الإسلام > القرآن > سور > سورة 76 الإنسان > الآية ١ من سورة الإنسان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الإنسان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة الإنسان وهي مكية .
قد تقدم في صحيح مسلم ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة " الم تنزيل " السجدة ، و " هل أتى على الإنسان " وقال عبد الله بن وهب : أخبرنا ابن زيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة : " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود ، فلما بلغ صفة الجنان ، زفر زفرة فخرجت نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرج نفس صاحبكم - أو قال : أخيكم - الشوق إلى الجنة " .
مرسل غريب .
يقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته وضعفه ، فقال : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) ؟
يعني جلّ ثناؤه بقوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ ) قد أتى على الإنسان، وهل في هذا الموضع خبر لا جحد، وذلك كقول القائل لآخر يقرّره: هل أكرمتك؟
وقد أكرمه؛ أو هل زرتك؟
وقد زاره، وقد تكون جحدا في غير هذا الموضع، وذلك كقول القائل لآخر: هل يفعل مثل هذا أحد؟
بمعنى: أنه لا يفعل ذلك أحد.
والإنسان الذي قال جل ثناؤه في هذا الموضع: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ): هو آدم صلى الله عليه وسلم كذلك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ ) آدم أتى عليه ( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) إنما خلق الإنسان ها هنا حديثا، ما يعلم من خليقة الله كانت بعد الإنسان.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) قال: كان آدم صلى الله عليه وسلم آخر ما خلق من الخلق.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) قال: آدم.
وقوله: ( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) اختلف أهل التأويل في قدر هذا الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو أربعون سنة، وقالوا: مكثت طينة آدم مصوّرة لا تنفخ &; 24-88 &; فيها الرّوح أربعين عامًا، فذلك قدر الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع، قالوا: ولذلك قيل: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لأنه أتى عليه وهو جسم مصوّر لم تنفخ فيه الروح أربعون عاما، فكان شيئا، غير أنه لم يكن شيئا مذكورا، قالوا: ومعنى قوله: ( لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لم يكن شيئا له نباهة ولا رفعة، ولا شرف، إنما كان طينا لازبًا وحمأ مسنونا.
وقال آخرون: لا حدّ للحين في هذا الموضع؛ وقد يدخل هذا القول من أن الله أخبر أنه أتى على الإنسان حين من الدهر، وغير مفهوم في الكلام أن يقال: أتى على الإنسان حين قبل أن يوجد، وقبل أن يكون شيئا، وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حين قبل أن يُخلق، ولم يقل أتى عليه.
وأما الدهر في هذا الموضع، فلا حدّ له يوقف عليه.
سورة الإنسانوهي إحدى وثلاثون آيةمكية في قول ابن عباس ومقاتل والكلبي .
وقال الجمهور : مدنية .
وقيل : فيها مكي ، من قوله تعالى : إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا إلى آخر السورة ، وما تقدمه مدني .
وذكر ابن وهب قال : وحدثنا ابن زيد قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقرأ : هل أتى على الإنسان حين من الدهر وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود كان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له عمر بن الخطاب : لا تثقل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " دعه يا بن الخطاب " قال : فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده ، فلما قرأها عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخرج نفس صاحبكم - أو أخيكم - الشوق إلى الجنة وروي عن ابن عمر بخلاف هذا اللفظ ، وسيأتي .
وقال القشيري : إن هذه السورة نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
والمقصود من السورة عام .
وهكذا القول في كل ما يقال إنه نزل بسبب كذا وكذا .بسم الله الرحمن الرحيمهل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا هل : بمعنى قد ; قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة .
وقد حكي عن سيبويه هل بمعنى قد .
قال [ ص: 107 ] الفراء : هل تكون جحدا ، وتكون خبرا ، فهذا من الخبر ; لأنك تقول : هل أعطيتك ؟
تقرره بأنك أعطيته .
والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا ؟
وقيل : هي بمنزلة الاستفهام ، والمعنى : أتى .
والإنسان هنا آدم - عليه السلام - ، قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي .
وروي عن ابن عباس : حين من الدهر قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أربعون سنة مرت به ، قبل أن ينفخ فيه الروح ، وهو ملقى بين مكة والطائف وعين ابن عباس أيضا في رواية الضحاك أنه خلق من طين ، فأقام أربعين سنة ، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ، ثم من صلصال أربعين سنة ، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة .
وزاد ابن مسعود فقال : أقام وهو من تراب أربعين سنة ، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة ، ثم نفخ فيه الروح .وقيل : الحين المذكور هاهنا : لا يعرف مقداره عن ابن عباس أيضا ، حكاه الماوردي .
لم يكن شيئا مذكورا قال الضحاك عن ابن عباس : لا في السماء ولا في الأرض .
وقيل : أي كان جسدا مصورا ترابا وطينا ، لا يذكر ولا يعرف ، ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ، ثم نفخ فيه الروح ، فصار مذكورا ; قاله الفراء وقطرب وثعلب .وقال يحيى بن سلام : لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا مذكورا .
وقيل : ليس هذا الذكر بمعنى الإخبار ، فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم ، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر ; تقول : فلان مذكور أي له شرف وقدر .
وقد قال تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك .
أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة .
ثم لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة ، وحمله الأمانة التي عجز عنها السماوات والأرض والجبال ، ظهر فضله على الكل ، فصار مذكورا .
قالالقشيري : وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق ، وإن كان مذكورا لله .
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء : لم يكن شيئا قال : كان شيئا ولم يكن مذكورا .
وقال قوم : النفي يرجع إلى الشيء ; أي قد مضى مدد من الدهر وآدم لم يكن شيئا يذكر في الخليقة ; لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة ، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين .
والمعنى : قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة .
وهذا معنى قول قتادة ومقاتل : قال قتادة : إنما خلق الإنسان حديثا ما نعلم من خليقة الله - جل ثناؤه - خليقة كانت بعد الإنسان .
وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئا مذكورا ; لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ، ولم يخلق بعده حيوانا .وقد قيل : ( الإنسان ) في قوله تعالى هل أتى على الإنسان حين عني به الجنس من ذرية آدم ، وأن الحين تسعة أشهر ، مدة حمل الإنسان في بطن أمه لم يكن شيئا مذكورا : إذ كان علقة ومضغة ; لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له .وقال أبو بكر - رضي الله عنه - لما قرأ هذه الآية : ليتها تمت فلا نبتلى .
أي ليت المدة التي أتت على آدم لم [ ص: 108 ] تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك ، فلا يلد ولا يبتلى أولاده .
وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلا يقرأ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فقال ليتها تمت .
ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان ومبتدأها ومتوسطها ومنتهاها.
فذكر أنه مر عليه دهر طويل وهو الذي قبل وجوده، وهو معدوم بل ليس مذكورا.
قال عطاء : هي مكية وقال مجاهد وقتادة : مدنية .
وقال الحسن وعكرمة : هي مدنية إلا آية وهي قوله : " فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا " بسم الله الرحمن الرحيم ( هل أتى على الإنسان ) يعني آدم - عليه السلام - ( حين من الدهر ) أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح ( لم يكن شيئا مذكورا ) لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به .
يريد : كان شيئا ولم يكن مذكورا ، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن [ ينفخ ] فيه الروح .
روي أن عمر سمع رجلا يقرأ هذه الآية : " لم يكن شيئا مذكورا " فقال عمر : ليتها تمت ، يريد : ليته بقي على ما كان .
قال ابن عباس : ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة .
«هل» قد «أتى على الإنسان» آدم «حين من الدهر» أربعون سنة «لم يكن» فيه «شيئا مذكورا» كان فيه مصورا من طين لا يذكر أو المراد بالإنسان الجنس وبالحين مدة الحمل.
قد مضى على الإنسان وقت طويل من الزمان قبل أن تُنفَخ فيه الروح، لم يكن شيئا يُذكر، ولا يُعرف له أثر.
الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ أتى عَلَى الإنسان .
.
) للتقرير .
والمراد بالإِنسان : جنسه ، فيشمل جميع بنى آدم ، والحين : المقدار المجمل من الزمان ، لأحد لأكثره ولا لأقله .
والدهر : الزمان الطويل غير المحد بوقت معين .والمعنى : لقد أتى على الإِنسان ( حِينٌ مِّنَ الدهر ) أى : وقت غير محدد من الزمان الطويل الممتد فى هذه الحياة الدنيا .( لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ) أى : لم يكن هذا الإِنسان فى ذلك الحين من الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه ، وإنما كان شيئا غير موجود إلا فى علم الله - تعالى - .ثم أوجده - سبحانه - بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة .
.
ثم أنشأه - سبحانه - بعد ذلك خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين .فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - عز وجل - حيث أوجد الإِنسان من العدم ، ومن كان قادرا على ذلك ، كان - من باب أول - قادرا على إعادته إلى الحياة بعد موته ، والحساب والجزاء .قال الإِمام الفخر الرازى ما ملخصه : اتفقوا على أن " هل " هاهنا ، وفى قوله - تعالى - : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية ) بمعنى قد ، كما تقول : هل رأيت صنيع فلان ، وقد علمت أنه قد رآه .
وتقول : هل وعظتك وهل أعطيتك ، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته .والدليل على أن " هل " هنا ليست للاستفهام الحقيقى .
.
أنه محال على الله - تعالى - فلابد من حمله على الخبر .وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام ، لما فيه من التشويق إلى معرفة ما سيأتى بعده من كلام .وجملة ( لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ) فى وضع نصب على الحال من الإِنسان ، والعائد محذوف .
أى : حالة كون هذا الإِنسان ، لم يكن فى ذلك الحين من الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه .
وإنما كان نسيا منسيا ، لا يعلم بوجوده أحد سوى خالقه - عز وجل - .
اتفقوا على أن ﴿ هَلُ ﴾ هاهنا وفي قوله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية ﴾ بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل وعظتك هل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته، وقد تجيء بمعنى الجحد، تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا، وأما أنها تجيء بمعنى الاستفهام فظاهر، والدليل على أنها هاهنا ليست بمعنى الاستفهام وجهان الأول: ما روي أن الصديق رضي الله عنه لما سمع هذه الآية قال: يا ليتها كانت تمت فلا نبتلي، ولو كان ذلك استفهاماً لما قال: ليتها تمت، لأن الاستفهام، إنما يجاب بلا أو بنعم، فإذا كان المراد هو الخبر، فحينئذ يحسن ذلك الجواب الثاني: أن الاستفهام على الله تعالى محال فلابد من حمله على الخبر.
المسألة الأولى: اختلفوا في الإنسان المذكور هاهنا فقال: جماعة من المفسرين يريد آدم عليه السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية ثم عقب بذكر ولده في قوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ﴾ ، والقول الثاني: أن المراد بالإنسان بنو آدم بدليل قوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ فالإنسان في الموضعين واحد، وعلى هذا التقدير يكون نظم الآية أحسن.
المسألة الثانية: ﴿ حِينٍ ﴾ فيه قولان: الأول: أنه طائفة من الزمن الطويل الممتد وغير مقدر في نفسه والثاني: أنه مقدر بالأربعين، فمن قال: المراد بالإنسان هو آدم قال المعنى: أنه مكث آدم عليه السلام أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح، وروى عن ابن عباس أنه بقي طيناً أربعين سنة وأربعين من صلصال وأربعين من حمأ مسنون فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة، فهو في هذه المدة ما كان شيئاً مذكوراً، وقال الحسن: خلق الله تعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دواب البر والبحر في الأيام الستة التي خلق فيها السموات والأرض وآخر ما خلق آدم عليه السلام وهو قوله: ﴿ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ فإن قبل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه قد مضى على الإنسان حال كونه إنساناً حين من الدهر مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً، قلنا: إن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح وسيصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، والذين يقولون الإنسان هو النفس الناطقة، وإنها موجودة قبل وجود الأبدان، فالإشكال عنهم زائل واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، ومتى كان كذلك فلابد من محدث قادر.
المسألة الثالثة: لم يكن شيئاً مذكوراً محله النصب على الحال من الإنسان كأنه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور أو الرفع على الوصف لحين، تقديره: هل أتى على الإنسان حين لم يكن فيه شيئاً.
<div class="verse-tafsir"
هل بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة، والأصل: أهل، بدليل قوله: أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْعِ الْقَاعِ ذِي الأكمِ فالمعنى: أقد أتى؟
على التقرير والتقريب جميعاً، أي: أتى على الإنسان قبل زمان قريب ﴿ حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن ﴾ فيه ﴿ شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ أي كان شيئاً منسياً غير مذكور نطفة في الأصلاب والمراد بالإنسان: جنس بني آدم، بدليل قوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ [الإنسان: 2] ؟
﴿ حين منالدهر ﴾ طائفة من الزمن الطويل الممتد فإن قلت: ما محل ﴿ لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ قلت: محله النصب على الحال من الإنسان، كأنه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور.
أو الرفع على الوصف لحين، كقوله: ﴿ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ [لقمان: 33] ، وعن بعضهم: أنها تليت عنده فقال: ليتها تمت، أراد: ليت تلك الحالة تمت، وهي كونه شيئاً غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الإنْسانِ مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَقْرِيبٍ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِـ قَدْ وأصْلُهُ أهَلْ كَقَوْلِهِ: أهَلْ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ.
﴿ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مِنَ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الغَيْرِ المَحْدُودِ.
﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ بَلْ كانَ شَيْئًا مَنسِيًّا غَيْرَ مَذْكُورٍ بِالإنْسانِيَّةِ كالعُنْصُرِ والنُّطْفَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الإنْسانِ أوْ وصْفٌ لِ حِينٌ بِحَذْفِ الرّاجِعِ والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ أوْ آدَمَ بَيَّنَ أوَّلًا خَلْقَهُ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَهُ بَنِيهِ.
﴿ أمْشاجٍ ﴾ أخْلاطٍ جَمْعُ مَشَجٍ أوْ مَشِجٍ أوْ مَشِيجٍ مِن مَشَجْتُ الشَّيْءَ إذا خَلَطْتَهُ، وجَمَعَ النُّطْفَةَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ بِها مَجْمُوعُ مَنِيِّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وكُلٍّ مِنهُما مُخْتَلِفُ الأجْزاءِ في الرِّقَّةِ والقَوامِ والخَواصِّ، ولِذَلِكَ يَصِيرُ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُما مادَّةَ عُضْوٍ.
وقِيلَ: مُفْرَدٌ كَأعْشارٍ وأكْباشٍ.
وقِيلَ: ألْوانٌ فَإنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ وماءَ المَرْأةِ أصْفَرُ فَإذا اخْتَلَطا اخْضَرّا، أوْ أطْوارٌ فَإنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى تَمامِ الخِلْقَةِ.
﴿ نَبْتَلِيهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُبْتَلِينَ لَهُ بِمَعْنى مُرِيدِينَ اخْتِبارَهُ أوْ ناقِلِينَ لَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ فاسْتُعِيرَ لَهُ الِابْتِلاءُ.
﴿ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ لِيَتَمَكَّنَ مِن مُشاهَدَةِ الدَّلائِلِ واسْتِماعِ الآياتِ، فَهو كالمُسَبَّبِ عَنِ الِابْتِلاءِ ولِذَلِكَ عَطَفَ بِالفاءِ عَلى الفِعْلِ المُقَيَّدِ بِهِ ورَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: <div class="verse-tafsir"
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان} أي ولد آدم وقيل الأول ولد آدم أيضا وحين مِّنَ الدهر على هذا مدة لبثه في بطن أمه إلى أن صار شيئاً مذكوراً بين الناس مِن {نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} نعت أو بدل منها أي من نطفة قد امتزج فيها الماآن ومشجة ومزجة بمعنى ونطفة أَمْشَاجٍ كبرمة أعشار فهو لفظ مفرد غير جمع ولذا وقع صفة للمفرد {نَّبْتَلِيهِ} حال أي خلقناه مبتلين أي مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي له {فجعلناه سميعا بصيرا} اذا سمع وبصر
سُورَةُ الإنْسانِ وتُسَمّى سُورَةَ الدَّهْرِ والأبْرارِ والأمْشاجِ وهَلْ أتى وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً واحِدَةً فَمَكِّيَّةٌ وهي ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ إلى آخِرِها فَإنَّهُ مَكِّيٌّ وعَنِ ابْنِ عادِلٍ حِكايَةُ مَدَنِيَّتِها عَلى الإطْلاقِ عَنِ الجُمْهُورِ وعَلَيْهِ الشِّيعَةُ وآيُها إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها في غايَةِ الوُضُوحِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ أصْلُهُ عَلى ما قِيلَ أهِلْ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ أيِ الجُمَلُ عَلى الإقْرارِ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ والمُقَرَّرُ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَقُولُونَ نَعَمْ قَدْ مَضى عَلى الإنْسانِ حِينٌ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيُقالُ فالَّذِي أوْجَدَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وهَلْ بِمَعْنى قَدْ وهي لِلتَّقْرِيبِ أيْ تَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ فَلَمّا سَدَّتْ هَلْ مَسَدَّ الهَمْزَةِ دَلَّتْ عَلى مَعْناها ومَعْنى الهَمْزَةِ مَعًا ثُمَّ صارَتْ حَقِيقَةً في ذَلِكَ فَهي لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ بِقَوْلٍ زَيْدِ الخَيْلِ: سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعَ بِشِدَّتِنا أهَلْ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ وقِيلَ هي لِلِاسْتِفْهامِ ولا تَقْرِيبَ وجَمْعُها مَعَ الهَمْزَةِ في البَيْتِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ولا لِلْمُلْبِهِمِّ أبَدًا دَواءُ بَلِ التَّأْكِيدُ هُنا أقْرَبُ لِعَدَمِ الِاتِّحادِ لَفْظًا عَلى أنَّ السِّيرافِيَّ قالَ: الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ أمْ هَلْ رَأوْنا عَلى أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ وقالَ السُّيُوطِيُّ في شَرْحِ شَواهِدِ المُغْنِي الَّذِي رَأيْتُهُ في نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِن دِيوانِ زَيْدٍ فَهَلْ رَأوْنا بِالفاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هي هُنا بِمَعْنى قَدْ وفَسَّرَها بِها جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ كالكِسائِيِّ وسِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ والفَرّاءِ وحُمِلَتْ عَلى مَعْنى التَّقْرِيبِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَها عَلى مَعْنى التَّحْقِيقِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها قَدْ أتى عَلى الإنْسانِ ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ وكَأنَّهُ أرادَ لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ حَقِيقَةً وإنَّما هي لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ ويَرْجِعُ بِالآخِرَةِ إلى قَدْ أتى ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَها بِذَلِكَ كابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ ما ذَكَرَ لا أنَّها بِمَعْنى قَدْ حَقِيقَةً وفي المُغْنِي ما تُفِيدُكَ مُراجَعَتُهُ بَصِيرَةً فَراجِعْهُ والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحِينُ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مِنَ الزَّمانِ شامِلَةٌ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ والدَّهْرِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الغَيْرِ المَحْدُودِ ويَقَعُ عَلى مُدَّةِ العالَمِ جَمِيعِها وعَلى كُلِّ زَمانٍ طَوِيلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ والزَّمانُ عامٌّ لِلْكُلِّ والدَّهْرُ وِعاءُ الزَّمانِ كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ وتَوَقَّفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مَعْنى الدَّهْرِ مُنْكَرٌ أيْ في المُرادِ بِهِ عُرْفًا في الإيمانِ حَتّى يُقالَ بِماذا يَحْنَثُ إذا قالَ: واللَّهِ لا أُكَلِّمُهُ دَهْرًا والمُعَرَّفُ عِنْدَهُ مُدَّةَ حَياةِ الحالِفِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وكَذا عِنْدَ صاحِبَيْهِ والمُنْكَرُ عِنْدَهُما كالحِينِ وهو مُعَرَّفًا ومُنْكَرًا كالزَّمانِ سِتَّةُ أشْهُرٍ إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ أيْضًا وبِها ما نُوِيَ عَلى الصَّحِيحِ وما اشْتُهِرَ مِن حِكايَةِ اخْتِلافِ فَتاوى الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ في ذَلِكَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَدِلًّا كُلٌّ بِدَلِيلٍ.
وقَوْلُهُ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَيْهِ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» .
إلّا أنَّهُ اخْتارَ فَتْوى الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِأنَّ الحِينَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ لِما فِيهِ مِنَ التَّيْسِيرِ لا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ ولَوْ صَحَّ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ فَتْوى الأمِيرِ مَعْدِنِ البَسالَةِ والفُتُوَّةِ بَعْدَ أنِ اخْتارَها مَدِينَةَ العِلْمِ ومَفْخَرَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والمَعْنى هُنا قَدْ أتى أوْ ﴿ هَلْ أتى عَلى ﴾ جِنْسِ ﴿ الإنْسانِ ﴾ قَبْلَ زَمانٍ قَرِيبٍ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مَقَدَّرَةٌ كائِنَةٌ مِنَ الزَّمانِ المُمْتَدِّ ﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ بَلى كانَ شَيْئًا غَيْرَ مَذْكُورٍ بِالإنْسانِيَّةِ أصْلًا أيْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِها عَلى أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُرادُ أنَّهُ مَعْدُومٌ لَمْ يُوجَدْ بِنَفْسِهِ بَلْ كانَ المَوْجُودُ أصْلُهُ مِمّا لا يُسَمّى إنْسانًا ولا يُعَرَّفُ بِعُنْوانِ الإنْسانِيَّةِ وهو مادَّتُهُ البَعِيدَةُ أعْنِي العَناصِرَ أوِ المُتَوَسِّطَةُ وهي الأغْذِيَةُ أوِ القَرِيبَةُ وهي النُّطْفَةُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ الأغْذِيَةِ المَخْلُوقَةِ مِنَ العَناصِرِ وجُمْلَةُ ﴿ لَمْ يَكُنْ ﴾ إلَخِ حالٌ مِنَ الإنْسانِ أيْ غَيْرَ مَذْكُورٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِحِينٍ بِحَذْفِ العائِدِ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ وإطْلاقُ ( الإنْسانِ ) عَلى مادَّتِهِ مَجازٌ بِجَعْلِ ما هو بِالقُوَّةِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ ما هو بِالفِعْلِ أوْ هو مِن مَجازِ الأوَّلِ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيَّدَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
وهي إحدى وثلاثون آية مدنية قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ يعني: قد أتى على أدم حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ يعني: أربعين سنة لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً يعني: لم يدر ما اسمه، ولا ما يراد به إلا الله تعالى.
وذلك أن الله تعالى، لما أراد أن يخلق آدم، أمر جبريل- -، أن يجمع التراب فلم يقدر.
ثم أمر إسرافيل فلم يقدر، ثم أمر عزرائيل عليهم السلام، فجمع التراب من وجه الأرض، فصار التراب طيناً، ثم صار صلصالاً، وكان على حاله أربعين سنة، قبل أن ينفخ فيه الروح.
وروى معمر، عن قتادة قال: كان آدم آخر ما خلق من الخلق، خلق كل شيء قبل آدم.
ثم قال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ يعني: مختلطاً ماء الرجل وماء المرأة، لا يكون الولد إلا منهما جميعاً.
ماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة أصفر رقيق نَبْتَلِيهِ يعني: لكي نبتليه بالخير والشر فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً يعني: جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى، وبصراً يبصر به الهدى.
وقال مقاتل: في الآية تقديم، يعني: جعلناه سميعاً بصيراً، يعني: جعلنا له سمعاً لنبتليه، يعني: لنختبره.
قوله عز وجل: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ يعني: بينا له، وعرفناه طريق الخير وطريق الكفر.
ويقال: سبيل السعادة والشقاوة إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً يعني: إما أن يكون موحداً، وإما أن يكون جاحداً لوحدانية الله تعالى.
ويقال: إما شاكراً لنعمه، وإما كفوراً لنعمه.
ثم بين ما أعد للكافرين فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ يعني: في الآخرة سَلاسِلَ وَأَغْلالًا يعني: هيئنا لهم أغلالاً، تغل بها أيمانهم إلى أعناقهم وَسَعِيراً يعني: وقوداً.
ثم بين ما أعد للشاكرين فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ يعني: الصادقين في إيمانهم يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ يعني: من خمر كانَ مِزاجُها كافُوراً يعني: على برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل ليس ككافور الدنيا ولا كمسكها ولكنه وصف بها حتى يهتدى به القلوب أو يقال: الكافور اسم عين في الجنة يمزج بها الخمر عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يعني: عين الكافور يشرب بها أولياء الله تعالى في الجنة يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يعني: يمزجونها تمزيجاً.
وقال ابن عباس: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً في قصورهم وديارهم، وذلك، أن عين الكافور، يشرب بها المقربون صرفاً غير ممزوج، ولغيرهم ممزوجاً.
ويقال: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يعني: يفجرون تلك العين في الجنة كيف أحبوا، كما يفجر الرجل النهر الذي يكون له في الدنيا هاهنا، وهاهنا حيث شاء.
ثم بين أفعالهم في الدنيا فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني: يتمون الفرائض.
ويقال: أوفوا بالنذر وَيَخافُونَ يَوْماً وهو يوم القيامة كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً يعني: عذابه فاشياً ظاهراً، وهو أن السموات قد انشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفارت المياه ثم قال عز وجل: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ يعني: على قلته وشهوته وحاجته مِسْكِيناً وهو الطائف بالأبواب وَيَتِيماً وَأَسِيراً يعني: من أسر من دار الشرك.
ويقال: أهل اليمن.
وذكر أن الآية نزلت في شأن علي بن أبي طالب، وفاطمة- ما وكانا صائمين فجاءهما سائل وكان عندهما قوت يومهما فأعطيا السائل بعض ذلك الطعام ثم جاءهما يتيم فأعطياه من ذلك الطعام ثم جاءهما أسير فأعطياه الباقي فمدحهما الله تعالى لذلك، ويقال: نزلت في شأن رجل من الأنصار ثم قال عز وجل: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ يعني: ينوون بأدائهم، ويضمرون في قلوبهم وجه الله تعالى.
ويقولون: لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً يعني: لا نريد منكم مكافأة في الدنيا، ولا ثوابا في الآخرة إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً يعني: العبوس الذي تعبس فيه الوجوه، من هول ذلك اليوم، والقمطرير الشديد العبوس.
ويقال: عبوساً، أي: يوم يعبس فيه الوجوه، فجعل عبوساً من صفة اليوم.
كما قال: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [إبراهيم: 18] أراد عاصف الريح والقمطرير الشديد.
يعني: ينقبض الجبين وما بين الأعين، من شدة الأهوال.
ويقال: قمطريراً نعت ليوم.
ويقال: يوم قمطرير، إذا كان شديداً.
يعني: يوماً شديداً صعبا.
ثم قال عز وجل: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ يعني: دفع الله عنهم عذاب ذلك اليوم وَلَقَّاهُمْ يعني: أعطاهم نَضْرَةً حسن الوجوه وَسُرُوراً يعني: فرحاً في قلوبهم قوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا يعني: أعطاهم الثواب بما صبروا في الدنيا جَنَّةً وَحَرِيراً يعني: لباسهم فيها حرير.
ويقال: بما صبروا على الطاعات.
ويقال: على المصائب.
وقوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ فِيها يعني: ناعمين في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ يعني: على السرر، وفي الجمال واحدها أريكة لاَ يَرَوْنَ فِيها شَمْساً يعني: لا يصيبهم فيها حر الشمس وَلا زَمْهَرِيراً يعني: ولا برد الشتاء.
ثم قال عز وجل: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها يعني: قريبة عليهم ظلال الشجر.
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا يعني: قربت ثمارها ويقال سخرت قطوفها يعني: مجنى ثمرها تذليلاً يعني: قريباً ينالها القاعد والقائم.
وروى بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أرض الجنة من فضة، وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وفضة، وأغصانها لؤلؤ وزبرجد، والورق والثمر تحت ذلك، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه، ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه.
ثم قرأ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا وقال أهل اللغة.
ذللت أي: أدنيت منهم، من قولك: حائط ذليل إذا كان قصير السمك.
والقطوف والثمرة واحدها قطف، وهو نحو قوله تعالى: قُطُوفُها دانِيَةٌ [الحاقة: 23] .
<div class="verse-tafsir"
الأمشاج لفظٌ/ مفرد، وليس يُجْمَعُ، بدليل أَنَّه وقع صفةً للمفرد، وهو قوله: نُطْفَةٍ، انتهى.
نَبْتَلِيهِ أي: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من الضمير في خَلَقْنَا كأَنَّه قال: مختبرين له بذلك.
وقوله تعالى: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً عَطْفُ جملة نِعَم على جملة نِعَمٍ، وقيل:
المعنى: فلنبتليه جعلناه سميعاً بصيراً وهَدَيْناهُ: يحتمل: أنْ يكون بمعنى أرشدناه، ويحتمل: أنْ يكون بمعنى أريناه، وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وعبارة الثَّعْلَبِيِّ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بَيَّنَا له وَعَرَّفْنَاهُ طريقَ الهدى والضلال، والخير والشر كقوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] انتهى.
وقوله تعالى: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان، وقسمتهما إِمَّا، والْأَبْرارَ:
جمع بَارٍّ قال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ، ولا يرضون الشرَّ «١» ، قال قتادة: نعم قوم يمزجُ لهم بالكافور، ويُخْتَمُ لهم بالمسك «٢» ، قال الفرَّاء: يقال إِنَّ في الجنة عينا تسمى كافورا.
وقوله تعالى: عَيْناً قيل: هو بدل من قوله: كافُوراً وقيل: هو مفعول بقوله:
يَشْرَبُونَ أي: ماءُ هذه العين من كأس عَطِرَةٍ كالكافور، وقيل: نصب عَيْناً على المدح أو بإضمار «أعني» .
قوله تعالى: يَشْرَبُ بِها بمنزلة [يشربها] ، فالباء زائدة قال الثعلبيُّ: قال الواسطي: لَمَّا اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم في الآخرة، انتهى.
قال- ص-: وقيل: الباء في بِها للإلصاق والاختلاط، أي: يشرب بها عباد اللَّه الخمرَ كما تقول: شَرِبْتُ الماءَ بالعسل، انتهى.
وقوله تعالى: يُفَجِّرُونَها معناه: يفتقونها ويقودونها حيث شاؤوا/ من منازلهم
وقصورهم، فهي تجري عند كُلِّ أحد منهم، ورُدَّ بهذا الأثر، وقيل: عين في دار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تفجر إلى دُورِ الأنبياء والمؤمنين قال ع «١» : وهذا قول حسن، ثم وصف تعالى حال الأبرار فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي: ممتدًّا مُتَّصِلاً شائعاً.
وقوله تعالى: عَلى حُبِّهِ يحتمل أنْ يعودَ الضمير على الطعام، وهو قول ابن عباس «٢» ، ويحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تعالى قاله أبو سليمان الدَّارانيُّ «٣» .
وقوله: وَأَسِيراً قال الحسن: ما كان أسراهم إلاَّ مشركين لأَنَّ في كل ذي كبد رطبة أجراً «٤» .
ت: وفي «العتبيةِ» سُئِلَ مالك عن الأسير في هذه الآية أمسلم هو أم مشرك، فقال: بل مشرك، وكان ببدر أسارى، فأنزلت فيهم هذه الآية فقال ابن رشد: والأظهر حمل الآية على كل أسير، مسلماً كان أو كافراً، انتهى يعني: وإنْ كان سبب نزولها ما ذكر فهي عامَّةٌ في كُلِّ أسير إلى يوم القيامة، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: قال النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم:
«مِسْكِيناً [قال:] فَقِيراً وَيَتِيماً قال: لا أَبَ لَهُ وَأَسِيراً قال: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» «٥» ، وأسند القُشَيْرِيُّ في رسالته عن مالك، عن نافع، عنِ ابن عمر، عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ، وَمِفْتَاحُ الجَنَّةِ حُبُّ المَسَاكِينِ، والفُقَرَاءُ الصُّبَّرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٦» انتهى.
وروى الترمذيُّ عن أنس أَنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللَّهُمَّ، أحْيِنِي مِسْكِيناً، وأَمِتْنِي مِسْكِيناً، واحشرني في زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!
قالَ: إنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً، / يَا عَائِشَةُ، لاَ تَرُدِّي الْمِسْكِينَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّي المَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قال أبو عيسى:
هذا حديث غريب «٧» ، انتهى.
سُورَةُ الدَّهْرِ سُورَةُ هَلْ أتى: ويُقالُ لَها: سُورَةُ الإنْسانِ وَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الجُمْهُورُ مِنهُمْ، مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ يَسارٍ، ومُقاتِلٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ فِيها مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا.
ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَكِّيَّ مِنها آيَةٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ وباقِيها جَمِيعُهُ مَدَنِيٌّ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنَّ أوَّلَها مَدَنِيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ ومِن هَذِهِ الآيَةِ إلى آخِرِها مَكِّيٌّ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: قَدْ أتى.
و"هَلْ" تَكُونُ خَبَرًا، وتَكُونُ جَحْدًا، فَهَذا مِنَ الخَبَرِ، لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ وعَظْتُكَ؟
هَلْ أعْطَيْتُكَ؟
فَتُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ.
والجَحْدُ، أنْ تَقُولَ: وهَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا؟
وهَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وأهْلِ اللُّغَةِ.
وفي هَذا الإنْسانِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والحِينُ الَّذِي أتى عَلَيْهِ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وكانَ مُصَوَّرًا مِن طِينٍ لَمْ يَنْفُخْ فِيهِ الرُّوحُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ النّاسِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإنْسانُ اسْمَ جِنْسٍ، ويَكُونُ الحِينُ زَمانَ كَوْنِهِ نُطْفَةً، وعَلَقَةً، ومُضْغَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ المَعْنى: أنَّهُ كانَ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي: ولَدَ آدَمَ "مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أخْلاطٍ.
يُقالُ: مَشَجْتُهُ، فَهو مَشِيجٌ، يُرِيدُ: اخْتِلاطُ ماءِ المَرْأةِ بِماءِ الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ نَبْتَلِيهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا مُقَدَّمٌ، ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ، لِأنَّ المَعْنى: خَلَقْناهُ وجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا لِنَبْتَلِيَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جَعَلْناهُ كَذَلِكَ لِنَخْتَبِرَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهُ سَبِيلَ الهُدى بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وبَعْثِ الرَّسُولِ ﴿ إمّا شاكِرًا ﴾ أيْ: خَلَقْناهُ إمّا شاكِرًا ﴿ وَإمّا كَفُورًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ، أوْ كَفَرَ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ ﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ﴾ ﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا ﴾ ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ "هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا.
وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ ، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ.
و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا".
قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ............
نَواكِسِي الأبْصارِ بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ".
و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ.
∗∗∗...............
أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ.
"وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ.
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
<div class="verse-tafsir"
استفهام تقريري والاستفهام من أقسام الخطاب وهو هنا موجَّه إلى غير معين ومُسْتعمل في تحقيق الأمر المقرر به على طريق الكناية لأن الاستفهام طلب الفهم، والتقرير يقتضي حصول العلم بما قرر به وذلك إيماء إلى استحقاق الله أن يعترف الإِنسان له بالوحدانية في الربوبية إبطالاً لإِشْراك المشركين.
وتقديم هذا الاستفهام لما فيه من تشويق إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام.
فجملة ﴿ هل أتى على الإِنسان ﴾ تمهيد وتوطئة للجملة التي بعدها وهي ﴿ إنا خلقنا الإِنسان من نطفة أمشاج ﴾ [الإنسان: 2] الخ.
و ﴿ هل ﴾ حرف يفيد الاستفهام ومعنى التحقيق، وقال جمعٌ أصل ﴿ هل ﴾ إنها في الاستفهام مثل (قَدْ) في الخبر، وبملازمة ﴿ هل ﴾ الاستفهامَ كثير في الكلام حذف حرف الاستفهام معها فكانت فيه بمعنى (قد)، وخصت بالاستفهام فلا تقع في الخبر، ويَتطرق إلى الاستفهام بها ما يَتطرق إلى الاستفهام من الاستعمالات.
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلاّ أن يَأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ في سورة [البقرة: 210].
وقد علمت أن حمل الاستفهام على معنى التقرير يحصِّل هذا المعنى.
والمعنى: هل يقر كل إنسان موجودٍ أنه كان معدوماً زماناً طويلاً، فلم يكن شيئاً يذكر، أي لم يكن يسمى ولا يتحدث عنه بذاته (وإن كان قد يذكر بوجه العُموم في نحو قول الناس: المعدوم مُتوقف وجوده على فاعل.
وقول الواقف: حبست على ذريتي، ونحوه فإن ذلك ليس ذِكراً لمعين ولكنه حكم على الأمر المقدَّر وجودُه).
وهم لا يسَعهم إلاّ الإقرار بذلك، فلذلك اكتفي بتوجيه هذا التقرير إلى كل سامع.
وتعريف الإِنسان } للاستغراق مثل قوله: ﴿ إِن الإِنسان لفي خسر إلاّ الذين ءامنوا ﴾ الآية [العصر: 2، 3]، أي هل أتى على كل إنسان حينُ كان فيه معدوماً.
و ﴿ الدهر ﴾ : الزمان الطويل أو الزمان المقارن لوجود العالم الدنيوي.
والحين: مقدار مُجمل من الزمان يطلق على ساعة وعلى أكثر، وقد قيل إن أقصى ما يطلق عليه الحين أربعون سنة ولا أحسبه.
وجملة ﴿ لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ يجوز أن تكون نعتاً ل ﴿ حين ﴾ بتقدير ضمير رابط بمحذوف لدلالة لفظ ﴿ حين ﴾ على أن العائد مجرور بحرف الظرفية حذف مع جاره كقوله تعالى: ﴿ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ [البقرة: 48] إذ التقدير: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً، فالتقدير هنا: لم يكن فيه الإِنسان شيئاً مذكوراً، أي كان معدوماً في زمن سبق.
ويجوز أن تكون الجملة حالاً من ﴿ الإنسان ﴾ ، وحذف العائد كحذفه في تقدير النعت.
والشيء: اسم للموجود.
والمذكورُ: المعيّن الذي هو بحيث يُذكر، أي يعبّرُ عنه بخصوصه ويخبر عنه بالأخبار والأحوال.
ويعلَّق لفظه الدال عليه بالأفعال.
فأمّا المعدوم فلا يذكر لأنه لا تعيّن له فلا يذكر إلاّ بعنوانه العام كما تقدّم آنفاً، وليس هذا هو المراد بالذّكر هنا.
ولهذا نجعل ﴿ مذكوراً ﴾ وصفاً ل ﴿ شيئاً ﴾ ، أريد به تقييد ﴿ شيئاً ﴾ ، أي شيئاً خاصاً وهو الموجود المعبر عنه باسمه المعيِّن له.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الإنْسانِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ ويَحْيى بْنُ سَلامٍ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ إلى آخِرِها وما تَقَدَّمَ مَدَنِيٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ في قَوْلِهِ (هَلْ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى قَدْ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: (قَدْ أتى عَلى الإنْسانِ) الآيَةَ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ، قالَهُالفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى ﴿ أتى عَلى الإنْسانِ ﴾ الآيَةَ، عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي هَذا (اَلْإنْسانِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيَّ وعِكْرِمَةُ، وقِيلَ إنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما في آخِرِ اليَوْمِ السّادِسِ وهو آخِرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ كُلُّ إنْسانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً مَرَّتْ قَبْلَ أنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، وهو مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: أنَّ الحِينَ المَذْكُورَ ها هُنا وقْتٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وزَمانٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا في الخَلْقِ، وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أيْ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا، لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ، ولا يَدْرِي ما اسْمُهُ، ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ وثَعْلَبٌ.
وَقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ شَيْئًا مَذْكُورًا، لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا.
﴿ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ ﴾ يَعْنِي بِالإنْسانِ في هَذا المَوْضِعِ كُلَّ إنْسانٍ مِن بَنِي آدَمَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.
وَفي النُّطْفَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ إذا اخْتَلَطا فَهُما نُطْفَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّ النُّطْفَةَ ماءُ الرَّجُلِ، فَإذا اخْتَلَطَ في الرَّحِمِ وماءُ المَرْأةِ صارا أمْشاجًا.
وَفي الأمْشاجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الأخْلاطُ، وهو أنْ يَخْتَلِطَ ماءُ الرَّجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعْجَلٍ نَشّاجِ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا في دَمٍ أمْشاجِ.
الثّانِي: أنَّ الأمْشاجَ الألْوانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وصَفْراءُ.
رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (ماءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أبْيَضُ، وماءُ المَرْأةِ رَقِيقٌ أصْفَرُ فَأيُّهُما سَبَقَ أوْ عَلا فَمِنهُ يَكُونُ الشَّبَهُ)» .
الثّالِثُ: أنَّ الأمْشاجَ: الأطْوارُ، وهو أنَّ الخَلْقَ يَكُونُ طَوْرًا نُطْفَةً، وطَوْرًا عَلَقَةً، وطَوْرًا مُضْغَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَظْمًا، ثُمَّ يُكْسى العَظْمُ لَحْمًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّ الأمْشاجَ العُرُوقُ الَّتِي تَكُونُ في النُّطْفَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ نَبْتَلِيهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَخْتَبِرُهُ.
الثّانِي: نُكَلِّفُهُ بِالعَمَلِ.
فَإنْ كانَ مَعْناهُ الِاخْتِبارُ فَفِيما يُخْتَبَرُ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَخْتَبِرُهُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: نَخْتَبِرُ شُكْرَهُ في السَّرّاءِ، وصَبْرَهُ في الضَّرّاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَمَن جَعَلَ مَعْناهُ التَّكْلِيفَ فَفِيما كَلَّفَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَمَلُ بَعْدَ الخَلْقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الدِّينُ، لِيَكُونَ مَأْمُورًا بِالطّاعَةِ، ومَنهِيًّا عَنِ المَعاصِي.
﴿ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ يَسْمَعُ بِالأُذُنَيْنِ ويُبْصِرُ بِالعَيْنَيْنِ امْتِنانًا بِالنِّعْمَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: ذا عَقْلٍ وتَمْيِيزٍ لِيَكُونَ أعْظَمَ في الِامْتِنانِ حَيْثُ يُمَيِّزُهُ مِن جَمِيعِ الحَيَوانِ.
وَقالَ الفَرّاءُ ومُقاتِلٌ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا أنْ نَبْتَلِيَهُ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيمِ في الكَلامِ اخْتَلَفُوا في ابْتِلائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ما قَدَّمْناهُ مِن جَعْلِهِ اخْتِبارًا أوْ تَكْلِيفًا.
الثّانِي: لِنَبْتَلِيَهُ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: الهُدى مِنَ الضَّلالَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: سَبِيلُ الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: سَبِيلُ مَنافِعِهِ ومَضارِّهِ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ، وقِيلَ: كَمالُ عَقْلِهِ.
﴿ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إمّا مُؤْمِنًا وإمّا كافِرًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: إمّا شَكُورًا لِلنِّعْمَةِ وإمّا كَفُورًا بِها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَجَمَعَ بَيْنَ الشّاكِرِ والكَفُورِ ولَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الشَّكُورِ والكَفُورِ - مَعَ اجْتِماعِهِما في مَعْنى المُبالَغَةِ - نَفْيًا لِلْمُبالَغَةِ في الشُّكْرِ وإثْباتًا لَها في الكُفْرِ، لِأنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُؤَدّى فانْتَفَتْ عَنْهُ المُبالَغَةُ، ولَمْ تَنْتِفْ عَنِ الكُفْرِ المُبالِغَةُ، فَقَلَّ شُكْرُهُ لِكَثْرَةِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، وكَثُرَ كُفْرُهُ وإنْ قَلَّ مَعَ الإحْسانِ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإِنسان بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزلت بمكة سورة ﴿ هل أتى على الإِنسان ﴾ .
وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإِنسان بالمدينة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر قال: «جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل واستفهم، فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوّة أفرأيت إن آمنت به، وعملت بمثل ما عملت به إني لكائن معك في الجنة؟
قال: نعم، والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام، ثم قال: من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده كتبت له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، ونزلت عليه هذه السورة ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر ﴾ إلى قوله: ﴿ ملكاً كبيراً ﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟
قال: نعم، فاشتكى حتى فاضت نفسه.
قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيده» .
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال: «حدثني الثقة أن رجلاً أسود كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التسبيح والتهليل، فقال له عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مه يا عمر، وأنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر ﴾ حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مات شوقاً إلى الجنة» .
وأخرج ابن وهب عن ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر ﴾ وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي ذر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر ﴾ حتى ختمها ثم قال: «إني أرى ما لا ترون، وسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق له أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، لخرجتم إلى الصعدات تجارون» .
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر ﴾ قال: الإِنسان أتى عليه حين من الدهر ﴿ لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ قال: إنما خلق الإِنسان هاهنا حديثاً ما يعلم من خليقة الله خليقة كانت بعد إلا هذا الإِنسان.
وأخرج ابن المبارك وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه سمع رجلاً يقرأ ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ فقال عمر: ليتها تمت.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود أنه سمع رجلاً يتلو هذه الآية ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ فقال ابن مسعود: يا ليتها تمت فعوتب في قوله: هذا، فأخذ عوداً من الأرض فقال: يا ليتني كنت مثل هذا.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر ﴾ قال: إن آدم آخر ما خلق من الخلق.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل أتى على الإِنسان ﴾ قال: كل إنسان.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن من الحين حيناً لا يدرك.
قال الله: ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ والله ما يدري كم أتى عليه حتى خلقه الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه تلا هذه الآية ﴿ هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ قال: أي وعزتك يا رب فجعلته سميعاً بصيراً وحياً وميتاً.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود قال: إذا جئناكم بحديث أتيناكم بتصديقه من كتاب الله إن النطفة تكون في الرحم أربعين، ثم تكون مضغة أربعين، فإذا أراد الله أن يخلق الخلق نزل الملك فيقول له اكتب، فيقول ماذا أكتب؟
فيقول: اكتب شقياً أو سعيداً ذكراً أو أنثى، وما رزقه، وأثره، وأجله، فيوحي الله بما يشاء، ويكتب الملك، ثم قرأ عبد الله ﴿ إنا خلقنا الإِنسان من نطفة أمشاج نبتليه ﴾ ثم قال عبد الله: أمشاجها عروقها.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ أمشاج ﴾ قال: العروق.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ قال: من ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ قال: هو نزول الرجل والمرأة يمشج بعضه ببعض.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ قال: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول: كأن الريش والفوقين منه ** خلال النصل خالطه مشيج وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال مشج ماء الرجل بماء المرأة فصار خلقاً.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة ثم كان مضغة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في الآية، قال: خلق من نطفة مشجت بدم، وذلك الدم الحيض إذا حملت ارتفع الحيض.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ قال: مختلفة الألوان.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ قال: ألوان نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول، كقطع الأوتار ومنه يكون الولد.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم قال: الأمشاج العروق التي في النطفة.
وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ قال: ألوان الخلق.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إنا خلقنا الإِنسان من نطفة أمشاج نبتليه ﴾ قال: طوراً نطفة وطوراً علقة وطوراً مضغة وطوراً عظماً ﴿ ثم كسونا العظام لحماً ﴾ وذلك أشد ما يكون إذا كسي اللحم ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال: أنبت له الشعر ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ فأنباه الله مم خلقه، وأنباه إنما بين ذلك ليبتليه بذلك، ليعلم كيف شكره ومعرفته لحقه، فبين الله له ما أحل له وما حرم عليه ثم قال: ﴿ إنا هديناه السبيل إما شاكراً ﴾ لنعم الله ﴿ وإما كفوراً ﴾ بها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: الأمشاج منه العظام والعصب والعروق من الرجل واللحم والدم والشعر من المرأة.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عكرمة في قوله: ﴿ أمشاج ﴾ قال: الظفر والعظم والعصب من الرجل، واللحم والشعر من المرأة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ قال: السبيل الهدى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ قال: الشقاوة والسعادة.
وأخرج ابن المنذر عن عطية العوفي ﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ قال: الخير والشر.
وأخرج أحمد وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولد يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً والله تعالى أعلم» .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً ﴾ قال: تمزج به ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً ﴾ قال: يقودونها حيث يشاؤوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً ﴾ قال: قوم يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً ﴾ قال: يستفيد ماؤهم يفجرونها حيث شاؤوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ كان مزاجها ﴾ قال طعمها: ﴿ يفجرونها تفجيراً ﴾ قال: الأنهار يجرونها حيث شاؤوا.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن إسحاق قال في قراءة عبد الله: ﴿ كأساً صفراً كان مزاجها ﴾ .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن شوذب في قوله: ﴿ يفجرونها تفجيراً ﴾ قال: معهم قضبان ذهب يفجرون بها تتبع قضبانهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يوفون بالنذر ﴾ قال: كانوا يوفون بطاعة الله من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم، فسماهم الله الأبرار لذلك، فقال: ﴿ يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ﴾ قال: إستطاروا لله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوفون بالنذر ﴾ قال: إذا نذروا في حق الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ يوفون بالنذر ﴾ قال: كل نذر في شكر.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطبراني عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي، فشغل النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب الرجل، فوجد يريد أن ينحر نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من يوفي بالنذر، ويخاف ﴿ يوماً كان شره مستطيراً ﴾ أهد مائة ناقة» .
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: لما صَدَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسارى عن بدر أنفق سبعة من المهاجرين على أسارى مشركي بدر منهم أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن وسعد وأبو عبيدة بن الجراح، فقالت الأنصار: قتلناهم في الله وفي رسوله وتوفونهم بالنفقة، فأنزل الله فيهم تسع عشرة آية ﴿ إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً ﴾ إلى قوله: ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كان شره مستطيراً ﴾ قال: فاشياً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) قال الأخفش: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ ، و ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ أي قد أتاك، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه (٧) وقال المبرد: (هل) معناه في هذا الموضع: (قد) (٨) ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ﴾ ، وحُكي عن سيبويه: أن (هل) قد تكون لغير الاستفهام (٩) وقال الكسائي: (هل) تأتي استفهامًا، وهو بابها، وتأتي جحدًا (١٠) (١١) (١٢) (وقال الفراء: معناه: قد أتى، قال (وهل): قد تكون جحدًا) (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: (هل) ليست باستفهام (١٥) (١٦) (١٧) وهذا الذي ذكره عن الصديق يروى ذلك عن عمر (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله: ﴿ عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ قال جماعة من المفسرين (٢٢) .
﴿ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ يعني أربعين سنة كان ملقى قبل أن ينفخ فيه الروح.
هذا قول الكلبي (٢٣) وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بـ (الحين) أن آدم أقام حين خلق من طين أربعين سنة (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقوله: ﴿ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ قال ابن عباس: لا في السماء، ولا في الأرض (٢٩) قال الفراء: يريد كان شيئًا، ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين أن خلقه الله إلى أن نفخ فيه الروح (٣٠) (٣١) والمعنى: أنهم كانوا نطفًا (٣٢) (٣٣) (٣٤) قوله تعالى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ يعني ولد آدم من نطفة.
﴿ أَمْشَاجٍ ﴾ يعني المشج في اللغة: "الخلط، يقال: مشج (يمشج) (٣٥) قال ابن الأعرابي: واحدها: مَشْج، ومَشَج، وأنشد (قول الشماخ) (٣٦) (٣٧) وأنشد أيضًا: فَهُنَّ يَقْذِفْنَ مِنَ الأمْشاجِ ...
مِثْلَ بُرُودِ اليُمْنَةِ الحجاج (٣٨) قال: والمشج: شيئان مخلوطان (٣٩) وقال [أبو عبيدة (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) يصف السهم: بأنه قد نفذ في الرمية، فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير، ووصف (النطفة) وهي واحدة بالأمشاج، وهي جمع، كوصف: البُرمة (٤٨) (٤٩) (٥٠) ومعنى أمشاج: أخلاط في قول جميع أهل اللغة (٥١) (٥٢) (٥٣) واختلفوا في كيفية اختلاط نطفة الرجل، ومعنى ذلك الاختلاط.
فالأكثرون (على) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال مجاهد: هي ألوان النطفة، نطفة الرجل بيضاء، وحمراء، ونطفة المرأة خضراء، وحمراء (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقال عبد الله: أمشاجها عروقها (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقال قتادة: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة (٦٨) ونحو هذا روى (سماك) (٦٩) (٧٠) (٧١) وقال أهل المعاني: إن الله جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، ثم عدلها (٧٢) والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف، وتم الكلام (٧٣) ثم قال: (قوله تعالى) (٧٤) ﴿ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ قال مقاتل: فجعلناه بعد النطفة سميعًا بصيرًا لنبتليه بالعمل (٧٥) وقال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، فهي مقدمة معناها التأخير، المعنى: خلقناه، وجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) وقال آخرون: (نبتليه) متصل المعنى بما قبله، كأنه قيل: خلقناه من نطفة أمشاج لنبتليه، لنختبره في الاعتبار بهذه الأحوال في خلقه، فيكون (نبتليه) في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين إياه (٨٠) ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر، فقال: فجعلناه سميعًا بصيرًا.
(وهذا قول صاحب النظم) (٨١) (٨٢) (١) كلمة (الإنسان) ساقط من (ع).
(٢) "المحرر الوجيز" 5/ 408.
(٣) "تفسير مقاتل" 218/ ب.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) قال بذلك: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 538، وابن الأنباري في: كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 959، الطبري في "جامع البيان" 29/ 202، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 429.
وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 426، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 408.
وحكى الفخر ألفاظ المفسرين على هذا القول: 30/ 235، وساق الشوكاني قول الواحدي عن المفسرين في (فتح القدير) 5/ 344.
(٦) قال بذلك: الفراء في: (معاني القرآن) 3/ 213، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 279، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 12/ أ.
(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٨) "المقتضب" 1/ 298.
(٩) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 189، وانظر أيضًا "المحرر الوجيز" 5/ 408، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 116، (فتح القدير) 5/ 344.
(١٠) أي: نفيًا.
(١١) ورد قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 116.
(١٢) ما بين القوسين ساقطة من (أ).
(١٣) ما بين القوسين ساقطة من (أ).
(١٤) "معاني القرآن" 3/ 213 بتصرف يسير.
(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257، لم يرد عن أبي إسحاق ما ذكره الواحدي، وإنما ورد خلافه، وعبارته كالآتي.
قال: ومعنى: "هل أتى" قد أتى على الإنسان، أي ألم يأت على الإنسان حين من الدهر".
(١٦) في كلا النسختين: ليست، ولا تستقيم العبارة بهذا اللفظ، ولعله خطأ من الناسخ، أو تصحيف.
(١٧) "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 118.
(١٨) "الكشف والبيان" 13/ 12/ أ، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 118، "الدر المنثور" 8/ 366 وعزاه إلى ابن المبارك، وأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(١٩) "الكشف والبيان" 13/ 12/ أ، "الدر المنثور" 8/ 366 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢٠) ساقطة من (أ).
(٢١) (هل): من الحروف الهوامل؛ لأنها لا تختص بأحد القبيلين، ولها موضعان: أحدهما: أن تكون استفهامًا عن حقيقة الخبر، وجوابها: نعم، أو لا، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ﴾ .
والثاني: أن تكون بمعنى: (قد)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ ، كتاب معاني الحروف للرُّمَاني: 102.
(٢٢) قال بذلك: قتادة، وسفيان الثوري، والسدي، وعكرمة، ومقاتل.
انظر: "تفسير مقاتل" 218/ ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 202، "النكت والعيون" 6/ 161، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.
وبه قال == السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 429، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 12/ أ، وعزاه الماوردي إلى (جميع المفسرين) 6/ 162، وإليه أيضًا ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 426، وحكاه ابن الجوزي عن الجمهور في "زاد المسير" 8/ 142.
قال ابن تيمية: وقوله: "الإنسان" هو اسم جنس يتناول جميع الناس، ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين، فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى، والاستدلال إنما يكون بمقدمات يعلمها المستدل، والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم، وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق".
(مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) 16/ 260 - 261.
(٢٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
وقد ورد بنحوه في (الوسيط) 4/ 398.
(٢٤) قوله: أربعين سنة: مكرر في (ع).
(٢٥) حمأ: طين أسود منتن.
المفردات في غريب القرآن 133.
(٢٦) مسنون: أي: مَصْبوب، يقال: سننت الشيء سنًا إذا صببتَهُ صبًا سهلاً، ويقال: "مسنون" أي: متغير الرائحة.
"نزهة القلوب" للسجستاني: 403.
(٢٧) "النكت والعيون" 6/ 162، "التفسير الكبير" 30/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.
(٢٨) "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.
(٢٩) المرجع السابق.
(٣٠) (معاني القرآن للفراء) 3/ 213 بنصه.
(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257 بنصه.
(٣٢) النُّطْفة: الماء الصافي قلّ أو كثُر.
انظر مادة: (نطف) في (مقاييس اللغة) لابن فارس: 5/ 440، (مختار الصحاح) 666.
(٣٣) العَلَق: الدم الجامد، وفي الصحاح: الدم الغليظ.
انظر مادة: (علق) في (مقاييس اللغة) 4/ 125، (مختار الصحاح) 450.
(٣٤) مضغ: الميم، والضاد، والغين: أجل صحيح، وهو المضغ للطعام، والمضغة: قطعة لحم؛ لأنها كالقطعة التي تؤخذ فتمضغ.
انظر مادة: (مضغ) في (مقاييس اللغة) 5/ 330، مختار الصحاح: 626.
(٣٥) ساقط من (أ).
(٣٦) ساقط من (أ).
(٣٧) ديوانه: 328.
وانظر (مشج) في: "لسان العرب" 2/ 367، "الكامل" 2/ 1017، "البحر المحيط" 8/ 392.
ومعناه: طوت: ضمت، أحشاء: أراد رحمها، مرتجة: حامل، لوقت: أي لوقت الولادة، مشج: أخلاط، والمراد هنا: النطفة التي اختلط فيها ماء الحمار بماء الأتان.
سلالته: ماؤه، مهين: ضعيف.
والمعنى: أطبقت هذه الأتان رحمها إلى وقت الولادة على النطفة، فلا تمكن الحمار منها، فهي تهرب منه أشد ما يكون، فناقة الشماخ تشبه هذه الأتان في: الإسراء للتوجه إلى الممدوح.
ديوانه: 328.
(٣٨) ورد البيت غير منسوب في: "لسان العرب" 2/ 367، برواية: "نزول" بدلاً من: "برود".
(٣٩) ما بين القوسين نقله عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 10/ 551 (مشج).
وانظر المعنى اللغوي لـ (مشج) في: "اللسان" 2/ 367، "تاج العروس" 2/ 100 - 101.
(٤٠) "مجاز القرآن" 2/ 279.
(٤١) في (أ) أبو عبيد، وبياض في (ع)، والصواب "أبو عبيدة" فقوله في "مجاز القرآن".
(٤٢) "معاني القرآن" 3/ 214.
(٤٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤٤) أي أبو عبيدة، إذ لم يرد عن الفراء ذكر بيت القصيد.
(٤٥) في (ع): وأنشد قول الهذلي.
(٤٦) البيت عند أبي عبيدة منسوب لأبي ذؤيب الهذلي: "مجاز القرآن" 2/ 279، وكذا == عند الطبري في: "جامع البيان" 29/ 203، ونسب إلى الشماخ في: "الكامل" 2/ 1016، والصواب أنه لـ: زهير بن حرام الهذلي من قصيدته في: "ديوان الهذليين" 3/ 104، "شرح أشعار الهذليين" 2/ 619، وقد بين ذلك محقق ديوان الشماخ: 434.
(٤٧) وورد البيت أيضًا في: "الصحاح" 1/ 341 (مشج)، "اللسان" 2/ 368، "الدر المنثور" 8/ 367 برواية: كأن النصل والفوقين منها ...
خلال الريش سِيطَ به مَشيج وفي "البحر المحيط" 8/ 392 برواية: كأن النّصل خلاف الريش.
وفي "الكامل" 2/ 1016 برواية: كأنَّ الْمَتْنَ والشرخين منه ...
خلاف النّصل سَيط به مَشيج كما ورد في: ديوان الشماخ: كأن المتن والشرخين منه: 434.
(٤٨) البرمة: هي الحجارة التي توضع تحت القدر، ويقال لها الأثافي أيضًا.
"غريب الحديث" لابن الجوزي: 1/ 11.
(٤٩) سباسب: أي القفار، واحدها سَبْسَبٌ، والسَّبْسب: الأرض القَفْر البعيدة، مستوية وغير مستوية، وغليظة وغير غليظة، لا ماء بها ، ولا أنيس.
"لسان العرب" 1/ 460 مادة: (سبسب).
(٥٠) عد الكرماني هذا القول من غرائب التفسير 2/ 286.
وانظر: "فتح القدير" 5/ 345.
(٥١) انظر (مشج) في: "تهذيب اللغة" 10/ 551، "مقاييس اللغة" 5/ 326، "الصحاح" == 1/ 341، "لسان العرب" 2/ 367، "تاج العروس" 2/ 101، "المعجم الوسيط" 1/ 207.
(٥٢) وهو قول عكرمة، وابن عباس، والربيع بن أنس، ومجاهد، والحسن، ومقاتل.
انظر: "تفسير مقاتل" 219/ أ، "جامع البيان" 29/ 203 - 204، "الكشف والبيان" 13: 12/ أ - ب، "النكت والعيون" 6/ 162، معالم التنزيل: 4/ 426، "المحرر الوجيز" 5/ 408، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2 من النسخة الأزهرية، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.
وقال به اليزيدي في: "غريب القرآن" 404، وابن قتيبة في: تفسير "غريب القرآن" 502، ومكي بن أبي طالب في: العمدة في: "غريب القرآن" 327، و"تفسير المشكل" لمكي بن أبي طالب: 367، الخزرجي في: نفس "الصباح" 2/ 651، أبو حيان في: "تحفة الأريب" 280.
وقال بذلك أيضًا: الطبري، والسمرقندي، والثعلبي.
انظر: "جامع البيان" 29/ 203، "بحر العلوم" 3/ 430، "الكشف والبيان" 13: 12/ أ.
(٥٣) ساقط من (أ).
(٥٤) ساقطة من (أ).
(٥٥) "الكشف والبيان" 13: 12/ أ، معالم التنزيل: 4/ 426، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2، "التفسير الكبير" 30/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 119، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.
(٥٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥٧) ساقط من (أ).
(٥٨) "تفسير مقاتل" 219/ أ.
(٥٩) "جامع البيان" 29/ 203، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.
(٦٠) ساقط من (أ).
وزاد في نسخة (أ) وغيرهما، ويعني: الكلبي، وعكرمة، فإن نسخة ع لم تذكرهما.
وممن قال بذلك أيضًا: الحسن، ومجاهد، والربيع ..
(٦١) "جامع البيان" 29/ 205، "الكشف والبيان" 13/ 12/ ب، "التفسير الكبير" 30/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 119، "الدر المنثور" 8/ 368 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٦٢) "الكشف والبيان" 13/ 12/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 142.
(٦٣) المراجع السابقة إضافة إلى "جامع البيان" 29/ 204، وصحيفة علي بن طلحة، عن ابن عباس في: "تفسير القرآن الكريم"؛ تحقيق راشد الرجال: 510.
(٦٤) ما بين القوسين ساقطة من (أ).
(٦٥) المراجع السابقة، عدا الكشف والبيان، وصحيفة ابن عباس.
وانظر: "جامع البيان" 29/ 205، "التفسير الكبير" 30/ 236، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483، "الدر المنثور" 8/ 367 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.
(٦٦) في (أ): ولذلك.
(٦٧) "الكشف والبيان" 13/ 12 ب، "التفسير الكبير" 30/ 263، "الدر المنثور" 8/ 368، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 383.
(٦٨) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 204، "الدر المنثور" 8/ 368 وعزاه إلى ابن المنذر.
(٦٩) ساقطة من (أ).
(٧٠) "جامع البيان" 29/ 204، "معالم التنزيل" 4/ 427.
(٧١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257 بنصه.
(٧٢) انظر: "لسان العرب" 2/ 367 (مشج)، وعزاه الكرماني إلى ابن عيسى، واعتبر هذا القول من عجائب التأويل.
انظر: "غرائب التفسير" 2/ 1286.
(٧٣) وعند بعضهم حسن.
قاله الأشموني.
انظر: "منار الهدى" 411، وقد علل السجاوندي الوقف على "أمشاج" بقوله: لأنه منكر.
ثم قال: ولو وصل صار "نبتليه" صفة له، وإنما هو حال الضمير المنصوب في: "جعلناه" تقديره: فجعلناه سميعًا بصيرًا مبتلين له.
فيوقف على "أمشاج" لتبين هذا المعنى.
"علل الوقوف" 3/ 1070.
(٧٤) ساقطة من (ع).
(٧٥) "تفسير مقاتل" 219/ أ، "بحر العلوم" 3/ 430، "النكت والعيون" 6/ 163.
(٧٦) "معاني القرآن" 3/ 214 بيسير من التصرف.
وقد رد هذا المعنى ابن جرير فقال: "ولا وجه عندي لما قال يصح، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات، وسلامة العقل من الآفات، وإن عدم السمع والبصر".
"جامع البيان" 29/ 206، كما رده النحاس بمعنى ما ذكره ابن جرير.
انظر: "القطع والائتناف" 2/ 775.
(٧٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257.
(٧٨) تفسير غريب القرآن: 502.
(٧٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٨٠) وهو قول ابن أبي حاتم، وإليه ذهب أيضًا النحاس.
انظر: "القطع والإتناف" 2/ 775، و"منار الهدى" للأشموني 412.
(٨١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٨٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ هل هنا بمعنى التقرير لا لمجرد الاستفهام، وقيل: هل بمعنى قل، والإنسان هنا جنس، والحين الذي أتى عليه حين كان معدوماً قبل أن يخلق، وقيل: الإنسان هنا آدم، والحين الذي أتى عليه حين كان طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما قوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ وهو هنا جنسها باتفاق؛ إذ لا يصح هنا في آدم، والآخر أن مقصد آية تحقير الإنسان ﴿ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ أي أخلاط واحدها مشج بفتح الميم والشين وقيل: مشج بوزن عدل، وقال الزمخشري: ليس أمشاج وإنما هو مفرد كقولهم: برمة أعشار، ولذلك أوقع صفة للمفرد واختلف في معنى الأخلاط هنا فقيل: اختلاط ماء الرجل والمرأة، وقيل: معناه ألوان وأطوار، أي يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ﴿ نَّبْتَلِيهِ ﴾ أي نختبره وهذه الجملة في موضع الحال، أي: خلقناه مبتلين له، وقيل: معناه نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة ﴿ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ هذا معطوف على خلقنا الإنسان، ومن جعل نبتليه بمعنى نصرفه في بطن أمه فهذا عطف عليه، وقيل أن نبتليه مؤخر في المعنى أي جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه وهذا تكليف بعيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ سلاسلاً ﴾ بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام ﴿ سلاسل ﴾ في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف ﴿ قوارير قوارير ﴾ غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين.
الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف.
﴿ لؤلؤاً ﴾ بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزتين.
﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء ﴿ خضر واستبرق ﴾ بالرفع فيهما ﴿ وإستبرق ﴾ بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد.
الآخرون: بالخفض فيهما ﴿ وما يشاؤن ﴾ على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ مذكوراً ﴾ ه ﴿ أمشاج ﴾ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن ﴿ نبتليه ﴾ صفة له لأنه حال من ﴿ خلقنا ﴾ أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في ﴿ نبتليه ﴾ واحد والأمشاخ جمع.
﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ كافوراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ عيناً ﴾ بدلاً ﴿ تفجيراً ﴾ ه ﴿ مستطيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ قمطريراً ﴾ ه ﴿ سروراً ﴾ ه ج ﴿ على الأرائك ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف ﴿ زمهريراً ﴾ ه ج لما يعرف في التفسير ﴿ تذليلاً ﴾ ه ﴿ كانت قوارير ﴾ ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ زنجبيلاً ﴾ ه ج لما مر في ﴿ كافوراً ﴾ ﴿ سلسبيلاً ﴾ ه ج ﴿ مخلدون ﴾ ه بناء على أن ﴿ حسبتهم ﴾ صفة الولدان والظرف عارض ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ واستبرق ﴾ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا ﴿ فضة ﴾ ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم ﴿ طهوراً ﴾ ه ط ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ أو كفوراً ﴾ ه ﴿ أصيلاً ﴾ ه ج لما ذكرنا ﴿ طويلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ أسرهم ﴾ ج ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أن يشاء الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن " هل " ههنا وفي " الغاشية " بمعنى " قد " وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع " هل " كقوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا *** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟
ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى.
فالإستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب فيكون حاصله أنه ﴿ أتى على الإنسان ﴾ قبل زمان قريب ﴿ حين من الدهر ﴾ وهو طائفة من الزمان غير محدود.
وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان ههنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئاً مذكوراً بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين.
ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير.
ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنساناً إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضاً عند الأكثرين.
ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة.
وقوله ﴿ لم يكن ﴾ محله رفع على أنه نعت ﴿ حين ﴾ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف.
وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة.
وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه.
قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعاً نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعاً، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين.
يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس.
والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماآن ماء الرجل.
وهو أبيض غليظ - وماء المرأة - وهو أصفر رقيق - والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فيمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة.
عن ابن مسعود: هي عروق النطفة.
وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الإبتلاء بعضهم بهذا الإنتقال ومنه قول ابن عباس ﴿ نبتليه ﴾ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة.
والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والإمتحان.
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر.
وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حساً فقد علماً.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل: جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك.
والمعنى جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه.
ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلالة.
فقوله ﴿ شاكر أو كفوراً ﴾ حالان من مفعول ﴿ هدينا ﴾ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكراً أو كفوراً.
وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا.
وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة.
أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون " إما " في هذه الآية كما في قوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ﴾ والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً تارة كفوراً.
والمراد بالشكراً لإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة.
ويجز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقاً وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق.
قوله ﴿ سلاسل ﴾ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة.
قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضاً.
وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد لهذا جاز " صواحبات يوسف".
وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله ﴿ قوارير ﴾ فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار.
عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر ﴿ من كأس ﴾ أي إناء فيه الشراب.
وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور إسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.
والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذا العين قيل: " كان " زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكناه مسلوبة الدلالة على المضي كقوله ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك.
وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور.
قال جار الله: فقوله ﴿ عيناً ﴾ على هذين القولين بدل من محل ﴿ كأس ﴾ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الإختصاص.
ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله مخصوص في إصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط إستدلال المعتزلة بقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ كما مر في أول الزمر.
وإنما قال أولاً ﴿ يشربون من كأس ﴾ وآخراً ﴿ يشرب بها ﴾ لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى " مع " مثل " شربت الماء بالعسل" ﴿ يفجرونها ﴾ يجرونها حيث شاؤا من منازلهم ﴿ تفجيراً ﴾ سهلاً " قال مؤلف الكتاب": لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة.
والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك.
قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟
فأجاب بقوله ﴿ يوفون بالنذر ﴾ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليهأوفى.
ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي ولا سيما في هذه الآي.
يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضاً فعادهما رسول الله في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً.
فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه.
ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك.
فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين إلى رسول الله فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم.
وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.
ويروى أن السائل في اللياللي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله .
ووصفهم الله بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولاً في قوله ﴿ ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ﴾ أي مكروهه مستطيراً فاشياً منتشراً من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله منطار.والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفيس إلا نبينا محمد فإنه يقول " أمتي أمتي " والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.
ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على قال ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ وثانياً في قوله ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً ﴾ وإذا كان حال أهل بيت النبي أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف.
وأما الضمير في ﴿ حبه ﴾ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ وعنى المسكين واليتيم قد عرف مراراً، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة.
وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.
وسمى رسول الله الغريم أسيراً فقال "غريمك أسيرك فأحسن أسيرك" وقد سمى الزوجة أسيراً فقال "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" أي أسراء.عنالحسن: كان رسول الله يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.
وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات.
والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو إسترقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال.
ثم هذا الإطعام يجب أولاً على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين.
قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه.
ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان.
وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن.
يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه.
قوله ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ لرضاه خاصة.
ولا بد من إضمار القول.
ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعاً للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصاً لله.
ويجوز أن يكون بنطق الحال.
قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم.
وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله.
عن عائشة ا أنها كانت تبعث بالصدقة إلى هل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً.
والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر.
قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ ظاهرة أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلاً لعدم إرادة المجازاة.
ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.
والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء.
يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.
والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.
والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية.
وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماض قائلاً ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ﴾ أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيراً في نفس الأمر مشتملاً على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود ﴿ ولقاهم ﴾ أعطاهم ﴿ نضرة ﴾ في الوجوه ﴿ سروراً ﴾ في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم ﴿ وجزاهم بما صبروا ﴾ على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع ﴿ جنة وحريراً ﴾ أي بستاناً فيه مأكل هنيّ ولباساً له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج ﴿ متكئين ﴾ نصب على الحال من مفعول ﴿ جزاهم ﴾ وقيل: على المدح.
وقيل: حال من الجنة.
وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم.
والزمهرير شدة البرد.
والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائداً، والمعنى أن هواءها معتدل.
وفي الحديث " "هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طير واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر.
قوله ﴿ ودانية ﴾ ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على ﴿ متكئين ﴾ كما تقول في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله ﴿ لا يرون ﴾ حالاً صارت الأحوال ثلاثاً والتقدير.
وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فهيا هواء مؤذياً ودانية عليهم الظلال.
ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الإجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والرد وبين الدنو من الظلال.
ويجوز أن يكون ﴿ دانية ﴾ معطوفاً على ﴿ جنة ﴾ لأنهم وصفوا بالخوف.
وقد قال ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها.
وقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ من باب " علفتها تبناً وماء بارداً " وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريراً وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا.
وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم " حائط ذليل " إذا كان قصيراً قال البراء ابن عازب: من أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً ومضجعاً أمكنه.
وحين وصف طعامكم ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني.
ومعنى ﴿ قوارير من فضة ﴾ أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟
ومعنى كانت كما مر في قوله ﴿ كان مزاجها كافوراً ﴾ وقال في الكشاف: هو من قوله ﴿ كن فيكون ﴾ أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.
والضمير في ﴿ قدروها ﴾ إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان.
وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض.
وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها.
قوله ﴿ ويسقون فيها كأساً ﴾ أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحت طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك.
قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم.
أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن.
وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة.
يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية.
ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة.
قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة.
والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسلة.
وقد نسب إلى علي بن أبي طالب أن معناه سل سبيلاً إليها.
ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل " تأبط شراً " وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح.
وفي بعض شعر المتأخرين: سل سبيلاً فيها إلى راحة النف *** س براح كأنها سلسبيل والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في ﴿ سلاسلاً ﴾ على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية.
ثم وصف خدمهم بقوله ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ ويجوز أن يكون هذا بياناً للطائفين في قوله ﴿ ويطاف عليهم بآنية ﴾ وقد صرح به في الواقعة وزاد ههنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور.
يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله دّر أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: كأن صغرى وكبرى من فواقعها *** حصباء در على أرض من الذهب وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه أو كل راء قائلاً ﴿ وإذا رأيت ﴾ قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما ﴿ ثم ﴾ كقوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ يريد ما بينكم.
وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والإكتفاء بالصلة.
والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكاً ليشيع ويعم.
والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لمي تعلق إدراكه إلا بنعيم ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ أي واسعاً هنيئاً.
و " ثم " ظرف مكان أشير به إلى الجنة.
روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام.
وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له.
وقيل: هو أنه إذا أراد شيءاً كان.
ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الإستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية.
وعن علي أنه قرأ ﴿ ملكاً كبيراً ﴾ بفتح الميم وكسر اللام هو الله.
من قرأ ﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ ﴿ وثياب سندس ﴾ خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبراً مقدماً.
ويجوز أن يكون نصباً على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسروراً.
حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.
أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.
ويحتمل أن يكون العامل ﴿ رأيت ﴾ والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.
من قرأ ﴿ خضر ﴾ بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالإستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.
وأما الرفع في ﴿ إستبرق ﴾ فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس.
وكلاهما ظاهر.
قوله ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال في مواضع ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ وأساور الخدام من فضة.
وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال أيضاً فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع.
وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة.
وأيضاً فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون إستحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون إستحسانه لصفرة الذهب فالله يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم.
وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة.
ثم ختم جزاء الأبرار بقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعاً لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.
وإما مبالغة مطهر.
قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجاً بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك.
وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزالالروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدراج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلاً ﴿ وسقاهم ربهم ﴾ ثم ختم وعدهم بقوله ﴿ إن هذا كان لكم جزاء ﴾ عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك.
وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع.
واعلم أنه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماآن ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلاً مختاراً صانعاً حكيماً.
ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلاً باطلاً ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس، ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكفر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال.
واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.
وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسماً لأن " ثم " تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجماً مفرقاً أقرب إلى تسلية النبي وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصاً الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا.
أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه.
أما إذا توافقا فلا تخالفهما.
والجواب أنه لا ريب أن قولك " لا تضرب زيداً أن أو عمراً" معناه في الأظهر لا تضرب زيداً ولا عمراً.ويحتمل احتمالاً مرجوحاً " لا تضرب أحدهما واضرب الآخر" إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهياً عنه فكلاهما معاً أولى لأن زيادة الشرِّ شرٌّ.
ولهذا قال الفراء: لا تطع واحداً منهما سواء كان آثماً أو كفوراً.
ولو كان العطف بالواو كان نصاً في النهي عن طاعتهما معاً، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الإنفراد.
وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق.
والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر.
يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي : اردع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً.
وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالاً.
فقرأ عليهم رسول الله من أول " حم السجدة " إلى قوله ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فانصرفا عنه.
وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.
وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقاً.
ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية.
أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر اله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله ﴿ ومن الليل فاسجد له ﴾ أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله ﴿ وسبحه ﴾ أي وتهجد له طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في " المزمل".
ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقراً إياهم قائلاً ﴿ إن هؤلاء يحبون ﴾ الدار ﴿ العاجلة ﴾ ونعيمها الزائل ﴿ ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ أي شديداً كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ ثم بين كمال قدرته قائلاً ﴿ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ﴾ أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقدر وبه سمى القد أسراً.
والمعنى ركبناهم تركيباً محكماً وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج ﴿ وإذا شئنا ﴾ أهلكناهم بالنفخة و ﴿ بدلنا أمثالهم ﴾ في شدة الأسر عند النفخة الثانية.
وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله ﴿ وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ ممن يطيع ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من " إذا" " وإن " حرف الشرط.
قلت: ما ذكره جار الله ليس طعناً في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن " إذا" لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى.
أما الإهلاك على سبيل الإستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالإعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك.
قوله ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قد مر في " المزمل " والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلاً بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري.
وفي قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق.
وانتصب ﴿ الظالمين ﴾ بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ .
فـ"هل" و"مَنْ" و"لعل" من الله واجب، وحقه أن ينظر أن لو كان مثل هذا الكلام من مستفهم، ما الذي كان يقتضى من الجواب؟
فإذا قال الإنسان لآخر: من أظلم ممن افترى على الله كذبا؟
فجوابه أن يقول: لا أحد أظلم منه، وإذا قال لآخر: هل أتاك حديث فلان؟
فحق المجيب أن يقول إن كان قد أتاه حديث فلان: قد أتاني، وإن كان لم يأته فحقه أن يسأله: كيف كان حديثه؟
ليعرفه.
فإن كان رسول الله قد أتاه خبر الإنسان، فمعنى قوله: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ ﴾ ، أي: قد أتى على الإنسان، وإن لم أتاه، فحقه أن يسأل حتى يتبين له.
وقيل: الإنسان: آدم .
ثم لقائل أن يقول: أن كيف قال: قد ﴿ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ فهو إن لم يكن شيئاً مذكوراً في ذلك الوقت، لم يكن إنساناً وإذا لم يكن إنساناً لم يأت عليه حين من الدهر، وهو إنسان، وإن كان في ذلك الوقت مخلوقا، فقد صار مذكورا، وإذا صار مذكورا، فقد أتى عليه حين من الدهر وهو مذكور؛ فما معناه؟
قيل فيه من أوجه: أحدها: أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ ﴾ أي: على ما منه الإنسان، وهو الأصل الذي خلق منه آدم - - وهو التراب، فقال: ﴿ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ على الاستصغار لذلك الأصل؛ إذ التراب لا يذكر في الأشياء المذكورة، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.
والوجه الثاني: قيل: قد أتى على الخلق حين من الدهر، لم يكن الإنسان فيه شيئا مذكورا في تلك الخلائق.
والوجه الثالث: قد أتى عليه حين من الدهر، ولم يكن مذكورا في الممتحنين، وهذا في كل إنسان؛ لأنه ما لم يبلغ، لم يجر عليه الخطاب، ولم يكن مذكورا في الممتحنين؛ فالله [خلق الخلائق ليعبدوه بقوله:] ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، فقوله: ﴿ لِيَعْبُدُونِ ﴾ إذا صاروا من أهل المحنة، فإلى أن يبلغ قد أتى عليه حين من الدهر، لم يكن مذكورا في جملة من خلقوا للعبادة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، والإنسان لم يكن إنسان في النطفة، ولا في العلقة، ولا في المضغة؛ ولكن المقصود من إنشاء النطفة والعلقة هذا الإنسان، والعواقب في الأفعال هي الأوائل في القصد والمراد؛ فاستقام إضافته إلى ما ذكرنا؛ لما رجع إليه القصد من إنشائها.
وروي عن النبي أنه قال: "إذا أردت أمرا فدبِّرْ عاقبته، فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيّاً فانته" ؛ فألزم النظر في العواقب؛ فثبت أن المقصود من فعل أهل التمييز العاقبة؛ وإذا كانت العاقبة مقصودا إليها في الابتداء صارت العاقبة كالموجود في الابتداء؛ لذلك استقام إضافة الإنسان إلى النطفة والعلقة والمضغة.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ منصرف إلى أولاد آدم - - فيكون المعنى من الإنسان أولاده، ثم ذكر لهم ابتداء أحوالهم وما تنتهي إليه عاقبتهمه - وهو الموت - ليتعظوا به، ويتذكروا.
ووجه الاتعاظ: هو أنهم إذا علموا ابتداء أحوالهم، وعلموا ما ينتهي إليه عاقبتهم، علموا في الحال التي هم فيها أن أنفسهم في أبدانهم ليست لهم، بل عارية في أبدانهم؛ إذ لم يكن منهم صنع في الابتداء، أو أمانة، والحق على الأمين أن يقوم بحفظ الأمانة ورعايتها، وألا يخونه صاحبها فيها، فإن هو خانها، ولم يتول حِفْظَها - لحقته المسبة والمذمة، وإن حفظها ورعاها حق رعايتها، استوجب الحمد والثناء من صاحبها.
والحق على المستعير أن يتمتع بالعارية، وينتفع بها إلى الوقت الذي أذن له، وألا يضيعها، فإن ضيعها لحقته الغرامة والضمان بتضييعه أياها، وكذلك إذا علموا أنها في أبدانهم عارية وأمانة علموا أن عليهم رعايتها واستعمالها في الوجه الذي أذن لهم فيها؛ لئلا تلحقهم التبعة في العاقبة، ولا تلزمهم المسبة والمذمة في ذلك [في الدنيا والآخرة]، والله أعلم.
والثاني: أن النظر في ابتداء الخقلة، وإلى ما يصير عند انقضاء الأمر، يدعو إلى إيجاب القول بالبعث، وإلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل من الأخبار؛ وذلك لأن التأمل في ابتداء الخلقة يظهر عجيب قدرة الله ولطيف حكمته، ويعلم أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ لا يجوز أن يقع قصده من إنشاء الخلق للإفناء خاصة؛ لخروجه عن حد الحكمة؛ فيحملهم ذلك على القول بالبعث.
ولأن النظر في ابتداء الخلقة، والنظر إلى ما يرجع إليه بعد الوفاة مما يمنع الافتخار والتكبر؛ لأن إنشاءه كان من نطفة تستقذرها الخلائق، ومن علقة ومضغة يستخبثها كل أحد، وبعد الممات يصير جيفة قذرة، ومن كان هذا شأنه، لم يسحن التكبر في مثله؛ فكان في تذكير أوائل الأحوال وأواخرها موعظة لهم؛ ليتعظوا، ويتبصروا، وتعريف لهم أن التكبر لا يحسن من أمثالهم؛ فيحملهم ذلك على التواضع وترك الافتخار والتجبر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ﴾ : الأمشاج: الأخلاط، ثم الأخلاط تقع بوجهين: أحدهما: في اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
والثاني: تقع في الأحوال، وهو أن النطفة إذا حولت علقة لم تحول بدفعة واحدة؛ بل هي تغلظ شيئا فشيئا، حتى إذا تم غلظها صارت علقة، وكذلك العلقة يدخل فيها التغيير شيئا فشيئا، حتى إذا تم التغيير فيها حالت مضغة؛ فهذا هو الاختلاط في الأحوال.
فمنهم من قال: الأخلاط: الطبائع الأربع التي عليها جبل الإنسان.
ومنهم من صرف الخلط إلى الألوان، فذكر أن ماء الرجل أبيض يخالطه حمرة، وماء المرأة أحمر يخالطه صفرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّبْتَلِيهِ ﴾ ، أي: بالخير والشر، والأمر والنهي، ثم الابتلاء هو الاستظهار لما خفي من الأمور؛ والله لا يخفى عليه أمر فيحتاج إلى استظهاره، ولكنه يبتليه ليظهر للمبتلي ما كان خفيا عليه بفعله وتركه، وأما الخلق فهم يمتحنون، ويبتلون؛ ليظهر لهم ما كن خفيا عليهم؛ فيكون الابتلاء منصرفا إليهم لا إلى المبتلي والممتَحِن.
والثاني: أن الابتلاء لما كان لاستظهار ما خفي من الأمور، وذلك يكون بالأمر والنهي؛ فسمي الأمر من الله والنهي لعبادة: ابتلاء؛ لمكان الأمر والنهي، لا على تحقيق معنى الابتلاء منه.
وقال الحسن: لما صلح أن يضاف الاستخبار إلى الله وإن كان هو خبيرا عما استخبر؛ فجائز أن يضاف إليه الابتلاء أيضا، وإن كان هو بالذي ابتلاه عالما بصيرا، ولأن الذي يظهر من العبد بعد الابتلاء من الفعل كان غائبا، فالله - - يعرفه شاهدا بفعله، وقبل ذلك كان يعرفه غائبا؛ لأن معرفة ما يكون أن يعرف قبل كونه غائبا، وبعد كونه شاهدا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ : أي: جعلنا له سمعا يميز بين ما يؤدي إليه سمعه، وجعلنا له بصرا يبصر به ما أدى بصر الوجه؛ ليضع كل شيء موضعه؛ وذلك هو بصر القلب وسمع القلب؛ لأنه قد خص البشر بالابتلاء؛ لمكان بصر الباطن والسمع الباطن؛ ألا ترى أن البهائم لها بصر الظاهر، وكذلك السمع.
ويحتمل: أي: جعلناه سميعا بصيرا يبصر ما له، وما عليه، وما ينفعه، وما يضره، ثم أنشأ فيه السمع والبصر، ولا يعرف كيفية السمع والبصر الذي جعل فيه، ولا ما هيته، ولا ممن هو؟
لطفاً منه؛ ليعلم أنه منشئ الكيفيات والماهيات، وأنه يتعالى عن الوصف له بالكيفية والماهية.
ثم قال : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ ﴾ أوجها ثلاثة: أحدها: هديناه السبيل؛ لإصلاح بدنه ومعاشه.
أو هديناه السبيل الذي يصلون به إلى استبقاء النسل والتوالد إلى يوم التناد.
أو هديناه السبيل الذي يرجع إلى إصلاح دينهم، وأمر آخرتهم باكتساب المحامد المحاسن، ثم قوله: ﴿ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ أخبر أنه قد بين لهم السبيل وهداهم إليه، ثم منهم من يختار الشكر له، ومنهم من يختار الكفران له، ثم بين ما أعد للكفور منهم، وما أعد للشكور، وهو ما قال: ﴿ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً ﴾ .
ثم قوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ ﴾ إن كان المراد منه الطريق؛ فكأنه قال: إنا بينا كلا الطريقين، فإن سلك طريق كذا واختاره يكون شاكراً، وإن سلك طريق كذا واختاره يكون كفورا.
ثم بين لكل طريق سلكه جزاء وثوابا.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً ﴾ : ففيه إنباء أن أيديهم تغل، ويشدون بالسلاسل، فلا يتهيأ لهم أن يقوا العذاب عن وجههم.
ثم قرئ ﴿ سَلاَسِلاَ ﴾ ؛ لأنها غير منصرفة، وقرئ (سلاسلاً) وصرفوه؛ بناء على أن الأسماء كلها منصرفة إلا نوعا واحدا.
وقال الزجاج: السلاسل لا تنصرف؛ لأنه لا فعل لها، لكن صرفها هاهنا لأنها من رءوس الآيات.
وقيل: لأنه جعله رأس الآية.
<div class="verse-tafsir"
قد مرّ على الإنسان دَهْر طويل كان فيه معدومًا لا ذِكْر له.
<div class="verse-tafsir" id="91.WzL8A"