الإسلام > القرآن > سور > سورة 76 الإنسان > الآية ٨ من سورة الإنسان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 140 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة الإنسان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ويطعمون الطعام على حبه ) قيل : على حب الله تعالى .
وجعلوا الضمير عائدا إلى الله عز وجل لدلالة السياق عليه .
والأظهر أن الضمير عائد على الطعام ، أي : ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له ، قاله مجاهد ومقاتل ، واختاره ابن جرير ، كقوله تعالى : ( وآتى المال على حبه ) [ البقرة : 177 ] ، وكقوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) [ آل عمران : 92 ] .
وروى البيهقي ، من طريق الأعمش ، عن نافع قال : مرض ابن عمر فاشتهى عنبا - أول ما جاء العنب - فأرسلت صفية - يعني امرأته - فاشترت عنقودا بدرهم ، فاتبع الرسول السائل ، فلما دخل به قال السائل : السائل .
فقال ابن عمر : أعطوه إياه ، فأعطوه إياه .
ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودا فاتبع الرسول السائل ، فلما دخل قال السائل : السائل ، فقال ابن عمر : أعطوه إياه ، فأعطوه إياه ، فأرسلت صفية إلى السائل ، فقالت : والله إن عدت لا تصيب منه خيرا أبدا .
ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به .
وفي الصحيح : " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح ، شحيح ، تأمل الغنى ، وتخشى الفقر " أي : في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ; ولهذا قال تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) أما المسكين واليتيم ، فقد تقدم بيانهما وصفتهما .
وأما الأسير : فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك : الأسير : من أهل القبلة .
وقال ابن عباس : كان أسراؤهم يومئذ مشركين .
ويشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى ، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء ، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة .
وقد وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء في غيرما حديث ، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " .
وقال عكرمة : هم العبيد - واختاره ابن جرير - لعموم الآية للمسلم والمشرك .
قال مجاهد : هو المحبوس ، أي : يطعمون لهؤلاء الطعام وهم يشتهونه ويحبونه
وقوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ) يقول تعالى ذكره: كان هؤلاء الأبرار يطعمون الطعام على حبهم إياه، وشهوتهم له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ) قال: وهم يشتهونه.
&; 24-97 &; حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو العريان، قال: سألت سليمان بن قيس أبا مقاتل بن سليمان، عن قوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ) قال: على حبهم للطعام.
وقوله: ( مِسْكينًا ) يعني جلّ ثناؤه بقوله مسكينا: ذوي الحاجة الذين قد أذلتهم الحاجة، ( ويَتِيمًا ) وهو الطفل الذي قد مات أبوه ولا شيء له ( وأسِيرًا ) : وهو الحربيّ من أهل دار الحرب يُؤخذ قهرا بالغلبة، أو من أهل القبلة يُؤخذ فيُحبس بحقّ، فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقرّبا بذلك إلى الله وطلب رضاه، ورحمة منهم لهم.
واختلف أهل العلم في الأسير الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: بما حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) قال: لقد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وأسِيرًا ) قال: كان أسراهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحقّ أن تطعمه.
قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي عمرو أن عكرِمة قال في قوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) زعم أنه قال: كان الأسرى في ذلك الزمان المشرك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا أشعث، عن الحسن ( وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) قال: ما كان أسراهم إلا المشركين.
وقال آخرون: عني بذلك: المسجون من أهل القبلة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الأسير: المسجون.
حدثني أبو شيبة بن أبي شيبة، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثني أبي عن حجاج، قال: ثني عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبير في قوله الله: ( مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) من أهل القبلة وغيرهم، فسألت عطاء، فقال مثل ذلك.
حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا يحيى - يعني: ابن عيسى - عن سفيان، &; 24-98 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وأسِيرًا ) قال: الأسير،: هو المحبوس.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير، والأسير الذي قد وصفت صفته؛ واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين، وقد عمّ الخبر عنهم أنهم يطعمونهم فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له.
وأما قول من قال: لم يكن لهم أسير يومئذ إلا أهل الشرك، فإن ذلك وإن كان كذلك، فلم يخصص بالخبر الموفون بالنذر يومئذ، وإنما هو خبر من الله عن كلّ من كانت هذه صفته يومئذ وبعده إلى يوم القيامة، وكذلك الأسير معنيّ به أسير المشركين والمسلمين يومئذ، وبعد ذلك إلى قيام الساعة.
قوله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه قال ابن عباس ومجاهد : على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له .
وقال الداراني : على حب الله .
وقال الفضيل بن عياض : على حب إطعام الطعام .
وكان الربيع بن خثيم إذا جاءه السائل قال : أطعموه سكرا فإن الربيع يحب السكر .مسكينا أي ذا مسكنة .
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هو الطواف يسألك مالك ويتيما أي من يتامى المسلمين .
وروى منصور عن الحسن : أن يتيما كان يحضر طعام ابن عمر ، فدعا ذات يوم بطعامه ، وطلب اليتيم فلم يجده ، وجاءه بعدما فرغ ابن عمر من طعامه فلم يجد الطعام ، فدعا له بسويق وعسل ; فقال : دونك هذا ، فوالله ما غبنت ; قال الحسن وابن عمر : والله ما غبن .
وأسيرا أي الذي يؤسر فيحبس .
فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم .
وقال قتادة .
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : الأسير هو المحبوس .
وكذا قال سعيد بن جبير وعطاء : هو المسلم يحبس بحق .
وعن سعيد بن جبير مثل قول قتادة وابن عباس .
قال قتادة : لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم ، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك ، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه .
وقال عكرمة : الأسير العبد .
وقال أبو حمزة الثمالي : الأسير المرأة ، يدل عليه قوله - عليه السلام - : استوصوا بالنساء خيرا [ ص: 115 ] فإنهن عوان عندكم أي أسيرات .
وقال أبو سعيد الخدري : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا فقال : " المسكين الفقير ، واليتيم الذي لا أب له ، والأسير المملوك والمسجون " ذكره الثعلبي .
وقيل : نسخ إطعام المسكين آية الصدقات ; وإطعام الأسير آية السيف ; قاله سعيد بن جبير .
وقال غيره : بل هو ثابت الحكم ، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع ، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلا أن يتخير فيه الإمام .
الماوردي : ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل ; لأنه في أسر خبله وجنونه ، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام ; وهذا بر وإحسان .
وعن عطاء قال : الأسير من أهل القبلة وغيرهم .قلت : وكأن هذا القول عام يجمع جميع الأقوال ، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى ، غير أنه من صدقة التطوع ، فأما المفروضة فلا .
والله أعلم .
ومضى القول في المسكين واليتيم والأسير ، واشتقاق ذلك من اللغة في ( البقرة ) مستوفى والحمد لله .
{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم { مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } .
"ويطعمون الطعام على حبه"، أي على حب الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه.
وقيل: على حب الله عز وجل، "مسكيناً"، فقيراً لا مال له، "ويتيماً"، صغيراً لا أب له "وأسيراً"، قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو المسجون من أهل القبلة.
وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك.
وقيل: الأسير المملوك.
وقيل: المرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" أي أسراء.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً.
وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، فقبض الشعير فطحن ثلثه فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه، فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه.
«ويطعمون الطعام على حبه» أي الطعام وشهوتهم له «مسكينا» فقيرا «ويتيما» لا أب له «وأسيرا» يعني المحبوس بحق.
هذا الشراب الذي مزج من الكافور هو عين يشرب منها عباد الله، يتصرفون فيها، ويُجْرونها حيث شاؤوا إجراءً سهلا.
هؤلاء كانوا في الدنيا يوفون بما أوجبوا على أنفسهم من طاعة الله، ويخافون عقاب الله في يوم القيامة الذي يكون ضرره خطيرًا، وشره فاشيًا منتشرًا على الناس، إلا مَن رحم الله، ويُطْعِمون الطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه، فقيرًا عاجزًا عن الكسب لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، وطفلا مات أبوه ولا مال له، وأسيرًا أُسر في الحرب من المشركين وغيرهم، ويقولون في أنفسهم: إنما نحسن إليكم ابتغاء مرضاة الله، وطلب ثوابه، لا نبتغي عوضًا ولا نقصد حمدًا ولا ثناءً منكم.
إنا نخاف من ربنا يومًا شديدًا تَعْبِس فيه الوجوه، وتتقطَّبُ الجباه مِن فظاعة أمره وشدة هوله.
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى فقال : ( وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) .أى : أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضاً أنهم يطعمون الطعام مع حب هذا الطعام لديهم ، ومع حاجتهم إليه واشتهائهم له .ومع كل ذلك فهم يقدمونه للمسكين ، وهو المحتاج إلى غيره لفقره وسكونه عن الحركة .
.
ولليتيم : وهو من فقد أباه وهو صغير ، وللأسير : وهو من أصبح أمره بيد غيره ، وخص الإِطعام بالذكر : لما فى تقديمه من كرم وسخاء وإيثار ، لا سيما مع الحاجة إليه ، كما يشعر به قوله - تعالى - ( على حُبِّهِ ) أى : على حبهم لذلك الطعام ، وقيل الضمير فى قوله ( على حُبِّهِ ) يعود إلى الله - عز وجل - أى : يطعمون الطعام على حبهم له - تعالى .والأولى أولى .ويؤيده قوله - تعالى - ( لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) و " على " هنا بمعنى مع ، والجملة فى محل نصب على الحال .
أى : حالة كونهم كائنين على حب هذا الطعام .وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر ، لأنهم أولى الناس بالرعاية والمساعدة .وقد ذكروا فى سبيل نزول هذه الآية ، والآيتين اللتين يعدها ، روايات منها ، أنها نزلت فى الإِمام على وزوجه فاطمة - رضى الله عنهما - .قال القرطبى - بعد أن ذكر هذه الروايات - : والصحيح أنها نزلت فى جميع الأبرار ، وفى كل من فعل فعلا حسنا ، فهى عامة .
.
اعلم أن مجامع الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله تعالى، وإليه الإشارة بقول: ﴿ يُوفُونَ بالنذر ﴾ والشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام ﴾ وهاهنا مسائل.
المسألة الأولى: لم يذكر أحد من أكابر المعتزلة، كأبي بكر الأصم وأبي علي الجبائي وأبي القاسم الكعبي، وأبي مسلم الأصفهاني، والقاضي عبد الجبار بن أحمد في تفسيرهم أن هذه الآيات نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام، والواحدي من أصحابنا ذكر في كتاب البسيط أنها نزلت في حق علي عليه السلام، وصاحب الكشاف من المعتزلة ذكر هذه القصة، فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحسن والحسين عليهما السلام مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما، إن شفاهما الله تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صائمين، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي عليه السلام بيد الحسن والحسين ودخلوا على الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: «ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم» وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: خذها يا محمد هنّاك الله في أهل بيتك فأقرأها السورة والأولون يقولون: إنه تعالى ذكر في أول السورة أنه إنما خلق الخلق للابتلاء والامتحان، ثم بين أنه هدى الكل وأزاح عللهم ثم بين أنهم انقسموا إلى شاكر وإلى كافر ثم ذكر وعيد الكافر ثم أتبعه بذكر وعد الشاكر فقال: ﴿ إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ ﴾ وهذه صيغة جمع فتتناول جميع الشاكرين والأبرار، ومثل هذا لا يمكن تخصيصه بالشخص الواحد، لأن نظم السورة من أولها إلى هذا الموضع يقتضي أن يكون هذا بياناً لحال كل من كان من الأبرار والمطيعين، فلو جعلناه مختصاً بشخص واحد لفسد نظم السورة والثاني: أن الموصوفين بهذه الصفات مذكورون بصيغة الجمع كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا ﴾ وهكذا إلى آخر الآيات فتخصيصه بجمع معنيين خلاف الظاهر، ولا ينكر دخول علي بن أبي طالب عليه السلام فيه، ولكنه أيضاً داخل في جميع الآيات الدالة على شرح أحوال المطيعين، فكما أنه داخل فيها فكذا غيره من أتقياء الصحابة والتابعين داخل فيها، فحينئذ لا يبقى للتخصيص معنى ألبتة، اللهم إلا أن يقال: السورة نزلت عند صدور طاعة مخصوصة عنه، ولكنه قد ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المسألة الثانية: الذين يقولون: هذه الآية مختصة بعلي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: المراد من قوله: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ هو ما رويناه أنه عليه السلام أطعم المسكين واليتيم والأسير، وأما الذين يقولون الآية عامة في حق جميع الأبرار (فإنهم) قالوا: إطعام الطعام كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعينه، ووجه ذلك أن أشرف أنواع الإحسان هو الإحسان بالطعام وذلك لأن قوام الأبدان بالطعام ولا حياة إلا به، وقد يتوهم إمكان الحياة مع فقد ما سواه، فلما كان الإحسان لا جرم عبر به عن جميع وجوه المنافع والذي يقوي ذلك أنه يعبر بالأكل عن جميع وجوه المنافع، فيقال: أكل فلان ماله إذا أتلفه في سائر وجوه الإتلاف، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: إن الله تعالى وصف هؤلاء الأبرار بأنهم يواسون بأموالهم أهل الضعف والحاجة، وأما قوله تعالى: ﴿ على حُبّهِ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون الضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونظيره ﴿ وَآتَى المال على حُبِّهِ ﴾ ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم على ما قال: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ والثاني: قال الفضيل بن عياض على حب الله أي لحبهم لله: واللام قد تقام مقام على، وكذلك تقام على مقام اللام، ثم إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم، وهم ثلاثة أحدهم: المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه والثاني: اليتيم وهو الذي مات كاسبه فيبقى عاجزاً عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه والثالث: الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوك (ه) رقبته الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلة، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا هم الذين ذكرهم في قوله: ﴿ فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ وقد ذكرنا اختلاف الناس في المسكين قبل هذا، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إنه الأسير من المشركين، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق، ولا يمتنع أيضاً أن يكون المراد هو الأسير كافراً كان أو مسلماً، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الإسلام أولى، فإن قيل: لما وجب قتله فكيف يجب إطعامه؟
قلنا: القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل ثم هذا الإطعام على من يجب؟
فنقول: الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين.
وثانيها: قال السدي: الأسير هو المملوك.
وثالثها: الأسير هو الغريم قال عليه السلام: غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك.
ورابعها: الأسير هو المسجون من أهل القبلة وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير، وروى ذلك مرفوعاً من طريق الخدري أنه عليه السلام قال: ﴿ مِسْكِيناً ﴾ فقيراً ﴿ وَيَتِيماً ﴾ لا أب له ﴿ وَأَسِيراً ﴾ قال المملوك: المسجون.
وخامسها: الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج، قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم أعوان».
قال القفال: واللفظ يحتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له، ثم سمي بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى الحبس.
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن لهم فيه غرضين أحدهما: تحصيل رضا الله.
وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ والثاني: الاحتراز من خوف يوم القيامة وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ قَمْطَرِيراً ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا: هذه الأشياء باللسان، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعاً لأولئك المحتاجين عن المجازاة بمثله أو بالشكر، لأن إحسانهم مفعول لأجل الله تعالى فلا معنى لمكافأة الخلق، وإما أن يكون لأجل أن يصير ذلك القول تفقيهاً وتنبيهاً على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله حتى يقتدي غيرهم بهم في تلك الطريقة.
وثانيها: أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك.
وثالثها: أن يكون ذلك بياناً وكشفاً عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئاً.
وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى عليهم.
المسألة الثانية: اعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل الله تعالى، وتارة يكون لغير الله تعالى إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمد وثناء وتارة يكون لهما وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند الله تعالى، وأما القسمان الباقيان فمردودان قال تعالى: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس ﴾ وقال: ﴿ وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكواة تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هم المضعفون ﴾ ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى.
إذا عرفت هذا فنقول: القوم لما قالوا: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ بقي فيه احتمال أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله: ﴿ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً ﴾ .
المسألة الثالثة: الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر، وهو على وزن الدخول والخروج، هذا قول جماعة أهل اللغة، وقال الأخفش: إن شئت جعلت الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقول: ﴿ فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُورًا ﴾ مثل برد وبرود وإن شئت مصدراً واحداً في معنى جمع مثل قعد قعوداً وخرج خروجاً.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم والثاني: أنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، فإن قيل: إنه تعالى حكى عنهم الإيفاء بالنذر وعلل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين بطلب رضاء الله وبالخوف عن القيامة فما السبب فيه؟
قلنا: الإيفاء بالنذر دخل في حقيقة طلب رضاء الله تعالى، وذلك لأن النذر هو الذي أوجبه الإنسان على نفسه لأجل الله فلما كان كذلك لا جرم ضم إليه خوف القيامة فقط، أما الإطعام، فإنه لا يدخل في حقيقة طلب رضا الله، فلا جرم ضم إليه طلب رضا الله وطلب الحذر من خوف القيامة.
المسألة الخامسة: وصف اليوم بالعبوس مجازاً على طريقتين أحدهما: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم: نهارك صائم، روي أن الكافر يحبس حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران والثاني: أن يشبه في شدته وضراوته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.
المسألة السادسة: قال الزجاج: جاء في التفسير أن قمطريراً معناه تعبيس الوجه، فيجتمع ما بين العينين، قال: وهذا سائغ في اللغة يقال: اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها يعني أن معنى قمطر في اللغة جمع، وقال الكلبي: قمطريراً يعني شديداً وهو قول الفراء وأبي عبيدة والمبرد وابن قتيبة، قالوا: يوم قمطرير، وقماطر إذا كان صعباً شديداً أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، قال الواحدي: هذا معنى والتفسير هو الأول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأبرار ﴾ جمع برّ أو بارّ، كرب وأرباب، وشاهد وأشهاد.
وعن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذرّ والكأس: الزجاجة إذا كانت فيها خمر، وتسمى الخمر نفسها: كأساً ﴿ مِزَاجُهَا ﴾ ما تمزج به ﴿ كَافُوراً ﴾ ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده.
و ﴿ عَيْناً ﴾ بدل منه.
وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك.
وقيل: تخلق فيها رائحة الكافور وبياضه وبرده، فكأنها مزجت بالكافور.
و ﴿ عَيْناً ﴾ على هذين القولين: بدل من محل ﴿ مِن كَأْسٍ ﴾ على تقدير حذف مضاف، كأنه قيل: يشربون فيها خمراً خمر عين.
أو نصب على الاختصاص.
فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أوّلاً، وبحرف الإلصاق آخراً؟
قلت: لأنّ الكأس مبدأ شربهم وأوّل غايته؛ وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكان المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل ﴿ يُفَجّرُونَهَا ﴾ يجرونها حيث شاؤا من منازلهم ﴿ تَفْجِيرًا ﴾ سهلا لا يمتنع عليهم ﴿ يُوفُونَ ﴾ جواب من عسى، يقول: ما لهم يرزقون ذلك، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات؛ لأنّ من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى ﴿ مُسْتَطِيراً ﴾ فاشياً منتشراً بالغاً أقصى المبالغ، من استطار الحريق، واستطار الفجر.
وهو من طار، بمنزلة استنفر من نفر ﴿ على حُبِّهِ ﴾ الضمير للطعام، أي: مع اشتهائه والحاجة إليه.
ونحوه ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ [البقرة: 177] ، ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92] ، وعن الفضيل بن عياض: على حب الله ﴿ وَأَسِيراً ﴾ عن الحسن: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه؛ فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه.
وعند عامة العلماء: يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات وعن قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه.
وعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة، وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.
وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الغريم أسيراً، فقال «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك» ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ ﴾ على إرادة القول.
ويجوز أن يكون قولا باللسان منعاً لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر؛ لأن إحسانهم مفعول لوجه الله؛ فلا معنى لمكافأة الخلق.
وأن يكون قولهم لهم لطفاً وتفقيها وتنبيهاً، على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل الرسول ما قالوا؟
فإذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً عند الله.
ويجوز أن يكون ذلك بياناً وكشفاً عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئاً.
وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم فأثنى عليهم.
والشكور والكفور: مصدران كالشكر والكفر ﴿ إِنَّا نَخَافُ ﴾ يحتمل أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم، لا لإرادة مكافأتكم؛ وإنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة.
ووصف اليوم بالعبوس.
مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم: روي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل: والقمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.
قال الزجاج: يقال: اقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها فاشتقه من القطر وجعل الميم مزيدة.
قال أسد بن ناعصة.
واصطليت الْحُرُوبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ ** بَاسِلَ الشَّرِّ قَمْطَرِيرَ الصَّبَاحِ <div class="verse-tafsir"
﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما رُزِقُوهُ لِأجْلِهِ كَأنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، وهو أبْلَغُ في وصْفِهِمْ بِالتَّوَفُّرِ عَلى أداءِ الواجِباتِ لِأنَّ مَن وفى بِما أوَجَبَهَ عَلى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعالى كانَ أوْفى بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.
﴿ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ ﴾ شَدائِدُهُ.
﴿ مُسْتَطِيرًا ﴾ فاشِيًا مُنْتَشِرًا غايَةَ الِانْتِشارِ مِنِ اسْتَطارَ الحَرِيقُ والفَجْرُ، وهو أبْلَغُ مِن طارَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ واجْتِنابِهِمْ عَنِ المَعاصِي.
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ حُبِّ اللَّهِ تَعالى أوِ الطَّعامِ أوِ الإطْعامِ.
﴿ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا ﴾ يَعْنِي أُسَراءَ الكُفّارِ فَإنَّهُ كانَ يُؤْتى بِالأسِيرِ فَيَدْفَعُهُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: «أحْسِنْ إلَيْهِ»، أوِ الأسِيرِ المُؤْمِنِ ويَدْخُلُ فِيهِ المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ، وَفِي الحَدِيثِ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ».» <div class="verse-tafsir"
{وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ} أي حب الطعام مع الاشتهاء والحاجة إليه أو على حب الله مسكينا فقيرا عاجزا من الاكتساب {ويتيما} صغيرا لا اب ل {وأسيرا} مأسورا مملكوكا أو غيره ثم عللوا إطعامهم فقالوا
﴿ ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ أيْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ الطَّعامِ أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ فَهو مِن بابِ التَّتْمِيمِ ويُجاوِبُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أوْ عَلى حُبِّ الإطْعامِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطِيبِ نَفْسٍ وعَدَمِ تَكَلُّفٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ وهو حَسَنٌ أوْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى أوْ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّهِ تَعالى ولِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ.
فَعَلى حُبِّهِ مِن بابِ التَّكْمِيلِ وزَيَّفَهُ بَعْضُهم وقالَ الأوَّلُ هو الوَجْهُ ويُجاوِبُهُ القُرْآنُ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْدُ غَنِيَّةٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ وفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَعَلَّهُ الأنْسَبُ لِذاكَ، وذِكْرُ الطَّعامِ مَعَ أنَّ الإطْعامَ يُغْنِي عَنْهُ لِتَعْيِينِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ، ولِأنَّ الطَّعامَ كالعِلْمِ فِيما فِيهِ قِوامُ البَدَنِ واسْتِقامَةُ البِنْيَةِ وبَقاءُ النَّفْسِ فَفي التَّصْرِيحِ بِهِ تَأْكِيدٌ لِفَخامَةِ فِعْلِهِمْ عَلى الأخِيرَيْنِ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ عَلى الأوَّلِ أيْضًا ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِإطْعامِ الطَّعامِ حَقِيقَتُهُ.
وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ فَكَأنَّهُ يَنْفَعُونَ بِوُجُوهِ المَنافِعِ ﴿ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا ﴾ قِيلَ أيَّ أسِيرٍ كانَ، فَعَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ كانَ يُؤْتى بِالأسِيرِ فَيَدْفَعُهُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: «أحْسِنْ إلَيْهِ» فَيَكُونُ عِنْدَهُ اليَوْمَيْنِ والثَّلاثَةَ فَيُؤْثِرُهُ عَلى نَفْسِهِ» .
وقالَ قَتادَةُ: كانَ أسِيرُهم يَوْمَئِذٍ المُشْرِكَ وأخُوكَ المُسْلِمُ أحَقُّ أنْ تُطْعِمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا صَدَرَ النَّبِيُّ بِالأسارى مِن بَدْرٍ أنْفَقَ سَبْعَةً مِنَ المُهاجِرِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ والزُّبَيْرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَعْدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَلى أسارى مُشْرِكِي بَدْرٍ، فَقالَتْ الأنْصارُ: قَتَلْناهم في اللَّهِ وفي رَسُولِهِ وتُعِينُونَهم بِالنَّفَقَةِ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ تِسْعَةَ عَشْرَةَ آيَةً ﴿ إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ » [الإنْسانِ: 5- 18] فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْعامَ الأسارى وإنْ كانُوا مَن أهْلِ الشِّرْكِ حَسُنٌ ويُرْجى ثَوابُهُ، والخَبَرُ الأوَّلُ قالَ ابْنُ حَجْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ مَن يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ الحَدِيثِ.
وقالَ ابْنُ العِراقِيِّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، والخَبَرُ الثّانِي لَمْ أرَهُ لِفَرْدٍ غَيْرِ ابْنِ عَساكِرَ ولا وُثُوقَ لِي بِصِحَّتِهِ وهو يَقْتَضِي مَدَنِيَّةَ هَذِهِ الآياتِ وقَدْ عَلِمْتَ الخِلافَ في ذَلِكَ نَعَمْ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ يَجُوزُ الإحْسانُ إلى الكُفّارِ في دارِ الإسْلامِ ولا تُصْرَفُ إلَيْهِمُ الواجِباتُ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ: هو الأسِيرُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ.
قالَ الطِّيبِيُّ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا اتَّفَقَ الإطْعامُ في دارِ الحَرْبِ مِنَ المُسْلِمِ لِأسِيرٍ في أيْدِيهِمْ.
وقِيلَ هو الأسِيرُ المُسْلِمُ تُرِكَ في بِلادِ الكُفّارِ رَهِينَةً وخَرَجَ لِطَلَبِ الفِداءِ.
ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ أنَّهم قالُوا: هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْعامَ أهْلِ المَحْبُوسِ المُسْلِمِينَ حَسَنٌ، وقَدْ يُقالُ: لا يَحْسُنُ إطْعامُ المَحْبُوسِ لِوَفاءِ دَيْنٍ يَقْدِرُ عَلى وفائِهِ إنَّما امْتَنَعَ عَنْهُ تَعَنُّتًا ولِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ النَّفْسانِيَّةِ.
وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ هو المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ وتَسْمِيَةُ المَسْجُونِ أسِيرًا مَجازٌ لِمَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ، وأمّا تَسْمِيَةُ المَمْلُوكِ فَمَجازٌ أيْضًا لَكِنْ قِيلَ بِاعْتِبارِ ما كانَ وقِيلَ بِاعْتِبارِ شَبَهِهِ بِهِ في تَقْيِيدِهِ بِأسارِ الأمْرِ وعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن فِعْلِ ما يَهْوى وعَدُّ الغَرِيمِ أسِيرًا لِقَوْلِهِ : «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» .
وهُوَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إلّا أنَّهُ قِيلَ في هَذا الخَبَرِ ما قِيلَ في الخَبَرِ الأوَّلِ وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: هي الزَّوْجَةُ وضَعْفُهُ هاهُنا ظاهِرٌ.
<div class="verse-tafsir"
وهي إحدى وثلاثون آية مدنية قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ يعني: قد أتى على أدم حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ يعني: أربعين سنة لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً يعني: لم يدر ما اسمه، ولا ما يراد به إلا الله تعالى.
وذلك أن الله تعالى، لما أراد أن يخلق آدم، أمر جبريل- -، أن يجمع التراب فلم يقدر.
ثم أمر إسرافيل فلم يقدر، ثم أمر عزرائيل عليهم السلام، فجمع التراب من وجه الأرض، فصار التراب طيناً، ثم صار صلصالاً، وكان على حاله أربعين سنة، قبل أن ينفخ فيه الروح.
وروى معمر، عن قتادة قال: كان آدم آخر ما خلق من الخلق، خلق كل شيء قبل آدم.
ثم قال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ يعني: مختلطاً ماء الرجل وماء المرأة، لا يكون الولد إلا منهما جميعاً.
ماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة أصفر رقيق نَبْتَلِيهِ يعني: لكي نبتليه بالخير والشر فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً يعني: جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى، وبصراً يبصر به الهدى.
وقال مقاتل: في الآية تقديم، يعني: جعلناه سميعاً بصيراً، يعني: جعلنا له سمعاً لنبتليه، يعني: لنختبره.
قوله عز وجل: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ يعني: بينا له، وعرفناه طريق الخير وطريق الكفر.
ويقال: سبيل السعادة والشقاوة إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً يعني: إما أن يكون موحداً، وإما أن يكون جاحداً لوحدانية الله تعالى.
ويقال: إما شاكراً لنعمه، وإما كفوراً لنعمه.
ثم بين ما أعد للكافرين فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ يعني: في الآخرة سَلاسِلَ وَأَغْلالًا يعني: هيئنا لهم أغلالاً، تغل بها أيمانهم إلى أعناقهم وَسَعِيراً يعني: وقوداً.
ثم بين ما أعد للشاكرين فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ يعني: الصادقين في إيمانهم يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ يعني: من خمر كانَ مِزاجُها كافُوراً يعني: على برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل ليس ككافور الدنيا ولا كمسكها ولكنه وصف بها حتى يهتدى به القلوب أو يقال: الكافور اسم عين في الجنة يمزج بها الخمر عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يعني: عين الكافور يشرب بها أولياء الله تعالى في الجنة يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يعني: يمزجونها تمزيجاً.
وقال ابن عباس: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً في قصورهم وديارهم، وذلك، أن عين الكافور، يشرب بها المقربون صرفاً غير ممزوج، ولغيرهم ممزوجاً.
ويقال: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يعني: يفجرون تلك العين في الجنة كيف أحبوا، كما يفجر الرجل النهر الذي يكون له في الدنيا هاهنا، وهاهنا حيث شاء.
ثم بين أفعالهم في الدنيا فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني: يتمون الفرائض.
ويقال: أوفوا بالنذر وَيَخافُونَ يَوْماً وهو يوم القيامة كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً يعني: عذابه فاشياً ظاهراً، وهو أن السموات قد انشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفارت المياه ثم قال عز وجل: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ يعني: على قلته وشهوته وحاجته مِسْكِيناً وهو الطائف بالأبواب وَيَتِيماً وَأَسِيراً يعني: من أسر من دار الشرك.
ويقال: أهل اليمن.
وذكر أن الآية نزلت في شأن علي بن أبي طالب، وفاطمة- ما وكانا صائمين فجاءهما سائل وكان عندهما قوت يومهما فأعطيا السائل بعض ذلك الطعام ثم جاءهما يتيم فأعطياه من ذلك الطعام ثم جاءهما أسير فأعطياه الباقي فمدحهما الله تعالى لذلك، ويقال: نزلت في شأن رجل من الأنصار ثم قال عز وجل: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ يعني: ينوون بأدائهم، ويضمرون في قلوبهم وجه الله تعالى.
ويقولون: لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً يعني: لا نريد منكم مكافأة في الدنيا، ولا ثوابا في الآخرة إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً يعني: العبوس الذي تعبس فيه الوجوه، من هول ذلك اليوم، والقمطرير الشديد العبوس.
ويقال: عبوساً، أي: يوم يعبس فيه الوجوه، فجعل عبوساً من صفة اليوم.
كما قال: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [إبراهيم: 18] أراد عاصف الريح والقمطرير الشديد.
يعني: ينقبض الجبين وما بين الأعين، من شدة الأهوال.
ويقال: قمطريراً نعت ليوم.
ويقال: يوم قمطرير، إذا كان شديداً.
يعني: يوماً شديداً صعبا.
ثم قال عز وجل: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ يعني: دفع الله عنهم عذاب ذلك اليوم وَلَقَّاهُمْ يعني: أعطاهم نَضْرَةً حسن الوجوه وَسُرُوراً يعني: فرحاً في قلوبهم قوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا يعني: أعطاهم الثواب بما صبروا في الدنيا جَنَّةً وَحَرِيراً يعني: لباسهم فيها حرير.
ويقال: بما صبروا على الطاعات.
ويقال: على المصائب.
وقوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ فِيها يعني: ناعمين في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ يعني: على السرر، وفي الجمال واحدها أريكة لاَ يَرَوْنَ فِيها شَمْساً يعني: لا يصيبهم فيها حر الشمس وَلا زَمْهَرِيراً يعني: ولا برد الشتاء.
ثم قال عز وجل: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها يعني: قريبة عليهم ظلال الشجر.
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا يعني: قربت ثمارها ويقال سخرت قطوفها يعني: مجنى ثمرها تذليلاً يعني: قريباً ينالها القاعد والقائم.
وروى بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أرض الجنة من فضة، وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وفضة، وأغصانها لؤلؤ وزبرجد، والورق والثمر تحت ذلك، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه، ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه.
ثم قرأ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا وقال أهل اللغة.
ذللت أي: أدنيت منهم، من قولك: حائط ذليل إذا كان قصير السمك.
والقطوف والثمرة واحدها قطف، وهو نحو قوله تعالى: قُطُوفُها دانِيَةٌ [الحاقة: 23] .
<div class="verse-tafsir"
الأمشاج لفظٌ/ مفرد، وليس يُجْمَعُ، بدليل أَنَّه وقع صفةً للمفرد، وهو قوله: نُطْفَةٍ، انتهى.
نَبْتَلِيهِ أي: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من الضمير في خَلَقْنَا كأَنَّه قال: مختبرين له بذلك.
وقوله تعالى: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً عَطْفُ جملة نِعَم على جملة نِعَمٍ، وقيل:
المعنى: فلنبتليه جعلناه سميعاً بصيراً وهَدَيْناهُ: يحتمل: أنْ يكون بمعنى أرشدناه، ويحتمل: أنْ يكون بمعنى أريناه، وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وعبارة الثَّعْلَبِيِّ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بَيَّنَا له وَعَرَّفْنَاهُ طريقَ الهدى والضلال، والخير والشر كقوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] انتهى.
وقوله تعالى: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان، وقسمتهما إِمَّا، والْأَبْرارَ:
جمع بَارٍّ قال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ، ولا يرضون الشرَّ «١» ، قال قتادة: نعم قوم يمزجُ لهم بالكافور، ويُخْتَمُ لهم بالمسك «٢» ، قال الفرَّاء: يقال إِنَّ في الجنة عينا تسمى كافورا.
وقوله تعالى: عَيْناً قيل: هو بدل من قوله: كافُوراً وقيل: هو مفعول بقوله:
يَشْرَبُونَ أي: ماءُ هذه العين من كأس عَطِرَةٍ كالكافور، وقيل: نصب عَيْناً على المدح أو بإضمار «أعني» .
قوله تعالى: يَشْرَبُ بِها بمنزلة [يشربها] ، فالباء زائدة قال الثعلبيُّ: قال الواسطي: لَمَّا اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم في الآخرة، انتهى.
قال- ص-: وقيل: الباء في بِها للإلصاق والاختلاط، أي: يشرب بها عباد اللَّه الخمرَ كما تقول: شَرِبْتُ الماءَ بالعسل، انتهى.
وقوله تعالى: يُفَجِّرُونَها معناه: يفتقونها ويقودونها حيث شاؤوا/ من منازلهم
وقصورهم، فهي تجري عند كُلِّ أحد منهم، ورُدَّ بهذا الأثر، وقيل: عين في دار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تفجر إلى دُورِ الأنبياء والمؤمنين قال ع «١» : وهذا قول حسن، ثم وصف تعالى حال الأبرار فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي: ممتدًّا مُتَّصِلاً شائعاً.
وقوله تعالى: عَلى حُبِّهِ يحتمل أنْ يعودَ الضمير على الطعام، وهو قول ابن عباس «٢» ، ويحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تعالى قاله أبو سليمان الدَّارانيُّ «٣» .
وقوله: وَأَسِيراً قال الحسن: ما كان أسراهم إلاَّ مشركين لأَنَّ في كل ذي كبد رطبة أجراً «٤» .
ت: وفي «العتبيةِ» سُئِلَ مالك عن الأسير في هذه الآية أمسلم هو أم مشرك، فقال: بل مشرك، وكان ببدر أسارى، فأنزلت فيهم هذه الآية فقال ابن رشد: والأظهر حمل الآية على كل أسير، مسلماً كان أو كافراً، انتهى يعني: وإنْ كان سبب نزولها ما ذكر فهي عامَّةٌ في كُلِّ أسير إلى يوم القيامة، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: قال النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم:
«مِسْكِيناً [قال:] فَقِيراً وَيَتِيماً قال: لا أَبَ لَهُ وَأَسِيراً قال: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» «٥» ، وأسند القُشَيْرِيُّ في رسالته عن مالك، عن نافع، عنِ ابن عمر، عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ، وَمِفْتَاحُ الجَنَّةِ حُبُّ المَسَاكِينِ، والفُقَرَاءُ الصُّبَّرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٦» انتهى.
وروى الترمذيُّ عن أنس أَنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللَّهُمَّ، أحْيِنِي مِسْكِيناً، وأَمِتْنِي مِسْكِيناً، واحشرني في زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!
قالَ: إنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً، / يَا عَائِشَةُ، لاَ تَرُدِّي الْمِسْكِينَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّي المَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قال أبو عيسى:
هذا حديث غريب «٧» ، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ( إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سُلاسِلًا ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، "سَلاسِلَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَقَفُوا بِألِفٍ.
ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو بِألِفٍ.
قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ: "سَلاسِلُ" و"قَوارِيرُ" أصْلُهُ أنْ لا يَنْصَرِفَ، ومَن صَرَفَهُ مِنَ القُرّاءِ، فَإنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ.
وقِيلَ: إنَّما صَرَفَهَ لِأنَّهُ وقَعَ في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَصَرَفَهُ لِاتِّباعِ خَطِّ المُصْحَفِ.
قالَ مُقاتِلٌ: السَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، والأغْلالُ في أيْدِيهِمْ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "السَّعِيرِ" في [النِّساءِ: ١٠] .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الأبْرارَ ﴾ واحِدُهم بَرٌّ، وبارٌّ، وهُمُ الصّادِقُونَ.
وقِيلَ: المُطِيعُونَ.
وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَّرَّ ﴿ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ ﴾ أيْ: مِن إناءٍ فِيهِ شَرابٌ ﴿ كانَ مِزاجُها ﴾ يَعْنِي: مِزاجَ الكَأْسِ ﴿ كافُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الكافُورُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا في المُرادِ "بِالكافُورِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بَرْدُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: رِيحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: طَعْمُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي أنَّهُ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ أنَّ المَعْنى: مِزاجُها كالكافُورِ لِطِيبِ رِيحِهِ، أجازَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي المُفَسِّرَةُ لِلْكافُورِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: أعْنِي عَيْنًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِن عَيْنٍ، "يَشْرَبُ بِها" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَشْرَبُ مِنها.
والثّانِي: يَشْرَبُها، والباءُ صِلَةٌ.
والثّالِثُ: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ الخَمْرَ يَمْزُجُونَها بِها.
وفي هَذِهِ العَيْنِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الكافُورُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ.
والثّانِي: التَّسْنِيمُ، "وَعِبادُ اللَّهِ" ها هُنا: أوْلِياؤُهُ ﴿ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها إلى حَيْثُ شاؤُوا مِنَ الجَنَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: حَيْثُ ما أحَبَّ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَجَّرَها لِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فِيهِ إضْمارُ "كانُوا" يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ إذا نَذَرُوا في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: يُوفُونَ بِما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
ومَعْنى "النَّذْرِ" في اللُّغَةِ: الإيجابُ.
فالمَعْنى: يُوفُونَ بِالواجِبِ عَلَيْهِمْ ﴿ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاشِيًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فاشِيًا مُنْتَشِرًا.
يُقالُ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ، واسْتَطارَ الفَجْرُ إذا انْتَشَرَ الضَّوْءُ.
وانْشُدُوا لِلْأعْشى: فَبانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا وَقالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّمَواتِ، فانْشَقَّتْ، وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ، وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الأرْضِ، ونُسِفَتِ الجِبالُ، وغارَتِ المِياهُ، وتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن جَبَلِ، وبِناءٍ، وفَشا شَرُّ يَوْمِ القِيامَةِ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
آجَرَ نَفْسَهُ لِيَسْقِيَ نَخْلًا بِشَيْءٍ مِن شَعِيرٍ لَيْلَةً حَتّى أصْبَحَ.
فَلَمّا قَبَضَ الشَّعِيرَ طَحَنَ ثُلُثَهُ، وأصْلَحُوا مِنهُ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، فَلَمّا اسْتَوى أتى مِسْكِينٌ، فَأخْرَجُوهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الثّانِيَ، فَلَمّا تَمَّ أتى يَتِيمٌ، فَأطْعَمُوهُ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الباقِيَ، فَلَمّا اسْتَوى جاءَ أسِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأطْعَمُوهُ وطَوَوْا يَوْمَهم ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ صامَ يَوْمًا، فَلَمّا أرادَ أنْ يُفْطِرَ جاءَ مِسْكِينٌ، ويَتِيمٌ، وأسِيرٌ، فَأطْعَمَهم ثَلاثَةَ أرْغِفَةٍ، وبَقِيَ لَهُ ولِأهْلِهِ رَغِيفٌ واحِدٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى حُبِّهِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَرْجِعُ إلى الطَّعامِ، فَكَأنَّهم كانُوا يُؤْثِرُونَ وهم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ، والجُمْهُورِ.
والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الدّارانِيُّ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "المِسْكِينِ واليَتِيمِ" [البَقَرَةِ: ٨٣] .
وفي الأسِيرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الأسِيرُ المُشْرِكُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: المَرْأةُ، قالَهُ أبُو حَمْزَةَ الثَّمالِيُّ.
والرّابِعُ: العَبْدُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ مَدْحَهم عَلى إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ.
قالَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، فَإنَّ في إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ ثَوابًا، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
فَأمّا الفَرْضُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِطَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أما إنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهَذا، ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَأثْنى بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ راغِبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ﴾ أيْ: بِالفِعْلِ ﴿ وَلا شُكُورًا ﴾ بِالقَوْلِ ﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا ﴾ أيْ: ما في يَوْمٍ ﴿ عَبُوسًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَعْبَسُ فِيهِ الوُجُوهُ، فَجَعَلَهُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ﴾ ، أرادَ عاصِفِ الرِّيحِ.
فَأمّا "القَمْطَرِيرُ" فَرَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الطَّوِيلُ.
ورَوى عَنْهُ العَوْفِيُّ أنَّهُ قالَ: هو الَّذِي يَقْبِضُ فِيهِ الرَّجُلُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ اليَوْمُ مَوْصُوفًا بِما يَجْرِي فِيهِ، كَما قُلْنا في "العَبُوسِ" لِأنَّ اليَوْمَ لا يُوصَفُ بِتَقْبِيضِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "القَمْطَرِيرُ" الَّذِي يُقَلِّصُ الوُجُوهَ، ويَقْبِضُ الحَياةَ، وما بَيْنَ الأعْيُنِ مِن شِدَّتِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ.
يُقالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، ويَوْمٌ قُماطِرُ.
وأنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمٌ قُماطِرُ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَبُوسُ، والقَمْطَرِيرُ، والقُماطِرُ، والعَصِيبُ، والعَصَبْصَبُ: أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ، وأطْوَلُهُ في البَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴾ بِطاعَتِهِمْ في الدُّنْيا ﴿ وَلَقّاهم نَضْرَةً ﴾ أيْ: حُسْنًا وبَياضًا في الوُجُوهِ ﴿ وَسُرُورًا ﴾ لا انْقِطاعَ لَهُ.
وقالَ الحَسَنُ: النُّضْرَةُ في الوُجُوهِ، والسُّرُورُ في القُلُوبِ ﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا ﴾ عَلى طاعَتِهِ، وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿ جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ جَزاهم جَنَّةً في حالِ اتِّكائِهِمْ فِيها.
وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الكَهْفِ: ٣١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ﴾ فَيُؤْذِيهِمْ حَرُّها ولا ﴿ زَمْهَرِيرًا ﴾ وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ.
والمَعْنى: لا يَجِدُونَ فِيها الحَرَّ والبَرْدَ.
وحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ، وأنْشَدَ: ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ أيْ: لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدانِيَةً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً، ﴿ وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ﴾ ، أيْ: قَرِيبَةً مِنهم ظِلالُ أشْجارِها ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَمَّ أنْ يَتَناوَلَ مِن ثِمارِها تَدَلَّتْ إلَيْهِ حَتّى يَتَناوَلَ ما يُرِيدُ.
وقالَ غَيْرُهُ: قُرِّبَتْ إلَيْهِمْ مُذَلَّلَةً كَيْفَ شاؤُوا، فَهم يَتَناوَلُونَها قِيامًا، وقُعُودًا، ومُضْطَجِعِينَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴾ .
فَأمّا "الأكْوابُ" فَقَدْ شَرَحْناها في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿ كانَتْ قَوارِيرا ﴾ أيْ: تِلْكَ الأكْوابُ هي قَوارِيرُ، ولَكِنَّها مِن فِضَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ فِضَّةَ الدُّنْيا حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ، لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، وقَوارِيرُ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ في صَفاءِ القارُورَةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا عَلى التَّشْبِيهِ، المَعْنى: كَأنَّها مِن فِضَّةٍ، أيْ: لَها بَياضٌ كَبَياضِ الفِضَّةِ وصَفاءٌ كَصَفاءِ القَوارِيرِ.
وكانَ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَقْرَؤُونَ "قَوارِيرًا قَوارِيرًا" فَيَصِلُونَهُما جَمِيعًا بِالتَّنْوِينِ.
ويَقِفُونَ عَلَيْهِما بِالألِفِ.
وكانَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ يَصِلانِهِما جَمِيعًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفانِ عَلَيْهِما بِغَيْرِ ألِفٍ.
وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَصِلُ الأوَّلَ بِالتَّنْوِينِ، ويَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ الثّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ بِغَيْرِ ألِفٍ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "سَلاسِلَ" و"قَوارِيرَ قَوارِيرَ" يَصِلُ الثَّلاثَةَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ عَلى الثَّلاثَةِ بِالألِفِ.
وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ الأوَّلَ "قَوارِيرا" فَيَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ لا يُصْرَفَ "قَوارِيرَ" لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ يَأْتِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ لا يَنْصَرِفُ.
ومَن قَرَأ "قَوارِيرًا" يَصْرِفُ الأوَّلَ عَلّامَةَ رَأْسِ آيَةٍ، وتَرَكَ صَرْفَ الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ بِآخِرِ آيَةٍ.
ومَن صَرَفَ الثّانِيَ: أتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما قَلَبَتْ إعْرابَ الشَّيْءِ لِتُتْبِعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، كَما قالُوا: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
وإنَّما الخَرِبُ مِن نَعْتِ الجُحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ "قُدِّرُوها" بِرَفْعِ القافِ، وكَسْرِ الدّالِ، وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ حُمَيْدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ﴿ قَدَّرُوها ﴾ بِفَتْحِ القافِ، والدّالِ، وتَخْفِيفِها.
ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ، فَجاءَتْ عَلى ما قَدَّرُوا، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ الإناءُ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويُرِيدُونَهُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ.
والثّانِي: قَدَّرُوها عَلى مِقْدارٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: قُدِّرَ الكَأْسُ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ عَنْ رِيِّهِمْ فَيُثْقِلُ الكَفَّ، ولا يَنْقُصُ مِنهُ فَيَطْلُبُ الزِّيادَةَ، وهَذا ألَذُّ الشَّرابِ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في "قَدَّرُوا" لِلسُّقاةِ والخَدَمِ.
وعَلى الأوَّلِ لِلشّارِبِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيها ﴾ يَعْنِي في الجَنَّةِ ﴿ كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا ﴾ والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِالزَّنْجَبِيلِ والخَمْرِ مَمْزُوجَيْنِ.
قالَ المُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ يَصِفُ فَمَ امْرَأةٍ: فَكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةُ الخَمْرِ وَقالَ آخَرُ: كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِي ∗∗∗ لـَ باتا بِفِيها وأرْيًا مُشارا الأرْيُ: العَسَلُ.
والمُشارُ: المُسْتَخْرَجُ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ.
قالَ مُجاهِدٌ: والزَّنْجَبِيلُ: اسْمُ العَيْنِ الَّتِي مِنها شَرابُ الأبْرارِ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: الزَّنْجَبِيلُ مُعَرَّبٌ.
وقالَ الدَّيْنُورِيُّ: يَنْبُتُ في أرْيافِ عَمّانَ، وهي عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ، ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ تُؤْكَلُ رُطَبًا، وأجْوَدُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الصِّينِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيها طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في الكافُورِ.
وقِيلَ: شَرابُ الجَنَّةِ عَلى بَرْدِ الكافُورِ، وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ورِيحِ المِسْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا.
وسَلْسَبِيلٌ: اسْمُ العَيْنِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.
وهو في اللُّغَةِ: صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ.
فَكَأنَّ العَيْنَ وُصِفَتْ وسُمِّيَتْ بِصِفَتِها.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ قِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ نَكِرَةٌ، فَلِذَلِكَ انْصَرَفَ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، إلّا أنَّهُ أُجْرِيَ، لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.
وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَدِيدَةُ الجَرْيَةِ.
وقِيلَ: سَلْسَبِيلٌ: سَلِسٌ ماؤُها، مُسْتَقِيدٌ لَهم.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: السَّلْسَبِيلُ صِفَةٌ لِلْماءِ، لِسَلَسِهِ وسُهُولَةِ مَدْخَلِهِ في الحَلْقِ.
يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ، وسَلْسالٌ، وسَلْسَبِيلٌ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّ عَلِيًّا قالَ: المَعْنى: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها، ولا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الواقِعَةِ: ١٧] ﴿ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ﴾ أيْ: في بَياضِ اللُّؤْلُؤِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظَرًا.
وإنَّما شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، لِانْتِشارِهِمْ في الخِدْمَةِ.
ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشَبَّهُوهُ بِالمَنظُومِ.
﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ رَأيْتَ نَعِيمًا ﴾ لا يُوصَفُ ﴿ وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: عَظِيمًا واسِعًا لا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا قَدَرُوا عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ إلّا بِاسْتِئْذانٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِيَهُمْ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وحَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الياءِ، وكَسْرِ الهاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، إلّا أنَّ الجُعْفِيَّ عَنْ أبِي بَكْرٍ قَرَأ "عالِيَتُهُمْ" بِزِيادَةِ تاءٍ مَضْمُومَةٍ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ "عَلَيْهِمْ" بِفَتْحِ اللّامِ، وإسْكانِ الياءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، ولا ألِفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا تَفْسِيرُ إعْرابِ "عالِيهِمْ" بِإسْكانِ الياءِ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ الخَبَرُ"ثِيابُ سُنْدُسٍ" وأمّا "عالِيَهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: مِنَ الهاءِ والمِيمِ، والمَعْنى: يَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ عالِيًا لِلْأبْرارِ ثِيابُ سُنْدُسٍ، لِأنَّهُ وصَفَ أحْوالَهم في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ هَؤُلاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ.
المَعْنى: إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ.
وأمّا "عالِيَتُهُمْ" فَقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وهُما وجْهانِ جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّهُما يُخالِفانِ المُصْحَفَ، فَلا أرى القِراءَةَ بِهِما، وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ ﴿ "عالِيَهُمْ" .
﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو "خُضْرٌ" رَفْعًا "وَإسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" كِلاهُما بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "خُضَرٍ وإسْتَبْرَقٍ" كِلاهُما بِالخَفْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "خُضْرٌ" بِالرَّفْعِ، فَهو نَعْتُ الثِّيابِ، ولَفْظُ الثِّيابِ لَفْظُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ "خُضْرٍ" فَهو مِن نَعْتِ السُّنْدُسِ، والسُّنْدُسُ في المَعْنى راجِعٌ إلى الثِّيابِ.
ومَن قَرَأ "وَإسْتَبْرَقٌ" فَهو نَسَقٌ عَلى "ثِيابٍ" المَعْنى: وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ.
ومَن خَفَضَ، عَطَفَهُ عَلى السُّنْدُسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: عَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
وقَدْ بَيَّنّا في [الكَهْفِ ٣١] مَعْنى السُّنْدُسِ، والإسْتَبْرَقِ، والأساوِرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يُحْدِثُونَ ولا يَبُولُونَ عَنْ شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
والثّانِي: لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ طاهِرَةٌ، ولَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ أبُو قُلابَةَ: يُؤْتَوْنَ بَعْدَ الطَّعامِ بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهُمْ، ويَفِيضُ مِن جُلُودِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: ما وصَفَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ "كانَ لَكم جَزاءً" بِأعْمالِكم "وَكانَ سَعْيُكُمْ" أيْ: عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَتِهِ "مَشْكُورًا" قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: شَكَرْتُكم عَلَيْهِ، وأُثِيبُكم أفْضَلَ الثَّوابِ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ أيْ: فَصَّلْناهُ في الإنْزالِ، فَلَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في مَواضِعَ [الطَّوْرِ: ٤٨،والقَلَمِ: ٤٨] .
والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ ﴿ آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ "أوْ" بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوِ الحَوايا ﴾ .
وقَدْ سَبَقَ هَذا.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالآثِمِ والكَفُورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُما صِفَتانِ لِأبِي جَهْلٍ.
والثّانِي: أنَّ الآثِمَ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
والثّالِثُ: الآثِمُ: الوَلِيدُ.
والكَفُورُ: عُتْبَةُ، وذَلِكَ أنَّهُما قالا لَهُ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ.
"واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ" أيِ: اذْكُرْهُ بِالتَّوْحِيدِ في الصَّلاةِ "بُكْرَةً" يَعْنِي: الفَجْرَ "وَأصِيلًا" يَعْنِي: العَصْرَ.
وبَعْضُهم يَقُولُ: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ ﴾ يَعْنِي: المَغْرِبَ والعَشاءَ.
﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ وهِيَ: صَلاةُ اللَّيْلِ، كانَتْ فَرِيضَةً عَلَيْهِ، وهي لِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ "إنَّ هَؤُلاءِ" يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ أيِ: الدّارَ العاجِلَةَ، وهي الدُّنْيا ﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ ﴾ أيْ: أمامَهم ﴿ يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ أيْ: عَسِيرًا شَدِيدًا.
والمَعْنى: أنَّهم يَتْرُكُونَ الإيمانَ بِهِ، والعَمَلَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ ﴾ أيْ: خَلْقَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: امْرَأةٌ حَسَنَةُ الأسْرِ، أيْ: حَسَنَةُ الخَلْقِ، كَأنَّها أُسِرَتْ، أيْ: شُدَّتْ.
وأصْلُ هَذا مِنَ الإسارِ، وهُوَ: القَدُّ.
[الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ] يُقالُ: ما أحْسَنَ ما أسَرَ قَتَبَهُ، أيْ: ما أحْسَنَ ما شَدَّهُ [بِالقَدِّ] .
ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَفاصِلُهم.
وعَنِ الحَسَنِ قالَ: أوْصالُهم بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ "وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ" أيْ: إنْ شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ، فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في [المُزَّمِّلِ: ١٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ ﴾ إيجادَ السَّبِيلِ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ذَلِكَ لَكم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وَما يَشاؤُونَ" بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الرَّحْمَةُ ها هُنا: الجَنَّةُ ﴿ والظّالِمِينَ ﴾ المُشْرِكُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ "الظّالِمِينَ" بِالجِوارِ.
المَعْنى: ولا يُدْخِلُ الظّالِمِينَ في رَحْمَتِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما نُصِبَ "الظّالِمِينَ" لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا.
المَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ لَهُمْ ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظّالِمُونَ" رَفْعًا.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا ﴾ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا ﴾ ﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ ﴿ فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا ﴾ ﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ.
و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ : « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ : « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ وَقالَ الآخَرُ: فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
<div class="verse-tafsir"
خصص الإِطَعام بالذكر لما في إطعام المحتاج من إيثاره على النفس كما أفاد قوله ﴿ على حبه ﴾ .
والتصريح بلفظ الطعام مع أنه معلوم من فعل ﴿ يطعمون ﴾ توطئةٌ ليبنى عليه الحال وهو ﴿ على حبه ﴾ فإنه لو قيل: ويطعمون مسكيناً ويتيماً وأسيراً لفات ما في قوله ﴿ على حبه ﴾ من معنى إيثار المحاويج على النفس، على أن ذكر الطعام بعد ﴿ يطعمون ﴾ يفيد تأكيداً مع استحضار هيئة الإِطعام حتى كأنَّ السامع يشاهد الهيئة.
و ﴿ على حبه ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يطعمون ﴾ .
و ﴿ على ﴾ بمعنى (مع)، وضمير ﴿ حبه ﴾ راجع للطعام، أي يطعمون الطعام مصحوباً بحبه، أي مصاحباً لحبهم إياه وحب الطعام هو اشتهاؤه.
فالمعنى: أنهم يطعمون طعاماً هم محتاجون إليه.
ومجيء ﴿ على ﴾ بمعنى (مع) ناشئ عن تمَجز في الاستعلاء، وصورته أن مجرور حرف ﴿ على ﴾ في مثله أفضل من معمول متعلقها فنزل منزلة المعتلي عليه.
والمسكين: المحتاج.
واليتيم: فاقد الأب وهو مظنة الحاجة لأن أحوال العرب كانت قائمة على اكتساب الأب للعائلة بكدحه فإذا فُقد الأب تعرضت العائلة للخصاصة.
وأما الأسير فإذ قد كانت السورة كلها مكية قبل عِزّة المسلمين، فالمراد بالأسير العبد من المسلمين إذ كان المشركون قد أجاعوا عبيدهم الذين أسلموا مثل بلال وعمار وأمه وربما سيَّبوا بعضهم إذا أضجرهُم تعذيبهم وتركوهم بلا نفقة.
والعبودية تنشأ من الأسر فالعبد أسير ولذلك يقال له العاني أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم " فُكّوا العاني " وقال عن النساء «إنهن عَواننٍ عندكم» على طريقة التشبيه وقال سحيم عبد بني الحسحاس: رأتْ قَتَباً رَثّاً وسَحْق عِمامةٍ *** وأسْودَ هِمّاً يُنكِرُ الناسُ عَانِيا يريد عبداً.
وذكر القرطبي عن الثعلبي: قال أبو سعيد الخدري «قرأ رسول الله: ﴿ ويطعمون الطعام على حُبّهِ مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ فقال: المسكينُ الفقير، واليتيم: الذي لا أب له، والأسير: المملوك والمسجون».
ولم أقف على سند هذا الحديث.
وبهذا تعلم أن لا شاهد في هذه الآية لجعل السورة نزلت بالمدينة وفي الأسارى الذين كانوا في أسر المسلمين في غزوة بدر.
وجُملة ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ إلى آخرها مقول قول محذوف تقديره: يقولون لهم، أي للذين يُطعمونهم فهو في موضع الحال من ضمير ﴿ يُطعمون ﴾ ، وجملة: ﴿ لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ مبيِّنة لمضمون جملة ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ .
وجملة ﴿ إنا نخاف من ربنا ﴾ إلى آخرها واقعة موقع التعليل لمضمون جملة ﴿ لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ .
والمعنى: إنهم يقولون ذلك لهم تأنيساً لهم ودفعاً لانكسار النفس الحاصل عند الإِطعام، أي ما نطعمكم إلاّ استجابة لما أمر الله، فالمطعم لهم هو الله.
فالقول قول باللسان، وهم ما يقولونه إلاّ وهو مضمر في نفوسهم.
وعن مجاهد أنه قال: ما تكلموا به ولكن عَلِمه الله فأثَنى به عليهم.
فالقصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ قصر قلب مبني على تنزيل المطعَمين منزلة من يظن أن من أطعمهم يمنّ عليهم ويريد منهم الجزاء والشكر بناء على المتعارف عندهم في الجاهلية.
والمراد بالجزاء: ما هو عوض عن العطية من خدمة وإعانة، وبالشكور: ذكرهم بالمزية.
والشُكور: مصدر بوزن الفُعول كالقُعود والجلوس، وإنما اعتبر بوزن الفُعول الذي هو مصدر فعَل اللازم لأن فعل الشكر لا يتعدى للمشكور بنفسه غالباً بل باللام يقال: شكرت لك قال تعالى: ﴿ واشكروا لي ﴾ [البقرة: 152].
وأما قوله: ﴿ إنّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ فهو مقول لقول يقولونه في نفوسهم أو ينطق به بعضهم مع بعض وهو حال من ضمير ﴿ يخافون ﴾ [الإنسان: 7] أي يخافون ذلك اليوم في نفوسهم قائلين: ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا ﴾ ، فحكي وقولهم: ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ وقولهم: ﴿ إنا نخاف ﴾ الخ.
على طريقة اللف والنشر المعكوس والداعي إلى عكس النشر مراعاة حسن تنسيق النظم ليكون الانتقال من ذكر الإِطعام إلى ما يقولونه للمطعمين، والانتقال من ذكر خوف يوم الحساب إلى بشارتهم بوقاية الله إياهم من شر ذلك اليوم وما يلقونه فيه من النضرة والسرور والنعيم.
فيجوز أن يكون ﴿ من ربنا ﴾ ظرفاً مستقراً وحرف ﴿ مِن ﴾ ابتدائية وهو حال من ﴿ يوماً ﴾ قُدم عليه، أي نخاف يوماً عبوساً قمطريراً حال كونه من أيّام ربنا، أي من أيام تصاريفه.
ويجوز أن تكون ﴿ مِن ﴾ تجريدية كقولك: لي من فلان صديق حميم.
ويكون ﴿ يوماً ﴾ منصوباً على الظرفية وتنوينه للتعظيم، أي نخافه في يوم شديد.
و ﴿ عَبوساً ﴾ : منصوباً على المفعول لفعل ﴿ نخاف ﴾ ، أي نخاف غضبان شديدَ الغضب هُو ربنا، فيكون في التجريد تقوية للخوف إذ هو كخوف من شيْئيننِ (وتلك نكتة التجريد)، أو يكون ﴿ عبوساً ﴾ حالاً ﴿ من ربنا ﴾ .
ويجوز أن تجعل ﴿ مِن ﴾ لتعدية فعل ﴿ نخاف ﴾ كما عدي في قوله تعالى: ﴿ فمن خاف مِن موصصٍ جَنفَاً ﴾ [البقرة: 182].
وينتصب ﴿ يوماً ﴾ على المفعول به لفعل ﴿ نخاف ﴾ فصار لفعل ﴿ نخاف ﴾ معمولاننِ.
و ﴿ عبوساً ﴾ صفة ل ﴿ يوماً ﴾ ، والمعنى: نخاف عذاب يوم هذه صفته، ففيه تأكيد الخوف بتكرير متعلِّقه ومرجع التكرير إلى كونه خوف الله لأن اليوم يوم عدل الله وحكمه.
والعبوس: صفة مشبهة لمن هو شديد العبس، أي كُلُوحُ الوجه وعدم انطلاقه، ووصف اليوم بالعبوس على معنى الاستعارة.
شُبه اليوم الذي تحدث فيه حوادث تَسُوءهم برجل يخالطهم يكون شرس الأخلاق عبوساً في معاملته.
والقمطرير: الشديد الصعب من كل شيء.
وعن ابن عباس: القمطرير المقبض بين عينيه مشتق من قمطر القاصر إذا اجتمع، أو قمطر المتعدي إذا شد القربة بوكاء ونحوه، ومنه سمي السفط الذي توضع فيه الكتب قمطرا وهو كالمحفظة.
وميم قمطرير أصلية فوزنه فعلليل مثل خَنْدَرِيس وزَنْجبيل، يقال: قمطر للشر، إذا تهيأ له وجمع نفسه.
والجمهور جعلوا ﴿ قمطريراً ﴾ وصف ﴿ يوماً ﴾ ومنهم من جعلوه وصف ﴿ عبوساً ﴾ أي شديد العبوس.
وهذه الآية تعمّ جميع الأبرار وعلى ذلك التحم نسجها، وقد تلقفها القصاصون والدعاة فوضعوا لها قصصاً مختلفة وجاؤوا بأخبار موضوعة وأبيات مصنوعة فمنهم من زعم أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما في قصة طويلة ذكرها الثعلبي والنقاش وساقها القرطبي بطولها ثم زيفها.
وذكر عن الحكيم الترمذي أنه قال في «نوادر الأصول»: هذا حديث مروّق مزيف وأنه يشبه أن يكون من أحاديث أهل السجون.
وقيل نزلت في مُطعم بن ورقاء الأنصاري، وقيل في رجل غيره من الأنصار، وقد استوفى ذلك كله القرطبي في تفسيره فلا طائل تحت اجتلابه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أهل لأن ينزل القرآن فيهم إلاّ أن هذه الأخبار ضعيفة أو موضوعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ ﴾ في الأبْرارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الصّادِقُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: المُطِيعُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِيما سُمُّوا أبْرارًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: لِأنَّهم كَفُّوا الأذى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: لِأنَّهم يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَوْلُهُ ﴿ مِن كَأْسٍ ﴾ يَعْنِي الخَمْرَ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَإنَّما عَنى بِهِ الخَمْرَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ كانَ مِزاجُها كافُورًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ كافُورًا عَيْنٌ في الجَنَّةِ اسْمُها كافُورٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الكافُورُ مِنَ الطِّيبِ فَعَلى هَذا في المَقْصُودِ مِنهُ في مِزاجِ الكَأْسِ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَرْدُهُ، قالالحَسَنُ: بِبَرْدِ الكافُورِ وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ.
الثّانِي: بِرِيحِهِ، قالَهُ قَتادَةُ: مُزِجَ بِالكافُورِ وخُتِمَ بِالمِسْكِ.
الثّالِثُ: طَعْمُهُ، قالَ السُّدِّيُّ: كَأنَّ طَعْمَهُ طَعْمُ الكافُورِ.
﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أوْلِياءَ اللَّهِ، لِأنَّ الكافِرَ لا يَشْرَبُ مِنها شَيْئًا وإنْ كانَ مِن عِبادِ اللَّهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَنْتَفِعُ بِها عِبادُ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي التَّسْنِيمُ، وهي أشْرَفُ شَرابِ الجَنَّةِ، يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وتُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ بِالخَمْرِ واللَّبَنِ والعَسَلِ.
﴿ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَقُودُونَها إلى حَيْثُ شاءُوا مِنَ الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَمْزُجُونَها بِما شاءُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَسْتَخْرِجُوهُ مِن حَيْثُ شاءُوا مِنَ الجَنَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ تَفْجِيرًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ قُصِدَ بِهِ التَّكْثِيرُ.
الثّانِي: أنَّهم يُفَجِّرُونَهُ مِن تِلْكَ العُيُونِ عُيُونًا لِتَكُونَ أمْتَعَ وأوْسَعَ.
﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُوفُونَ بِما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن عِبادَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُوفُونَ بِما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ لِمَن عاهَدُوهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: يُوفُونَ بِالأيْمانِ إذا حَلَفُوا بِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهم يُوفُونَ بِما أُنْذِرُوا بِهِ مِن وعِيدِهِ.
﴿ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ عَذابُ يَوْمٍ كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاشِيًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والأخْفَشُ.
الثّانِي: مُمْتَدًّا، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى فَبانَتْ وقَدْ أوْرَثَتْ في الفُؤادِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا ايْ مُمْتَدًّا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا يَعْنِي سَرِيعًا.
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى حُبِّ الطَّعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: عَلى شَهْوَتِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: عَلى قِلَّتِهِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا ﴾ في الأسِيرِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَسْجُونُ المُسْلِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ العَبْدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أسِيرُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ثُمَّ نُسِخَ أسِيرُ المُشْرِكِينَ بِالسَّيْفِ، وقالَ غَيْرُهُ بَلْ هو ثابِتُ الحُكْمِ في الأسِيرِ بِإطْعامِهِ، إلّا أنْ يَرى الإمامُ قَتْلَهُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: أنْ يُرِيدَ بِالأسِيرِ النّاقِصَ العَقْلِ، لِأنَّهُ في أسْرِ خَبَلِهِ وجُنُونِهِ، وإنَّ أسْرَ المُشْرِكِينَ انْتِقامٌ يَقِفُ عَلى رَأْيِ الإمامِ وهَذا بِرٌّ وإحْسانٌ.
﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: إنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ، لَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِنهم فَأثْنى عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ راغِبٌ.
﴿ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا ﴾ جَزاءٌ بِالفِعالِ، وشُكُورًا بِالمَقالِ وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن تَكَفَّلَ بِأسْرى بَدْرٍ، وهم سَبْعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ والزُّبَيْرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعِيدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُبُوسَ الَّذِي يَعْبِسُ الوُجُوهُ مِن شَرِّهِ، والقَمْطَرِيرَ الشَّدِيدُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّ العُبُوسَ الضِّيقُ، والقَمْطَرِيرُ الطَّوِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ شَدِيدًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا تَخالُهُ ∗∗∗ تَزُولُ الضُّحى فِيهِ قُرُونُ المَناكِبِ.
الثّالِثُ: أنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقَمْطَرِيرَ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَها مِن صِفاتِ الوَجْهِ المُتَغَيِّرِ مِن شَدائِدِ ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ يَغْدُو عَلى الصَّيْدِ يَعُودُ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويَقْمَطِرُّ ساعَةً ويَكْفَهِرُّ.
﴿ فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا ﴾ قالَ الحَسَنُ النَّضْرَةُ مِنَ الوُجُوهِ، والسُّرُورُ في القُلُوبِ.
وَفي النَّضْرَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها البَياضُ والنَّقاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها الحُسْنُ والبَهاءُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها أثَرُ النِّعْمَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِما صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: بِما صَبَرُوا عَلى الوَفاءِ بِالنَّذْرِ.
﴿ جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَنَّةً يَسْكُنُونَها، وحَرِيرًا يَلْبَسُونَهُ.
الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ المَأْوى، والحَرِيرَ أبَدُ العَيْشِ في الجَنَّةِ، ومِنهُ لُبْسُ الحَرِيرِ لَيُلْبَسُونَ مِن لَذَّةِ العَيْشِ.
واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنْ جابِرٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُطْعَمِ بْنِ ورْقاءَ الأنْصارِيِّ نَذَرَ نَذْرًا فَوَفّاهُ.
الثّانِي: ما حَكاهُ عَمْرٌو عَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وذَلِكَ أنْ عَلِيًّا وفاطِمَةَ نَذَرا صَوْمًا فَقَضَياهُ، وخَبَزَتْ فاطِمَةُ ثَلاثَةَ أقْراصٍ مِن شَعِيرٍ لِيَفْطُرَ عَلِيٌّ عَلى أحَدِها وتَفْطُرَ هي عَلى الآخَرِ، ويَأْكُلَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ الثّالِثَ، فَسَألَها مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَتْ عَلَيْهِ بِأحَدِها، ثُمَّ سَألَها يَتِيمٌ فَتَصَدَّقَتْ عَلَيْهِ بِالآخَرِ، ثُمَّ سَألَها أسِيرٌ فَتَصَدَّقَتْ عَلَيْهِ بِالثّالِثِ، وباتُوا طاوِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ قال: وهم يشتهونه ﴿ وأسيراً ﴾ قال: هو المسجون ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ الآية، قال: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علم الله من قلوبهم فأثنى عليه به ليرغب فيه راغب.
وأخرج سعيد بن المنصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن الحسن قال: كان الأسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية، قال: لقد أمر الله بالأسارى أن يحسن إليهم، وأنهم يومئذ لمشركون، فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة وحقاً.
وأخرج أبو عبيد في غريب الحديث والبيهقي في شعب الإِيمان في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: لم يكن الأسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من المشركين.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية، قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأسر أهل الإِسلام، ولكنها نزلت في أسارى أهل الشرك كانوا يأسرونهم في الفداء، فنزلت فيهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالإِصلاح لهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: هو المشرك.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: ما أسرت العرب من الهند وغيرهم، فإذا حبسوا فعليكم أن تطعموهم وتسقوهم حتى يقتلوا أو يفدوا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين قال: كنت مع شقيق بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وعطاء ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ قالا: من أهل القبلة وغيرهم.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ مسكيناً ﴾ قال: فقيراً ﴿ ويتيماً ﴾ قال: لا أب له ﴿ وأسيراً ﴾ قال: المملوك والمسجون» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد عن أم الأسود سرية الربيع بن خيثم قالت: كان الربيع يعجبه السكر يأكله، فإذا جاء السائل ناوله فقلت: ما يصنع بالسكر الخبز له خير، قال: إني سمعت الله يقول: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوماً عبوساً ﴾ قال: ضيقاً ﴿ قمطريراً ﴾ قال: طويلاً.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: يقبض ما بين الأبصار» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق ابن عباس قال: القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: الذي ينقبض وجهه من شدة الوجع.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: ولا يوم الحسار وكان يوماً ** عبوساً في الشدائد قمطريراً قال: أخبرني عن قوله: ﴿ ولا زمهريراً ﴾ قال: كذلك أهل الجنة لا يصيبهم حر الشمس فيؤذيهم، ولا البرد.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: برهوهة الخلق مثل العتيق ** لم تر شمساً ولا زمهريراً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: يوماً تقبض فيه الحياة من شدته.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوماً ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ عبوساً ﴾ قال: العابس الشفتين ﴿ قمطريراً ﴾ قال: تقبض الوجوه بالسوء، وفي لفظ انقباض ما بين عينيه ووجهه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ قال: نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ ولقاهم نضرة ﴾ قال: في الوجوه ﴿ وسروراً ﴾ قال: في الصدور والقلوب.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ قال: نضرة في وجوههم وسروراً في قلوبهم ﴿ وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً ﴾ قال: الصبر صبران صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ قال: كنا نحدث أنها الحجال على السرر ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ قال: علم الله تبارك وتعالى أن شدة الحر تؤذي، وأن شدة البرد تؤذي، فوقاهم الله عذابهما جميعاً.
قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث أن جهنم اشتكت إلى ربها فنفسها في كل عام نفسين، فشدة الحر من حرها، وشدة البرد من زمهريرها.
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن الزهري في قوله: ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ قال: حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فنفسني، فجعل لها في كل عام نفسين نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف.
فشدة البرد الذي تجدون من زمهرير جهنم، وشدة الحر الذي تجدون من حر جهنم» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه من طرق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدونه في الصيف من الحر من سمومها» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا زمهريراً ﴾ قال: برداً مقطعاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: الزمهرير هو البرد الشديد.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الزمهرير إنما هو لون من العذاب، إن الله تعالى قال: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم!
اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله عز وجل لجهنم إن عبداً من عبيدي استجار بيّ منك، وإني أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم: إن عبداً من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته.
فقالوا وما زمهرير جهنم؟
قال كعب: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها بعضه من بعض» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: الجنة سجسج لا قر فيها ولا حر.
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في وقوله: ﴿ ودانية عليهم ظلالهاً ﴾ قال: قريبة ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أي حال شاؤوا، وفي لفظ قال: ذللت لهم فيتناولون منها كيف شاؤوا.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: إن قعدوا نالوها.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: أدنيت منهم يتناولونها وهم متكئون.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: أدنيت منهم يتناولونها إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها، فذلك تذليلها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: يقول غلمان أهل الجنة من أين نقطف لك؟
من أين نسقيك؟.
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: أرض الجنة ورق، وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وورق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والورق والثمار بين ذلك، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ وفي لفظ إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها فذلك تذليلها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة ﴾ الآية، قال: صفاء القوارير في بياض الفضة ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرت على قدر رأي القوم.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي أنه كان يقرأ ﴿ قدرها ﴾ برفع القاف.
وأخرج عن الحسن أنه قرأها بنصب القاف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق العوفي عن ابن عباس قال: آنية من فضة وصفاؤها كصفاء القوارير ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرت للكف.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء عن ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا ﴿ قوارير من فضة ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: لو اجتمع أهل الدنيا على أن يعملوا إناء من فضة يرى ما فيه من خلفه كما يرى في القوارير ما قدروا عليه.
وأخرج الفريابي من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: أتوا بها على قدرهم، لا يفضلون شيئاً ولا يشتهون بعدها شيئاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن مجاهد قال: الآنية الأقداح، والأكواب الكوكبات، وتقديرها أنها ليست بالملأى التي تفيض، ولا ناقصة بقدر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرتها السقاة.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي في قوله: ﴿ قوارير من فضة ﴾ قال: صفاؤها صفاء القوارير وهي من فضة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ كان مزاجها زنجبيلاً ﴾ قال: يمزج لهم بالزنجبيل.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ كان مزاجها زنجبيلاً ﴾ قال: يأثر لهم ما كانوا يشربون في الدنيا فيجيء إليهم بذلك.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله ﴿ يفجرونها تفجيراً ﴾ والأخرى الزنجبيل، وعينان نضاختان من فوق إحداهما التي ذكر الله سلسبيلاً والأخرى التسنيم» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: حديدة الجرية.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: عين الخمرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: تجري سلسلة السبيل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: سلسلة فيها يصرفونها حيث شاؤوا، وفي قوله: ﴿ حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ﴾ قال: من حسنهم.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: بينا المؤمن على فراشه إذ أبصر شيئاً يسير نحوه، فجعل يقول: لؤلؤ فإذا ولدان مخلدون كما وصفهم الله، وهي الآية ﴿ إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولهم خروجاً إذا خرجوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا جلسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح بيدي، ولواء الحمد بيدي، وآدم ومن دونه تحت لوائي، ولا فخر، يطوف عليهم ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور» .
وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: إن أدنى أهل الجنة منزلاً من يسعى عليه ألف خادم كل واحد على عمل ليس عليه صاحبه.
وأخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ذكر ركب أهل الجنة ثم تلا ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ قال: هو استئذان الملائكة لا تدخل عليهم إلا بإذن.
وأخرج ابن جرير عن سفيان في قوله: ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ قال: بلغنا أنه استئذان الملائكة عليهم.
وأخرج ابن وهب عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمة من الولدان المخلدين، على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: «دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راقد على حصير من جريد قد أثر في جنبه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟
فقال: ذكرت كسرى وملكه وقيصر وملكه وصاحب الحبشة وملكه، وأنت رسول الله على حصير من جريد، فقال: أما ترضى أن لهم الدنيا ولنا الآخرة؟
فأنزل الله: ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الجوزاء أنه كان يقرأ ﴿ عاليهم ثياب سندس خضر ﴾ قال: علت الخضرة أكثر ثياب أهلها الخضرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ شراباً طهوراً ﴾ قال: ما ذكر الله من الأشربة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شراباً طهوراً ﴾ قال: ما ذكر الله من الأشربة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله عنه ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ قال: إذا أكلوا أو شربوا ما شاء الله من الطعام والشراب دعوا الشراب الطهور فيشربون، فيطهرهم فيكون ما أكلوا وشربوا جشاء بريح مسك يفيض من جلودهم، ويضمر لذلك بطونهم.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي في هذه الآية ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ قال: عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم التيمي قال: بلغني أنه يقسم للرجل من أهل الجنة شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً يخرج من جلده رشحاً كرشح المسك ثم تعود شهوته.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكان سعيكم مشكوراً ﴾ فقال: لقد شكر الله سعياً قليلاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ قال الكلبي: على شهوته.
وقال مقاتل: على حب الطعام (١) قال الزجاج: هذه (الهاء) تعود على الطعام، المعنى: يطعمون الطعام أشد ما يكون حاجتهم إليه، وصفهم الله بالأثرة على أنفسهم (٢) وقوله: ﴿ وَأَسِيرًا ﴾ قال الحسن: الأسير (٣) (٤) وهو قول ابن عباس (٥) (٦) ونحو هذا قال مقاتل (٧) (٨) قال أهل العلم (٩) (١٠) (١١) وفي الأسير قولان (آخران) (١٢) أحدهما: أن المسجون من أهل القبلة، وهو قول مجاهد (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) - قال في قوله: ﴿ مِسْكِينًا ﴾ : فقيرًا، ﴿ وَيَتِيمًا ﴾ لا أب له، ﴿ وَأَسِيرًا ﴾ قال: المملوك والمسجون (١٧) القول الثاني: أن المراد بالأسير: المرأة، وهن أسرى (١٨) (١٩) (٢٠) قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عليًا أجر نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح، فلما أصبح (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قول تعالي: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ قال مجاهد: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ليرغب فيه راغب (٢٨) وقال الكلبي: لم يتكلم أهل هذه الصدقة، ولكن عرف (الله) (٢٩) (٣٠) وقال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى أثنى عليهم بما علم من نياتهم، فذكر ما أتوا به؛ ولأن اليتيم والمسكين (٣١) (٣٢) وقال الأخفش في قوله: (شكورًا): إن شئت جعلته (جماعة الشُّكْر، مثل: برد وبرود، وإن شئت جعلته) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ﴾ ) (٣٧) قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ قال الكلبي (٣٨) (٣٩) (٤٠) قال ابن قتيبة: جعل (عبوسًا) من صفة ذلك اليوم، والمعنى: أن الوجوه تعبس في ذلك اليوم، كما يقال: يوم عاصف، أي ذو عصوف (٤١) (٤٢) (٤٣) وقوله: ﴿ قَمْطَرِيرًا ﴾ قال مجاهد: تقبض الوجوه بالشرور (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) قال أبو إسحاق: جاء في التفسير أن (قمطريرًا) معناه: تُعَبّسُ الوجوه، فيجمع ما بين العينين، قال: وهذا سائغ في اللغة، يقال: اقمطرت الناقة إذا رفعتْ ذنبها، وجَمَعَتْ قَطْريها، ورَمَت بأنْفها (٤٩) (٥٠) وقال أبو عبيد: رجل قمطرير: منقبض ما بين العينين، وقد اقمطرّ (٥١) وقال الكلبي: قمطريرًا يعني: شديدًا (٥٢) وهو قول (الفراء (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (١) "النكت والعيون" 6/ 166.
(٢) "تفسير مقاتل" 219/ ب، المرجع السابق، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 485.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 259 بنحوه.
(٤) الأسير في اللغة: من الأسر، أصل واحد، وقياس مطرد، وهو: الحبس، وهو الإمساك، من ذلك: الأسير، وكانوا يشدونه بالقِدِّ، وهو الإسار.
انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 107 (أسر).
(٥) بمعناه في: "جامع البيان" 29/ 210، و"النكت والعيون" 6/ 166، و"المحرر الوجيز" 5/ 410، و"زاد المسير" 8/ 146، و"التفسير الكبير" 30/ 245، و"الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى: سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه.
وانظر: "تفسير الحسن البصري" 384.
(٦) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 377، "التفسير الكبير" 30/ 245، "القرطبي" 19/ 127، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 485، "الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى ابن المنذر.
(٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 210، "الكشف والبيان" 13/ 14/ ب، معالم التنزيل: 4/ 428، "المحرر الوجيز" 5/ 410، "زاد المسير" 8/ 146، "التفسير الكبير" 30/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 127.
(٨) وممن قال بنسخ إطعام الأسير من المشركين بآية السيف: هبة الله بن سلامة؛ قال: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا" هذا محكم في أهل القبلة، "وأسيرًا" "هذا منسوخ بآية السيف، وهو من غير أهل القبلة، وهم المشركون".
الناسخ والمنسوخ: 191.
وقد وضح محقق كتاب الناسخ والمنسوخ: لهبة الله أن مراد المؤلف بالمنسوخ في الآية هو عدم قتل الأسير الكافر، أما إطعامه فلا خلاف في أنه محكم.
وممن قال بنسخ الآية أيضًا بآية السيف: ابن البارزي في: ناسخ القرآن ومنسوخه: 56.
وقد رد دعوى النسخ ابن الجزري في "نواسخ القرآن" 250، == وبين أن الأسير يقتل، ولا يفادى، وأما إطعامه فقال: ففيه ثواب بالإجماع والآية محمولة على التطوع بالإطعام، فأما القرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار.
(٩) قال بذلك الجصاص في: "أحكام القرآن" 3/ 471، وابن العربي في: "أحكام القرآن" 4/ 1898، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 127.
قال الإمام النووي في "المجموع": "ولا يجوز دفع شيء من الزكوات إلى كافرة سواء زكاة فطر وزكاة المال، وهذا لا خلاف فيه عندنا" 6/ 228.
(١٠) في (ع): الأسارى (١١) ساقطة من (أ).
(١٢) ساقطة من (أ).
(١٣) "جامع البيان" 19/ 210، "الكشف والبيان" 13: 14/ ب، "النكت والعيون" 6/ 166، معالم التنزيل: 4/ 428، " المحرر الوجيز" 5/ 410، "زاد المسير" 8/ 146، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 127.
(١٤) المراجع السابقة عدا: "النكت والعيون"، وانظر أيضًا: "الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى ابن أبي شيبة.
(١٥) المراجع السابقة.
(١٦) ساقط من (ع).
(١٧) ورد الحديث في: "حلية الأولياء" 5/ 105، وقال عنه أبو نعيم: غريب من حديث عمرو، تفرد به عباد عن عمه.
كما ورد في: "التفسير الكبير" 3/ 245، "الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى ابن مردويه، وأبو نعيم.
(١٨) في (أ): أسروا.
(١٩) الحديث أخرجه ابن ماجه 1/ 341 ح 1856 من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه: أبواب النكاح: حق المرأة على الزواج.
كما أخرجه الترمذي 3/ 458، ح: 1163، كتاب الرضاع: باب 11، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح، كما أخرجه أيضًا في كتاب التفسير: 5/ 274: ح: 3087: باب 10، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح.
وقد حسنه الألباني.
انظر: "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 311، ح: 1501، باب 3.
عوان: جمع عانية، والعاني: الأسير.
انظر: "تحفة الأحوذي" المباركفوري: 4/ 273: كتاب الرضاع: باب 11.
(٢٠) "المحرر الوجيز" 5/ 411، "زاد المسير" 8/ 146، "الجامع" للقرطبي 19/ 127.
(٢١) في (أ): الصبح.
(٢٢) الخزيرة: لحم يقطع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل: هي حسًا من دقيق ودَسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهي حَريرة، وإذا كان من نُخالة فهو خزيرة.
انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 28 باب الخاء مع الزاي.
(٢٣) في (ع): إنضاجه.
وكذا التي في السطر التالي.
(٢٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٢٦) في (ع): إنضاجه.
(٢٧) وردت الرواية مطولة في: "الكشف والبيان" 13: من ورقة: 16 إلى ورقة 19 عند تفسيره لقوله: "يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا"، وانظر معالم التنزيل: 4/ 428، وذكرت أيضًا مطولة بمعناها في: الكشاف: 5/ 169، وفي "التفسير الكبير" 30/ 244، وفي الجامع لأحكام القرآن: 19/ 131 - 132.
وقد رد القرطبي هذه الرواية وأمثالها مما روي عن علي وفاطمة - ما-، ووصفها بأنها من أحاديث السجون التي يعمد أصحابها إلى السهر بكتابة مثل هذه الروايات، وهم في سجونهم، كما بين أن الروايات المطولة بزيادات وأشعار عن علي وفاطمة - ما- فيها ما يبين كذبها وبطلانها.
وقد ذكرت أيضًا في: أسباب النزول: 378، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ .
"النكت والعيون" 6/ 168.
وقال ابن حجر: رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ الآية.
فذكر تمامه، وزاد في أثنائه أشعارًا لعلي وفاطمة.
قال الحكيم الترمذي: ومن الأحاديث التي تنكرها القلوب، حديث رووه عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره بشعره، ثم قال: هذا حديث مزوق مفتعل، لا يروج إلا على أحمق جاهل.
ورواه ابن الجوزي في: الموضوعات من طريق أبي عبد الله السمرقندي، عن محمد بن كثير، عن الأصبغ بن نباتة، ثم قال: وهذا لا شك في وضعه.
انظر: "الكافي الشاف" 180.
كما فند هذه الرواية بالحجة والبرهان محققا "الوسيط" 4/ 401.
(٢٨) "جامع البيان" 29/ 211، "الكشف والبيان" 13/ 14/ ب، "النكت والعيون" 6/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 428، "زاد المسير" 8/ 146، "البحر المحيط" 8/ 395.
(٢٩) ساقطة من (أ).
(٣٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣١) في (ع) اليتيم والمسكين.
(٣٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣٣) ما بين القوسين ساقطة من (أ).
(٣٤) في (ع): جميع.
(٣٥) في (ع): العقود.
(٣٦) "معاني القرآن" 2/ 722 بتصرف.
(٣٧) ما بين القوسين لم يرد عند الأخفش في معانيه.
المرجع السابق.
(٣٨) بمعناه في: "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ، ومعالم التنزيل: 4/ 429.
(٣٩) بمعناه في: "تفسير مقاتل" 220/ أ، "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ.
(٤٠) في (أ): تعبيس.
(٤١) "تفسير غريب القرآن" 502 بيسير من التصرف.
(٤٢) في (أ): ذوا.
(٤٣) قال ابن منظور: عَبَس يَعْبِس عَبْسًا، وعَبس: قطب ما بين عينيه، ويوم عابس وعَبُوس: شديد.
انظر: "لسان العرب" 6/ 128: مادة: (عبس).
وقال ابن فارس: عبس: أصل يدل على تكرُّه في شيء، وأصل العَبَس: ما يبس على هُلْب الذنب من بَعر وغيره، وهو من الإبل كالوَذج من الشاء، ثم اشتق من هذا: اليوم العَبوس، وهو الشديد الكريه، واشتق منه عبس الرجل يعبس عبوسًا، وهو عابس الوجه: غضبان.
انظر: "مقاييس اللغة" 4/ 210 - 212 مادة: (عبس).
(٤٤) "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ.
(٤٥) بمعناه في "تفسير مقاتل" 220/ أ، "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 429، "زاد المسير" 8/ 146.
(٤٦) المراجع السابقة عدا "زاد المسير"، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 337.
(٤٧) "جامع البيان" 29/ 211 - 212.
(٤٨) ما بين القوسين ساقطة من (أ).
(٤٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 259 بنصه.
(٥٠) ورد عن أبي عبيدة بنحو من ذلك، فقد جاء عنه في: "الصحاح" المُقْمَطِرُّ: المجتمع.
2/ 797: (قمطر).
(٥١) "تهذيب اللغة" 9/ 408: (قمطر).
(٥٢) "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ، "البغوي" 4/ 429، "المحرر الوجيز" 5/ 411.
(٥٣) "معاني القرآن" 3/ 216.
(٥٤) "مجاز القرآن" 2/ 279.
(٥٥) "التفسر الكبير" 3/ 247.
(٥٦) "تفسير غريب القرآن" 502.
(٥٧) ما بين القوسين ورد بدلًا عنه في نسخة (أ) وهو قول جماعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام ﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا فطورهم ليأكلوه جاء مسكين فرفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلما وضعوا فطورهم جاء يتيم فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين فلما وضعوا فطورهم جاء أسير فدفعه له، وباتوا طاوين، والآية على هذا مدنية لأن علياً إنما تزوج فاطمة بالمدينة، وقيل: إنما هي مكية وليست في علي ﴿ على حُبِّهِ ﴾ الضمير للطعام أي يطعمونه مع حبه والحاجة إليه فهو كقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92] وقوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9] ففي قوله على حبه تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل: الضمير لله، وقيل: للإطعام المفهوم من يطعمون والأول أرجح وأظهر ﴿ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ قد ذكرنا المسكين واليتيم وأما الأسير ففيه خمسة أقوال؛ أحدها أن الأسير الكافر بين المسلمين ففي إطعامه أجر لأنه: «في كل ذي كبد رطبة أجر» وقيل نسخ ذلك بالسيف، والآخر: أنه الأسير المسلم إذا خرج من دار الحرب لطلب الفدية، والثالث أنه المملوك الرابع: أنه المسجون، الخامس: أنه المرأة لقوله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً لأنهم عوانٍ عندكم» وهذا بعيد والأول أرجح؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير المشرك فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: أحسن إليه ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ عبارة عن الإخلاص لله، ولذلك فسروه وأكدوه بقولهم: ﴿ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ والشكور مصدر كالشكر ويحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم، أو قالوا في نفوسهم، فهو عبارة عن النية والقصد ﴿ يَوْماً عَبُوساً ﴾ وَصْفُ اليوم بالعبوس مجاز على وجهين: أحدهما: أن يوصف اليوم بصفة أهله كقولهم: نهاره صائم وليله قائم.
ورُوي أن الكفار يعبس يومئذ حتى يسيل الدم من عينيه مثل القطران، والآخر يشبَّه في شدّته بالأسد العبوس ﴿ قَمْطَرِيراً ﴾ قال ابن عباس: معناه طويل، وقيل: شديد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ سلاسلاً ﴾ بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام ﴿ سلاسل ﴾ في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف ﴿ قوارير قوارير ﴾ غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين.
الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف.
﴿ لؤلؤاً ﴾ بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزتين.
﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء ﴿ خضر واستبرق ﴾ بالرفع فيهما ﴿ وإستبرق ﴾ بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد.
الآخرون: بالخفض فيهما ﴿ وما يشاؤن ﴾ على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ مذكوراً ﴾ ه ﴿ أمشاج ﴾ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن ﴿ نبتليه ﴾ صفة له لأنه حال من ﴿ خلقنا ﴾ أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في ﴿ نبتليه ﴾ واحد والأمشاخ جمع.
﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ كافوراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ عيناً ﴾ بدلاً ﴿ تفجيراً ﴾ ه ﴿ مستطيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ قمطريراً ﴾ ه ﴿ سروراً ﴾ ه ج ﴿ على الأرائك ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف ﴿ زمهريراً ﴾ ه ج لما يعرف في التفسير ﴿ تذليلاً ﴾ ه ﴿ كانت قوارير ﴾ ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ زنجبيلاً ﴾ ه ج لما مر في ﴿ كافوراً ﴾ ﴿ سلسبيلاً ﴾ ه ج ﴿ مخلدون ﴾ ه بناء على أن ﴿ حسبتهم ﴾ صفة الولدان والظرف عارض ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ واستبرق ﴾ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا ﴿ فضة ﴾ ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم ﴿ طهوراً ﴾ ه ط ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ أو كفوراً ﴾ ه ﴿ أصيلاً ﴾ ه ج لما ذكرنا ﴿ طويلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ أسرهم ﴾ ج ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أن يشاء الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن " هل " ههنا وفي " الغاشية " بمعنى " قد " وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع " هل " كقوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا *** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟
ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى.
فالإستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب فيكون حاصله أنه ﴿ أتى على الإنسان ﴾ قبل زمان قريب ﴿ حين من الدهر ﴾ وهو طائفة من الزمان غير محدود.
وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان ههنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئاً مذكوراً بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين.
ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير.
ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنساناً إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضاً عند الأكثرين.
ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة.
وقوله ﴿ لم يكن ﴾ محله رفع على أنه نعت ﴿ حين ﴾ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف.
وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة.
وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه.
قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعاً نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعاً، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين.
يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس.
والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماآن ماء الرجل.
وهو أبيض غليظ - وماء المرأة - وهو أصفر رقيق - والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فيمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة.
عن ابن مسعود: هي عروق النطفة.
وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الإبتلاء بعضهم بهذا الإنتقال ومنه قول ابن عباس ﴿ نبتليه ﴾ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة.
والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والإمتحان.
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر.
وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حساً فقد علماً.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل: جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك.
والمعنى جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه.
ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلالة.
فقوله ﴿ شاكر أو كفوراً ﴾ حالان من مفعول ﴿ هدينا ﴾ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكراً أو كفوراً.
وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا.
وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة.
أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون " إما " في هذه الآية كما في قوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ﴾ والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً تارة كفوراً.
والمراد بالشكراً لإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة.
ويجز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقاً وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق.
قوله ﴿ سلاسل ﴾ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة.
قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضاً.
وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد لهذا جاز " صواحبات يوسف".
وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله ﴿ قوارير ﴾ فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار.
عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر ﴿ من كأس ﴾ أي إناء فيه الشراب.
وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور إسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.
والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذا العين قيل: " كان " زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكناه مسلوبة الدلالة على المضي كقوله ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك.
وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور.
قال جار الله: فقوله ﴿ عيناً ﴾ على هذين القولين بدل من محل ﴿ كأس ﴾ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الإختصاص.
ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله مخصوص في إصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط إستدلال المعتزلة بقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ كما مر في أول الزمر.
وإنما قال أولاً ﴿ يشربون من كأس ﴾ وآخراً ﴿ يشرب بها ﴾ لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى " مع " مثل " شربت الماء بالعسل" ﴿ يفجرونها ﴾ يجرونها حيث شاؤا من منازلهم ﴿ تفجيراً ﴾ سهلاً " قال مؤلف الكتاب": لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة.
والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك.
قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟
فأجاب بقوله ﴿ يوفون بالنذر ﴾ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليهأوفى.
ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي ولا سيما في هذه الآي.
يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضاً فعادهما رسول الله في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً.
فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه.
ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك.
فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين إلى رسول الله فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم.
وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.
ويروى أن السائل في اللياللي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله .
ووصفهم الله بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولاً في قوله ﴿ ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ﴾ أي مكروهه مستطيراً فاشياً منتشراً من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله منطار.والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفيس إلا نبينا محمد فإنه يقول " أمتي أمتي " والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.
ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على قال ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ وثانياً في قوله ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً ﴾ وإذا كان حال أهل بيت النبي أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف.
وأما الضمير في ﴿ حبه ﴾ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ وعنى المسكين واليتيم قد عرف مراراً، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة.
وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.
وسمى رسول الله الغريم أسيراً فقال "غريمك أسيرك فأحسن أسيرك" وقد سمى الزوجة أسيراً فقال "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" أي أسراء.عنالحسن: كان رسول الله يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.
وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات.
والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو إسترقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال.
ثم هذا الإطعام يجب أولاً على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين.
قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه.
ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان.
وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن.
يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه.
قوله ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ لرضاه خاصة.
ولا بد من إضمار القول.
ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعاً للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصاً لله.
ويجوز أن يكون بنطق الحال.
قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم.
وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله.
عن عائشة ا أنها كانت تبعث بالصدقة إلى هل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً.
والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر.
قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ ظاهرة أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلاً لعدم إرادة المجازاة.
ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.
والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء.
يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.
والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.
والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية.
وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماض قائلاً ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ﴾ أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيراً في نفس الأمر مشتملاً على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود ﴿ ولقاهم ﴾ أعطاهم ﴿ نضرة ﴾ في الوجوه ﴿ سروراً ﴾ في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم ﴿ وجزاهم بما صبروا ﴾ على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع ﴿ جنة وحريراً ﴾ أي بستاناً فيه مأكل هنيّ ولباساً له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج ﴿ متكئين ﴾ نصب على الحال من مفعول ﴿ جزاهم ﴾ وقيل: على المدح.
وقيل: حال من الجنة.
وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم.
والزمهرير شدة البرد.
والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائداً، والمعنى أن هواءها معتدل.
وفي الحديث " "هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طير واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر.
قوله ﴿ ودانية ﴾ ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على ﴿ متكئين ﴾ كما تقول في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله ﴿ لا يرون ﴾ حالاً صارت الأحوال ثلاثاً والتقدير.
وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فهيا هواء مؤذياً ودانية عليهم الظلال.
ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الإجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والرد وبين الدنو من الظلال.
ويجوز أن يكون ﴿ دانية ﴾ معطوفاً على ﴿ جنة ﴾ لأنهم وصفوا بالخوف.
وقد قال ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها.
وقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ من باب " علفتها تبناً وماء بارداً " وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريراً وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا.
وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم " حائط ذليل " إذا كان قصيراً قال البراء ابن عازب: من أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً ومضجعاً أمكنه.
وحين وصف طعامكم ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني.
ومعنى ﴿ قوارير من فضة ﴾ أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟
ومعنى كانت كما مر في قوله ﴿ كان مزاجها كافوراً ﴾ وقال في الكشاف: هو من قوله ﴿ كن فيكون ﴾ أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.
والضمير في ﴿ قدروها ﴾ إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان.
وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض.
وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها.
قوله ﴿ ويسقون فيها كأساً ﴾ أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحت طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك.
قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم.
أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن.
وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة.
يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية.
ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة.
قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة.
والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسلة.
وقد نسب إلى علي بن أبي طالب أن معناه سل سبيلاً إليها.
ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل " تأبط شراً " وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح.
وفي بعض شعر المتأخرين: سل سبيلاً فيها إلى راحة النف *** س براح كأنها سلسبيل والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في ﴿ سلاسلاً ﴾ على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية.
ثم وصف خدمهم بقوله ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ ويجوز أن يكون هذا بياناً للطائفين في قوله ﴿ ويطاف عليهم بآنية ﴾ وقد صرح به في الواقعة وزاد ههنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور.
يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله دّر أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: كأن صغرى وكبرى من فواقعها *** حصباء در على أرض من الذهب وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه أو كل راء قائلاً ﴿ وإذا رأيت ﴾ قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما ﴿ ثم ﴾ كقوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ يريد ما بينكم.
وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والإكتفاء بالصلة.
والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكاً ليشيع ويعم.
والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لمي تعلق إدراكه إلا بنعيم ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ أي واسعاً هنيئاً.
و " ثم " ظرف مكان أشير به إلى الجنة.
روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام.
وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له.
وقيل: هو أنه إذا أراد شيءاً كان.
ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الإستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية.
وعن علي أنه قرأ ﴿ ملكاً كبيراً ﴾ بفتح الميم وكسر اللام هو الله.
من قرأ ﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ ﴿ وثياب سندس ﴾ خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبراً مقدماً.
ويجوز أن يكون نصباً على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسروراً.
حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.
أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.
ويحتمل أن يكون العامل ﴿ رأيت ﴾ والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.
من قرأ ﴿ خضر ﴾ بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالإستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.
وأما الرفع في ﴿ إستبرق ﴾ فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس.
وكلاهما ظاهر.
قوله ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال في مواضع ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ وأساور الخدام من فضة.
وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال أيضاً فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع.
وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة.
وأيضاً فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون إستحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون إستحسانه لصفرة الذهب فالله يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم.
وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة.
ثم ختم جزاء الأبرار بقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعاً لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.
وإما مبالغة مطهر.
قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجاً بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك.
وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزالالروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدراج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلاً ﴿ وسقاهم ربهم ﴾ ثم ختم وعدهم بقوله ﴿ إن هذا كان لكم جزاء ﴾ عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك.
وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع.
واعلم أنه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماآن ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلاً مختاراً صانعاً حكيماً.
ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلاً باطلاً ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس، ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكفر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال.
واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.
وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسماً لأن " ثم " تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجماً مفرقاً أقرب إلى تسلية النبي وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصاً الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا.
أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه.
أما إذا توافقا فلا تخالفهما.
والجواب أنه لا ريب أن قولك " لا تضرب زيداً أن أو عمراً" معناه في الأظهر لا تضرب زيداً ولا عمراً.ويحتمل احتمالاً مرجوحاً " لا تضرب أحدهما واضرب الآخر" إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهياً عنه فكلاهما معاً أولى لأن زيادة الشرِّ شرٌّ.
ولهذا قال الفراء: لا تطع واحداً منهما سواء كان آثماً أو كفوراً.
ولو كان العطف بالواو كان نصاً في النهي عن طاعتهما معاً، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الإنفراد.
وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق.
والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر.
يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي : اردع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً.
وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالاً.
فقرأ عليهم رسول الله من أول " حم السجدة " إلى قوله ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فانصرفا عنه.
وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.
وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقاً.
ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية.
أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر اله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله ﴿ ومن الليل فاسجد له ﴾ أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله ﴿ وسبحه ﴾ أي وتهجد له طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في " المزمل".
ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقراً إياهم قائلاً ﴿ إن هؤلاء يحبون ﴾ الدار ﴿ العاجلة ﴾ ونعيمها الزائل ﴿ ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ أي شديداً كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ ثم بين كمال قدرته قائلاً ﴿ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ﴾ أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقدر وبه سمى القد أسراً.
والمعنى ركبناهم تركيباً محكماً وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج ﴿ وإذا شئنا ﴾ أهلكناهم بالنفخة و ﴿ بدلنا أمثالهم ﴾ في شدة الأسر عند النفخة الثانية.
وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله ﴿ وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ ممن يطيع ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من " إذا" " وإن " حرف الشرط.
قلت: ما ذكره جار الله ليس طعناً في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن " إذا" لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى.
أما الإهلاك على سبيل الإستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالإعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك.
قوله ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قد مر في " المزمل " والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلاً بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري.
وفي قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق.
وانتصب ﴿ الظالمين ﴾ بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ﴾ : فمنهم من ذكر أن الكافور شيء أعده الله لأهل كرامته، لم يطلع عباده على ذلك في الدنيا.
ومنهم من ذكر أن الكافور شيء جرى ذكره في الكتب المتقدمة، فذكر كذلك في القرآن.
ومنهم من قال: إنه عين من عيون الجنة.
ومنهم من صرفه إلى الكافور المعروف.
لكن قيل: إنه كناية عن طيب الشراب.
وقيل: إنه كناية عن برودة الشراب؛ لأنه ذكر أن ذكر ذلك الشراب في طبعه كالكافور؛ لأن ألذ الشراب عند الناس البارد منه، لا أن يكون في نفسه باردا.
وذكروا أن الكأس لا تسمى: كأسا حتى يكون فيها خمر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ .
ومعناه: منها، لا أن يقع شربهم بها.
وسميت العين: عينا؛ لوقوع العين عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ﴾ : فيه إخبار أن ماء العيون جارية يفجرونها من حيث شاءوا.
ثم المراد من ذكر العباد هاهنا هم الذين أطاعوا الله - - وقاموا بوفاء ما عليهم، وهم الذين قال الله : ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ ﴾ : النذر هو العهد؛ فجائز أن يكون أراد به الوفاء بكل ما أوجب الله من الفراض والحقوق؛ فتكون فرائضه عهده؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ .
وجائز أن يكون أراد بالنذر ما أوجبوا على أنفسهم من القرب سوى ما أوجبها الله عليهم؛ فيكون فيه إخبار أنهم قاموا بأداء الفرائض، وتقربوا إلى الله مع ذلك بقرب أخر؛ فاستوجبوا المدح بوفائهم بما أوجبوا على أنفسهم.
وقال: ﴿ ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ ، فلحقهم الذم؛ لما لم يقوموا برعاية حقه، ليس بإيجابهم على أنفسهم ما لم يوجبه الله عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ﴾ قيل: استطار شر ذلك اليوم، فملأ السماوات والأرضين وكل شيء؛ حتى انشقت السماوات، وتناثرت النجوم، وبست الجبال.
ومعناه: أن هول ذلك اليوم قد عم وفشا في أهل السماوات والأرض؛ حتى خافوا على أنفسهم.
وقيل: سمي: مستطيرا، أي: طويلا، ويقال: استطار الرجل؛ إ ذا اشتد غضبه، واستطار الأمر؛ أي: اشتد؛ فمسي؛ مستطيرا، أي: شديدا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ : فالحب يتوجه إلى معانٍ: يتوجه إلى الإيثار مرة، وإلى ميل النفس وركون القلب أخرى، ومرة يعبر به عن الشهوة، فالمراد من الحب هاهنا: الشهوة؛ فيكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ ، أي: على شهوتهم وحاجتهم إليه.
وقيل: ويطعمون في حال عزة الطعام.
وقيل: أي: يطعمون الطعام على حبهم لها وحرصهم عليها، ليس أن يطعموا عند الإياس من الحياة، على ما روي في الخبر عن النبي أنه قال: "أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر" وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ : [قيل: إنهم لم يتكلموا بهذا اللفظ، أعني: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ ] ﴿ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ الآية، ولكن علم الله ذلك من قلوبهم؛ فأثنى عليهم بذلك؛ ليرغب في ذلك الراغبون؛ ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها إلا وجه الله والتقرب إليه، والمجازاة: هي المكافأة لما أُسدي إليه، والشكر: هو الثناء عليه والبشر عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ : فمنهم من جعل هذا نعتا لذلك اليوم؛ فيكون معناه: أن هذا اليوم - وهو يوم القيامة - من بين سائر الأيام كالإنسان العبوس من بين غيره.
ومنهم من صرفه إلى الخلائق؛ فيكون معنى قوله : ﴿ يَوْماً عَبُوساً ﴾ ، أي: يوما تعبس فيه وجوه الخلائق؛ لا أن يكون اليوم بنفسه عبوسا، وهو كقوله : ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، أي: يبصر فيه، وتقول العرب: "ما زال الطريق يمر منذ اليوم"؛ عكلى معنى يمر الناس فيه؛ فيرجع هذا إلى وصف ما يكون عليه ذلك اليوم، على ما ذكرنا: أن الله ذكر اليوم بالأحوال التي يكون عليها حال ذلك اليوم، فمرة قال: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَمْطَرِيراً ﴾ ، قيل: شديدا.
وقيل: القمطرير: الذي يقبض الوجه بالبسور والعبوسة، ويزوي ما بين العينين.
وقيل: القمطرير: المشوه على أهل النار.
وقيل: القمطرير: هيك كلمة من كتب الأولين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ ﴾ : جائز أن يتكون الوقاية منصرفة إلى الموعود في ذلك اليوم من العقوبة والنكال، لا أن يكونوا وقوا من هول ذلك اليوم فلا يرون الجحيم ولا أهوالها.
وجائز أن يكون وقاهم عما كانوا يخافون من التبعة لدى الحساب، كقوله: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ ؛ فكأنهم يخافون على أنفسهم المناقشة في الحساب، فإذا رأوا سيئاتهم مغفورة، وحسناتهم متقبلة، سروا بذلك، ووقوا شره.
وجائز أن يكونوا أُومنوا من أهوال القيامة وأفزاعها حين نشروا من القبور، وبلغتهم الملائكة بالبشارة، كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾ : فالسرور عبارة عن انتفاء الحزن عنهم، والنضرة: أثر كل نعيم.
وقيل: نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، أي: على الطاعات، وصبروا عن معاصي الله .
﴿ جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾ : أي: جزاهم جنة، وجزاهم حريرا، فذكر الحرير؛ لأن الجنان إنما تذكر في موضع التطرب والتنعم بالمآكل والمشارب دون التنعم باللباس؛ فوعد لهم اللباس من الحرير، مع ما جزاهم الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ ﴾ ، يذكر تفسيرها بعد هذا، إن شاء الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ﴾ : لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير؛ بل يكون ظلها دائما ممدودا؛ فجائز أن يكون المراد منه: أن ضياء الجنة ليس بالشمس، ولكن بما خلقت مضيئة؛ لأن الشمس في الدنيا يقع بها الضياء؛ فيكون ضياء النهار بالشمس.
وذكر أنهم لا يرون فيها الزمهرير؛ ليعلم أن لذاذة شراب الجنة وبرودته بالخلقة، لا أن تكون برودته بتغير يقع في الأحوال على ما يكون عليه شراب أهل الدنيا.
أو يكون ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم لا يؤذون بحَرٍّ ولا برد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا ﴾ : جائز أن يراد به: أنها دانية من هؤلاء الذين سبق نعتهم، وهم الأبرار، كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
أو ذكر أن ظلالها دانية؛ لأنها لو لم تكن دانية، لكان لا يقع لهم بها انتفاع.
وقيل: هي ظلال غصون الأشجار قريبا منهم؛ لأن الجنة نورا يتلألأ؛ فيقع بالأشجار ظلال؛ على ما جاء في الخبر "أنه لو ألقي سوار من الجنة في الدنيا، لأضاءت الدنيا، ويغلب ضوءها الشمس" ، ويجوز ذلك؛ فتقع الأشجار فيها ظلال؛ كما يشتهونه في الدنيا ليس ذلك على شمس [ولا] قمر.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً ﴾ : جائز أن يكون أريد بالتذليل: التليين، أي: لينت؛ فلا يرد أيديهم عنها شوك.
وقيل: إن أشجارها ليست بطوال لا تنال ثمارها إلا بعد عناء وكد؛ بل قريبة من أربابها، يقال: حائط ذليل؛ إذ لم يكن عاليا في السماء.
وقيل: ذللت، أي: سويت الأشجار، لا يتفاوت بعضها بعضاً؛ يقول أهل المدينة إذا استوت عذوق النخلة: تذللت النخلة.
وقيل: ذللت، أي: سخرت؛ والتذليل: التسخير، فيتناولون منها كيف شاءوا: إن شاءوا تناولوها وهم قيام، وإن شاءوا تناولوها وهم جلوس، أو نيام على الفرش.
وجائز أن يكون تسخيرها على ما ذكر عن بعض المتقدمين: أن شجر الجنة عروقها من فوق، وفروعها من أسفل، والثمار بين ذلك.
وقوله - عزو جل -: ﴿ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ ﴾ .
فتأويل الأكواب يذكر في سورة: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ ﴾ .
ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها.
ثم الآنية من الفضة في أعين أهلها أرفع وأشرف من الإناء المتخذ من التراب؛ فكذلك الصفاء الذي يكون بالفضة أبلغ وأرفع في أعين أهلها من الصفاء الذي يقع بالقوارير.
﴿ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ ﴾ على الأصل المعهود: أنه لا ينصرف، وقرئ قوله: ﴿ قَوَارِيرَاْ ﴾ على الوقف عليه موافقا لآخر سائر الآيات، وقرئ (قواريراً)، بالتنوين عند الوصل أيضا؛ لأنه رأس الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ﴾ : أي: جعلت على قدر ربهم.
وقيل: يسقون على القدر الذي قدروه في أنفسهم، وحدثت به أنفسهم؛ فلا يقدرون في قلوبهم مقداراً إلا أتوا بها على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً ﴾ : منهم من زعم أن العرب كانوا إذا أعجبهم شراب نعتوه، وقالوا: كالزنجبيل؛ فخرجت البشارة من الوجه الذي ترغب في مثله الأنفس.
ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد، وهما اسم العين.
ومنهم من ذكر السلسبيل، أي: سل سبيلا إلى تلك العين.
وقال قتادة: أي: سلسلة السبيل، مستعذَب ماؤها.
وقيلأ: سلسبيلا: شديد الجرية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ : ذكر الولد لا أن يكون فيها وِلاَدٌ؛ ولكنهم أنشئوا ولدنا، فيخلدون كذلك، لا يكبرون، ولا يهرمون.
وجائز أن يكون الولدان ولدان الكفرة الذين ماتوا في الدنيا صغارا؛ فلا يكون لهم في الجنة آباء؛ ليرفعوا إلى درجة الآباء؛ فيجعلهم الله خدما لأهل الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً ﴾ : منهم من يقول: إن اله شبه حسنهم بحسن اللؤلؤ المنثور؛ إذ أحسن ما يكون اللؤلؤ إذا كان منثورا؛ فجائز أن يكون هؤلاء الولدان فضلوا في الحسن على سائر الجواهر التي تكون في الجنة؛ كما فضل الدر في الدنيا على سائر الجواهر.
ومنهم من يقول: إنهم ما لم يطوفوا فمن رآهم حسبهم لؤلؤا منثورا، وإذا طافوا، وتحركوا، فحينئذ يعلمون أنهم ولدان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ : قيل: هما اللذان لا نعت لهما ولا وصف.
وقيل: المُلْك: استئذان الملائكة عليهم، وملوك الدنيا وإن علت رتبتهم لم يملكوا الاحتجاب من دخول الملائكة عليهم بغير استئذان، والملك: هو الذي له نفاذ الأمور.
وجائز أن يكون ذكر النعيم والملك الكبير على معنى أنه لا ينقطع عنهم؛ بل إذا رأيتهم أبدا رأيتهم في نعيم وملك كبير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ : جائز أن يكون أراد بالعالي ما علا من المكان الذي هم فيه، فيخبر أن في أعلى أماكنهم ثبابَ خضرْ من سندس كما هو في المكان الذي أسفل موضع جلوسهم؛ لأنهم يكونون على الأرائك والأحجال؛ فيكون ما تحت الأحجال والأرائك من الأماكن زرابي مبثوثة؛ ونمارق مصفوفة، ويكون عاليها كذلك.
فإن كان على هذا، فلا فرق بين أن يكون فرش ذلك المكان من حرير وديباج غليظ - إن أريد بالإستبرق الديباج الغليظ - وبين أن يكون ديباج رقيق؛ إذ كل ذلك مما يرغب في مثله، والله أعلم.
وقيل: ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ ، أي: أعلى ثيابهم سندس خضر وإستبرق.
وقال بعضهم: عالي أنفسهم ثياب سندس.
ومنهم من صرف السندس إلى اللباس والإستبرق إلى ما بسط؛ لأن الديباج الغليظ مما لا ترغب الأنفس إلى لبس مثله؛ فجمع بين ما يلبس وبين ما يفرش، وبيَّنَ الفعل في أحدهما، ولم يذكر في الآخر.
ومنهم من قال: ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ هم الولدان يطوفون من أعاليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ : بشرهم بالأساور من فضة؛ لأن الفضة مستحسنة بنفسها؛ لبياضها، والذهب استحسانه لقدره وعزته، ليس لنفسه؛ لأنه أصفر، والأعين لا تستحسن هذا اللون؛ فجرت البشارة بالفضة لا بالذهب.
وقال بعضهم: يحلى الرجال بأسورة من فضة؛ على ما أبيح لهم التحلي بخاتم الفضة في الدنيا، وتحلي النساء بأساور الذهب على ما أبيح لهن التحلي بخاتم الذهب في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ : قيل: هو الخمر تطهر من الآفات ومن كل مكروه، وتطهر قلوبهم من الغل؛ فيعمل ذلك الشراب في تطهيز الظاهر والباطن، وشراب الدنيا يطهر ظاهر البدن، وباطن البدن ينجس الشراب.
وروي عن النبي أنه قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع" ، فقال يهودي: إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة؛ فقال رسول الله : "حاجة أحدهم عرق يفيض من جسده؛ فتضمر لذلك بطنه" والأصل أنك قد ترى الطعام الذي يطعمه الإنسان في الدنيا تبقى قوته في البدن حتى يظهر ذلك في كل جارحة من جوارحه، وكذلك شهوته تبقى فيها، ثم يخرج الثفل منها والفضل؛ فجائز أن يرفع الله عن ذلك الطعام الفضل الذي يزابل البدن؛ فيكون طعامهمه ذلك لطيف الذي يبقى في النفس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ﴾ : فجائز أن يكون هذه البشارة خرجت لأهلها في الدنيا.
وجائز أن تكون لهم في الآخرة: أن هذا الذي أكرمتم به من الكرامات جزاء لعملكم وسعيكم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
ويطعمون الطعام مع كونهم في حال يحبونه لحاجتهم إليه واشتهائهم له، يطعمونه المحتاجين من الفقراء واليتامى والأسارى.
<div class="verse-tafsir" id="91.K1dEJ"