الآية ٢٤ من سورة الإنسان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 76 الإنسان > الآية ٢٤ من سورة الإنسان

فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًۭا ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الإنسان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الإنسان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فاصبر لحكم ربك ) أي : كما أكرمتك بما أنزلت عليك ، فاصبر على قضائه وقدره ، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ، ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) أي : لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وتوكل على الله ; فإن الله يعصمك من الناس ، فالآثم هو الفاجر في أفعاله ، والكفور هو الكافر بقلبه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَاذْكُرْ ) يا محمد ( اسْمَ رَبِّكَ ) فادعه به بكرة في صلاة الصبح، وعشيا في صلاة الظهر والعصر.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( 351 ) ، قال : وقوله : { يشرب بها } ويشربها سواء في المعنى .

وكأنه يشرب بها : يروي بها وينقع .

وأما يشربونها فبين .

وقد أنشدني بعضهم : " شربن بماء " ومثله : إنه ليتكلم بكلام حسن ، ويتكلم كلاما حسنا .

ا هـ .

وفي خزانة الأدب للبغدادي ( 3 : 193 - 195 ) استشهد به على أن ( متى ) عند هذيل حرف جر ؛ بمعنى " من " أو " في " .

أو اسم بمعنى : " وسط " .

والباء في قوله : " بماء البحر " قيل : على بابها ، وشربن : مضمن معنى " روين " .

وقيل : هي للتبعيض .

وقيل : زائدة ، كقول الفراء ، قال ابن جني في سر الصناعة : الباء فيه زائدة ، إنما معناه : شربن ماء البحر .

هذا هو الظاهر من الحال .

والعدول عنه تعسف .

ا هـ .

قلت : هذه هي الرواية المشهورة في كتب اللغويين والنحاة .

وفي شعر أبي ذؤيب ( ديوان الهذليين 1 : 51 ) : سَــقَى أُمَّ عَمْـرٍو كُـلَّ آخِـرِ لَيْلَـةٍ حَنــاتِمُ سُــودٌ مــاؤُهُنَّ ثَجــيجُ تَــرَوَّتْ بِمَـاءِ البَحْـرِ ثُـمَّ تَـرَفَّعَتْ عَــلى حَبَشِــيَّاتٍ لَهُــنَّ نَئــيجُ شبه السحاب الأسود بالحناتم ، ويقال للسحاب إذا كان ريان : " أسود كأنه الحنتم .

يقول : إن تلك الحناتم " وهي الجرار ، قد تروت من ماء البحر ، ثم ارتفعت على سحائب سود لهن نئيج : أي : مر سريع مع صوت .

(2) البيت لعنترة في معلقته المشهورة يهجو حصينا وهرما ابني ضمضم وقد ذكرهما في البيت قبله ، وهو : ولقَـدْ خَشِـيتُ بـأنْ أمُـوتَ ولم تَدُرْ للْحَـرْبِ دائِـرَةٌ عَـلى ابْنَـيْ ضَمْضَم يقول : اللذان يشتمان عرضي ولم أشتمهما أنا ، والموجبان على أنفسهما سفك دمي إذا لم أرهما .

يريد أنهما يتوعدانه حال غيبته، فأما في الحضور فلا يتجاسران عليه .

(3) البيت للأعشى ( ديوانه 93 ) والرواية فيه : " أورثت " في موضع " أثأرت " ويظهر أن رواية المؤلف محرفة عن " أسأرت " بالسين ، لا بالثاء ؛ لأنه لا معنى للإثآر هنا .

والصدع : الشق .

والمستطير كما في اللسان : المنتثر .

وفي مجاز القرآن عند قوله تعالى : { كان شره مستطيرا } أي : فاشيا .

وفي معاني القرآن للفراء ( 351 ) { ويخافون يوما كان شره مستطيرا } ممتد البلاء ، والعرب تقول : استطار الصدع في القارورة وشبهها ، واستطال .

ا هـ .

(4) البيت في ( اللسان : قمطر ) ولم ينسبه .

قال : ويوم مقمطر ، وقماطر ، وقمطرير : مقبض ما بين العينين لشدته .

وقيل : إذا كان شديدا غليظا ، قال الشاعر : وقماطر بضم القاف ، واقمطر يومنا : اشتد .

وفي التنزيل العزيز { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } جاء في التفسير : أنه يعبس الوجه ، فيجمع ما بين العينين وهذا شائع في اللغة .

ا هـ .

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 183 ) : العبوس ، والمقطمر ، والقماطر ، والعصيب : أشد ما يكون من الأيام ، وأطولها في البلاء .

ا هـ .

وقال الفراء في معاني القرآن ( 351 ) وقوله : { عبوسًا قمطريرا } والقمطرير : الشديد .

ويقال : يوم قمطرير ، ويوم قماطر ، أنشدني بعضهم : " بني عمنا ...

" البيت .

ا هـ .

(5) لعله قوارير في الصفاء من فضة ، كالفضة في البياض .

(6) في الدر المنثور : أهل الدنيا .

(7) هذا بيت رواه يونس النحوي ولم يذكر قائله يصف قوسا من شجر النبع .

والشاهد عند المؤلف في البيت أن " الصيب مرفوع ؛ لأنه صفة للسهم ، وأنه ليس كقوله تعالى : { يسمى سلسبيلا } " .

يريد أن هذه القوس بنعت سهمها الصيب ويوصف ، لكثرة ما أصاب به الصيود وهي جمع صيد .

هذا معنى كلامه .

وقال الفراء في معاني القرآن ( 352 ) وقوله : { تسمى سلسبيلا } ذكروا أن السلسبيل اسم العين ، وذكر أنه صفة للماء لسلسلته وعذوبته .

ونرى أنه لو كان اسما للعين لكان ترك الإجراء ( الصرف ) فيه أكثر ، ولم نر أحدًا من القراء ترك إجراءها وهو جائز في العربية ، كما كان في قراءة عبد الله ابن مسعود : ( ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوثا ويعوقا ) بالألف .

وكما قال : سلاسلا وقواريرا ، بالألف ، فأجروا ما لا يجري ، وليس بخطأ ؛ لأن العرب تجري ما لا يجري في الشعر ، فلو كان خطأ ما أدخلوه في أشعارهم .

قال متمم بن نويرة : فَمَــا وَجْـدُ أظْـآرٍ ثَـلاَثٍ رَوَائـمٍ رأيْـنَ مخـرًّا مِـنْ حُـوَارٍ وَمَصْرَعَا فأجرى روائم ، وهي مما لا يجري ، فيما لا أحصيه من أشعارهم .

ا هـ .

(8) البيت لمتمم بن نويرة كما قال الفراء ( تقدم في الشاهد قبله ) ، وهو في ( اللسان : ظأر ) قال : تقول ( ظئرت ) الناقة مبينا للمجهول ، على ولد غيرها أو على بَوٍّ ( فأظأرت ) بالظاء ، فهي ظئور ومظئورة وجمع " الظئور " أظآر وظؤار ، قال متمم : " فما وجد أظآر ...

" البيت .

والروائم : جمع رائم ، يقال : رئمت الناقة ولدها ترأمه رأما ورأمانا : عطفت عليه ولزمته ، وفي التهذيب : رئمانا : أحبته .

ومخرا : مصدر ميمي بمعنى : الخرور ، أي : السقوط على الأرض ، وقد يكون معناه الموت ، من خر يخر : إذا مات .

ومصرعا : أي مهلكا ، وهو مصدر ميمي بمعنى : الصرع .

وأما موضع الشاهد في البيت فهو صرف " روائم " لضرورة الشعر ، وهو مما لا يصرف كما قال الفراء في الشاهد قبله .

(9) هذا البيت لا أعرف قائله ، أنشده المؤلف عند قوله تعالى: { ولدان مخلدون } قال في ( اللسان : خلد ) ، وقوله تعالى : { يطوف عليهم ولدان مخلدون } قال الزجاجي : محلون .

وقال أبو عبيدة مسورون يمانية وأنشد : " ومخلدات باللجين " .

ولم أجد قول أبي عبيدة هذا في المخطوطة التي بين يدي منه ، ولعل العبارة والشاهد أسقطا من بعض أصول الكتاب .

ا هـ .

وقال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 352 ) وقوله : { مخلدون } يقول : محلون مسورون ( بأساور ) .

ويقال : مقرطون .

ويقال : مخلدون : دائم شبابهم لا يتغيرون عن تلك السن ، وهو أشبهها بالصواب ، والله أعلم .

وذلك أن العرب إذا كبر الرجل ، وثبت سواد شعره ، قيل : إنه لمخلد .

وكذلك يقال إذا كبر وثبتت له أسنانه وأضراسه قيل : أنه لمخلد : ثابت الحال ، كذلك الولدان ثابتة أسنانهم .

ا هـ .

(10) البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن قال ( 352 - 353 ) عند قوله تعالى : { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } أو هاهنا : بمنزلة " لا " .

وأو في الجحد والاستفهام والجزاء تكون في معنى " لا " ، فهذا من ذلك وقال الشاعر : " لا وجد ثكلى " البيتين .

قال : وقد يكون في العربية لا تطيعن منهم من أثم أو كفر ، فيكون المعنى في " أو " قريبا من معنى الواو ، كقولك للرجل : لأعطينك سكت أو سألت ؛ معناه لأعطيناك على كل حال .

ا هـ .

والثكلى : التي فقدت ولدها أو أخاها أو زوجها .

والوجد : الحزن .

والعجول من النساء والإبل : الواله التي فقدت ولدها ، الثكلى لعجلتها في جيئتها وذهابها جزعا .

والجمع عجل وعجائل ومعاجيل .

( اللسان : عجل ) .

ا هـ .

والربع : الفصيل ينتج في الربيع ، وهو أول النتاج ، والجمع : رباع وأرباع ، مثل رطب ورطاب وأرطاب .

وأضلها : فقدته وذهب عنها ، لا تدري أين أخذ .

وأضل ناقته يقال : أضل البعير والفرس : ذهبا عنه .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاصبر لحكم ربك أي لقضاء ربك .

وروى الضحاك عن ابن عباس قال : اصبر على أذى المشركين ; هكذا قضيت .

ثم نسخ بآية القتال .

وقيل : أي اصبر لما حكم به عليك من الطاعات ، أو انتظر حكم الله إذ وعدك أنه ينصرك عليهم ، ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة .ولا تطع منهم آثما أي ذا إثم أو كفورا أي لا تطع الكفار .

فروى معمر عن قتادة قال : قال أبو جهل : إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه .

فأنزل الله - عز وجل - : ولا تطع منهم آثما أو كفورا .

ويقال : نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة ، وكانا أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضان عليه الأموال والتزويج ، على أن يترك ذكر النبوة ، ففيهما نزلت : ولا تطع منهم آثما أو كفورا .

قال مقاتل : الذي عرض التزويج عتبة بن ربيعة ; قال : إن بناتي من أجمل نساء قريش ، فأنا أزوجك ابنتي من غير مهر وارجع عن هذا الأمر .

وقال الوليد : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال ، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى وارجع عن هذا الأمر ; فنزلت .

ثم قيل : أو في قوله تعالى : آثما أو كفورا أوكد من الواو ; لأن الواو إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص ; لأنه أمره ألا يطيع الاثنين ، فإذا قال : لا تطع منهم آثما أو كفورا ف " أو " قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى ; كما أنك إذا قلت : لا تخالف الحسن أو ابن سيرين ، أو اتبع الحسن أو ابن سيرين فقد قلت : هذان أهل أن يتبعا وكل واحد منهما أهل لأن يتبع ; قاله الزجاج .

وقال الفراء : أو [ ص: 131 ] هنا بمنزلة لا كأنه قال : ولا كفورا ; قال الشاعر :لا وجد ثكلى كما وجدت ولا وجد عجول أضلها ربع أو وجد شيخ أضل ناقتهيوم توافى الحجيج فاندفعواأراد ولا وجد شيخ .

وقيل : الآثم المنافق ، والكفور الكافر الذي يظهر الكفر ; أي لا تطع منهم آثما ولا كفورا .

وهو قريب من قول الفراء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } أي: اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق.

{ وَلَا تُطِعْ } من المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك { آثِمًا } أي: فاعلا إثما ومعصية ولا { كَفُورًا } فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في المعاصي، فلا يأمرون إلا بما تهواه أنفسهم.

ولما كان الصبر يساعده القيام بعبادة الله ،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم"، يعني من مشركي مكة، "آثماً أو كفوراً"، يعني وكفوراً، والألف صلة.

قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن عنقه.

وقال مقاتل: أراد بـ الآثم: عتبة بن ربيعة، وبـ الكفور الوليد بن المغيرة، قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله هذه الآية.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاصبر لحكم ربك» عليك بتبليغ رسالته «ولا تطع منهم» أي الكفار «آثما أو كفورا» أي عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة قالا للنبي صلى الله عليه وسلم ارجع عن هذا الأمر.

ويجوز أن يراد كل آثم وكافر أي لا تطع أحدهما أَيا كان فيما دعاك إليه من إثم أو كفر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاصبر لحكم ربك القدري واقبله، ولحكمه الديني فامض عليه، ولا تطع من المشركين من كان منغمسًا في الشهوات أو مبالغًا في الكفر والضلال، وداوم على ذكر اسم ربك ودعائه في أول النهار وآخره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله : ( فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ ) للإِفصاح .

وعدى فعل الصبر باللام ، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه - سبحانه - .أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر لحكم ربك ، واخضع لقضائه ومشيئته ، فهو - سبحانه - الكفيل بنصرك عليهم .وقوله : ( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) أى : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - من هؤلاء المشركين ، من كان داعياً إلى الإثم والفجور ، أو من كان داعيا إلى الكفر والجحود .ولم يقل - سبحانه - ولا تطع منهم آثمار وكفورا بالواو ، لأن الواو تجعل الكلام محتملا للنهى عن المجموع ، وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى فى الامتثال .ولذا قال الزجاج : إن " أو " هنا أَوْكد من الواو ، لأنك إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا ، فأطاع أحدهما كان غير عاص ، فإن أبدلتها بأو ، فقد دللت على أن كل واحد منهما ، أهل لأن يعصى ، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معاً .والآثم : هو الفاجر بأقواله وأفعاله .

والكفور : هو الجاحد بقلبه ولسانه .ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإِنّ : تأكيد على تأكيد ، لمعنى اختصاص الله - تعالى - بالتنزيل ، ليتقرر فى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل للقرآن ، لم يكن تنزيله على أى وجه نزل ، إلا حكمة وصوابا ، كأنه قيل : ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما ، إلا أنا لا غيرى ، وقد عرفتنى حكيما فاعلا لكل ما أفعله .فإن قلت : كلهم كانوا كفرة ، فما معنى القسمة فى قوله : ( آثِماً أَوْ كَفُوراً ) ؟

قلت : معناه لا تطع منهم راكبا لماهو إثم ، داعيا لك إليه ، أو فاعلا لما هو كفر ، داعيا لك إليه .

لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر ، داعيا لك إليه .

لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم علىفعل إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كف : فنهى عن أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث .

فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما ، فهلا جئ بالواو وليكون نهيا عن طاعتهما جميعا؟قلت : لو قيل : ولا تطعهما ، جاز أن يطيع أحدهما ، وإذا قيل : لا تطع أحدهما ، علم أن الناهى عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى ، كما إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف ، علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى ..والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم وتيئيس المشركين من استجابته صلى الله عليه وسلم لأى مطلب من مطالبهم الفاسدة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فإما أن يكون المعنى: فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن في القتال ونظيره ﴿ فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين  ﴾ أو يكون المعنى عاماً في جميع التكاليف، أي فاصبر في كل ما حكم به ربك سواء كان ذلك تكليفاً خاصاً بك من العبادات والطاعات أو متعلقاً بالغير وهو التبليغ وأداء الرسالة، وتحمل المشاق الناشئة من ذلك، ثم في الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ ﴾ دخل فيه أن ﴿ لاَ تُطِع آثماً أَوْ كَفوراً ﴾ فكأن ذكره بعد هذا تكريراً.

الجواب: الأول أمر بالمأمورات، والثاني نهى عن المنهيات ودلالة أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح فيكون التصريح به مفيداً.

السؤال الثاني: أنه عليه السلام ما كان يطيع أحداً منهم، فما الفائدة في هذا النهي؟

الجواب: المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد، لأجل ما تركب فيهم من الشهوات الداعية إلى الفساد، وأن أحداً لو استغنى عن توفيق الله وإمداده وإرشاده، لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم، ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم، لأنه لابد له من الرغبة إلى الله والتضرع إليه في أن يصونه عن الشبهات والشهوات.

السؤال الثالث: ما الفرق بين الآثم والكفور؟

الجواب: الآثم هو المقدم على المعاصي أي معصية كانت، والكفور هو الجاحد للنعمة، فكل كفور آثم، أما ليس كل آثم كفوراً، وإنما قلنا: إن الآثم عام في المعاصي كلها لأنه تعالى قال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً  ﴾ فسمى الشرك إثماً، وقال: ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ  ﴾ وقال: ﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ  ﴾ وقال: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ فدلت هذه الآيات على أن هذا الإثم شامل لكل المعاصي، واعلم أن كل من عبد غير الله فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان، لأنه لما عبد غيره، فقد عصاه وجحد إنعامه، إذا عرفت هذا فنقول في الآية قولان: الأول: أن المراد شخص معين، ثم منهم من قال: الآثم، والكفور هو شخص واحد وهو أبو جهل، ومنهم من قال: الآثم هو الوليد والكفور هو عتبة، قال القفال: ويدل عليه أنه تعالى سمى الوليد أثيماً في قوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ  هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ  مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  ﴾ وروى صاحب الكشاف أن الآثم هو عتبة.

والكفور هو الوليد لأن عتبة كان ركاباً للمآثم متعاطياً لأنواع الفسوق والوليد كان غالياً في الكفر، والقول الأول أولى لأنه متأيد بالقرآن، يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم مالاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أول حم السجدة إلى قوله: ﴿ حمٓ  تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  كِتَٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ  وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ  قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ  ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ  إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ  قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ  وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ  ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ  فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَٰعِقَةً مِّثْلَ صَٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ  ﴾ فانصرفا عنه وقال أحدهما ظننت أن الكعبة ستقع علي.

القول الثاني: أن الآثم والكفور مطلقان غير مختصين بشخص معين، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر، ثم قال الحسن الآثم هو المنافق والكفور مشركوا العرب، وهذا ضعيف بل الحق ما ذكرناه من أن الآثم عام والكفور خاص.

السؤال الرابع: كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة في قوله: ﴿ آثماً أَوْ كفوراً ﴾ ؟

الجواب: ﴿ الكفور ﴾ أخبث أنواع الآثم، فخصه بالذكر تنبيهاً على غاية خبثه ونهاية بعده عن الله.

السؤال الخامس: كلمة أو تقتضي النهي عن طاعة أحدهما فلم لم يذكر الواو حتى يكون نهياً عن طاعتهما جميعاً؟

الجواب: ذكروا فيه وجهين: الأول: وهو الذي ذكره الزجاج واختاره أكثر المحققين أنه لو قيل: ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما لأن النهي عن طاعة مجموع شخصين لا يقتضي النهي عن طاعة كل واحد منهما وحده، أما النهي عن طاعة أحدهما فيكون نهياً عن طاعة مجموعهما لأن الواحد داخل في المجموع، ولقائل أن يقول: هذا ضعيف، لأن قوله: لا تطع هذا وهذا معناه كن مخالفاً لأحدهما، ولا يلزم من إيجاب مخالفة أحدهما إيجاب مخالفتهما معاً، فإنه لا يبعد أن يقول السيد لعبده: إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه، أما إذا توافقا فلا تخالفهما.

والثاني: قال الفراء: تقدير الآية لا تطع منهم أحداً سواء كان آثماً أو كفوراً كقول الرجل لمن يسأله شيئاً: لا أعطيك سواء سألت أو سكت.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا النهي عقبه بالأمر، فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تكرير الضمير بعد إيقاعه إسماً لانّ: تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل، ليتقرّر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله على أي وجه نزل إلا حكمة وصواباً، كأنه قيل: ما نزّل عليك القرآن تنزيلاً مفرقاً منجماً إلا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيماً فاعلاً لكل ما أفعله بدواعي الحكمة؛ ولقد دعتني حكمة بالغة إلى أن أنزل عليك الأمر بالمكافة والمصابرة، وسأنزل عليك الأمر بالقتال والانتقام بعد حين ﴿ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ ﴾ الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور بالمصالح، وتأخيره نصرتك على أعدائك من أهل مكة؛ ولا تطع منهم أحداً قلة صبر منك على أذاهم وضجراً من تأخر الظفر، وكانوا مع إفراطهم في العداوة والإيذاء له ولمن معه يدعونه إلى أن يرجع عن أمره ويبذلون له أموالهم وتزويج أكرم بناتهم إن أجابهم.

فإن قلت: كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة في قوله ﴿ ءَاثِماً أوكَفُوراً ﴾ ؟

قلت: معناه ولا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً لك إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهى أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث.

وقيل: الآثم عتبة؛ والكفور: الوليد؛ لأنّ عتبة كان ركاباً للمآثم، متعاطياً لأنواع الفسوق؛ وكان الوليد غالباً في الكفر شديد الشكيمة في العتوّ.

فإن قلت: معنى أو: ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو ليكون نهياً عن طاعتهما جميعاً؟

قلت: لو قيل: ولا تطعهما، جاز أن يطيع أحدهما؛ وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أنَّ الناهي عن طاعة أحدهما: عن طاعتهما جميعاً أنهى.

كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف، علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى ﴿ واذكر اسم رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ ودم على صلاة الفجر والعصر ﴿ وَمِنَ اليل فاسجد لَهُ ﴾ وبعض الليل فصل له.

أو يعني صلاة المغرب والعشاء، وأدخل (من) على الظرف للتبعيض، كما دخل على المفعول في قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ [نوح: 4] ، ﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾ وتهجد له هزيعاً طويلا من الليل: ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ إنَّ مَزِيدٌ لِاخْتِصاصِ التَّنْزِيلِ بِهِ.

﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبِ الإثْمِ الدّاعِي لَكَ إلَيْهِ ومِنَ الغالِي في الكُفْرِ الدّاعِي لَكَ إلَيْهِ، وأوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِحْقاقِ العِصْيانِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ والتَّقْسِيمِ بِاعْتِبارِ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ، فَإنَّ تَرَتُّبَ النَّهْيِ عَلى الوَصْفَيْنِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَهُما وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ تَكُونَ المُطاوَعَةُ في الإثْمِ والكُفْرِ.

فَإنَّ مُطاوَعَتَهُما فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ غَيْرُ مَحْظُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ} عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية وتأخير نصرتك على أعدائك من أهل مكة {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ} من الكفرة للضجر من تأخير

الظفر {إثما} راكبا لما هو آثم داعيا لكل إليه {أَوْ كَفُوراً} فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل ما هو إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر فنهى أن يساعدهم على الأولين دون الثالث وقيل الآثم عتبة لانه كان ركابا المآثم والفسوق والكفور الوليد لأنه كان غالبا في الكفر والجحود والظاهر أن المراد كل آثم وكافر أي لا تطع أحدهما وإذا نهي عن طاعة أحدهما لا بعينه فقد نهى عن طاعتهما معاً ومتفرقاً ولو كان بالواو لجاز أن يطيع أحدهما لأن الواو للجميع فيكون منهياً عن طاعتهما معاً لا عن طاعة أحدهما وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه كان عن طاعتهما جميعاً أنهى وقيل أو بمعنى أحدهما وإذا نهي عن طاعة أحدهما لا بعينه كان عن طاعتهما جميعاً أنهى وقيل أو بمعنى ولا أي ولا تطع آثماً ولا كفورا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى الكُفّارِ فَإنَّ لَهُ عاقِبَةً حَمِيدَةً ﴿ ولا تُطِعْ ﴾ قِلَّةَ صَبْرٍ مِنكَ عَلى أذاهم وضَجَرًا مِن تَأخُّرِ نَصْرِكَ ﴿ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ قِيلَ إنَّ ( أوْ ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ في جَمِيعِ مَواقِعِها، ويَعْرِضُ لَها مَعانٍ أُخَرُ كالشَّكِّ والإباحَةِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ أصْلُ المَعْنى هُنا ﴿ ولا تُطِعْ مِنهُمْ ﴾ أحَدَ النَّوْعَيْنِ ولَمّا كانَ أحَدٌ الأغْلَبُ عَلَيْهِ في غَيْرِ الإثْباتِ العُمُومُ واحْتِمالُ غَيْرِهِ احْتِمالٌ مَرْجُوحٌ صارَ المَعْنى عَلى النَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ هَذا وهَذا، ولَمْ يُؤْتَ بِالواوِ لِاحْتِمالِ الكَلامِ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنِ المَجْمُوعِ ويَحْصُلُ امْتِثالُهُ بِالِانْتِهاءِ عَنْ واحِدٍ دُونَ الآخَرِ، فَلا يُرِدْ أنْ لا تَطَلَّعَ أحَدَ النَّوْعَيْنِ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ بِهِ بِتَرْكِ إطاعَةِ واحِدٍ مِن إطاعَةِ الآخَرِ إذْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لَمْ يُطِعْ أحَدَهُما، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ ( أوْ ) في الإثْباتِ تُفِيدُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وفي النَّفْيِ تُفِيدُ نَفْيَ كِلا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في مَعْنى كَلامِ ابْنِ الحاجِبِ حَيْثُ قالَ: إنَّ وضْعَ ( أوْ ) لِإثْباتِ الحُكْمِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّهُ إنْ حَصَلَتْ قَرِينَةٌ يُفْهَمُ مَعَها أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ حاجِزٍ عَنِ الآخَرِ مِثْلَ قَوْلِكَ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ سُمِّيَ إباحَةً وإنْ حَجَرَ فَهو لِأحَدِ الأمْرَيْنِ.

واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم وُقُوعَها في النَّهْيِ كَـ لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا إذا لَوِ انْتَهى عَنْ أحَدِهِما لَمْ يَمْتَثِلْ.

ومِن ثَمَّ حَمَلَها بَعْضُهم يَعْنِي أبا عُبَيْدَةَ عَلى أنَّها بِمَعْنى الواوِ والأوَّلُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها وإنَّما جاءَ التَّعْمِيمُ فِيها مِن وراءِ ذَلِكَ وهو النَّهْيُ الَّذِي فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ المَعْنى قَبْلَ وُجُودِ النَّهْيِ تُطِيعُ آثِمًا أوْ كَفُورًا أيْ واحِدًا مِنهُما، فَإذا جاءَ النَّهْيُ ورَدَ عَلى ما كانَ ثابِتًا في المَعْنى فَيَصِيرُ المَعْنى ولا تُطِعْ واحِدًا مِنهُما فَيَجِيءُ التَّعْمِيمُ فِيهِما مِن جِهَةِ النَّهْيِ وهي عَلى بابِها فِيما ذَكَرَ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِانْتِهاءُ عَنْ أحَدِهِما حَتّى يَنْتَهِيَ عَنْهُما بِخِلافِ الإثْباتِ فَإنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ انْتَهى.

وعَلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ إفادَةَ العُمُومِ في النَّفْيِ والنَّهْيِ الَّذِي في مَعْناهُ لَمّا أنْ تَقَيَّضَ الإيجابُ الجُزْئِيُّ السَّلْبَ الكُلِّيَّ.

وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ الزَّجّاجِ إنَّ ( أوْ ) هاهُنا أوْكَدُ مِنَ الواوِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ، فَإذا أبْدَلْتَها بَأْوْ فَقَدْ دَلَّلَتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ لِأنْ يُعْصى ويُعْلَمُ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ إطاعَتِهِما مَعًا كَما لا يَخْفى.

وأفادَ جارُ اللَّهِ أنَّ ( أوْ ) باقِيَةٌ عَلى حَقِيقَتِها وأنَّ النَّهْيَ عَنْ إطاعَتِهِما جَمِيعًا إنَّما جاءَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ وهي المُسَمّى مَفْهُومَ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ الأوَّلِيِّ والمُساوِيِّ فَتَأمَّلْ.

والمُرادُ بِالآثِمِ والكَفُورِ جِنْسُهُما وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الوَصْفَيْنِ لَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ في الإثْمِ والكُفْرِ لا فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ، والمُرادُ ولا تُطِعْ مُرْتَكِبَ الإثْمِ الدّاعِيَ لَكَ إلَيْهِ أوْ مُرْتَكِبَ الكُفْرِ الدّاعِيَ إلَيْهِ أيْ لا تَتْبَعْ أحَدًا مِنَ الآثِمِ إذا دَعاكَ إلى الإثْمِ، ومِنَ الكَفُورِ إذا دَعاكَ إلى الكُفْرِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لا تُطِعْ الظّالِمَ فُهِمَ مِنهُ لا تَتْبَعُهُ في الظُّلْمِ إذا دَعاكَ إلَيْهِ ومَنعُ هَذا الفَهْمِ مُكابَرَةٌ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاقْتِداءِ بِالفاسِقِ إذا صَلّى إمامًا ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ بِاعْتِبارِ ما يَدْعُوانِ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ المُقابِلِ لَهُ لا بِاعْتِبارِ الذَّواتِ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم آثِمًا وبَعْضُهم كَفُورًا فَيُقالُ: كَيْفَ ذَلِكَ وكُلُّهم كَفَرَةٌ والمُبالَغَةُ في «كَفُورٍ» قِيلَ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً  ﴾ واعْتِبارُ رُجُوعِها إلى النَّهْيِ كاعْتِبارِ رُجُوعِها إلى النَّفْيِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ كَما تَرى، وقِيلَ الآثِمُ المُنافِقُ والكَفُورُ المُشْرِكُ المُجاهِرُ.

وقِيلَ الآثِمُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما قالا لَهُ  : ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ فَنَزَلَتْ وقِيلَ الكَفُورُ أبُو جَهْلٍ والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ والأوْلى ما تَقَدَّمَ.

وفي النَّهْيِ مَعَ العِصْمَةِ إرْشادٌ لِغَيْرِ المَعْصُومِ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في الحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ وهي كيزان مدققة الرأس، لا عرى لها كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ يعني: في صفاء القارورة، وبياض الفضة.

وروي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا، فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائه، ولكن قوارير الجنة من فضة في صفاء القوارير، كبياض الفضة.

قرأ نافع، وعاصم، والكسائي سلاسلاً وقواريراً، كلهن بإثبات الألف والتنوين.

وقرأ حمزة بإسقاط الألف كلها، وكان أبو عمرو يثبت الألف في الأولى من قوارير، ولا يثبتها في الثانية.

قال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان،  الذي قال له مصحف الإمام قوارير بالألف، والثانية كان بالألف، فحكت ورأيت أثرها بيناً هناك، وأما السلاسل فرأيتها قد رست.

وقال بعض أهل اللغة: الأجود في العربية، أن لا ينصر فيه سلاسل وقوارير، لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان أو ثلاثة، أوسطها ساكن، فإنه لا ينصرف، فأما من صرفه ونون، فإنه رده إلى الأصل في الازدواج إذا وقعت الألف بغير تنوين ثم قال: قَدَّرُوها تَقْدِيراً يعني: على قدر كف الخدم، ويقال: على قدر كف المخدوم ولا يحجز، ويقال: على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه.

ويقال: على مقدار الذي لا يزيد ولا ينقص ليكون الري لشربهم وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً يعني: خمراً وشراباً كانَ مِزاجُها يعني: خلطها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وقال القتبي: والزنجبيل اسم العين، وكذلك السلسبيل ويقال: إن السلسبيل اللبن والزنجبيل طعمه، والعرب تضرب به المثل.

وقال مقاتل: إنما سمي السلسبيل، لأنها تسيل عليهم في الطريق وفي منازلهم، وقال أبو صالح: بلغني أن السلسبيل شديد الجرية.

وقال بعضهم: معناه كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عيناً فيها تسمى سلسبيلاً يعني: عيناً تسمى الزنجبيل وتم الكلام ثم قال: سلسبيلاً يعني: سل الله تعالى السبيل إليها.

قوله تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون، ويكونون على سن واحدة إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال قتادة: كثرتهم وحسنهم، كاللؤلؤ المنثور وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً يعني: إذا رأيت هناك ما في الجنة، رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً يعني: على رؤوسهم التيجان، كما يكون على رأس ملك من الملوك.

ويقال: وَمُلْكاً كَبِيراً يعني: لا يدخل رسول رب العزة، إلا بإذنهم.

ثم قال عز وجل: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ يعني: على ظهورهم ثياب سندس.

قرأ نافع، وحمزة بجزم الياء وكسر الهاء.

والباقون بنصب الياء وضم الهاء.

فمن قرأ بالجزم، فمعناه الذي يعلوهم، وهو اسم فاعل، من علا يعلو.

ومن قرأ بالنصب نصبه على الظرف، كما قال: فوقهم ثياب.

وروي عن ابن مسعود، أنه قرأ عاليتهم ثياب، يعني: الوجه الأعلى.

ثم قال: ثياب سندس، خضر بالكسر وَإِسْتَبْرَقٌ قرأ نافع، وعاصم في رواية حفص، خضر واستبرق كلاهما بالضم.

والباقون كلاهما بالكسر، فمن قرأ بالضم، لأنه نعت الثياب.

يعني: ثياباً خضراً.

ومن قرأ بالكسر، فهو نعت للسندس، ومن قرأ واستبرق بالضم، فهو نسق على الثياب.

ومعناه: عليهم سندس واستبرق، ومن قرأ بالكسر، يكون عليهم ثياب من هذين النوعين.

ثم قال عز وجل: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وهو جمع السوار وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً يعني: الذي سقاهم خدمهم.

ويقال: الذين يشربون من قبل أن يدخلوا الجنة.

ثم قال: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً يعني: الذي وصف لكم في الجنة، ثواباً لأعمالكم وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً يعني: عملكم مقبولاً.

يعني: يبشرون بهذا إذا أرادوا أن يدخلوا الجنة.

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا يعني: أنزلنا عليك القرآن تنزيلاً، يعني: إنزالاً فالمصدر للتأكيد.

ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: استقم على أمر الله تعالى ونهيه.

ويقال: اصبر على أذى الكفار.

وقال: على تبليغ الرسالة وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً آثماً يعني: فاجراً وهو الوليد بن المغيرة، أو كفوراً يعني: ولا كفوراً، وهو عتبة بن ربيعة.

قال للنبي  : إن فعلت هذا لأجل المال، فارجع حتى أدفع إليك من المال، ما تصير به أكثر مالاً من أهل مكة.

فنزلت هذه الآية وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً.

ثم قال عز وجل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ يعني: صلِ باسم ربك بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: بكرة وعشياً يعني: صلاة الفجر، وصلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ يعني: فصلِّ لله المغرب والعشاء وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا يعني: بعد المكتوبة، فهذا للنبي  خاصة.

ويقال له ولأصحابه: وهذا أمر استحباب، لا أمر وجوب.

ثم قال عز وجل: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: يختارون الدنيا وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يعني: يتركون العمل لما هو أمامهم يَوْماً ثَقِيلًا يعني: ليوم ثقيل وقال مجاهد: وراءهم يعني: خلفهم.

قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ يعني: قوينا خلقهم ليطيعوني، فلم يطيعوني.

ويقال: شددنا مفاصلهم بالعصب، والعروق والجلد، لكي لا ينقطع المفاصل وقت تحريكها.

ويقال: شددنا أسرهم، أي: قبلهم ودبرهم، لكي لا يسيل البول والغائط، إلا عند الحاجة وَإِذا شِئْنا يعني: إذا أردنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا يعني: أي نخلق خلقاً أمثل منهم، وأطوع لله إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: هذه السورة عظة لكم.

ويقال: هذه الآيات فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: فمن شاء أن يتعظ فليتعظ، فقد بينا له الطريق.

ثم قال عز وجل: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: إلا أن يشاء لكم فيوفقكم.

يعني: إن جاهدتم فيوفقكم كقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ [العنكبوت: 69] الآية.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو وَمَا يشاؤن بالياء على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يعني: كان عليماً قبل خلقكم، من يتخذ السبيل، ولم يشرك ويوحد حَكِيماً حكم بالبداية لمن كان أهلاً لذلك.

قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يعني: يكرم بالإسلام من كان أهلاً لذلك.

ويقال: يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رحمته، يعني: في نعمته وهي الجنة، في رحمته وفضله وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: يدخل الظالمين في عذاب أليم.

ويقال: يعذب الظالمين.

وقرئ في الشاذ والظالمون، وقراءة العامة والظالمين بالنصب.

ومعناه: ويعذب الظالمين، ويكون لهم عذاباً أليماً، تفسيراً لهذا المضمر.

والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وتعظيمُهم لهم، قال الثعلبيُّ: قَال محمد «١» بن علي الترمذي: يعني ملك التكوين إذا أرادوا شيئاً كان، انتهى.

ت: وجميع ما ذكر داخل في الملك/ الكبير، وقرأ نافع وحمزة: «عَالِيهِمْ» وقرأ الباقون «٢» : «عَالِيَهُمْ» بالنصب، والمعنى: فوقهم، قال الثعلبيُّ: وتفسير ابن عباس قال: أما رأيتَ الرجل عليه ثياب يعلوها أفضلُ منها «٣» ، انتهى، وقرأ حمزة والكسائيُّ:

«خُضْرٍ وَإسْتَبْرَقٍ» بالخفض فيهما «٤» ، وباقي الآية بيّن.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦)

وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ...

الآية تثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقوية لنفسه على أذى قريش، والآثم هنا هو الكفور، واللفظ أيضاً يقتضي نهيَ الإمام عن طاعة آثم من العُصَاةِ أو كفور باللَّه، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ:

بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أنْ يريد قول: سبحانَ اللَّهِ، قال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضاً ثم نُسِخَ «٥» ، وقال آخرون: هو مُحْكَمٌ على وجه الندب، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : أَمَّا قوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا فإنَّهُ عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يفعله كما تقدم، وقد يحتمل أنْ يكون هذا خطابا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد الجميعُ، ثم نُسِخَ عَنَّا، وبَقِيَ عليه صلّى الله عليه وسلّم، والأول أظهر، انتهى.

إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨)

وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ يعني كُفَّارَ قريشٍ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: الدنيا، واعلمْ أَنَّ حُبَّ الدنيا رأسُ كل خطيئة، وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وازهد فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» «١» رواه ابن ماجه وغيره بأسانيدَ حَسَنَةٍ، قال ابن الفاكهانيِّ: قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وأَمَّا الباعث على الزهد فخمسة أشياء:

أحدها: أنَّها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في أمر اللَّه تعالى.

والثاني: أَنَّها تنقص عند اللَّه/ درجات من ركن إليها.

والثالث: أَنَّ تركها قربة من اللَّه تعالى وعلُوُّ مرتبة عنده في درجات الآخرة.

والرابع: طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم.

والخامس: رضوان اللَّه تعالى والأمن من سخطه، وهو أكبرها قال الله عز وجل:

وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢] قال ابن الفاكهاني: ولو لم يكن في الزهد في الدنيا إلاَّ هذه الخصلة التي هي رضوانُ اللَّه تعالى- لكان ذلك كافياً-، فنعوذ باللَّه من إيثار الدنيا على ذلك، وقد قيل: من سُمِّيَ باسم الزهد فقد سُمِّيَ بألف اسم ممدوح، هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة، فالزُّهَّادُ هم الملوك في الحقيقة، وهم العقلاء لإيثارهم الباقي على الفاني، وقد قال الشافعية: لو أوصى لأعْقَل الناس صُرِفَ إلى الزهاد، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» ، ولفظ أبي الحسن الماوردِيِّ: وقد قيل: العاقل مَنْ عقل من اللَّه أمره ونهيه حتَّى قال أصحاب الشافعيِّ فيمن أوصى بثلث ماله: لأَعْقَلِ الناس أَنَّه يكون مصروفاً للزُّهَّادِ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل، انتهى، والأَسْر الخلقة واتساق الأعضاء والمفاصل، وعبارة البخاريِّ: أَسْرَهُمْ: شِدَّةُ الخلق، وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور، والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة، انتهى قال ع «٢» : ومن اللفظة: الإسارُ، وهو القيد الذي يُشَدُّ به الأسير، ثم تَوَعَّدَهُم سبحانه بالتبديل، وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على مُنْكِرِي البعث، أي: مَنْ هذه قدرته في الإيجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الإعادة؟!.

وقال الثعلبيُّ: بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا قال ابن عباس: يقول: أهلكناهم، / وجئنا بأطوعَ للَّهِ منهم، انتهى «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سُلاسِلًا ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، "سَلاسِلَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَقَفُوا بِألِفٍ.

ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو بِألِفٍ.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ: "سَلاسِلُ" و"قَوارِيرُ" أصْلُهُ أنْ لا يَنْصَرِفَ، ومَن صَرَفَهُ مِنَ القُرّاءِ، فَإنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ.

وقِيلَ: إنَّما صَرَفَهَ لِأنَّهُ وقَعَ في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَصَرَفَهُ لِاتِّباعِ خَطِّ المُصْحَفِ.

قالَ مُقاتِلٌ: السَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، والأغْلالُ في أيْدِيهِمْ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "السَّعِيرِ" في [النِّساءِ: ١٠] .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الأبْرارَ ﴾ واحِدُهم بَرٌّ، وبارٌّ، وهُمُ الصّادِقُونَ.

وقِيلَ: المُطِيعُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَّرَّ ﴿ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ ﴾ أيْ: مِن إناءٍ فِيهِ شَرابٌ ﴿ كانَ مِزاجُها ﴾ يَعْنِي: مِزاجَ الكَأْسِ ﴿ كافُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكافُورُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا في المُرادِ "بِالكافُورِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بَرْدُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: رِيحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: طَعْمُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي أنَّهُ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ أنَّ المَعْنى: مِزاجُها كالكافُورِ لِطِيبِ رِيحِهِ، أجازَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي المُفَسِّرَةُ لِلْكافُورِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: أعْنِي عَيْنًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِن عَيْنٍ، "يَشْرَبُ بِها" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَشْرَبُ مِنها.

والثّانِي: يَشْرَبُها، والباءُ صِلَةٌ.

والثّالِثُ: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ الخَمْرَ يَمْزُجُونَها بِها.

وفي هَذِهِ العَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الكافُورُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ.

والثّانِي: التَّسْنِيمُ، "وَعِبادُ اللَّهِ" ها هُنا: أوْلِياؤُهُ ﴿ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها إلى حَيْثُ شاؤُوا مِنَ الجَنَّةِ.

قالَ الفَرّاءُ: حَيْثُ ما أحَبَّ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَجَّرَها لِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فِيهِ إضْمارُ "كانُوا" يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ إذا نَذَرُوا في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: يُوفُونَ بِما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى "النَّذْرِ" في اللُّغَةِ: الإيجابُ.

فالمَعْنى: يُوفُونَ بِالواجِبِ عَلَيْهِمْ ﴿ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاشِيًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فاشِيًا مُنْتَشِرًا.

يُقالُ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ، واسْتَطارَ الفَجْرُ إذا انْتَشَرَ الضَّوْءُ.

وانْشُدُوا لِلْأعْشى: فَبانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا وَقالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّمَواتِ، فانْشَقَّتْ، وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ، وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الأرْضِ، ونُسِفَتِ الجِبالُ، وغارَتِ المِياهُ، وتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن جَبَلِ، وبِناءٍ، وفَشا شَرُّ يَوْمِ القِيامَةِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

آجَرَ نَفْسَهُ لِيَسْقِيَ نَخْلًا بِشَيْءٍ مِن شَعِيرٍ لَيْلَةً حَتّى أصْبَحَ.

فَلَمّا قَبَضَ الشَّعِيرَ طَحَنَ ثُلُثَهُ، وأصْلَحُوا مِنهُ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، فَلَمّا اسْتَوى أتى مِسْكِينٌ، فَأخْرَجُوهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الثّانِيَ، فَلَمّا تَمَّ أتى يَتِيمٌ، فَأطْعَمُوهُ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الباقِيَ، فَلَمّا اسْتَوى جاءَ أسِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأطْعَمُوهُ وطَوَوْا يَوْمَهم ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ صامَ يَوْمًا، فَلَمّا أرادَ أنْ يُفْطِرَ جاءَ مِسْكِينٌ، ويَتِيمٌ، وأسِيرٌ، فَأطْعَمَهم ثَلاثَةَ أرْغِفَةٍ، وبَقِيَ لَهُ ولِأهْلِهِ رَغِيفٌ واحِدٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى حُبِّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَرْجِعُ إلى الطَّعامِ، فَكَأنَّهم كانُوا يُؤْثِرُونَ وهم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الدّارانِيُّ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "المِسْكِينِ واليَتِيمِ" [البَقَرَةِ: ٨٣] .

وفي الأسِيرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأسِيرُ المُشْرِكُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: المَرْأةُ، قالَهُ أبُو حَمْزَةَ الثَّمالِيُّ.

والرّابِعُ: العَبْدُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ مَدْحَهم عَلى إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ.

قالَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، فَإنَّ في إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ ثَوابًا، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.

فَأمّا الفَرْضُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِطَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ.

قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أما إنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهَذا، ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَأثْنى بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ راغِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ﴾ أيْ: بِالفِعْلِ ﴿ وَلا شُكُورًا ﴾ بِالقَوْلِ ﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا ﴾ أيْ: ما في يَوْمٍ ﴿ عَبُوسًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَعْبَسُ فِيهِ الوُجُوهُ، فَجَعَلَهُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ ، أرادَ عاصِفِ الرِّيحِ.

فَأمّا "القَمْطَرِيرُ" فَرَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الطَّوِيلُ.

ورَوى عَنْهُ العَوْفِيُّ أنَّهُ قالَ: هو الَّذِي يَقْبِضُ فِيهِ الرَّجُلُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ اليَوْمُ مَوْصُوفًا بِما يَجْرِي فِيهِ، كَما قُلْنا في "العَبُوسِ" لِأنَّ اليَوْمَ لا يُوصَفُ بِتَقْبِيضِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "القَمْطَرِيرُ" الَّذِي يُقَلِّصُ الوُجُوهَ، ويَقْبِضُ الحَياةَ، وما بَيْنَ الأعْيُنِ مِن شِدَّتِهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ.

يُقالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، ويَوْمٌ قُماطِرُ.

وأنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمٌ قُماطِرُ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَبُوسُ، والقَمْطَرِيرُ، والقُماطِرُ، والعَصِيبُ، والعَصَبْصَبُ: أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ، وأطْوَلُهُ في البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴾ بِطاعَتِهِمْ في الدُّنْيا ﴿ وَلَقّاهم نَضْرَةً ﴾ أيْ: حُسْنًا وبَياضًا في الوُجُوهِ ﴿ وَسُرُورًا ﴾ لا انْقِطاعَ لَهُ.

وقالَ الحَسَنُ: النُّضْرَةُ في الوُجُوهِ، والسُّرُورُ في القُلُوبِ ﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا ﴾ عَلى طاعَتِهِ، وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿ جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ جَزاهم جَنَّةً في حالِ اتِّكائِهِمْ فِيها.

وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الكَهْفِ: ٣١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ﴾ فَيُؤْذِيهِمْ حَرُّها ولا ﴿ زَمْهَرِيرًا ﴾ وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ.

والمَعْنى: لا يَجِدُونَ فِيها الحَرَّ والبَرْدَ.

وحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ، وأنْشَدَ: ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ أيْ: لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدانِيَةً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً، ﴿ وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ﴾ ، أيْ: قَرِيبَةً مِنهم ظِلالُ أشْجارِها ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَمَّ أنْ يَتَناوَلَ مِن ثِمارِها تَدَلَّتْ إلَيْهِ حَتّى يَتَناوَلَ ما يُرِيدُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُرِّبَتْ إلَيْهِمْ مُذَلَّلَةً كَيْفَ شاؤُوا، فَهم يَتَناوَلُونَها قِيامًا، وقُعُودًا، ومُضْطَجِعِينَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ  ﴾ .

فَأمّا "الأكْوابُ" فَقَدْ شَرَحْناها في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿ كانَتْ قَوارِيرا ﴾ أيْ: تِلْكَ الأكْوابُ هي قَوارِيرُ، ولَكِنَّها مِن فِضَّةٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ فِضَّةَ الدُّنْيا حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ، لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، وقَوارِيرُ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ في صَفاءِ القارُورَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا عَلى التَّشْبِيهِ، المَعْنى: كَأنَّها مِن فِضَّةٍ، أيْ: لَها بَياضٌ كَبَياضِ الفِضَّةِ وصَفاءٌ كَصَفاءِ القَوارِيرِ.

وكانَ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَقْرَؤُونَ "قَوارِيرًا قَوارِيرًا" فَيَصِلُونَهُما جَمِيعًا بِالتَّنْوِينِ.

ويَقِفُونَ عَلَيْهِما بِالألِفِ.

وكانَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ يَصِلانِهِما جَمِيعًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفانِ عَلَيْهِما بِغَيْرِ ألِفٍ.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَصِلُ الأوَّلَ بِالتَّنْوِينِ، ويَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ الثّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ بِغَيْرِ ألِفٍ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "سَلاسِلَ" و"قَوارِيرَ قَوارِيرَ" يَصِلُ الثَّلاثَةَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ عَلى الثَّلاثَةِ بِالألِفِ.

وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ الأوَّلَ "قَوارِيرا" فَيَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ لا يُصْرَفَ "قَوارِيرَ" لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ يَأْتِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ لا يَنْصَرِفُ.

ومَن قَرَأ "قَوارِيرًا" يَصْرِفُ الأوَّلَ عَلّامَةَ رَأْسِ آيَةٍ، وتَرَكَ صَرْفَ الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ بِآخِرِ آيَةٍ.

ومَن صَرَفَ الثّانِيَ: أتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما قَلَبَتْ إعْرابَ الشَّيْءِ لِتُتْبِعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، كَما قالُوا: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.

وإنَّما الخَرِبُ مِن نَعْتِ الجُحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ "قُدِّرُوها" بِرَفْعِ القافِ، وكَسْرِ الدّالِ، وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ حُمَيْدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ﴿ قَدَّرُوها ﴾ بِفَتْحِ القافِ، والدّالِ، وتَخْفِيفِها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ، فَجاءَتْ عَلى ما قَدَّرُوا، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ الإناءُ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويُرِيدُونَهُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ.

والثّانِي: قَدَّرُوها عَلى مِقْدارٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُدِّرَ الكَأْسُ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ عَنْ رِيِّهِمْ فَيُثْقِلُ الكَفَّ، ولا يَنْقُصُ مِنهُ فَيَطْلُبُ الزِّيادَةَ، وهَذا ألَذُّ الشَّرابِ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في "قَدَّرُوا" لِلسُّقاةِ والخَدَمِ.

وعَلى الأوَّلِ لِلشّارِبِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيها ﴾ يَعْنِي في الجَنَّةِ ﴿ كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا ﴾ والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِالزَّنْجَبِيلِ والخَمْرِ مَمْزُوجَيْنِ.

قالَ المُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ يَصِفُ فَمَ امْرَأةٍ: فَكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةُ الخَمْرِ وَقالَ آخَرُ: كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِي ∗∗∗ لـَ باتا بِفِيها وأرْيًا مُشارا الأرْيُ: العَسَلُ.

والمُشارُ: المُسْتَخْرَجُ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: والزَّنْجَبِيلُ: اسْمُ العَيْنِ الَّتِي مِنها شَرابُ الأبْرارِ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: الزَّنْجَبِيلُ مُعَرَّبٌ.

وقالَ الدَّيْنُورِيُّ: يَنْبُتُ في أرْيافِ عَمّانَ، وهي عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ، ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ تُؤْكَلُ رُطَبًا، وأجْوَدُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الصِّينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيها طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في الكافُورِ.

وقِيلَ: شَرابُ الجَنَّةِ عَلى بَرْدِ الكافُورِ، وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ورِيحِ المِسْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا.

وسَلْسَبِيلٌ: اسْمُ العَيْنِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

وهو في اللُّغَةِ: صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ.

فَكَأنَّ العَيْنَ وُصِفَتْ وسُمِّيَتْ بِصِفَتِها.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ قِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ نَكِرَةٌ، فَلِذَلِكَ انْصَرَفَ.

وقِيلَ: هو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، إلّا أنَّهُ أُجْرِيَ، لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَدِيدَةُ الجَرْيَةِ.

وقِيلَ: سَلْسَبِيلٌ: سَلِسٌ ماؤُها، مُسْتَقِيدٌ لَهم.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: السَّلْسَبِيلُ صِفَةٌ لِلْماءِ، لِسَلَسِهِ وسُهُولَةِ مَدْخَلِهِ في الحَلْقِ.

يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ، وسَلْسالٌ، وسَلْسَبِيلٌ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّ عَلِيًّا قالَ: المَعْنى: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها، ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الواقِعَةِ: ١٧] ﴿ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ﴾ أيْ: في بَياضِ اللُّؤْلُؤِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظَرًا.

وإنَّما شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، لِانْتِشارِهِمْ في الخِدْمَةِ.

ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشَبَّهُوهُ بِالمَنظُومِ.

﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ رَأيْتَ نَعِيمًا ﴾ لا يُوصَفُ ﴿ وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: عَظِيمًا واسِعًا لا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا قَدَرُوا عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ إلّا بِاسْتِئْذانٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِيَهُمْ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وحَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الياءِ، وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، إلّا أنَّ الجُعْفِيَّ عَنْ أبِي بَكْرٍ قَرَأ "عالِيَتُهُمْ" بِزِيادَةِ تاءٍ مَضْمُومَةٍ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ "عَلَيْهِمْ" بِفَتْحِ اللّامِ، وإسْكانِ الياءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، ولا ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا تَفْسِيرُ إعْرابِ "عالِيهِمْ" بِإسْكانِ الياءِ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ الخَبَرُ"ثِيابُ سُنْدُسٍ" وأمّا "عالِيَهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: مِنَ الهاءِ والمِيمِ، والمَعْنى: يَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ عالِيًا لِلْأبْرارِ ثِيابُ سُنْدُسٍ، لِأنَّهُ وصَفَ أحْوالَهم في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ هَؤُلاءِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ.

المَعْنى: إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ.

وأمّا "عالِيَتُهُمْ" فَقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وهُما وجْهانِ جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّهُما يُخالِفانِ المُصْحَفَ، فَلا أرى القِراءَةَ بِهِما، وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ ﴿ "عالِيَهُمْ" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو "خُضْرٌ" رَفْعًا "وَإسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" كِلاهُما بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "خُضَرٍ وإسْتَبْرَقٍ" كِلاهُما بِالخَفْضِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "خُضْرٌ" بِالرَّفْعِ، فَهو نَعْتُ الثِّيابِ، ولَفْظُ الثِّيابِ لَفْظُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ "خُضْرٍ" فَهو مِن نَعْتِ السُّنْدُسِ، والسُّنْدُسُ في المَعْنى راجِعٌ إلى الثِّيابِ.

ومَن قَرَأ "وَإسْتَبْرَقٌ" فَهو نَسَقٌ عَلى "ثِيابٍ" المَعْنى: وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ.

ومَن خَفَضَ، عَطَفَهُ عَلى السُّنْدُسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: عَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.

وقَدْ بَيَّنّا في [الكَهْفِ ٣١] مَعْنى السُّنْدُسِ، والإسْتَبْرَقِ، والأساوِرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يُحْدِثُونَ ولا يَبُولُونَ عَنْ شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّانِي: لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ طاهِرَةٌ، ولَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ أبُو قُلابَةَ: يُؤْتَوْنَ بَعْدَ الطَّعامِ بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهُمْ، ويَفِيضُ مِن جُلُودِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: ما وصَفَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ "كانَ لَكم جَزاءً" بِأعْمالِكم "وَكانَ سَعْيُكُمْ" أيْ: عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَتِهِ "مَشْكُورًا" قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: شَكَرْتُكم عَلَيْهِ، وأُثِيبُكم أفْضَلَ الثَّوابِ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ أيْ: فَصَّلْناهُ في الإنْزالِ، فَلَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في مَواضِعَ [الطَّوْرِ: ٤٨،والقَلَمِ: ٤٨] .

والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ ﴿ آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ "أوْ" بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوِ الحَوايا  ﴾ .

وقَدْ سَبَقَ هَذا.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالآثِمِ والكَفُورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما صِفَتانِ لِأبِي جَهْلٍ.

والثّانِي: أنَّ الآثِمَ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

والثّالِثُ: الآثِمُ: الوَلِيدُ.

والكَفُورُ: عُتْبَةُ، وذَلِكَ أنَّهُما قالا لَهُ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ.

"واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ" أيِ: اذْكُرْهُ بِالتَّوْحِيدِ في الصَّلاةِ "بُكْرَةً" يَعْنِي: الفَجْرَ "وَأصِيلًا" يَعْنِي: العَصْرَ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ ﴾ يَعْنِي: المَغْرِبَ والعَشاءَ.

﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ وهِيَ: صَلاةُ اللَّيْلِ، كانَتْ فَرِيضَةً عَلَيْهِ، وهي لِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ "إنَّ هَؤُلاءِ" يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ أيِ: الدّارَ العاجِلَةَ، وهي الدُّنْيا ﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ ﴾ أيْ: أمامَهم ﴿ يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ أيْ: عَسِيرًا شَدِيدًا.

والمَعْنى: أنَّهم يَتْرُكُونَ الإيمانَ بِهِ، والعَمَلَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ ﴾ أيْ: خَلْقَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: امْرَأةٌ حَسَنَةُ الأسْرِ، أيْ: حَسَنَةُ الخَلْقِ، كَأنَّها أُسِرَتْ، أيْ: شُدَّتْ.

وأصْلُ هَذا مِنَ الإسارِ، وهُوَ: القَدُّ.

[الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ] يُقالُ: ما أحْسَنَ ما أسَرَ قَتَبَهُ، أيْ: ما أحْسَنَ ما شَدَّهُ [بِالقَدِّ] .

ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَفاصِلُهم.

وعَنِ الحَسَنِ قالَ: أوْصالُهم بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ "وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ" أيْ: إنْ شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ، فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في [المُزَّمِّلِ: ١٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ ﴾ إيجادَ السَّبِيلِ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ذَلِكَ لَكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وَما يَشاؤُونَ" بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الرَّحْمَةُ ها هُنا: الجَنَّةُ ﴿ والظّالِمِينَ ﴾ المُشْرِكُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ "الظّالِمِينَ" بِالجِوارِ.

المَعْنى: ولا يُدْخِلُ الظّالِمِينَ في رَحْمَتِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما نُصِبَ "الظّالِمِينَ" لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا.

المَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ لَهُمْ ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظّالِمُونَ" رَفْعًا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.

و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿ مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ  ﴾ ، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ.

"وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...

تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

من هنا يبتدئ ما لا خلاف في أنه مكي من هذه السورة.

وعلى كلا القولين فهذا استئناف ابتدائي، ويجيء على قول الجمهور أن السورة كلها مكية وهو الأرجح، أنه استئناف للانتقال من الاستدلال على ثبوت البعث بالحجّة والترهيب والوعيد للكافرين به والترغيب والوعد للمؤمنين به بمرهبّات ومرغّبات هي من الأحوال التي تكون بعد البعث، فلمّا استوفى ذلك ثُنِي عِنانُ الكلام إلى تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم والربطِ على قلبه لِدفاع أن تلحقه آثارُ الغمّ على تصلب قومه في كفرهم وتكذيبهم بما أُنزل عليه مما شأنه أن يوهن العزيمة البشرية، فذكَّره الله بأنه نزل عليه الكتاب لئلا يعبأ بتكذيبهم.

وفي إيراد هذا بعد طُول الكلام في أحوال الآخرة، قضاء لحق الاعتناء بأحوال الناس في الدنيا فابتدئ بحال أشرف الناس وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بحال الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين من ﴿ يحبون العاجلة ﴾ [الإنسان: 27] ومن ﴿ اتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ [الإنسان: 29] فأدخلهم في رحمته.

وتأكيد الخبر ب (إنَّ) للاهتمام به.

وتأكيد الضمير المتصل بضمير منفصل في قوله: ﴿ إنا نحن ﴾ لتقرير مدلول الضمير تأكيداً لفظياً للتنبيه على عظمة ذلك الضمير ليفضي به إلى زيادة الاهتمام بالخبر إذ يتقرر أنه فِعْلُ من ذلك الضميرَاننِ له لأنه لا يفعل إلا فعلاً منوطاً بحكمة وأقصى الصواب.

وهذا من الكناية الرمزية، وبعدُ فالخبر بمجموعه مستعمل في لازم معناه وهو التثبيت والتأييد فمجموعُه كناية ومزية.

وإيثار فعل ﴿ نزّلنا ﴾ الدال على تنزيله منجماً آياتتٍ وسُوراً تنزيلاً مفرقاً إدماجٌ للإِيماء إلى أن ذلك كان من حكمة الله تعالى التي أومأ إليها تأكيد الخبر ب (إن) وتأكيدُ الضمير المتصل بالضمير المنفصل، فاجتمع فيه تأكيد على تأكيد وذلك يفيد مُفاد القصر إذ ليس الحصر والتخصيصُ إلاّ تأكيداً على تأكيد كما قال السكاكي، فالمعنى: ما نزَّل عليك القرآن إلاّ أنا.

وفيه تعريض بالمشركين الذين قالوا: ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة ﴾ [الفرقان: 32] فجعلوا تنزيله مفرقاً شبهة في أنه ليس من عند الله.

والمعنى: ما أنزله منجّماً إلاّ أنا واقتضت حكمتي أن أنزله عليك منجّماً.

وفرع على هذا التمهيد أمره بالصبر على أعباء الرسالة وما يلقاه فيها من أذى المشركين، وشدُّ عزيمته أن لا تخور.

وسمى ذلك حكماً لأن الرسالة عن الله لا خيرة للمرسَل في قبولها والاضطلاععِ بأمورها، ولأن ما يحفّ بها من مصاعب إصلاح الأمة وحملِها على ما فيه خيرها في العاجل والآجل، وتلقي أصناف الأذى في خلال ذلك حتى يتمّ ما أمر الله به، كالحكم على الرسول بقبوللِ ما يبلغ منتهى الطاقة إلى أجللٍ معين عند الله.

وعدي فعل (اصبر) باللام لتضمن الصبر معنى الخضوع والطاعة للأمر الشاق، وقد يعدّى بحرف (على) كما قال تعالى: ﴿ واصبر على ما يقولون ﴾ [المزمل: 10].

ومناسبة مقام الكلام ترجح إحدى التعديتين كما تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولربك فاصبر ﴾ في سورة المدثر (7).

ولما كان من ضروب إِعراضهم عن قبول دعوته ضربٌ فيه رغبات منهم مثل أن يَترك قرعهم بقوارع التنزيل من تأفين رأيهم وتحقير دينهم وأصنامهم، وربما عرضوا عليه الصِهْر معهم، أو بذْلَ المال منهم، أُعقب أمره بالصبر على ما هو من ضروب الإِعراض في صلابة وشدة، بأن نهاه عن أن يطيعهم في الضرب الآخر من ضروب الإِعراض الواقع في قالَب اللين والرغبة.

وفي هذا النهي تأكيد للأمر بالصبر لأن النهي عنه يشمل كل ما يرفع موجبات الصبر المراد هنا.

والمقصود من هذا النهي تأييسهم من استجابته لهم حين يقرأ عليهم هذه الآية لأنهم يحسبون أن ما عرضوه عليه سيكون صارفاً له عما هو قائم به من الدعوة إِذْ هم بُعَداء عن إدراك ماهية الرسالة ونزاهة الرسول.

والطاعة: امتثال الطلب بفعل المطلوب وبالكف عن المنهي عنه فقد كان المشركون يعمدون إلى الطلب من النبي أن يفعل ما يرغبون، مثل طرد ضعفاء المؤمنين من المجلس، والإِتيان بقرآن غير هذا أو تبديله بما يشايع أحوالهم، وأن يكف عما لا يريدون وقوعه من تحقير آلهتهم، والجهرِ بصلاته، فحذره الله من الاستماع لقولهم وإياسهم من حصول مرغوبهم.

ومقتضى الظاهر أن يقول: ولا تطعهم، أو ولا تطع منهم أحداً، فعدل عنه إلى آثماً أو كفوراً} للإِشارة بالوصفين إلى أن طاعتهم تفضي إلى ارتكاب إثم أو كفر، لأنهم في ذلك يأمرونه وينهونه غالباً فهم لا يأمرون إلاّ بما يلائم صفاتهم.

فالمراد بالآثم والكفور: الصنفان من الموصوفين وتعليق الطاعة المنهي عنها بهذين النوعين مُشعر بأن الوصفين علة في النهى.

والآثِم والكفُور مُتَلازِمَاننِ فكان ذكر أحد الوصفين مغنياً عن الآخر ولكن جُمع بينهما لتشويه حال المتصف بهما قال تعالى: ﴿ والله لا يحب كل كفّار أثيم ﴾ [البقرة: 276].

وفي ذكر هذين الوصفين إشارة أيضًا إلى زعيمين من زعماء الكفر والعناد وهما عُتبة ابن ربيعة، والوليد بن المغيرة، لأن عتبة اشتهر بارتكاب المآثم والفسوق، والوليد اشتهر بشدة الشكيمة في الكفر والعتوّ.

وقد كانا كافرَيْن فأشير إلى كل واحد منهما بما هو علَم فيه بين بقية المشركين من كثرة المآثم لأولهما.

والمبالغةُ في الكفر لثانيهما، فلذلك صيغت له صيغة المبالغة (كَفور).

قيل عرض عتبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوة الناس إلى الإسلام ويزوجه ابنته وكانت من أجمل نساء قريش.

وعرض الوليد عليه أن يعطيه من المال ما يرضيه ويرجع عن الدعوة، وكان الوليد من أكثر قريش مالاً وهو الذي قال الله في شأنه: ﴿ وجعَلْتُ له مالاً ممدوداً ﴾ [المدثر: 12].

فيكون في إيثار هذين الوصفين بالذكر إدماج لذمهما وتلميح لقصتهما.

وأيَّامَّا كان فحرف ﴿ أو ﴾ لم يعْدُ أصل معناه من عطف تشريك أحد شيئين أو أشياء في خبر أو طَلب، وهذا التشريك يفيد تخييراً، أو إباحةً، أو تقسيماً، أو شكاً، أو تشكيكاً بحسب المواقع وبحسب عوامل الإِعراب، لتدخل ﴿ أو ﴾ التي تُضمر بعدها (أنْ) فتنصبُ المضارع.

وكون المشرَّك بها واحداً من متعدد مُلازم لمواقعها كلها.

فمعنى الآية نهي عن طاعة أحد هذين الموصوفين ويعلم أن طاعة كليهما منهي عنها بدلالة الفحوى لأنه إذا أطاعهما معاً فقد تحقق منه طاعة أحدهما وزيادة.

وموقع ﴿ منهم ﴾ موقعُ الحال من ﴿ آثماً ﴾ فإنه صفة ﴿ آثماً ﴾ فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالاً.

و (مِنْ) للتبعيض.

والضمير المجرور بها عائد للمشركين، ولم يتقدم لهم ذكر لأنهم معلومون من سياق الدعوة أو لأنهم المفهوم من قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ أي لا كما يزعم المشركون أنك جئت به من تلقاء نفسك، ومن قوله: ﴿ فاصبر لحكم ربك، ﴾ أي على أذى المشركين.

ويؤول المعنى: ولا تطع أحداً من المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَنى أبا جَهْلٍ، يُرِيدُ بِالآثِمِ المُرْتَكِبَ لِلْمَعاصِي، وبِالكَفُورِ الجاحِدَ لِلنِّعَمِ.

﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ يَعْنِي في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، فَفي أوَّلِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وفي آخِرِهِ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ.

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ ﴾ يَعْنِي صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ.

﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ يَعْنِي التَّطَوُّعَ مِنَ اللَّيْلِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ هو صَلاةٌ.

﴿ إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ في المُرادِ بِهِمْ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ وما كَتَمُوهُ مِن صِفَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ  وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ المُنافِقِينَ لِاسْتِبْطانِهِمُ الكُفْرَ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أخْذُ الرِّشا عَلى ما كَتَمُوهُ إذا قِيلَ إنَّهُمُ اليَهُودُ.

الثّانِي: طَلَبُ الدُّنْيا إذا قِيلَ إنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ إذا قِيلَ إنَّهُمُ اليَهُودُ.

الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ إذا قِيلَ إنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

فَعَلى هَذا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (ثَقِيلًا) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: شَدائِدُهُ وأحْوالُهُ.

الثّانِي: لِلْقِصاصِ مِن عِبادِهِ.

﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ ﴾ في أسْرِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَفاصِلَهم، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّانِي: خَلْقُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ قالَ لَبِيدٌ ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ الكِفْلِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، قالَ ابْنُ أحْمَرَ في وصْفِ فَرَسٍ يَمْشِي لِأوْظِفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ صُمُّ السَّنابِكِ لاتَّقى بِالجَدْجَدِ.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ حِينَ قابَلُوها بِالمَعْصِيَةِ.

الثّانِي: تَخْوِيفًا لَهم مِن سَلْبِ النِّعَمِ.

﴿ وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمْثالُ مَن كَفَرَ بِالنِّعَمِ وشَكَرَها.

الثّانِي: مَن كَفَرَ بِالرُّسُلِ بِمَن يُؤْمِنُ بِها.

﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ بِالمُرادِ بِـ(هَذِهِ) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هَذِهِ السُّورَةُ.

الثّانِي: هَذِهِ الخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ الإنْسانُ عَلَيْها.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (تَذْكِرَةٌ) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إذْكارُ ما غَفَلَتْ عَنْهُ عُقُولُهم.

الثّانِي: مَوْعِظَةٌ بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.

﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: طَرِيقًا إلى خَلاصِهِ.

الثّانِي: وسِيلَةً إلى جَنَّتِهِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ قال: حدثنا أنها نزلت في عدوّ الله أبي جهل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه أنه بلغه أن أبا جهل قال: لما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وهو يومئذ بمكة: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه.

فأنزل الله في ذلك ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ آثماً أو كفوراً ﴾ قال: كان أبو جهل يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فنهاه أن يطيعه، وفي قوله: ﴿ يوماً ثقيلاً ﴾ قال: عسراً شديداً.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وشددنا أسرهم ﴾ قال: خلقهم.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ وشددنا أسرهم ﴾ قال: هي المفاصل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع ﴿ وشددنا أسرهم ﴾ قال: مفاصلهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وشددنا أسرهم ﴾ قال: خلقهم، وفي قوله: ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قال: هذه السورة تذكرة والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ﴾ .

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله القدرية، وقد فعل لعن الله القدرية، وقد فعل.

لعن الله القدرية، وقد فعل.

ما قالوا كما قال الله؟

ولا قالوا كما قالت الملائكة، ولا قالوا كما قالت الأنبياء، ولا قالوا كما قالت أهل الجنة، ولا قالوا كما قالت أهل النار، ولا قالوا كما قال الشيطان.

قال الله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ﴾ وقالت الملائكة: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ [ البقرة: 32] وقالت الأنبياء في قصة نوح: ﴿ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ [ هود: 34] وقالت أهل الجنة: ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ [ الأعراف: 43] وقال أهل النار ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ [ المؤمنون: 106] وقال الشيطان: ﴿ رب بما أغويتني ﴾ [ الحجر: 39] » .

وأخرج ابن مردويه من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا خطب كل ما هو آت قريب، لا بعد لما يأتي، ولا يعجل الله لعجلة أحد، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً ويريد الله أمراً ما شاء الله كان، ولو كره الناس.

لا مباعد لما قرب الله ولا مقرب لما باعد الله.

لا يكون شيء إلا بإذن الله» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ﴾ مفعول رأيت محذوف ليكون الكلام على الاطلاق في كل ما يرى فيها، وثم ظرف مكان، وقال الفراء: تقديره إذا رأيت ما ثم فما مفعوله ثم حذفت، قال الزمخشري: وهذا خطاب لأن ثمَّ صلة لما، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة ﴿ وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ يعني كثرة ما أعطاهم الله، حتى إذا أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حسما ورد في الحديث وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ بسكون الياء مبتدأ خبره ﴿ ثِيَابُ سُندُسٍ ﴾ أي ما يعلوهم من الثياب ثيابُ سندس، وقُرئ عالِيَهم بالنصب على الحال، من الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم.

وقال ابن عطية: العامل فيه لقَّاهم أو جزاهم، وقال أيضاً يجوز أن ينتصب على الظرف لأن معناه فوقاهم، وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق وقرئ ﴿ خُضْرٌ ﴾ بالخفض صفة لسندس وبالرفع صفة لثياب ﴿ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ بالرفع عطف على ثياب، وبالخفض عطف على سندس ﴿ وحلوا ﴾ وزنه فعلوا معناه جعل لهم حلي ﴿ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل: كيف قال هنا أساور من فضة، وفي موضع أساور من ذهب؟

فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين، ويتحمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من فضة ومن ذهب معاً ﴿ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ أي ليس بنجس كحمر الدنيا.

وقيل معناه: أنه لم تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولاً ﴿ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ﴾ أي يقال لهم هذا يقوله الله تعالى والملائكة ﴿ آثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ أو هنا للتنويع، فالمعنى لا تطع النوعين، فاعلاً للإثم ولا كفوراً، وقيل: هي بمعنى الواو أي جامعاً للوصفين لأن هذه حالة الكفار، ورُوي أنه الآية نزلت في أبي جهل، وقيل: أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة، والأحسن أنها على العموم، لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصاً ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل: إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة صلاة الصبح، والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ سلاسلاً ﴾ بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام ﴿ سلاسل ﴾ في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف ﴿ قوارير قوارير ﴾ غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين.

الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف.

﴿ لؤلؤاً ﴾ بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزتين.

﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء ﴿ خضر واستبرق ﴾ بالرفع فيهما ﴿ وإستبرق ﴾ بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد.

الآخرون: بالخفض فيهما ﴿ وما يشاؤن ﴾ على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مذكوراً ﴾ ه ﴿ أمشاج ﴾ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن ﴿ نبتليه ﴾ صفة له لأنه حال من ﴿ خلقنا ﴾ أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في ﴿ نبتليه ﴾ واحد والأمشاخ جمع.

﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ كافوراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ عيناً ﴾ بدلاً ﴿ تفجيراً ﴾ ه ﴿ مستطيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ قمطريراً ﴾ ه ﴿ سروراً ﴾ ه ج ﴿ على الأرائك ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف ﴿ زمهريراً ﴾ ه ج لما يعرف في التفسير ﴿ تذليلاً ﴾ ه ﴿ كانت قوارير ﴾ ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ زنجبيلاً ﴾ ه ج لما مر في ﴿ كافوراً ﴾ ﴿ سلسبيلاً ﴾ ه ج ﴿ مخلدون ﴾ ه بناء على أن ﴿ حسبتهم ﴾ صفة الولدان والظرف عارض ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ واستبرق ﴾ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا ﴿ فضة ﴾ ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم ﴿ طهوراً ﴾ ه ط ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ أو كفوراً ﴾ ه ﴿ أصيلاً ﴾ ه ج لما ذكرنا ﴿ طويلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ أسرهم ﴾ ج ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أن يشاء الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن " هل " ههنا وفي " الغاشية " بمعنى " قد " وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع " هل " كقوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا *** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟

ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى.

فالإستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب فيكون حاصله أنه ﴿ أتى على الإنسان ﴾ قبل زمان قريب ﴿ حين من الدهر ﴾ وهو طائفة من الزمان غير محدود.

وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان ههنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئاً مذكوراً بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين.

ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير.

ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنساناً إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضاً عند الأكثرين.

ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة.

وقوله ﴿ لم يكن ﴾ محله رفع على أنه نعت ﴿ حين ﴾ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف.

وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة.

وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه.

قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعاً نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعاً، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين.

يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس.

والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماآن ماء الرجل.

وهو أبيض غليظ - وماء المرأة - وهو أصفر رقيق - والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فيمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة.

عن ابن مسعود: هي عروق النطفة.

وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الإبتلاء بعضهم بهذا الإنتقال ومنه قول ابن عباس ﴿ نبتليه ﴾ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة.

والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والإمتحان.

ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر.

وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حساً فقد علماً.

وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل: جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك.

والمعنى جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه.

ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلالة.

فقوله ﴿ شاكر أو كفوراً ﴾ حالان من مفعول ﴿ هدينا ﴾ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكراً أو كفوراً.

وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا.

وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة.

أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون " إما " في هذه الآية كما في قوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم  ﴾ والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً تارة كفوراً.

والمراد بالشكراً لإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة.

ويجز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقاً وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق.

قوله ﴿ سلاسل ﴾ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة.

قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضاً.

وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد لهذا جاز " صواحبات يوسف".

وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله ﴿ قوارير ﴾ فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار.

عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر ﴿ من كأس ﴾ أي إناء فيه الشراب.

وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور إسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.

والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذا العين قيل: " كان " زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكناه مسلوبة الدلالة على المضي كقوله ﴿ وكان الله عليماً حكيماً  ﴾ عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك.

وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور.

قال جار الله: فقوله ﴿ عيناً ﴾ على هذين القولين بدل من محل ﴿ كأس ﴾ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الإختصاص.

ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله  مخصوص في إصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط إستدلال المعتزلة بقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ كما مر في أول الزمر.

وإنما قال أولاً ﴿ يشربون من كأس ﴾ وآخراً ﴿ يشرب بها ﴾ لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى " مع " مثل " شربت الماء بالعسل" ﴿ يفجرونها ﴾ يجرونها حيث شاؤا من منازلهم ﴿ تفجيراً ﴾ سهلاً " قال مؤلف الكتاب": لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة.

والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك.

قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟

فأجاب بقوله ﴿ يوفون بالنذر ﴾ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليهأوفى.

ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي  ولا سيما في هذه الآي.

يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضاً فعادهما رسول الله  في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً.

فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه.

ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي  بيد الحسن والحسين إلى رسول الله  فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم.

وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.

ويروى أن السائل في اللياللي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله  .

ووصفهم الله  بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولاً في قوله ﴿ ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ﴾ أي مكروهه مستطيراً فاشياً منتشراً من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله منطار.والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفيس إلا نبينا محمد فإنه يقول " أمتي أمتي " والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.

ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على قال ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ وثانياً في قوله ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً ﴾ وإذا كان حال أهل بيت النبي  أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف.

وأما الضمير في ﴿ حبه ﴾ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله ﴿ وآتى المال على حبه  ﴾ وعنى المسكين واليتيم قد عرف مراراً، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة.

وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.

وسمى رسول الله  الغريم أسيراً فقال "غريمك أسيرك فأحسن أسيرك" وقد سمى الزوجة أسيراً فقال "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" أي أسراء.عنالحسن: كان رسول الله  يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.

وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات.

والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو إسترقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال.

ثم هذا الإطعام يجب أولاً على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين.

قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه.

ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان.

وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن.

يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه.

قوله ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ لرضاه خاصة.

ولا بد من إضمار القول.

ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعاً للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصاً لله.

ويجوز أن يكون بنطق الحال.

قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم.

وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله.

عن عائشة  ا أنها كانت تبعث بالصدقة إلى هل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً.

والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر.

قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ ظاهرة أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلاً لعدم إرادة المجازاة.

ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.

والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء.

يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.

والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية.

وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماض قائلاً ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ﴾ أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيراً في نفس الأمر مشتملاً على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود ﴿ ولقاهم ﴾ أعطاهم ﴿ نضرة ﴾ في الوجوه ﴿ سروراً ﴾ في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم ﴿ وجزاهم بما صبروا ﴾ على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع ﴿ جنة وحريراً ﴾ أي بستاناً فيه مأكل هنيّ ولباساً له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج ﴿ متكئين ﴾ نصب على الحال من مفعول ﴿ جزاهم ﴾ وقيل: على المدح.

وقيل: حال من الجنة.

وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم.

والزمهرير شدة البرد.

والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائداً، والمعنى أن هواءها معتدل.

وفي الحديث " "هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طير واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر.

قوله ﴿ ودانية ﴾ ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على ﴿ متكئين ﴾ كما تقول في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله ﴿ لا يرون ﴾ حالاً صارت الأحوال ثلاثاً والتقدير.

وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فهيا هواء مؤذياً ودانية عليهم الظلال.

ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الإجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والرد وبين الدنو من الظلال.

ويجوز أن يكون ﴿ دانية ﴾ معطوفاً على ﴿ جنة ﴾ لأنهم وصفوا بالخوف.

وقد قال  ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها.

وقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ من باب " علفتها تبناً وماء بارداً " وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريراً وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا.

وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم " حائط ذليل " إذا كان قصيراً قال البراء ابن عازب: من أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً ومضجعاً أمكنه.

وحين وصف طعامكم ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني.

ومعنى ﴿ قوارير من فضة ﴾ أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟

ومعنى كانت كما مر في قوله ﴿ كان مزاجها كافوراً ﴾ وقال في الكشاف: هو من قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.

والضمير في ﴿ قدروها ﴾ إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان.

وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض.

وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها.

قوله ﴿ ويسقون فيها كأساً ﴾ أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحت طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك.

قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم.

أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن.

وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة.

يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية.

ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة.

قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة.

والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسلة.

وقد نسب إلى علي بن أبي طالب  أن معناه سل سبيلاً إليها.

ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل " تأبط شراً " وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح.

وفي بعض شعر المتأخرين: سل سبيلاً فيها إلى راحة النف *** س براح كأنها سلسبيل والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في ﴿ سلاسلاً ﴾ على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية.

ثم وصف خدمهم بقوله ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ ويجوز أن يكون هذا بياناً للطائفين في قوله ﴿ ويطاف عليهم بآنية ﴾ وقد صرح به في الواقعة وزاد ههنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور.

يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله دّر أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: كأن صغرى وكبرى من فواقعها *** حصباء در على أرض من الذهب وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه  أو كل راء قائلاً ﴿ وإذا رأيت ﴾ قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما ﴿ ثم ﴾ كقوله ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ يريد ما بينكم.

وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والإكتفاء بالصلة.

والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكاً ليشيع ويعم.

والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لمي تعلق إدراكه إلا بنعيم ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ أي واسعاً هنيئاً.

و " ثم " ظرف مكان أشير به إلى الجنة.

روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام.

وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له.

وقيل: هو أنه إذا أراد شيءاً كان.

ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الإستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية.

وعن علي أنه قرأ ﴿ ملكاً كبيراً ﴾ بفتح الميم وكسر اللام هو الله.

من قرأ ﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ ﴿ وثياب سندس ﴾ خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبراً مقدماً.

ويجوز أن يكون نصباً على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسروراً.

حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.

أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.

ويحتمل أن يكون العامل ﴿ رأيت ﴾ والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.

من قرأ ﴿ خضر ﴾ بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالإستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.

وأما الرفع في ﴿ إستبرق ﴾ فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس.

وكلاهما ظاهر.

قوله ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال  في مواضع ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب  ﴾ وأساور الخدام من فضة.

وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال أيضاً فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع.

وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة.

وأيضاً فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون إستحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون إستحسانه لصفرة الذهب فالله  يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم.

وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة.

ثم ختم جزاء الأبرار بقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعاً لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.

وإما مبالغة مطهر.

قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجاً بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك.

وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزالالروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدراج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلاً ﴿ وسقاهم ربهم ﴾ ثم ختم وعدهم بقوله ﴿ إن هذا كان لكم جزاء ﴾ عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك.

وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله  لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع.

واعلم أنه  بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماآن ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلاً مختاراً صانعاً حكيماً.

ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلاً باطلاً ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس، ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكفر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال.

واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.

وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسماً لأن " ثم " تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجماً مفرقاً أقرب إلى تسلية النبي  وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصاً الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا.

أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه.

أما إذا توافقا فلا تخالفهما.

والجواب أنه لا ريب أن قولك " لا تضرب زيداً أن أو عمراً" معناه في الأظهر لا تضرب زيداً ولا عمراً.ويحتمل احتمالاً مرجوحاً " لا تضرب أحدهما واضرب الآخر" إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهياً عنه فكلاهما معاً أولى لأن زيادة الشرِّ شرٌّ.

ولهذا قال الفراء: لا تطع واحداً منهما سواء كان آثماً أو كفوراً.

ولو كان العطف بالواو كان نصاً في النهي عن طاعتهما معاً، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الإنفراد.

وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق.

والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر.

يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي  : اردع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً.

وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالاً.

فقرأ عليهم رسول الله من أول " حم السجدة " إلى قوله ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فانصرفا عنه.

وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.

وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقاً.

ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية.

أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر اله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله ﴿ ومن الليل فاسجد له ﴾ أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله ﴿ وسبحه ﴾ أي وتهجد له طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في " المزمل".

ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقراً إياهم قائلاً ﴿ إن هؤلاء يحبون ﴾ الدار ﴿ العاجلة ﴾ ونعيمها الزائل ﴿ ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ أي شديداً كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض  ﴾ ثم بين كمال قدرته قائلاً ﴿ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ﴾ أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقدر وبه سمى القد أسراً.

والمعنى ركبناهم تركيباً محكماً وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج ﴿ وإذا شئنا ﴾ أهلكناهم بالنفخة و ﴿ بدلنا أمثالهم ﴾ في شدة الأسر عند النفخة الثانية.

وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله ﴿ وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم  ﴾ ممن يطيع ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من " إذا" " وإن " حرف الشرط.

قلت: ما ذكره جار الله ليس طعناً في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن " إذا" لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى.

أما الإهلاك على سبيل الإستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالإعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك.

قوله ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قد مر في " المزمل " والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلاً بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري.

وفي قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق.

وانتصب ﴿ الظالمين ﴾ بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً ﴾ : قيل: فرقنا عليك القرآن تفريقا، والحكمة من التفريق ما ذكر في آية أخرى في القرآن، وهو قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ ، فأخبر أن في التفريق تثبيتا؛ فيكون الناس له أوعى وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة.

ثم أضاف التنزيل إلى نفسه هاهنا، وأضاف إلى جبريل -  - في قوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأضافه إلى نفسه، وقال: ﴿ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ  ﴾ .

فهذا كله على مجاز الكلام ليس على الحقيقة؛ فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما إليه أوجه، وإلى ما يستجيز الناس من التعامل فيما بينهم بذلك الكلام، فإذا قيل: هذا في اللوح، فهم به، وأريد منه: أنه مكتوب فيه، وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ معناه: حتى يسمع كلاما يدله على كلام الله  لا أن يكون ذلك كلامه.

وأضافه إلى جبريل -  - لأنه من فيه تلقاه، لا أن يكون ذلك الكلام جبريل،  .

ثم قد ذكرنا الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا الفصل الكافيَ منه.

ثم جائز أن يكون التفريق؛ لمكان أتباع رسول الله  ، [ليس] لمكانه؛ لأن الله -  - يسر على نبيه حفظه؛ حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه [جبريل] -  - بما يقرؤه عليه مرة واحدة.

وقيل له: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الآية [القيامة: 16]؛ فضمن له الحفظ؛ فأمن النسيان، فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة؛ فأنزل مفرقا، ليكونوا أقدر على حفظه؛ ولهذا ما كثر حفاظ القرآن في هذه الأمة، وكثر قراؤها، وكثر فقهاء هذه الأمة؛ لأن القرآن أنزل مفرقا على أثر النوازل؛ فعرفوا مواقع النزول؛ فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات؛ لمعرفتهم النوازل والمسنوخ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ والمنسوخ؛ فأنزل الله -  - مفرقا؛ ليكونوا بعلم الناسخ والمنسوخ والله أعلم.

ولأنه إذا أنزل مفرقا، كانوا إليه أشوق، وأرغب منه إذا أنزل جملة واحدة؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ...

﴾ الآية [محمد: 20]، فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تتنزل عليهم سورة، وإن كانوا قد أنزلت إليهم سورة من قبل.

وفيه - أيضا - تخويف للمنافقين؛ كما قال الله -  -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ ؛ فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا من الفوائد والمنافع للمؤمنين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ .

فيه أنه ابتلاه بما تكرهه نفسه، ويشتد عليها، حتى دعاه إلى الصبر؛ لأن المرء لا يدعى إلى الصبر على النعم واللذات، وإنما يدعا إليه إذا ابتلي بالمكاره البليّات، وقد صبر -  - على المكاره؛ لأنه أمر بمضادة الجن والإنس؛ فانتصب لهم حتى آذوه كل الأذى، وهموا بقتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ : كأنه قال: ولا تطع من دعاك إلى ما تأثم فيه، أو يكون كفورا.

أو لا تجب الآثم أو الكفور إلى ما يدعوك إليه.

وقوله -  -: ﴿ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ ﴾ : يحتمل: واذكر باسم ربك.

أو صل باسم ربك؛ كقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ  ﴾ .

أو يقول: اذكر اسم ربك، أي: كن ذاكرا له في كل وقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ : البكرة: تحتمل صلاة الصبح، والأصيل: يحتمل صلاة الظهر والعصر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾ : تحتمل صلاة الليل النوافل إن كان قوله: ﴿ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ في صلاة الفرائض، وإن لم يكن في ذلك؛ فيكون كأنه قال: واذكر ربك في كل وقت بالليل والنهار.ط أو يقول: فليكن اسم ربك مذكورا؛ حتى لا تخلو ساعة من هذه الساعات إلا وهو مذكور فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾ : حب العاجلة مما طبع به الخلائق؛ لأن كل طبع على حب الانتفاع والتمتع بالشيء؛ فلا يلحقهم الذم بحب ما طبعوا عليه وأنشئوا، ولكن إنما يلحق الذم من أحب الدنيا واختارها وآثرها على غير الذي جعلت الدنيا وأسست؛ فالدنيا إنما أسست، وجعلت؛ ليكتسب بها نعيم الآخرة والحياة الدائمة اللذيذة؛ فمن أحب لهذا، فهو لا يلحقه بذلك ذم، ولا تعييرا؛ ومن أحبها وآثرها لها، واكتسبها لها، فهو المذموم، وأولئك كانوا مختلفين في ذلك، لم يكونوا على فن واحد.

منهم من حمله حبه الدنيا على إنكار وحدانية الله -  - وألوهيته.

ومنهم من حمله حبه إياها على تكذيب الرسل والتعادي لهم، ومكابرة الحق.

ومنهم من حمله حبه إياها على إنكار البعث والجزاء لما عملوا.

ومنهم من حمله حبه الدنيا على التفريق بين الرسل، أنكروا بعضا، وصدقوا بعضا.

تولد من حبهم إياها ما ذكرنا؛ فلحقهم الذم لذلك، وكذلك ما ذكر من الإنفاق في الدنيا حيث قال: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...

﴾ الآية [آل عمران: 117]، فمن أنفق [من] هذه الدنيا لها؛ فتكون نفقته ما ذكر؛ لأنه أنفق لغير ماجعلت له النفقة؛ فكان ما ذكر؛ فعلى ذلك من أحب الدنيا، واختارها للدنيا لا لاكتساب ما ذكرنا من النعم اللذيذة الدائمة والحياة الباقية التي لا انطقاع لها، كان على ما ذكر.

ثم إذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وراءها، وإذا ذكرت الآخرة على أثر ذكر الإنسان قيل: أمامه؛ لأن الإنسان يقبل إليها؛ فيكون ذلك أمامه وقدامه؛ وأما عند ذكر الدنيا قيل: وراءها؛ لأنها تخلفها، وكل من خلف آخر يكون بعده ووراءه؛ لأنه يكون عند فوت الآخر؛ لذلك كان ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ﴾ : رجع إلى الاحتجاج عليهم لما أنكروا، يقول: يعلمون أنا خلقناهم بدءا، ونحن شددنا أسرهم؛ أي: قوتهم.

أو نحن: شددنا خلقتهم، ونحن وصلنا جوارحهم المتفرقة ومفاصلهم المتشتتة بعضها إلى بعض، ونحن نبدل أمثالهم إن شئنا، فما بالهم ينكرون قدرتنا على البعث والإعادة بعد الموت؟!

يقول: من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء، وهو على البعث أقدر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ﴾ : يذكر بعد هذا إن شاء الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ ، يحتمل ﴿ هَـٰذِهِ ﴾ ، أي: هذه السورة؛ لأنه ذكر في أولها ابتداء إنشائهم وخلقهم، وآخرها إعادتهم، وفي خلال [ذلك] جزاء صنيعهم الذي صنعوا؛ فيكون في ذلك تذكرة لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ ، أي: الأنباء التي ذكرت في القرآن، أو هذه المواعظ تذكرة لما لهم وما عليهم، أو تذكرة لما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: قد مكن كلا أن يتخذ سبيلاً إلى ربه، أي: لا شيء يمنعه [عن اتخاذ السبيل إلى ربه إذا شاء، لكن من لم يتخذ إنما لا يتخذ؛ لأنه لم يشأ] أن يتخذ سبيلا؛ وإلا قد مكن له ذلك.

والثاني: يقول: من شاء اتخاذ السبيل، فليتخذ السبيل إلى ربه، على ما يذكر على الاستقصاء بعد هذا، إن شا ء الله  .

ثم [قوله -  -]: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : يقول - والله أعلم -: من شاء اتخاذ السبيل إلى ربه لا يتخذ إلا أن يشاء الله أن يتخذ السبيل إلى ربه، فعند ذلك يتخذ، وهذا على المعتزلة لأنهم يقولون: إن الله  قد شاء لجميع الخلائق أن يتخذوا إلى ربهم سبيلا، لكنهم شاءوا ألا يتخذوا إلى ربهم سبيلا؛ فلم يتخذوا، وقد أخبر أنهم لا يشاءون اتخاذ السبيل إليه، ولا يتخذون إلا أن يشاء الله لهم اتخاذ السبيل فعند ذلك يتخذون ما ذكر، ويشاءون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ : إن الله -  - لم يزل عليما بصنع خلقه من التكذيب له والتصديق، [و] من الطاعة له والمعصية، أي: على علم منه بصنيعهم أنشأهم وخلقهم، حكيما في فعله ذلك وخلقه إياهم على ماعلم منهم بكون الآية إنما خلقهم وأنشأهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لمنافع ترجع إليه، أو لمضار يدفع عن نفسه؛ فخلقه إياهم وبعثه الرسل إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد لا يخرج فعله عن الحكمة والحق؛ بل يكون حكيما في ذلك، وأما من يبعث الرسول في الشاهد، إلى من يعلم أنه يكذبه، ويرد رسالته وهديته، ويستخف به - سفه ليس بحكمة؛ لأنه إنما يرسل الرسل ويبعث هديته؛ لمنافع تكون للمرسل؛ فعلمه بما يكون منه سفه ليس بحكمه؛ لذلك افترقا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ : هذا على المعتزلة - أيضا - لأنه ذكر أنه يدخل من يشاء في رحمته، وهم يقولون: قد شاء أن يدخل كلا من في رحمته؛ لأنه شاء إيمان كل منهم، والله  أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته؛ دل ذلك على أنه لم يشأ أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الضلال؛ ولكن إنما شاء أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الهدى، فأما من علم منه اختيار غيره، فلا يحتمل أن يشاء ذلك له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : أي: وشاء - أيضا - من علم منه الضلال أن يعد له عذابا أليما.

وفي حرف ابن مسعود، وأبي وحفصة -  م -: (يختص برحمته من يشاء)، وهذا الحرف تفسير تأويل الآية.

ويحتمل أن يكون رحمته هاهنا: هي الهدى وسبيل الله  .

ويحتمل أن يكون رحمته هي جنته؛ سميت: رحمة؛ لأنه برحمته ما يدخلها أهل الإيمان، [والله  أعلم بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاصبر لما يحكم به الله قدرًا أو شرعًا، ولا تطع آثمًا فيما يدعو له من الإثم، ولا كافرًا فيما يدعو إليه من الكفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.mARe8"

مزيد من التفاسير لسورة الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله