الإسلام > القرآن > سور > سورة 77 المرسلات > الآية ٣١ من سورة المرسلات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣١ من سورة المرسلات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
أي ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه ولا يغني من اللهب يعني ولا يقيهم حر اللهب.
( لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ) .
وقوله: ( لا ظَلِيلٍ ) يقول: لا هو يظلهم من حرّها ( وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ) ولا يُكِنُّهم من لهبها.
ثم وصف الظل فقال : لا ظليل أي ليس كالظل الذي يقي حر الشمس ولا يغني من اللهب أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا .
واللهب ما يعلو على النار إذ اضطرمت ، من أحمر وأصفر وأخضر .وقيل : إن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين ; قاله الضحاك .
وقيل : اللهب ثم الشرر ثم الدخان ; لأنها ثلاثة أحوال ، هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت .
وقيل : عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب .
فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين ، وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين ، وأما اللهب [ ص: 142 ] الصافي فيقف على رؤوس الكافرين .
وقيل : هو السرادق ، وهو لسان من نار يحيط بهم ، ثم يتشعب منه ثلاث شعب ، فتظللهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار .
وقيل : هو الظل من يحموم ; كما قال تعالى : في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم على ما تقدم .
وفي الحديث : " إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم ، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون : فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم " ويقال للمكذبين : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب فيكون أولياء الله - جل ثناؤه - في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل ، إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار .
{ لَا ظَلِيلٍ } ذلك الظل أي: لا راحة فيه ولا طمأنينة، { وَلَا يُغْنِي } من مكث فيه { مِنَ اللَّهَبِ } بل اللهب قد أحاط به، يمنة ويسرة ومن كل جانب، كما قال تعالى: { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين }
ثم وصف ذلك الظل فقال - عز وجل - ( لا ظليل ) لا يظل من الحر ( ولا يغني من اللهب ) قال الكلبي : لا يرد لهب جهنم عنكم ، والمعنى أنهم [ إذا ] استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب .
«لا ظليل» كنين يظلهم من حر ذلك اليوم «ولا يغني» يرد عنهم شيئا «من اللهب» النار.
يقال للكافرين يوم القيامة: سيروا إلى عذاب جهنم الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، سيروا، فاستظلوا بدخان جهنم يتفرع منه ثلاث قطع، لا يُظِل ذلك الظل من حر ذلك اليوم، ولا يدفع من حر اللهب شيئًا.
إن جهنم تقذف من النار بشرر عظيم، كل شرارة منه كالبناء المشيد في العِظم والارتفاع.
كأن شرر جهنم المتطاير منها إبل سود يميل لونها إلى الصُّفْرة.
ثم وصف - سبحانه - هذا الظل بصفة ثانية فقال : ( لاَّ ظَلِيلٍ ) أى : ليس هو بظل على سبيل الحقيقة ، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه .ثم وصفه بصفة ثالثة فقال : ( وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب ) أى : أن هذا الظل الى تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإِغناء ، من حر لهب جهنم التى هى مأواكم ونهايتكم .وبهذه الصفات يكون لفظ الظل ، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده بالراحة .
.
وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه ، ولايدفع عنهم شيئا من حر اللهب .وههذ الصفات إنما جئ بها لدفع ما يوهمه لفظ " ظل " .وعدى الفعل " يغنى " بحرف من ، لتضمنه معنى يُبْعِد .
اعلم أن هذا هو النوع الخامس: من وجوه تخويف الكفار وهو بيان كيفية عذابهم في الآخرة فأما قوله: ﴿ انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ ﴾ فالمعنى أنه يقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب، والظاهر أن القائلين هم خزنة النار وانطلقوا الثاني تكرير، وقرأ يعقوب ﴿ انطلقوا ﴾ على لفظ الماضي، والمعنى أنهم انقادوا للأمر لأجل أنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعاً منه، وهذا بعيد لأنه كان ينبغي أن يقال: فانطلقوا بالفاء، ليرتبط آخر الكلام بأوله، قال المفسرون: إن الشمس تقرب يوم القيامة من رؤوس الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كنان، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم ويمتد ذلك اليوم، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهناك يقولون: ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْنَا ووقانا عَذَابَ السموم ﴾ ويقال للمكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه، وقوله: ﴿ إلى ظِلّ ﴾ يعني دخان جهنم كقوله: ﴿ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ ﴾ ثم إنه تعالى وصف هذا الظل بصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ ذِى ثلاث شُعَبٍ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل، ولا سمعت فيه شيئاً.
وثانيها: قال قوم المراد بقوله: إلى ظل ذي ثلاث شعب كون النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم، وتسمية النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب كقوله: ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ .
وثالثها: قال قتادة: بل المراد الدخان وهو من قوله: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ وسرادق النار هو الدخان، ثم إن شعبة من ذلك الدخان على يمينه وشعبة أخرى على يساره، وشعبة ثالثة من فوقه.
وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله، والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفاق الصادرة عن الإنسان في عقائده، وفي أعماله، ليس إلا هذه الثلاثة، فتولدت من هذه الينابيع الثلاثة أنواع من الظلمات، ويمكن أيضاً أن يقال: هاهنا درجات ثلاثة، وهي الحس والخيال، والوهم، وهي مانعة للروح عن الاستنارة بأنوار عالم القدس والطهارة، ولكل واحد من تلك المراتب الثلاثة نوع خاص من الظلمة.
ورابعها: قال قوم: هذا كناية عن كون ذلك الدخان عظيماً، فإن الدخان العظيم ينقسم إلى شعب كثيرة.
وخامسها: قال أبو مسلم ويحتمل في ثلاث شعب ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه: غير ظليل وأنه لا يغني من اللهب وبأنها ترمى بشرر كالقصر.
الصفة الثانية: لذلك الظل قوله: ﴿ لاَّ ظَلِيلٍ ﴾ وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين، والمعنى أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللهب ﴾ يقال: أغن عني وجهك، أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده، كما أن المحتاج يقاربه، قال صاحب الكشاف: إنه في محل الجر، أي وغيره مغن عنهم، من حر اللهب شيئاً، قال القفال: وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن هذا الظل إنما يكون في جهنم، فلا يظلهم من حرها، ولا يسترهم من لهيبها، وقد ذكر الله في سورة الواقعة الظل فقال: ﴿ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴾ وهذا كأنه في جهنم إذا دخلوها، ثم قال: ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَّ ظَلِيلٍ ﴾ في معنى: ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللهب ﴾ في معنى: ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ أي لا روح له يلجأ إليه من لهب النار والثاني: أن تكوُّنَ ذلك إنما يكون قبل أن يدخلوا جهنم بل عندما يحسبون للحساب والعرض، فيقال لهم: إن هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا يدفع لهب النار، وفي الآية وجه ثان: وهو الذي قاله قطرب: وهو أن اللهب هاهنا هو العطش يقال: لهب لهباً ورجل لهبان وامرأة لهبى.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ ﴾ قال الواحدي: يقال شررة وشرر وشرارة وشرار، وهو ما تطاير من النار متبدداً في كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا أظهرته وبسطته للشمس والشرار ينبسط متبدداً، واعلم أن الله تعالى وصف النار التي كان ذلك الظل دخاناً لها بأنها ترمي بالشرارة العظيمة، والمقصود منه بيان أن تلك النار عظيمة جداً، ثم إنه تعالى شبه ذلك الشرر بشيئين الأول: بالقصر وفي تفسيره قولان: أحدهما: أن المراد منه البناء المسمى بالقصر قال ابن عباس: يريد القصور العظام الثاني: أنه ليس المراد ذلك، ثم على التقدير ففي التفسير وجوه: أحدها: أنها جمع قصرة ساكنة الصاد كتمرة وتمر وجمرة وجمر، قال المبرد: يقال للواحد من الحطب الجزل الغليظ قصرة والجمع قصر، قال عبد الرحمن بن عابس: سألت ابن عباس عن القصر فقال: هو خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه وكنا نسميه القصر، وهذا قول سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك، إلا أنهم قالوا: هي أصول النخل والشجر العظام، قال صاحب الكشاف: قرئ كالقصر بفتحتين وهي أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة وشجر، وقرأ ابن مسعود كالقصر بمعنى القصر كرهن ورهن، وقرأ سعيد بن جبير كالقصر في جمع قصرة كحاجة وحوج.
التشبيه الثاني: قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُ جملات صُفْرٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: جمالات جمع جمال كقولهم: رجالات ورجال وبيوتات وبيوت، وقرأ ابن عباس حمالات بضم الجيم وهو قراءة يعقوب وذكروا وجوهاً أحدها: قيل: الجمالات بالضم الحبال الغلاظ وهي حبال السفن، ويقال لها: القلوس ومنهم من أنكر ذلك وقال: المعروف في الحبال إنما هو الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وقرئ: ﴿ حتى يَلِجَ الجمل ﴾ .
وثانيها: قيل هي قطع النحاس، وهو مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن عباس ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه.
وثالثها: قال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل، يقال: أجملت الحساب، وجاء القوم جملة أي مجتمعين، والمعنى أن هذه الشررة ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر، وهذا قول الفراء.
ورابعها: قال الفراء: يجوز أن يقال: جمالات بضم الجيم جمع جمال بضم الجيم وجمال بضم الجيم يكون جمع جمل، كما يقال: رخل ورخال ورخال.
القراءة الثاني: جمالة بكسر الجيم هي جمع جمل مثل حجر وحجارة، قال أبو علي: والتاء إنما لحقت جمالاً لتأنيث الجمع، كما لحقت في فحل وفحالة.
القراءة الرابعة: جملة بضم الجيم وهي القلس، وقيل: صفر لإرادة الجنس، أما قوله: صفر فالأكثرون على أن المراد منه سود تضرب إلى الصفرة، قال الفراء: لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشوب صفرة، والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أشبه بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة.
وزعم بعض العلماء أن المراد هو الصفرة لا السواد، لأن الشرر إنما يسمى شرراً ما دام يكون ناراً، ومتى كان ناراً كان أصفر، وإنما يصير أسود إذا انطفأ، وهناك لا يسمى شرراً، وهذا القول عندي هو الصواب.
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى شبه الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وقيل: أيضاً إن ابتداء الشرر يعظم فيكون كالقصر ثم يفترق فتكون تلك القطع المتفرقة المتتابعة كالجمالات الصفر، واعلم أنه نقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كالقصر ﴾ أن هذا التشبيه إنما ورد في بلاد العرب، وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة، فبين تعالى أنها ترمى بشرر كالقصر، فلما سمع أبو العلاء المعري بهذا تصرف فيه وشبهه بالخيمة من الأديم، وهو قوله: حمراء ساطعة الذوائب في الدجى *** ترمى بكل شرارة كطراف ثم زعم صاحب الكشاف أنه ذكر ذلك معارضة لهذه الآية، وأقول: كان الأولى لصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك، وإذ قد ذكره فلابد لنا من تحقيق الكلام فيه، فنقول: تشبيه الشرارة بالطراف يفيد التشبيه في الشكل والعظم، أما الشكل فمن وجهين: الأول: أن الشرارة تكون قبل انشعابها كالنقطة من النار، فإذا انشعبت اتسعت فهي كالنقطة التي تتسع فهي تشبه الخيمة فإن رأسها كالنقطة ثم إنها لا تزال تتسع شيئاً فشيئاً الثاني: أن الشرارة كالكرة أو الأسطوانة فهي شديدة الشبه بالخيمة المستديرة وأما التشبيه بالخيمة في النظم فالأمر ظاهر، هذا منتهى هذا التشبيه.
وأما وجه القدح فيه فمن وجوه: الأول: أن لون الشرارة أصفر يشوبها شيء من السواد، وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الخيمة من الأديم الثاني: أن الجمالات متحركة والخيمة لا تكون متحركة فتشبيه الشرار المتحرك بالجمالات المتحركة أولى والثالث: أن الشرارات متتابعة يجيء بعضها خلف البعض وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الطراف الرابع: أن القصر مأمن الرجل وموضع سلامته فتشبيه الشرر بالقصر تنبيه على أنه إنما تولدت آفته من الموضع الذي توقع منه الأمن والسلامة، وحال الكافر كذلك فإنه كان يتوقع الخير والسلامة من دينه، ثم إنه ما ظهرت له آفة ولا محنة إلا من ذلك الدين، والخيمة ليست مما يتوقع منها الأمن الكلي الخامس: أن العرب كانوا يعتقدون أن كل الجمال في ملك الجمال وتمام النعم إنما يحصل بملك النعم، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ فتشبيه الشرر بالجمال السود كالتهكم بهم، كأنه قيل لهم: كنتم تتوقعون من دينكم كرامة ونعمة وجمالاً إلا أن ذلك الجمال هو هذه الشرارات التي هي كالجمال، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف السادس: أن الجمال إذا انفردت واختلط بعضها بالبعض فكل من وقع فيما بين أيديها وأرجلها في ذلك الوقت نال بلاء شديداً وألماً عظيماً، فتشبيه الشرارات بها حال تتابعها يفيد حصول كمال الضرر، والطراف ليس كذلك السابع: الظاهر أن القصر يكون في المقدار أعظم من الطراف والجمالات الصفر تكون أكثر في العدد من الطراف فتشبيه هذه الشرارات بالقصر وبالجمالات يقتضي الزيادة في المقدار وفي العدد وتشبهها بالطراف لا يفيد شيئاً من ذلك، ولما كان المقصود هو التهويل والتخويف كان التشبيه الأول أولى الثامن: أن التشبيه بالشيئين في إثبات وصفين أقوى في ثبوت ذينك الوصفين من التشبيه بالشيء الواحد في إثبات ذينك الوصفين، وبيانه أن من سمع قوله: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كالقصر ﴾ تسارع ذهنه إلى أن المراد إثبات عظم تلك الشرارات، ثم إذا سمع بعد ذلك قوله: ﴿ كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ ﴾ تسارع ذهنه إلى أن المراد كثرة تلك الشرارات وتتابعها ولونها.
أما من سمع أن الشرار كالطراف يبقى ذهنه متوقفاً في أن المقصود بالتشبيه إثبات العظم أو إثبات اللون، فالتشبيه بالطراف كالمجمل، والتشبيه بالقصر وبالجمالات الصفر، كالبيان المفصل المكرر المؤكد.
ولما كان المقصود من هذا البيان هو التهويل والتخويف، فكلما كان بيان وجوه العذاب أتم وأبين كان الخوف أشد، فثبت أن هذا التشبيه أتم.
التاسع: أنه قال في أول الآية: ﴿ انطلقوا إلى ظِلّ ﴾ والإنسان إنما يكون طيب العيش وقت الانطلاق، والذهاب إذا كان راكباً، وإنما يجد الظل الطيب إذا كان في قصره، فوقع تشبيه الشرارة بالقصر والجمالات، كأنه قيل له: مركوبك هذه الجمالات، وظلك في مثل هذا القصر، وهذا يجري مجرى التهكم بهم، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف العاشر: من المعلوم أن تطاير القصر إلى الهواء أدخل في التعجب من تطاير الخيمة، لأن القصر يكون مركباً من اللبن والحجر والخشب.
وهذه الأجسام أدخل في الثقل والاكتناز من الخيمة المتخذة إما من الكرباس أو من الأديم، والشيء كلما كان أثقل وأشد اكتنازاً كان تطايره في الهواء أبعد، فكانت النار التي تطير القصر إلى الهواء أقوى من النار التي تطير الطراف في الهواء، ومعلوم أن المقصود تعظيم أمر النار في الشدة والقوة، فكان التشبيه بالقصر أولى الحادي عشر: وهو أن سقوط القصر على الإنسان أدخل في الإيلام والإيجاع من سقوط الطراف عليه، فتشبيه تلك الشرارات بالقصر يفيد أن تلك الشرارات إذا ارتفعت في الهواء ثم سقطت على الكافر فإنها تؤلمه إيلاماً شديداً، فصار ذلك تنبيهاً على أنه لا يزال يسقط عليه من الهواء شرارات كالقصور بخلاف وقوع الطراف على الإنسان، فإنه لا يؤلم في الغاية الثاني عشر: أن الجمال في أكثر الأمور تكون موقرة، فتشبيه الشرارات بالجمال تنبيه على أن مع كل واحد من تلك الشرارات أنواعاً من البلاء والمحنة لا يحصي عددها إلا الله، فكأنه قيل: تلك الشرارات كالجمالات الموقرة بأنواع المحنة والبلاء، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف فكان التشبيه بالجمالات أتم.
واعلم أن هذه الوجوه توالت على الخاطر في اللحظة الواحدة ولو تضرعنا إلى الله تعالى في طلب الأزيد لأعطانا أي قدر شئناً بفضله ورحمته، ولكن هذه الوجوه كافية في بيان الترجيح والزيادة عليها تعد من الإطناب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أي يقال لهم: انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، وانطلقوا الثاني تكرير.
وقرئ: ﴿ انطلقوا ﴾ على لفظ الماضي إخباراً بعد الأمر عن عملهم بموجبه، لأنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعاً منه ﴿ إلى ظِلٍّ ﴾ يعني دخان جهنم، كقوله: ﴿ وظل من يحموم ﴾ [الواقعة: 43] ﴿ ذِى ثلاث شُعَبٍ ﴾ بتشعب لعظمه ثلاث شعب، وهكذا الدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب.
وقيل: يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم؛ والمؤمنون في ظل العرش ﴿ لاَّ ظَلِيلٍ ﴾ تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين ﴿ وَلاَ يُغْنِى ﴾ في محل الجر، أي: وغير مغن عنهم من حرّ اللهب شيئاً ﴿ بِشَرَرٍ ﴾ وقرئ: ﴿ بشرار ﴾ ﴿ كالقصر ﴾ أي كل شررة كالقصر من القصور في عظمها.
وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة قصرة، نحو: جمرة وجمر.
وقرئ ﴿ كالقصر ﴾ بفتحتين: وهي أعناق الإبل، أو أعناق النخل، نحو شجرة وشجر.
وقرأ ابن مسعود: كالقصر بمعنى القصور، كرهن ورهن.
وقرأ سعيد ابن جبير ﴿ كالقصر ﴾ في جمع قصرة، كحاجة وحوج ﴿ جمالة ﴾ جمع جمال.
أو جمالة جمع جمل؛ شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه.
ألا تراهم يشبهون الإبل بالأفدان والمجادل.
وقرئ: ﴿ جمالات ﴾ بالضم: وهي قلوس الجسور.
وقيل: قلوس سفن البحر، الواحدة جمالة وقرئ ﴿ جمالة ﴾ بالكسر، بمعنى: جمال وجمالة بالضم: وهي القلس.
وقيل ﴿ صُفْرٌ ﴾ لإرادة الجنس.
وقيل ﴿ صُفْرٌ ﴾ سود تضرب إلى الصفرة.
وفي شعر عمران ابن حطان الخارجي: دَعَتْهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَرَمَتْهُمُ ** بِمِثْلِ الْجِمَالِ الصُّفْرِ نَزْاعَةُ الشِّوَى وقال أبو العلاء: حَمْرَاءُ سَاطِعَةُ الذَّوَائِبِ في الدُّجَى ** تَرْمِى بِكلِّ شَرَارَةٍ كَطِرَافِ فشبهها بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة، وكأنه قصد بخبثه: أن يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته بقوله ﴿ حمراء ﴾ توطئة لها ومناداة عليها، وتنبيها للسامعين على مكانها، ولقد عمي: جمع الله له عمى الدارين عن قوله عز وعلا، ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ ؛ فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر؛ وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيها من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء، وفي التشبيه بالجمالات وهي القلوس: تشبيه من ثلاث جهات: من جهة العظم والطول والصفرة، فأبعد الله إغرابه في طرافه وما نفخ شدقيه من استطرافه.
قرئ بنصب ﴿ اليوم ﴾ ونصبه الأعمش، أي: هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ، ويوم القيامة طويل ذو مواطن ومواقيت: ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت؛ ولذلك ورد الأمران في القرآن.
أو جعل نطقهم كلا نطق؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع ﴿ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ عطف على ﴿ يُؤْذَنُ ﴾ منخرط في سلك النفي.
والمعنى: ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له، من غير أن يجعل الاعتذار مسبباً عن الإذن ولو نصب لكان مسبباً عنه لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انْطَلِقُوا ﴾ أيْ يُقالُ لَهُمُ انْطَلَقُوا.
﴿ إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ.
﴿ انْطَلِقُوا ﴾ خُصُوصًا وعَنْ يَعْقُوبَ انْطَلِقُوا عَلى الإخْبارِ عَنِ امْتِثالِهِمْ لِلْأمْرِ اضْطِرارًا.
﴿ إلى ظِلٍّ ﴾ يَعْنِي ظِلَّ دُخانِ جَهَنَّمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ ﴿ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ يَتَشَعَّبُ لِعِظَمِهِ كَما تَرى الدُّخانَ العَظِيمَ يَتَفَرَّقُ تَفَرُّقَ الذَّوائِبِ، وخُصُوصِيَّةُ الثَّلاثِ إمّا لِأنَّ حِجابَ النَّفْسِ عَنْ أنْوارِ القُدْسِ الحِسِّ والخَيالِ والوَهْمِ، أوْ لِأنَّ المُؤَدِّيَ إلى هَذا العَذابِ هو القُوَّةُ الواهِمَةُ الحالِيَّةُ في الدِّماغِ والغَضَبِيَّةُ الَّتِي في يَمِينِ القَلْبِ والشَّهْوِيَّةُ الَّتِي في يَسارِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: شُعْبَةٌ تَقِفُ فَوْقَ الكافِرِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَمِينِهِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَسارِهِ.
﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ورَدٌّ لِما أوْهَمَ لَفْظُ الـ ظِلٍّ.
﴿ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ وغَيْرُ مُغْنٍ عَنْهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا.
<div class="verse-tafsir"
{لاَّ ظَلِيلٍ} نعت ظل أي لا مظل من حر ذلك اليوم وحر النار {وَلاَ يغني} في محل الجراى وغير مغنٍ لهم {مِنَ اللهب} من حر اللهب شيئا
﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ أيْ لا مُظَلِّلَ وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِظِلٍّ ونَفى كَوْنَهُ مُظَلِّلًا عَنْهُ والظِّلُّ لا يَكُونُ إلّا مُظَلِّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَعْلَهُ ظِلًّا تَهَكُّمٌ بِهِمْ ولِأنَّهُ رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّ فِيهِ راحَةً لَهم فَنَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِذَلِكَ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ظِلَّهم غَيْرُ ظِلِّ المُؤْمِنِينَ ﴿ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ وغَيْرُ مُفِيدٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا وعُدِّيَ يُغْنِي بِمِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يَبْعُدُ واشْتُهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُشِيرُ إلى قاعِدَةٍ هَنْدَسِيَّةٍ وهي أنَّ الشَّكْلَ المُثَلَّثَ لا ظِلَّ لَهُ فانْظُرْ هَلْ تَتَعَقَّلُ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ يعني: ألم يهلك الله تعالى من كان قبلهم بتكذيبهم لأنبيائهم ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ يعني: نهلك الآخرين يعني: إن كذبوا رسلهم كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا يفعل الله بالكفار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: الذين كذبوا رسلهم ثم قال: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني: من نطفة، وهو ماء ضعيف فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ يعني: في رحم الأم.
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ يعني: إلى وقت معروف، وهو وقت الخروج من البطن.
فَقَدَرْنا يعني: فخلقنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ يعني: نعم الخالق، وهو أحسن الخالقين.
قرأ نافع، والكسائي فَقَدَرْنا بتشديد الدال المهملة، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.
يقال: قدرت كذا وكذا، وقد يعني: خلقه في بطن الأم نطفة، ثم علقة ثم مضغة.
يعني: قدرنا خلقه قصيراً وطويلاً، فنعم القادرون.
يعني: فنعم ما قدر الله تعالى خلقهم، ثم أخبرهم بصنعه ليعتبروا، فيؤمنوا بالبعث، وعرفوا الخلق الأول فقال: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: الشدة من العذاب لمن رأى الخلق الأول، فأنكر الخلق الثاني.
ويقال: فنعم القادرون، يعني: نعم المقدرون.
ويقال: نعم المالكون.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً يعني: أوعية للخلق.
ويقال: موضع القرار، ويقال: بيوتاً ومنزلاً أَحْياءً وَأَمْواتاً يعني: ظهرها منازل الأحياء، وبطنها منازل الأموات.
وقال الأخفش: يعني: أوعية للأحياء والأموات.
وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم.
ويقال: يعني: نظمكم فيها، والكفت الضم وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثقال: شامِخاتٍ يعني: عاليات طوالاً وَأَسْقَيْناكُمْ مَّاء فُراتاً يعني: ماءً عذباً من السماء، ومن الأرض وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: ويل لمن عاين هذه الأشياء، وأنكر وحدانية الله تعالى والبعث.
ثم قال عز وجل: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني: يوم الفصل.
يقال لهؤلاء الذين أنكروا البعث، انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون، يعني: انطلقوا إلى العذاب.
ثم قال عز وجل: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وذلك أنه يخرج عنق من النار، فيحيط الكفار مثل السرادق، ثم يخرج من دخان جهنم ظل أسود، فيفرق فيهم ثلاث فرق رؤوسهم، فإذا فرغ من عرضهم قيل لهم انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ ينفعهم وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ يعني: السرادق من لهب النار.
وقال القتبي: وذلك أن الشمس تدنو من رؤوسهم، يعني: رؤوس الخلق أجمع، وليس عليهم يومئذ لباس، ولا لهم أكنان.
ينجي الله تعالى برحمته من يشاء إلى ظل من ظله.
ثم قال للمكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظل، أي: دخان من نار جهنم قد يسطع.
ثم افترق ثلاث فرق، فيكونون فيه، إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون أوليائه في ظله.
ثم يؤمر لكل فريق إلى مستقره الجنة، أو إلى النار.
ثم وصف الظل فقال لاَّ ظَلِيلٍ يعني: لا يظلكم من حر هذا اليوم، بل يزيدكم من لهب النار، إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وهذا مثل قوله وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) [الواقعة: 43] وهو الدخان وهو سرادق أهل النار، كما ذكر المفسرون.
<div class="verse-tafsir"
والباطل والحلال والحرام «١» ، وقيل: هي آيات القرآن، وأَمَّا الملقيات ذكراً فهي في قول الجمهور الملائكة، وقال آخرون: هي الرسل، والذكر: الكتب المُنَزَّلَةُ والشرائع ومضمناتها، والمعنى: أَنَّ الذكر يلقى بإعذار وإنذار.
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
وقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هو الجواب الذي وقع عليه القَسَمُ، والإشارة إلى البعث وأحوال القيامة، والطَّمْسُ محو الأثر، فطمس النجوم: ذَهَابُ ضوءها، وفرج السماء: هو بانفطارها وانشقاقها.
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي: جُمِعَتْ لميقاتِ يوم معلوم، وقرأ أبو عمرو وحده «٢» :
«وُقِّتَتْ» والواو هي الأصل لأَنَّها من الوقت، والهمزة بدل قال الفَرَّاءُ: كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز أنْ تُبْدَلَ منها همزة، انتهى.
وقوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ تعجيب وتوقيف على عِظَمِ ذلك اليوم وهوله، ثم فسر ذلك بقوله: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، ومن هذه الآية انتزع القضاة الآجالَ في الحكومات ليقعَ فصل القضاء عند تمامها، ثم عَظَّمَ تعالى يومَ الفصل بقوله: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ على نحو قوله:
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٣] وغير ذلك، ثم أثبت الويل لِلْمُكَذِّبِينَ، والويل: هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويُرْوَى أَنَّه واد في جهنم.
وقوله عز وجل: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ...
الآية، قرأ الجمهور: «نُتْبِعُهُمُ» - بضم العين- على استئناف الخبر، ورُوِيَ عن أبي «١» عمرو: «نُتْبِعْهُمُ» بجزم العين عطفاً على «نهلك» وهي قراءة الأعرج، فَمَنْ قرأ الأولى جعل الأولين الأُمَمَ التي تقدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أَنَّهُ يتبع الآخرين من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومَنْ قرأ الثانية جعل الأَوَّلِينَ قومَ نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ كان معهم، والآخرين قوم فرعونَ وكُلَّ مَنْ تأخَّرَ وقَرُبَ من مدّة النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: في المستقبل، فيدخل هنا قريش وغيرها، وأَمَّا تكرار قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في هذه السورة فقيل: ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديقَ، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي في الآية، والماء المهين:
معناه الضعيف، والقرار المكين: الرَّحِمُ وبَطْنُ المرأة، والقدر «٢» المعلوم: هو وقت الولادة [ومعناه] معلوم عند اللَّه، وقرأ نافع والكسائيُّ: «فَقَدَّرْنَا» - بتشديد الدال-، والباقون بتخفيفها، وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت.
ت: وفي كلام ع: تلفيف، وقال غيره: فَقَدَّرْنَا بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة، وهو حسن.
وقوله: الْقادِرُونَ يُرَجِّحُ قراءة الجماعة إلاَّ أَنَّ ابن مسعود رَوَى عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ فَسَّرَ «القادرون» بالمقدرين، والكِفَاتُ: الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع تقول: كفت الرجلُ شعره إذا جمعه بخرقة، والأرضُ تكفت الأحياءَ على ظهرها، وتكفِتُ الأموات في بطنها، وخَرَجَ الشَّعْبِيُّ إلى جنازة فنظر إلى الجبَّانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: وهذه كفات الأحياء.
قال/ ع «٣» : ولما كان القبر كفاتاً كالبيت، قُطِعَ من سَرَقَ منه، والرواسي:
الجبال، والشوامخ: المرتفعة، والفرات: الصافي العَذْبُ، والضمير في قوله: انْطَلِقُوا
هو للمُكَذِّبِينَ الذين لهم الويل، ثم بَيَّنَ المُنْطَلَقَ إليه قال عطاء: الظل الذي له ثلاث شعب هو دُخَانُ جهنم «١» ، وقال ابن عباس: هذه المخاطبة تقال يومئذ لِعَبَدَةِ الصليب «٢» إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظل اللَّه ولا ظل إلاَّ ظله، ويقال لعَبَدَةِ الصليب: انطلقوا إلى ظِلِّ معبودكم، وهو الصليب له ثلاث شعب، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل، والضميرُ في إِنَّها لجهنم تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أي: مثل القصور من البنيان قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين «٣» ، وقال ابن عباس أيضاً: القصر خشب كُنَّا في الجاهلية نَدَّخِرُه للشتاء «٤» ، وقرأ ابن عباس «٥» : «كالْقَصَر» - بفتح الصاد- جمع قَصَرَةِ وهي أعناق النخل والإبل، وقال ابن عباس: جذور النخل «٦» ، واخْتُلِفَ في الجَمَالاَتِ:
فقال جمهور من المفسرين: هي جمع جِمَالٍ كرجال ورِجالات، وقال آخرون: أراد بالصُّفْرِ السود، وقال جمهور الناس: بل الصفر: الفاقعة لأَنَّها أشبه بلون الشَّرَرِ، وقال ابن عباس: الجمالات: حبال السفن، وهي الحبال العظام إذا جُمِعَتْ مستديرةً بعضها إلى بعض «٧» ، وقرأ ابن عباس «٨» : «جُمَالَةً» - بضم الجيم- من الجملة لا من الجمل، ثم
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، رَواهُ أبُو العُبَيْدَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي المَلائِكَةُ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُرْفًا ﴾ فَيُقالُ: أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ، ويُقالُ: تَتابَعَتْ كَعُرْفِ الفَرَسِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: يَرْكَبُ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ فَأكْثَرُوا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أنَّ المَلائِكَةَ مُتَتابِعَةٌ بِما تُرْسَلُ بِهِ.
وأصْلُهُ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، لِأنَّهُ سَطْرٌ مُسْتَوٍ بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ، فاسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرُّسُلُ بِما يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: المَلائِكَةُ والرِّيحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ: ومَعْنى "عُرْفًا": يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا.
يُقالُ: جاؤُونِي عُرْفًا.
وفي "العاصِفاتِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعْصِفُ بِرُوحِ الكافِرِ.
وفي "النّاشِراتِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ الكُتُبَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: البَعْثُ لِلْقِيامَةِ تُنْشَرُ فِيهِ الأرْواحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والخامِسُ: المَطَرُ يَنْشُرُ النَّباتَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي "الفارِقاتِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: آيُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ.
والثّالِثُ: الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: الرُّسُلُ يُلْقُونَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ إلى الأُمَمِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "عُذْرًا" خَفِيفًا "أوْ نُذُرًا" مُثَقَّلًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ "عُذْرًا أوْ نُذْرًا" خَفِيفَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو مَصْدَرٌ، مُثَقَّلًا كانَ أوْ مُخَفَّفًا.
ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: أُرْسِلَتْ بِما أُرْسِلَتْ بِهِ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ وإنْذارًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا لِلْإعْذارِ والإنْذارِ.
وهَذِهِ المَذْكُوراتُ مَجْرُوراتٌ بِالقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ ما تُوعَدُونَ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، والبَعْثِ، والجَزاءِ لَواقِعٌ، أيْ: لَكائِنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَتى يَقَعُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أيْ: مُحِيَ نُورُها ﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ أيْ: شُقَّتْ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذُهِبَ بِها كُلِّها بِسُرْعَةٍ.
يُقالُ: انْتَسَفْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "وُقِّتَتْ" بِواوٍ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
ووافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ القافَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "أُقِّتَتْ" بِألِفٍ مَكانَ الواوِ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ.
فَمَن قَرَأ "أُقِّتَتْ" بِالهَمْزِ، فَإنَّهُ أبْدَلَ الهَمْزَةَ مِنَ الواوِ لِانْضِمامِ الواوِ.
وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ، وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً، جازَ أنْ تُبْدَلَ مِنها هَمْزَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الواوُ إذا كانَتْ أوَّلَ حَرْفٍ، وضُمَّتْ، هُمِزَتْ تَقُولُ: صَلّى القَوْمُ أُحْدانًا.
وهَذِهِ أُجُوهٌ حِسانٌ.
ومَعْنى "أُقِّتَتْ": جُمِعَتْ لِوَقْتِها يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جُمِعَتْ لِوَقْتٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ لَها وقْتٌ واحِدٌ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ أيْ: أُخِّرَتْ.
وضَرْبُ الأجَلِ لِجَمْعِهِمْ، يُعَجِّبُ العِبادَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ بِالبَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَمّا فَعَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَقالَ: ﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ العَيْنِ في "نُتْبِعُهُمْ"، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ مِنهم أبُو حَيْوَةَ بِإسْكانِ العَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: "نُتْبِعُهُمْ" مَرْفُوعَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَسَنُتْبِعُهُمُ الآخَرِينَ: .
ولَوْ جَزَمْتَ عَلى مَعْنى: ألَمْ نَقْدِرْ عَلى إهْلاكِ الأوَّلِينَ وإتْباعِهِمُ الآخَرِينَ كانَ وجْهًا جَيِّدًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الجَزْمُ عَطْفٌ عَلى "نُهْلِكْ"، ويَكُونُ المَعْنى: لِمَن أُهْلِكَ أوَّلًا وآخِرًا.
والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ثُمَّ نُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ مِن كُلِّ مُجْرِمٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ : يَعْنِي"كَفّارَ مَكَّةَ حِينَ كَذَّبُوا بِالنَّبِيِّ .
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأوَّلُونَ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، والآخَرُونَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ، ولُوطٍ، ومَدْيَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ ﴿ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: " ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها غَيْرَ ما أرادَ بِالأُخْرى، لِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ شَيْئًا قالَ: "وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" بِهَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكُمْ ﴾ قَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ بِإظْهارِ القافِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ أيْ: ضَعِيفٍ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ يَعْنِي: الرَّحِمَ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ وهو مُدَّةُ الحَمْلِ ﴿ فَقَدَرْنا ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، والكِسائِيُّ "فَقَدَّرْنا" بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّخْفِيفِ.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
.
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: قَدَرَ عَلَيْهِ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ.
وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَقالَ: لَوْ كانَتْ مُشَدَّدَةً لَقالَ: فَنَعِمَ المُقَدِّرُونَ، فَأجابَ الفَرّاءُ فَقالَ: قَدْ تَجْمَعُ العَرَبُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ،كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ .
قالَ الشّاعِرُ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا يَقُولُ: ما أنْكَرَتْ إلّا ما يَكُونُ في النّاسِ.
والثّانِي: أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ القُدْرَةِ والمِلْكِ، والمُشَدَّدَةَ مِنَ التَّقْدِيرِ والقَضاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم صُنْعَهُ لِيَعْتَبِرُوا فَيُوَحِّدُوهُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ.
والمَعْنى: أنَّها تَضُمُّ أهْلَها أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: اكْفِتْ هَذا إلَيْكَ، أيْ: ضُمَّهُ.
وكانُوا يُسَمُّونَ بَقِيعَ الغَرْقَدِ: كِفْتَةً، لِأنَّهُ مَقْبَرَةٌ يَضُمُّ المَوْتى.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَكْفِتُهم أحْياءً وأمْواتًا، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ الفَرّاءُ: وانْتَصَبَ الأحْياءُ والأمْواتُ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نَوَّنْتَ نَصَبْتَ كَما يُقْرَأُ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ أحْياءً بِالنَّباتِ والعِمارَةِ، وأمْواتًا بِالخَرابِ واليُبْسِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ ﴿ شامِخاتٍ ﴾ أيْ: عالِياتٍ ﴿ وَأسْقَيْناكُمْ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى "أسْقَيْنا"، [الحِجْرِ: ٢٢: والجِنِّ: ١٦] ومَعْنى "الفُراتِ" [الفُرْقانِ: ٥٣، وفاطِرٍ: ١٢] والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا، وهو النّارُ ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الثّانِيَةَ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى الأمْرِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأبِي عِمْرانَ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الخَبَرِ بِالفِعْلِ الماضِي.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "والظِّلُّ" هاهُنا: ظِلٌّ مِن دُخانِ نارِ جَهَنَّمَ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ أنْ يَتَشَعَّبَ، فَيُقالُ لَهُمْ: كُونُوا فِيهِ إلى أنْ يَفْرُغَ مِنَ الحِسابِ، كَما يَكُونُ أوْلِياءُ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ، أوْ حَيْثُ شاءَ مِنَ الظِّلِّ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِكُلِّ فَرِيقٍ إلى مُسْتَقَرِّهِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ أيْ: يُظِلُّكم مِن حَرِّ هَذا اليَوْمِ بَلْ يُدْنِيكم مِن لَهَبِ النّارِ إلى ما هو أشَدُّ عَلَيْكم مِن حَرِّ الشَّمْسِ.
قالَ مُجاهِدٌ: تَكُونُ شُعْبَةً فَوْقَ الإنْسانِ، وشُعْبَةً عَنْ يَمِينِهِ، وشُعْبَةً عَنْ شِمالِهِ، فَتُحِيطُ بِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشُّعَبُ الثَّلاثُ: هي الضَّرِيعُ، والزَّقُّومُ، والغِسْلِينُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ هَذا بَعْدَ دُخُولِ النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكم لَهَبَ جَهَنَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ النّارَ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ ﴾ ، وهو جَمْعُ شَرَرَةٍ، وهو ما يَتَطايَرُ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا ﴿ كالقَصْرِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الصّادِ عَلى أنَّهُ واحِدُ القُصُورِ المَبْنِيَّةِ.
وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ "كالقَصَرِ" بِفَتْحِ الصّادِ.
وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ [بِقَصَرِ] ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ [فَنَرْفَعُهُ] لِلشِّتاءِ، فَنُسَمِّيهِ: القَصَرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن فَتْحِ الصّادَ أرادَ: أُصُولَ النَّخْلِ المَقْطُوعَةِ.
المَقْلُوعَةِ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ أعْناقَ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعْدُ ابْنُ أبِي وقّاصٍ، وعائِشَةُ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمَرَ "كالقَصِرِ" بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيُّ "كالقُصُرِ" بِرَفْعِ القافِ والصّادِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الصّادِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ "كالقُصْرِ" بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ الصّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "جِمالاتٌ" بِألِفٍ، وكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "جِمالَةٌ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وحُمَيْدٌ، وأبُو حَيْوَةَ "جُمالَةٌ" بِرَفْعِ الجِيمِ عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "جِمالاتٌ" بِالكَسْرِ، فَهو جَمْعُ جِمالٍ، كَما تَقُولُ: بُيُوتٌ، وبُيُوتاتٌ، وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فالمَعْنى: كَأنَّ الشَّراراتِ كالجِمالاتِ.
ومَن قَرَأ "جُمالاتٌ" بِالضَّمِّ، فَهو جَمْعُ "جُمالَةٍ" ومَن قَرَأ جُمالَةٌ" فَهو جَمْعُ جَمَلٍ وجِمالَةٍ، كَما قِيلَ: حَجَرٌ، وحِجارَةٌ.
وذَكَرٌ، وذِكارَةٌ.
وقُرِئَتْ "جُمالَةٌ" عَلى ما فَسَّرْناهُ في جُمالاتٍ بِالضَّمِّ.
و"الصُّفْرُ" هاهُنا: السُّودُ.
يُقالُ لِلْإبِلِ الَّتِي هي سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ: إبِلٌ صُفْرٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سُودُ الإبِلِ لا يُرى الأسْوَدَ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، فَلِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ: صُفْرًا، كَما سَمَّوُا الظِّباءَ: أدَمًا لِما يَعْلُوها مِنَ الظُّلْمَةِ في بَياضِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: تَكَلَّمُوا واخْتَصَمُوا، ثُمَّ خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَنْفَعُهم.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والقاسِمُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "هَذا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بِنَصْبِ المِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ ﴿ جَمَعْناكُمْ ﴾ يَعْنِي مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿ والأوَّلِينَ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ أيْ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى حِيلَةٍ، فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ ﴾ يَعْنِي: ظِلالَ الشَّجَرِ، وظِلالَ أكْنانِ القُصُورِ ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ الماءَ، وهَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿ كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا ﴾ في الدُّنْيا إلى مُنْتَهى آجالِكم ﴿ إنَّكم مُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا كانُوا إذا قِيلَ لَهُمُ: ارْكَعُوا، أيْ: صَلُّوا ﴿ لا يَرْكَعُونَ ﴾ أيْ: لا يُصَلُّونَ.
وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ، وهو الأصَحُّ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ حِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ بِالصَّلاةِ، فَقالُوا: لا نَحْنِي، فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ: «لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهَذا القُرْآنِ، فَبِأيِّ كِتابٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ، ولا كِتابَ بَعْدَهُ: !
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ - الجُزْءُ الثّامِنُ مِن كِتابِ "زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ لِلْإمامِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ، وأوَّلُهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ
قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ ﴿ لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ ﴾ ﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ ﴾ ﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ.
والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ: كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ.
"جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا".
فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ".
وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
<div class="verse-tafsir"
هذا خطاب للمكذبين في يوم الحشر فهو مقول قول محذوف دل عليه صيغة الخطاب بالانطلاق دون وجود مخاطب يؤمر به الآن.
والضمير المقدَّر مع القول المحذوف عائد إلى المكذبين، أي يقال للمكذبين.
والأمر بانطلاقهم مستعمل في التسخير لأنهم تنطلق بهم ملائكة العذاب قسراً.
وما كانوا به يكذبون هو جهنم.
وعبر عنه بالموصول وصلته لما تتضمنه الصلة من النداء على خطئهم وضلالهم على طريقة قول عَبْدَة بن الطَّبيب: إِنَّ الذين ترَوْنَهم إِخْوَانَكم *** يشْفِي غَلِيلَ صُدورهم أنْ تُصْرَعُوا وجملة ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ إلى آخرها، بدل اشتمال أو مطابقٌ من جملة ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ .
وأعيد فعل ﴿ انطلقوا ﴾ على طريقة التكرير لقصد التوبيخ أو الإِهانة والدَّفْع، ولأجله أُعيد فعل ﴿ انطلقوا ﴾ وحرفُ ﴿ إلى ﴾ .
ومقتضى الظاهر أن يقال: انطلقوا إلى ما كنتُم به تكذبون ظِللٍ ذي ثلاث شعب، فإعادة العامل في البدل للتأكيد في مقام التقريع.
وأريد بالظل دخان جهنم لكثافته، فعبر عنه بالظل تهكماً بهم لأنهم يتشوقون ظلاً يأوون إلى برده.
وأفرد ﴿ ظل ﴾ هنا لأنه جعل لهم ذلك الدخان في مكان واحد ليكونوا متراصين تحته لأن ذلك التراص يزيدهم ألماً.
وقرأ الجمهور ﴿ انطلقوا ﴾ الثاني بكسر اللام مثل ﴿ انطلقوا ﴾ الأول، وقرأه رُوَيس عن يعقوب بفتح اللام على صيغة الفعل الماضي على معنى أنهم أُمروا بالانطلاق إلى النار فانطلقوا إلى دخانها، وإنما لم يعطف بالفاء لقصد الاستئناف ليكون خبراً آخرَ عن حالهم.
والشُّعَب: اسم جمع شُعبة وهي الفريق من الشيء والطائفة منه، أي ذي ثلاث طوائف وَأريد بها طوائف من الدخان فإن النار إذا عظم اشتعالها تصاعد دخانها من طرفيها ووسطها لشدة انضغاطه في خروجه منها.
فوُصف الدخان بأنه ذو ثلاث شعب لأنه يكون كذلك يوم القيامة.
وقد قيل في سبب ذلك: إن شعبة منه عن اليمين وشعبة عن اليسار وشعبة من فوق، قال الفخر: «وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفات الصادرة عن الإِنسان في عقائده وفي أعماله ليس إلاّ هذه الثلاثة، ويمكن أن يقال ها هنا ثلاث درجات وهي: الحِس، والخيال، والوهَم.
وهي مانعة للروح من الاستنارة بأنوار عالم القدس» اه.
والظليل: القوي في ظِلاله، اشتق له وصف من اسمه لإفادة كماله فيما يراد منه مثل: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شَاعِرٌ، أي ليس هو مثل ظل المؤمنين قال تعالى: ﴿ ونُدخلهم ظِلاًّ ظليلاً ﴾ [النساء: 57].
وفي هذا تحسير لهم وهو في معنى قوله تعالى: ﴿ وظِلَ من يَحموم لا بَارِد ولا كريم ﴾ [الواقعة: 43، 44].
وجُرّ ﴿ ظليل ﴾ على النعت ل ﴿ ظل ﴾ ، وأقحمت ﴿ لا ﴾ فصارت من جملة الوصف ولا يظهر فيها إعراب كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ إنها بقرةٌ لاَ فَارض ولا بِكْر ﴾ [البقرة: 68] وشأن ﴿ لا ﴾ إذا أدخلت في الوصف أن تكرر فلذلك أعيدت في قوله: ﴿ ولا يغني من اللهب ﴾ .
والإِغناء: جعل الغير غنياً، أي غير محتاج في ذلك الغرض، وتعديته ب (مِن) على معنى البدلية أو لتضمينه معنى: يُبعد، ومثله قوله تعالى: ﴿ وما أُغني عنكم من الله مِنْ شيء ﴾ [يوسف: 67].
وبذلك سلب عن هذا الظل خَصائص الظلال لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي يأوي إليه أَلَم الحر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ قِيلَ إنَّ الشُّعْبَةَ تَكُونُ فَوْقَهُ، والشُّعْبَةُ عَنْ يَمِينِهِ، والشُّعْبَةُ عَنْ شِمالِهِ، فَتُحِيطُ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ الشُّعَبَ الثَّلاثَ الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ والغِسْلِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الشُّعَبَ الثَّلاثَ: اللَّهَبُ والشَّرَرُ والدُّخانُ، لِأنَّهُ ثَلاثَةُ أحْوالٍ هي غايَةُ أوْصافِ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ واشْتَدَّتْ.
﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ في دَفْعِ الأذى عَنْهُ.
﴿ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ واللَّهَبُ ما يَعْلُو عَنِ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ وأخْضَرَ.
﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ ﴾ والشَّرَرُ ما تَطايَرَ مِن قِطَعِ النّارِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ كالقَصْرِ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: كالجَبَلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: القَصْرُ مِنَ البِناءِ وهو واحِدُ القُصُورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الرّابِعُ: أنَّها خَشَبَةٌ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْصِدُونَها، نَحْوَ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ، يُسَمُّونَها القَصْرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: أنَّها أعْناقُ الدَّوابِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا سادِسًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وصْفًا مِن صِفاتِ التَّعْظِيمِ، كَنّى عَنْهُ بِاسْمِ القَصْرِ، لِما في النُّفُوسِ مِنَ اسْتِعْظامِهِ، وإنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ مُسَمًّى بِعَيْنِهِ.
﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي جِمالًا صُفْرًا وأرادَ بِالصُّفْرِ السُّودَ، سُمِّيَتْ صُفْرًا لِأنَّ سَوادَها يَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، قالَ الشّاعِرُ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابَيْ هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ.
الثّانِي: أنَّها قُلُوسُ السُّفُنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها قِطَعُ النُّحاسِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَفي تَسْمِيَتِها بِالجِمالاتِ الصُّفْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِسُرْعَةِ سَيْرِها.
الثّانِي: لِمُتابَعَةِ بَعْضِها لِبَعْضٍ.
﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَمْتَنِعُوا عَنِّي فامْتَنِعُوا، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين ﴾ يعني بالمهين الضعيف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ من ماء مهين ﴾ قال: ضعيف في قرار مكين.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾ قال: فملكنا فنعم المالكون.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾ قال: فخلقنا فنعم المالكون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عليّ عن ابن عباس ﴿ كفاتاً ﴾ قال: كنا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ألم نجعل الأرض كفاتاً ﴾ قال: تكفتهم أمواتاً وتكف إذا هم أحياء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود أنه أخذ قملة فدفنها في المسجد، ثم قرأ ﴿ ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ كفاتاً ﴾ قال: تكفت الميت ولا يرى منه شيء، وقوله: ﴿ أحياء ﴾ الرجل في بيته لا يرى من عمله شيء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ رواسي ﴾ جبالاً شامخات مشرفات ﴿ فراتاً ﴾ عذباً ﴿ بشرر كالقصر ﴾ قال: كالقصر العظيم ﴿ جمالات صفر ﴾ قال: قطع النحاس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ظل ذي ثلاث شعب ﴾ دخان جهنم.
وأخرج عبد الرزاق عن الكلبي في قوله: ﴿ ظل ذي ثلاث شعب ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ [ الكهف: 29] والسرادق الدخان، دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق فكان ثلاث شعب، شعبة ههنا، وشعبة ههنا، وشعبة ههنا.
وأخرج ابن جرير عن قتادة مثله.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم من طريق عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس يسأل عن قوله: ﴿ إنها ترمي بشرر كالقصر ﴾ قال: كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل، فنرفعه للشتاء فنسميه القصر.
قال: وسمعته يسأل عن قوله تعالى: ﴿ جمالات صفر ﴾ قال: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ كالقصر ﴾ بفتح القاف والصاد.
قال: قصر النخل يعني الأعناق، وكان يقرأ ﴿ جمالات ﴾ بضم الجيم.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس ﴿ كالقصر ﴾ قال: كجذور الشجر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت العرب تقول في الجاهلية: اقصروا لنا الحطب، فيقطع على قدر الذراع والذراعين.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ترمي بشرر كالقصر ﴾ قال: إنها ليست كالشجر والجبال، ولكنها مثل المدائن والحصون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالقصر ﴾ قال: هو القصر ﴿ كأنه جملات صفر ﴾ قال: الإِبل.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن الحسن في قوله: ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ قال: الصفر السود، وفي قوله: ﴿ جمالات صفر ﴾ قال: هو الجسر، وفي لفظ قال: الجبال.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالقصر ﴾ قال: مثل قصر النخلة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية، قال: القصر أصول الشجر العظام كأنها أجواز الإِبل الصفر.
قال ابن جرير: وسط كل شيء جوزة.
وأخرج ابن جرير عن هارون قال: قرأها الحسن ﴿ القصر ﴾ بجزم الصاد، وقال: هو الجزل من الخشب.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ قال: كالنوق السود.
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ يقول: قطع النحاس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ كالقصر ﴾ قال: حزم الشجر وقطع النخل ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ قال: جبال الجسور.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ كالقصر ﴾ قال: أصول الشجر وأصول النخل ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ قال: كأنه نوق سود.
وأخرج عبد حميد عن عكرمة أنه كان يقرأ ﴿ كالقصر ﴾ قال: كقطعة النخلة الجادرة ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ قال: القلوص.
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الصامت قال: قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص أرأيت قول الله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ قال: إن يوم القيامة يوم له حالات وتارات في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون، وفي حال يعتذرون، لا أحدثكم إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة ينزل الجبار في ظلل من الغمام، وكل أمة جاثية في ثلاث حجب مسيرة كل حجاب خمسون ألف سنة، حجاب من نور، وحجاب بن ظلمة، وحجاب من ماء، لا يرى لذلك فيأمر بذلك الماء فيعود في تلك الظلمة، ولا تسمع نفس ذلك القول إلا ذهبت فعند ذلك لا ينطقون» .
وأخرج الحاكم وصححه من طريق عكرمة قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ و ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ [ طه: 108] و ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ [ الصافات: 27] و ﴿ هاؤم اقرءوا كتابيه ﴾ [ الحاقة: 19] فما هذا؟
قال: ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟
قال: لا.
قال: إنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله تعالى: ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ [ الحج: 47] قال: بلى.
قال: وإن لكل مقدار يوم من الأيام لوناً من الألوان.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ قال: ألا أخبركم بأشد مما تسألون عنه؟
قال ابن عباس، وذكر ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ [ الرحمن: 39] ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾ [ الحجر: 92] و ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ قال ابن عباس: إنها أيام كثيرة في يوم واحد فيصنع الله فيها ما يشاء، فمنها يوم لا ينطقون، ومنها يوم عبوساً قمطريراً.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الضحى أن نافع بن الأزرق وعطية أتيا ابن عباس فقالا: يا ابن عباس أخبرنا عن قول الله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ وقوله: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ [ الزمر: 31] وقوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 6] وقوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [ النساء: 42] قال: ويحك يا ابن الأزرق إنه يوم طويل وفيه مواقف تأتي عليهم: ساعة لا ينطقون، ثم يؤذن لهم فيختصمون، ثم يمكثون ما شاء الله يحلفون ويجهدون، فإذا فعلوا ذلك ختم الله على أفواههم ويأمر جوارحهم فتشهد على أعمالهم بما صنعوا، ثم تنطق ألسنتهم فيشهدون على أنفسهم بما صنعوا.
قال: ذلك قوله: ﴿ ولا يكتمون حديثاً ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت، وعبدالله بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد فينفذهم البصر ويسمعهم الداعي ويقول الله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ ﴿ هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ﴾ اليوم لا ينجو مني جبار ولا شيطان مريد، فقال عبدالله بن عمرو: إنا نجد في الكتاب أنه يخرج يومئذ عنق من النار فينطلق معنقاً حتى إذا كان بين ظهراني الناس قال: يا أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من الوالد بولده ومن الأخ بأخيه، لا يغنيهم مني وزر، ولا تخفيهم مني خافية: الذي يجعل مع الله إلهاً آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد.
قال: فينطوي عليهم فيقذفهم في النار قبل الحساب بأربعين.
إما قال يوماً وإما عاماً.
قال: ويهرع قوم إلى الجنة فتقول لهم الملائكة: قفوا للحساب.
فيقولون: والله ما كانت لنا أموال، وما كنا بعمال.
فيقول الله: صدق عبادي أنا أحق من أوفى بعهده ادخلوا الجنة.
فيدخلون قبل الحساب بأربعين.
إما قال يوماً وإما عاماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً ﴾ أي: لا موت.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ كلوا وتمتعوا قليلاً ﴾ قال: عنى بذلك أهل الكفر.
وأخرج عبد حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ﴾ قال: نزلت في ثقيف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا ﴾ قال: صلوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا ﴾ قال: عليكم بإحسان الركوع فإن الصلاة من الله بمكان.
قال: وذكر لنا أن حذيفة رأى رجلاً يصلي ولا يركع كأنه بعير نافر.
قال: لو مات هذا ما مات على شيء من سنة الإِسلام.
قال: وحدثنا أن ابن مسعود رأى رجلاً يصلي ولا يركع وآخر يجر إزاره، فضحك، قالوا: ما يضحكك يا ابن مسعود؟
قال: أضحكني رجلان أحدهما لا ينظر الله إليه، والآخر لا يقبل الله صلاته.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ﴾ يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انطلقوا ﴾ خطاب للمكذبين وقرأ يعقوب فتح اللام على أنه فعل ماض ثم كرره لبيان المنطلق إليه ﴿ إلى ظِلٍّ ﴾ يعني دخان جهنم ومنه ظل من يحموم ﴿ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ﴾ أي يتفرع من الدخان ثلاث شعب فتظلهم، بينما يكون المؤمنون في ظلال العرش، وقيل: إن هذه الآية في عَبَدَةِ الصليب لأنهم على ثلاثة شعب فيقال لهم انطلقوا إليه ﴿ لاَّ ظَلِيلٍ ﴾ نفى عنه أن يظلهم كما يظل العرشُ المؤمنين ونفى أيضاً أن يمنع عنهم اللهب ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر ﴾ الضيمر في إنها لجهنم والقصر واحد القصور، وهي الديار العظام، وشبه الشرر به في عظمته وارتفاعه في الهواء، وقيل: هو الغليظ من الشجر واحده قصرة كجمرة وجمر ﴿ كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ ﴾ في الجمالات قولان أحدهما: أنها جمع جمال شبه بها الشرر وصُفر على ظاهره؛ لأن لون النار يضرب إلى الصفرة.
وقيل: صفر هنا بمعنى سود يقال: حمل أصفر أي أسود.
وهذا أليق بوصف جهنم.
الثاني: أن الجمالات قطع النحاس الكبار، فكأنه مشتق من الجملة.
وقرئ جمالات بضم الجيم وهي قلوس السفن وهي حبالها العظام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ بتشديد الذال للإدغام: أبو عمرو وحمزة في رواية عنهما ﴿ عذراً ﴾ بضم الذال: الشموني والبرجمي ﴿ أو نذراً ﴾ بالسكون: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد: ﴿ وقتت ﴾ بالتشديد والواو: أبو عمرو ويعقوب.
وبالتخفيف: ويزيد.
وفي رواية بإبدال الواو همزة كقولهم " أجوه " في " وجوه ".
الباقون: بالإبدال وبالتشديد ﴿ ألم نخلقكم ﴾ مظهراً روى النقاش عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش ﴿ فقدرنا ﴾ مشدداً: أبو جعفر عن نافع وعلي، ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ بفتح اللام: رويس: ﴿ جمالة ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ وجمالات ﴾ بضم الجيم مجموعة: يعقوب.
الآخرون: بالكسر مجموعاً.
الوقوف: ﴿ عرفاً ﴾ ه لا ﴿ عصفاً ﴾ ه لا ﴿ نشراً ﴾ ه لا ﴿ فرقاً ﴾ ه لا ﴿ ذكراً ﴾ ه لا ﴿ نذراً ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ط ﴿ طمست ﴾ ه لا ﴿ فرجت ﴾ ه لا ﴿ نسفت ﴾ ه لا ﴿ أقتت ﴾ ه لا بناء على أن عامل " إذا " محذوف أي إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق ﴿ أجلت ﴾ ه ط للفصل بين الجواب والسؤال ﴿ الفصل ﴾ ج ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ فقدرنا ﴾ ه ﴿ القادرون ﴾ ه ﴿ كفاتا ﴾ ه لا ﴿ وأمواتاً ﴾ ه لا ﴿ فراتا ﴾ ه لا ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ج للتكرار مع الآية ووجه الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا به ﴿ شعب ﴾ ه لا ﴿ اللهب ﴾ ه ط ﴿ كالقصر ﴾ ه ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر ﴿ صفر ﴾ ه ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه لا ﴿ فيعتذرون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الفصل ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الإستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعاً فيه ﴿ والأولين ﴾ ه ﴿ فكيدون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا يركعون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة.
أما الإحتمال الأول فذكروا فيه وجوهاً الأول: أنها الملائكة أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفاً أي متتابعة كشعر العرف.
يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف، فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن كانوا قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم.
ومعنى الفاء في ﴿ فالعاصفات ﴾ أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدراً إلى امتثال الأمر.
قيل: هو من قولهم " عصفت الحرب بالقوم " أي ذهبت بهم وأهلكتهم.
ويقال " ناقة عصوف " أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر.
ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في الجو عن انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض.
أو أحيين النفوس الميتة بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء ﴿ عذراً ﴾ للمحقين ﴿ أو نذراً ﴾ للمبطلين.
قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذاراً أو إنذاراً وكل منهما بدل من ﴿ ذكر ﴾ أو مفعول له.
وقال أبو عبيد: بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها الرياح أقسم الله برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفاً ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله ﴿ ويجعله كسفاً ﴾ فألقين ذكراً إي صرن سبباً في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح إلتجأ إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذراً للذين يعتذرون إلى الله عز وجل بالتوبة والإستغفار، وإنذاراً للذين يغفلون عن الله ويغفلون عن شكره إذ ينسبونها إلى الأنواء.
والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي إبتدأن بالقهر والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي وأمته كما قال ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه " لا إله إلا الله" فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين.
الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله.
وأما الإحتمال الثاني ففيه وجوه أيضاً أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما مر في الوجه الأول منها.
ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة الحركة.
وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملاكة لأنها تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر الله على القلوب والألسن.
وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى بفاء الوصل المنبيء عن التعقيب والتسبيب.
ثم التنسيق بالواو وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية آيات القرآت على منوال ما سبق.
قوله ﴿ إنما توعدون لواقع ﴾ جواب القسم ومعناه على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع.
والأكثرون يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ أي أزيلت عن أماكنها بالإنتثار وأذهب ضوءها بالإنكدار وقد ورد كل منهما ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ فذكروا في وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور.
وفسر الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله ﴿ وإذا السماء فرجت ﴾ أي فتحت السماء فكانت أبوابا ﴿ وإذا الجبال نسفت ﴾ أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف بالمنسف وقد مر في " طه " في قوله ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهماً عليهم قبل ذلك وقريب منه قول جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة.
ثم عجب العباد هول ذلك اليوم فقال ﴿ لأي يوم أجلت ﴾ الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين.
ثم أجاب بأنهم أجلوا ﴿ ليوم الفصل ﴾ بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانياً فقال ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ وأي شيء شدته ومهابته.
ثم عقبه بتهويل ثالث فقال ﴿ ويل يومئذ ﴾ أي يوم إذا كان كذا وكذا من الأهوال ﴿ للمكذبين ﴾ وإعرابه كإعراب ﴿ سلام عليك ﴾ وقد سبق.
وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن.
ثم هددهم بقوله ﴿ ألم نهلك الأولين ﴾ كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد ﴿ ثم نتبعهم الآخرين ﴾ وهم كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم.
ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم فقال ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين ﴾ حقير لا يعبأ به وهو النطفة ﴿ فجعلناهفي قرار مكين ﴾ وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد ﴿ إلى قدر معلوم ﴾ أي إلى مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال ﴿ فقدرنا ﴾ بالتشديد ﴿ فنعم القادرون ﴾ أي فنعم المقدرون له نحن.
ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضاً لتتوافق القراءتان.
قال الفراء: قدر وقدّر بالتخيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في أحسن تقويم.
وفي قوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ وتوبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما كانت أعظم كان كفرانها أفحش.
والثاني أن القادر على الابداء أقدر على الإعادة فالمنكر لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ.
ثم عد عليهم نعم الآفاق بعد ذكر الأنفس.
والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسماً لما يكفت به مبيناً للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القرورة.
وانتصب ﴿ أحياء وأمواتاً ﴾ بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها.
والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتاً لا تعد ولا تحصى.
وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم.
وقيل: معنى كونها كفاتاً أنها تجمع ما ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في التعيش.
وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت.
والكل بتكلف.
والوجه هو الأول.
وباقي الآية ظاهر مما سلف مراراً.
ثم أخبر عما يقال للمكذبين في قوم الفصل فقال ﴿ انطلقوا ﴾ أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من العذاب.
ثم بين ما أجمل بقوله ﴿ انطلقوا ﴾ يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلاله فهناك يقولون ﴿ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ ويقال للمكذبين ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ من عذاب الله وعقابه ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار بالظل مجازاً.
وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم.
وعن قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش.
وقال في الكشاف: هو عبارة عن عظم الدخان.
فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل التأويل: الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات.
وقال أبو مسلم: هي الأوصاف الثلاثة التي ذكرها الله عقيبه وهي ﴿ لا ظليل ولا يغني من اللهب أنّها ترمي بشرر كالقصر ﴾ وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حرّ اللهب شيئاً أي لا روح كما قال في الواقعة ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه.
وإنما عدي في الآية بـ " من " لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب ان اللهب ههنا هو العطش.
ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير من النار متبدداً في كل جهة بالقصر.
والأكثرون على أنه واحد القصور.
وعن سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة كجمرة وجمر.
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره للشتاء.
ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيهاً آخر قائلاً ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ وهي جمع جمالة بمعنى جمل.
ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء في ﴿ جمالة ﴾ لتأكيد الجمع كحجر وحجارة.
أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر أي حبالها كما مر في قوله ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وعن علي بن أبي طالب وابن عباس أنها قطع النحاس.
ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل.
يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين: والمعنى أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة.
قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة.
وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شرراً ما دام مرتفعاً وحينئذ يكون ناراً وإذا كان ناراً كان أصفر فاقعاً.
واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع بالقصر ثم شبهه مع ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر.
ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد في بلاد العرب.
وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة.
فسمع أبو العلاء ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال: حمراء ساطعة الذوائب في الد *** جى ترمي بكل شرارة كطراف فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز.
قال الإمام فخر الدين الرازي: كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبساً تابعاً، والمعجز أظهر حالاً وأجل منصباً من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت إلىالمعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة.
الثاني أن القصر موضع الأمن وتشبيه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول النعم.
ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير موجود في الشعر.
الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما بينهما بلاء شديد.
فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك.
السادس أن القصر يكون أعظم غالباً من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون أكثر عدداً من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى المقصود.
السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن يكون وجه التشبيه واحداً منهما فقط.
الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش إذا كان وقت الانطلاق راكباً ووقت النزول راقداً في الظل فكأنه قيل في الآية على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود.
التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم.
العاشر أن سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام أوردناها لئلا يكون كتابنا خالياً من فوائد تفسيره.
قوله ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فأجاب بتغاير الزمانين وتباين الموطنين.
وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم لم ينطقوا ولم يعتذروا.
قوله ﴿ ولا يؤذن ﴾ إنما لم يقل " فيعتذروا " بسقوط النون للنصب كقوله ﴿ لا يقضي عليهم فيموتوا ﴾ لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الإعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق النسق لا للتسبب.
هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة " اقتربت " ﴿ إلى شيء نكر ﴾ لا مثقلاً.
وقريء قوله في آخر " الكهف " و " الطلاق " ﴿ عذاباً نكراً ﴾ بالوجهين قالوا: وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه أزاح الاعتذار في الدنيا بتقديم الإنذار بدليل قوله ﴿ فالملقيات ذكراً عذراً ونذراً ﴾ ولهذا قال في آخر هذا الأخبار ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم المذكور بقوله ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ ثم أوضح هذه الجملة بقوله ﴿ جمعناكم ﴾ أيها المتأخرون ﴿ والأولين ﴾ لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل.
وقد يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب.
ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله ﴿ فإن كان لكم كيد فكيدون ﴾ وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم يومئذ كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا التعجيز والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في تلك النعم مقولاً لهم ﴿ كلوا واشربوا ﴾ وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضاً من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم ذكر أن هذا الويل ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ قال جار الله: هذا في طريقة قول القائل: إخوتي لا تبعدوا أبداً *** وبلى والله قد بعدوا أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعاداً لكل مجرم، وجوز أن يكون ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين في الدنيا.
ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله بقبول وحيه.
وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود.
يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله بالصلاة فقالوا: لا ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا.
فقال صلى الله عيله وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود.
وأنزل الله الآية.
ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضالاتهم بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول " الجاثية " نظيره والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ، معناه - والله أعلم -: إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله ، وهم كانوا يكذبون بالبعث وبالعذاب، لكن يقال لهم هذا بعد البعث؛ فهو منصرف إلى ما ذكرنا من العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ﴾ : ذكر أن ذلك الظل دخان يخرج من جهنم؛ فيظنون أنه ظل؛ فينطلقون إليه؛ رجاء أن ينتفعون به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أصله واحدا، ثم يتشعب منه شعب ثلاث: وجائز أن يكون في الأصل ذا شعب ثلاث تأتي كل شعبة من ناحية، ثم تجمتع، فتصير شيئا واحدا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ﴾ : أي: لا ينتفعون به ما ينتفع بالظل في الدنيا؛ لأن ظل الدنيا يهرب إليه لدفع الحر، أو ليسكن فيه؛ لأن ظل البيت مما يسكن فيه، وظل الشجر والحيطان؛ ليأووا إليه؛ للتروح، وذلك الظل لا يغني عنهم في الآخرة في دفع الحرارة ولا في غيرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ﴾ : جائز أن يكونوا هربوا إلى ذلك الظل من اللهب؛ فيخبر أن ذلك الظل لا يدفع عنهم، أذى اللهب.
وجائز أن يكون [اللهب] في ذلك الظل، ويكون كثافة الظل ساترة عما فيها من اللهب؛ فيخبر أن سترها لا يمنع اللهب عن أن يمسهم إذا انضموا إلى الظل.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ ﴾ مفتوحة [الصاد]: فالقراءة المعروفة قيل: يراد بالقَصْر: المعروف المبني باللبن والخشب.
وقيل: يراد بها قصور أهل البادية، وهي الخيام.
ومن قرأ بالنصب اختلفوا في تأويله: عن ابن عباس - -: ﴿ كَٱلْقَصْرِ ﴾ قصر النخل؛ الواحدة: قصرة، وذلك أن النخلة تقطع قدر ثلاثة أذرع وأقصر وأطول، يستوقدون بها في الشتاء.
وقال بعضهم: هو أصل النخل المقطوع المنقعر من الأرض.
وقيل: هو أعناق النخيل.
وقيل: القصرة: اسم الخشبة التي تقطع عليها اللحوم، وتكسر العظام، تكون للقصابين.
وعن الحسن أنه قرأ مخففة (كالقَصْر)؛ غير أنه فسرها: أي: الجزل من الخشب؛ الواحد: قصرة؛ كقولك: تمرة وتمر، والله أعلم.
وفيه إخبار عن عظم شررها وقدرها خلافا لما عليه سائر الشرر في الدنيا؛ لأن شرر الدنيا لا يأخذ مكانا؛ بل يتبين ثم ينطفئ.
ثم جائز أن يكون بعض شررها في العظم كالخيام، وبعضه كالقصور، وبعضه كأصول الأشجار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ ﴾ قرئ: ﴿ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ ﴾ جماعة الجمل، وقرئ: (جمالات) جمع جمالة.
والصفر: قيل: السود، وإنما سميت السود: صفرا؛ لأن السود تعلوها الصفرة في الإبل، فتمسى بهما؛ يدلك قول القائل: تلك حبلى منه وتلك ركابي *** هن صفر أولادها كالزبيب شبه الشرر بالقصر، والقصر بالجمالة، وهي الإبل السود.
وقرئ (جمالات) برفع الجيم، وهي حبال السفن تمد، ثم إذا ضمت تكون كأوساط الرجال؛ فشبه الشرر بالحبال الممدودة الصفر عند الامتداد وعند الانضمام كأوساط الرجال؛ فتكون كالقصر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ جائز أن يكون معناه: أنهم لا ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى الله ، فعاملهم في الآخرة حسب معاملتهم الله في الدنيا، وهو كقوله : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ، وقوله : ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
ومنهم من يقول: لا ينطقون في بعض المواضع، وينطقون في بعضها.
ويحتمل: أي: لا ينطقون بحجة؛ بل يكذبون؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ : ليس أنه لا يقبل العذر منهم إذا أتوا به، ولكن معناه: أنه لا عذر لهم؛ ليقبل منهم، وهو كقوله : ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ ، معناه: أنه لا شفيع لهم، لا أنهم إذا أتوا بشفعاء لم يشفع لهم، وإذا لم يكن لهم عذر، فهم لا يعتذرون بعذر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ ﴾ فيه إخبار أنه لا يخص بالبعث فريقا دون فريق، بل يجمع الخلائق كلهم، ثم يفصل بينهم؛ فينزل كلا منزلته التي استوجبها ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وقيل: هو يوم الحكم؛ فجائز أن يكون سمي؛ لما يختصم فيه أهل المذاهب؛ فيحكم فيه بين المحق وبين الذي كان على الباطل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ : جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة: أن كيدوا حتى تنجوا أنفسكم مما نزل بكم؛ أي: إن كانت لكم حيل تحتالون بها فافعلوا، وهو حرف التقريع والتوبيخ على نفي نفاذ المكر والحيلة، ليس على ما عليه أمر الدنيا: أنهم يحتالون ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات.
ويحتمل أن قيل لهم هذا في الدنيا، أمر رسول الله أن يعارضهم بهذا فيقول لهم: ﴿ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ في قتلي أو أخراجي من بين أظهركم، كما قال هود - لقومه: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ، فعجزهم عن ذلك يظهر لهم آية رسالته، وحجة نبوته؛ إذ خوف الأعداء من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة؛ بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم مشركين، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور.
<div class="verse-tafsir"
ليس فيه برد الظلال، ولا يمنع لهيب النار وحرّها أن ينفذ إليكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.njMDO"