونَهُمْ" بِسُكُونِ الباءِ وكَسَرَ الصادَ خَفِيفَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُبَصَّرُونَهُمْ" مَعْناهُ:يُبْصِرُ المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في النارِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكُفّارُ مَن أضَلَّهم في النارِ عِبْرَةً وإشْفاقًا عَلَيْهِمْ وخِزْيًا لَهم.
<div class="verse-tafsir"
كان كفار قريش يستهزئون فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم متى هذا العذاب الذي تتوعدنا به، ويسألونه تعجيله، قال تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يونس: 48] ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ [الحج: 47] وكانوا أيضاً يسألون الله أن يوقع عليهم عذاباً إن كان القرآن حقاً من عنده قال تعالى: ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32].
وقيل: إن السائل شخص معين هو النضر بن الحارث قال: ﴿ إن كان هذا (أي القرآن) هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يعينه على المشركين بالقحط فأشارت الآية إلى ذلك كله، ولذلك فالمراد ب ﴿ سائل ﴾ فريقٌ أو شخص.
والسؤال مستعمل في معنيي الاستفهام عن شيء والدعاء، على أن استفهامهم مستعمل في التهكم والتعجيز.
ويجوز أن يكون ﴿ سأل سائل ﴾ بمعنى استعجل وأَلَحّ.
وقرأ الجمهور ﴿ سأل ﴾ بإظهار الهمزة.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿ سال ﴾ بتخفيف الهمزة ألفاً.
قال في «الكشاف»: وهي لغة قريش وهو يريد أن قريشاً قد يخففون المهموز في مقام الثقل وليس ذلك قياساً في لغتهم بل لغتهم تحقيق الهمز ولذلك قال سيبويه: وليس ذا بقياس مُتْلَئِبَ (أي مطرد مستقيم) وإنما يحفظ عن العرب قال: ويكون قياساً متلئباً، إذا اضطُر الشاعر، قال الفرزدق: راحتْ بِمسلمةَ البغال عشية *** فارْعَيْ فَزازةُ لا هَنَاككِ المَرتَع يريد لا هَنَأككِ بالهمز.
وقال حسان: سَالتْ هُذْيلٌ رسولَ الله فاحشةً *** ضلتْ هُذيلٌ بمَا سَالت ولم تُصِبِ يريد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحَةَ الزنا.
وقال القرشي زيدُ بن عمرو بن نفيل (يذكر زَوجيه): سَألتَانِي الطلاقَ أنْ رَأتَاني *** قَلَّ مَالي قد جيتُمانِي بنُكْرِ فهؤلاء ليس لغتهم سَال ولا يَسَالُ وبلغنا أن سَلْتَ تَسَال لغة ا ه.
فجعل إبدال الهمز ألفاً للضرورة مطرداً ولغير الضرورة يُسمع ولا يقاس عليه فتكون قراءة التخفيف سماعاً.
وذكر الطيبي عن أبي علي في الحجة: أن من قرأ ﴿ سَالَ ﴾ غير مهموز جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين الكلمة مثل: قَال وخاف.
وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول: هما متساوِلان.
وقال في «الكشاف»: يقولون (أي أهل الحجاز): سَلْتَ تَسَالُ وهما يتسَايلان، أي فهو أجوف يائي مثل هاب يهاب.
وكل هذه تلتقي في أن نطق أهل الحجاز ﴿ سال ﴾ غيرَ مهموز سماعي، وليس بقياس عندهم وأنه إمّا تخفيف للهمزة على غير قياس مطرد وهو رأي سيبويه، وإما لغة لهم في هذا الفعل وأفعال أخرى جاء هذا الفعل أجوف واوياً كما هو رأي أبي علي أو أجوف يائياً كما هو رأي الزمخشري.
وبذلك يندحض تردد أبي حيان جعل الزمخشري قراءة ﴿ سال ﴾ لغة أهل الحجاز إذ قد يكون لبعض القبائل لغتان في فعل واحد.
وإنما اجتلب هنا لغة المخفف لثقل الهمز المفتوح بتوالي حركات قبله وبعده وهي أربع فتحات، ولذلك لم يرد في القرآن مخففاً في بعض القراءات إلاّ في هذا الموضع إذ لا نظير له في توالي حركات، وإلاّ فإنه لم يقرأ أحد بالتخفيف في قوله: ﴿ وإذا سَألك عبادي ﴾ [البقرة: 186] وهو يساوي ﴿ سال سائل بعذاب ﴾ بله قوله: سالتهم وتسالهم ولا يسالون.
وقوله: ﴿ سال سائل ﴾ بمنزلة سُئل لأن مجيء فاعل الفعل اسمَ فاعل من لفظ فعله لا يفيد زيادة علم بفاعل الفعل ما هو، فالعدول عن أن يقول: سُئِل بعذاب إلى قوله ﴿ سال سائل بعذاب ﴾ ، لزيادة تصوير هذا السؤال العجيب، ومثله قول يزيد بن عمرو بن خويلد يهاجي النابغة: وإن الغدْر قد عَلِمت معدٌّ *** بنَاه في بني ذُبيان بَانِي ومن بلاغة القرآن تعدية ﴿ سال ﴾ بالباء ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام والدعاء والاستعجال، لأن الباء تأتي بمعنى (عن) وهو من معاني الباء الواقعة بعد فعل السؤال نحو ﴿ فاسال به خبيراً ﴾ [الفرقان: 59]، وقول علقمة: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** خبير بأدواء النساء طبيب أي إن تسألوني عن النساء، وقال الجوهري عن الأخفش: يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان.
وجعل في «الكشاف» تعدية فعل سأل بالباء لتضمينه معنى عُني واهتمّ.
وقد علمت احتمال أن يكون سال بمعنى استعجل، فتكون تعديته بالباء كما في قوله تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ [الحج: 47] وقوله: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ [الشورى: 18].
وقوله: ﴿ للكافرين ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً ب ﴿ واقع، ﴾ ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو للكافرين.
واللام لشبه الملك، أي عذاب من خصائصهم كما قال تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ [البقرة: 24].
ووصف العذاب بأنه واقع، وما بعده من أوصافه إلى قوله: ﴿ إنهم يرونه بعيداً ﴾ [المعارج: 6] إدماج معترض ليفيد تعجيل الإِجابة عما سأل عنه سائل بكلا معنيي السؤال لأن السؤال لم يحك فيه عذاب معين وإنما كان مُجْملاً لأن السائل سأل عن عذاب غير موصوف، أو الداعي دعا بعذاب غير موصوف، فحكي السؤال مجملاً ليرتب عليه وصفه بهذه الأوصاف والتعلقات، فينتقل إلى ذكر أحوال هذا العذاب وما يحفّ به من الأهوال.
وقد طويت في مطاوي هذه التعلقات جمل كثيرة كان الكلام بذلك إيجازاً إذ حصل خلالها ما يفهم منه جواب السائل، واستجابة الداعي، والإِنباء بأنه عذاب واقع عليهم من الله لا يدفعه عنهم دافع، ولا يغرهم تأخره.
وهذه الأوصاف من قبيل الأسلوب الحكيم لأن ما عدد فيه من أوصاف العذاب وهَوْلِه ووقته هو الأولى لهم أن يعلموه ليحذروه، دون أن يخوضوا في تعيين وقته، فحصل من هذا كله معنى: أنهم سألوا عن العذاب الذي هُددوا به عن وقته ووصفه سؤال استهزاء، ودعوا الله أن يرسل عليهم عذاباً إن كان القرآن حقاً، إظهاراً لقلة اكتراثهم بالإِنذار بالعذاب.
فأعلمهم أن العذاب الذي استهزأوا به واقع لا يدفعه عنهم تأخر وقته، فإن أرادوا النجاة فليحذروه.
وقوله: ﴿ من الله ﴾ يتنازع تعلقه وصفا ﴿ واقع ودافع.
﴾ و ﴿ مِن ﴾ للابتداء المجازي على كلا التعلقين مع اختلاف العلاقة بحسب ما يقتضيه الوصف المتعلَّق به.
فابتداء الواقع استعارة لإذن الله بتسليط العذاب على الكافرين وهي استعارة شائعة تساوي الحقيقة.
وأما ابتداء الدافع فاستعارة لتجاوزه مع المدفوع عنه من مكان مَجازي تتناوله قدرة القادر مثل ﴿ من ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه ﴾ [التوبة: 118] وقوله: ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ﴾ [النساء: 108].
وبهذا يكون حرف ﴿ مِن ﴾ مستعملاً في تعيين مجازين متقاربين.
وإجراء وصف ﴿ ذي المعارج ﴾ على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلالة ولإِدماج الإِشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء قال تعالى: ﴿ لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ﴾ [الزخرف: 33].
ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها قال تعالى: ﴿ يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ [المجادلة: 11]، وليكون من هذا الوصف تخلص إلى ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين.
و ﴿ المعارج ﴾ : جمع مِعْرَج بكسر الميم وفتح الراء وهو ما يعرج به، أي يصعد من سلم ومدرج.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المَعارِجِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ في سَألَ سائِلٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ اسْتَخْبَرَ مُسْتَخْبِرٌ عَنِ العَذابِ مَتى يَقَعُ، عَلى التَّكْذِيبِ.
الثّانِي: دَعا داعٍ أنْ يَقَعَ البَلاءُ بِهِمْ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: طَلَبَ طالِبٌ.
﴿ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ وفي هَذا الطّالِبِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ صاحِبَ لِواءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ سَألَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ: وهو القائِلُ لِذَلِكَ، قالَهُ رَبِيعُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ.
وَفي هَذا العَذابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ في الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وعَذابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِالقَتْلِ والأسْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَقَرَأ نافِعٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ (سَألَ سايِلٌ) غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وسايِلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَسِيلُ بِالعَذابِ.
﴿ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ذِي الدَّرَجاتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: ذِي العَظَمَةِ والعَلاءِ.
الرّابِعُ: ذِي المَلائِكَةِ، لِأنَّهم كانُوا يَعْرُجُونَ إلَيْهِ، قالَهُ قُتَيْبَةُ.
الخامِسُ: أنَّها مَعارِجُ السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ ﴾ أيْ تَصْعَدُ، وفي الرُّوحِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ يُقْبَضُ، قالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، يَرْفَعُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ، كَما قالَ تَعالى: ( ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ ) .
الثّالِثُ: أنَّهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسَ بِالنّاسِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُدَّةُ الدُّنْيا، مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى وكَمْ بَقِيَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِقْدارُ مُدَّةِ الحِسابِ في عُرْفِ الخَلْقِ أنَّهُ لَوْ تَوَلّى بَعْضُهم مُحاسَبَةَ بَعْضٍ لَكانَ مُدَّةُ حِسابِهِمْ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ.
وَرَوى مُعاذٌ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: ( «يُحاسِبُهُمُ اللَّهُ بِمِقْدارِ ما بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ولِذَلِكَ سَمّى نَفْسَهُ سَرِيعَ الحِسابِ، وأسْرَعَ الحاسِبِينَ» ) .
﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ جَزَعٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا بَثَّ فِيهِ ولا شَكْوى.
الثّالِثُ: أنَّهُ الِانْتِظارُ مِن غَيْرِ اسْتِعْجالٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُجامَلَةُ في الظّاهِرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِيما أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلى ما قَذَفَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهُ مَجْنُونٌ وأنَّهُ ساحِرٌ وأنَّهُ شاعِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلى كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ جِهادَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَعْثُ في القِيامَةِ.
الثّانِي: عَذابُ النّارِ.
وَفي المُرادِ بِالبَعِيدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُسْتَحِيلٌ غَيْرُ كائِنٍ.
الثّانِي: اسْتِبْعادٌ مِنهم لِلْآخِرَةِ.
﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ أيْ كائِنًا، لِأنَّ ما هو كائِنٌ قَرِيبٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سأل سائل ﴾ قال: هو النضر بن الحارث، قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، وفي قوله: ﴿ بعذاب واقع ﴾ قال: كائن ﴿ للكافرين ليس له دافع.
من الله ذي المعارج ﴾ قال: ذي الدرجات.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ سأل سائل ﴾ قال: نزلت بمكة في النضر بن الحارث، وقد قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، الآية، وكان عذابه يوم بدر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بعذاب واقع ﴾ قال: يقع في الآخرة قولهم في الدنيا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك هو النضر بن الحارث.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ فقال الناس: على من يقع العذاب؟
فأنزل الله: ﴿ على الكافرين ليس له دافع ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ سأل سائل ﴾ قال: دعا داع، وفي قوله: ﴿ بعذاب واقع ﴾ قال: يقع في الآخرة، وهو قولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: رجل من عبد نزار ويقال له الحارث بن علقمة: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فقال الله؛ ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ﴾ [ ص: 86] وقال الله: ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ [ الأنعام: 94] وقال الله: ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ هو الذي قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر، وهو الذي قال: ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ وهو الذي سأل عذاباً هو واقع به.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ سأل سائل ﴾ قال: سأل وادٍ في جهنم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذي المعارج ﴾ قال: ذي العلو والفواضل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: ﴿ ذي المعارج ﴾ قال: معارج السماء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ذي المعارج ﴾ قال: ذي الفضائل والنعم.
وأخرج أحمد وابن خزيمة عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رجلاً يقول: لبيك ذي المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ تعرج الملائكة ﴾ بالتاء.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق رضي الله عنه قال: كان عبد الله يقرأ ﴿ يعرج الملائكة ﴾ بالياء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سموات ﴿ مقداره خمسين ألف سنة ﴾ ويوم كان مقداره ألف سنة يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله: ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ﴾ قال: هذا في الدنيا ﴿ تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ وفي قوله: ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ قال: لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم، قال: يعني يوم القيامة.
وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: سأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما ما هؤلاء الآيات ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ قال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة وخلق السموات والأرض في ستة أيام كل يوم ألف سنة ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ قال: ذلك مقدار المسير.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ قالا: هي الدنيا أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة يوم القيامة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: هو ما بين أسفل الأرض إلى العرش.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ قال: ذلك يوم القيامة.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ﴿ يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ ما أطول هذا اليوم، فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: قدر يوم القيامة على المؤمن قدر ما بين الظهر إلى العصر.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: يشتد كرب يوم القيامة حتى يلجم الكافر العرق، قيل: فأين المؤمنون يومئذ؟
قال: يوضع لهم كراسي من ذهب، ويظلل عليهم الغمام، ويقصر ذلك اليوم عليهم، ويهون حتى يكون كيوم من أيامكم هذه.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: يكون عليهم كصلاة المكتوبة.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في البعث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: ما قدر طول يوم القيامة على المؤمنين إلا كقدر ما بين الظهر إلى العصر.
أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ صبراً جميلاً ﴾ قال: لا تشكو إلى أحد غيري.
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الأعلى بن الحجاج في قوله: ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ من قرأ سأل بالهمز احتمل معنيين؛ أحدها: أن يكون بمعنى الدعاء، أي دعا داع بعذاب واقع، وقد تكون الإشارة إلى قول الكفار: ﴿ أمطر علينا حجارة من السماء ﴾ ، وكان الذي قالها النضر بن الحارث، والآخر أن يكون بمعنى الاستخبار، أي سأل سائل عن عذاب واقع، والباء على هذا بمعنى عن، وتكون الإشارة إلى قوله: ﴿ متى هذا الوعد ﴾ [يونس: 48]؟
وغير ذلك، وأما من قرأ سال بغير همز فيحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون مخففاً من المهموز، فيكون فيه المعنيان المذكوران، والثاني أن يكون من سال السيل إذا جرى، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس: سال سيل، وتكون الباء على هذا كقولك ذهبت بزيد، وإذا كان من السيل احتمل وجهين: أحدهما أن يكون شبَّه العذاب في شدته وسرعة وقوعه بالسيل، وثانيهما: أن تكون حقيقة، قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يقال له سائل، فتلخص من هذا أن في القراءة بالهمز يحتمل معنيين وفي القراءة بغير همز أربعة معان ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل أن يتعلق بواقع وتكون اللام بمعنى على، أو تكون صفة للعذاب، أو يتعلق بسأل إذا كانت بمعنى دعا، أي دعا للكافرين بعذاب، أو تكون مستأنفاً كأنه قال: هو للكافرين ﴿ مِّنَ الله ﴾ يحتمل أن يتعلق بواقع أي واقع من عند الله، أو بدافع أي ليس له دافع من عند الله، أو يكون صفة للعذاب أو متسأنفاً ﴿ ذِي المعارج ﴾ جمع معرج وهو المصعد إلى علو كالسلم، والمدارج التي يُرتقى بها، قال ابن عطية: هي هنا مستعارة في الفضائل والصفات الحميدة، وقيل: هي المراقي إلى السماء، وهذا أظهر لأنه فسرها بما بعدها من عروج الملائكة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سأل ﴾ بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي ﴿ ولا يسأل ﴾ بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي ﴿ يومئذ ﴾ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي ﴿ توويه ﴾ بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب: حفص والمفضل ﴿ يخرجون ﴾ من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف ﴿ إلى نصب ﴾ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص ﴿ نصب ﴾ بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون.
الوقوف: ﴿ واقع ﴾ ه لا ﴿ دافع ﴾ ه لا ﴿ المعارج ﴾ ه لا ﴿ سنة ﴾ ج ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه لا ﴿ قريباً ﴾ ه ط ﴿ كالمهل ﴾ ه لا ﴿ كالعهن ﴾ ه لا ﴿ حميماً ﴾ ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على ﴿ يبصرونهم ﴾ ﴿ ببنيه ﴾ ه لا ﴿ وأخيه ﴾ ه ﴿ تؤويه ﴾ ه لا ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ينجيه ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ لظى ﴾ ه ج لأن من قرأ ﴿ نزاعة ﴾ بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر ﴿ لظى ﴾ والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة أو خبر مبتدأ محذوف.
ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص.
﴿ للشوى ﴾ ه ص لأن ﴿ يدعو ﴾ يصلح مستأنفاً وبدلاً من ﴿ نزاعة ﴾ ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ فأوعى ﴾ ه ﴿ هلوعاً ﴾ ه لا ﴿ جزوعاً ﴾ ه لا ﴿ منوعاً ﴾ ه لا ﴿ المصلين ﴾ ه لا ﴿ دائمون ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ والمحروم ﴾ ه ص ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ مشفقون ﴾ ه ج ﴿ مأمون ﴾ ه ﴿ حافظون ﴾ ه لا ﴿ ملومين ﴾ ه ج ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ قائمون ﴾ ه ك ﴿ يحافظون ﴾ ه لا ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لانقطاع المعنى ﴿ مهطعين ﴾ ه لا ﴿ عزين ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ لقادرون ﴾ ه ج ﴿ منهم ﴾ ج بناء على أن الواو للحال ﴿ بمسبوقين ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه لأن ما بعد بء دل ﴿ يوقضون ﴾ ه ج لأن ما بعد حال من الضمير ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: من قرأ ﴿ سأل ﴾ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ الآية فأنزل الله ﴿ سأل سائل ﴾ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء.
يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه.
وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة.
إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر.
الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب.
والباء بمعنى " عن ".
قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله أن هذا واقع بهم فلا دافع له.
والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز.
والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما ﴿ سائل ﴾ فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع.
وقوله ﴿ للكافرين ﴾ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين.
والظاهر أن قوله ﴿ من الله ﴾ يتعلق ﴿ بدافع ﴾ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم.
وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ﴿ ذي المعارج ﴾ المصاعد.
روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.
وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد.
وقيل: هي الجنة لأنها درجات.
وقال في التفسير الكبير.
وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواحكالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.
قوله ﴿ تعرج الملائكة والروح ﴾ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة.
قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح.
وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله.
وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل .
ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ ﴿ المعارج ﴾ فإنا بينا أنها المراتب.
قووله ﴿ إليه ﴾ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة.
والأكثرون على أن قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ تعرج ﴾ .
أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة.
قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية.
والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما "روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله : ما أطول هذا اليوم؟
فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا" .
ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن.
ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق.
والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة.
ثم إنه يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.
وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة.
قاله وهب وجماعة من أهل التفسير.
وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة.
ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى.
ومر في " ألم السجدة ".
وقال جمع من المفسرين قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ واقع ﴾ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة.
وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله إلى نوع آخر من العذاب.
يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به.
وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش.
وفي قوله ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ تسلية للنبي كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان ﴿ ونراه قريب ﴾ منه ثم قال ﴿ يوم ﴾ أي اذكر يوم ﴿ تكون السماء كالمهل ﴾ كدرديّ الزيت.
عن ابن مسعود: كالفضة المذابة.
﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ﴾ وجوز جار الله أن ينتصب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ قريباً ﴾ أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ﴿ بواقع ﴾ قوله ﴿ ولا يسأل حميم ﴾ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار.
وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك.
ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال ﴿ يبصرونهم ﴾ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي.
وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه ﴿ وفصيلته ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تؤويه ﴾ تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله ﴿ كلا ﴾ وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك.
والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن ﴿ لظى ﴾ علم لنار جهنم.
واللظى اللهب الخالص.
والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله .
وفي قوله ﴿ تدعو ﴾ وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً.
فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها.
ومنها أن الله يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب.
ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها.
ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه ﴿ من أدبر ﴾ أي عن الطاعة ﴿ وتولى ﴾ عن الإيمان ﴿ وجمع ﴾ المال حرصاً عليه ﴿ فأوعى ﴾ جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس.
ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال ﴿ إن الإنسان ﴾ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه ﴿ خلق هلوعاً ﴾ والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر ﴾ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار ﴿ كان جزوعاً وإذا مسه الخير ﴾ أضداد ذلك ﴿ كان منوعاً ﴾ عن النبي " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع" قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله .
بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه ذكره في معرض الذم والله لا يذم فعله.
ولأنه استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات.
ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.
والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.
الثاني ﴿ والذين في أموالهم حق ﴾ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.
قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب.
قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار.
الثالث ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بالغيب والجزاء.
الرابع ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية.
ثم أكد ذلك الخوف بقوله ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها.
الخامس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ إلى قوله ﴿ العادون ﴾ وقد مر في " المؤمنين ".
والسادس ﴿ والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون ﴾ وقد مر أيضاً.
السابع ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها.
وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها.
وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له.
الثامن ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقد ذكرناه.
ثم عين مكان هؤلاء بقوله ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت.
﴿ فما للذين كفروا قبلك ﴾ أي نحوك وفي مقابلتك ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليك ﴿ عزين ﴾ فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون.
وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في ﴿ عضين ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع.
والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح.
وفي قوله ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح.
ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات.
ومعنى ﴿ المشارق والمغارب ﴾ قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً.
وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه.
وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.
واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟
قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين.
وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان.
وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ".
ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ومعنى ﴿ يوفضون ﴾ يسرعون.
﴿ وترهقهم ذلة ﴾ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ ﴾ قرئ بتسكين الألف، ومعناه: سال واد بعذاب واقع للكافرين، أي: جرى واد بعذاب واجب.
والقراءة العامّة بالهمزة من السؤال، وتأويله على سؤال القوم العذاب بقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، وقولهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ .
وقيل: هو النضر بن الحارث، سأل ذلك، فقتل يوم بدر بعدما أسر؛ هكذا قال بعض أهل التأويل.
ولكن عندنا [أن] هذا وإن كان في الظاهر خارجاً مخرج السؤال، لكن لم يكن سؤاله هذا لينزل به العذاب في التحقيق، وإنما هذا منه على جهة الاستبعاد بالعذاب والاستهزاء برسول الله ، [والذي حملهم على الاستبعاد والإنكار هو أنه كان عند أهل مكة: أنه لو كان فيهم نبي، لكانوا هم أحق بالنبوة من رسول الله - -] لأنهم هم الذي بسطت لهم الدّنيا، وهم الذين لهم نفاذ الكلام في البلاد، ورسول الله لم تبسط له الدنيا، ولا كان لكلامه فيما بينهم نفاذ، فيظنون بهذا أنهم أقرب منزلة عند الله - - من النبي ؛ لأنه لا يستقيم في العقل أن يصل الولي إلى عدوه، ويحسن إليه ويدع صلة وليه ويجفوه، فهذا الظن الذي ذكرنا هو الذي حملهم على تكذيب رسول الله فيما يخبرهم من حلول العذاب بالتكذيب، وعلى الاستهزاء به، فكان سؤال السائل على جهة الاستبعاد والإنكار للعذاب، لا أن كانوا مقرين به ثمّ استعجلوه.
وذكر أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أبرنا قسماً، وأوصلنا رحماً، وأقرانا للضيف؛ فكان يدعو بهذا لما عنده: أنه أشرف حالاً وأعلى منزلة عند الله - - من محمد وأتباعه، ومن كان هذا شأنه، فهو أولى أن ينصر؛ قال الله - -: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، ولو لم يكن عندهم أنهم أقرب منزلة وأحق أن يكونوا أولياء، وإلا لم يكونوا يجترئون أن يسألوا بهذا، فهذه الشبهة التي ذكرناها هي التي أورثت لهم ما ذكرناها من الظن، حتى زعموا أنهم أحق بالرسالة، وظنهم هذا يتولد من ظن إبليس، وذلك أن إبليس قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ؛ فظن أن أمر الفاضل للمفضول بالسجود في الخضوع له خارج عن حد الحكمة؛ فصار إلى ما صار إليه من الخزي واللعن، فكذلك هؤلاء لما رأوا من نفاذ كلمتهم وسعتهم في الدنيا ظنوا أنهم أقرب إلى الله - - إذ التوسع عندهم دلالة الولاية والقرب.
ثم سفههم هو الذي حملهم على التكبّر على رسول الله وترك الخضوع، وإلا لو أعطوا النصفة من أنفسهم، لكان يجب أن يكونوا هم أطوع خلق الله - - لأن الواجب على من كثرت عليه النعم من آخر أن يكون هو أشكر للنعم، وأطوع له فيما يدعوه إليه من الذي قلَّت نعمه عليه، فإذا كانوا مقرين أن نعم الله عليهم أكثر، وإحسانه إليهم أوفر، أوجب ما ذكروا أن يكونوا هم ألزم لطاعته، وآخذ لما يأمرهم به، وكذلك إبليس اللعين إذا رأى لنفسه فضلا، وإنما استوجب ذلك بما أنعم الله - عز وجل - عليه، كان الحق عليه أن يتسارع إلى طاعته وينقاد لما أمر به؛ لا أن يظهر الخلاف من نفسه وترك الائتمار بأمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ أي: هو واقع بهم لا محالة في علم الله .
أو ﴿ وَاقِعٍ ﴾ بمعنى: سيقع، كما يقال: قابل: أي: سيقبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ فإن كان قوله: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ ، فحقه أن يقول: على الكافرين، ولكن اللام من حروف الإضافة والخفض، وحروف الإضافة مما [يستبدل بعضها ببعض]؛ فجعل اللام بدلا عن "على".
وإن كان قوله: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ فمعناه: أن ليس على الكافرين دافع لعذاب الله - عز وجل - بل واقع بهم لا محالة، فأبدلت اللام مكان "عن"؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض.
وقد يدفع العذاب عن المسلمين من وجوه: إما برحمة الله - - أو بشفاعة الرسل والأخيار، وإما بحسنات سبقت منهم، توجب تكفير سيئاتهم.
فأما الكفار فلا تنالهم رحمته، ولا شفاعة أحد من الخلائق، وليست لهم حسنات تكفر سيئاتهم، فليس لهم ما يدفع عنهم العذاب.
وجائز أن يكون معناه: أن الذين ظنوا أنه ينصرهم عند النوائب وحلول الشدائد، لا يقوم بنصرهم، ولا يشفع لهم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الملائكة على رجاء أن يشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ ﴾ أي: ذلك العذاب لهم من الله - - ذي المعارج؛ أي: [من] له المعارج؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴾ أي: الذي له العرش.
واختلفوا في المعارج: قال بعضهم: هي المصاعد، وهي السماوات، وسمّاهن مصاعد؛ لأن بعضها أصعد من بعض وأرفع، ولو قال: ذي المسافل، كان مستقيماً، واقتضى ما يقتضي قوله: ذي المعارج؛ لأن بعضها إذا كان أصعد [من بعض؛ فالذي] تحتها أهبط وأسفل، ولكن ذكر المصاعد؛ لأن هذا أعلى في الوصف.
ثم في ذكر هذا عظيم نعمه وإحسانه إلى خلقه؛ حيث خلق السماوات والأرض مسكناً لأهلها، وبسط الأرض مسكناً لأهلها، حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له أن يفضل بعضاً على بعض، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة ويختص بها.
وذكرهم - أيضاً - حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه حيث وضع سماء على سماء، وخلقهن طباقاً من غير عمد تحتها تمسكها، أو علائق من فوقها تربطها، فتبين أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه؛ فيكون في ذكر كل وجه مما ذكرنا إزالة الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة وإيضاح بأن من قدر على ما ذكرنا لقادر على الإعادة بعد الإفناء.
وقيل: المعارج: المعالي، أي: الذي له العلو والرفعة، كما قلنا في قوله: الحمد لله، أي: لا أحد يستحق الحمد في الحقيقة، وما حمد أحد إلا وذلك في الحقيقة لله - - لأنه به استفاده، فعلى ذلك قولنا: له العلو والرفعة، أي: ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله - - لأنه استفاده به.
والثاني: أي: هو الموصوف بالعلو والجلال عما يقع عليه أوهام الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ تَعْرُجُ ﴾ ليس عن هبوط يصعد ويعرج، لكن أنشأهم كذلك معروجين؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، أي: أنشأهم كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ ليس أنها كانت في موضع منحط فرفعها، لكنه كذلك خلقها مرفوعة؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ ، أي: أنشأهم كذلك ليستعملهم ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ .
ووجه آخر - وهو الأشبه بالآية -: وهو ما قالوا: إن الملائكة تعرج إليه؛ أي: إلى الموضع الذي منه أرسلهم إلى أنواع الأمور في يوم لو قدر ذلك العروج بعروج البشر وسيرهم، لكان مقدار خمسين ألف سنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، فيحتمل أن يكون هذا الوقت وقت تقدير عروج الملائكة وصعودهم، وهو أن البعض ينزل منهم، ثم يعرج في يوم واحد، مقدار ذلك المسير ألف عام، والبعض منهم ينزل ويعرج في يوم واحد مسيرة خمسين ألف سنة؛ فيكون في هذا إبانة أن ليس أهل سماء أحق أن يدور عليهم تدبير أهل الأرض من أهل سماء؛ بل ينزل أهل سماء إلى [أهل] الأرض مرة؛ لما يراد من تدبير، وينزل أهل سماء أخرى بتدبير آخر، ثم [من] أي سماء يرسل، فهو يصعد إلى تلك السماء [في] يوم واحد، إن أرسل من السماء السابعة أو السادسة أو الأولى، فهو يصعد إليها في ذلك اليوم، فيكون في هذا تبيين قوة بعض الملائكة على بعض: أن فيهم من يسير مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد، وفيهم من يسير مسيرة ألف سنة، ومن قدر على أن يخلق في خلق من خلائقه من القوة ما يقطع هذه المسافة في يوم واحد، لا يحتمل أن يعجزه شيء؛ فيكون في ذكر هذا تحقيق كون ما به هول أمر القيامة والبعث.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ راجعا إلى يوم القيامة، فذكر في موضع أن مقداره ألف سنة، وذكر هاهنا أن مقداره خمسين ألف سنة، والأصل أن ذلك اليوم ليس بذي حد ولا له غاية ينتهي إليها، فما يخبر من الحد فيه، فهو يخرج مخرج تعظيم ذلك اليوم؛ ليقع به التهويل والتقريع، فبأي شيء يعظم ذكره في القلوب [يذكره]؛ فمرة ذكره بالخلود، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، إذ هذه الأشياء مما يعظم [ذكرها] في القلوب، وكذلك الألف هي عظيمة في القلوب، فإذا كانت هذه الأشياء يعظم ذكرها في القلوب فذكر الشيء الواحد من الجملة أو ذكر الأشياء يقتضي معنى واحدا.
ومنهم من يصرف الألف إلى تقدير عروج الخلائق إلى السماء في ذلك اليوم، ويصرف قوله: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ إلى تقدير المقام للحساب قبل أن يدخلوا النار.
وجائز أن يكون تأويله على ما ذكره بعض أهل التفسير، وهو أن الله لو جعل حساب الخلق يومئذ إلى الخلق، فتكلفوا أن يفرغوا من حسابهم، لمن يفرغوا [منه] إلا في مقدار خمسين ألف سنة، لكن الله بلطفه يحاسبهم حسابا يفرغون منه في أدنى وقت حتى يصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار في النار؛ على ما جاء في الأخبار، وذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
فإن قيل في قوله - عز وجل -: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، أن كيف قدر ذلك بصعودنا، ونحن لم يمكن [لنا] من الصعود، ولم ننشأ على ما في طبعنا إنشاء الصعود حتى ننظر: أنه ألف سنة أو أقل أو أكثر.
وجوابه أن يقال: إن تأويله - والله أعلم -: أنه لو بسط ما بين السماء والأرض، وصار بحيث يمكن السير عليه، لم يقطع ذلك المسير إذا احتجنا إلى قطعه إلا بألف سنة مما تعدون.
وجائز أن يكون تأويله: أن لو جُعل لنا إلى السماء بابٌ، وفتح، وظللنا نعرج إليها لم نتوصل إليها إلا في ألف عام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾ ، قيل: الصبر الجميل هو صبر لا جزع فيه، والصبر الذي لا جزع فيه هو أن يصبر صبرا لا يرى عليه أثر الصبر، بألا يظهر في وجهه كراهة، ولا عبوسة، وهو أن ينظر إلى من آذاه بعين الرضا والشفقة، ليس بعين السخط والكراهة.
أو الصبر الجميل ألا يكافئهم، ولا يدع شفقته ورحمته [عليهم] بما يؤذونه، [وقد كان - - كذلك مشفقاً] بهم رحيما، حتى بلغت شفقته ورحمته وحزنه على كفار قومه مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، كما قال [الله] : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ ﴾ ، فالرسل - عليهم السلام - كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان أنفسهم بما أوذوا، بل كانوا يحزنون لمكان من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله ، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم؛ [ليس سوء] صنيعهم ومعاملتهم معهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾ ، أي: بعيدا أن يكون، فيكون على النفي والإنكار، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي؛ يقول الرجل في المناظرة لصاحبه: أبعدت في القول؛ إذا أجاب شيء لا ثبات له ولا صحة، فيريد بقوله: "أبعدت": النفي؛ أي: ليس كما تقول، وقال الله : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، ومعناه على [نفي النداء]؛ أي: لا ينادون.
أو أن يكون قوله: ﴿ بَعِيداً ﴾ أي: مستبعدا كونه، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه.
﴿ وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: قريبا كونه، إن كان معنى قوله: ﴿ بَعِيداً ﴾ أي: بعيدا كونه.
أو ﴿ وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم، وكل ما هو كائن فهو قريب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، فكأنهم سألوا رسول الله عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب متى وقته؟
فنزلت [هذه] الآية: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .
وقيل: المهل: عكر الزيت، وهو درديّه؛ فجائز أن يكون هذا على التحقيق، وهو أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون، فتحمر مرة، وتصفر أخرى؛ لشدة هول ذلك اليوم، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال.
وجائز ألا يحل بها التغير، ولكن شدة ما ينزل بالمرء من الهول والفزع يضعف بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه، وهو كما يرى المرء إذا حل به الضعف والمرض في الشاهد، ووجد طعم الأشياء على خلاف ما هي عليها؛ فيكون في ذكر هذا تهويل وتفزيع أن هول ذلك اليوم شديد لا تقوم لهوله السماوات والأرضون مع صلابتها وغلظها في نفسها، فكيف يقوم لهولها الآدمي الموصوف بالضعف واللين.
وجائز [أن تكون] على ما ذكرنا أنها تصير شبيهة بالمهل؛ للينها [ورخاوتها، وهو] أنها تلين وترخو من هول ذلك اليوم حتى تصير السماء كالمهل، والجبال كالعهن؛ فيكون في هذا - أيضا - تهويل؛ ليرجعوا عما هم عليه ويقبلوا على عبادة الله ، ويتسارعوا إلى طاعته.
وتأويل العهن، ووجه تشبيه الجبال بها يذكر بعد هذا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ قرئ برفع الياء ونصبها، فمن رفع الياء فتأويله: أي: لا يطلب حميم من حميم، ولا يؤخذ بمكانه كما يفعل مثله في الدنيا؛ لأن ذلك اليوم هو يوم العدل، وليس من العدل أن يؤخذ الغير بذنب الغير.
ومن قرأه بالنصب فتأويله: ألا يسأل حميم حميما من شدة ذلك اليوم وهوله النصرة والشفاعة.
أو لا يسأل عن حاله بما حل [به] من الشغل في نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ ﴾ يحتمل أن يُعَرَّف بعضهم عن بعض أن هذا أبوك وابنك وحميمك؛ إذ لا يعرفه إلا بالتعريف؛ لما حل به من شدة الهول والفزع، ثم إذا عرفوا لا يسألونهم؛ بل يفر بعضهم من بعض، كما قال : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ الآية [عبس: 34].
أو يكون معناه: أن يبصروا ما سبق منهم من الذنوب والأجرام، فيعرفونها، وتصير لهم حاضرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ففي هذا أنه يستقبلهم في ذلك هول وفزع لم يكن لهم بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ببالهم ذلك؛ لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته، وأخيه، وأقربائه، وجميع من في الأرض؛ فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ ليحمل الناس على الإنابة [إلى الله] والانتهاء عما نهاهم عنه.
ثم بدأ بذكر البنين والأقربين وأنهاه بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين؛ لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين، ويضن ببذل الأقربين فداء، فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق، وإذا كان كذلك فغاية التهويل والتفزيع أن يبدأ بذكر الأباعد، ويختم بذكر الأقارب، فكيف ابتدأ بذكر الأقربين؟
فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض إذا كان له عليهم ملك وكانوا بأجمعهم له، وإذا كانوا جميعا له ملكا، كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة أو أكثر، فكما يضن ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه [فداء]، فكذلك يضن بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له؛ فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى، ولكنه ذكر الآحاد أولا، ثم ذكر الجماعة ثم ذكر جماعة الجماعة؛ ليعلموا ألا ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين ودوا الفداء؛ ليتخلصوا من عذاب الله لا يشتد عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُنجِيهِ ﴾ رد وتنبيه ألا ينجيه ذلك اليوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ ﴾ الآية، فاللظى: اسم من أسماء النار، والشوى: قيل: [هي] مكارم خلقه.
وقيل: هي القوائم والأطراف.
وقيل: هي الجلود.
والأصل أن نار جهنم تعمل على أصحابها كل قبيح وكل مستشنع مستفظع، فإن شئت صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم خلقه الأخلاق؛ لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ فقيل في تأويل المطهرة وجوه.
إحداها: أنهن مطهرات من العيوب والآفات، [وجملته]: أنه ما من شيء يستحسن ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستشنع ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ فجائز أن يكون الدعاء منها على التحقيق، وهو أن يجعل الله [لها] باللطف لسانا تدعو به، أو يخلق فيها الكلام من غير لسان، فتقول: إليّ، إليّ.
وجائز أن يكون [هذا] على التمثيل، وهو أنها لا تدع أحدا يفر عنها، ويتخلص من عذابها، فكأنها دعته إلى نفسها.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: من كان أدبر في الدنيا [عن] طاعة الله ، وتولى عن الإجابة لرسله؛ كقوله : ﴿ تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أي: أعرض.
أو أدبر عن توحيده، وتولى عن النظر في حجته، وفيما جاء من عنده.
ويحتمل قوله: ﴿ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: أدبر عن طاعة الله - عز وجل -، ﴿ وَتَوَلَّىٰ ﴾ أي: تولى الشيطان، من الولاية.
وجائز أن يكون أدبر في جهنم، فيدبر رجاء أن يفر عنها، ويتولى؛ فلا تدعه النار ليفر؛ بل تغشاه عن الإعراض، كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ ، ولكن هذا قريب من الأول؛ لأن من تولى عن ذكر الله فقد تولى الشيطان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ ﴾ يخبر بقوله: ﴿ وَجَمَعَ ﴾ عمَّا جبل عليه من شدة الحرص على الدنيا؛ فيكون الجمع كناية عن الحرص، فبلغ به هذا الحرص مبلغا أنساه ذكر الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْعَىٰ ﴾ فيه بيان صفته فيما عليه من النهاية في البخل، فيكون الإيعاء كناية عن البخل حتى لم يؤد حق الله في ماله، أو لم يقم بشكر ما لله من النعم، أو بلغ به البخل مبلغا منعه ذلك عن قبول حق الله في ماله.
<div class="verse-tafsir"
للكافرين بالله، ليس لهذا العذاب من يرده.
<div class="verse-tafsir" id="91.QR6gW"