الإسلام > القرآن > سور > سورة 71 نوح > الآية ٢٢ من سورة نوح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة نوح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( ومكروا مكرا كبارا ) قال مجاهد : ( كبارا ) أي عظيما .
وقال ابن زيد : ( كبارا ) أي : كبيرا .
والعرب تقول : أمر عجيب وعجاب وعجاب .
ورجل حسان ، وحسان : وجمال وجمال ، بالتخفيف والتشديد ، بمعنى واحد .
والمعنى في قوله : ( ومكروا مكرا كبارا ) أي : باتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق والهدى ، كما يقولون لهم يوم القيامة : ( بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ) [ سبأ : 33 ] ولهذا قال هاهنا : ( ومكروا مكرا كبارا )
وقوله: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) يقول: ومكروا مكرا عظيما.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( كُبَّارًا ) قال: عظيما.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) كثيرا، كهيئة قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا والكُبَّار: وهو &; 23-639 &; الكبير، كما قال ابن زيد، تقول العرب: أمر عجيب وعجاب بالتخفيف، وعُجَّاب بالتشديد؛ ورجل حُسَان وحَسَّان، وجُمال وَجمَّالٌ بالتخفيف والتشديد، وكذلك كبير وكُبَّار بالتخفيف والتشديد.
قوله تعالى : ومكروا مكرا كبارا أي كبيرا عظيما .
يقال : كبير وكبار وكبار ، مثل عجيب وعجاب وعجاب بمعنى ، ومثله [ ص: 281 ] طويل وطوال وطوال .
يقال : رجل حسن وحسان ، وجميل وجمال ، وقراء للقارئ ، ووضاء للوضيء .
وأنشد ابن السكيت :بيضاء تصطاد القلوب وتستبي بالحسن قلب المسلم القراءوقال آخر :والمرء يلحقه بفتيان الندى خلق الكريم وليس بالوضاءوقال المبرد : كبارا ( بالتشديد ) للمبالغة .
وقرأ ابن محيصن وحميد ومجاهد " كبارا " بالتخفيف .
واختلف في مكرهم ما هو ؟
فقيل : تحريشهم سفلتهم على قتل نوح .
وقيل : هو تعزيرهم الناس بما أوتوا من الدنيا والولد ; حتى قالت الضعفة : لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم .
وقال الكلبي : هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد .
وقيل : مكرهم كفرهم .
وقال مقاتل : هو قول كبرائهم لأتباعهم : لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا .
{ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا } أي: مكرا كبيرا بليغا في معاندة الحق.
( ومكروا مكرا كبارا ) أي كبيرا عظيما يقال : كبير وكبار بالتخفيف كبار بالتشديد ، كلها بمعنى واحد ، كما يقال : أمر عجيب وعجاب وعجاب بالتشديد وهو أشد في المبالغة .
واختلفوا في معنى مكرهم .
قال ابن عباس : قالوا قولا عظيما .
وقال الضحاك : افتروا على الله وكذبوا رسله وقيل : منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح [ وحرضوهم ] على قتله .
«ومكروا» أي الرؤساء «مكرا كبَّارا» عظيما جدا بأن كذبوا نوحا وآذوه ومن اتبعه.
قال نوح: ربِّ إن قومي بالغوا في عصياني وتكذيبي، واتبع الضعفاء منهم الرؤساء الضالين الذين لم تزدهم أموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وعقابًا في الآخرة، ومكر رؤساء الضلال بتابعيهم من الضعفاء مكرًا عظيمًا، وقالوا لهم: لا تتركوا عبادة آلهتكم إلى عبادة الله وحده، التي يدعو إليها نوح، ولا تتركوا وَدًّا ولا سُواعًا ولا يغوث ويعوق ونَسْرا - وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكانت أسماء رجال صالحين، لما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن يقيموا لهم التماثيل والصور؛ لينشطوا- بزعمهم- على الطاعة إذا رأوها، فلما ذهب هؤلاء القوم وطال الأمد، وخَلَفهم غيرهم، وسوس لهم الشيطان بأن أسلافهم كانوا يعبدون التماثيل والصور، ويتوسلون بها، وهذه هي الحكمة من تحريم التماثيل، وتحريم بناء القباب على القبور؛ لأنها تصير مع تطاول الزمن معبودة للجهال.
وقد أضلَّ هؤلاء المتبوعون كثيرًا من الناس بما زيَّنوا لهم من طرق الغَواية والضلال.
ثم قال نوح -عليه السلام-: ولا تزد- يا ربنا- هؤلاء الظالمين لأنفسهم بالكفر والعناد إلا بُعْدا عن الحق.
فبسبب ذنوبهم وإصرارهم على الكفر والطغيان أُغرقوا بالطوفان، وأُدخلوا عقب الإغراق نارًا عظيمة اللهب والإحراق، فلم يجدوا من دون الله مَن ينصرهم، أو يدفع عنهم عذاب الله.
وقوله : ( وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ) صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ، وهو معطوف على صلة " من " والجمع باعتبار معناها ، كما أن الإِفراد فى الضمائر السابقة باعتبار اللفظ .والمكر : هو التدبير فى خفاء لإِنزال السوء بالممكور به .أى : أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك فى الشر ، لم يكتفوا بتحريض أتباعهم على معصيتى ، بل مكروا بى وبالمؤمنين مكرا قد بلغ النهاية فى الضخامة والعظم .فقوله : ( كُبَّاراً ) مبالغة فى الكبر والعظم .
أى : مكرا كبيرا جدا لا تحيط بحجمه العبارة .وكان من مظاهر مكرهم : تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح - عليه السلام - وبأتباعه - وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق ، وأن نوحا ومن معه على الباطل .
فيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ معطوف على ﴿ مَن لَّمْ يَزِدْهُ ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا وقالوا للأتباع: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ ﴾ ، وجمع الضمير وهو راجع إلى ﴿ مِنْ ﴾ ، لأنه في معنى الجمع.
المسألة الثانية: قرئ ﴿ كُبَّاراً ﴾ و ﴿ كُبَّاراً ﴾ بالتخفيف والتثقيل، وهو مبالغة في الكبير، فأول المراتب الكبير، والأوسط الكبار بالتخفيف، والنهاية الكبار بالتثقيل، ونظيره: جميل وجمال وجمال، وعظيم وعظام وعظام، وطويل وطوال وطوال.
المسألة الثالثة: المكر الكبار هو أنهم قالوا لأتباعهم: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ وُدّاً ﴾ فهم منعوا القوم عن التوحيد، وأمروهم بالشرك، ولما كان التوحيد أعظم المراتب، لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر فلهذا وصفه الله تعالى بأنه كبار، واستدل بهذا من فضل علم الكلام على سائر العلوم، فقال: الأمر بالشرك كبار في القبح والخزي، فالأمر بالتوحيد والإرشاد وجب أن يكون كباراً في الخير والدين.
المسألة الرابعة: أنه تعالى إنما سماه مكرًا لوجهين: الأول: لما في إضافة الإلهية إليهم من الحيلة الموجبة لاستمرارهم على عبادتها، كأنهم قالوا: هذه الأصنام آلهة لكم، وكانت آلهة لآبائكم، فلو قبلتم قول نوح لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين كافرين، وعلى آبائكم بأنهم كانوا كذلك، ولما كان اعتراف الإنسان على نفسه، وعلى جميع أسلافه بالقصور والنقص والجهل شاقاً شديداً، صارت الإشارة إلى هذه المعاني بلفظ آلهتكم صارفاً لهم عن الدين، فلأجل اشتمال هذا الكلام على هذه الحيلة الخفية سمى الله كلامهم مكرًا.
الثاني: أنه تعالى حكى عن أولئك المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد، فلعلهم قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح، لأن آلهتكم يعطونكم المال والولد، وإله نوح لا يعطيه شيئاً لأنه فقير، فبهذا المكر صرفوهم عن طاعة نوح، وهذا مثل مكر فرعون إذ قال: ﴿ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ ﴾ وقال: ﴿ أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ .
المسألة الخامسة: ذكر أبو زيد البلخي في كتابه في الرد على عبدة الأصنام أن العلم بأن هذه الخشبة المنحوتة في هذه الساعة ليست خالقة للسموات والأرض، والنبات والحيوان علم ضروري، والعلوم الضرورية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها بين العقلاء، وعبادة الأوثان دين كان موجوداً قبل مجيء نوح عليه السلام بدلالة هذه الآية، وقد استمر ذلك الدين إلى هذا الزمان، وأكثر سكان أطراف المعمورة على هذا الدين، فوجب حمل هذا الدين على وجه لا يعرف فساده بضرورة العقل، وإلا لما بقي هذه المدة المتطاولة في أكثر أطراف العالم، فإذاً لابد وأن يكون للذاهبين إلى ذلك المذهب تأويلات: أحدها: قال أبو معشر جعفر بن محمد المنجم: هذه المقالة إنما تولدت من مذهب القائلين بأن الله جسم وفي مكان، وذلك لأنهم قالوا: إن الله نور هو أعظم الأنوار، والملائكة الذين هم حافون حول العرش الذي هو مكانه، هم أنوار صغيرة بالنسبة إلى ذلك النور الأعظم، فالذين اعتقدوا هذا المذهب اتخذوا صنماً هو أعظم الأصنام على صورة إلههم الذي اعتقدوه، واتخذوا أصناماً متفاوتة، بالكبر والصغر والشرف والخسة على صورة الملائكة المقربين، واشتغلوا بعبادة تلك الأصنام على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة، فدين عبادة الأوثان إنما ظهر من اعتقاد التجسيم.
الوجه الثاني: وهو أن جماعة الصابئة كانوا يعتقدون أن الإله الأعظم خلق هذه الكواكب الثابتة والسيارة، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها، فالبشر عبيد هذه الكواكب، والكواكب عبيد الإله الأعظم، فالبشر يجب عليهم عبادة الكواكب، ثم إن هذه الكواكب كانت تطلع مرة وتغيب أخرى، فاتخذوا أصناماً على صورها واشتغلوا بعبادتها، وغرضهم عبادة الكواكب الوجه الثالث: أن القوم الذين كانوا في قديم الدهر، كانوا منجمين على مذهب أصحاب الأحكام، في إضافات سعادات هذا العالم ونحوساتها إلى الكواكب، فإذا اتفق في الفلك شكل عجيب صالح لطلسم عجيب، فكانوا يتخذون ذلك الطلسم، وكان يظهر منه أحوال عجيبة وآثار عظيمة، وكانوا يعظمون ذلك الطلسم ويكرمونه ويشتغلون بعبادته، وكانوا يتخذون كل طلسم على شكل موافق لكوكب خاص ولبرج خاص، فقيل: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر.
الوجه الرابع: أنه كان يموت أقوام صالحون فكانوا يتخذون تماثيل على صورهم ويشتغلون بتعظيمها، وغرضهم تعظيم أولئك الأقوام الذين ماتوا حتى يكونوا شافعين لهم عند الله وهو المراد من قولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ الوجه الخامس: أنه ربما مات ملك عظيم، أو شخص عظيم، فكانوا يتخذون تمثالاً على صورته وينظرون إليه، فالذين جاؤا بعد ذلك ظنوا أن آباءهم كانوا يعبدونها فاشتغلوا بعبادتها لتقليد الآباء، أو لعل هذه الأسماء الخمسة وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، أسماء خمسة من أولاد آدم، فلما ماتوا قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، ولهذا السبب نهى الرسول عليه السلام عن زيارة القبور أولاً، ثم أذن فيها على ما يروى أنه عليه السلام قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة».
السادس: الذين يقولون إنه تعالى جسم، وإنه يجوز عليه الانتقال والحلول، لا يستبعدون أن يحل تعالى في شخص إنسان، أو في شخص صنم، فإذا أحسوا من ذلك الصنم المتخذ على وجه الطلسم حالة عجيبة، خطر ببالهم أن الإله حصل في ذلك الصنم ولذلك فإن جمعاً من قدماء الروافض لما رأوا أن علياً عليه السلام قلع باب خيبر، وكان ذلك على خلاف المعتاد قالوا: إن الإله حل في بدنه وإنه هو الإله.
الوجه السابع: لعلهم اتخذوا تلك الأصنام كالمحراب ومقصودهم بالعبادة هو الله، فهذا جملة ما في هذا الباب، وبعضها باطلة بدليل العقل، فإنه لما ثبت أنه تعالى ليس بجسم بطل اتخاذ الصنم على صورة الإله، وبطل القول أيضاً بالحلول والنزول، ولما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل المقدورات، بطل القول بالوسايط والطلسمات، ولما جاء الشرع بالمنع من اتخاذ الصنم، بطل القول باتخاذها محاريب وشفعاء.
المسألة السادسة: هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم، ثم إنها انتقلت عن قوم نوح إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير ولذلك سمت العرب بعبد ود، وعبد يغوث، هكذا قيل في الكتب، وفيه إشكال لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب، ولا يمكن أن يقال: إن نوحاً عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعياً منه في حفظها.
المسألة السابعة: قرئ: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ وُدّاً ﴾ بفتح الواو وبضم الواو، قال الليث: ود بفتح الواو صنم كان لقوم نوح، ود بالضم صنم لقريش، وبه سمي عمرو بن عبد ود، وأقول: على قول الليث وجب أن لا يجوز هاهنا قراءة ود بالضم لأن هذه الآيات في قصة نوح لا في أحوال قريش وقرأ الأعمش: ﴿ ولا يغوثا ويعوقا ﴾ بالصرف وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف، إما التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة، فلعله صرفهما لأجل أنه وجد أخواتهما منصرفة ودا وسواعا ونسرا.
واعلم أن نوحاً لما حكى عنهم أنهم قالوا لأتباعهم: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ ﴾ قال: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ فيه وجهان: الأول: أولئك الرؤساء قد أضلوا كثيراً قبل هؤلاء الموصين (بأن يتمسكوا) بعبادة الأصنام وليس هذا أول مرة اشتغلوا بالإضلال الثاني: يجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الأصنام، كقوله: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ وأجرى الأصنام على هذا القول مجرى الآدميين كقوله: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ ﴾ ، وأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً ﴾ ففيه سؤالان: الأول: كيف موقع قوله: ﴿ وَلاَ تَزِدِ الظالمين ﴾ ؟
الجواب: كأن نوحاً عليه السلام لما أطنب في تعديد أفعالهم المنكرة وأقوالهم القبيحة امتلأ قلبه غيظاً وغضباً عليهم فختم كلامه بأن دعا عليهم.
السؤال الثاني: إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله في أن يزيد في ضلالهم؟
الجواب: من وجهين: الأول: لعله ليس المراد الضلال في أمر الدين، بل الضلال في أمر دنياهم، وفي ترويج مكرهم وحيلهم الثاني: الضلال العذاب لقوله: ﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضلال وَسُعُرٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتبعوا ﴾ رؤسهم المقدمين أصحاب الأموال والأولاد، وارتسموا ما رسموا لهم من التمسك بعبادة الأصنام، وجعل أموالهم وأولادهم التي لم تزدهم إلا وجاهة ومنفعة في الدنيا زائدة ﴿ خَسَارًا ﴾ في الآخرة، وأجرى ذلك مجرى صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها، تحقيقاً له وتثبيتاً، وإبطالاً لما سواه.
وقرئ: ﴿ وولده ﴾ بضم الواو وكسرها ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ معطوف على لم يزده، وجمع الضمير وهو راجع إلى من؛ لأنه في معنى الجمع والماكرون: هم الرؤساء ومكرهم: احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصدّهم عن الميل إليه والاستماع منه.
وقولهم لهم: لانذرنّ آلهتكم إلى عبادة رب نوح ﴿ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ قرئ بالتخفيف والتثقيل.
والكبار كبر من الكبير والكبار أكبر من الكبار، ونحوه: طوال وطوّال ﴿ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً ﴾ كأن هذه المسميات كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، فخصوها بعد قولهم ﴿ لاَ تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ ﴾ وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب، فكان ودّ لكلب، وسواع لهمذان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير؛ ولذلك سمت العرب بعبد ودّ وعبد يغوث، وقيل هي أسماء رجال صالحين.
وقيل: من أولاد آدم ماتوا، فقال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا؛ فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم.
وقيل: كان ودّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر.
وقرئ ﴿ ودّا ﴾ بضم الواو.
وقرأ الأعمش ﴿ ولا يغوثا ويعوقا ﴾ بالصرف، وهذه قراءة مشكلة، لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف: إما التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة؛ ولعله قصد الازدواج فصرفهما، لمصادفته أخواتهما منصرفات ودا وسواعاً ونسراً، كما قرئ: ﴿ وضحاها ﴾ بالإمالة، لوقوعه مع الممالات للازدواج ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ ﴾ الضمير للرؤساء.
ومعناه: وقد أضلوا ﴿ كَثِيراً ﴾ قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام ليسوا بأوّل من أضلوهم.
أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيراً، يعني أنّ هؤلاء المضلين فيهم كثرة.
ويجوز أن يكون للأصنام، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ [إبراهيم: 36] .
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَلاَ تَزِدِ الظالمين ﴾ ؟
قلت: على قوله: ﴿ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى ﴾ على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد ﴿ قَالَ ﴾ وبعد الواو النائبة عنه: ومعناه قال رب إنهم عصوني، وقال: لا تزد الظالمين إلا ضلالاً، أي: قال هذين القولين وهما في محل النصب، لأنهما مفعولا ﴿ قال ﴾ كقولك: قال زيد نودي للصلاة وصل في المسجد؛ تحكى قوليه معطوفاً أحدهما على صاحبه.
فإن قلت: كيف جاز أن يريد لهم الضلال ويدعو الله بزيادته؟
قلت: المراد بالضلال: أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف، لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به، بل لا يحسنَ الدعاء بخلافه.
ويجوز أن يريد بالضلال: الضياع والهلاك، لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً ﴾ [نوح: 28] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَكَرُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَزِدْهُ والضَّمِيرُ لِمَن وجَمْعُهُ لِلْمَعْنى.
﴿ مَكْرًا كُبّارًا ﴾ كَبِيرًا في الغايَةِ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن كِبارٍ وهو مِن كَبِيرٍ، وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وتَحْرِيشُ النّاسِ عَلى أذى نُوحٍ.
﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ عِبادَتَها.
﴿ وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا ﴾ ولا تَذَرُنَّ هَؤُلاءِ خُصُوصًا، قِيلَ هي أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ فَلَمّا ماتُوا صُوِّرُوا تَبَرُّكًا بِهِمْ، فَلَمّا طالَ الزَّمانُ عُبِدُوا.
وقَدِ انْتَقَلَتْ إلى العَرَبِ فَكانَ ودٌّ لِكَلْبٍ، وسُواعٌ لِهَمْدانَ، ويَغُوثُ لِمِذْحَجٍ، ويَعُوقُ لِمُرادٍ، ونَسْرٌ لِحِمْيَرَ.
وقَرَأ نافِعٌ وُدًّا بِالضَّمِّ وقُرِئَ «يَغُوثًا» و «يَعُوقًا» لِلتَّناسُبِ، ومَنَعَ صَرْفَهُما لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَكَرُواْ} معطوف على لَّمْ يَزِدْهُ وجمع الضمير وهو راجع إلى من لأنه في معنى الجمع والماكرون هم الرؤساء ومكرهم احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه وصدهم عن الميل إليه {مَكْراً كُبَّاراً} عظيماً وهو أكبر من الكبار وقرئ به وهو أكبر من الكبير
﴿ ومَكَرُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِهِمْ في المَكْرِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأعْظَمَ.
وقِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿ عَصَوْنِي ﴾ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المَتْبُوعِينَ ضَمُّوا إلى الضَّلالِ الإضْلالَ وهو الأوْفَقُ بِالسِّياقِ فَإنَّ المُتَبادَرَ أنَّ ما بَعْدَهُ مِن صِفَةِ الرُّؤَساءِ أيْضًا واعْتِبارُ ذَلِكَ العَطْفِ عَلى أنَّ المَعْنى مَكَرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ خِلافَ المُتَبادِرِ ﴿ مَكْرًا كُبّارًا ﴾ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ فَهو مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ: بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القَرّاءِ وقَوْلُهُ: والمَرْءُ يُلْحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدى ∗∗∗ خُلُقُ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ وقَدْ سَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ الجُفاةِ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ما أفْصَحَ رَبُّكَ يا مُحَمَّدُ وإذا اعْتُبِرَ التَّنْوِينُ في مَكْرًا لِلتَّفْخِيمِ زادَ أمْرُ المُبالِغَةِ في مَكْرِهِمْ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وصَدُّهم لِلنّاسِ عَنْهُ وإغْراءُهم وتَحْرِيضُهم عَلى أذِيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَرَأ عِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو السِّمالِ «كُبارًا» بِتَخْفِيفِ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ أيْضًا إلّا أنَّها دُونَ المُبالَغَةِ في المُشَدَّدِ ومِثْلُ كُبارٍ في ذَلِكَ حُسانٌ وطُوالٌ وعُجابٌ وجُمالٌ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ فِيما رَوى عَنْهُ وهْبُ بْنُ واضِحٍ «كِبارًا» بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الباءِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هو جَمْعٌ كَبِيرٌ كَأنَّهُ جَعَلَ ﴿ مَكْرًا ﴾ مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ يَعْنِي فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم وعظهم ليعتبروا، فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ؟
يعني: ألم تنظروا فتعتبروا، كيف خلق الله تعالى سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؟
يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض.
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: ضياءً لبني آدم.
وإنما قال: فِيهِنَّ أراد به سماء الدنيا، لأنها إحداهن.
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً يعني: نوراً للخلق ويقال: جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: في جميع السموات، لأن إحداهن مضيء لأهل السموات وظهره لأهل الأرض ويقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: معهن نوراً.
ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يعني: خلقكم في الأرض خلقاً.
ويقال: يعني: خلقكم من الأرض وهو آدم- - وأنتم من ذريته.
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها يعني: بعد الموت.
وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً يعني: يخرجكم من الأرض يوم القيامة- قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً يعني: فراشاً، لِتَسْلُكُوا مِنْها يعني: فتمضوا فيها وتأخذوا فيها سُبُلًا فِجاجاً يعني: طرقاً بين الجبال والرمال ويقال: طرقاً واسعة.
قوله تعالى: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم من توحيد الله تعالى، وَاتَّبَعُوا يعني: أطاعوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ يعني: أطاعوا من لم يزده ماله يعني: كثرة أمواله وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً أي: خسراناً في الآخرة.
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً يعني: مكراً عظيماً ويقال: مكروا مكراً كبيراً يعني: قالوا كلمة الشرك.
والكبير والكبار بمعنى واحد.
وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ يعني: قال بعضهم لبعض: ويقال: قال الرؤساء للسفلة: لا تذرن، يعني: لا تتركوا عبادة آلهتكم.
وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، فهذه أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها يعني: لا تتركوا عبادة هذه الأصنام- قرأ نافع وُدّاً بضم الواو، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد.
وهو اسم الصنم، وقال قتادة: هذه الآلهة كان يعبدها قوم نوح، ثم عبدها العرب بعد ذلك.
وقال القتبي الود صنم، ومنه كانت العرب تسمى «عبد ود» ، وكذلك تسمي «عبد يغوث» .
ثم قال: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً يعني: هذه الأصنام أضلوا كثيراً من الناس، يعني: ضلوا بهن كثيراً من الناس، كقوله: إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كثيراً من الناس.
ثم قال: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا يعني: خساراً وغبناً.
ثم قال عز وجل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا يعني: بشركهم بالله تعالى أُغرقوا في الدنيا.
فَأُدْخِلُوا نَاراً في الآخرة.
قال مقاتل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا بخطياتهم وقال القتبي: (بما خطياتهم أغرقوا) يعني: من خطيئاتهم أغرقوا، والميم زيادة.
ثم قال: فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً يعني: أعواناً يمنعونهم من العذاب.
قرأ أبو عمرو خَطاياهُمْ، والباقون خَطِيئاتِهِمْ ومعناهما واحد، وهو جمع خطيئة.
قوله تعالى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً يعني: لا تدع على ظهر الارض من الكافرين ديارا، يعني: أحداً منهم ويقال: أصله من الدار يعني: نازلاً بها، ويقال: في الدار أحد وما بها ديار وأصله ديوار، فقلبت الواو ياء ثم شددت وأدغمت الياء في الياء.
ثم قال عز وجل: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ يعني: إنك إن تتركهم ولم تهلكهم، يدعوا الموحدين إلى الكفر.
وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً يعني: يكون منهم الأولاد، يكفرون ويفجرون بعد البلوغ ويقال: يعني: ولا يلدوا إلا أن يكونوا فجاراً كفاراً.
وهذا كما قال النبي : «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» .
ثم قال عز وجل: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يعني: سفينتي وديني.
وقال الكلبي: وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يعني: مسجدي.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً يعني: لا تزد الكافرين إلا هلاكاً، كقوله: تَبَّرْنا تَتْبِيراً.
وروى عكرمة، عن ابن عباس- - كان إذا قرأ القرآن في الليل، فمر بآية فيقول لي: يا عكرمة ذكرني عند هذه الآية غداً.
فقرأ ذات ليلة هذه الآية، فقال: يا عكرمة، ذكرني غداً.
فذكرته ذلك، فقال: إن نوحاً دعا بهلاك الكافرين، ودعا للمؤمنين بالمغفرة، وقد استجيب دعاؤه في المؤمنين، فيغفر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بدعائه، وبهلاك الكافرين فأهلكوا.
وروي عن بعض أصحاب النبيّ أنه قال: «نَجَاةُ المُؤْمِنِينَ فِي ثَلاَثَةِ أشْيَاءٍ: بِدُعَاءِ نُوْحٍ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- وَبِدُعَاءِ إِسْحَاقَ- - وَبِشَفَاعَةِ محمّد » يعني: للمؤمنين والله أعلم.
وخلقهم، ومللهم، والأطوار: الأحوال المختلفة.
وقوله سبحانه: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ...
الآية، قال عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص وابن عباس: إن الشَّمْسَ والقمر أقْفَاؤهما إلى الأرض، وإقبال/ نورهما وارتفاعُه في السماء «١» وهذا الذي يقتضيه لفظ السّراج.
وأَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: استعارَةٌ مِنْ حَيْثُ خُلِقَ آدم ع من الأرض.
ونَباتاً مصدرٌ جَاءَ على غير المصدر، التقديرُ: فَنَبَتُّم نَبَاتاً، والإعَادَةُ فيها بالدَّفْنِ، والإخراجُ هو بالبعثِ، وظاهر الآية: أنَّ الأرْضَ بسيطَةٌ غيرُ كُرِيَةً، واعتقادُ أحَدِ الأمْرَيْنِ غَيْرُ قَادِح في الشرْعِ بنفسِه، اللهمَّ إلاَّ أنْ يترتبَ «٢» على القولِ بالكُرِيَّةِ نَظَرٌ فاسِدٌ، وأما اعتقادُ كونِها بسيطةً، فهو ظاهِرُ كتابِ اللَّه تعالى، وهو الذي لاَ يَلْحَقُ عنه فسادٌ أَلْبَتَّةَ، واستدلَّ ابن مجاهد على صحَّة ذلك بماءِ البحر المُحِيطِ بالمَعْمُورِ فَقَال: لَوْ كانت الأرضُ كُرِيَّةً لَمَا اسْتَقَرَّ المَاءُ عَلَيْهَا «٣» ، والسُّبُلُ الطرقُ، والفجاجُ الواسعةُ، وقولُ نوحٍ: وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ...
الآية، المعنى: اتّبعوا أشرافهم وغواتهم، وخَساراً: معناه: خسرانا، وكُبَّاراً: بناءُ مبالغةٍ نَحْوَ: حُسَّانَ وُقُرِىءَ «٤» شاذًّا: «كِبَاراً» - بكسْرِ الكَافِ- قال ابن الأنباري: جَمْعُ كبير.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ؟
فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: لا تَرْجُونَ عاقِبَةَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ أيْ: وقَدْ جَعَلَ لَكم في أنْفُسِكم آيَةً تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِهِ إيّاكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى آخِرِ الخَلْقِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ: الحالُ، وجَمْعُهُ: أطْوارٌ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّوْرُ: التّارَةُ، طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، أيْ: تارَةً بَعْدَ تارَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ بِالأطْوارِ: اخْتِلافَ المَناظِرِ والأخْلاقِ، مِن طَوِيلٍ، وقَصِيرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "طِباقٍ" بِتَنْوِينِ القافِ، وكَسْرِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُلْكِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ وجْهَ القَمَرِ قِبَلَ السَّمَواتِ، وظَهَرَهُ قِبَلَ الأرْضِ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّمَواتِ، كَما يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ، هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
والثّانِي: أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا.
وإنَّما قالَ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ لِأنَّهُنَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما.
وهَذا كَما تَقُولُ: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنَّما أتَيْتَ بَعْضَهُمْ، ورَكِبْتُ السُّفُنَ، ﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: أنَّ مُبْتَدَأ خَلَقِكِمْ مِنَ الأرْضِ، هو آدَمُ ﴿ نَباتًا ﴾ قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: "نَباتًا" مَحْمُولٌ في المَصْدَرِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكُمْ: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِمّا جاءَ فِيهِ المَصْدَرُ، عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ جاءَ في نَبَتَ.
ومِثْلُهُ: ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ فَجاءَ عَلى "بَتَّلَ" قالَ الشّاعِرُ: وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِن هُ ولَيْسَ بِأنَّ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا فَجاءَ عَلى اتَّبَعْتُ.
وَقالَ الآخَرُ: وإنْ شِئْتُمْ تَعاوَدْنا عِوادًا فَجاءَ عَلى "عاوَدْنا" وإنَّما تَجِيءُ المَصادِرُ مُخالِفَةً الأفْعالَ، لِأنَّ الأفْعالَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أبْنِيَتُها، واحِدَةٌ في المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سُبُلا فِجاجًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي الطُّرُقُ الواسِعَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ اللّامِ والواوِ.
وقَرَأ الباقُونَ "وُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ، وَسُكُونِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ العَرَبِ، والعُرْبِ، والعَجَمِ، والعُجْمِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ، وإسْكانِ اللّامِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: أنَّ الأتْباعَ، والفُقَراءَ اتَّبَعُوا رَأْيَ الرُّؤَساءِ والكُبَراءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كُبارًا" بِرَفْعِ الكافِ وتَخْفِيفِ الباءِ.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ مَعَ تَخْفِيفِ الباءِ.
والمَعْنى "كَبِيرًا" يُقالُ: كَبِيرٌ، وكُبارٌ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ [ص] ومَعْنى "المَكْرِ": السَّعْيُ في الفَسادِ.
وذَلِكَ أنَّ الرُّؤَساءَ مَنَعُوا أتْباعَهم مِنَ الإيمانِ بِنُوحٍ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ: لا تَدَعُنَّ عِبادَتَها ﴿ وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ بِضَمِّ الواوِ.
والباقُونَ بِفَتْحِها.
وهَذا الِاسْمُ وما بَعْدَهُ أسْماءُ آلِهَتِهِمْ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ، كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، ونَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهم يَأْخُذُونَ بِأخْذِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكُمْ، وأشْوَقَ لِلْعِبادَةِ، فَفَعَلُوا.
ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهُمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَعَبَدُوهُمْ، وكانَ ابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ.
وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ، لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُوَرِ أُولَئِكَ القَوْمِ المُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الأسْماءِ.
وقِيلَ: إنَّما هي أسْماءٌ لِأوْلادِ آدَمَ، ماتَ مِنهم واحِدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ أنْ أُصَوِّرَ لَكم صُورَتَهُ، فَتَذْكُرُونَهُ بِها؟
فَصَوَّرَها.
ثُمَّ ماتَ آخَرُ، فَصَوَّرَ لَهم صُورَتَهُ، إلى أنَّ صَوَّرَ صُوَرًا خَمْسَةً.
ثُمَّ طالَ الزَّمانُ، وتَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ما لَكم لا تَعْبُدُونَ شَيْئًا؟
فَقالُوا: لِمَن نَعْبُدُ؟
قالَ: هَذِهِ آلِهَتُكُمْ، وآلِهَةُ آبائِكُمْ، ألا تَرَوْنَها مُصَوَّرَةً في مُصَلّاكُمْ؟!
فَعَبَدُوها.
وَقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ، ثُمَّ صارَتْ إلى العَرَبِ، فَكانَ "وَدٌّ" لِكَلْبٍ، "وَسُواعٌ" لِهَمَدانَ، و"يَغُوثُ" لِبَنِي غُطَيْفٌ، وهم حَيٌّ مِن مُرادٍ.
وقِيلَ: لَمّا جاءَ الطُّوفانُ غَطّى عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وطَمَّها التُّرابُ، فَلَمّا ظَهَرَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ صارَتْ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، قالَ الواقِدِيُّ: كانَ "وَدٌّ" عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، و"سُواعٌ" عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، و"يَغُوثُ" عَلى صُورَةِ أسَدٍ، و"يَعُوقُ" عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، و"نَسْرٌ" عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وقَدْ أضَلَّتِ الأصْنامُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، أيْ: ضَلُّوا بِسَبَبِها.
والثّانِي: وقَدْ أضَلَّ الكُبَراءُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿ إلا ضَلالا ﴾ وهَذا دُعاءٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِمْ، لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا ﴾ ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظالِمِينَ إلا ضَلالا ﴾ ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللهِ أنْصارًا ﴾ المَعْنى: فَلَمّا لَمْ يُطِيعُوا ويَئِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن إيمانِهِمْ قالَ نُوحٌ: رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا أشْرافَهم وغُواتَهُمْ، فَعَبَّرَ عنهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم زادَتْهم خَسارًا، أيْ خُسْرانًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ - في رِوايَةٍ خارِجَةٍ عنهُ-: "وَوُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُون اللامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والنَخْعِيِّ، ومُجاهِدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كَبُخْلٍ وبَخَلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وابْنِ وثّابٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَرَأ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ والجَحْدَرِيِّ، وزِرٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وطَلْحَةَ، قالَ أبُو عَمْرٍو: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ: العَشِيرَةُ والقَوْمُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "الوُلْدُ" بِضَمِّ الواوِ جَمْعُ "الوَلَدِ" وذَلِكَ كَخَشَبٍ وخُشُبٍ، وقَدْ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: يا بَكْرَ آمِنَةَ المُبارَكِ ذِكْرُها ∗∗∗ مِن ولَدِ مُحْصَنَةٍ بِسَعْدِ الأسْعَدِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُبّارًا" بِشَدِّ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ نَحْوُ حَسّانَ، قالَ عِيسى: هي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، وعَلَيْها قَوْلُ الشاعِرِ: والمَرْءُ يَلْحَقُهُ بِفِتْيانِ النَدى ∗∗∗ ∗∗∗ خَلْقَ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: "كُبارًا" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ إلّا أنَّهُ دُونَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما رَوى عنهُ أبُو الأُخْرِيطِ وهْبُ بْنُ واضِحٍ-: "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَكَأنَّهُ جَعَلَ "مَكْرَ" مَكانَ ذُنُوبٍ وأفاعِيلَ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ إخْبارٌ عن تَواصِيهِمْ بِأصْنامِهِمْ عَلى العُمُومِ، وما كانَ مِنها مَشْهُورُ المَكانَةِ، وما كانَ مِنها يَخْتَصُّ بِواحِدٍ مِنَ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا يَنُصُّونَ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الأصْنامُ رُوِيَ أنَّها أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا، فَلَمّا ماتُوا صَوَّرَهم أهْلُ ذَلِكَ العَصْرِ مِن حَجَرٍ وقالُوا: نَنْظُرُ إلَيْها فَنَذْكُرُ أفْعالَهُمْ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الجِيلُ وكَثُرَ تَعْظِيمُ الآخَرِ لِتِلْكَ الحِجارَةِ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى عُبِدَتْ ثُمَّ انْتَقَلَتْ تِلْكَ الأصْنامُ بِأعْيانِها -وَقِيلَ: بَلِ الأسْماءُ فَقَطْ- إلى قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ، فَكانَتْ "وُدُّ" في كَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وكانَتْ "سُواعُ" في هُذَيْلٍ، وكانَتْ "يَغُوثَ" في مُرادٍ، وكانَتْ "يَعُوقَ" في هَمَذانَ، وكانَتْ "نَسْرُ" في ذِي الكُلاعِ مِن حَمِيرٍ.
وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "وُادٍ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ -بِخِلافٍ عَنِ الثَلاثَةِ-: "وَدًّا" بِفَتْحِ الواوِ، قالَ الشاعِرُ: حَيّاكَ ودَّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لَهْوُ النِساءِ وإنَّ الدِينَ قَدْ عَزَما فَيُقالُ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ الصَنَمَ، ويُرْوى بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَلا يَغُوثا ويَعُوقا" بِالصَرْفِ، وذَلِكَ وهم لِأنَّ التَعْرِيفَ لازِمٌ ووَزْنُ الفِعْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ هو إخْبارُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُمْ، وهو مُنْقَطِعٌ مِمّا حَكاهُ عنهُمْ، والمَعْنى: قَدْ أضَلَّ هَؤُلاءِ القائِلُونَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ والأتْباعِ والعَوامِّ، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ إلى اللهِ تَعالى بِألّا يَزِيدَهم إلّا ضَلالًا، وذَكَرَ الظالِمِينَ لِتَعُمَّ الدَعْوَةُ كُلَّ مَن جَرى مُجْراهم.
وقالَ الحَسَنُ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ أضَلُّوا" الأصْنامُ المَذْكُورَةُ، وعَبَّرَ عنها بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ يُعامِلُها جُمْهُورُ أهْلِها مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ ويُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ العَقْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا خَطِيئاتِهِمْ" ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ، أيْ أنَّ دَعْوَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أُجِيبَتْ فَآلَ أمْرُهم إلى هَذا، و"ما" في قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا" زائِدَةٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا، وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَرَأ "مِمّا خَطِيئَتِهِمْ" عَلى الإفْرادِ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "مِمّا خَطاياهُمْ" عَلى تَكْسِيرِ الجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِفِعْلِ المُضِيِّ مِن حَيْثُ الأمْرُ مُتَحَقِّقٌ، وقِيلَ: أرادَ عَرْضَهم عَلى النارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَبَّرَ عنهم بِالإدْخالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَمْ يَجِدُوا" أيْ: لَمْ يَجِدِ المُغْرِقُونَ أحَدًا سِوى اللهِ تَعالى يَنْصُرُهم ويَصْرِفُ عنهم بَأْسَ اللهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة بدل من جملة ﴿ قال رب إني دَعوت قومي ﴾ [نوح: 5] بدلَ اشتمال لأن حكاية عصيان قومه إياه مما اشتملت عليه حكاية أنه دعاهم فيحتمل أن تكون المقالتان في وقت واحد جاء فيه نوح إلى مناجاة ربه بالجواب عن أمره له بقوله: ﴿ أنْذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ﴾ [نوح: 1] فتكون إعادة فعل ﴿ قال ﴾ من قبيل ذكر عامل المبدل منه في البدل كقوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ﴾ [المائدة: 114]، للربط بين كلاميه لطول الفصل بينهما.
ويحتمل أن تكون المقالتان في وقتين جمعها القرآن حكاية لجوابيه لربه، فتكون إعادة فعل ﴿ قال ﴾ لما ذكرنا مع الإِشارة إلى تباعد ما بين القولين.
ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما سبقها من قوله: ﴿ قال رب إني دعوت قومي إلى هنا مما يثير عجباً من حال قومه المحكي بحيث يتساءل السامع عن آخر أمرهم، فابتدئ ذكر ذلك بهذه الجملة وما بعدها إلى قوله: أنصاراً ﴾ [نوح: 25].
وتأخير هذا بعد عن قوله ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ﴾ [نوح: 5] ارتقاء في التذمر منهم لأن هذا حكاية حصول عصيانهم بعد تقديم الموعظة إليهم بقوله: ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً إلى قوله: سُبُلاً فجاجاً ﴾ [نوح: 1120] وإظهار اسم ﴿ نوح ﴾ مع القول الثاني دون إضمارٍ لبعد معاد الضمير لو تحمَّله الفعل، وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه، كما تقدم في قوله: ثم ذكر أنهم أخذوا بقول الذين يصدونهم عن قبول دعوة نوح، أي اتبعوا سادتهم وقادتهم.
وعدل عن التعبير عنهم بالكبراء ونحوه إلى الموصول لما تؤذن به الصلة من بطرهم نعمة الله عليهم بالأموال والأولاد، فقلبوا النعمة عندهم موجب خسار وضلال.
وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم: فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف أتباعهم قال تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ [الأنفال: 36]، وأولادُهم أرهبوا بهم من يقاومهم.
والمعنى: واتبعوا أهل الأموال والأولاد التي لم تزدهم تلك الأموال والأولاد إلاّ خساراً لأنهم استعملوها في تأييد الكفر والفساد فزادتهم خساراً إذ لو لم تكن لهم أموال ولا أولاد لكانوا أقل ارتكاباً للفساد قال تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً ﴾ [المزمل: 11].
والخسار: مستعار لحصول الشر من وسائلَ شأنُها أن تكون سبب خير كخسارة التاجر من حيث أراد الربح، فإذا كان هؤلاء خاسرين فالذين يتبعونهم يكونون مثلهم في الخسارة وهم يحسبون أنهم أرشدوهم إلى النجاح.
ومَا صْدَق ﴿ مَنْ ﴾ فريقٌ من القوم أهل مال وأولاد ازدادوا بذلك بطَراً دون الشكر وهم سادتهم، ولذلك أعيد عليه ضمير الجمع في قوله: ﴿ ومكَروا، ﴾ وقوله: ﴿ وقالوا، ﴾ وقوله: ﴿ وقد أضلُّوا كثيراً ﴾ [نوح: 24].
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ﴿ وَولَده ﴾ بفتح الواو وفتح اللام، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف ﴿ وَوُلْدُه ﴾ بضم الواو وسكون اللام، فأما الولد بفتح الواو وفتح اللام فاسم يطلق على الواحد من الأولاد وعلى الجمع فيكون اسم جنس، وأما وُلْد بضم فسكون فقيل: هو لغة في وَلَد فيستوي فيه الواحد والجمع مثل الفُلْك.
وقيل: هو جمع ولَد مثل أُسُد جمع أَسَد.
والمكر: إخفاء العمل، أو الرأي الذي يراد به ضر الغير، أي مكروا بنوح والذين آمنوا معه بإضمار الكيد لهم حتى يقعوا في الضر.
قيل: كانوا يدبِّرون الحيلة على قتل نوح وتحْريش الناس على أذاه وأذى أتْبَاعه.
و ﴿ كُبَّارا ﴾ : مبالغة، أي كبيراً جداً وهو وارد بهذه الصِّيغة في ألفاظ قليلة مثل طُوَّال أي طويل جداً، وعُجَّاب، أي عجيب، وحُسَّان، وجُمَّال، أي جَميل، وقُرَّاء لكثير القراءة، ووُضَّاء، أي وضِيء، قال عيسى بن عمر: هي لغة يمانية.
﴿ وقالوا لا تَذَرُنَّ آلهتكم ولا تذرنّ وُداً ولا سواعاً ﴾ الخ، أي قال بعضهم لبعض: ودّ، وسُوّاع، ويَغُوث، ويَعُوق، ونَسْر، هذه أصنام قوم نوح، وبهذا تَعْلَم أن أسماءها غيرُ جارية على اشتقاق الكلمات العربية، وفي واو (وُدّ) لغتان للعرب منهم من يضم الواو، وبه قرأ نافع وأبو جعفر.
ومنهم من يفتح الواو وكذلك قرأ الباقون.
روى البخاري عن ابن عباس: «ودُّ وسُواع ويغوث ويَعُوق ونَسْرٌ: أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم انصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسَمُّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت»، وعن محمد بن كعب: هي أسماء أبناء خمسة لآدم عليه السلام وكانوا عُبّاداً.
وعن الماوردي أن ﴿ ودّاً ﴾ أول صنم معبود.
والآية تقتضي أن هذه الأنصاب عُبدت قبل الطوفان وقد قال بعض المفسرين: إن هذه الأصنام أقيمت لبعض الصلحاء من أولاد آدم.
وقال بعضهم: كانوا أصناماً بين زمن آدم وزمن نوح.
ولا يلتئم هذا مع حدوث الطوفان إذ لا بد أن يكون جرفها وخلص البشرُ من الإِشراك بعد الطوفان، ومع وجود هذه الأسماء في قبائل العرب إلى زمن البعثة المحمدية، فقد كان في دومة الجندل بلاد كلب صنم اسمه (وُدّ).
قيل كان على صورة رجل وكان من صُفر ورصاص وكان على صورة امرأة، وكان لهذيل صنم اسمه (سواع) وكان لمُراد وغُطيففٍ (بغين معجمة وطاء مهملة) بطننٍ من مراد بالجوف عندَ سبأ صنم اسمه ﴿ يغوث ﴾ ، وكان أيضاً لغطفان وأخذته (أنعمُ وأعلَى) وهما من طيء وأهلُ جرش من مذحج فذهبوا به إلى مُراد فعبدوه، ثم إن بني ناجية راموا نزعه من أعلى وأنعُم ففروا به إلى الحُصين أخي بني الحارث من خزاعة.
قال أبو عثمان النهدي: رأيت يَغوث من رَصاص وكانوا يحملونه على جَمَل أحْرَد (بالحاء المهملة، أي يخبط بيديه إذا مشى) ويسيرون معه ولا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه بناءً ينزلون حوله.
وكان يغوث على صورة أسد.
وكان لهْمدان صنم اسمه ﴿ يعوق ﴾ وهو على صورة فَرَس، وكان لكهلان من سبأ ثم توارثه بنوه حتى صار إلى همدان.
وكان لِحمير ولذي الكلاع منهم صنم اسمه (نَسْر) على صورة النسر من الطير.
وهذا مروي في «صحيح البخاري» عن ابن عباس.
وقال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح إلى العرب اه.
فيجوز أن تكون انتقلت بأعيانها ويجوز أن يكون العرب سموا عليها ووضعوا لها صوراً.
ولقد اضطَرَّ هذا بعضَ المفسرين إلى تأويل نظم الآية بأن معاد ضمير ﴿ قالوا ﴾ إلى مشركي العرب، وأن ذكر ذلك في أثناء قصة نوح بقصد التنظير، أي قال العرب بعضهم لبعض: لا تذرنَّ ءالهتكم وُدّاً وسُواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كما قال قوم نوح لأتباعهم ﴿ لا تَذرُنَّ ءالهتكم، ﴾ ثم عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح، وهو تكلف بيّن وتفكيك لأجزاء نظم الكلام.
فالأحسن ما رآه بعض المفسرين وما نريده بياناً: أن أصنام قوم نوح قد دثرت وغَمرها الطوفان وأن أسماءها بقيت محفوظة عند الذين نجَوا مع نوح من المؤمنين فكانوا يذكرونها ويعظون ناشئتهم بما حلّ بأسلافهم من جراء عبادة تلك الأصنام، فبقيت تلك الأسماء يتحدث بها العرب الأقدمون في أثارات علمهم وأخبارهم، فجاء عمرو بن لُحَيّ الخزاعي الذي أعاد للعرب عبادةَ الأصنام فسمى لهم الأصنام بتلك الأسماء وغيرها فلا حاجة بالمفسر إلى التطوح إلى صفات الأصنام التي كانت لها هذه الأسماء عند العرب ولا إلى ذكر تعيين القبائل التي عبدت مسميات هذه الأسماء.
ثم يحتمل أن يكون لقوم نوح أصنام كثيرة جمعها قول كبرائهم: ﴿ لا تذرُنّ آلهتكم ﴾ ، ثم خصوا بالذكر أعظمها وهي هذه الخمسة، فيكون ذكرها من عطف الخاص على العام للاهتمام به كقوله تعالى: ﴿ مَن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريلَ وميكائيل ﴾ [البقرة: 98].
ويحتمل أن لا يكون لهم غير تلك الأصنام الخمسة فيكون ذكرها مفصلة بعد الإِجمال للاهتمام بها ويكون العطف من قبيل عطف المرادف.
ولقصد التوكيد أعيد فعل النهي ﴿ ولا تذرُن ﴾ ولم يسلك طريق الإِبدال، والتوكيدُ اللفظي قد يقرن بالعاطف كقوله تعالى: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين ﴾ [الانفطار: 17، 18].
ونقل عن الآلوسي في طرة تفسيره لهذه الآية هذه الفقرة: «قد أخرج الإِفرنج في حدود الألف والمائتين والستين أصناماً وتَمَاثيل من أرض الموصل كانت منذ نحو من ثلاثة آلاف سنة».
وتكرير ﴿ لا ﴾ النافية في قوله: ﴿ ولا سواعاً ولا يغوث ﴾ لتأكيد النفي الذي في قوله: ﴿ لا تذرُن آلهتكم ﴾ وعدم إعادة ﴿ لا ﴾ مع قوله ﴿ ويعوق ونسراً ﴾ لأن الاستعمال جارٍ على أن لا يزاد في التأكيد على ثلاث مرات.
وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿ وُدّاً ﴾ بضم الواو.
وقرأها غيرهما بفتح الواو، وهو اسم عجمي يَتصرف فيه لسان العرب كيفَ شاؤا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: لَبِثَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا داعِيًا لَهم، وهم عَلى كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَجا نُوحٌ الأبْناءَ بَعْدَ الآباءِ، فَيَأْتِي بِهِمُ الوَلَدَ بَعْدَ الوَلَدِ حَتّى بَلَغُوا سَبْعَةَ قُرُونٍ، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإياسِ مِنهم، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، حَتّى كَثُرَ النّاسُ وفَشَوْا.
قالَ الحَسَنُ: كانَ قَوْمُ نُوحٍ يَزْرَعُونَ في الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ.
﴿ واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا ﴾ قُرِئَ ولَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ وضَمِّها، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَلَدَ بِالضَّمِّ الجَماعَةُ مِنَ الأوْلادِ، والوَلَدَ بِالفَتْحِ واحِدٌ مِنهم، قالَهُ الأعْمَشُ، قالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ وإنْ تَكُ حَرْبُكم أمْسَتْ عَوانًا فَإنِّي لَمْ أكُنْ مِمَّنْ جَناها ∗∗∗ ولَكِنْ وُلْدُ سَوْدَةَ أرَّثُوها ∗∗∗ وحَشُّوا نارَها لِمَنِ اصْطَلاها ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ أيْ عَظِيمًا، والكُبّارُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن كَبِيرٍ.
وَفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ﴾ الآيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفي هَذِهِ الأصْنامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ لِلْعَرَبِ لَمْ يَعْبُدْها غَيْرُهم ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ لِأتْباعِهِمْ لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، قالَتِ العَرَبُ مِثْلَهم لِأوْلادِهِمْ وقَوْمِهِمْ لا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوَقَ ونَسْرًا، ثُمَّ عادَ الذِّكْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قَوْمِنُوحٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الأسْماءِ، فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: اشْتَكى آدَمُ وعِنْدَهُ بَنُوهُ ودٌّ وسُواعٌ ويَغُوثُ ويَعُوقُ ونَسْرٌ، وكانَ وِدٌّ أكْبَرَهم وأبَرَّهم بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الأسْماءَ كانَتْ لِرِجالٍ قَبْلَ قَوْمِ نُوحٍ، فَماتُوا فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ أبْناؤُهم حُزْنًا شَدِيدًا، فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أنْ يُصَوِّرُوهم لِيَنْظُرُوا إلَيْهِمْ فَفَعَلُوا، ثُمَّ عَبَدَها أبْناؤُهم مِن بَعْدِهِمْ.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ فَحَدَّثَ بَعْدَهم مَن أخَذَ في العِبادَةِ مَأْخَذَهم، فَزَيَّنَ لَهم إبْلِيسُ أنْ يَتَصَوَّرُوا صُوَرَهم لِيَتَذَكَّرُوا بِها اجْتِهادَهم، ثُمَّ عَبَدَها مِن بَعْدِهم قَوْمُ نُوحٍ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ بَعْدَهم إلى العَرَبِ فَعَبَدَها ولَدُ إسْماعِيلَ.
فَأمّا وِدٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوِدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهُمْ حَيّاكَ ودٌّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما.
وَأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ، في قَوْلِهِمْ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغَطِيفٍ مِن مُرادٍ بِالجَوْفِ مِن سَبَأٍ، في قَوْلِ قَتادَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَيٌّ مِن نَجْرانَ.
قالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيِّ: رَأيْتُ يَغُوثَ وكانَ مِن رَصاصٍ وكانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى جَمَلٍ أجْرَدَ، ويَسِيرُونَ مَعَهُ لا يُهَيِّجُونَهُ، حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبْرُكُ فَإذا بَرَكَ نَزَلُوا وقالُوا: قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ، فَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً ويَنْزِلُونَ حَوْلَهُ.
وَأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ بِبَلْخٍ، في قَوْلِ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ.
وَأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكُلاعِ مِن حِمْيَرٍ في قَوْلِ عَطاءٍ ونَحْوُهُ عَنْ مُقاتِلٍ.
﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ قَدْ ضَلَّ بِها كَثِيرٌ مِن قَوْمِهِ.
الثّانِي: أنَّ أكابِرَ قَوْمِهِ قَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا مِن أصاغِرِهِمْ وأتْباعِهِمْ.
﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا ضَلالا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا عَذابًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ .
الثّانِي: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وهو مُحْتَمَلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ قال: خلق آدم من أديم الأرض كلها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبلاً فجاجاً ﴾ قال: طرقاً مختلفة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سبلاً فجاجاً ﴾ قال: طرقاً مختلفة وأعلاماً.
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ ﴿ ماله وولده ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء أنهما كانا يقرآن ﴿ ماله وولده ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها في نوح والزخرف وما بعد السجدة من مريم ولد وقال: الولد الكبير والولد الواحد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومكروا مكراً كباراً ﴾ قال عظيماً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولا تذرن ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ قال: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح.
وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مرديه عن ابن عباس قال: صارت الأصنام والأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، وكانوا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ود ويغوث ويعوق وسراع ونسر، وكان ود أكبرهم وأبرّهم به.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي عثمان قال: رأيت يغوث صنماً من رصاص يحمل على جمل أجرد، فإذا برك قالوا: قد رضي ربكم هذا المنزل.
وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح وكانت الأبناء تبرّ الآباء فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالاً على صورته، فكلما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها.
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسراً وقد أضلوا كثيراً ﴾ قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صوّرتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدوها.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال: كان لآدم خمسة بنين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فكانوا عبّاداً فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟
قالوا: نعم، قال: هل لكم أن أصوّر لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟
قالوا: لا نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئاً نصلي إليه.
قال: فأجعله في مؤخر المسجد.
قالوا: نعم فصوّره لهم حتى مات خمستهم فصوّر صورهم في مؤخر المسجد وأخرج الأشياء حتى تركوا عبادة الله وعبدوا هؤلاء، فبعث الله نوحاً فقالوا: ﴿ لا تذرن وداً ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب فقال: إما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر وداً قال: وكان ود رجلاً مسلماً وكان محبباً في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟
قالوا: نعم، فصوّر لهم مثله، فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل منكم تمثالاً مثله فيكون في بيته فتذكرونه؟
قالوا: نعم، فصوّر لكل أهل بيت تمثالاً مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به.
قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله.
قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود الصنم الذي سموه بود.
وخرج عبد بن حميد عن السدي سمع مرة يقول في قول الله: ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ قال: أسماء آلهتهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وولده ﴾ بنصب الواو ﴿ ولا تذرن وداً ﴾ بنصب الواو ﴿ ولا سواعاً ﴾ برفع السين.
وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة قال: لم ينحسر أحد من الخلائق كحسرة آدم ونوح، فأما حسرة آدم فحين أخرج من الجنة، وأما حسرة نوح فحين دعا على قومه فلم يبق شيء إلا غرق إلا ما كان معه في السفينة، فلما رأى الله حزنه أوحى إليه يا نوح لا تتحسر فإن دعوتك وافقت قدري.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال: واحداً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال: أما والله ما دعا عليهم نوح حتى أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فعند ذلك دعا عليهم، ثم دعا دعوة عامة، فقال: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ﴾ قال: يعني أباه وجده.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قال: مسجدي.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ قال: خساراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ هذا عبارة عن إنشائهم من تراب الأرض، ونباتاً مصدر على غير المصدر أو يكون تقديره: أنبتكم فنبتم إنباتاً، ويحتمل أن يكون منصوباً على الحال ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ﴾ يعني بالبعث من القبور ﴿ والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً ﴾ شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم في لفظ البساط أن الأرض بسيطة غير كروية، خلافاً لما ذهب إليه أهل التعديل، وفي ذلك نظر ﴿ سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ ذكر في [الأنبياء: 31] ﴿ واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ يعني اتبعوا أغنيائهم وكبراءهم، وقرئ وَلدُه بفتحتين وَوُلْد بضم الواو وسكون اللام وهما بمعنى واحد ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ الكبّار بالتشديد أبلغ من الكبار بالتخفيف، والكبار بالتخفيف أبلغ من الكبير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ دعائي إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ أني أعلنت ﴾ بالفتح.
أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ وولده ﴾ بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتحتين ﴿ ودا ﴾ بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح ﴿ خطاياهم ﴾ بالتكسير: أبو عمرو ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: حفض وهشام.
الوقوف: ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لا يؤخر ﴾ م ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ونهاراً ﴾ ه ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ إستكباراً ﴾ ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل ﴿ جهاراً ﴾ ه لا ﴿ أسراراً ﴾ ه لا لعطف مقصود الكلام ﴿ غفاراً ﴾ ه لا لجواب الأمر ﴿ مدراراً ﴾ ه ﴿ أنهاراً ﴾ ه ط لابتداء الإستفهام ﴿ وقاراً ﴾ ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف ﴿ أطواراً ﴾ ه ﴿ طباقاً ﴾ ه لا ﴿ سراجاً ﴾ ه لا ﴿ نباتاً ﴾ ه ﴿ إخراجاً ﴾ ه ﴿ بساطاً ﴾ ه ﴿ فجاجاً ﴾ ه ﴿ خساراً ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ كباراً ﴾ ه لذلك ﴿ ونسراً ﴾ ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل ﴿ قالوا ﴾ وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول ﴿ لا تذرن ﴾ وفيه نظر ﴿ كثيراً ﴾ ه ز لأن قوله ﴿ ولا تزد ﴾ لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ﴿ ضلالاً ﴾ ه ﴿ أنصاراً ﴾ ه ﴿ دياراً ﴾ ه ﴿ كفاراً ﴾ ه ﴿ تباراً ﴾ ه.
التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في ﴿ أن أنذر ﴾ و ﴿ أن اعبدوا ﴾ مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول.
أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار.
ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات ﴿ واتقواه ﴾ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات.
ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.
وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية.
وما أجيب عنه.
والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد.
وفي قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه.
ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد.
ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض.
قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً.
قوله ﴿ إن أجل الله ﴾ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت.
ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته.
ومعنى ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ دائباً دائماً من غير توان وفتور.
قوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ كقوله ﴿ ما زادهم إلا نفوراً ﴾ قوله ﴿ لتغفر لهم ﴾ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.
ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى.
ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله.
ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه.
ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته.
ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر.
وانتصب ﴿ جهاراَ ﴾ على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف.
والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال.
ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع.
ثم فسر الدعوة بقوله ﴿ فقلت استغفروا ﴾ إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء.
وله وجه معقول وهو أن الله مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "سبقت رحمتي غضبي" فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء.
يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.
فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء.
والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث.
ثم إنه وبخهم بقوله ﴿ مالكم لا ترجون لله وقاراً ﴾ أصل الرجاء الأمل.
والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله.
وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ﴿ ولله ﴾ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه.
وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.
وقال غيره: تم الكلام عند قوله ﴿ مالكم ﴾ ثم استفهم منكراً ﴿ لا ترجون ﴾ أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله.
قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها.
وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله ﴿ ألم تروا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ طباقاً ﴾ قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة.
وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله ﴿ فيهن ﴾ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله.
ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً.
قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.
وفي قوله ﴿ إخراجاً ﴾ تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة.
ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض.
والفج الطريق الواسع.
ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟
فبين أنه ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ مكان قوله وأطيعون ﴿ واتبعوا ﴾ رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم ﴿ إلا خساراً ﴾ في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم.
وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك ﴿ ومكروا ﴾ معطوف على ﴿ لم يزده ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا ﴿ وقالوا ﴾ للأتباع ﴿ لا تذرن ﴾ وجمع حملاً على المعنى.
والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير.
ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر.
وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء.
وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم.
ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله ﴿ وقد أضلوا ﴾ قوله ﴿ مما خطيئاتهم ﴾ " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد.
وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً.
وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر.
عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله .
وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم.
وفي قوله ﴿ فلم يجدوا ﴾ تهكم بهم وبآلهتهم قوله ﴿ وقال ﴾ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا.
وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره.
والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة ﴿ دياراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام.
يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة.
فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله ﴿ إنك إن تذرهم ﴾ إلى آخره.
قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال ﴿ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب.
قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى" " ومن روى أن الله أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال.
ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه.
وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ.
وإسم أمه شمخا بنت أنوش.
قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء.
وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء ﴿ ولمن دخل بيتي ﴾ أي منزلي.
وقيل: مسجدي.
وقيل: سفينتي.
وقيل: ديني.
على هذا يكون قوله ﴿ مؤمناً ﴾ احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة.
والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ﴾ ، أي: عصوني فيما أمرتهم به أو فيما دعوتهم إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ : يشبه أن يكون المتبوعون هم الذين كثرت أموالهم وحواشيهم، استتبعوا من دونهم فيتبعوهم ولم يتبعوا نوحا ، وقد كان نوح - - يدعوهم إلى اتباعه، فأخبر أنهم لم يتبعوه، وإنما اتبعوا من كثرت أمواله وأولاده وحواشيه؛ فتكون هذه الآية في الأتباع أنهم اتبعوا أجلتهم ورؤساءهم ليس في رؤسائهم، وما تقدم من الآيات في أجلتهم من دعاء نوح - - إياهم إلى التوحيد وغيره.
ويحتمل أن تكون هذه الآية في الأجلة والضعفة جميعا؛ فيكون قوله : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ﴾ ، أي: اتبعوا من تقدمهم من أهل الثروة والغناء، والذين وسعت عليهم الدنيا، وبسطت لهم؛ ظنّاً منهم أنهم أحق بالله ، وأقرب إليه في المنزلة.
والذي حملهم على هذا هو أنهم لا يرون أحدا في الشاهد يترك صلة وليه ويصل عدوه، فيرون أنه إذا بسطت على رؤسائهم الدنيا، [و] وسع الله عليهم، وضيق على هؤلاء - أن أولئك أقرب منزلة وأعلى حالا، وأنهم هم الأولياء، وهم لا يؤمنون بالآخرة وثوابها، فكانوا يزعمون أنه يوفر الجزاء على الأولياء والمحسنين في الدنيا، وزعموا أن من وسع عليه الدنيا فهو أحق أن يكون وليا لله حيث وصل إليه الجزاء فيها، فهذا الظن هو الذي حملهم على الاتباع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ ، أي: بوارا وهلاكا لذلك المتبوع، فكانت تلك النعم التي ظنوا أنهم أكرموا بها بصنيعهم سببا لخسارهم.
ثم قوله : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ كقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ ، ثم قد بينا تأويل شكايته إلى الله من قومه، فهذه الآية وتلك الآيات في معنى تأويل الشكاية إلى الله - واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ .
قال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون ما يمكرون بألسنتهم؛ حيث كانوا يدعونهم إلى الكفر والصد عن سبيل الله، فكنى بالمكر عما قالوه بألسنتهم، فكان ذلك ﴿ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ ، أي: قولا عظيما.
وجائز أن يكون على حقيقة المكر، وهو أن رؤساءهم مكروا بأتباعهم حيث قالوا: إن هؤلاء لو كانوا أحق بالله منا، لكانوا هم الذين يوسع عليهم ويضيق علينا، فإذا وسع علينا وضيق عليهم، ثبت أنا نحن الأولياء [والأصفياء] دون غيرنا، وهذا منهم مكر عظيم؛ لأنه يأخذ قلوب أولئك فيصدهم عن سبيل الله .
وجائز أن يكون مكرهم ما ذكر أنهم كانوا يأتون بأولادهم الصغار إلى نوح ، ويقولون لهم: إياكم واتباع هذا فإنه ضال مضل، فكان هذا مكرهم بصغارهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً ...
﴾ الآية.
هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع، واتبعتهم إلى ما دعوهم إليه من عبادة الأصنام، فقالوا بعد ذلك: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أي: لا تذرن عبادتها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ﴾ .
هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها.
ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير: أن قوم نوح - - اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال عباد كانت هذه الأسماء أسماءهم، فسموا الأصنام بأسماء العباد؛ ليعتبروا بها، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها، فلما مضى ذلك القرن الذين اتخذوها عبرة وخلفهم قرن بعدهم، قال لهم الشيطان: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها.
ومنهم من ذكر أن جسد آدم - - كان عند نوح - - يترك كل مؤمن في زمانه أن يدخل فينظر إلى جسد آدم ومن لم يكن مؤمنا لم يدعه أن ينظر إليه، فجاء إبليس إلى الكفار فقال: أيفخر نوح ومن [آمن به] عليكم بجسد آدم وأنتم كلكم ولده؟
فصنع لكل قوم صنما على صورة آدم - - فكانوا يعبدون تلك الصورة.
ويحتمل أن يكون الذي بعثهم على ذلك هو أنهم لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة رب العالمين، كما يرى هؤلاء الذين يخدمون الأجلة في الشاهد لا يطمع كل واحد منهم في خدمة الملوك، ولا يرى نفسه أهلا لخدمتهم، بل يشتغل بخدمة من دونه أولاً؛ على رجاء أن يقربه إلى الملك، فكذلك هؤلاء حسبوا أنهم لا يصلحون لخدمة رب العالمين، فكانوا إذا رأوا شيئا حسنا [كانوا] يظنون أن حسنه لمنزلة له عند الله لا غير، فكانوا يقبلون على عبادته؛ رجاء أن يقربهم إلى الله ، فجعلوا الأصنام على أحسن ما قدروا عليه ثم اشتغلوا بخدمتها وعبادتها؛ رجاء أن تقربهم إلى الله ، كما قال - عز وجل - حكاية عنهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، فجائز أن يكون هذا الحسبان هو الذي حملهم على عبادتها وتعظيم شأنها، والله أعلم أي ذلك كان!
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ جائز أن يكون أريد به الكبراء أنهم أضلوا كثيرا، أي: دعوا إلى الضلال، وزينوه في قلوبهم فأضلوا سفهاءهم بذلك.
وجائز أن يكون أريد به الأصنام، ولكن حقه إن كان على الأصنام أن يقول: "وقد أضللن كثيرا"؛ كما قال إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، ولكن الإضلال من فعل الممتحنين، والأصنام ليست لها أفعال، فلما نسب إليها نسبة من [يوجد] منه الفعل، أخرج الخطاب على الوزن الذي يخاطب به من يوجد منه هذا الفعل؛ وهو كقوله : ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، فأضاف إلى القرية فعل أهلها، والفعل إذا أضيف إلى الأهل، أضيف بلفظ التذكير، ثم أنث هاهنا؛ لإضافة فعل الأهل إلى القرية، ولو كانت القرية بحيث يكون منها الفعل لكان الخطاب يرتفع عنها بلفظ التأنيث لا بلفظ التذكير، فحيث أضيف إليها فعل أهلها أنث كما يوجب لو كان الفعل متحققا منها.
ثم الأصنام لا يتحقق منه الإضلال، ولكن معنى الإضافة هاهنا هو أنها أنشئت على هيئة لو كانت تلك الهيئة ممن يضل لأضل، وهو كما قلنا في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً ﴾ : فهذا يشبه أن يكون بعدما بين له ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ ، فإذا علم أنهم لا يؤمنون لم يدع لهم بالهدى، ولكن دعا الله ليزيد في إضلالهم، ويكون الإضلال عبارة عن الهلاك، والضلال: الهلاك، قال الله : ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: هلكنا.
وقوله - عز جل -: ﴿ مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ ، فحرف "ما" هاهنا صلة في الكلام، ومعناه: بخطيئاتهم، أو من خطيئاتهم أغرقوا، فأدخلوا نارا في الآخرة؛ إذ أغرقت أبدانهم وأجسادهم وردت أرواحهم إلى النار.
﴿ فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً ﴾ ، أي: لم يجدوا لأنفسهم بعبادتهم من عبدوا من دون الله أنصاراً من المعبودين؛ لأنهم كانوا يعبدون من يعبدون من دون الله ليقربهم إلى الله، ويكونوا لهم شفعاء وعزّاً، فلم يجدوا الأمر على ما قدروه عند أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ .
قيل: تأويله: لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار، وإذا لم يبق منهم ساكن دار فقد بادوا جميعا وهلكوا، فكأنه يقول: لا تذر منهم أحدا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ .
هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح ؛ لأنه خارج مخرج الإنكار على الله لو تركهم ولم يهلكهم، وهذا يشبه بقول من قال: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ ، وهذا - أيضا - خارج مخرج التذكير لله : أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي الله وذلك عظيم؛ لأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال؛ ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهم في إضلال بني آدم، ثم لم يستأصلوا ولم يهلكوا، بل أبقوا إلى الوقت المعلوم.
ولكن يجوز أن يكون دعا عليهم، بعد أن أذن له بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار؛ فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الإذن.
والأصل: إن الرسل - عليهم السلام - بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، [وكانوا في دعائهم] راجين الإسلام منهم، خائفين عليهم بدوامهم على الكفر، فلما قيل لنوح - -: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ - وقع له الإياس عن إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، فجائز أن يرد له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك.
ثم يكون قوله: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ خارجاً مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر لو أبقوا، خيف منهم أن يضلوا المؤمنين ويغيروهم إلى ملتهم؛ فتكون شفقته على المسلمين داعية له على الدعاء بالهلاك على الكفرة؛ لئلا يتوصلوا إلى الإضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ﴾ وقت بلوغهم المحنة والابتلاء، فحينئذ يوجد منهم الفجور، لا أن يلدوا فجارا كفارا؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ﴾ أي: نبتليه لوقت بلوغه المحنة والابتلاء، لا أن يبتلى وقت ما يشاء.
وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور؛ لأنه [لو خرج] قوله: ﴿ كَفَّاراً ﴾ مخرج التفسير لقوله: ﴿ فَاجِراً ﴾ استقام أن يحمل تأويل قوله : ﴿ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ على الكفرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ﴾ هكذا الواجب على المرء في الدعاء والاستغفار أن يبدأ بنفسه، ثم بوالديه، ثم بالمؤمنين.
ثم قوله: ﴿ بَيْتِيَ ﴾ قال بعضهم: أي: في سفينتي.
وقال بعضهم: (في بيتي) أي: في ديني؛ فيكون البيت كناية عن الدين.
وقال بعضهم: إنما هو بيته الذي يسكن فيه؛ لما أطلعه [الله] أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر.
قال الشيخ - رحمه الله -: ثم إن أرجى الأمور للمؤمنين في الآخرة دعاء الأنبياء والملائكة - عليهم السلام - في الدنيا؛ لأنهم إنما يدعون بعد الإذن لهم [بالدعاء]، فلا يحتمل أن يأذن الله لهم بالدعاء، ثم لا يجيب دعوتهم.
وذكر عن ابن عباس - ما - أنه قال: إن نوحاً - - دعا بدعوتين: أحدهما: للمؤمنين بالاستغفار والتوبة.
والثانية: على الكفار بالبوار والتبار.
وقد أجيبت دعوته فيما دعا على الكفرة؛ فلا يجوز أن يجاب في شر الدعوتين، ثم لا يجاب في خير الدعوتين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ﴾ قيل: كسرا وذلا وصغارا؛ فإنه مشتق من التبر، وكل مكسور يقال له: تبر؛ فكأنه يقول: اكسر منعة الظالمين وشوكتهم؛ فإن كان التأويل هذا فهو يقع على جميع الظلمة من كان في وقته ومن بعده.
وقيل: التبار: الهلاك؛ فإن كان هذا معناه فهو على ظالمي زمانه؛ إذ لا يجوز للأنبياء - عليهم السلام - أن يدعوا على قوم إلا أن يؤذن لهم بالدعاء عليهم، وإنما جاء الإذن في حق قومه، فأما في حق غيرهم لم يثبت؛ فلا يجوز القول فيه إلا بما تواتر الخبر به عن رسول الله ، والله أعلم.
ومكر الأكابر منهم مكرًا عظيمًا بتحريشهم سَفَلَتهم على نوح.
<div class="verse-tafsir" id="91.GrZJD"