الآية ٣١ من سورة المعارج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 70 المعارج > الآية ٣١ من سورة المعارج

فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة المعارج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة المعارج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقد تقدم تفسير ذلك في أول سورة ( قد أفلح المؤمنون ) بما أغنى عني إعادته ها هنا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته، أو ملك يمينه، ففاعلو ذلك هم العادون، الذي عدوا ما أحل الله لهم إلى ما حرّم عليهم فهم الملومون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون تقدم القول فيه في سورة " قد أفلح المؤمنون " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } أي: غير الزوجة وملك اليمين، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } أي: المتجاوزون ما أحل الله إلى ما حرم الله، ودلت هذه الآية على تحريم [نكاح] المتعة، لكونها غير زوجة مقصودة، ولا ملك يمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون» المتجاوزون الحلال إلى الحرام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فأولئك هم المتجاوزون الحلال إلى الحرام.

والذين هم حافظون لأمانات الله، وأمانات العباد، وحافظون لعهودهم مع الله تعالى ومع العباد، والذين يؤدُّون شهاداتهم بالحق دون تغيير أو كتمان، والذين يحافظون على أداء الصلاة ولا يخلُّون بشيء من واجباتها.

أولئك المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة مستقرُّون في جنات النعيم، مكرمون فيها بكل أنواع التكريم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ ) اى : فمن طلب خلاف ذلك الذى أحله - سبحانه - .

( فأولئك هُمُ العادون ) أى : فأولئك هم المعتدون المتجاوزون حدود خالقهم ، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه .يقال : عدا فلان الشئ يعدوه عَدْواً ، إذا جاوزوه وتركه .

أى : أنهم تجاوزوا الحلال وتركوه خلف ظهورهم ، واتجهوا ناحية الحرام فولغوا فيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقد مر تفسيره في سورة المؤمنين.

وسادسها قوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أريد بالإنسان الناس؛ فلذلك استثنى منه إلا المصلين.

والهلع: سرعة الجزع عند مسّ المكروه وسرعة المنع عند مسّ الخير، من قولهم: ناقة هلواع سريعة السير.

وعن أحمد بن يحيى، قال لي محمد بن عبد اللَّه بن طاهر: ما الهلع؟

فقلت: قد فسره اللَّه، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدّة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس والخير: المال والغنى؛ والشرّ: الفقر.

أو الصحة والمرض: إذا صحّ الغني منع المعروف وشحّ بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي.

والمعنى: أن الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه، كأنه مجبول عليهما مطبوع، وكأنه أمر خلقي وضروري غير اختياري، كقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ [الأنبياء: 37] والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ولأنه ذمّ والله لا يذمّ فعله، والدليل عليه: استثناء المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم وحملوها على المكاره وظلّفوها عن الشهوات، حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «شرّ ما أعطي ابن آدم شحّ هالع وجبن خالع» فإن قلت: كيف قال: ﴿ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ ثم على صلاتهم يحافظون؟

قلت: معنى دوامهم عليها أن يواظبوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل العمل أدومه وإن قلّ» وقول عائشة: كان عمله ديمة.

ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسنتها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع إلى أنفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها ﴿ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾ هو الزكاة، لأنها مقدرة معلومة؛ أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة.

السائل: الذي يسأل ﴿ والمحروم ﴾ الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنياً فيحرم ﴿ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين ﴾ تصديقاً بأعمالهم واستعدادهم له، ويشفقون من عذاب ربهم، واعترض بقوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الطاعة والاجتهاد أن يأمنه.

وينبغي أن يكون مترجحاً بين الخوف والرجاء.

قرئ: ﴿ بشهادتهم ﴾ ﴿ وبشهاداتهم ﴾ والشهادة من جملة الأمانات.

وخصها من بينها إبانة لفضلها، لأنّ في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها.

وفي زيها: تضييعها وإبطالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ خائِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ.

﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ اعْتِراضٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَ عَذابَ اللَّهِ وإنْ بالَغَ في طاعَتِهِ.

﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «المُؤْمِنِينَ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَنِ ابتغى} طلب منكحاً {وَرَآءَ ذلك} أي غير الزوجات والمملوكات {فأولئك هُمُ العادون} المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والاستمناء بالكف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ.

وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ  إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: كَلَّا أي حقاً لا ينجيه، وإن فادى جميع الخلق، ولا يفادي نفسه وقال أهل اللغة: كَلَّا ردع وتنبيه يعني: لا يكون كما تمنى.

ثم استأنف الكلام، فقال: كَلَّا إِنَّها لَظى يعني: النار والعقوبة لَظى اسم من أسماء النار.

نَزَّاعَةً لِلشَّوى يعني: قلاعة للأعضاء ويقال: حراقة للأعضاء والجسد.

وقال القتبي الشوى: جلود الرأس وأحدها شواة، ويعني: أن النار تنزع جلود الرأس.

وعن أبي صالح قال: نَزَّاعَةً لِلشَّوى أطراف اليدين والرجلين وقال مقاتل: يعني: تنزع النار الهامة والأطراف.

قرأ عاصم في رواية حفص: نَزَّاعَةً نصباً على الحال، والباقون بالضم يعني: إنها نزاعة للشوى.

تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى يعني: لظى تدعو إلى نفسه، تنادي من أعرض عن التوحيد وأعرض عن الإيمان ويقال: إن لظى تنادي وتقول: أيها الكافر تعال إلي، فإن مستقرك فيّ.

وتقول: أيها المنافق تعال إلي، فإن مستقرك فيّ.

فذلك قوله: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ثم قال: وَجَمَعَ فَأَوْعى يعني: جمع المال ومنع حق الله تعالى.

قال مقاتل: فَأَوْعى يعني: فأمسكه، فلم يؤد حق الله تعالى.

ثم قال: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً يعني: حريصاً ضجوراً بخيلاً ممسكاً فخوراً، وقال القتبي: هَلُوعاً يعني: شديد الجزع.

يقال: ناقة هلوع، إذا كانت شديدة النفس.

إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ يعني: الفقر.

جَزُوعاً يعني: لا يصبر على الشدة.

وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً يعني: إذا أصابه الغنى يمنع حق الله تعالى.

إِلَّا الْمُصَلِّينَ، فإنهم ليسوا هكذا، وهم يؤدون حق الله تعالى.

الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ يعني: يحافظون على الصلوات.

وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ يعني: معروفاً لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ يعني: للسائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي لا يشهد الغنيمة ولا يسهم له.

وروى وكيع، عن سفيان، عن قيس، عن محمد بن الحسن قال: بعث النبيّ  سرية، ففتحت، فجاء آخرون بعد ذلك، فنزل وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.

وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ يعني: بيوم الحساب.

وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ يعني: خائفين.

إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ يعني: لم يأت لأحد الأمان من عذاب الله تعالى ويقال: لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.

ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وقد ذكرناه.

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ يعني: الأمانات التي فيما بينهم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينهم وبين الله تعالى.

والأمانات والعهد التي بينهم وبين الناس حافظون.

وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ يعني: يؤدون الشهادة عند الحاكم، ولا يكتمونها إذا دعوا إليها، فيؤدون الشهادة على الوجه الذي علموها وحملوها.

قرأ عاصم في رواية حفص، وأبو عمرو في إحدى الروايتين بِشَهاداتِهِمْ وهو جمع الشهادة، والباقون بشهادتهم وهي شهادة واحدة وإنما تقع على الجنس.

ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ يعني: يداومون عليها ويحافظون عليها في مواقيتها.

أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ يعني: أهل هذه الصفة، في جنات مكرمون بثواب من الله تعالى بالتحف والهدايا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والهَلَعُ فَزَعٌ واضْطِرَابٌ يعتري الإنسانَ عندَ المخاوفِ وعندَ المطامع.

وقوله تعالى: إِذا مَسَّهُ ...

الآية، مفسّر للهلع.

وقوله تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ أي: إلا المؤمنينَ الذين أمْرُ الآخِرَةِ عليهم أوْكَدُ مِنْ أمْرِ الدنيا، والمعنى أن هذَا المعنى فِيهم يَقِلُّ لأنهم يُجَاهِدُونَه بالتقوى.

وقوله: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أي: مواظبون، وقد قال ع «أَحَبُّ العَمَلِ إلَى اللَّه مَا دَامَ عليه صاحبُه» .

ت: وقد تقدم في سورةِ «قَدْ أَفْلَحَ» ما جَاءَ في الخشوعِ، قَالَ الغزاليُّ: فَيَنْبَغِي لك أنْ تفهمَ ما تقرؤه في صلاتِك ولاَ تَغْفُلَ في قراءَتِك عن أمْرِه «١» سبحانَه، ونهيه، وَوَعْدِه، وَوَعِيده، ومواعظِه وأخبارِ أنبيائِه، وذِكْرِ مِنَّتِه وإحْسَانِه، فلكلِّ واحدٍ حَقٌّ فالرجَاءُ حق الوَعْدِ، والخَوْفُ حقُّ الوعيد، والعَزْمُ حق الأمْرِ والنّهي، والإتِّعاظُ حقُّ الموعِظَة، والشكرُ حقُّ ذكر المِنَّةِ، والاعتبارُ حق ذِكْر أخبارِ الأنبياء، قال الغزالي: وتكونُ هذه المعاني بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الفَهْمِ، ويكونُ الفَهْمُ بِحَسَبِ وُفُورِ العلمِ.

وصَفَاءِ القلب، ودَرَجَاتُ ذلكَ لاَ تَنْحَصِرُ، فهذا حقُّ القراءةِ وهُوَ حَقُّ الأَذْكَارِ، والتسبيحاتِ أيضاً، ثم يُرَاعى الهيئةَ في/ القراءةِ، فيرتِّلُ ولا يَسْرُدُ فإن ذلك أيْسَرُ للتأمُّلِ، ويُفَرِّقُ بَيْن نَغْمَاتِه في آياتِ الرحمةِ وآياتِ العذاب، والوعد والوعيد، والتحميدِ والتعظيمِ، انتهى من «الإحياء» ، ورَوَى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا ابن لَهِيعَةَ عن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ أنَّ أبا الخَيْرِ حدَّثَهُ قال: سَأَلْنَا عقبةَ بنَ عامرٍ الجهنيّ عن قوله- عز وجل-:

الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أهُمُ الذين يصلُّون أبَداً؟

قال: لا، ولكنَّه الذي إذا صلى لم يلتفتْ عن يمينهِ، ولا عن شماله، ولا خلفه «٢» ، انتهى.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قال ابن عباس وغيره: هذه الآيةُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِهِ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ.

وفي الهَلُوعِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَوْصُوفُ بِما يَلِي هَذِهِ الآيَةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَرِيصُ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: البَخِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الشَّحِيحُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: الشَّرِهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والسّادِسُ: الضَّجُورُ، قالَهُ عِكْرَمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

والسّابِعُ: الشَّدِيدُ الجَزِعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ أيْ: أصابَهُ الفَقْرُ "جَزُوعًا" لا يَصْبِرُ، ولا يَحْتَسِبُ "وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ" أصابَهُ المالُ "مَنُوعًا" بِمَنعِهِ مِن حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "إلّا المُصَلِّينَ" وهم أهْلُ الإيمانِ بِاللَّهِ.

وإنَّما اسْتَثْنى الجَمْعَ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسِ "الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ" وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُحافِظُونَ عَلى المَكْتُوباتِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ عَنْ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ في الصَّلاةِ، قالَهُ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: ويَكُونُ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدّائِمِ، وهو السّاكِنُ، كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ «أنَّهُ نَهى عَنِ البَوْلِ في الماءِ الدّائِمِ.» والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ فِعْلَ التَّطَوُّعِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في [الذّارِياتِ: ١٩] وبَيَّنّا مَعْنى "يَوْمَ الدِّينِ" في "الفاتِحَةِ" .

وما بَعْدَ هَذا قَدْ شَرَحْناهُ في [المُؤْمِنِينَ: ٧ ٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأماناتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "لِأمانَتِهِمْ"، ﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بِشَهادَتِهِمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "بِشَهاداتِهِمْ" جَمْعًا ﴿ قائِمُونَ ﴾ أيْ: يَقُومُونَ فِيها بِالحَقِّ ولا يَكْتُمُونَها ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الكُفّارِ جَلَسُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  يَسْتَهْزِؤُونَ بِالقُرْآنِ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمُهْطِعُ: المُقْبِلُ بِبَصَرِهِ عَلى الشَّيْءِ لا يُزايِلُهُ، وكانُوا يَنْظُرُونَ إلى النَّبِيِّ نَظَرَ عَداوَةٍ.

وقَدْ سَبَقَ الخِلافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ  ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: العِزُونَ: الحِلَقُ، الجَماعاتُ، واحِدَتُها: عِزَةٌ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيِّ  فَيَقُولُونَ: إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ، كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ  فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "أنْ يَدْخُلَ" بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الخاءِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، مِثْلُ ثُبَةٍ، وثُبِينَ، فَهي جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، فالمَعْنى: لا يَسْتَوْجِبُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِما يَدَّعِيهِ مِنَ الشَّرَفِ عَلى غَيْرِهِ، إذِ الأصْلُ واحِدٌ، وإنَّما يَسْتَوْجِبُها بِالطّاعَةِ.

والثّانِي: إنّا خَلَقْناهم مِن أقْذارٍ.

فَبِماذا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولَمْ يُؤْمِنُوا؟!

وقَدْ رَوى بِشْرُ بْنُ جِحاشٍ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ ثُمَّ بَزَقَ، قالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنّى تُعْجِزُنِي، وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ؟!

حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ، وعَدَّلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، ولِلْأرْضِ مِنكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ، ومَنَعْتَ، حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ: أتَصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصَّدَقَةِ؟!

.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ في [الحاقَّةِ: ٣٨] والمُرادُ بِالمَشارِقِ، والمَغارِبِ: شَرْقُ كُلِّ يَوْمٍ ومَغْرِبُهُ "إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ" أيْ: نَخْلُقُ أمْثَلَ مِنهُمْ، وأطْوَعَ لِلَّهِ حِينَ عَصَوْا ﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الواقِعَةِ: ٦٠] ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمْ ﴿ وَيَلْعَبُوا ﴾ أيْ: يَلْهُوا في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَلْقَوْا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، مَعْناهُ الوَعِيدِ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وإذا قُلْنا: إنَّهُ وعِيدٌ بِلِقاءِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا وجْهَ لِلنَّسْخِ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ كَأنَّهم يَسْتَبِقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو واحِدُ الأنْصابِ، وهي آلِهَتُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: كَأنَّهم إلى آلِهَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها يُسْرِعُونَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، وهي في مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ مَصْدَرٌ.

كَقَوْلِ القائِلِ: نَصَبْتُ الشَّيْءَ أنْصِبُهُ نَصْبًا.

قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: كَأنَّهم إلى شَيْءٍ مَنصُوبٍ يُسْرِعُونَ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَأْوِيلُهُ: كَأنَّهم إلى صَنَمٍ مَنصُوبٍ يُسْرِعُونَ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وَأبُو مِجْلَزٍ، والنَّخَعِيُّ "نُصْبٍ" بِرَفْعِ النُّونِ، وإسْكانِ الصّادِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "إلى نَصَبٍ" بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ جَمِيعًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّصُبُ: حَجَرٌ يُنْصَبُ أوْ صَنَمٌ، يُقالُ: نَصْبٌ، ونُصْبٌ، ونُصُبٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: النَّصْبُ والنُّصْبُ واحِدٌ، وهو مَصْدَرٌ، والجَمْعُ: الأنْصابُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ، والنُّصُبُ: العَلَمُ المَنصُوبُ.

قالَ الفَرّاءُ: والإيفاضُ: الإسْراعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو ابْنُ دِينارٍ "ذِلَّةُ ذَلِكَ اليَوْمِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبِخَفْضِ المِيمِ.

وباقِي السُّورَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المَعارِجِ: ٤٢] .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وقَوْمٌ: "الحَقُّ المَعْلُومُ" هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الحُقُوقِ الَّتِي سِوى الزَكاةِ، وهي ما نَدَبَتِ الشَرِيعَةُ إلَيْهِ مِنَ المُواساةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ عُمَرَ، والثَعْلَبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَكاةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصَحُّ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ وبَيانُها إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ.

و"السائِلُ": المُتَكَفِّفُ، "والمَحْرُومُ": الَّذِي قَدْ ثَبَتَ فَقْرُهُ ولَمْ تَنْجَحْ سِعايَتُهُ لِدُنْياهُ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: هو الَّذِي لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَحْرُومُ مَنِ احْتَرَقَ زَرَعَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المَحْرُومُ مَن ماتَتْ ماشِيَتِهِ.

وهَذِهِ أنْواع الحِرْمانِ، لا أنَّ الِاسْمَ يَسْتَلْزِمُ هَذا خاصَّةً.

وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَحْرُومُ: الكَلْبُ، أرادَ، واللهُ أعْلَمُ، أنْ يُعْطِيَ مِثالًا مِنَ الحَيَوانِ ذِي الكَبِدِ الرَطْبَةِ لِما فِيهِ مِنَ الأجْرِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ وهو ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً سَألْتُ عنهُ وأنا غُلامٌ فَما وجَدْتُ شِفاءً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَرْحَمُ اللهُ الشَعْبِيَّ فَإنَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَحْرُومٌ، ولَوْ أخَذَهُ اسْمُ جِنْسِ فِيمَن عَسَرَتْ مَطالِبُهُ بِأنَّ لَهُ، وإنَّما كانَ يَطْلُبُهُ نَوْعًا مَخْصُوصًا كالسائِلِ.

و"يَوْمَ الدِينِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، والدِينُ: الجَزاءُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "كَما تَدِينُ تُدانُ".

ومِنهُ قَوْلُ الفَنَدِ الزَمانِيِّ: ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا و"الإشْفاقُ" الخَوْفُ مِن أمْرٍ يُتَوَقَّعُ؛ لِأنَّ نَيْلَ عَذابِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَوَقَّعٌ، والأكْثَرُ ناجٍ بِحَمْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، لَكِنَّ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَأْمَنُهُ إلّا مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ.

وُ"الفُرُوجُ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الفُرُوجُ المَعْرُوفَةُ، والمَعْنى: "يَحْفَظُونَها" مِنَ الزِنى، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أرادَ فَرُوجَ الثِيابِ، وإلى مَعْنى الوَطْءِ يَعُودُ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الوَطْءَ الَّذِي أباحَهُ الشَرْعُ في الزَوْجاتِ والمَمْلُوكاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ ﴾ ، حَسَنٌ دُخُولُ "عَلى" في هَذا المَوْضُوعِ قَوْلُهُ تَعالى: "غَيْرُ مَلُومِينَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا أنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ابْتَغى" مَعْناهُ: طَلَبَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَراءَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: سِوى ما ذَكَرَ، كَأنَّهُ أمْرٌ قَدْ حُدَّ فِيهِ حَدٌّ فَمَن طَلَبَ بُغْيَتَهُ وراءَ الحَدِّ فَهو كَمُسْتَقْبَلٍ حُدَّ في الأجْرامِ وهو يَتَعَدّى وراءَهُ أيْ: خَلْفَهُ، و"العادُونَ": الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ الأشْياءِ الَّتِي لَها حُدُودٌ، كانَ ذَلِكَ في الأجْرامِ أو في المَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استثناء منقطع ناشئ عن الوعيد المبتدأ به من قوله: ﴿ يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ﴾ [المعارج: 11] الآية.

فالمعنى على الاستدراك.

والتقدير: لكن المصلين الموصوفين بكَيْت وكَيْتتِ أولئك في جنات مكرمون.

فجملة ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ حيث وقعت بعد ﴿ إلاَّ ﴾ المنقطعة وهي بمعنى (لكنَّ) فلها حكم الجملة المخبر بها عن اسم (لكنَّ) المشددة أو عن المبتدأ الواقع بعد (لكنْ) المخففة وهو ما حققه الدماميني، وإن كان ابن هشام رأى عدّ الجملة بعد الاستثناء المنقطع في عداد الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب.

والكلام استئناف بياني لمقابلة أحوال المؤمنين بأحوال الكافرين، ووعدهم بوعيدهم على عادة القرآن في أمثال هذه المقابلة.

وهذه صفات ثمان هي من شعار المسلمين، فعدل عن إحضارهم بوصف المسلمين إلى تعداد خصال من خصالهم إطناباً في الثناء عليهم لأن مقام الثناء مقام إطناب، وتنبيهاً على أن كلّ صلة من هذه الصلات الثمان هي من أسباب الكون في الجنات.

وهذه الصفات لا يشاركهم المشركون في معظمها بالمرة، وبعضها قد يتصف به المشركون ولكنهم لا يراعونه حق مراعاته باطراد، وذلك حفظ الأمانات والعهد، فالمشرك يحفظ الأمانة والعهد اتقاء مذمة الخيانة والغدْر، ومع أحلافه دون أعدائِه، والمشرك يشهد بالصدق إذا لم يكن له هوى في الكذب، وإذا خشي أن يوصم بالكذب.

وقد غدر المشركون بالمسلمين في عدة حوادث، وغدر بعضهم بعضاً، فلو علم المشرك أنه لا يطلع على كذبه وكان له هوى لم يؤد الشهادة.

ولما كان وصف ﴿ المصلين ﴾ غلب على المسلمين كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ ما سلككم في سقَر قالوا لم نك من المصلين ﴾ الآية [المدثر: 42، 43]، أتبع وصف المصلين في الآية هذه بوصف ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ أي مواظبون على صلاتهم لا يتخلفون عن أدائها ولا يتركونها.

والدوام على الشيء: عدم تركه، وذلك في كل عمل بحسب ما يعتبر دواماً فيه، كما تقرر في أصول الفقه في مسألة إفادة الأمر التكرار.

وفي إضافة (صلاة) إلى ضمير ﴿ المصلين ﴾ تنويه باختصاصها بهم، وهذا الوصف للمسلمين مُقابل وصف الكافرين في قوله: ﴿ بعذاب واقع للكافرين ﴾ [المعارج: 1، 2].

ومجيء الصلة جملةً اسمية دون أن يقال: الذين يدومون، لقصد إفادتها الثبات تقوية كمفاد الدوام.

وإعادة اسم الموصول مع الصِّلات المعطوفة على قوله ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ لمزيد العناية بأصحاب تلك الصِّلات.

وتسمية ما يعطونه من أموالهم من الصدقات باسم ﴿ حق ﴾ للإِشارة إلى أنهم جعلوا السائل والمحروم كالشركاء لهم في أموالهم من فرط رغبتهم في مواساة إخوانهم إذ لم تكن الصدقة يومئذٍ واجبة ولم تكن الزكاة قد فرضت.

ومعنى كون الحق معلوماً أنه يعلمه كل واحد منهم ويحسبونه، ويعلمه السائل والمحروم بما اعتاد منهم.

ومجيء الصلة جملة اسمية لإِفادة ثبات هذه الخصلة فيهم وتمكنها منهم دفعاً لتوهم الشح في بعض الأحيان لما هو معروف بين غالب الناس من معاودة الشحّ للنفوس.

والسائل: هو المستعطي، و ﴿ المحروم ﴾ : الذي لا يَسأل الناس تعففاً مع احتياجه فلا يتفطن له كثير من الناس فيبقى كالمحروم.

وأصل المحروم: الممنوع من مرغوبه، وتقدم في سورة الذاريات (19) في قوله: ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم.

وهذه الصفة للمؤمنين مضادة صفة الكافرين المتقدمة في قوله: وجمَع فأوعَى ﴾ [المعارج: 18].

والتصديق بيوم الدين هو الإِيمان بوقوع البعث والجزاءِ، و ﴿ الدينُ ﴾ : الجزاء.

وهذا الوصف مقابل وصف الكافرين بقوله: ﴿ إنهم يرونه بعيداً ﴾ [المعارج: 6].

ولما كان التصديق من عمل القلب لم يتصور أن يكون فيه تفاوت أُتي بالجملة الفعلية على الأصل في صلة الموصول، وأوثر فيها الفعل المضارع لدلالته على الاستمرار.

ووصفهم بأنهم ﴿ من عذاب ربهم مشفقون ﴾ مقابل قوله في حق الكافرين ﴿ سال سائل بعذاب واقع للكافرين ﴾ [المعارج: 1، 2] لأن سؤالهم سؤال مستخف بذلك ومحيله.

والإِشفاق: توقع حصول المكروه وأخذُ الحذر منه.

وصوغ الصلة بالجملة الاسمية لتحقيق وثبات اتصافهم بهذا الإِشفاق لأنه من المغيبات، فمن شأن كثير من الناس التردد فيه.

وجملة ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ معترضة، أي غير مأمون لهم، وهذا تعريض بزعم المشركين الأمْنَ منه إذ قالوا: ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ [الشعراء: 138].

ووصفُهم بأنهم ﴿ لفروجهم حافظون ﴾ مقابل قوله في تهويل حال المشركين يوم الجزاء بقوله: ﴿ ولا يَسْأل حميم حميماً ﴾ [المعارج: 10] إذ أخص الأحِمَّاء بالرجل زوجه، فقصد التعريض بالمشركين بأن هذا الهول خاص بهم بخلاف المسلمين فإنهم هم وأزواجهم يحبرون لأنهم اتقوا الله في العفة عن غير الأزواج، قال تعالى: ﴿ الأخلاَّءُ يومئذٍ بعضهم لبعض عدوّ إلاّ المتقين ﴾ [الزخرف: 67].

وتقدم نظير هذا في سورة المؤمنين، أي ليس في المسلمين سفاح ولا زنا ولا مخالّة ولا بغاء، ولذلك عقب بالتفريع بقوله: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون.

والعادي: المفسد، أي هم الذين أفسدوا فاختلطت أنسابهم وتطرقت الشكوك إلى حصانة نسائهم، ودخلت الفوضى في نظم عائلاتهم، ونشأت بينهم الإِحن من الغيرة.

وذكرُ رعي الأمانات والعهد لمناسبة وصف ما يودّ الكافر يوم الجزاء أن يفتديه من العذاب بفصيلته التي تؤويه فيذهب منه رعي العهود التي يجب الوفاء بها للقبيلة.

وحسبك من تشويه حاله أنه قد نكث العهود التي كانت عليه لقومه من الدفاع عن حقيقتهم بنفسه وكان يفديهم بنفسه، والمسلم لما كان يرعى العهد بما يمليه عليه دينه جازاه الله بأن دفع عنه خزي ودادة فدائه نفسه بمواليه وأهل عهده.

والقول في اسمية الصلة كالقول في الذي قبله.

والرعي: الحفظ والحراسة.

وأصله رعي الغنم والإِبل.

وقرأ الجمهور لأماناتهم } بصيغة الجمع.

وقرأه ابن كثير ﴿ لأمانتهم ﴾ بالإِفراد والمراد الجنس.

وقوله: ﴿ والذين هم بشهادتهم قائمون ﴾ ذكر لمناسبة ذكر رعي الأمانات إذ الشهادة من جملة الأمانات لأن حق المشهود له وديعة في حفظ الشاهد فإذا أدى شهادته فكأنه أدى أمانة لصاحب الحق المشهود له كانت في حفظ الشاهد.

ولذلك كان أداء الشهادة إذا طولب به الشاهد واجباً عليه، قال تعالى: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا ﴾ [البقرة: 282].

والقيام بالشهادة: الاهتمام بها وحفظها إلى أن تؤدى، وهذا قيام مجازي كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في سورة البقرة (3).

وباء بشهادتهم} للمصاحبة، أي يقومون مصاحبين للشهادة ويصير معنى الباء في الاستعارة معنى التعدية.

فذكر القيام بالشهادة إتمام لخصال أهل الإِسلام فلا يتطلب له مقابل من خصال أهل الشرك المذكورة فيما تقدم.

والقول في اسمية جملة الصلة للغرض الذي تقدم لأن أداء الشهادة يشق على الناس إذ قد يكون المشهود عليه قريباً أو صديقاً، وقد تثير الشهادة على المرء إِحْنَة منه وعداوة.

وقرأ الجمهور ﴿ بشهادتهم ﴾ بصيغة الإِفراد، وهو اسم جنس يعم جميع الشهادات التي تحملوها.

وقرأ حفص ويعقوب ﴿ بشهاداتهم ﴾ بصيغة الجمع.

وذلك على اعتبار جمع المضاف إليه.

وقوله: ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ ثناء عليهم بعنايتهم بالصلاة من أن يعتريها شيء يخل بكمالها، لأن مادة المفاعلة هنا للمبالغة في الحفظ مثل: عافاه الله، وقاتله الله، فالمحافظة راجعة إلى استكمال أركان الصلاة وشروطها وأوقاتها.

وإيثار الفعل المضارع لإِفادة تجدد ذلك الحفاظ وعدم التهاون به، وبذلك تعلم أن هذه الجملة ليست مجرد تأكيد لجملة ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ بل فيها زيادة معنى مع حصول الغرض من التأكيد بإعادة ما يفيد عنايتهم بالصلاة في كلتا الجملتين.

وفي الأخبار النبوية أخبار كثيرة عن فضيلة الصلاة، وأن الصلوات تكفر الذنوب كحديث «مَا يُدريكم ما بَلَغتْ به صلاته» وقد حصل بين أخرى هذه الصلات وبين أولاها محسن رد العجز على الصدر.

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ يفيد تقوية الخبر مع إفادة التجدد من الفعل المضارع.

ولما أُجريت عليهم هذه الصفات الجليلة أخبر عن جزائهم عليها بأنهم مُكرمون في الجنة.

وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإشارة من أجْل ما سبَق قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5).

والإِكرام: التعظيم وحسن اللقاء، أي هم مع جزائهم بنعيم الجنات يكرمون بحسن اللقاء والثناء، قال تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 23، 24] وقال ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72].

وهذا يقتضي أن يكون قوله: ﴿ في جنات ﴾ خبراً عن اسم الإِشارة وقوله ﴿ مكرمون ﴾ خبراً ثانياً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ قالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي الكافِرَ.

وَفي الهَلُوعِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ البَخِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الحَرِيصُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: الضَّجُورُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: الضَّعِيفُ، رَواهُ أبُو الغِياثِ.

الخامِسُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الجَزَعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي قالَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ، وهو مَعْنى قَوْلِ عَطِيَّةَ.

الثّانِي: إذا اسْتَغْنى مَنعَ حَقَّ اللَّهِ وشَحَّ، وإذا افْتَقَرَ سَألَ وألَحَّ، وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلامٍ.

﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُحافِظُونَ عَلى مَواقِيتِ الفَرْضِ مِنها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: يُكْثِرُونَ فِعْلَ التَّطَوُّعِ مِنها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: لا يَلْتَفِتُونَ فِيها، قالَهُ عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ.

﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأمانَةَ ما ائْتَمَنَهُ النّاسُ عَلَيْهِ أنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِمْ، والعَهْدُ: ما عاهَدَ النّاسُ عَلَيْهِ أنْ يَفِيَ لَهم بِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: أنَّ الأمانَةَ الزَّكاةُ أنْ يُؤَدِّيَها، والعَهْدُ: الجَنابَةُ أنْ يَغْتَسِلَ مِنها وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الأمانَةَ ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ المَحْظُوراتِ، والعَهْدُ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ المَفْرُوضاتِ.

﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها شَهادَتُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالبَلاغِ، وعَلى أُمَمِهِمْ بِالقَبُولِ أوِ الِامْتِناعِ.

الثّانِي: أنَّها الشَّهاداتُ في حِفْظِ الحُقُوقِ بِالدُّخُولِ فِيها عِنْدَ التَّحَمُّلِ، والقِيامِ بِها عِنْدَ الأداءِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُمُ إذا شاهَدُوا أمْرًا أقامُوا الحَقَّ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ، مِن مَعْرُوفٍ يَفْعَلُونَهُ ويَأْمُرُونَ بِهِ، ومُنْكَرٍ يَجْتَنِبُونَهُ ويَنْهَوْنَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الهلوع فقال: هو كما قال الله: ﴿ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ فهو الهلوع.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ إن الإِنسان خلق هلوعاً ﴾ قال: ضجوراً جزوعاً نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت بشر بن أبي حازم وهو يقول: لا مانعاً لليتيم بخلقه ** ولا مكباً بخلقه هلعاً وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ إن الإِنسان خلق هلوعاً ﴾ قال: اقرأ ما بعدها، فقرأ ﴿ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ قال: هكذا خلق.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ هلوعاً ﴾ قال: شحيحاً جزوعاً.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الضجر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ هلوعاً ﴾ قال: جزوعاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الشره.

وأخرج ابن المنذر عن حصين بن عبد الرحمن ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الحريص.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الذي لا يشبع من جمع المال.

وأخرج الديلمي عن عليّ مرفوعاً يكتب أنين المريض، فإن كان صابراً كان أنينه حسنات، وإن كان جزوعاً كتب هلوعاً لا أجر له.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: ذكر لنا أن دانيال نعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما أغرقوا، أو عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة.

قال قتادة: فعليكم بالصلاة فإنها خلق من خلق المؤمنين حسن.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: الصلاة المكتوبة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: على مواقيتها.

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمران بن حصين رضي الله عنه ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: الذي لا يلتفت في صلاته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا.

وأخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟

قلنا الذين لا يزالون يصلون، فقال: لا، ولكن الذين إذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال.

وأخرج ابن حبان عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» قالت: وكان أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه وإن قل، وكان إذا صلى صلاة دام عليها.

قال أبو سلمة رضي الله عنه: قال الله: ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين في أموالهم حق معلوم ﴾ قال: كانوا إذا خرجت الأعطية أعطوا منها.

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: ينظرون ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: الغضب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: عامدين ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: فرقاً حول نبي الله لا يرغبون في كتاب الله ولا ذكره.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: منطلقين ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: متفرقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون: ما يقول هذا الرجل؟

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: الحلق الرفاق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عبيد بن الأحوص وهو يقول: فجاؤوا مهرعين إليه حتى ** يكونوا حول منبره عزين وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال ﴾ قال: عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله ﴿ عزين ﴾ قال: مجالس محتبين نفر قليل قليل.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ عزين ﴾ قال: الحلق المجالس.

وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن أنس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ حلقاً حلق الجاهلية، قعد رجل خلف أخيه» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ونحن حلق متفرقون فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس حلقاً حلقاً فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة ﴾ برفع الياء.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي معمر أنه قرأ ﴿ أن يدخل ﴾ بنصب الياء ورفع الخاء.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ﴾ قال: كلا لست فاعلاً، ثم ذكر خلقهم فقال: ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ يعني النطفة التي خلق منها البشر.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ قال: إنما خلقت من قذر يا ابن آدم فاتق الله.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن بشير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ إلى قوله: ﴿ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ ثم بزق رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفه، ووضع عليها إصبعه، وقال: «يقول الله ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب ﴾ قال: للشمس كل يوم مطلع.

تطلع فيه ومغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس، وغير مغربها بالأمس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ برب المشارق والمغارب ﴾ قال: المنازل التي تجري فيها الشمس والقمر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: إلى علم يسعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلى نصب ﴾ قال: غاية ﴿ يوفضون ﴾ قال: يستبقون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: يبتدرون نصيبهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ يوم يخرجون من الأجداث ﴾ قال: القبور ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: إلى علم يسعون ﴿ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ﴾ قال: ذلك يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ﴿ إلى نصب يوفضون ﴾ على معنى الواحد.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إلى نصب ﴾ خفيفة منصوبة النون على معنى واحدة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب عن الحسن أنه كان يقرأها ﴿ خاشعاً أبصارهم ﴾ قال: وكان أبو رجاء يقرأها ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ أي لا يكون أحد آمناً منه فإن الأمن من عذا الله حرام، فلا ينبغي للعبد أن يزيل عنه الخوف حتى يدخل الجنة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سأل ﴾ بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي ﴿ ولا يسأل ﴾ بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي ﴿ يومئذ ﴾ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي ﴿ توويه ﴾ بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب: حفص والمفضل ﴿ يخرجون ﴾ من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف ﴿ إلى نصب ﴾ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص ﴿ نصب ﴾ بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون.

الوقوف: ﴿ واقع ﴾ ه لا ﴿ دافع ﴾ ه لا ﴿ المعارج ﴾ ه لا ﴿ سنة ﴾ ج ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه لا ﴿ قريباً ﴾ ه ط ﴿ كالمهل ﴾ ه لا ﴿ كالعهن ﴾ ه لا ﴿ حميماً ﴾ ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على ﴿ يبصرونهم ﴾ ﴿ ببنيه ﴾ ه لا ﴿ وأخيه ﴾ ه ﴿ تؤويه ﴾ ه لا ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ينجيه ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ لظى ﴾ ه ج لأن من قرأ ﴿ نزاعة ﴾ بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر ﴿ لظى ﴾ والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة أو خبر مبتدأ محذوف.

ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص.

﴿ للشوى ﴾ ه ص لأن ﴿ يدعو ﴾ يصلح مستأنفاً وبدلاً من ﴿ نزاعة ﴾ ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ فأوعى ﴾ ه ﴿ هلوعاً ﴾ ه لا ﴿ جزوعاً ﴾ ه لا ﴿ منوعاً ﴾ ه لا ﴿ المصلين ﴾ ه لا ﴿ دائمون ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ والمحروم ﴾ ه ص ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ مشفقون ﴾ ه ج ﴿ مأمون ﴾ ه ﴿ حافظون ﴾ ه لا ﴿ ملومين ﴾ ه ج ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ قائمون ﴾ ه ك ﴿ يحافظون ﴾ ه لا ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لانقطاع المعنى ﴿ مهطعين ﴾ ه لا ﴿ عزين ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ لقادرون ﴾ ه ج ﴿ منهم ﴾ ج بناء على أن الواو للحال ﴿ بمسبوقين ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه لأن ما بعد بء دل ﴿ يوقضون ﴾ ه ج لأن ما بعد حال من الضمير ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: من قرأ ﴿ سأل ﴾ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة  ﴾ الآية فأنزل الله  ﴿ سأل سائل ﴾ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء.

يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه.

وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة.

إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر.

الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله  استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب.

والباء بمعنى " عن ".

قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله  أن هذا واقع بهم فلا دافع له.

والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز.

والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما ﴿ سائل ﴾ فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع.

وقوله ﴿ للكافرين ﴾ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين.

والظاهر أن قوله ﴿ من الله ﴾ يتعلق ﴿ بدافع ﴾ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم.

وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ﴿ ذي المعارج ﴾ المصاعد.

روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.

وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد.

وقيل: هي الجنة لأنها درجات.

وقال في التفسير الكبير.

وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواحكالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.

قوله ﴿ تعرج الملائكة والروح ﴾ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة.

قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح.

وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله.

وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل  .

ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ ﴿ المعارج ﴾ فإنا بينا أنها المراتب.

قووله ﴿ إليه ﴾ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة.

والأكثرون على أن قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ تعرج ﴾ .

أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة.

قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية.

والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما "روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله  : ما أطول هذا اليوم؟

فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا" .

ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن.

ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق.

والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة.

ثم إنه  يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.

وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة.

قاله وهب وجماعة من أهل التفسير.

وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة.

ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى.

ومر في " ألم السجدة ".

وقال جمع من المفسرين قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ واقع ﴾ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة.

وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله  إلى نوع آخر من العذاب.

يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به.

وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش.

وفي قوله ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ تسلية للنبي  كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان ﴿ ونراه قريب ﴾ منه ثم قال ﴿ يوم ﴾ أي اذكر يوم ﴿ تكون السماء كالمهل ﴾ كدرديّ الزيت.

عن ابن مسعود: كالفضة المذابة.

﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود  ﴾ وجوز جار الله أن ينتصب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ قريباً ﴾ أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ﴿ بواقع ﴾ قوله ﴿ ولا يسأل حميم ﴾ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار.

وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك.

ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال ﴿ يبصرونهم ﴾ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي.

وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه ﴿ وفصيلته ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تؤويه ﴾ تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله ﴿ كلا ﴾ وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك.

والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن ﴿ لظى ﴾ علم لنار جهنم.

واللظى اللهب الخالص.

والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله  .

وفي قوله ﴿ تدعو ﴾ وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً.

فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها.

ومنها أن الله  يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب.

ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها.

ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه ﴿ من أدبر ﴾ أي عن الطاعة ﴿ وتولى ﴾ عن الإيمان ﴿ وجمع ﴾ المال حرصاً عليه ﴿ فأوعى ﴾ جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس.

ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال ﴿ إن الإنسان ﴾ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه ﴿ خلق هلوعاً ﴾ والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر ﴾ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار ﴿ كان جزوعاً وإذا مسه الخير ﴾ أضداد ذلك ﴿ كان منوعاً ﴾ عن النبي  " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع" قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله  .

بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه  ذكره في معرض الذم والله  لا يذم فعله.

ولأنه  استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات.

ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.

والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.

الثاني ﴿ والذين في أموالهم حق ﴾ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.

قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب.

قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار.

الثالث ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بالغيب والجزاء.

الرابع ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية.

ثم أكد ذلك الخوف بقوله ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها.

الخامس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ إلى قوله ﴿ العادون ﴾ وقد مر في " المؤمنين ".

والسادس ﴿ والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون ﴾ وقد مر أيضاً.

السابع ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها.

وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها.

وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له.

الثامن ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقد ذكرناه.

ثم عين مكان هؤلاء بقوله  ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله  فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت.

﴿ فما للذين كفروا قبلك ﴾ أي نحوك وفي مقابلتك ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليك ﴿ عزين ﴾ فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون.

وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في ﴿ عضين ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع.

والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح.

وفي قوله ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح.

ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات.

ومعنى ﴿ المشارق والمغارب ﴾ قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً.

وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه.

وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.

واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟

قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين.

وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان.

وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ".

ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله ﴿ وما ذبح على النصب  ﴾ ومعنى ﴿ يوفضون ﴾ يسرعون.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ اختلف في تأويل الهلوع من وجوه، كل يرجع إلى معنى واحد: فقال بعضهم: الطامع في اللذات، الطالب لها، والكاره للأثقال، الهارب منها.

وقيل: ﴿ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ ، أي: على حب ما يتلذذ به، والقيام بطلبه وبغض ما يتألم به، والهرب عنه.

ومنهم من يقول: الهلوع: الضجور؛ وهو موافق للتأويل الأول؛ لأن الذي يحمله على الضجر هو ما يصيبه من الألم؛ فيضجر لذلك أو يضجر عن حق الله  .

ومنهم من يقول: تفسيره ما ذكر على أثره من قوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾ ، وهذا - أيضا - مثل الأول؛ لأن الذي حمله على المنع شدة حبه إياه، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر، فجزعت نفسه لذلك؛ لأنها أنشئت نافرة عن الضر ومبغضة له، وقال الله  : ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً  ﴾ ، أي: لا يسخو على إخراج ما في يديه.

ففي هذه الآيات إنباء أن الإنسان خلق على هذه الأحوال: قتورا عجولا، هلوعا، فلما أنشئ على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه ويتألم به، علم أنه خلق على هذه الأحوال؛ للمحنة، فمن تذكر فيما وعد الله  من النعم لمن قام بوفاء ما أمره به، حمله ذلك على التسارع في الخيرات وترك ما يحبه في الدنيا؛ لينال الموعود في الآخرة؛ إذ هو في الأصل أنشئ محبّاً لما يتلذذ به، ومن تذكر ما أوعد من العذاب بما يعطي نفسه من الشهوات من معاصي الله  ، وبما يمنع من حقوق الله  الواجبة في ماله، سهل عليه ترك الشهوات، وخف عليه بذل ما طلب منه؛ لئلا يحل به ما ينغص بعيشه من الآلام والأوجاع والمكاره.

والأصل أن الإنسان وإن كان مطبوعا على هذه الأخلاق الذميمة من البخل، والإقتار، والعجلة، وجبل عليها، فقد ملك رياضة نفسه، ويمكنه أن يستخرجها من تلك الطباع الذميمة إلى أضدادها من الأخلاق الحميدة، والشمائل المرضية؛ فلزمه القيام بذلك؛ ألا ترى أنه يتهيأ له أن يقوم برياضة الدواب والسباع، فيخرجها بالرياضة عن طباعها التي أنشئت عليها من النفار عن الخلق والامتناع عن الانقياد، حتى تصير منقادة للخلق، ذليلة لهم، فيتهيأ لهم الاستمتاع والتوصل إلى منافعها، فكذلك الإنسان إذا قام برياضة نفسه أمكنه أن يستخرجها عن خلقها؛ فتصير مطيعة له، ويخف عليها بذل ما يطلب منها، ويسهل عليها تحمل ما كان يشتد عليها.

ثم الأصل: أن المرء، وإن جبل على حب ما يتلذذ به، وبغض ما يتألم ويتوجع [منه]، فقد جبل أيضا على ترك ما هو فيه من اللذة؛ للذة هي أعظم منها، وعلى التصبر لاحتمال الأذى والمكروه؛ ليتخلص عما هو أعظم من ذلك المكروه والألم، وإذا كان كذلك فهو إذا قابل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة، وأقرب اللذتين بأبعدهما، فرأى لذة الآخرة أعظم وأبقى، خف عليه ترك أقربهما لأبعدهما وأقلهما لأكثرهما، وإذا قابل مكروه الدنيا بمكروه الآخرة، وعذابها بعذاب الآخرة، فرأى عذاب الآخرة أشد وأبقى، خف عليه تحمل المكاره في الدنيا؛ فهذا السبب الذي ذكرنا ما يتوصل به إلى رياضة النفس.

والذي يدل على أن المرء قد يخف عليه تحمل الشدائد وترك اللذات الحاضرة؛ لما يأمل من اللذات الآجلة أنك ترى المرء قد يهون عليه الضرب في الأرض، وقطع الأسفار، وتحمل المؤن، وركوب الأهوال والفظائع، والانقطاع عن اللذات؛ كالذي يخرج للتجارة من بلده إلى بلاد نائية؛ لما يرجو من النفع والربح في ذلك، فتحمل ما يمسه من المكاره والمؤن، لما يطمع من نيل اللذات التي هي أعظم من اللذات التي تركها؛ فعلى ذلك إذا تفكر في نعيم الآخرة، وتفكر في عقابها، سهل عليه ترك اللذات الحاضرة، وخف عليه تحمل المكاره في الدنيا.

ووجه آخر: أنه لما جبل على حب اللذات وبغض المكاره، أمر أن يجعل ما يحبه من العاجل آجلا، فيكون شغله أبدا فيما يوصله إلى نعيم الآجل، وأمر أن يجعل هربه عن الآلام الآجلة، فيجتهد فيما فيه التخلص والنجاة عن تلك الآلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ﴾ معناه - والله أعلم -: لأن المصلين يقومون برياضة أنفسهم حتى يصرفوها عن خلقتها التي أنشئت عليها، ثم بين أن الذين يقومون برياضة أنفسهم هم الذين يقومون على صلواتهم دون الذين يقومون إلى الصلاة كسالى ولا يدومون عليها، ولا ينفقون من أموالهم إلا عن كراهة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ﴾ دوامهم عليها في لزوم ما عرفوها، وهو أن يقيموها في أوقاتها، ويحافظوا عليها دون أن يكون دوامهم أن يكونوا فيها أبدا؛ ألا ترى [إلى] ما روي عن رسول الله  أنه قال: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" وأراد بقوله: "أدومها": لزومها في الوقت الذي أوجبوا فعل ذلك على أنفسهم، لا أن يكونوا أبداً فيها؛ لأنهم إذا بقوا فيها أبداً، كثر ذلك منهم، فلا يكون لقوله: "وإن قل" معنى، فثبت أن معنى الدوام ما وصفنا، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد من المداومة هو أن يدوم على الأحوال التي تليق بالصلاة عند كونه فيها من الإقبال على المناجاة، وترك الالتفات، وتفريغ القلب عن الأشغال والوساوس.

وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ﴾ : هو التطوع، و ﴿ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ \[المؤمنون: 9\]: الفريضة.

قالوا: وتصديقه أن أصحاب رسول الله  كانوا إذا صلوا صلاة داموا عليها، [وكانوا يقولون: "خير العمل] أدومه وإن قل".

وأصله: أن الله  قال: ﴿ وَأَقَامُواْ  ﴾ ، والإقامة على الشيء هي الدوام عليه؛ لأنه إذا فعل الشيء مرة ثم تركه، لم يوصف بالإقامة عليه؛ فقوله: ﴿ دَآئِمُونَ ﴾ و ﴿ يُقِيمُونَ  ﴾ يقتضي معنى واحدا؛ فيكون فيه إبانة أن الصلاة يلزم فعلها مرة بعد مرة، وليست كالفرائض التي إذا أديت مرة، سقطت؛ من نحو الجهاد، والحج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾ قيل: هو الزكاة، ذكر ذلك عن قتادة وغيره.

وقال أبو بكر: هذا غير محتمل؛ لأن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة عليهم بعد هجرتهم إلى المدينة.

ولكن ليس فيما ذكره دفع لهذا التأويل؛ لأنه يجوز أن تكون الزكاة لم تفرض عليهم؛ لما لم يكونوا أصحاب أموال؛ لأن الزكاة لم تكن مفروضة في الجملة، وبين الوجوب إذا استفادوا الأموال؛ ألا ترى أن الفقير قد يعلم إيتاء الزكاة من المال وإن لم يكن له مال؛ ليقوم بأدائها إذا صار من أهلها؛ فقوله: ﴿ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾ أي: أعلمه الله  في أموالهم، فلزمهم إخراجه، ثم بين أن خروجهم مما لزمهم من حق الله  في أموالهم بالدفع [إلى السائل والمحروم].

وجائز أن يكون ذلك الحق المعلوم هو حق القرابة وغيره.

ومن ذكر أن هذا الحق غير الزكاة، قالوا: إنهم كانوا أُعْلِموا في أموالهم حقّاً، فجعلوا طائفة منها للسائل، وطائفة للمحروم؛ لذلك سماه: حقا معلوما.

ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت شيئا معلوما مفروضا عليهم في أموالهم نسخته آية الزكاة، ولم يذكر لنا ذلك؛ لعدم حاجتنا إليه.

ثم السائل معروف، وهو الذي يسأل.

وأما المحروم فقد روي عن رسول الله  أنه سئل عن المحروم، فقال: "المحروم هو الذي لا يثمر نخله، ويثمر نخل الناس، ولا يزكو زرعه، ويزكو زرع الناس، ولا تلبن شاته وتلبن شاة الناس" فعنوا بالمحروم هذا: أنه حرم بركة ماله.

وفي هذا [الخبر] دليل على أن المرء لا يصير غنيّاً بملك النخيل والأرض.

وجائز أن يكون المحروم هو الذي حيل بينه وبين وجوه المكاسب، فمن كان حاله هكذا كان علينا أن نتعاهده ونقوم بكفايته.

وقال الحسن: المحروم هو الذي يتعفف عن السؤال وإن هلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ فيوم الدين هو يوم الجزاء ويوم الحساب، فكل من عرف الجزاء وآمن به لم يجزع بما يصيبه، ولا منع الحق الذي طلب منه، ولم يوصف بأنه هلوع، وإنما الهلوع هو الذي يكذب بيوم الدين، كما قال: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ  فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ  ﴾ [فأخبر أن الذي يدع اليتيم] ولا يحض على طعام المسكين هو الذي لا يؤمن بالآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ﴾ ، أي: خائفون، وجلون، وهم الذين قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 60\].

وسئل رسول الله  فقيل [له]: أهم الذين يسرقون ويزنون ويعملون بالمعاصي؟

فقال: "لا، بل هم الذين يصومون ويصلون ويؤتون الزكاة" ، أو كما قال بلفظه  .

ووجلهم هو أنهم يخافون ألا يقبل منهم حسناتهم.

أو يخافون أن يكونوا قصروا عن الوفاء بشكر النعم، أو غفلوا عن شكر كثير منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ فهذا هو الحق ألا يأمن أحد من عذابه [وإن دأب في عبادته واجتهد في طاعته؛ لما لا يدري] على ماذا يختم أمره؟

أو يخاف ألا يقبل منه ويرد عليه، أو يخاف أن يكون قد قصر عن شكر كثير من النعم، وغفل عنها.

والأصل أنه ما من أحد ينظر في أمره وحاله إلا وهو يرى على نفسه من الله  نعما لو أجهد نفسه ليقوم [بشكر واحد] منها لقصر عن ذلك، ولم يتهيأ له القيام بوفائها، فمن كان هذا وصفه، فأنى يقع له الأمن من عذابه، ويوجد منه الوفاء بالأسباب التي يؤمن بها إلا أن يكون من الخاسرين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ ، ذكر حفظ الفرج، ولم يذكر بم يحفظ؟

[وحفظه يكون] بخصال: أحدها: أن يسكن في قلبه جلال الله وهيبته، ويخشى عقابه في المعاد.

والثاني: بما جعله [الله] سببا للتعفف، من النكاح وملك اليمين؛ فيمنعه ذلك عن الزنى ويحفظ الفرج.

والثالث: يجيع بطنه بالصيام كما قال النبي  : "من لم يقدر على الباه فليصم؛ فإن الصوم له وجاء" والرابع: بما يترك النظر إلى النساء ولا يخلو بهن، ويدع مجالسة الفجار وأهل الريبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ولو لم يقل: ﴿ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ، لكنا نعلم بقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ أنهم لا يلامون؛ لأنه قد أباح لهم الاستمتاع بمن ملكت أيمانهم ومن كان تحتهم بملك النكاح، ولا يجوز أن تلحق اللائمة باستعمال المباح المطلق، ولكن فيه فوائد: أحدها: أن من الناس من يحرم الاستمتاع بملك النكاح وملك اليمين، فيخبر أنهم عند من اعتقد الإيمان بالرسل غير ملومين، وإنما يلومهم من أنكر الرسالة، وهم الثنوية والبراهمة.

وجائز أن يكون معناه: أنهم وإن منعوا النساء عن الجماع بما هو خير لهم من الصيام وأنواع القرب، لم تلحقهم اللائمة كما يلام من يمنع آخر عن طاعة الله  ، وإذا استمتعوا بملك النكاح وملك اليمين، لم يبلوا بالزنى؛ فتلحقهم اللائمة بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ﴾ العادي: هو الظالم في الحقيقة؛ يقال: عدا فلان على فلان؛ إذا ظلمه، فهم عادون؛ حيث ظلموا أنفسهم فوضعوها في موضع لم يؤذن لهم بالوضع فيها.

وقال الحسن: هم العادون حيث عدوا من الحلال إلى الحرام.

وفي هذا الآية دلالة تحريم المتعة؛ لأنه أخبر أن من ابتغى وراء ملك اليمين وملك النكاح، فهو إذن من العادين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ فالأمانات لها وجهان: أحدهما: ما ائتمن الله - عز وجل - عباده على ما له من الحقوق عليهم.

والثاني: ما ائتمن بعضهم بعضا على الحقوق والعهود التي تجري بين الخلق من الذمم، والنذور، وغير ذلك؛ فيدخل فيه كل أمانة بين العبد وبين ربه، وبينهم وبين الخلق، وكل عهد أخذ عليهم؛ من نحو قوله: ﴿ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ  ﴾ - قيل في التأويل: العهود - ثم بين ذلك فقال: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ الآية [المائدة: 12]، والعهد الذي أعطينا للمعاهدين، فكل ذلك داخل تحت الآية، وقد يدخل معنى الأمانة في العهد والعهد في الأمانة، وقد يجوز أن يقع بينهما فرق، والله أعلم.

[وقوله - عز وجل -:] ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ ﴾ أي: يقيمونها لله  كقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ ، أو قائمون بالوفاء بما عليهم من الشهادة، فيقومون لها، أحبوا أو كرهوا، ضرهم ذلك أو نفعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ محافظة الصلاة إقامتها في أوقاتها بشرائطها، والذي يحملهم على المحافظة ما يخشون الله  ، ولما جعلت تكفيرا لسيئاتهم؛ فيرغبون في إقامتها؛ تكفيرا عن سيئاتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ﴾ في الآية إبانة أن من يكرم بالجنان هؤلاء.

وذكر عن أبي بكر الأصم أنه قال: في هذه [الآية] دلالة أن من وفى بهذه الأشياء التي ذكرها في هذه السورة من الإدامة على الصلاة، وإيتاء الحق المعلوم، والتصديق بيوم الدين ...

إلى آخر ما ذكر - فهو الذي يكرم بالجنة، والخاطئ الذي يرجع عن خطيئته ويتوب عنها، فأما غير هذين فهو لا يستوجب الإكرام بالجنة، فما ذكر من الإكرام بالجنة للصنفين اللذين ذكرهما فهو كما ذكر، وأما الصنف الثالث فهم الذين بلوا بالخطيئات من أهل الإيمان ولم يتوبوا عنها، فقد يرجى لهم هذه الكرامة بعفو الله  وتعالى ، وكرمه وجوده، ومن كان هذا وصفه لم يؤيس من إحسانه، بل كان العفو منه مأمولا والإحسان منه مرجوّاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فمن طلب الاستمتاع بغير ما ذُكر من الزوجات والإماء، أولئك هم المتجاوزون لحدود الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.bmbnK"

مزيد من التفاسير لسورة المعارج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله