الآية ٦ من سورة المعارج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 70 المعارج > الآية ٦ من سورة المعارج

إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًۭا ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة المعارج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة المعارج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال : ( إنهم يرونه بعيدا ) أي : وقوع العذاب وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع ، بمعنى مستحيل الوقوع

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المشركين يرون العذاب الذي سألوا عنه، الواقع عليهم، بعيدا وقوعه، وإنما أخبر جلّ ثناؤه أنهم يرون ذلك بعيدا، لأنهم كانوا لا يصدّقون به، وينكرون البعث بعد الممات، والثواب والعقاب

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إنهم يرونه بعيدا يريد أهل مكة يرون العذاب بالنار بعيدا ; أي غير كائن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا } الضمير يعود إلى البعث الذي يقع فيه عذاب السائلين بالعذاب أي: إن حالهم حال المنكر له، أو الذي غلبت عليه الشقوة والسكرة، حتى تباعد جميع ما أمامه من البعث والنشور، والله يراه قريبا، لأنه رفيق حليم لا يعجل، ويعلم أنه لا بد أن يكون، وكل ما هو آت فهو قريب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إنهم يرونه بعيداً"، يعني العذاب.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنهم يرونه» أي العذاب «بعيدا» غير واقع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الكافرين يستبعدون العذاب ويرونه غير واقع، ونحن نراه واقعًا قريبًا لا محالة.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الضمير في ﴿ يَرَوْنَهُ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه وجهان الأول: أنه عائد إلى العذاب الواقع والثاني: أنه عائد إلى: ﴿ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ أي يستبعدونه على جهة الإحالة ﴿ و ﴾ نحن ﴿ نراه قَرِيبًا ﴾ هيناً في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر.

فالمراد بالبعيد البعيد من الإمكان، وبالقريب القريب منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ضمن ﴿ سَأَلَ ﴾ معنى دعا، فعدّي تعديته، كأنه قيل: دعا داع ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ من قولك: دعا بكذا.

إذا استدعى وطلبه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة ﴾ [الدخان: 55] وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: هو النضر بن الحرث قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.

وقيل: هو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، استعجل بعذاب للكافرين.

وقرئ: ﴿ سال سائل ﴾ وهو على وجهين: إما أن يكون من السؤال وهي لغة قريش، يقولون: سلت تسأل، وهما يتسايلان؛ وأن يكون من السيلان.

ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ سال سيل ﴾ ، والسيل: مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر.

والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم وأهلكهم.

وعن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع؟

فنزلت، وسأل على هذا الوجه مضمن معنى: عنى واهتم فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ للكافرين ﴾ قلت: هو على القول الأوّل متصل بعذاب صفة له، أي: بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل، أي: دعا للكافرين بعذاب واقع، أو بواقع؛ أي: بعذاب نازل لأجلهم، وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين.

فإن قلت: فقوله ﴿ مِّنَ الله ﴾ بم يتصل؟

قلت: يتصل بواقع، أي واقع من عنده، أو بدافع؛ بمعنى: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته وأوجبت الحكمة وقوعه ﴿ ذِي المعارج ﴾ ذي المصاعد جمع معرج، ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال: ﴿ تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ ﴾ إلى عرشه وحيث تهبط منه أوامره ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ كمقدار مدة ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ مما يعد الناس.

والروح.

جبريل عليه السلام، أفرده لتميزه بفضله.

وقيل: الروح خلق هم حفظة على الملائكة، كما أنّ الملائكة حفظة على الناس.

فإن قلت: بم يتعلق قوله ﴿ فاصبر ﴾ ؟

قلت: بسأل سائل؛ لأنّ استعجال النصر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالصبر عليه، وكذلك من سأل عن العذاب لمن هو، فإنما سأل على طريق التعنت، وكان من كفار مكة.

ومن قرأ: ﴿ سال سائل ﴾ أو سيل، فمعناه: جاء العذاب لقرب وقوعه، فاصبر فقد شارفت الانتقام، وقد جعل ﴿ فِى يَوْمٍ ﴾ من صلة ﴿ وَاقِعٍ ﴾ أي: يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم، وهو يوم القيامة: إما أن يكون استطالة له لشدّته على الكفار، وإما لأنه على الحقيقة كذلك.

قيل: فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر.

الضمير في ﴿ يَرَوْنَهُ ﴾ للعذاب الواقع، أو ليوم القيامة فيمن علق (في يوم) بواقع؛ أي: يستبعدونه على جهة الإحالة نحن ﴿ نَرَاهُ قَرِيبًا (7) ﴾ هيناً في قدر في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر، فالمراد بالبعيد: البعيد من الإمكان، وبالقريب: القريب منه نصب ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ﴾ بقريباً، أي: يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم.

أو بإضمار يقع، لدلالة (واقع) عليه أو يوم تكون السماء كالمهل.

كان كيت وكيت.

أو هو بدل عن (في يوم) فيمن علقه بواقع ﴿ كالمهل ﴾ كدردي الزيت.

وعن ابن مسعود: كالفضة المذابة في تلوّنها ﴿ كالعهن ﴾ كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو: أشبهت العهن المنقوش إذا طيرته الريح ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) ﴾ أي لا يسأله بكيف حالك ولا يكلمه، لأن بكل أحد ما يشغله عن المساءلة ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أي يبصر الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم، فما يمنعهم من المساءلة أنّ بعضهم لا يبصر بعضاً، وإنما يمنعهم التشاغل: وقرئ: ﴿ يبصرونهم ﴾ وقرئ: ﴿ ولا يسئل ﴾ على البناء للمفعول، أي: لا يقال لحميم أين حميمك ولا يطلب منه؛ لأنهم يبصرونهم فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب.

فإن قلت: ما موقع يبصرونهم؟

قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لما قال ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) ﴾ قيل: لعله لا يبصره، فقيل: يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم.

فإن قلت: لم جمع الضميران في ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ وهما للحميمين؟

قلت: المعنى على العموم لكل حميمين لا لحميمين اثنين.

ويجوز أن يكون ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ صفة، أي: حميماً مبصرين معرّفين إياهم.

قرئ: ﴿ يومئذ ﴾ بالجرّ والفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن، ومن عذاب يومئذ، بتنوين (عذاب) ونصب ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ وانتصابه بعذاب.

لأنه في معنى تعذيب ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تُئْوِيهِ ﴾ تضمه انتماء إليها، أو لياذاً بها في النوائب.

﴿ يُنجِيهِ ﴾ عطف على يفتدي، أي: يودّ لو يفتدى، ثم لو ينجيه الافتداء.

أو من في الأرض.

وثم: لاستبعاد الإنجاء، يعني: تمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك وهيهات أن ينجيه ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّع للمجرم عن الودادة، وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب، ثم قال: ﴿ إِنَّهَا ﴾ والضمير للنار، ولم يجر لها ذكر؛ لأنّ ذكر العذاب دل عليها.

ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً ترجم عنه الخبر، أو ضمير القصة.

و ﴿ لظى ﴾ علم للنار، منقول من اللظى: بمعنى اللهب.

ويجوز أن يراد اللهب.

و ﴿ نَزَّاعَةً ﴾ خبر بعد خبر؛ لأنّ أو خبر للظى إن كانت الهاء ضمير القصة، أو صفة له إن أردت اللهب، والتأنيث لأنه في معنى النار.

أو رفع على التهويل، أي: هي نزاعة.

وقرئ: ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب على الحال المؤكدة، أو على أنها متلظية نزاعة؛ أو على الاختصاص للتهويل.

والشوى: الأطراف أو جمع شواة: وهي جلدة الرأس تتزعها نزعاً فتبتكها؟

ثم تعاد ﴿ تَدْعُواْ ﴾ مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم.

ونحوه قول ذي الرمّة: ......

تَدْعُو أَنْفَهُ الرِّببُ وقوله: لَيَالِى اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأَتْبَعُهُ وقول أبي النجم: تَقُولُ للِرَّائِدِ أَعْشَبْت َانْزِلِ وقيل: تقول لهم: إليّ إليّ يا كافر يا منافق.

وقيل: تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب، فيجوز أن يخلق الله فيها كلاماً كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وكما خلقه في الشجرة ويجوز أن يكون دعاء الزبانية.

وقيل: تدعو تهلك، من قول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك.

قال: دَعَاكَ اللَّهُ مِنْ رَجُلٍ بِأفْعَى ﴿ مَنْ أَدْبَرَ ﴾ عن الحق ﴿ وتولى ﴾ عنه ﴿ وجمع ﴾ المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤدّ الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن الدين؛ وزهى بإقتنائه وتكبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ لا يَشُوبُهُ اسْتِعْجالٌ واضْطِرابٌ قَلْبٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِ سَألَ لِأنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ اسْتِهْزاءٍ أوْ تَعَنُّتٍ وذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُهُ أوْ عَنْ تَضَجُّرٍ واسْتِبْطاءٍ لِلنَّصْرِ أوْ بِ سَألَ لِأنَّ المَعْنى قَرُبَ وُقُوعُ العَذابِ فاصْبِرْ فَقَدْ شارَفْتَ الِانْتِقامَ.

﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ بَعِيدًا ﴾ مِنَ الإمْكانِ.

﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ مِنهُ أوْ مِنَ الوُقُوعِ.

﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ ظَرْفٌ لِ قَرِيبًا أيْ يُمْكِنُ يَوْمَ تَكُونُ أوْ لِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( واقِعٍ ) أوْ بَدَلٌ مِن ( في يَوْمٍ ) إنْ عَلِقَ بِهِ والمُهْلُ المُذابُ في «مُهْلٍ» كالفِلِزّاتِ أوْ دُرْدِيِّ الزَّيْتِ.

﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ كالصُّوفِ المَصْبُوغِ ألْوانًا لِأنَّ الجِبالَ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّهُمْ} إن الكفار {يَرَوْنَهُ} أي العذاب أو يوم القيامة {بَعِيداً} مستحيلاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ ﴾ أيِ العَذابَ الواقِعَ أوِ اليَوْمَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ﴾ إلَخِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ الحِسابِ مُتَعَلِّقًا بِتَعْرُجُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْ بِدافِعٍ أوْ بِواقِعٍ أوْ بِسالَ مِنَ السَّيَلانِ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِواقِعٍ عَلى وجْهٍ فَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ مِن تَخْصِيصِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِما إذا كانَ ﴿ فِي يَوْمٍ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِواقِعٍ فِيهِ بَحْثٌ ومَعْنًى ﴿ يَرَوْنَهُ ﴾ يَعْتَقِدُونَهُ ﴿ بَعِيدًا ﴾ أيْ مِنَ الإمْكانِ والمُرادُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُحالٌ أوْ مِنَ الوُقُوعِ والمُرادُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لا يَقَعُ أصْلًا وإنْ كانَ مُمْكِنًا ذاتًا وكَلامُ كَفّارِ أهْلِ مَكَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والحِسابِ مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ بَلْ رُبَّما تَسْمَعُهم يَتَكَلَّمُونَ بِما يَكادُ يُشْعِرُ بِوُقُوعِهِ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم فَهم مُتَلَوِّنُونَ في أمْرِهِ تَلَوُّنَ الحِرْباءِ والعَذابُ إنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو كَيَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَهم أوْ أنَّهُ لا يَقَعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا لِزَعْمِهِمْ دَفْعَ آلِهَتِهِمْ إيّاهُ عَنْهم وإنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا فالظّاهِرُ أنَّهم لا يَنْفُونَ إمْكانَهُ وإنَّما يَنْفُونَ وُقُوعَهُ ولا تَكادُ تَتِمُّ دَعْوى أنَّهم يَنْفُونَ إمْكانَهُ الذّاتِيَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع وأربعون آية مكية قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ.

قرأ نافع بغير همزة، والباقون بالهمزة.

فمن قرأ بغير همزة، فهو من سال يسال يعني: جرى واد بعذاب الله تعالى.

ومن قرأ بالهمزة، فهو من سأل يسأل بمعنى دعا داع.

بِعَذابٍ واقِعٍ، وهو النضر بن الحارث، فوقع به العذاب، فقتل يوم بدر في الدنيا.

وقال مجاهد: دعا داع بعذاب يقع في الآخرة، وهو قولهم: إِن كَانَ هذا هُوَ الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء.

ويقال: سَأَلَ سائِلٌ عن عذاب واقع والجواب: لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يعني: أن ذلك العذاب من الله واقع للكافرين.

مِنَ اللَّهِ الذي هو ذِي الْمَعارِجِ.

قال مقاتل: يعني: ذي الدرجات، يعني: السموات السبع.

وقال القتبي: يعني: معارج الملائكة أي تصعد.

تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ يعني: جبريل.

فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يعني: ذلك العذاب واقع في يوم القيامة، مقداره خمسين ألف سنة.

ويقال: يعني: يعرج جبريل والملائكة في يوم واحد كان مقداره لو صعد غيرهم خمسين ألف سنة.

وقال محمد بن كعب: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة.

ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا يعني: اصبر صبراً حسناً لا جزع فيه.

ثم أخبر متى يقع العذاب فقال: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً يعني: يوم القيامة غير كائن عندهم.

وَنَراهُ قَرِيباً لا خلف فيه.

يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ يعني: اليوم الذي تكون السماء كالمهل أي: كدردي الزيت من الخوف.

ويقال: ما أذيب من الفضة أو النحاس.

وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ يعني: كالصوف المندوف.

قرأ الكسائي: يَعْرُجُ الملائكة بالياء، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأنها جمع الملائكة.

ومن قرأ بالياء، فلتقديم الفعل.

وروي عن ابن كثير أنه قرأ: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ بضم الياء، والباقون بالنصب.

ومن قرأ بالضم، فمعناه أنه لا يسأل قريب عن ذي قرابته، لأن كل إنسان يعرف بعضهم بعضاً قوله تعالى يُبَصَّرُونَهُمْ يعني: يعرفونهم ملائكة الله تعالى.

ومن قرأ بالنصب، معناه لا يسأل قريب عن قريبه، لأنه يعرف بعضهم بعضاً يُبَصَّرُونَهُمْ يعني: يعرفونهم ويقال: مرة يعرفونهم، ويقال: ومرة لا يعرفونهم.

ثم قال عز وجل: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ أي: يتمنى الكافر.

لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ يعني: ينادي نفسه بولده، وَصاحِبَتِهِ يعني: وزوجته، وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ يعني: عشيرته التي يأوى إليهم.

وقال مجاهد: وَفَصِيلَتِهِ أي: قبيلته، هكذا روي عن قتادة.

وقال الضحاك: يعني: عشيرته.

وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: يفادي نفسه بجميع من في الأرض.

ثُمَّ يُنْجِيهِ يعني: ينجي نفسه من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زُرَارَةَ بْنِ أوفى عن أبي هريرةَ قال: يَقْصُرُ يومئذٍ على المؤْمِنِ حتى يكونَ كوقتِ الصَّلاَةِ «١» ، انتهى، قال ع «٢» : وَقَدْ ورد في يوم القيامةِ أنه كألْفِ سنةٍ، وهذا يشبه أن يكونَ في طوائفَ دونَ طوائفَ، ت: قال عبد الحق في «العاقبة» له: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أن يومَ القيامةِ لَيْسَ طولُه كما عَهِدْتَ من طول الأيامْ، بَلْ هو آلافٌ من الأعوامْ، يَتَصَرَّفُ فيه هذا الأنامْ، على الوُجُوهِ والأَقْدَامْ، حَتَّى يَنْفُذَ فيهم مَا كُتِبَ لَهُمْ وعليهم من الأَحْكَامِ، وليس يكونُ خَلاَصُه دفعةً وَاحِدَةً، ولا فراغُهم في مرةٍ واحدةٍ بل يَتَخَلَّصُونَ ويَفْرُغُونَ شَيْئاً بعد شيءٍ، لَكِنَّ طولَ ذلك اليومِ خمسون ألفَ سنة، فَيَفْرَغُونَ بِفَرَاغِ اليومِ، ويفرغُ اليومُ بِفَرَاغِهِم، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يطولُ مقامُه وحبْسُه إلى آخر اليومِ، ومنهم من يكونُ انفصَالُه في ذلك اليوم في مقدار يَوْمٍ من أيام الدنيا، أو في ساعةٍ من ساعاتِه، أو في أقَلَّ من ذلك، ويكون رائحاً في ظلِّ كَسْبهِ وعَرْشِ ربه، ومنهم من يُؤْمَرُ به إلى الجنةِ بغير حسابٍ ولا عذاب، كما أنَّ منهم مَنْ يُؤمَرُ به إلى النارِ في أول الأمْر من غير وقوفٍ ولا انتظار، / أو بعدَ يسير من ذلك، انتهى.

فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)

وقوله سبحانه: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا أمرٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالصبرِ على أذَى قومِه، والصبرُ الجميلُ الذي لا يَلْحَقُه عَيْبٌ ولا شَكٌّ ولا قِلَّةُ رِضًى، ولا غيرُ ذلك، والأمْرُ بالصبرِ الجميلِ مُحْكَمٌ في كل حالة، أعني: لاَ نَسْخَ فيه، وقيل: إن الآيةَ نزلتْ قبل الأمْرِ بالقِتَالِ فهي منسوخة، ت: ولو قيلَ: هذا خطابٌ لجنسِ الإنْسَانِ في شَأْنِ هَوْلِ ذلكَ اليومِ مَا بَعُدَ.

وقوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً يعني يوم القيامة، والمهْلُ: عَكَرُ الزَّيْتِ قاله ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المَعارِجِ سُورَةُ سَألَ سائِلٌ، ويُقالُ لَها: سُورَةُ المَعارِجِ، ويُقالُ لَها: سُورَةُ الواقِعِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ  ﴾ ، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو أبُو جَهْلٍ.

قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "سالَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

والباقُونَ: بِالهَمْزِ.

فَمَن قَرَأ: "سَألَ" بِالهَمْزِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ.

والثّانِي: سَألَ سائِلٌ عَنْ عَذابٍ واقِعٍ لِمَن هُوَ؟

وعَلى مَن يَنْزِلُ؟

ومَتى يَكُونُ؟

وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ، الِاسْتِهْزاءِ فَتَكُونُ الباءُ بِمَعْنى "عَنْ" وأنْشَدُوا: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والثّالِثُ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، والباءُ زائِدَةٌ.

وَمَن قَرَأ بِلا هَمْزٍ فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ أيْضًا، وإنَّما لَيَّنَ الهَمْزَةَ، يُقالُ: سَألَ، وسالَ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: تَعالَوْا فَسالُوا يَعْلَمِ النّاسُ أيُّنا ∗∗∗ لِصاحِبِهِ في أوَّلِ الدَّهْرِ تابِعُ والثّانِي: المَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ بِالعَذابِ لِلْكافِرِينَ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ يَقْرَؤُونَ "سالَ سَيْلٌ" بِفَتْحِ السِّينِ، وسُكُونِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ولا هَمْزٍ.

وَإذا قُلْنا: إنَّهُ مِنَ السُّؤالِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ جَوابٌ لِلسُّؤالِ، كَأنَّهُ لَمّا سَألَ: لِمَن هَذا العَذابُ؟

قِيلَ: لِلْكافِرِينَ.

والواقِعُ: الكائِنُ.

والمَعْنى: أنَّ العَذابَ لِلَّذِي سَألَهُ هَذا الكافِرُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في الآخِرَةِ "لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَلِكَ العَذابُ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي المَعارِجِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي مَعارِجُ المَلائِكَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ "المَعارِجِ" الدَّرَجُ وهي مِن عَرَجَ: إذا صَعِدَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَتِ المَلائِكَةُ تَعْرُجُ إلَيْهِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.

قالَ الخَطّابِيُّ: المَعارِجُ: الدَّرَجُ، واحِداها: مَعْرَجٌ، وهو المِصْعَدُ، فَهو الَّذِي يُصْعَدُ إلَيْهِ بِأعْمالِ العِبادِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ.

فالمَعارِجُ: الطَّرائِقُ الَّتِي يُصْعَدُ فِيها.

والثّانِي: أنَّ المَعارِجَ: الفَواضِلُ والنِّعَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: "يَعْرُجُ" بِالياءِ.

"والرُّوحُ" في "الرُّوحِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، قالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلَيْهِ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "فِي يَوْمٍ ﴿ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ" ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وهَذا هو مِقْدارُ يَوْمِ القِيامَةِ مِن وقْتِ البَعْثِ إلى أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الخَلْقِ.

وُفي الحَدِيثِ: « "إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ" وقِيلَ: بَلْ لَوْ ولِيَ حِسابَ الخَلْقِ سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والحَقُّ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ مِن نَهارٍ.» وقالَ عَطاءٌ: يَفْرَغُ اللَّهُ مِن حِسابِ الخَلْقِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ المَعْنى سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والثّانِي: أنَّ مِقْدارَ صُعُودِ المَلائِكَةِ مِن أسْفَلِ الأرْضِ إلى العَرْشِ لَوْ صَعِدَهُ غَيْرُهم قَطَعَهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ "صَبْرًا جَمِيلًا" لا جَزَعَ فِيهِ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِقِتالِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ "إنَّهم يَرَوْنَهُ" يَعْنِي: العَذابَ "بَعِيدًا" غَيْرَ كائِنٍ "وَنَراهُ قَرِيبًا" كائِنًا، لِأنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ مَتى يَكُونُ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الكَهْفِ: ٢٩] ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ أيْ: كالصُّوفِ، فَشَبَّهَها في ضَعْفِها ولِينِها بِالصُّوفِ.

وقِيلَ: شَبَّهَها بِهِ في خِفَّتِها وسَيْرِها، لِأنَّهُ قَدْ نُقِلَ أنَّها تَسِيرُ عَلى صُوَرِها، وهي كالهَباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: "العِهْنُ" الصُّوفُ واحِدَتُهُ: عِهْنَةٌ، ويُقالُ: عِهْنَةٌ، وعِهْنٌ، مِثْلُ: صُوفَةٍ، وصُوفٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "العِهْنُ" الصُّوفُ المَصْبُوغُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "يَسْألُ" بِفَتْحِ الياءِ.

والمَعْنى: لا يَسْألُ قَرِيبٌ عَنْ قَرابَتِهِ، لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْألُ الرَّجُلُ قَرابَتَهُ، ولا يُكَلِّمُهُ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ.

وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وأبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الياءِ.

والمَعْنى: لا يُقالُ لِلْحَمِيمِ: أيْنَ حَمِيمُكَ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أيْ: يُعَرَّفُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُ عَنْ شَأْنِهِ، ولا يُكَلِّمُهُ اشْتِغالًا بِنَفْسِهِ.

يُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا كَذا: إذا عَرَّفْتَهُ إيّاهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَسْألُ ذُو قُرابَةِ عَنْ قَرابَتِهِ، ولَكِنَّهم يُبَصَّرُونَهُمْ، أيْ: يُعَرَّفُونَهم.

وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، "يُبْصِرُونَهُمْ" بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ الصّادِ، وكَسْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوَدُّ المُجْرِمُ ﴾ يَعْنِي: يَتَمَنّى المُشْرِكُ لَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ ﴿ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ ﴾ وهي الزَّوْجَةُ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَشِيرَتُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هي أدْنى قَبِيلَتِهِ مِنهُ.

ومَعْنى "تُؤْوِيهِ" تَضُمُّهُ، فَيَوَدُّ أنْ يَفْتَدِيَ بِهَذِهِ المَذْكُوراتِ ﴿ ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ ذَلِكَ الفِداءُ ﴿ كَلا ﴾ لا يُنْجِيهِ ذَلِكَ ﴿ إنَّها لَظى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها في اللُّغَةِ: اللَّهَبُ الخالِصُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ لَظى لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وتَلَهُّبِها، يُقالُ: هو يَتَلَظّى، أيْ: يَتَلَهَّبُ ويَتَوَقَّدُ.

وكَذَلِكَ النّارُ تَتَلَظّى يُرادُ بِها هَذا المَعْنى.

وأنْشَدُوا: جَحِيمًا تَلَظّى لا تُفَتَّرُ ساعَةً ∗∗∗ ولا الحَرُّ مِنها غابِرَ الدَّهْرِ يَبْرُدُ ﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "نَزّاعَةٌ لِلشَّوى" بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: هي نَزّاعَةٌ.

وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "نَزّاعَةً" بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى مَعْنى "إنَّها تَتَلَظّى نَزّاعَةً" .

وَفِي المُرادِ بِـ "الشَّوى" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: جِلْدَةُ الرَّأْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مَحاسِنُ الوَجْهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: العَصَبُ، والعَقِبُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: الأطْرافُ: اليَدانِ، والرِّجْلانِ، والرَّأْسُ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ "وَتَوَلّى" عَنِ الحَقِّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ "وَجَمَعَ فَأوْعى" قالَ الفَرّاءُ: أيْ جَمَعَ المالَ في وِعاءٍ فَلَمْ يُؤَدِّ مِنهُ زَكاةً، ولَمْ يَصِلْ مِنهُ رَحِمًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المَعارِجِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، لا خِلافَ بَيْنِ الرُواةِ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ ﴿ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ﴾ ﴿ مِنَ اللهِ ذِي المَعارِجِ ﴾ ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ ﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ ﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَماءُ كالمُهْلِ ﴾ ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ ﴿ وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَألَ" بِهَمْزَةٍ مُخَفَّفَةٍ، قالُوا: والمَعْنى: دَعا داعٍ، والإشارَةُ إلى مَن قالَ مِن قُرَيْشٍ: "اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، وإلى مَن قالَ: "رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا".

وقالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: بَحَثَ باحِثٌ واسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِمٌ، قالُوا: والإشارَةُ إلى قَوْلِ قُرَيْشٍ: "مَتى هَذا الوَعْدُ"؟

وما جَرى مَجْراهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

فَأمّا مَن قالَ: المَعْنى: دَعا داعٍ فالباءُ فى قَوْلِهِ تَعالى: "بِعَذابٍ" عَلى عُرْفِها، وأمّا مَن قالَ: المَعْنى: اسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِمٌ فالباءُ تُوَصَّلُ تَوْصِيلَ "عن"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "عن عَذابٍ"، وهَذا كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِساءِ طَبِيبُ وَقَرَأ نافِعُ بْنُ عامِرٍ: "سالَ" ساكِنَةَ الألِفِ، واخْتَلَفَ القِراءَةُ فِيها، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي "سَألَ" المَهْمُوزَةُ إلّا أنَّها سُهِّلَتْ، كَما قالَ: ...............................

∗∗∗ لا هُناكَ المَرْتَعُ ونَحْوُ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي لُغَةُ مَن يَقُولُ: "سَلْتُ أسْألُ ويَتَساوَلانِ"، وهي بِلُغَةٍ مَشْهُورَةٍ حَكاها سِيبَوَيْهِ، فَتَجِيءُ الألِفُ مُنْقَلِبَةً عَنِ الواوِ الَّتِي هي عَيْنٌ كَقالَ وخافَ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: سالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ اللهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِما سالَتْ ولَمْ تَصِبْ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: هو عَلى لُغَةِ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَلَّتْ"، وقالَ بَعْضُهم في الآيَةِ: هى مِن "سالَ يَسِيلُ" إذا جَرى، ولَيْسَتْ مِن مَعْنى السُؤالَ، قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وغَيْرُهُ: في جَهَنَّمَ وادٍ يُسَمّى "سائِلًا"، والأخْبارُ هُنا عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ -إنْ لَمْ يَصِحَّ أمْرُ الوادِي- أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عن نُفُوذِ القَدَرِ بِذَلِكَ العَذابِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُ السَيْلِ لِما عَهِدَ مِن نُفُوذِ السَيْلِ وتَصْمِيمِهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "سالَ سَيْلَ" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "سالَ سالَ" مِثْلَ "قالَ"، "قالَ"، أُلْغِيَتِ الياءُ مِنَ الخَطِّ تَخْفِيفًا، والمُرادُ "سائِلٌ" إذًا سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ العَذابِ -حَسَبَ قِراءَةِ الجَماعَةِ- إنَّما كانَ عَلى أنَّهُ كَذَبَ، فَوَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ واقِعٌ وعِيدًا لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكافِرِينَ" قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: اللامُ تُوَصَّلُ المَعْنى تَوْصِيلَ "عَلى"، ورُوِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: قَوْلُهُ تَعالى "عَلى الكافِرِينَ"، وقالَ قَتادَةَ والحَسَنُ: المَعْنى: كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَن هَذا العَذابُ الواقِعُ؟

فَقِيلَ "لِلْكافِرِينَ".

و"المَعارِجِ" في اللُغَةِ: الدُرْجُ في الأجْرامِ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ في الرُتَبِ والصِفاتِ الحَمِيدَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "المَعارِجُ": السَماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ، وقالَ الحَسَنُ: هي المَراقِي إلى السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ ﴾ مَعْناهُ: تَصْعَدُ، عَلى أصْلِ اللُغَةِ فى اللَفْظَةِ.

و"الرُوحُ" عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، خَصَّصَهُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ المَلائِكَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو اسْمُ الجِنْسِ في أرْواحِ الحَيَوانِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ، فَقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وجَماعَةٌ مِنَ الحُذّاقِ: المَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومِقْدارُ المَسافَةِ -إنْ لَوْ عَرَجَها آدَمِيٌّ- خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، فَمَن جَعَلَ "الرُوحَ" جِبْرِيلَ ونَوْعًا مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: المَسافَةُ هي مِن قَعْرِ الأرْضِ السابِعَةِ إلى العَرْشِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِن جَعَلَ "الرُوحَ" جِنْسَ أرْواحِ الحَيَوانِ قالَ: المَسافَةُ مِن وجْهِ هَذِهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ عُلُوًّا، قالَهُ وهْبُ بْن مُنَبِّهٍ، وقالَ: قَوْمٌ المَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في نَفْسِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكُمْ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، والحَكَمُ: أرادَ اللهُ تَعالى مُدَّةَ الدُنْيا فَإنَّها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها ولا ما بَقِيَ، فالمَعْنى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُوحُ إلَيْهِ في مُدَّةِ الدُنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ، ويَتَمَكَّنُ -عَلى هَذا فِي- "الرُوحِ" أنْ يَكُونَ جِنْسَ أرْواحِ الحَيَوانِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بَلِ اليَوْمَ المُشارِ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ -ثُمَّ اخْتَلَفُوا- فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْرُهُ في الطُولِ قَدْرَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا جَعَلَ لَهُ صَفائِحَ مِن نارِ يَوْمِ القِيامَةِ تُكْوى بِها جَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ وجَنْباهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ".» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: بَلْ قَدْرُهُ في هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ ورَزاياهُ لِلْكُفّارِ قَدْر خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ في اليَوْمِ العَصِيبِ: إنَّهُ كَسَنَةٍ، ونَحْوُ هَذا، قالَ أبُو سَعِيدٍ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ، ما أطْوَلُ يَوْمًا مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيَخِفَّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ"،» وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى كانَ مِقْدارَ ما يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ القَضايا والحِسابِ قَدْرَ ما يَنْقَضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُنْيا.

وقَدْ ورَدَ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ كَألْفِ سَنَةٍ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ دُونَ طَوائِفَ.

والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" - عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ - قَوْلُهُ تَعالى: "مِن دافِعٍ"، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ "تَعْرُجُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَعْرُجُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "يُعَرِّجُ" بِالياءِ لِأنَّ التَأْنِيثَ بِالياءِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وبِالياءِ مِن تَحْتٍ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأنَّهُ كانَ يَذْكُرُ المَلائِكَةَ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَبْرِ الجَمِيلِ، وهو الَّذِي لا يَلْحَقُهُ عَتَبَ مِن فَشَلِ ولا شَكَّ ولا قِلَّة رَضِيَ ولا غَيْرَ ذَلِكَ، والأمْرُ بِالصَبْرِ الجَمِيلِ مُحْكَمٌ في كُلِّ حالَةٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا" يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ فَهو في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَهُمْ، وإنَّهُ تَعالى يَراهُ قَرِيبًا مِن حَيْثُ هو واقِعٌ وآتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ في "يَرَوْنَهُ" عائِدٌ عَلى العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ" تَكُونُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ، و"المُهْلِ": عَكِرَ الزَيْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَهي لِسَوادِها وانْكِدارِ أنْوارِها تُشْبِهُ ذَلِكَ، والمُهْلُ أيْضًا ما أُذِيبَ مِن فِضَّةٍ ونَحْوِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، فَتَجِيءُ لَهُ ألْوانٌ وتَمَيُّعٌ مُخْتَلَطٌ، والسَماءُ أيْضًا لِلْأهْوالِ الَّتِي تُدْرِكُها تَصِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ، و"العِهْنُ" الصُوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو الصُوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وقِيلَ المَصْبُوغُ أيُّ لَوْنٍ كانَ، وقالَ الحَسَنُ: هو الأحْمَرُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّهُ المَصْبُوغُ ألْوانًا بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ ∗∗∗ نَزَلْنَ بِهِ حَبَّ الفَنا لَمْ يُحَطِّمِ وحَبُّ الفَنا هو عِنَبُ الثَعْلَبِ، وكَذَلِكَ هو عِنْدَ طِيبِهِ وقَبْلَ تَحْطِيمِهِ ألْوانٌ، بَعْضُهُ أحْمَرُ، وبَعْضُهُ أصْفَرُ، وبَعْضُهُ أخْضَرُ؛ لِاخْتِلافِهِ في النُضْجِ، وتُشْبِهُ الجِبالَ بِهِ عَلى هَذا لِأنَّها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ، فَيَجِيءُ التَشْبِيهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما في الألْوانِ، والثانِي وَفِي الِانْتِفاشِ، ومَن قالَ إنَّ "العِهْنَ" الصُوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ جَعَلَ التَشْبِيهَ في الِانْتِفاشِ وتَخَلْخُلِ الأجْزاءِ فَقَطْ، قالَ الحَسَنُ: والجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ تَسِيرُ بِالرِياحِ ثُمَّ يَشْتَدُّ الأمْرُ بِها فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ لا يَزالُ الأمْرُ بِها فَتَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا.

وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ والمَدَنِيُّونَ وطَلْحَةُ والناسُ: "وَلا يَسْألُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، و"الحَمِيمُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ-: القَرِيبُ والوالِي، فالمَعْنى: ولا يَسْألُهُ نُصْرَةً ولا مَنفَعَةً لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُها عِنْدَهُ، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: ولا يَسْألُهُ عن حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ، قَدْ بَصَّرَ كُلُّ أحَدٍ حالَةَ الجَمِيعِ وشُغِلَ بِنَفْسِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ السُدِّيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ - بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو حَيْوَةَ "وَلا يُسْألُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى: ولا يُسْألُ إبْصارُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ لَهُ سِيما يَعْرِفُ بِها، وكَذَلِكَ كَلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ سِيما خَيْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُسْألُ عن أعْمالِهِ وذُنُوبِهِ لِيُؤْخَذَ بِها ولَيُّهُ ووِزْرُهُ.

و"يُبَصَّرُونَهُمْ"- عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِيلَ: مَعْناهُ: في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في المَحْشَرِ يُبَصَّرُ المُجْرِمُ حَمِيمَهُ ثُمَّ يَفِرُّ عنهُ لِشَغْلِهِ بِنَفْسِهِ، تَقُولُ: بَصَرُ فُلانٍ بِالشَيْءِ وبَصَّرْتُهُ بِهِ: أرَيْتُهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا بَصَرَتْكَ البَيْداءَ فاسْرِي ∗∗∗ وأمّا الآنَ فاقْتَصِدِي وقَيْلِي وقَرَأ قَتادَةُ: "يُبَصِّرُونَهُمْ" بِسُكُونِ الباءِ وكَسَرَ الصادَ خَفِيفَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُبَصَّرُونَهُمْ" مَعْناهُ:يُبْصِرُ المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في النارِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الكُفّارُ مَن أضَلَّهم في النارِ عِبْرَةً وإشْفاقًا عَلَيْهِمْ وخِزْيًا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل لجملتي ﴿ سال سائل بعذاب واقع ﴾ [المعارج: 1] ولِجملة ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ [المعارج: 5]، أي سألوا استهزاء لأنهم يرونه مُحالاً وعليك بالصبر لأنا نعلم تحققهُ، أي وأنت تثق بأنه قريب، أي محقق الوقوع، وأيضاً هو تجهيل لهم إذ اغتروا بما هم فيه من الأمن ومسالمة العرب لهم ومن الحياة الناعمة فرأوا العذاب الموعود بعيداً، إن كان في الدنيا فلأمنهم، وإن كان في الآخرة فلإِنكارهم البعث، والمعنى: وأنت لا تشبه حالهم وذلك يهوِّن الصبر عليك فهو من باب ﴿ ولا تتبع أهواءَهم ﴾ [المائدة: 48]، ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتَبَع هواه ﴾ [الكهف: 28].

و ﴿ بعيداً ﴾ هنا كناية عن معنى الإِحالة لأنهم لا يؤمنون بوقوع العذاب الموعود به، ولكنهم عبروا عنه ببعيد تشكيكاً للمؤمنين فقد حكى الله عنهم أنهم قالوا ﴿ أإذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد ﴾ [ق: 3].

واستعمل ﴿ قريباً ﴾ كناية عن تحقق الوقوع على طريق المشاكلة التقديرية والمبالغة في التحقق.

وبين ﴿ بعيداً ﴾ و ﴿ قريباً ﴾ محسن الطباق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المَعارِجِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ في سَألَ سائِلٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ اسْتَخْبَرَ مُسْتَخْبِرٌ عَنِ العَذابِ مَتى يَقَعُ، عَلى التَّكْذِيبِ.

الثّانِي: دَعا داعٍ أنْ يَقَعَ البَلاءُ بِهِمْ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: طَلَبَ طالِبٌ.

﴿ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ وفي هَذا الطّالِبِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ صاحِبَ لِواءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ سَألَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ  ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ: وهو القائِلُ لِذَلِكَ، قالَهُ رَبِيعُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ.

وَفي هَذا العَذابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ في الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وعَذابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِالقَتْلِ والأسْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقَرَأ نافِعٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ (سَألَ سايِلٌ) غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وسايِلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَسِيلُ بِالعَذابِ.

﴿ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ذِي الدَّرَجاتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ذِي العَظَمَةِ والعَلاءِ.

الرّابِعُ: ذِي المَلائِكَةِ، لِأنَّهم كانُوا يَعْرُجُونَ إلَيْهِ، قالَهُ قُتَيْبَةُ.

الخامِسُ: أنَّها مَعارِجُ السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ ﴾ أيْ تَصْعَدُ، وفي الرُّوحِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ يُقْبَضُ، قالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، يَرْفَعُهُ.

الثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ، كَما قالَ تَعالى: ( ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ ) .

الثّالِثُ: أنَّهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسَ بِالنّاسِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها مُدَّةُ الدُّنْيا، مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى وكَمْ بَقِيَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِقْدارُ مُدَّةِ الحِسابِ في عُرْفِ الخَلْقِ أنَّهُ لَوْ تَوَلّى بَعْضُهم مُحاسَبَةَ بَعْضٍ لَكانَ مُدَّةُ حِسابِهِمْ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ.

وَرَوى مُعاذٌ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ( «يُحاسِبُهُمُ اللَّهُ بِمِقْدارِ ما بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ولِذَلِكَ سَمّى نَفْسَهُ سَرِيعَ الحِسابِ، وأسْرَعَ الحاسِبِينَ» ) .

﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ جَزَعٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ الصَّبْرُ الَّذِي لا بَثَّ فِيهِ ولا شَكْوى.

الثّالِثُ: أنَّهُ الِانْتِظارُ مِن غَيْرِ اسْتِعْجالٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُجامَلَةُ في الظّاهِرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِيما أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلى ما قَذَفَهُ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهُ مَجْنُونٌ وأنَّهُ ساحِرٌ وأنَّهُ شاعِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلى كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ جِهادَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَعْثُ في القِيامَةِ.

الثّانِي: عَذابُ النّارِ.

وَفي المُرادِ بِالبَعِيدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُسْتَحِيلٌ غَيْرُ كائِنٍ.

الثّانِي: اسْتِبْعادٌ مِنهم لِلْآخِرَةِ.

﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ أيْ كائِنًا، لِأنَّ ما هو كائِنٌ قَرِيبٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الأعمش رضي الله عنه ﴿ إنهم يرونه بعيداً ﴾ قال: الساعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنهم يرونه بعيداً ﴾ قال: بتكذيبهم ﴿ ونراه قريباً ﴾ قال: صدقاً كائناً.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في المتفق والمفترق والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ قال: إنها الآن خضراء، وإنها تحول يوم القيامة لوناً آخر إلى الحمرة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ قال: كدرديّ الزيت وسواد العرق من خوف يوم القيامة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: تنادى به القسم السموم كأنها ** تبطنت الأقراب من عرق مهلاً وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ قال: عكر الزيت ﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ قال: كالصوف، وفي قوله: ﴿ يبصرونهم ﴾ قال: المؤمنون يبصرون الكافرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ قال: شغل كل إنسان بنفسه عن الناس ﴿ يبصرونهم ﴾ قال: تعلمن والله ليعرفن يوم القيامة قوم قوماً، والناس أناس ﴿ يود المجرم لو يفتدي ﴾ الآية قال: يتمنى يوم القيامة لو يفتدي بالأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته لتشديد ذلك اليوم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يبصرونهم ﴾ قال: يعرف بعضهم بعضاً، وتعارفون، ثم يفر بعضهم من بعض.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وفصيلته ﴾ قال: عشيرته.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه ﴿ وفصيلته التي تؤويه ﴾ قال: قبيلته التي ينتسب إليها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفصيلته ﴾ قال: قبيلته، وفي قوله: ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: لجلود الرأس ﴿ تدعوا من أدبر وتولى ﴾ قال: عن الحق ﴿ وجمع فأوعى ﴾ قال: جمع المال.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: تنزع أم الرأس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: لهامته ومكارم وجهه ﴿ تدعوا من أدبر ﴾ قال: عن طاعة الله تعالى ﴿ وتولى ﴾ قال: عن كتاب الله وعن حقه ﴿ وجمع فأوعى ﴾ قال: كان جموعاً للخبيث.

وأخرج عبد بن حميد عن قرة بن خالد رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: نزاعة للهام تحرق كل شيء منه، ويبقى فؤاده نضجاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ الشوى الأطراف.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: فروة الرأس.

وأخرج ابن المنذر عن ثابت رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: لمكارم وجه ابن آدم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: للحم الساقين.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: الأطراف.

وأخرج ابن سعد عن الحكم رضي الله عنه قال: كان عبد الله بن حكيم لا يربط كيسه قال: سمعت الله يقول: ﴿ جمع فأوعى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاصبر ﴾ هذا متصل بما قبله من العذاب وغيره، أي: اصبر على أقوال الكافرين حتى يأتيهم العذاب، ولذلك وصفه بالقرب مبالغة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾ يحتمل أن يعود الضمير على العذاب، أو على اليوم الذي مقداره خمسن ألف سنة، والبعيد يحتمل أن يراد به بعد الزمان أو بعد الإمكان، وكذلك القرب يحتمل أن يراد به قرب الزمان لأن كل آت قريب، ولأن الساعة قد قربت، وقرب الإمكان لقدرة الله عليه ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل ﴾ يوم هنا بدل من؛ يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، أو بدل من الضمير المنصوب في ﴿ نراه ﴾ أو منصوب بقوله: قريباً، أو بقوله: ﴿ يَوَدُّ المجرم ﴾ [المعارج: 11]، أو بفعل مضمر تقديره: أذكر.

والمهل: هو دُردي الزيت شبه السماء به في سوادها وانكدار أنوارها يوم القيامة، وقيل: هو ما أذيب من الفضة ونحوها، شبَّه السماء به في تلوُّنه ﴿ وَتَكُونُ الجبال كالعهن ﴾ العِهن هو الصوف، شبّه الجبال به في انتفاشه وتخلخل أجزائه وقيل: هو الصوف المصبوغ ألواناً فكيون التشبيه في الانتفاش، وفي اختلاف الألوان، لأن الجبال منها بيض وسود وحمر ﴿ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ الحميم هنا الصديق والمعنى لا يسأل أحد من حميمه نصرة ولا إعانة؛ لعلمه أنه لا يقدر له على شيء، وقيل: لا يسأله عن حاله لأن كل أحد مشغول بنفسه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سأل ﴾ بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي ﴿ ولا يسأل ﴾ بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي ﴿ يومئذ ﴾ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي ﴿ توويه ﴾ بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب: حفص والمفضل ﴿ يخرجون ﴾ من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف ﴿ إلى نصب ﴾ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص ﴿ نصب ﴾ بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون.

الوقوف: ﴿ واقع ﴾ ه لا ﴿ دافع ﴾ ه لا ﴿ المعارج ﴾ ه لا ﴿ سنة ﴾ ج ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه لا ﴿ قريباً ﴾ ه ط ﴿ كالمهل ﴾ ه لا ﴿ كالعهن ﴾ ه لا ﴿ حميماً ﴾ ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على ﴿ يبصرونهم ﴾ ﴿ ببنيه ﴾ ه لا ﴿ وأخيه ﴾ ه ﴿ تؤويه ﴾ ه لا ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ينجيه ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ لظى ﴾ ه ج لأن من قرأ ﴿ نزاعة ﴾ بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر ﴿ لظى ﴾ والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة أو خبر مبتدأ محذوف.

ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص.

﴿ للشوى ﴾ ه ص لأن ﴿ يدعو ﴾ يصلح مستأنفاً وبدلاً من ﴿ نزاعة ﴾ ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ فأوعى ﴾ ه ﴿ هلوعاً ﴾ ه لا ﴿ جزوعاً ﴾ ه لا ﴿ منوعاً ﴾ ه لا ﴿ المصلين ﴾ ه لا ﴿ دائمون ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ والمحروم ﴾ ه ص ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ مشفقون ﴾ ه ج ﴿ مأمون ﴾ ه ﴿ حافظون ﴾ ه لا ﴿ ملومين ﴾ ه ج ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ قائمون ﴾ ه ك ﴿ يحافظون ﴾ ه لا ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لانقطاع المعنى ﴿ مهطعين ﴾ ه لا ﴿ عزين ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ لقادرون ﴾ ه ج ﴿ منهم ﴾ ج بناء على أن الواو للحال ﴿ بمسبوقين ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه لأن ما بعد بء دل ﴿ يوقضون ﴾ ه ج لأن ما بعد حال من الضمير ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: من قرأ ﴿ سأل ﴾ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة  ﴾ الآية فأنزل الله  ﴿ سأل سائل ﴾ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء.

يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه.

وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة.

إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر.

الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله  استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب.

والباء بمعنى " عن ".

قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله  أن هذا واقع بهم فلا دافع له.

والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز.

والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما ﴿ سائل ﴾ فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع.

وقوله ﴿ للكافرين ﴾ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين.

والظاهر أن قوله ﴿ من الله ﴾ يتعلق ﴿ بدافع ﴾ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم.

وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ﴿ ذي المعارج ﴾ المصاعد.

روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.

وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد.

وقيل: هي الجنة لأنها درجات.

وقال في التفسير الكبير.

وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواحكالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.

قوله ﴿ تعرج الملائكة والروح ﴾ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة.

قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح.

وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله.

وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل  .

ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ ﴿ المعارج ﴾ فإنا بينا أنها المراتب.

قووله ﴿ إليه ﴾ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة.

والأكثرون على أن قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ تعرج ﴾ .

أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة.

قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية.

والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما "روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله  : ما أطول هذا اليوم؟

فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا" .

ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن.

ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق.

والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة.

ثم إنه  يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.

وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة.

قاله وهب وجماعة من أهل التفسير.

وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة.

ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى.

ومر في " ألم السجدة ".

وقال جمع من المفسرين قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ واقع ﴾ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة.

وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله  إلى نوع آخر من العذاب.

يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به.

وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش.

وفي قوله ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ تسلية للنبي  كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان ﴿ ونراه قريب ﴾ منه ثم قال ﴿ يوم ﴾ أي اذكر يوم ﴿ تكون السماء كالمهل ﴾ كدرديّ الزيت.

عن ابن مسعود: كالفضة المذابة.

﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود  ﴾ وجوز جار الله أن ينتصب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ قريباً ﴾ أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ﴿ بواقع ﴾ قوله ﴿ ولا يسأل حميم ﴾ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار.

وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك.

ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال ﴿ يبصرونهم ﴾ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي.

وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه ﴿ وفصيلته ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تؤويه ﴾ تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله ﴿ كلا ﴾ وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك.

والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن ﴿ لظى ﴾ علم لنار جهنم.

واللظى اللهب الخالص.

والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله  .

وفي قوله ﴿ تدعو ﴾ وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً.

فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها.

ومنها أن الله  يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب.

ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها.

ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه ﴿ من أدبر ﴾ أي عن الطاعة ﴿ وتولى ﴾ عن الإيمان ﴿ وجمع ﴾ المال حرصاً عليه ﴿ فأوعى ﴾ جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس.

ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال ﴿ إن الإنسان ﴾ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه ﴿ خلق هلوعاً ﴾ والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر ﴾ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار ﴿ كان جزوعاً وإذا مسه الخير ﴾ أضداد ذلك ﴿ كان منوعاً ﴾ عن النبي  " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع" قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله  .

بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه  ذكره في معرض الذم والله  لا يذم فعله.

ولأنه  استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات.

ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.

والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.

الثاني ﴿ والذين في أموالهم حق ﴾ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.

قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب.

قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار.

الثالث ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بالغيب والجزاء.

الرابع ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية.

ثم أكد ذلك الخوف بقوله ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها.

الخامس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ إلى قوله ﴿ العادون ﴾ وقد مر في " المؤمنين ".

والسادس ﴿ والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون ﴾ وقد مر أيضاً.

السابع ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها.

وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها.

وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له.

الثامن ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقد ذكرناه.

ثم عين مكان هؤلاء بقوله  ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله  فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت.

﴿ فما للذين كفروا قبلك ﴾ أي نحوك وفي مقابلتك ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليك ﴿ عزين ﴾ فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون.

وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في ﴿ عضين ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع.

والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح.

وفي قوله ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح.

ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات.

ومعنى ﴿ المشارق والمغارب ﴾ قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً.

وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه.

وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.

واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟

قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين.

وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان.

وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ".

ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله ﴿ وما ذبح على النصب  ﴾ ومعنى ﴿ يوفضون ﴾ يسرعون.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ ﴾ قرئ بتسكين الألف، ومعناه: سال واد بعذاب واقع للكافرين، أي: جرى واد بعذاب واجب.

والقراءة العامّة بالهمزة من السؤال، وتأويله على سؤال القوم العذاب بقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا  ﴾ .

وقيل: هو النضر بن الحارث، سأل ذلك، فقتل يوم بدر بعدما أسر؛ هكذا قال بعض أهل التأويل.

ولكن عندنا [أن] هذا وإن كان في الظاهر خارجاً مخرج السؤال، لكن لم يكن سؤاله هذا لينزل به العذاب في التحقيق، وإنما هذا منه على جهة الاستبعاد بالعذاب والاستهزاء برسول الله  ، [والذي حملهم على الاستبعاد والإنكار هو أنه كان عند أهل مكة: أنه لو كان فيهم نبي، لكانوا هم أحق بالنبوة من رسول الله -  -] لأنهم هم الذي بسطت لهم الدّنيا، وهم الذين لهم نفاذ الكلام في البلاد، ورسول الله  لم تبسط له الدنيا، ولا كان لكلامه فيما بينهم نفاذ، فيظنون بهذا أنهم أقرب منزلة عند الله -  - من النبي  ؛ لأنه لا يستقيم في العقل أن يصل الولي إلى عدوه، ويحسن إليه ويدع صلة وليه ويجفوه، فهذا الظن الذي ذكرنا هو الذي حملهم على تكذيب رسول الله  فيما يخبرهم من حلول العذاب بالتكذيب، وعلى الاستهزاء به، فكان سؤال السائل على جهة الاستبعاد والإنكار للعذاب، لا أن كانوا مقرين به ثمّ استعجلوه.

وذكر أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أبرنا قسماً، وأوصلنا رحماً، وأقرانا للضيف؛ فكان يدعو بهذا لما عنده: أنه أشرف حالاً وأعلى منزلة عند الله -  - من محمد  وأتباعه، ومن كان هذا شأنه، فهو أولى أن ينصر؛ قال الله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، ولو لم يكن عندهم أنهم أقرب منزلة وأحق أن يكونوا أولياء، وإلا لم يكونوا يجترئون أن يسألوا بهذا، فهذه الشبهة التي ذكرناها هي التي أورثت لهم ما ذكرناها من الظن، حتى زعموا أنهم أحق بالرسالة، وظنهم هذا يتولد من ظن إبليس، وذلك أن إبليس قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ ؛ فظن أن أمر الفاضل للمفضول بالسجود في الخضوع له خارج عن حد الحكمة؛ فصار إلى ما صار إليه من الخزي واللعن، فكذلك هؤلاء لما رأوا من نفاذ كلمتهم وسعتهم في الدنيا ظنوا أنهم أقرب إلى الله -  - إذ التوسع عندهم دلالة الولاية والقرب.

ثم سفههم هو الذي حملهم على التكبّر على رسول الله  وترك الخضوع، وإلا لو أعطوا النصفة من أنفسهم، لكان يجب أن يكونوا هم أطوع خلق الله -  - لأن الواجب على من كثرت عليه النعم من آخر أن يكون هو أشكر للنعم، وأطوع له فيما يدعوه إليه من الذي قلَّت نعمه عليه، فإذا كانوا مقرين أن نعم الله عليهم أكثر، وإحسانه إليهم أوفر، أوجب ما ذكروا أن يكونوا هم ألزم لطاعته، وآخذ لما يأمرهم به، وكذلك إبليس اللعين إذا رأى لنفسه فضلا، وإنما استوجب ذلك بما أنعم الله - عز وجل - عليه، كان الحق عليه أن يتسارع إلى طاعته وينقاد لما أمر به؛ لا أن يظهر الخلاف من نفسه وترك الائتمار بأمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ أي: هو واقع بهم لا محالة في علم الله  .

أو ﴿ وَاقِعٍ ﴾ بمعنى: سيقع، كما يقال: قابل: أي: سيقبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ فإن كان قوله: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ ، فحقه أن يقول: على الكافرين، ولكن اللام من حروف الإضافة والخفض، وحروف الإضافة مما [يستبدل بعضها ببعض]؛ فجعل اللام بدلا عن "على".

وإن كان قوله: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ فمعناه: أن ليس على الكافرين دافع لعذاب الله - عز وجل - بل واقع بهم لا محالة، فأبدلت اللام مكان "عن"؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض.

وقد يدفع العذاب عن المسلمين من وجوه: إما برحمة الله -  - أو بشفاعة الرسل والأخيار، وإما بحسنات سبقت منهم، توجب تكفير سيئاتهم.

فأما الكفار فلا تنالهم رحمته، ولا شفاعة أحد من الخلائق، وليست لهم حسنات تكفر سيئاتهم، فليس لهم ما يدفع عنهم العذاب.

وجائز أن يكون معناه: أن الذين ظنوا أنه ينصرهم عند النوائب وحلول الشدائد، لا يقوم بنصرهم، ولا يشفع لهم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الملائكة على رجاء أن يشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ ﴾ أي: ذلك العذاب لهم من الله -  - ذي المعارج؛ أي: [من] له المعارج؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  ﴾ أي: الذي له العرش.

واختلفوا في المعارج: قال بعضهم: هي المصاعد، وهي السماوات، وسمّاهن مصاعد؛ لأن بعضها أصعد من بعض وأرفع، ولو قال: ذي المسافل، كان مستقيماً، واقتضى ما يقتضي قوله: ذي المعارج؛ لأن بعضها إذا كان أصعد [من بعض؛ فالذي] تحتها أهبط وأسفل، ولكن ذكر المصاعد؛ لأن هذا أعلى في الوصف.

ثم في ذكر هذا عظيم نعمه وإحسانه إلى خلقه؛ حيث خلق السماوات والأرض مسكناً لأهلها، وبسط الأرض مسكناً لأهلها، حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له أن يفضل بعضاً على بعض، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة ويختص بها.

وذكرهم - أيضاً - حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه حيث وضع سماء على سماء، وخلقهن طباقاً من غير عمد تحتها تمسكها، أو علائق من فوقها تربطها، فتبين أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه؛ فيكون في ذكر كل وجه مما ذكرنا إزالة الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة وإيضاح بأن من قدر على ما ذكرنا لقادر على الإعادة بعد الإفناء.

وقيل: المعارج: المعالي، أي: الذي له العلو والرفعة، كما قلنا في قوله: الحمد لله، أي: لا أحد يستحق الحمد في الحقيقة، وما حمد أحد إلا وذلك في الحقيقة لله -  - لأنه به استفاده، فعلى ذلك قولنا: له العلو والرفعة، أي: ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله -  - لأنه استفاده به.

والثاني: أي: هو الموصوف بالعلو والجلال عما يقع عليه أوهام الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ تَعْرُجُ ﴾ ليس عن هبوط يصعد ويعرج، لكن أنشأهم كذلك معروجين؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ  ﴾ ، أي: أنشأهم كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا  ﴾ ليس أنها كانت في موضع منحط فرفعها، لكنه كذلك خلقها مرفوعة؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ ، أي: أنشأهم كذلك ليستعملهم ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ .

ووجه آخر - وهو الأشبه بالآية -: وهو ما قالوا: إن الملائكة تعرج إليه؛ أي: إلى الموضع الذي منه أرسلهم إلى أنواع الأمور في يوم لو قدر ذلك العروج بعروج البشر وسيرهم، لكان مقدار خمسين ألف سنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، فيحتمل أن يكون هذا الوقت وقت تقدير عروج الملائكة وصعودهم، وهو أن البعض ينزل منهم، ثم يعرج في يوم واحد، مقدار ذلك المسير ألف عام، والبعض منهم ينزل ويعرج في يوم واحد مسيرة خمسين ألف سنة؛ فيكون في هذا إبانة أن ليس أهل سماء أحق أن يدور عليهم تدبير أهل الأرض من أهل سماء؛ بل ينزل أهل سماء إلى [أهل] الأرض مرة؛ لما يراد من تدبير، وينزل أهل سماء أخرى بتدبير آخر، ثم [من] أي سماء يرسل، فهو يصعد إلى تلك السماء [في] يوم واحد، إن أرسل من السماء السابعة أو السادسة أو الأولى، فهو يصعد إليها في ذلك اليوم، فيكون في هذا تبيين قوة بعض الملائكة على بعض: أن فيهم من يسير مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد، وفيهم من يسير مسيرة ألف سنة، ومن قدر على أن يخلق في خلق من خلائقه من القوة ما يقطع هذه المسافة في يوم واحد، لا يحتمل أن يعجزه شيء؛ فيكون في ذكر هذا تحقيق كون ما به هول أمر القيامة والبعث.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ راجعا إلى يوم القيامة، فذكر في موضع أن مقداره ألف سنة، وذكر هاهنا أن مقداره خمسين ألف سنة، والأصل أن ذلك اليوم ليس بذي حد ولا له غاية ينتهي إليها، فما يخبر من الحد فيه، فهو يخرج مخرج تعظيم ذلك اليوم؛ ليقع به التهويل والتقريع، فبأي شيء يعظم ذكره في القلوب [يذكره]؛ فمرة ذكره بالخلود، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، إذ هذه الأشياء مما يعظم [ذكرها] في القلوب، وكذلك الألف هي عظيمة في القلوب، فإذا كانت هذه الأشياء يعظم ذكرها في القلوب فذكر الشيء الواحد من الجملة أو ذكر الأشياء يقتضي معنى واحدا.

ومنهم من يصرف الألف إلى تقدير عروج الخلائق إلى السماء في ذلك اليوم، ويصرف قوله: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ إلى تقدير المقام للحساب قبل أن يدخلوا النار.

وجائز أن يكون تأويله على ما ذكره بعض أهل التفسير، وهو أن الله  لو جعل حساب الخلق يومئذ إلى الخلق، فتكلفوا أن يفرغوا من حسابهم، لمن يفرغوا [منه] إلا في مقدار خمسين ألف سنة، لكن الله  بلطفه يحاسبهم حسابا يفرغون منه في أدنى وقت حتى يصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار في النار؛ على ما جاء في الأخبار، وذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ  ﴾ .

فإن قيل في قوله - عز وجل -: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، أن كيف قدر ذلك بصعودنا، ونحن لم يمكن [لنا] من الصعود، ولم ننشأ على ما في طبعنا إنشاء الصعود حتى ننظر: أنه ألف سنة أو أقل أو أكثر.

وجوابه أن يقال: إن تأويله - والله أعلم -: أنه لو بسط ما بين السماء والأرض، وصار بحيث يمكن السير عليه، لم يقطع ذلك المسير إذا احتجنا إلى قطعه إلا بألف سنة مما تعدون.

وجائز أن يكون تأويله: أن لو جُعل لنا إلى السماء بابٌ، وفتح، وظللنا نعرج إليها لم نتوصل إليها إلا في ألف عام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾ ، قيل: الصبر الجميل هو صبر لا جزع فيه، والصبر الذي لا جزع فيه هو أن يصبر صبرا لا يرى عليه أثر الصبر، بألا يظهر في وجهه كراهة، ولا عبوسة، وهو أن ينظر إلى من آذاه بعين الرضا والشفقة، ليس بعين السخط والكراهة.

أو الصبر الجميل ألا يكافئهم، ولا يدع شفقته ورحمته [عليهم] بما يؤذونه، [وقد كان -  - كذلك مشفقاً] بهم رحيما، حتى بلغت شفقته ورحمته وحزنه على كفار قومه مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، كما قال [الله]  : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ  ﴾ ، فالرسل - عليهم السلام - كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان أنفسهم بما أوذوا، بل كانوا يحزنون لمكان من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله  ، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم؛ [ليس سوء] صنيعهم ومعاملتهم معهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾ ، أي: بعيدا أن يكون، فيكون على النفي والإنكار، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي؛ يقول الرجل في المناظرة لصاحبه: أبعدت في القول؛ إذا أجاب شيء لا ثبات له ولا صحة، فيريد بقوله: "أبعدت": النفي؛ أي: ليس كما تقول، وقال الله  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، ومعناه على [نفي النداء]؛ أي: لا ينادون.

أو أن يكون قوله: ﴿ بَعِيداً ﴾ أي: مستبعدا كونه، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه.

﴿ وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: قريبا كونه، إن كان معنى قوله: ﴿ بَعِيداً ﴾ أي: بعيدا كونه.

أو ﴿ وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم، وكل ما هو كائن فهو قريب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، فكأنهم سألوا رسول الله  عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب متى وقته؟

فنزلت [هذه] الآية: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .

وقيل: المهل: عكر الزيت، وهو درديّه؛ فجائز أن يكون هذا على التحقيق، وهو أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون، فتحمر مرة، وتصفر أخرى؛ لشدة هول ذلك اليوم، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال.

وجائز ألا يحل بها التغير، ولكن شدة ما ينزل بالمرء من الهول والفزع يضعف بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه، وهو كما يرى المرء إذا حل به الضعف والمرض في الشاهد، ووجد طعم الأشياء على خلاف ما هي عليها؛ فيكون في ذكر هذا تهويل وتفزيع أن هول ذلك اليوم شديد لا تقوم لهوله السماوات والأرضون مع صلابتها وغلظها في نفسها، فكيف يقوم لهولها الآدمي الموصوف بالضعف واللين.

وجائز [أن تكون] على ما ذكرنا أنها تصير شبيهة بالمهل؛ للينها [ورخاوتها، وهو] أنها تلين وترخو من هول ذلك اليوم حتى تصير السماء كالمهل، والجبال كالعهن؛ فيكون في هذا - أيضا - تهويل؛ ليرجعوا عما هم عليه ويقبلوا على عبادة الله  ، ويتسارعوا إلى طاعته.

وتأويل العهن، ووجه تشبيه الجبال بها يذكر بعد هذا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ قرئ برفع الياء ونصبها، فمن رفع الياء فتأويله: أي: لا يطلب حميم من حميم، ولا يؤخذ بمكانه كما يفعل مثله في الدنيا؛ لأن ذلك اليوم هو يوم العدل، وليس من العدل أن يؤخذ الغير بذنب الغير.

ومن قرأه بالنصب فتأويله: ألا يسأل حميم حميما من شدة ذلك اليوم وهوله النصرة والشفاعة.

أو لا يسأل عن حاله بما حل [به] من الشغل في نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ ﴾ يحتمل أن يُعَرَّف بعضهم عن بعض أن هذا أبوك وابنك وحميمك؛ إذ لا يعرفه إلا بالتعريف؛ لما حل به من شدة الهول والفزع، ثم إذا عرفوا لا يسألونهم؛ بل يفر بعضهم من بعض، كما قال  : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ الآية [عبس: 34].

أو يكون معناه: أن يبصروا ما سبق منهم من الذنوب والأجرام، فيعرفونها، وتصير لهم حاضرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ففي هذا أنه يستقبلهم في ذلك هول وفزع لم يكن لهم بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ببالهم ذلك؛ لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته، وأخيه، وأقربائه، وجميع من في الأرض؛ فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ ليحمل الناس على الإنابة [إلى الله]  والانتهاء عما نهاهم عنه.

ثم بدأ بذكر البنين والأقربين وأنهاه بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين؛ لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين، ويضن ببذل الأقربين فداء، فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق، وإذا كان كذلك فغاية التهويل والتفزيع أن يبدأ بذكر الأباعد، ويختم بذكر الأقارب، فكيف ابتدأ بذكر الأقربين؟

فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض إذا كان له عليهم ملك وكانوا بأجمعهم له، وإذا كانوا جميعا له ملكا، كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة أو أكثر، فكما يضن ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه [فداء]، فكذلك يضن بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له؛ فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى، ولكنه ذكر الآحاد أولا، ثم ذكر الجماعة ثم ذكر جماعة الجماعة؛ ليعلموا ألا ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين ودوا الفداء؛ ليتخلصوا من عذاب الله  لا يشتد عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُنجِيهِ ﴾ رد وتنبيه ألا ينجيه ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ ﴾ الآية، فاللظى: اسم من أسماء النار، والشوى: قيل: [هي] مكارم خلقه.

وقيل: هي القوائم والأطراف.

وقيل: هي الجلود.

والأصل أن نار جهنم تعمل على أصحابها كل قبيح وكل مستشنع مستفظع، فإن شئت صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم خلقه الأخلاق؛ لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ  ﴾ فقيل في تأويل المطهرة وجوه.

إحداها: أنهن مطهرات من العيوب والآفات، [وجملته]: أنه ما من شيء يستحسن ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستشنع ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ فجائز أن يكون الدعاء منها على التحقيق، وهو أن يجعل الله  [لها] باللطف لسانا تدعو به، أو يخلق فيها الكلام من غير لسان، فتقول: إليّ، إليّ.

وجائز أن يكون [هذا] على التمثيل، وهو أنها لا تدع أحدا يفر عنها، ويتخلص من عذابها، فكأنها دعته إلى نفسها.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: من كان أدبر في الدنيا [عن] طاعة الله  ، وتولى عن الإجابة لرسله؛ كقوله  : ﴿ تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا  ﴾ أي: أعرض.

أو أدبر عن توحيده، وتولى عن النظر في حجته، وفيما جاء من عنده.

ويحتمل قوله: ﴿ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: أدبر عن طاعة الله - عز وجل -، ﴿ وَتَوَلَّىٰ ﴾ أي: تولى الشيطان، من الولاية.

وجائز أن يكون أدبر في جهنم، فيدبر رجاء أن يفر عنها، ويتولى؛ فلا تدعه النار ليفر؛ بل تغشاه عن الإعراض، كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ ، ولكن هذا قريب من الأول؛ لأن من تولى عن ذكر الله فقد تولى الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ ﴾ يخبر بقوله: ﴿ وَجَمَعَ ﴾ عمَّا جبل عليه من شدة الحرص على الدنيا؛ فيكون الجمع كناية عن الحرص، فبلغ به هذا الحرص مبلغا أنساه ذكر الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْعَىٰ ﴾ فيه بيان صفته فيما عليه من النهاية في البخل، فيكون الإيعاء كناية عن البخل حتى لم يؤد حق الله  في ماله، أو لم يقم بشكر ما لله  من النعم، أو بلغ به البخل مبلغا منعه ذلك عن قبول حق الله  في ماله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنهم يرون هذا العذاب بعيدًا مستحيل الوقوع.

<div class="verse-tafsir" id="91.N3BoA"

مزيد من التفاسير لسورة المعارج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله