الإسلام > القرآن > سور > سورة 77 المرسلات > الآية ٦ من سورة المرسلات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة المرسلات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره .
وقوله: ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) يقول تعالى ذكره: فالملقيات ذكرا إلى الرسل إعذارا من الله إلى خلقه، وإنذارا منه لهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) قال: عذرًا من الله، ونُذْرا منه إلى خلقه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ): عذرا لله على خلقه، ونذرًا للمؤمنين ينتفعون به، ويأخذون به.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) يعني: الملائكة.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام وبعض المكيين وبعض الكوفيين: ( عُذْرًا ) بالتخفيف، أو نُذْرا بالتثقيل: وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين بتخفيفهما، وقرأه آخرون من أهل البصرة بتثقيلهما والتخفيف فيهما أعجب إليّ وإن لم أدفع صحة التثقيل لأنهما مصدران بمعنى الإعذار والإنذار.
عذرا أو نذرا أي تلقى الوحي إعذارا من الله أو إنذارا إلى خلقه من عذابه ; قاله الفراء .
وروي عن أبي صالح قال : يعني الرسل يعذرون وينذرون .
وروى سعيد عن قتادة عذرا قال : عذرا لله - جل ثناؤه - إلى خلقه ، ونذرا للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به .
وروى الضحاك عن ابن عباس : عذرا أي ما يلقيه الله - جل ثناؤه - من معاذير أوليائه وهي التوبة أو نذرا ينذر أعداءه .
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص أو نذرا بإسكان الذال وجميع السبعة على إسكان ذال عذرا سوى ما رواه الجعفي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم أنه ضم الذال .
وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وغيرهما .
وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة عذرا ونذرا بالواو العاطفة ولم يجعلا بينهما ألفا .
وهما منصوبان على الفاعل له أي للإعذار أو للإنذار .
وقيل : على المفعول به ، قيل : على البدل من ذكرا أي فالملقيات عذرا أو نذرا .
وقال أبو علي : يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل على جمع عاذر وناذر ; كقوله تعالى : هذا نذير من النذر الأولى فيكون نصبا على الحال من الإلقاء ; أي يلقون الذكر في حال العذر والإنذار .
أو يكون مفعولا ل " ذكرا " أي فالملقيات أي تذكر عذرا أو نذرا .
وقال المبرد : هما بالتثقيل جمع والواحد عذير ونذير .
{ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا } أي: إعذارا وإنذارا للناس، تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف وتقطع معذرتهم ، فلا يكون لهم حجة على الله.
( عذرا أو نذرا ) أي للإعذار والإنذار .
وقرأ الحسن " عذرا " بضم الذال .
واختلف فيه عن أبي بكر عن عاصم ، وقراءة العامة بسكونها ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص " [ عذرا أو ] نذرا " ساكنة الذال فيهما ، وقرأ الباقون بضمها ، ومن سكن قال : لأنهما في موضع مصدرين بمعنى الإنذار والإعذار ، وليسا بجمع فينقلا [ وقال ابن كثير ونافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ويعقوب برواية رويس بن حسان : " عذرا " سكون الذال و " نذرا " بضم الذال ، وقرأ روح بالضم في العذر والنذر جميعا ، وهي قراءة الحسن .
والوجه فيهما أن العذر والنذر بضمتين كالأذن والعنق هو الأصل ، ويجوز التخفيف فيهما كما يجوز التخفيف في العنق والأذن ، يقال : عذر ونذر ، وعذر ونذر ، كما يقال : عنق وعنق ، وأذن وأذن ، والعذر والنذر مصدران بمعنى الإعذار والإنذار كالنكير والعذير والنذير ، ويجوز أن يكونا جمعين لعذير ونذير ، ويجوز أن يكون العذر جمع عاذر ، كشارف وشرف ، والمعنى في التحريك والتسكين واحد على ما بينا .
«عذْرا أو نذرا» أي للإعذار والإنذار من الله تعالى وفي قراءة بضم ذال نذرا وقرئ بضم ذال عذرا.
أقسم الله تعالى بالرياح حين تهب متتابعة يقفو بعضها بعضًا، وبالرياح الشديدة الهبوب المهلكة، وبالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، وبالملائكة التي تنزل من عند الله بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وبالملائكة التي تتلقى الوحي من عند الله وتنزل به على أنبيائه؛ إعذارًا من الله إلى خلقه وإنذارًا منه إليهم؛ لئلا يكون لهم حجة.
إن الذي توعدون به مِن أمر يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء لنازلٌ بكم لا محالة.
وقوله ( عُذْراً أَوْ نُذْراً ) منصوبان على أنهما بدل اشتمال من قوله ( ذكرا ) أو مفعول لأجله .أى : أن الملائكة يلقون وحى الله - تعالى - إلى أنبيائه ، لإِزالة أعذار المعتذرين عن الإِيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ولإِنذار الكافرين والفاسقين ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر ، وبماذا انتصبا؟
قلت : هما مصدران من أعذر إذا محا الإِساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر ، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير بمعنى الإِنذار .
.
وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا .
.
أو على المفعول له .
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة أما الاحتمال الأول: فذكروا فيه وجوهاً الأول: أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم الله إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله: ﴿ عُرْفاً ﴾ فيه وجوه: أحدها: متتابعة كشعر العرف يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه والثاني: أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب، وإن لم يكن معروفاً للكفار، فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم.
والثالث: أن يكون مصدراً كأنه قيل: والمرسلات أرسالاً أي متتابعة وانتصاب عرفاً على الوجه الأول على الحال، وعلى الثاني لكونه مفعولاً أي أرسلت للإحسان والمعروف وقوله: ﴿ فالعاصفات عَصْفاً ﴾ فيه وجهان الأول: يعني أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح.
والثاني: أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، يقال: ناقة عصوف، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم، أي ذهبت بهم، قال الشاعر: في فيلق شهباء ملمومة *** تعصف بالمقبل والمدبر وقوله تعالى: ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الشرائع في الأرض، أو نشروا الرحمة أو العذاب، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب يوم الحساب، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم، قال تعالى: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم وقوله تعالى: ﴿ فالفارقات فَرْقاً ﴾ معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله: ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء، ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة، كما قال: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ويحتمل أن يكون المراد هو القرآن خاصة، وهو قوله: ﴿ أألقي الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب ﴾ وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه السلام وحده، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم.
واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به، وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه: أحدها: شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وثانيها: أنهم أقسام: فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، ومنهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل، ومنهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم، ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى، إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض، ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار، فهذا مما ينتظمه قوله: ﴿ والمرسلات عُرْفاً ﴾ ثم ما فيها من سرعة السير، وقطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة، كقوله: ﴿ تَعْرُجُ الملئكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل، وإظهار الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزيل، وإلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي، وبالجملة فالملائكة هم الوسائط بين الله تعالى، وبين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية، فلذلك أقسم الله بهم.
القول الثاني: أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفاً، أي متتابعة كشعر العرف، كما قال: ﴿ يُرْسِلُ الرياح ﴾ ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح ﴾ ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو، كما قال: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ وقال: ﴿ الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السماء ﴾ ويجوز أيضاً أن يقال: الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات، وذلك لأنها تلقح فيبرز النبات بذلك، على ما قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ ﴾ فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفي كون الرياح فارقة وجوه: أحدها: أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض.
وثانيها: أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها، كما قال: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ ﴾ وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء الله.
وثالثها: أن عند حدوث الرياح المختلفة، وترتيب الآثار العجيبة عليها من تموج السحاب وتخريب الديار تصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله والتضرع على باب رحمته، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر والموحد والملحد، وقوله: ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع، وتهدم الصخور والجبال، وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه.
القول الثالث: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله: ﴿ والمرسلات ﴾ المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿ عُرْفاً ﴾ أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات ﴿ فالعاصفات عَصْفاً ﴾ فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة في الأول، ثم عظمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة، وقوله: ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً، وقوله: ﴿ فالفارقات فَرْقاً ﴾ فذلك ظاهر، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين الحق والباطل، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقاناً، وقوله: ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ فالأمر فيه ظاهر، لأن القرآن ذكر، كما قال تعالى: ﴿ ص والقرءان ذِى الذكر ﴾ ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ﴾ وتذكرة كما قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وذكرى كما قال: ﴿ ذكرى للعالمين ﴾ فظهر أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمسة بالقرآن، وهذا وإن لم يذكره أحد فإنه محتمل.
القول الرابع: يمكن حملها أيضاً على بعثة الأنبياء عليهم السلام ﴿ والمرسلات علافاً ﴾ هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف، فإنه لا شك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله، وهو مفتاح كل خير ومعروف ﴿ فالعاصفات عَصْفاً ﴾ معناه أن أمر كل رسول يكون في أول الأمر حقيراً ضعيفاً، ثم يشتد ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ المراد منه انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم ﴿ فالفارقات فَرْقاً ﴾ المراد أنهم يفرقون بين الحق والباطل والتوحيد والإلحاد ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ المراد أنهم يدعون الخلق إلى ذكر الله، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه.
القول الخامس: أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلاً بمصالح الدنيا مستغرقاً في طلب لذاتها وراحاتها، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض عن الدنيا والرغبة في خدمة المولى، فتلك الدواعي هي المرسلات عرفاً، ثم هذه المرسلات لها أثران أحدهما: إزالة حب ما سوى الله تعالى عن القلب، وهو المراد من قوله: ﴿ فالعاصفات عَصْفاً ﴾ والثاني: ظهور أثر تلك الداعية في جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، ولا ينظر إلا الله، فذلك هو قوله: ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجوداً، ويرى كل ما سواه معدوماً، فذلك قوله: ﴿ فالفارقات فَرْقاً ﴾ ثم يصير العبد كالمشتهر في محبته، ولا يبقى في قلبه ولسانه إلا ذكره، فذلك قوله: ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ .
واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة، وإن كانت غير مذكورة إلا أنها محتملة جداً.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن لا يكون المراد من الكلمات الخمس شيئاً واحداً، ففيه وجوه: الأول: ما ذكره الزجاج واختيار القاضي، وهو أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله: ﴿ والمرسلات عُرْفاً ﴾ هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد ﴿ والعاصفات ﴾ ما يشتد منه، ﴿ والناشرات ﴾ ما ينشر السحاب.
أما قوله: ﴿ فالفارقات فَرْقاً ﴾ فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، بما يتحملونه من القرآن والوحي، وكذلك قوله: ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ أنها الملائكة المتحملة للذكر الملقية ذلك إلى الرسل، فإن قيل: وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة حتى يجمع بينهما في القسم؟
قلنا: الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح القول الثاني: أن الاثنين الأولين هما الرياح، فقوله: ﴿ والمرسلات عُرْفاً * فالعاصفات عَصْفاً ﴾ هما الرياح، والثلاثة الباقية الملائكة، لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران أحدهما: حصول الفرق بين المحق والمبطل والثاني: ظهور ذكر الله في القلوب والألسنة، وهذا القول ما رأيته لأحد، ولكنه ظاهر الاحتمال أيضاً، والذي يؤكده أنه قال: ﴿ والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً ﴾ عطف الثاني على الأول بحرف الفاء، ثم ذكر الواو فقال: ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة القول الثالث: يمكن أيضاً أن يقال: المراد بالأولين الملائكة، فقوله: ﴿ والمرسلات عُرْفاً ﴾ ملائكة الرحمة، وقوله: ﴿ فالعاصفات عَصْفاً ﴾ ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن، لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة، وهذا القول أيضاً ما رأيته لأحد، وهو محتمل، ومن وقف على ما ذكرناه أمكنه أن يذكر فيه وجوهاً، والله أعلم بمراده.
المسألة الثانية: قال القفال: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبني على الأصل، وهو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضي الوصل والتعلق، فإذا قيل: قام زيد فذهب، فالمعنى أنه قام ليذهب فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، وإذا قيل: قام وذهب فهما خبران كل واحد منهما قائم بنفسه لا يتعلق بالآخر، ثم إن القفال لما مهد هذا الأصل فرع الكلام عليه في هذه الآية بوجوه لا يميل قلبي إليها، وأنا أفرع على هذا الأصل فأقول: أما من جعل الأولين صفتين لشيء والثلاثة الأخيرة صفات لشيء واحد، فالإشكال عنه زائل، وأما من جعل الكل صفات لشيء واحد، فنقول: إن حملناها على الملائكة، فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال فلا جرم ذكر الفاء، أما النشر فلا يترتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يبلغون الوحي إلى الرسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يؤذون الأنبياء في أول الأمر وينسبونهم إلى الكذب والسحر والجنون، فلا جرم لم يذكر الفاء التي تفيد بل ذكر الواو، بلى إذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذكر الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه والله أعلم قيل: يا محمد إني أرسلت الملك إليك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة، وفاتحة كل خير، ولكن لا تطمع في أن ننشر ذلك الأمر في الحالة، ولكن لابد من الصبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة أجعل دينك ظاهراً منتشراً في شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق فتصير الأديان الباطلة ضعيفة ساقطة، ودينك هو الدين الحق ظاهراً غالباً، وهنالك يظهر ذلك الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم مملوأ من ذكر الله، فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر ما شابهه في الرياح وسائر الوجوه، والله أعلم.
أما قوله: ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: فيهما قراءتان التخفيف وهو قراءة أبي عمرو وعاصم من رواية حفص والباقون قرأوا بالتثقيل، أما التخفيف فلا نزاع في كونه مصدراً، والمعنى إعذاراً وإنذاراً، وأما التثقيل فزعم أبو عبيدة أنه جمع وليس بمصدر، وأما الأخفش والزجاج فزعما أنه مصدر، والتثقيل والتخفيف لغتان، وقرر أبو علي قول الأخفش والزجاج، وقال: العذر والعذير والنذر والنذير مثل النكر والنكير، ثم قال أبو علي: ويجوز في قراءة من ثقل أن يكون عذراً جمع عاذر كشرف وشارف، وكذلك النذر يجوز أن يكون جمع نذير، قال تعالى: ﴿ هذا نَذِيرٌ مّنَ النذر الأولى ﴾ .
المسألة الثانية: في النصب ثلاثة أوجه، أما على تقدير كونه مصدراً فوجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً على البدل من قوله: ذكراً والثاني: أن يكون مفعولاً له، والمعنى والملقيات ذكراً للأعذار والإنذار، وأما على تقدير كونه جمعاً، فنصب على الحال من الإلقاء والتقدير فالملقيات ذكراً حال كونهم عاذرين ومنذرين.
<div class="verse-tafsir"
أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة، أرسلهنّ بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح، تخففاً في امتثال أمره، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي.
أو نشرن الشرائع في الأرض.
أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرّقن بين الحق والباطل، فألقين ذكراً إلى الأنبياء ﴿ عُذْراً ﴾ للمحقين ﴿ أَوْ نُذْراً ﴾ للمبطلين.
أو أقسم برياح عذاب أرسلهن.
فعصفن، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجوّ ففرّقن بينه، كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ [الروم: 48] ، أو بسحائب نشرن الموات، ففرّقن بين من يشكر لله تعالى وبين من يكفر، كقوله: ﴿ لأسقيناهم مَّاءً غَدقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [الجن: 16] فألقين ذكراً إمّا عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، وإما إنذاراً للذين يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سبباً في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت.
فإن قلت: ما معنى عرفاً؟
قلت: متتابعة كشَعَر العرف يقال: جاؤا عرفاً واحداً؛ وهم عليه كعرف الضبع: إذا تألبوا عليه، ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر؛ وانتصابه على أنه مفعول له، أي: أرسلن للإحسان والمعروف؛ والأول على الحال.
وقرئ ﴿ عرفا ﴾ على التثقيل، نحو نكر في نكر.
فإن قلت: قد فسرت المرسلات بملائكة العذاب، فكيف يكون إرسالهم معروفاً؟
قلت: إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم.
فإن قلت: ما العذر والنذر، وبما انتصبا؟
قلت: هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوّف على فعل، كالكفر والشكر، ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة؛ وجمع نذير بمعنى الإنذار.
أو بمعنى العاذر والمنذر.
وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكراً على الوجهين الأوّلين أو على المفعول له.
وأما على الوجه الثالث فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين.
وقرئا: مخففين ومثقلين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ مَصْدَرانِ لِعَذَرَ إذا مَحا الإساءَةَ وأنْذَرَ إذا خَوَّفَ، أوْ جَمْعانِ لِعَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ ونَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، أوْ بِمَعْنى العاذِرِ والمُنْذِرِ، ونَصْبُهُما عَلى الأوَّلَيْنِ بِالعِلِّيَّةِ أيْ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ أوْ نُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، أوِ البَدَلِ مِن ذِكْرًا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوَحْيُ أوْ ما يَعُمُّ التَّوْحِيدَ والشِّرْكَ والإيمانَ والكُفْرَ وعَلى الثّالِثِ بِالحالِيَّةِ، وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ جَوابُ القَسَمِ ومَعْناهُ أنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ القِيامَةِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ مُحِقَتْ أوْ أُذْهِبَ نُورُها.
﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ صُدِعَتْ.
﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ كالحَبِّ يُنْسَفُ بِالمِنسَفِ.
<div class="verse-tafsir"
{إن ما تُوعَدُونَ} إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة {لَوَاقِعٌ} لكائن نازل لا ريب فيه وهو جواب القسم ولا وقف إلى هنا لوصل الجواب بالقسم
وعُذْرًا ونُذْرًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ مِن عَذَرَ إذا أزالَ الإساءَةَ، ومِن أنْذَرَ إذا خَوَّفَ جاءا عَلى فُعْلٍ كالشُّكْرِ والكُفْرِ والأوَّلُ ظاهِرٌ لِأنَّ فُعْلًا مِن مَصادِرِ الثُّلاثِيِّ، وأمّا الثّانِي فَعَلى خِلافِ القِياسِ مَصْدَرُ أفْعَلَ الأفْعالُ، وقِيلَ هو اسْمُ المَصْدَرِ كالطّاقَةِ أوْ مَصْدَرُ نَذَرَ بِمَعْنى أنْذَرَ وتُسُومِحَ فِيما تَقَدَّمَ وإنْ يَكُونا جَمْعَ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ ونَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلِيَّةِ والعامِلُ فِيهِما «المُلْقِياتُ» أوْ ( ذِكْرًا ) وهو بِمَعْنى التَّذْكِيرِ والعِظَةِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ أيْ ﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ لِأجْلِ العُذْرِ لِلْمُحِقِّينَ أوْ لِأجْلِ النُّذُرِ لِلْمُبْطِلِينَ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ «المُلْقِياتِ» أوِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيها عَلى التَّأْوِيلِ أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ ذِكْرًا ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوَحْيُ فَيَكُونانِ بَدَلَ بَعْضٍ أوِ التَّذْكِيرُ والعِظَةُ فَيَكُونانِ بَدَلَ كُلٍّ وإنْ يَكُونا وصْفَيْنِ بِمَعْنى عاذِرِينَ ومُنْذِرِينَ فَنَصْبُهُما عَلى الحالِيَّةِ لا غَيْرَ.
وأوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ لِلتَّنْوِيعِ لا لِلتَّرْدِيدِ ومِن ثَمَّ قالَ الدِّينَوَرِيُّ في مُشْكِلِ القُرْآنِ إنَّها بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ الثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأرْضِ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ، ووَجْهُ العَطْفِ بِأنَّ المُرادَ أرَدْنَ النَّشْرَ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ واحْتِيجَ لِلتَّأْوِيلِ لِمَكانِ الإلْقاءِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإلّا فَهو لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في النَّشْرِ والفَرْقِ لِظُهُورِ تَرَتُّبِ الفَرْقِ عَلى النَّشْرِ كَذا قِيلَ فَلا تَغْفُلْ، وقِيلَ طَوائِفُ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ إلَخِ والنَّشْرُ عَلى هَذا بِمَعْنى الإحْياءِ وفِيما قَبْلَهُ بِمَعْنى الإشاعَةِ.
وقِيلَ لا مُغايَرَةَ بَيْنَ الكُلِّ إلّا بِالصِّفاتِ وهم جَمِيعًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ بَيْدَ أنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذا القائِلُ تَفْسِيرَ النَّشْرِ بِنَشْرِ الأجْنِحَةِ فَقالَ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ عَزَّ وجَلَّ بِأوامِرِهِ مُتَتابِعَةً فَعَصَفْنَ عَصْفَ الرِّياحِ في الِامْتِثالِ ونَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأرْضِ أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ مِنَ العِلْمِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ إلى الأنْبِياءِ ذِكْرًا، وظاهِرُهُ أيْضًا أنَّ الإرْسالَ لِلْأنْبِياءِ بِالشَّرائِعِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ بِناءً عَلى أنَّ الأوامِرَ جَمْعُ جَمْعٍ مَخْصُوصٌ بِالأمْرِ مُقابِلَ النَّهْيِ، فَفي كَلامِهِ الِاكْتِفاءُ.
وخُصَّ الأمْرُ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِأنَّهُ أهَمُّ مَعَ أنَّهُ لا يُؤَدِّي ما يُرادُ مِنَ النَّهْيِ بِصِيغَتِهِ كَدَعْ مَثَلًا.
وقِيلَ في عَطْفِ النّاشِراتِ بِالواوِ دُونَ الفاءِ وعَطْفِ «الفارِقاتِ» بِهِ أنَّ النَّشْرَ عَلَيْهِ بِمَعْنى الإشاعَةِ لِلشَّرائِعِ وهو يَكُونُ بَعْدَ الوَحْيِ والدَّعْوَةِ والقَبُولِ، ويَقْتَضِي زَمانًا فَلِذا جِيءَ بِالواوِ ولَمْ يُقْرَنْ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ.
وإذا حَصَلَ النَّشْرُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الفَرْقُ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كانَ حَقَّ النّاشِراتِ حِينَئِذٍ ثُمَّ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ القَصْدُ هاهُنا بِالتَّراخِي ويَبْقى الكَلامُ في وجْهِ تَقْدِيمِ نَشْرِ الشَّرائِعِ أوْ نَشْرِ النُّفُوسِ والفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مَعَ أنَّهُما بَعْدَهُ في الواقِعِ فَقِيلَ الإيذانُ بِكَوْنِهِما غايَةً لِلْإلْقاءِ حَقِيقَةٌ بِالِاعْتِناءِ أوِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ كَما سَمِعْتَ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ فَتَذَكَّرْ.
وقِيلَ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِأفْرادِ نَوْعَيْنِ مِنَ الرِّياحِ فَيُقَدَّرُ لِلْمُرْسَلاتِ مَوْصُوفٌ ولِلنّاشِراتِ مَوْصُوفٌ آخَرُ، ويُرادُ بِالمُرْسِلاتِ الرِّياحُ المُرْسَلَةُ لِلْعَذابِ لِأنَّ الإرْسالَ شاعَ فِيهِ، وبِالنّاشِراتِ رِياحُ رَحْمَةٍ وحاصِلُهُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا أقْسَمَ بِرِياحِ عَذابٍ أرْسَلَهُنَّ فَعَصَفْنَ ورِياحِ رَحْمَةٍ نَشَرْنَ السَّحابَ في الجَوِّ فَفَرَّقْنَهُ عَلى البِقاعِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إمّا عُذْرًا لِلَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا شاهَدُوا آثارَ رَحْمَتِهِ تَعالى في الغَيْثِ.
وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينَ يَكْفُرُونَ ذَلِكَ ويَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ ونَحْوِها وإسْنادُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلَيْهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شَكَرَتِ النِّعْمَةَ فِيهِنَّ أوْ كَفَرَتْ فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، والمُرادُ بِعُرْفًا مُتَتابِعَةً أوِ النّاشِراتِ رِياحَ رَحْمَةٍ نَشَرْنَ النَّباتَ وأبْرَزْنَهُ أيْ صِرْنَ سَبَبًا لِذَلِكَ بِنَشْرِ السَّحابِ وإدْرارِهِ فَفَرَّقْنَ كُلَّ صِنْفٍ مِنهُ عَنْ سائِرِ الأصْنافِ بِالشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الخَواصِّ فَتَسَبَّبْنَ ذِكْرًا إمّا عُذْرًا لِلشّاكِرِينَ وإمّا نُذْرًا لِلْكافِرِينَ.
وقِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ أوَّلًا بِالرِّياحِ وثانِيًا بِسَحائِبَ نَشَرْنَ المَواتَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ مَن يَشْكُرُ وبَيْنَ مَن يَكْفُرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ ﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ فَتَسَبَّبْنَ ذِكْرًا إمّا وإمّا وقِيلَ: أقْسَمَ جَلَّ وعَلا بِآياتِ القُرْآنِ المُرْسَلَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَضْلًا وإحْسانًا أوْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لِأنَّها نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً فَعَصَفْنَ وأذْهَبْنَ سائِرَ الكُتُبِ بِالنَّسْخِ ونَشَرْنَ آثارَ الهُدى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرَ الحَقِّ في أكْتافِ العالَمِينَ.
وقِيلَ: أقْسَمَ جَلَّ جَلالُهُ بِرُسُلِهِ مِنَ البَشَرِ أُرْسِلُوا إحْسانًا وفَضْلًا كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ لا وُجُوبًا كَما زَعَمَ مِن زَعَمَ فاشْتَدُّوا وعَظُمَ أمْرُهم ونَشَرُوا دِينَهم وما جاؤُوا بِهِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلالِ والحَرامِ فَألْقَوْا ذِكْرًا بَيْنَ المُكَلَّفِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَلى هَذا بِعُرْفًا مُتَتابِعَةً.
وقِيلَ: أقْسَمَ تَبارَكَ وتَعالى بِالنُّفُوسِ الكامِلَةِ أيِ المَخْلُوقَةِ عَلى صِفَةِ الكَمالِ والِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ ما كُلِّفَتْ بِهِ وخُلِقَتْ لِأجْلِهِ المُرْسَلَةِ إحْسانًا إلى الأبْدانِ لِاسْتِكْمالِها فَعَصَفْنَ وأذْهَبْنَ ما سِوى الحَقِّ بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ الحَقَّةِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ المُتَحَقِّقِ بِذاتِهِ الَّذِي لا مَدْخَلَ لِلْغَيْرِ فِيهِ وهو واجِبُ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ الباطِلِ المَعْدُومِ في نَفْسِهِ فَرَأيْنَ كُلَّ شَيْءٍ هالِكًا إلّا وجْهَهُ فَألْقَيْنَ في القُلُوبِ والألْسِنَةِ ومَكَّنَّ فِيها ذِكْرَهُ تَعالى فَلَيْسَ في قُلُوبِها وألْسِنَتِها إلّا ذِكْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ طَرَحْنَ ذِكْرَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَنِ القُلُوبِ والألْسِنَةِ فَلا ذِكْرَ فِيها لِما عَداهُ.
وقِيلَ: الثَّلاثَةُ الأُوَلُ الرِّياحُ والأخِيرَتانِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ بِالعَكْسِ، والمُناسَبَةُ بِاللَّطافَةِ وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ وقِيلَ الأُولَتانِ المَلائِكَةُ إلّا أنَّ المُرْسَلاتِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والعاصِفاتُ مَلائِكَةُ العَذابِ، والثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ آياتُ القُرْآنِ النّازِلَةُ بِها المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ: المُرْسَلاتِ عُرْفًا الرُّسُلُ تُرْسَلُ بِالمَعْرُوفِ، ﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ الرِّيحُ ﴿ والنّاشِراتِ نَشْرًا ﴾ المَطَرُ، ﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ الرُّسُلُ ومِن وجْهٍ آخَرَ المُرْسَلاتِ عُرْفًا المَلائِكَةُ ﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ الرِّياحُ العَواصِفُ ﴿ والنّاشِراتِ نَشْرًا ﴾ المَلائِكَةُ يَنْشُرُونَ الكُتُبَ أيْ كُتُبَ الأعْمالِ كَما جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ ﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ المَلائِكَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ المَلائِكَةُ أيْضًا يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ والكِتابِ ﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ مِنهُ تَعالى إلى النّاسِ وهُمُ الرُّسُلُ يَعْذُرُونَ ويُنْذِرُونَ.
وعَنْ أبِي صالِحٍ رِواياتٌ أُخَرُ في ذَلِكَ وكَذا عَنْ أجِلَّةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ ومُقاتِلٍ المُرْسَلاتِ المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ.
وفِي أُخْرى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها الرِّياحُ وفَسَّرَ العاصِفاتِ بِالشَّدِيداتِ الهُبُوبِ.
ورُوِيَ تَفْسِيرُ المُرْسَلاتِ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
وفي أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها جَماعَةُ الأنْبِياءِ أُرْسِلَتْ إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وعَنْ أبِي مَسْعُودٍ النّاشِراتِ الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى ومَطَرَهُ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تَنْشُرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ وعَلَيْهِ تَكُونُ النّاشِراتِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ «الفارِقاتِ» المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلالِ والحَرامِ.
وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والجُمْهُورِ «المُلْقِياتِ» المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ.
وعَنِ الرَّبِيعِ آياتُ القُرْآنِ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ «العاصِفاتِ» بِالآياتِ المُهْلِكَةِ كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ وغَيْرِها، ومِنهم مَن فَسَّرَ «الفارِقاتِ» بِالسَّحائِبِ الماطِرَةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالنّاقَةِ الفارُوقِ وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ، ومِنهم مَن فَسَّرَها بِالعُقُولِ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصَّحِيحِ والفاسِدِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ والأقْوالِ الَّتِي لا تَكادُ تَنْضَبِطُ والَّذِي أخالُهُ أظْهَرَ كَوْنُ المُقْسَمِ بِهِ شَيْئَيْنِ «المُرْسَلاتِ العاصِفاتِ والنّاشِراتِ الفارِقاتِ المُلْقِياتِ» لِشِدَّةِ ظُهُورِ العَطْفِ بِالواوِ في ذَلِكَ وكَوْنِ الكُلِّ مِن جِنْسِ الرِّيحِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ المُتَضَمِّنِ لِأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِما أنَّ الآثارَ المُشاهَدَةَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى الرِّياحِ تَرَتُّبًا قَرِيبًا وبَعِيدًا تُنادِي بِأعْلى صَوْتٍ حَتّى يَكادَ يُشْبِهُ صَوْتَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ عَلى إمْكانِ ذَلِكَ وصِحَّتِهِ ودُخُولِهِ في حِيطَةِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ومَعَ هَذا الأقْوالُ كَثِيرَةٌ لَدَيْكَ وأنْتَ غَيْرُ مَجْحُودٍ عَلَيْكَ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.
وقَرَأ عِيسى عُرُفًا بِضَمَّتَيْنِ نَحْوَ نُكُرٍ في نُكْرٍ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (فالمُلَّقِياتِ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وقِيلَ وهي كالإلْقاءِ إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ.
وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ (فالمُلَقَّياتِ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ مُلَقَّيَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ خارِجَةَ وطِلْحَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى والحَسَنُ بِخِلافٍ والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عُذُرًا أوْ نُذُرًا بِضَمِّ الذّالَيْنِ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا بِسُكُونِ الذّالِ في «عُذْرًا» وضَمِّها في «نُذُرًا» وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ «ونُذُرًا» بِالواوِ.
.
<div class="verse-tafsir"
وهي خمسون آية مكية قوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً قال الكلبي، ومقاتل يعني: الملائكة أرسلوا بالمعروف.
ويقال: كثرتها لها عرف كعرف الفرس.
وقال أهل اللغة: ويحتمل وجهين، أحدهما: أنها متتابعة بعضها في إثر بعض، وهو مشتق من عرف الفرس.
ووجه آخر: أنه يرسل بالعرف، أي: بالمعروف.
وروى سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي عبيدة الساعدي قال: سألت عبد الله بن مسعود ما عن قوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً قال: الريح فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً قال: الريح وَالنَّاشِراتِ نَشْراً قال: الريح فَالْفارِقاتِ فَرْقاً قال: حسبك معناه وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً يعني: أرسل الرياح متتابعة كعرف الفرس فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً يعني: الريح الشديدة التي تدر التراب بالبراري، وسمي ريح عاصف وَالنَّاشِراتِ نَشْراً يعني: الريح التي تنشر السحاب.
ويقال النَّاشِراتِ نَشْراً يعني: البعث يوم القيامة، ويقال: الملائكة الذين ينشرون من الكتاب.
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً يعني: القرآن فَرَّقَ بين الحق والباطل.
ويقال: هو القبر فرق بين الدنيا والآخرة.
ويقال: آيات القرآن، التي فيها بيان عقوبة الكفار.
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً يعني: فالمنزلات وحياً، وهم الملائكة عُذْراً أَوْ نُذْراً يعني: أنزل الوحي عذراً من الله تعالى من الظلم، أو نذراً لخلقه من عذابه.
قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، بضم العين وجزم الذال، أو نذراً بضم النون وجزم الذال.
والباقون بضم الحرفين في كليهما، فمعناهما إنذار، وهو جمع نذر يعني: لإنذار.
ومن قرأ بالجزم فمعناه كذلك، وهو للتخفيف، وإنما نصب عذراً أو نذراً، لأنهما مفعولاً لهما فمعناه فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً للإعذار والإنذار.
ثم قال عز وجل: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ وهو جواب قسم.
أقسم الله تعالى بهذه الأشياء، إن ما توعدون من أمر الساعة والبعث لواقع.
يعني: لكائن ولنازل.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ يعني: الموعد الذي يوعدون، في اليوم الذي فيه طمست النجوم، يعني: ذهب ضوءها وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ يعني: انشقت من خوف الرحمن وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ يعني: قلعت من أصولها، حتى سويت بالأرض وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ يعني: جمعت وروى منصور، عن إبراهيم وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قال: وعدت.
وقال مجاهد أي: أجلت.
قرأ أبو عمرو وقتت بغير همزة، والقرب تقول صلى القوم إحداناً ووحداناً، ومعناهما واحد، يعني: يجعل لها وقتاً واحداً.
وقيل: جمعت لوقتها.
ثم قال: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ على وجه التعظيم، يعني: لأي يوم أجلت الرسل، ليشهدوا على قومهم.
ثم بين فقال: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني: أجلها ليوم الفصل وهو يوم القضاء، ويقال: يوم الفصل يعني: يوم يفصل بين الحبيب والحبيبة وبين الرجل وأمه وأبيه وأخيه وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ يعني: ما تدري أي يوم القضاء تعظيماً لذلك اليوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: الشدة من العذاب في ذلك اليوم، للذين أنكروا، وجحدوا بيوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «المرسلات»
[وهي] مكّيّة في قول الجمهور وقيل: فيها من المدني قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ قال ابن مسعود: نزلت هذه السورة ونحن مع النبي صلّى الله عليه وسلّم بحراء ...
الحديث «١» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً يعني: الرياح يَتْبَعُ بعضُها بعضاً، قاله ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، وقتادة «٢» ، وقيل: المرسلات: الملائكة، وقيل: جماعات الأنبياء، وعُرْفاً معناه: إفضالاً من اللَّه تعالى، ويحتمل أنْ يريدَ بقوله: عُرْفاً أي:
متتابعةً، ويحتمل أنْ يريد/ بالأمر المعروف، ويحتمل أنْ يكونَ عُرْفاً بمعنى، والمرسلات: الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عَقَّبَ بذكر الصنف الضَّارِّ منها، وهي العاصفات الشديدة القاصفة للشجر وغيره، واخْتُلِفَ في قوله: وَالنَّاشِراتِ فقال ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة: هي الرياح تَنْشُرُ رحمة اللَّه ومطره «٣» ، وقيل:
الملائكة، وقيل غير هذا، والفارقات قال ابن عباس وغيره: هي الملائكة تَفْرُقُ بين الحقّ
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، رَواهُ أبُو العُبَيْدَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي المَلائِكَةُ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُرْفًا ﴾ فَيُقالُ: أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ، ويُقالُ: تَتابَعَتْ كَعُرْفِ الفَرَسِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: يَرْكَبُ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ فَأكْثَرُوا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أنَّ المَلائِكَةَ مُتَتابِعَةٌ بِما تُرْسَلُ بِهِ.
وأصْلُهُ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، لِأنَّهُ سَطْرٌ مُسْتَوٍ بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ، فاسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرُّسُلُ بِما يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: المَلائِكَةُ والرِّيحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ: ومَعْنى "عُرْفًا": يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا.
يُقالُ: جاؤُونِي عُرْفًا.
وفي "العاصِفاتِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعْصِفُ بِرُوحِ الكافِرِ.
وفي "النّاشِراتِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ الكُتُبَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: البَعْثُ لِلْقِيامَةِ تُنْشَرُ فِيهِ الأرْواحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
والخامِسُ: المَطَرُ يَنْشُرُ النَّباتَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي "الفارِقاتِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: آيُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ.
والثّالِثُ: الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: الرُّسُلُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: الرُّسُلُ يُلْقُونَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ إلى الأُمَمِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "عُذْرًا" خَفِيفًا "أوْ نُذُرًا" مُثَقَّلًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ "عُذْرًا أوْ نُذْرًا" خَفِيفَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو مَصْدَرٌ، مُثَقَّلًا كانَ أوْ مُخَفَّفًا.
ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: أُرْسِلَتْ بِما أُرْسِلَتْ بِهِ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ وإنْذارًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا لِلْإعْذارِ والإنْذارِ.
وهَذِهِ المَذْكُوراتُ مَجْرُوراتٌ بِالقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ ما تُوعَدُونَ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، والبَعْثِ، والجَزاءِ لَواقِعٌ، أيْ: لَكائِنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَتى يَقَعُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أيْ: مُحِيَ نُورُها ﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ أيْ: شُقَّتْ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذُهِبَ بِها كُلِّها بِسُرْعَةٍ.
يُقالُ: انْتَسَفْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "وُقِّتَتْ" بِواوٍ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
ووافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ القافَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "أُقِّتَتْ" بِألِفٍ مَكانَ الواوِ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ.
فَمَن قَرَأ "أُقِّتَتْ" بِالهَمْزِ، فَإنَّهُ أبْدَلَ الهَمْزَةَ مِنَ الواوِ لِانْضِمامِ الواوِ.
وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ، وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً، جازَ أنْ تُبْدَلَ مِنها هَمْزَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الواوُ إذا كانَتْ أوَّلَ حَرْفٍ، وضُمَّتْ، هُمِزَتْ تَقُولُ: صَلّى القَوْمُ أُحْدانًا.
وهَذِهِ أُجُوهٌ حِسانٌ.
ومَعْنى "أُقِّتَتْ": جُمِعَتْ لِوَقْتِها يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جُمِعَتْ لِوَقْتٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ لَها وقْتٌ واحِدٌ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ أيْ: أُخِّرَتْ.
وضَرْبُ الأجَلِ لِجَمْعِهِمْ، يُعَجِّبُ العِبادَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ بِالبَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَمّا فَعَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَقالَ: ﴿ ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ العَيْنِ في "نُتْبِعُهُمْ"، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ مِنهم أبُو حَيْوَةَ بِإسْكانِ العَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: "نُتْبِعُهُمْ" مَرْفُوعَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَسَنُتْبِعُهُمُ الآخَرِينَ: .
ولَوْ جَزَمْتَ عَلى مَعْنى: ألَمْ نَقْدِرْ عَلى إهْلاكِ الأوَّلِينَ وإتْباعِهِمُ الآخَرِينَ كانَ وجْهًا جَيِّدًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الجَزْمُ عَطْفٌ عَلى "نُهْلِكْ"، ويَكُونُ المَعْنى: لِمَن أُهْلِكَ أوَّلًا وآخِرًا.
والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ثُمَّ نُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ مِن كُلِّ مُجْرِمٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴾ : يَعْنِي"كَفّارَ مَكَّةَ حِينَ كَذَّبُوا بِالنَّبِيِّ .
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأوَّلُونَ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، والآخَرُونَ: قَوْمُ إبْراهِيمَ، ولُوطٍ، ومَدْيَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ ﴿ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: " ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها غَيْرَ ما أرادَ بِالأُخْرى، لِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ شَيْئًا قالَ: "وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" بِهَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَخْلُقْكُمْ ﴾ قَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ بِإظْهارِ القافِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ أيْ: ضَعِيفٍ ﴿ فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ يَعْنِي: الرَّحِمَ ﴿ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ وهو مُدَّةُ الحَمْلِ ﴿ فَقَدَرْنا ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، والكِسائِيُّ "فَقَدَّرْنا" بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّخْفِيفِ.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
.
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: قَدَرَ عَلَيْهِ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ.
وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَقالَ: لَوْ كانَتْ مُشَدَّدَةً لَقالَ: فَنَعِمَ المُقَدِّرُونَ، فَأجابَ الفَرّاءُ فَقالَ: قَدْ تَجْمَعُ العَرَبُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ،كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ .
قالَ الشّاعِرُ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا يَقُولُ: ما أنْكَرَتْ إلّا ما يَكُونُ في النّاسِ.
والثّانِي: أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ القُدْرَةِ والمِلْكِ، والمُشَدَّدَةَ مِنَ التَّقْدِيرِ والقَضاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم صُنْعَهُ لِيَعْتَبِرُوا فَيُوَحِّدُوهُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ.
والمَعْنى: أنَّها تَضُمُّ أهْلَها أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: اكْفِتْ هَذا إلَيْكَ، أيْ: ضُمَّهُ.
وكانُوا يُسَمُّونَ بَقِيعَ الغَرْقَدِ: كِفْتَةً، لِأنَّهُ مَقْبَرَةٌ يَضُمُّ المَوْتى.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحْياءً وأمْواتًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَكْفِتُهم أحْياءً وأمْواتًا، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ الفَرّاءُ: وانْتَصَبَ الأحْياءُ والأمْواتُ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نَوَّنْتَ نَصَبْتَ كَما يُقْرَأُ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ أحْياءً بِالنَّباتِ والعِمارَةِ، وأمْواتًا بِالخَرابِ واليُبْسِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ ﴿ شامِخاتٍ ﴾ أيْ: عالِياتٍ ﴿ وَأسْقَيْناكُمْ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى "أسْقَيْنا"، [الحِجْرِ: ٢٢: والجِنِّ: ١٦] ومَعْنى "الفُراتِ" [الفُرْقانِ: ٥٣، وفاطِرٍ: ١٢] والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا، وهو النّارُ ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الثّانِيَةَ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى الأمْرِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأبِي عِمْرانَ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الخَبَرِ بِالفِعْلِ الماضِي.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "والظِّلُّ" هاهُنا: ظِلٌّ مِن دُخانِ نارِ جَهَنَّمَ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ أنْ يَتَشَعَّبَ، فَيُقالُ لَهُمْ: كُونُوا فِيهِ إلى أنْ يَفْرُغَ مِنَ الحِسابِ، كَما يَكُونُ أوْلِياءُ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ، أوْ حَيْثُ شاءَ مِنَ الظِّلِّ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِكُلِّ فَرِيقٍ إلى مُسْتَقَرِّهِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ لا ظَلِيلٍ ﴾ أيْ: يُظِلُّكم مِن حَرِّ هَذا اليَوْمِ بَلْ يُدْنِيكم مِن لَهَبِ النّارِ إلى ما هو أشَدُّ عَلَيْكم مِن حَرِّ الشَّمْسِ.
قالَ مُجاهِدٌ: تَكُونُ شُعْبَةً فَوْقَ الإنْسانِ، وشُعْبَةً عَنْ يَمِينِهِ، وشُعْبَةً عَنْ شِمالِهِ، فَتُحِيطُ بِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشُّعَبُ الثَّلاثُ: هي الضَّرِيعُ، والزَّقُّومُ، والغِسْلِينُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ هَذا بَعْدَ دُخُولِ النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكم لَهَبَ جَهَنَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ النّارَ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ ﴾ ، وهو جَمْعُ شَرَرَةٍ، وهو ما يَتَطايَرُ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا ﴿ كالقَصْرِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الصّادِ عَلى أنَّهُ واحِدُ القُصُورِ المَبْنِيَّةِ.
وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ "كالقَصَرِ" بِفَتْحِ الصّادِ.
وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ [بِقَصَرِ] ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ [فَنَرْفَعُهُ] لِلشِّتاءِ، فَنُسَمِّيهِ: القَصَرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن فَتْحِ الصّادَ أرادَ: أُصُولَ النَّخْلِ المَقْطُوعَةِ.
المَقْلُوعَةِ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ أعْناقَ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعْدُ ابْنُ أبِي وقّاصٍ، وعائِشَةُ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمَرَ "كالقَصِرِ" بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيُّ "كالقُصُرِ" بِرَفْعِ القافِ والصّادِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الصّادِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ "كالقُصْرِ" بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ الصّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ جِمالَتٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "جِمالاتٌ" بِألِفٍ، وكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "جِمالَةٌ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وحُمَيْدٌ، وأبُو حَيْوَةَ "جُمالَةٌ" بِرَفْعِ الجِيمِ عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "جِمالاتٌ" بِالكَسْرِ، فَهو جَمْعُ جِمالٍ، كَما تَقُولُ: بُيُوتٌ، وبُيُوتاتٌ، وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فالمَعْنى: كَأنَّ الشَّراراتِ كالجِمالاتِ.
ومَن قَرَأ "جُمالاتٌ" بِالضَّمِّ، فَهو جَمْعُ "جُمالَةٍ" ومَن قَرَأ جُمالَةٌ" فَهو جَمْعُ جَمَلٍ وجِمالَةٍ، كَما قِيلَ: حَجَرٌ، وحِجارَةٌ.
وذَكَرٌ، وذِكارَةٌ.
وقُرِئَتْ "جُمالَةٌ" عَلى ما فَسَّرْناهُ في جُمالاتٍ بِالضَّمِّ.
و"الصُّفْرُ" هاهُنا: السُّودُ.
يُقالُ لِلْإبِلِ الَّتِي هي سُودٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ: إبِلٌ صُفْرٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سُودُ الإبِلِ لا يُرى الأسْوَدَ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، فَلِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ: صُفْرًا، كَما سَمَّوُا الظِّباءَ: أدَمًا لِما يَعْلُوها مِنَ الظُّلْمَةِ في بَياضِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: تَكَلَّمُوا واخْتَصَمُوا، ثُمَّ خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَنْفَعُهم.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والقاسِمُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "هَذا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بِنَصْبِ المِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ ﴿ جَمَعْناكُمْ ﴾ يَعْنِي مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿ والأوَّلِينَ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ أيْ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى حِيلَةٍ، فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ ﴾ يَعْنِي: ظِلالَ الشَّجَرِ، وظِلالَ أكْنانِ القُصُورِ ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ الماءَ، وهَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿ كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا ﴾ في الدُّنْيا إلى مُنْتَهى آجالِكم ﴿ إنَّكم مُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا كانُوا إذا قِيلَ لَهُمُ: ارْكَعُوا، أيْ: صَلُّوا ﴿ لا يَرْكَعُونَ ﴾ أيْ: لا يُصَلُّونَ.
وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ، وهو الأصَحُّ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ حِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ بِالصَّلاةِ، فَقالُوا: لا نَحْنِي، فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ: «لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهَذا القُرْآنِ، فَبِأيِّ كِتابٍ بَعْدَهُ يُصَدِّقُونَ، ولا كِتابَ بَعْدَهُ: !
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ - الجُزْءُ الثّامِنُ مِن كِتابِ "زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ لِلْإمامِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ، وأوَّلُهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ ، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ...
الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ ﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ ﴿ والناشِراتِ نَشْرًا ﴾ ﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ ﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ ﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ ﴾ ﴿ وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب.
و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء.
و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى: ............
∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى.
وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ ، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها.
وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُذْرًا أو نُذْرًا ﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
<div class="verse-tafsir"
قسَم بِمخلوقات عظيمة دالّةٍ على عظيم علم الله تعالى وقدرته.
والمقصود من هذا القسم تأكيد الخبر، وفي تطويل القَسَم تشويقُ السامع لتلقي المقسم عليه.
فيجوز أن يَكون المراد بموصوفات هذه الصفات نوعاً واحداً، ويجوز أن يكون نوعين أو أكثر من المخلوقات العظيمة.
ومشى صاحب «الكشاف» على أن المقسم بها كلهم ملائكة.
ولم يختلف أهل التأويل أن ﴿ المُلْقِيات ذِكراً ﴾ للملائكة.
وقال الجمهور: العاصفات: الرياح ولم يحك الطبري فيه مخالفاً.
وقال القرطبي: قيل العاصفات: الملائكة.
و ﴿ الفارقات ﴾ لم يحك الطبري إلاّ أنهم الملائكةُ أو الرسلُ.
وحكى القرطبي عن مجاهد: أنها الرياح.
وفيما عدا هذه من الصفات اختَلَف المتأوّلون فمنهم من حملوها على أنها الملائكة ومنهم من حمل على أنها الرياح.
ف ﴿ المرسَلات ﴾ قال ابن مسعود وأبو هريرة ومقاتل وأبو صالح والكلبي ومسروق: هي الملائكة.
وقال ابن عباس وقتادة: هي الرياح، ونقل هذا عن ابن مسعود أيضاً ولعله يجيز التأويلين وهو الأوفق بعطفها بالفاء.
و ﴿ الناشرات ﴾ قال ابن عباس والضحاك وأبو صالح: الملائكة.
وقال ابن مسعود ومجاهد: الرياح وهو عن أبي صالح أيضاً.
ويتحصل من هذا أن الله أقسَم بجنسين من مخلوقاته العظيمة مثل قوله: ﴿ والسماءِ ذات البروج واليوم الموعود ﴾ [البروج: 1، 2]، ومثله تكَرَّر في القرآن.
ويتجه في توزيعها أن الصفات التي عطفت بالفاء تابعة لجنس مَا عطفت هي عليه، والتي عطفت بالواو يترجح أنها صفاتُ جنس آخر.
فالأرجح أن المرسلات والعاصفات صفتان للرياح، وأن ما بعدها صفات للملائكة، والواو الثانية للعطف وليست حرف قَسَم.
ومناسبة الجمع بين هذين الجنسين في القسم أن كليهما من الموجودات العلوية لأن الأصل في العطف بالواو أن يكون المعطوف بها ذاتاً غير المعطوف عليه.
وما جاء بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل مثل قول الشاعر أنشده الفراء.
إلى الملك القِرْم وابننِ الهُمام *** وليثثِ الكتيبةِ في المزْدَحَم أراد صفات ممدوح واحد.
ولنتكلم على هذه الصفات: فأما ﴿ المرسلات ﴾ فإذا جعل وصفاً للملائكة كان المعنيُّ بهم المرسلين إلى الرسل والأنبياء مثل جبريل في إرساله بالوحي، وغيره من الملائكة الذين يبعثهم الله إلى بعض أنبيائه بتعليم أو خبر أو نصر كما في قوله تعالى عن زكرياء: ﴿ فنادَتْه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ﴾ الآية [آل عمران: 39]، أو ﴿ المرسلات ﴾ بتنفيذ أمر الله في العذاب مثل المرسلين إلى قوم لوط، و ﴿ عُرْفاً ﴾ حال مفيدة معنى التشبيه البليغ، أي مثل عرف الفرس في تتابع الشعر بعضه ببعض، يقال: هم كعرف الضبع، إذا تألبوا، ويقال: جاءوا عرفاً واحداً.
وهو صالح لوصف الملائكة ولوصف الريح.
وفسر ﴿ عُرفاً ﴾ بأنه اسمٌ، أي الشعرَ الذي على رقبة الفرس ونصبه على الحال على طريقة التشبيه البليغ، أي كالعُرف في تتابع البعض لبعض، وفسر بأنه مصدر بمعنى المفعول، أي معرُوف (ضد المنكَر)، وأن نصبه على المفعول لأجله، أي لأجل الإِرشاد والصلاح.
﴿ فالعاصفات ﴾ تفريع على ﴿ المرسلات ﴾ ، أي ترسل فتعصف، والعصف يطلق على قوة هبوب الريح فإن أريد بالمرسلات وصف الرياح فالعصف حقيقة، وإن أريد بالمرسلات وصفُ الملائكة فالعصف تشبيه لنزولهم في السرعة بشدة الريح وذلك في المبادرة في سرعة الوصول بتنفيذ ما أمروا به.
و ﴿ عَصْفاً ﴾ مؤكد للوصف تأكيداً لتحقيق الوصف، إذ لا داعي لإِرادة رفع احتمال المجاز.
والنشر: حقيقته ضد الطي ويكثر استعماله مجازاً في الإِظهار والإِيضاح وفي الإِخراج.
ف ﴿ الناشرات ﴾ إذا جعل وصفاً للملائكة جاز أن يكون نشرَهم الوحي، أي تكرير نزولهم لذلك، وأن يكون النشر كناية عن الوضوح، أي بالشرائع البينة.
وإذا جعل وصفاً للرياح فهو نشر السحاب في الأجواء فيكون عطفه بالواو دون الفاء لتنبيه على أنه معطوف على ﴿ المرسلات ﴾ لا على ﴿ العاصفات ﴾ لأن العصف حالة مضرة والنشر حالة نفع.
والقول في تأكيد ﴿ نشراً ﴾ وتنوينه كالقوللِ في ﴿ عَصْفاً ﴾ .
والفَرْق: التمييز بين الأشياء، فإذا كان وصفاً للملائكة فهو صالح للفرق الحقيقي مثل تمييز أهللِ الجنة عن أهل النار يوم الحساب، وتمييز الأمم المعذبة في الدنيا عن الذين نجاهم الله من العذاب، مثل قوم نوح عن نوح، وعادٍ عن هود، وقوممِ لوط عن لوط وأهله عدا امرأته، وصالح للفرق المجازي، وهو أنهم يأتون بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل، وبين الإِيمان والكفر.
وإنْ جُعل وصفاً للرياح فهو من آثار النشر، أي فَرقُها جماعات السحب على البلاد.
ولتفرع الفرق بمعنييه عن النشر بمعانيه عطف ﴿ الفارقات ﴾ على ﴿ الناشرات ﴾ بالفاء.
وأكد بالمفعول المطلق كما أكد مَا قبله بقوله: ﴿ عصفاً ﴾ و ﴿ نشراً ﴾ ، وتنوينه كذلك.
والملقيات: الملائكة الذين يبلغون الوحي وهو الذِكْر.
والإِلقاء مستعار لتبليغ الذكر من العالم العلوي إلى أهل الأرض بتشبيهه بإلقاء شيء من اليد إلى الأرض.
وإلقاء الذكر تبليغ المواعظ إلى الرسل ليبلغوها إلى الناس وهذا الإِلقاء متفرع على الفرق لأنهم يخصّون كل ذكر بمن هو محتاج إليه، فذكر الكفار بالتهديد والوعيد بالعذاب، وذكر المؤمنين بالثناء والوعد بالنعيم.
وهذا معنى ﴿ عُذْراً أوْ نُذُراً ﴾ .
فالعُذر: الإِعلام بقبول إيمان المؤمنين بعد الكفر، وتوبةِ التائبين بعد الذنب.
والنّذُر: اسم مصدر أنذر، إذا حَذر.
و ﴿ عُذراً ﴾ قرأه الجمهور بسكون الذال، وقرأه رَوْح عن يعقوب بضمها على الإِتباع لحركة العين.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب ﴿ نُذُراً ﴾ بضم الذال وهو الغالب فيه.
وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلفٌ بإسكان الذال على الوجهين المذكورين في ﴿ عُذراً ﴾ ، وعلى كلتا القراءتين فهو اسم مصدر بمعنى الإِنذار.
وانتصب ﴿ عذراً أو نذراً ﴾ على بدل الاشتمال من ﴿ ذِكْراً ﴾ و ﴿ أو ﴾ في قوله: ﴿ أو نذراً ﴾ للتقسيم.
وجملة ﴿ إن ما توعدون لواقع ﴾ جواب القسم وزيدت تأكيداً ب ﴿ أنَّ ﴾ لتقوية تحقيق وقوع الجواب.
و ﴿ إنَّما ﴾ كلمتان هما (إنَّ) التي هي حرف تأكيد و(ما) الموصولة وليست هي (إِنَّما) التي هي أداة حصر، والتي (ما) فيها زائدة.
وقد كتبت هذه متصلة (إِنَّ) ب (ما) لأنهم لم يكونوا يفرقون في الرسم بين الحالتين، والرسم اصطلاح، ورسم المصحف سُنة في المصاحف ونحن نكتبها مفصولة في التفسير وغيره.
و ﴿ ما توعدون ﴾ : هو البعث للجزاء وهم يعلمون الصلة فلذلك جيء في التعبير عنه بالموصولية.
والخطاب للمشركين، أي ما تَوعَّدكم الله به من العقاب بعد البعث واقع لا محالة وإن شككتم فيه أو نفيتموه.
والواقع: الثابتُ.
وأصل الواقع الساقط على الأرض فاستعير للشيء المحقق تشبيهاً بالمستقر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ مِن قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ فَمَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ تُرْسَلُ بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ يُرْسَلُونَ بِما يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الرِّياحُ تُرْسَلُ بِما عَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها السُّحُبُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ عارِفَةٍ بِما أُرْسِلَتْ فِيهِ، ومَن أُرْسِلَتْ إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها الزَّواجِرُ والمَواعِظُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ عُرْفًا ﴾ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَتابِعاتٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: جارِياتٌ، قالَهُ الحَسَنُ يَعْنِي القُلُوبَ.
الثّالِثُ: مَعْرُوفاتٌ في العُقُولِ.
﴿ فالعاصِفاتِ عَصْفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرِّياحُ العَواصِفُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّها الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ والخُسُوفِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ عَصْفًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَذْرُوهُ في جَرْيِها.
الثّانِي: ما تُهْلِكُهُ بِشِدَّتِها.
﴿ والنّاشِراتِ نَشْرًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ تَنْشُرُ الكُتُبَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَطَرُ يَنْشُرُ النَّباتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ تُنْشَرُ فِيهِ الأرْواحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الخامِسُ: أنَّها الصُّحُفُ تُنْشَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فالفارِقاتِ فَرْقًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الرُّسُلُ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الرِّياحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: القُرْآنُ.
وَفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿ فَرْقًا ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرَّقَهُ آيَةً آيَةً، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ والقُرْآنِ إلى مَن أُرْسِلَتْ إلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: الرُّسُلُ يُلْقُونَ عَلى أُمَمِهِمْ ما أُنْزِلُ إلَيْهِمْ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها النُّفُوسُ تُلْقِي في الأجْسادِ ما تُرِيدُ مِنَ الأعْمالِ.
﴿ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ﴾ يَعْنِي عُذْرًا مِنَ اللَّهِ إلى عِبادِهِ، ونُذْرًا إلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: عُذْرًا مِنَ اللَّهِ بِالتَّمَكُّنِ، ونُذْرًا بِالتَّحْذِيرِ.
وَفي ما جَعَلَهُ عُذْرًا أوْ نُذْرًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الرُّسُلُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ﴾ هَذا جَوابُ ما تَقَدَّمُ مِنَ القَسَمِ، لِأنَّ في أوَّلِ السُّورَةِ قَسَمًا، أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى إنَّما تُوعَدُونَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مِنَ القُرْآنِ في أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ واقِعٌ بِكم ونازِلٌ عَلَيْكم.
ثُمَّ بَيَّنَ وقْتَ وُقُوعِهِ فَقالَ: ﴿ فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُها ومُحِيَ نُورُها كَطَمْسِ الكِتابِ.
﴿ وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقِّقَتْ.
﴿ وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ ﴾ أيْ ذَهَبَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ.
﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أُوجِدَتْ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّانِي: أُجِّلَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: جُمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو (وُقِّتَتْ) ومَعْناها عَرَفَتْ ثَوابَها في ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهًا آخَرَ أنَّها دُعِيَتْ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة المرسلات بمكة.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفاً، فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذا وثبت عليه حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقيت شركم كما وقيتم شرها» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «نزلت ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ نحو ليلة الحية.
قالوا وما ليلة الحية؟
قال: خرجت حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها، فتغيبت في حجر.
فقال: دعوها فإن الله وقاها شركم كما وقاكم شرها» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنزلت عليه ﴿ والمرسلات ﴾ فأخذتها من فيه وإن فاه لرطب بها فلا أدري بأيها ختم ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ أو ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد العزيز أبي سكين قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: أخبرني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا الظهر وقرأ قراءة همساً بالمرسلات والنازعات وعم يتساءلون ونحوها من السور.
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الملائكة، أرسلت بالمعروف.
وخرج ابن جرير من طريق مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة، فالعذاب منها العاصف والصرصر والعقيم والقاصف، والرحمة منها الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات.
فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل المبشرات فتلقح السحاب، ثم يرسل الذاريات فتحمل السحاب، فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، وهي اللواقح، ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراد» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبيّ العبيدين أنه سأل ابن مسعود ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: حسبك.
وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب والحاكم وصححه عن خالد بن عرعرة رضي الله عنه قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ما العاصفات عصفاً.
قال: الرياح.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة، فرقت بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة بالتنزيل.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الريح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الريح ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: هي الريح ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ يعني القرآن ما فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل، وتلقيه الرسل على بني آدم عذراً أو نذراً.
قال: عذراً من الله ونذراً منه إلى خلقه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن جرير عن مسروق ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن الشيخ في العظمة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: هي الرسل ترسل بالمعروف ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: المطر ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الرسل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي صالح ﴿ والمرسلات عرفاً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالأعارف ﴿ فالعاصفات عصفاً ﴾ قال: الريح العواصف ﴿ والناشرات نشراً ﴾ قال: الملائكة ينشرون الكتب ﴿ فالفارقات فرقاً ﴾ قال: الملائكة يفرقون بين الحق والباطل ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالقرآن والكتاب عذراً من الله أو نذراً منه إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل القرآن بالتفخيم.
قال عمار بن عبد الملك: كهيئته عذراً ونذراً والصدفين وألا له الخلق والأمر وأشباه هذا في القرآن» .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ قال: تطمس فيذهب نورها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ وإذا الرسل أقتت ﴾ قال: وعدت.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أقتت ﴾ قال: أجلت.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ أقتت ﴾ قال: جمعت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ليوم الفصل ﴾ قال: يوم يفصل الله فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة وإلى النار ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ قال: يعظهم بذلك ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ قال: ويل لهم والله ويلاً طويلاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: ويل واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار فجعل للمكذبين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾ قال قتادة: عذرًا من الله، ونذرًا منه إلى خلقه (١) (٢) وفيهما القراءتان: التثقيل، والتخفيف (٣) قال الفراء: وهو مصدر مثقلاً كان أو مخففًا، والمعنى: إعذارًا، وإنذارًا (٤) واختار أبو عبيد التخفيف، وقال: لأنهما في موضع المصدرين إنما هما: الإعذار، والإنذار، وليسا بجمع فيثقلا (٥) وقال أبو إسحاق: معناهما: المصدر -والتثقيل (٦) (٧) أحدهما: مفعول على البدل من قوله: ﴿ ذِكْرًا ﴾ .
والثاني: على المفعول له، فيكون "الملقيات ذكراً" للإعذار والإنذار (٨) وقال (أبو الحسن) (٩) (١٠) (١١) قال أبو علي الفارسي: العذر، والعذير (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ﴾ ، ويكون "عذراً أو نذراً" على هذا القول حالاً من الإلقاء، كأنهم يُلْقُون الذكر في حال العذر، والنذر.
وذكر أيضًا وجهاً آخر في انتصاب "عذراً أو نذراً" وهو أن يكون مفعول الذكر كأنه قيل: فالملقيات أن يذكر عُذْراً أو نُذْراً (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) أماويَّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ والهَجْرُ ...
وقدْ عَذَرَتْني في طِلابكُمُ العُذْرُ (١٩) فالعذر في هذا البيت جماعة لمكان لحاق علامة التأنيث) (٢٠) ومن أول السورة إلى هاهنا أقسام ذكرها الله تعالى على قوله: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾ وهذا جواب القسم.
قال مقاتل: إنما توعدون من أمر الساعة لكائن (٢١) وقال الكلبي: إنما توعدون من الخير والشر لواقع بكم (٢٢) ثم ذكر متى يقع فقال: ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهاب ضوئها (٢٣) وقال مقاتل: حولت من الضوء إلى السواد (٢٤) (٢٥) وقد ذكرنا تفسير الطمس عند قوله: ﴿ اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ (٢٦) (١) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 340، "جامع البيان" 29/ 233، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 154، "الدر المنثور" 8/ 382 وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) منهم الفراء: "معاني القرآن" 3/ 222، والطبري "جامع البيان" 29/ 232، والسمرقندي "بحر العلوم" 3/ 434، والماوردي "النكت والعيون" 6/ 177.
(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب "عُذْراً" خفيفة، "أو نُذُراً" مثقلة.
وقرأ: أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: "عُذْراً أو نُذْراً" بالتخفيف جميعاً.
انظر: "كتاب السبعة" (666)، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 737، "الحجة" 6/ 362، "الكشف" 2/ 357، "المبسوط" (391)، "البدور الزاهرة" (332).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222 بتصرف.
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) أي: "عُذُراً أو نُذُراً".
(٧) أي: "عُذْراً أو نُذراً".
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 266 بتصرف يسير.
(٩) ساقط من: (أ).
(١٠) في (أ): خففتا.
(١١) نقلاً عن "الحجة" 6/ 363.
(١٢) بياض في (ع).
(١٣) بياض في (ع).
(١٤) في كلا النسختين: يقل، ولا تستقيم العبارة بها، والصواب ما أثبته من مصدره، وهو "الحجة" 6/ 363.
(١٥) "الحجة" 6/ 362 - 363 باختصار.
(١٦) انظر: "فتح القدير" 5/ 356.
(١٧) أي: أبو علي الفارسي.
(١٨) بياض في (أ)، وعند أبي علي في "الحجة" لحاتم فأثبته، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني.
انظر: ديوانه: 6.
(١٩) ديوان حاتم الطائي: 42 برواية: "من" بدلاً من: "في".
(٢٠) ما بين القوسين نقلاً عن "الحجة" 6/ 363.
(٢١) "تفسير مقاتل" 223/ أ.
(٢٢) "التفسير الكبير" 30/ 269 بنحوه.
(٢٣) أعثر على مصدر لقوله.
(٢٤) "تفسير مقاتل" 223/ أ.
(٢٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢٦) وقد أحال الإمام الواحدي إلى سورة النساء: 47 لتناوله معنى الطمس.
وهي ساقطة من النسخ التي بين يدي.
<div class="verse-tafsir"
اختلف في معنى المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات على قولين: أحدهما: أنها الملائكة، والآخر: أنها الرياح.
فعلى القول بأنها الملائكة سماهم المرسلات لأن الله تعالى يرسلهم بالوحي وغيره، وسماهم العاصفات لأنهم يعصفون كما تعصف الرياح في سرعة مضيهم إلى امتثال أمر الله تعالى، وسماهم ناشرات لأنهم ينشرون أجنحتهم في الجو، وينشرون الشرائع في الأرض، أو ينشرون صحائف الأعمال، وسماهم الفارقات لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، وعلى القول بأنها الرياح، سماها المرسلات لقوله: ﴿ الله الذي يُرْسِلُ الرياح ﴾ [الروم: 48] وسماها الناشرات لأنها تنشر السحاب في الجو، ومنه قوله: ﴿ يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً ﴾ [الروم: 48] وسماها الفارقات لأنها تفرق بين الحساب ومنه قوله: ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ [الروم: 48] وأما ﴿ فالملقيات ذِكْراً ﴾ فهم الملائكة لأنهم يلقون الذكر للأنبياء عليهم السلام، والأظهر في الملاسلات والعاصفات أنها الرياح لأن وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات أنها الملائكة لأن الوصف بالفارقات أليق بهم من الرياح، ولأن الملقيات المذكورة بعدها هي الملائكة ولم يقل أحد أنها الرياح، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء فقال: والمرسلات فالعاصفات ثم عطف ما ليس من جنس بالواو فقال: والناشرات، ثم عطف عليه المتجانسين بالفاء، وقد قيل في المرسلات والملقيات أنهم الأنبياء عليهم السلام ﴿ عُرْفاً ﴾ معناه: فضلاً وإنعاماً، وانتصابه على أنه مفعول من أجله وقيل: معناه متتابعة وهو مصدر في موضع الحال وأما عصفاً ونشراً وفرقاً فمصادر، وأما ذكراً فمفعول به ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ العذر فسَّره ابن عطية وغيره بمعنى: إعذار الله إلى عباده لئلا تبقى لهم حجة أو عذر.
وفسره الزمخشري بمعنى الاعتذار.
يقال: عذر إذا محا الإساءة، وأما نذراً فمن الإنذار وهو التخويف، وقرأ الأعشى التميمي بضم الذال في الموضعين وبقية القراء بإسكانها، ويحتمل أن يكونا مصدَرين فكيون نصبهما على البدل من ذكراً أو مفعولاً بذكر، أو يحتمل أن يكون عذراً جمع عذير أو عاذر، ونذراً جمع نذير فيكون نصبهما على الحال ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾ يعني البعث والجزاء وهو جواب القسم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فالملقيات ذكراً ﴾ بتشديد الذال للإدغام: أبو عمرو وحمزة في رواية عنهما ﴿ عذراً ﴾ بضم الذال: الشموني والبرجمي ﴿ أو نذراً ﴾ بالسكون: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد: ﴿ وقتت ﴾ بالتشديد والواو: أبو عمرو ويعقوب.
وبالتخفيف: ويزيد.
وفي رواية بإبدال الواو همزة كقولهم " أجوه " في " وجوه ".
الباقون: بالإبدال وبالتشديد ﴿ ألم نخلقكم ﴾ مظهراً روى النقاش عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش ﴿ فقدرنا ﴾ مشدداً: أبو جعفر عن نافع وعلي، ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ بفتح اللام: رويس: ﴿ جمالة ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ وجمالات ﴾ بضم الجيم مجموعة: يعقوب.
الآخرون: بالكسر مجموعاً.
الوقوف: ﴿ عرفاً ﴾ ه لا ﴿ عصفاً ﴾ ه لا ﴿ نشراً ﴾ ه لا ﴿ فرقاً ﴾ ه لا ﴿ ذكراً ﴾ ه لا ﴿ نذراً ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ط ﴿ طمست ﴾ ه لا ﴿ فرجت ﴾ ه لا ﴿ نسفت ﴾ ه لا ﴿ أقتت ﴾ ه لا بناء على أن عامل " إذا " محذوف أي إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق ﴿ أجلت ﴾ ه ط للفصل بين الجواب والسؤال ﴿ الفصل ﴾ ج ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ فقدرنا ﴾ ه ﴿ القادرون ﴾ ه ﴿ كفاتا ﴾ ه لا ﴿ وأمواتاً ﴾ ه لا ﴿ فراتا ﴾ ه لا ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ج للتكرار مع الآية ووجه الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا به ﴿ شعب ﴾ ه لا ﴿ اللهب ﴾ ه ط ﴿ كالقصر ﴾ ه ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر ﴿ صفر ﴾ ه ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه لا ﴿ فيعتذرون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ الفصل ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الإستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعاً فيه ﴿ والأولين ﴾ ه ﴿ فكيدون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ لا يركعون ﴾ ه ﴿ للمكذبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة.
أما الإحتمال الأول فذكروا فيه وجوهاً الأول: أنها الملائكة أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفاً أي متتابعة كشعر العرف.
يقال: جاؤا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف، فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن كانوا قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم.
ومعنى الفاء في ﴿ فالعاصفات ﴾ أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدراً إلى امتثال الأمر.
قيل: هو من قولهم " عصفت الحرب بالقوم " أي ذهبت بهم وأهلكتهم.
ويقال " ناقة عصوف " أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر.
ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في الجو عن انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض.
أو أحيين النفوس الميتة بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء ﴿ عذراً ﴾ للمحقين ﴿ أو نذراً ﴾ للمبطلين.
قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذاراً أو إنذاراً وكل منهما بدل من ﴿ ذكر ﴾ أو مفعول له.
وقال أبو عبيد: بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها الرياح أقسم الله برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفاً ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله ﴿ ويجعله كسفاً ﴾ فألقين ذكراً إي صرن سبباً في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح إلتجأ إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذراً للذين يعتذرون إلى الله عز وجل بالتوبة والإستغفار، وإنذاراً للذين يغفلون عن الله ويغفلون عن شكره إذ ينسبونها إلى الأنواء.
والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي إبتدأن بالقهر والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي وأمته كما قال ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه " لا إله إلا الله" فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين.
الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله.
وأما الإحتمال الثاني ففيه وجوه أيضاً أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما مر في الوجه الأول منها.
ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة الحركة.
وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملاكة لأنها تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر الله على القلوب والألسن.
وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى بفاء الوصل المنبيء عن التعقيب والتسبيب.
ثم التنسيق بالواو وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية آيات القرآت على منوال ما سبق.
قوله ﴿ إنما توعدون لواقع ﴾ جواب القسم ومعناه على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع.
والأكثرون يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ أي أزيلت عن أماكنها بالإنتثار وأذهب ضوءها بالإنكدار وقد ورد كل منهما ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ فذكروا في وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور.
وفسر الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله ﴿ وإذا السماء فرجت ﴾ أي فتحت السماء فكانت أبوابا ﴿ وإذا الجبال نسفت ﴾ أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف بالمنسف وقد مر في " طه " في قوله ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهماً عليهم قبل ذلك وقريب منه قول جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة.
ثم عجب العباد هول ذلك اليوم فقال ﴿ لأي يوم أجلت ﴾ الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين.
ثم أجاب بأنهم أجلوا ﴿ ليوم الفصل ﴾ بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانياً فقال ﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ﴾ وأي شيء شدته ومهابته.
ثم عقبه بتهويل ثالث فقال ﴿ ويل يومئذ ﴾ أي يوم إذا كان كذا وكذا من الأهوال ﴿ للمكذبين ﴾ وإعرابه كإعراب ﴿ سلام عليك ﴾ وقد سبق.
وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن.
ثم هددهم بقوله ﴿ ألم نهلك الأولين ﴾ كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد ﴿ ثم نتبعهم الآخرين ﴾ وهم كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم.
ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم فقال ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين ﴾ حقير لا يعبأ به وهو النطفة ﴿ فجعلناهفي قرار مكين ﴾ وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد ﴿ إلى قدر معلوم ﴾ أي إلى مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال ﴿ فقدرنا ﴾ بالتشديد ﴿ فنعم القادرون ﴾ أي فنعم المقدرون له نحن.
ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضاً لتتوافق القراءتان.
قال الفراء: قدر وقدّر بالتخيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في أحسن تقويم.
وفي قوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ وتوبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما كانت أعظم كان كفرانها أفحش.
والثاني أن القادر على الابداء أقدر على الإعادة فالمنكر لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ.
ثم عد عليهم نعم الآفاق بعد ذكر الأنفس.
والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسماً لما يكفت به مبيناً للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القرورة.
وانتصب ﴿ أحياء وأمواتاً ﴾ بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها.
والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتاً لا تعد ولا تحصى.
وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم.
وقيل: معنى كونها كفاتاً أنها تجمع ما ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في التعيش.
وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت.
والكل بتكلف.
والوجه هو الأول.
وباقي الآية ظاهر مما سلف مراراً.
ثم أخبر عما يقال للمكذبين في قوم الفصل فقال ﴿ انطلقوا ﴾ أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من العذاب.
ثم بين ما أجمل بقوله ﴿ انطلقوا ﴾ يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلاله فهناك يقولون ﴿ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ ويقال للمكذبين ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ من عذاب الله وعقابه ﴿ انطلقوا إلى ظل ﴾ قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار بالظل مجازاً.
وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم.
وعن قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش.
وقال في الكشاف: هو عبارة عن عظم الدخان.
فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل التأويل: الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات.
وقال أبو مسلم: هي الأوصاف الثلاثة التي ذكرها الله عقيبه وهي ﴿ لا ظليل ولا يغني من اللهب أنّها ترمي بشرر كالقصر ﴾ وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حرّ اللهب شيئاً أي لا روح كما قال في الواقعة ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه.
وإنما عدي في الآية بـ " من " لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب ان اللهب ههنا هو العطش.
ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير من النار متبدداً في كل جهة بالقصر.
والأكثرون على أنه واحد القصور.
وعن سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة كجمرة وجمر.
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره للشتاء.
ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيهاً آخر قائلاً ﴿ كأنه جمالات صفر ﴾ وهي جمع جمالة بمعنى جمل.
ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء في ﴿ جمالة ﴾ لتأكيد الجمع كحجر وحجارة.
أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر أي حبالها كما مر في قوله ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وعن علي بن أبي طالب وابن عباس أنها قطع النحاس.
ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل.
يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين: والمعنى أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة.
قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة.
وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شرراً ما دام مرتفعاً وحينئذ يكون ناراً وإذا كان ناراً كان أصفر فاقعاً.
واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع بالقصر ثم شبهه مع ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر.
ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد في بلاد العرب.
وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة.
فسمع أبو العلاء ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال: حمراء ساطعة الذوائب في الد *** جى ترمي بكل شرارة كطراف فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز.
قال الإمام فخر الدين الرازي: كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبساً تابعاً، والمعجز أظهر حالاً وأجل منصباً من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت إلىالمعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة.
الثاني أن القصر موضع الأمن وتشبيه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول النعم.
ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير موجود في الشعر.
الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما بينهما بلاء شديد.
فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك.
السادس أن القصر يكون أعظم غالباً من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون أكثر عدداً من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى المقصود.
السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن يكون وجه التشبيه واحداً منهما فقط.
الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش إذا كان وقت الانطلاق راكباً ووقت النزول راقداً في الظل فكأنه قيل في الآية على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود.
التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم.
العاشر أن سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام أوردناها لئلا يكون كتابنا خالياً من فوائد تفسيره.
قوله ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فأجاب بتغاير الزمانين وتباين الموطنين.
وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم لم ينطقوا ولم يعتذروا.
قوله ﴿ ولا يؤذن ﴾ إنما لم يقل " فيعتذروا " بسقوط النون للنصب كقوله ﴿ لا يقضي عليهم فيموتوا ﴾ لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الإعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق النسق لا للتسبب.
هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة " اقتربت " ﴿ إلى شيء نكر ﴾ لا مثقلاً.
وقريء قوله في آخر " الكهف " و " الطلاق " ﴿ عذاباً نكراً ﴾ بالوجهين قالوا: وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه أزاح الاعتذار في الدنيا بتقديم الإنذار بدليل قوله ﴿ فالملقيات ذكراً عذراً ونذراً ﴾ ولهذا قال في آخر هذا الأخبار ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم المذكور بقوله ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ ثم أوضح هذه الجملة بقوله ﴿ جمعناكم ﴾ أيها المتأخرون ﴿ والأولين ﴾ لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل.
وقد يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب.
ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله ﴿ فإن كان لكم كيد فكيدون ﴾ وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم يومئذ كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا التعجيز والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في تلك النعم مقولاً لهم ﴿ كلوا واشربوا ﴾ وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضاً من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ ثم ذكر أن هذا الويل ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ قال جار الله: هذا في طريقة قول القائل: إخوتي لا تبعدوا أبداً *** وبلى والله قد بعدوا أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعاداً لكل مجرم، وجوز أن يكون ﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين في الدنيا.
ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله بقبول وحيه.
وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود.
يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله بالصلاة فقالوا: لا ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا.
فقال صلى الله عيله وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود.
وأنزل الله الآية.
ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضالاتهم بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول " الجاثية " نظيره والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ اختلفوا في تأويلها: فمنهم من حمل تأويل هذا كله على الملاكئة.
ومنهم من صرفها إلى الرياح.
ومنهم من صرف البعض إلى الرياح، والبعض إلى الملائكة.
وجائز أن يجعل هذا كله في الرياح، ويستقيم أن يصرف كله إلى الملائكة، ويستقيم أن يجعل البعض في الملائكة والبعض في الرياح.
فإن كان في الرياح، استقام القسم بها؛ لأن من الرياح رياحا هن مبشرات برحمته، سائقات للنعم إلى عباده؛ كقوله : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ .
ومن الرياح رياح [هي] منجيات؛ قال الله : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا ﴾ ؛ فجعل الله الريح سببا لتسيير السفن في البحار، وكام جعل الماء سببا لذلك، وجعل منها مهلكات مذكرات لقوته وسلطانه؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم ﴾ الآية [الإسراء: 69]، فهي تميتهم وتهلكهم من غير أن يدركوها بأبصارهم، وإن كانت الأبصار هي أول ما يقع بها درك الأشياء، ولو أراد أحد أن يعرف الوجه الذي له صارت المنجيات منجيات، أو يعرف الوجه الذي له صارت الرياح مهلكات، أو مبشرات - لم يقف عليه؛ فصارت الرياح مذكرات للنعم، وفي تذكير النعم إيجاب القول بالبعث، وبكل ما يخبرهم به الرسل؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ورأوا فيها من لطائف الحكمة وعجائب التدبير ما لا يبلغها تدبيرهم وحكمتهم، فعلموا أن الأمر غير مقدر بعقولهم ولا بحكمتهم؛ فيكون في ذكر ما ذكرنا إزاحة ما اعترض له من الشك والشبه في أمر البعث؛ فأقسم بها - على ما ذكرنا أن القسم جعل لتأكيل ما يقصد إليه باليمين.
فرجعنا إلى قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ قيل: هي الرياح المبشرات؛ سميت: عرفا؛ لأن ما تأتى به من النعم معروفة.
وقيل: العرف: المتتابع، وسمي عرف الفرس: عرفا؛ لتتابع بعض الشعر على بعض؛ فجائز أن يكون منصرفا إلى الرياح المبشرة.
وكذلك قوله - -: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ جائز أن يحمل على الرياح، لكن على الرياح المُنْشِرَات، وهي الرياح السهلة الخفيفة؛ لأن النشر مذكور في رياح الرحمة بقوله: (وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته) في بعض القراءات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ﴾ هي الرياح الشديدة التي تكسر الأشياء وتقصمها، وهي التي ترسل للإهلاك؛ كقوله : ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هي اسم الرياح التي لم يظهر أنها أرسلت للهلاك أو للتبشير؛ لأن الرياح التي ترسل للرحمة يظهر أثر رحمتها من ساعتها من إرسال السحاب، وغير ذلك قبل أن تتتابع، وكذلك الرياح التي هي رياح إهلاك يظهر علم الإهلاك من ساعتها، وهو أن تكف قاصفة شديدة قبل أن تتتابع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ .
يحتمل الرياح - أيضا - وأنما سميت: فارقات؛ لأنها تفرق السحاب؛ فيصير البعض في أفق، والبعض في أفق أخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ .
جائز أن يصرف إلى الرياح، وإلقاء ذكرها ما ذكرنا: أنه تظهر بها النعم، وتتذكر، وتبين بها النجاة، ويقع ببعضها الهلاك، فذلك إلقاء ذكرها، والله أعلم.
وإن صرف الكل إلى الملائكة فيحتمل أيضا: فقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ ، أي: الملائكة الذين أرسلوا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ﴾ ، أي: الملائكة الذين يعصفون أرواح الكفار، أي: يأخذونها على شدة وغضب.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ جائز أن يكون أريد بها السفرة من الملائكة، سموا: ناشرات؛ لأنهم ينشرون الصحف ويقرءونها.
وجائز أن يراد بها الملائكة الذين يأخذون أرواح المؤمنين على لين ورفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ جائز أن يراد بها الملائكة، وسميت: فارقات؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الملائكة الذين يلقون الذكر على ألسن الرسل، عليهم السلام.
وإن صرف البعض إلى الملائكة والبعض إلى الرياح، فمستقيم أيضا.
فتكون "المرسلات": الذين أ رسلوا بالمعروف والخير.
و"العاصفات" الريح الشديدة، و"الناشرات": الرياح الخفيفة السهلة.
و"الفارقات فرقا" و"الملقيات ذكرا": هم الملائكة.
ويحتمل وجها آخر: أن يراد بقوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هم الرسل من البشر الذين بعثوا إلى الخلق، فيما من رسول بعث إلا وهو مرسل بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وكذلك جائز أن يراد بقوله : ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الرسل؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، ويلقون الذكر في مسامع الخلق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هي الكتب المنزلة من السماء؛ لأنها أرسلت بالمعروف وكل أنواع الخير.
وكذا قوله: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ ، أي: ناشرات للحق والهدى، وكذا قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل أيضا.
وكذلك ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ ؛ فإنها سبب لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ : أي: عذراً من الله - - وهو أن الله - - أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبين الحجج؛ حتى لم يبق لأحد على الله حجة بعد ذلك، فهذا هو الإعذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ نُذْراً ﴾ ، أي: أنذرهم، ولم يعجل في إهلاكهم؛ بل بين لهم ما يتقى ويجتنب، وما يندب إليه ويؤتى، فهذا هو الإنذار على تأويل الرياح ما ذكرنا: أنها مذكرات نعم الله ونقمته؛ فيكون في ذلك إيجاب ذكر المنعم والمنتقم؛ فيكون في ذلك إعذار وإنذار، والله أعلم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ﴾ .
فهذا موضع القسم بما ذكر من المرسلات إلى آخرها.
ثم إن كان الموعود هو البعث؛ فمعناه: إن الذي توعدون به من البعث لكائن، وإن كان على الجزاء والعقاب، فتأويله: إن ما توعدون به من العذاب لنازل بكم؛ فتكون الآية في قوم علم الله - - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ .
فكأنه - والله أعلم - لما نزل قوله : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ﴾ سألوا رسول الله عن وقت وقوعه متى يكون؟
فنزلت: ﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ ، فأشار إلى الأحوال التي تكون يومئذ، لا إلى نفس الوقت، فقوله: ﴿ طُمِسَتْ ﴾ ، أي: ذهب ضوءها ونورها، ثم تناثرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴾ : أي: انشقت.
﴿ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴾ .
أي: قلعت من أصلها؛ فسويت بالأرض.
وقال الزجاج: نسفت الشيء إذا أخذته على سرعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ ، وقرئ (وقتت)، وكذلك أصله، لكن الهمزة أبدلت مكان الواو؛ طلبا للتخفيف، وهو من التوقيت، أي: جمعت لوقت.
وقيل: أحضرت الرسل؛ ليشهد كل واحد منهم على قومه الذين بعث إ ليهم؛ كما قال [الله] : ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .
وقيل: ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ أي: وعد لهم بيان حقيقة ما إليه دعوا من وقوع ما أوعدوا قومهم الذين تركوا إجابتهم من العذاب، ووعد لهم الوصول إلى من آمن بالله وأجاب الرسل فيما دعوهم إليه من الثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ : ﴿ أُجِّلَتْ ﴾ و ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ واحد؛ لأن في التأجيل توقيتا، وفي التوقيت تأجيلا، ثم بين وقت حلول الأجل - أجل العذاب - بقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ ﴾ ، أي: ليوم الحكم والقضاء، قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ .
فجائز أن تكون الكلمة التي سبقت منه هي تأخير الجزاء إلى يوم البعث؛ فجعل ذلك يوم الجزاء؛ وذلك يكون بالمعاينة، وجعل هذه الدار دار محنة وابتلاء، وذلك يكون بالحجج والبينات؛ فكأنه قال: لولا ما سبق من كلمة [الله - - من تأخير الجزاء العذاب، وإلا كان العذاب واقعا بهم في هذه الدنيا بالتكذيب.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله - - أخر] الجزاء والعقاب إلى اليوم الذي يجمع فيه الأولين والآخرين، وقدر في هذه الدنيا خلق هذه البشر على التتابع إلى ذلك اليوم؛ إذ ذلك اليوم هو الذي يوجد فيه الجمع، والله أعلم.
وسمى يوم الفصل لهذا أنه يوم القضاء والحكم، ولأنه اليوم الذي يظهر فيه مثوى أهل الشقاء وأهل السعادة، ويفصل بين الأولياء والأعداء ويفصل بين الخصماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ : أي: لم تكن تدري، فدراك الله ؛ ذكر هذا: إما على التعظيم والتهويل لذلك اليوم، أو على الامتنان على رسوله - - بإطلاعه عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ : في هذا دليل على أن الوعيد المذكور على الإطلاق منصرف إلى أهل التكذيب، ثم لم يذكر ما للمصدقين، وحقه أن يقال: "طوبى للمصدقين"؛ لأن حرف "الويل" يتكلم به عند الوقوع في المهلكة، وحرف "طوبى" يتكلم به في موضع السرور والعطية، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك؛ كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ : تقديم وتأخير.
<div class="verse-tafsir"
تنزل بالوحي إعذارًا من الله إلى الناس، وإنذارًا للناس من عذاب الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.0lWYP"