الإسلام > القرآن > سور > سورة 83 المطففين > الآية ١٥ من سورة المطففين
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة المطففين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) أي لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم قال الإمام أبو عبد الله الشافعي في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ .
وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية كما دل عليه منطوق قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) القيامة 22 ، 23 وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة وقد قال ابن جرير محمد بن عمار الرازي : حدثنا أبو معمر المنقري حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) قال يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية أو كلاما هذا معناه
وقوله: ( إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ) يقول تعالى ذكره: ثم إنهم لوَارِدُو الجحيم، فمشويُّون فيها.
قوله تعالى : ( كلا ) أي حقا إنهم يعني الكفار عن ربهم يومئذ أي يوم القيامة لمحجوبون .
وقيل : كلا ردع وزجر ، أي ليس كما يقولون ، بل إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون .
قال الزجاج : في هذه الآية دليل على أن الله - عز وجل - يرى في القيامة ، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون .
وقال جل ثناؤه : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فأعلم الله - جل ثناؤه - أن المؤمنين ينظرون إليه ، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه ، وقال مالك بن أنس في هذه الآية : لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه .
وقال الشافعي : لما حجب قوما بالسخط ، دل على أن قوما يرونه بالرضا .
ثم قال : أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا .
وقال الحسين بن الفضل : لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته .
وقال مجاهد في قوله تعالى : لمحجوبون : أي عن كرامته ورحمته ممنوعون .
وقال قتادة : هو أن الله لا ينظر إليهم برحمته ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .
وعلى الأول الجمهور ، وأنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه .
فإنه محجوب عن الحق، ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات الله،
( كلا إنهم عن ربهم يومئذ ) يوم القيامة ( لمحجوبون ) [ قال ابن عباس : " كلا " يريد : لا يصدقون ، ثم استأنف فقال : " إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " قال بعضهم : عن كرامته ورحمته [ ممنوعون ] وقال قتادة : هو ألا ينظر إليهم ولا يزكيهم .
وقال أكثر المفسرين : عن رؤيته قال الحسن : لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا .
قال الحسين بن الفضل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته .
وسئل مالك عن هذه الآية فقال : لما حجب [ الله ] أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه .
وقال الشافعي - رضي الله عنه - : في قوله : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " دلالة على أن أولياء الله يرون الله .
«كلا» حقا «إنهم عن ربهم يومئذ» يوم القيامة «لمحجوبون» فلا يرونه.
عذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين.
ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب.
ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
قال الآلوسى : " كلا " ردع وزجر عن الكسب الرائن ، أو بمعنى حقا " إنهم " .
أى : هؤلاء المكذبين ( عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون ) لا يرونه - سبحانه - وهو - وعز وجل - حاضر ناظر لهم ، بخلاف المؤمنين ، فالحجاب : مجاز عن عدم الرؤية ، لأن المحجوب لا يرى ما حجب ، و الحجب المنع ، والكلام على حذف مضاف .
أى : عن رؤية ربهم لممنوعن فلا يرونه - سبحانه - .واحتج مالك - رحمه الله - بهذه الآية ، على رؤية المؤمنين له - تعالى - ، من جهة دليل الخطاب ، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص .وقال الشافعى - رحمه الله - : لما حجب - سبحانه - قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا .
.
واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه فأولها: قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: أنه ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ماهم عليه من التطفيف والغفلة، عن ذكر البعث والحساب فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا الثاني: قال أبو حاتم: ﴿ كَلاَّ ﴾ ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقاً ﴿ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ ﴾ وهو قول الحسن.
النوع الثاني: أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخيبة والحقارة على سبيل الاستخفاف بهم، وهاهنا سؤالات.
السؤال الأول: السجين اسم علم لشيء معين أو اسم مشتق عن معنى؟
قلنا فيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين: أنه اسم علم على شيء معين، ثم اختلفوا فيه، فالأكثرون على أنه الأرض السابعة السفلى، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد، وروى البراء أنه عليه السلام قال: «سجين أسفل سبع أرضين» قال عطاء الخراساني: وفيها إبليس وذريته، وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: «سجين جب في جهنم» وقال الكلبي ومجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السابعة.
القول الثاني: أنه مشتق وسمي سجيناً فعيلاً من السجن، وهو الحبس والتضييق كما يقال: فسيق من الفسق، وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج، قال الواحدي: وهذا ضعيف والدليل على أن سجيناً ليس مما كانت العرب تعرفه قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ما سجين ﴾ أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت وقومك.
ولا أقول هذا ضعيف، فلعله إنما ذكر ذلك تعظيماً لأمر سجين.
كما في قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ﴾ قال صاحب الكشاف: والصحيح أن السجين فعيل مأخوذ من السجن، ثم إنه هاهنا اسم علم منقول من صف كحاتم وهو منصرف، لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف، إذا عرفت هذا، فنقول قد ذكرنا أن الله تعالى أجرى أموراً مع عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين عظمائهم.
فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين، والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملعونين، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين، كل ذلك من صفات الكمال والعزة، وأضدادها من صفات النقص والذلة، فلما أريد وصف الكفرة وكتابهم بالذلة والحقارة، قيل: إنه في موضع التسفل والظلمة والضيق، وحضور الشياطين، ولما وصف كتاب الأبرار بالعزة قيل: إنه ﴿ لَفِى عِلّيّينَ ﴾ .
و ﴿ يَشْهَدُهُ المقربون ﴾ .
السؤال الثاني: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه ﴿ فِى سِجّينٍ ﴾ ثم فسر سجيناً ب ﴿ كتاب مَّرْقُومٌ ﴾ فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟
أجاب القفال: فقال قوله: ﴿ كتاب مَّرْقُومٌ ﴾ ليس تفسيراً لسجين، بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم، فيكون هذا وصفاً لكتاب الفجار بوصفين أحدهما: أنه في سجين والثاني: أنه مرقوم، ووقع قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ ﴾ فيما بين الوصفين معترضاً، والله أعلم.
والأولى أن يقال: وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر، إما بأن يوضع كتاب الفجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إلى في تفصيل أحوال الأشقياء، أو بأن ينقل ما في كتاب الفجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين، وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون المراد من الكتاب، الكتابة فيكون في المعنى: كتابة الفجار في سجين، أي كتابة أعمالهم في سجين، ثم وصف السجين بأنه ﴿ كتاب مَّرْقُومٌ ﴾ فيه جميع أعمال الفجار.
السؤال الثالث: ما معنى قوله: ﴿ كتاب مَّرْقُومٌ ﴾ ؟
قلنا فيه وجوه: أحدها: مرقوم أي مكتوبة أعمالهم فيه.
وثانيها: قال قتادة: رقم لهم بسوء أي كتب لهم بإيجاب النار.
وثالثها: قال القفال: يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك الكتاب مرقوماً، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته، فكذلك كتاب الفاجر جعل مرقوماً برقم دال على شقاوته.
ورابعها: المرقوم: هاهنا المختوم، قال الواحدي: وهو صحيح لأن الختم علامة، فيجوز أن يسمى المرقوم مختوماً.
وخامسها: أن المعنى كتاب مثبت عليهم كالرقم في الثوب ينمحي، أما قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه متصل بقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس ﴾ أي: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ ويل لمن كذب بأخبار الله والثاني: أن قوله: ﴿ مَّرْقُومٌ ﴾ معناه رقم برقم يدل على الشقاوة يوم القيامة، ثم قال: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ في ذلك اليوم من ذلك الكتاب، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال: ﴿ وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين ﴾ ومعناه أنه لا يكذب بيوم الدين إلا من كان موصوفاً بهذه الصفات الثلاثة فأولها: كونه معتدياً، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق.
وثانيها: الأثيم وهو مبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي.
وأقول الإنسان له قوتان قوة نظرية وكمالها في أن يعرف الحق لذاته، وقوة عملية وكمالها في أن يعرف الخير لأجل العمل به، وضد الأول أن يصف الله تعالى بما لا يجوز وصفه به، فإن كل من منع من إمكان البعث والقيامة إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم الله بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات، أو لأنه لم يعلم تعلق قدرة الله بجميع الممكنات.
فهذا الاعتداء ضد القوة العملية، هو الاشتغال بالشهوة والغضب وصاحبه هو الأثيم، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة، وربما صار ذلك مانعاً له عن الإيمان بالقيامة.
وأما الصفة الثالثة: للمكذبين بيوم الدين فهو قوله: ﴿ إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين ﴾ والمراد منه الذين ينكرون النبوة، والمعنى إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين، وفيه وجهان: أحدهما: أكاذيب الأولين والثاني: أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون القرآن من عند الله بهذا الطريق، وهاهنا بحث آخر: وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولاً؟
فيه قولان: الأول: وهو قول الكلبي: أن المراد منه الوليد بن المغيرة، وقال آخرون: إنه النضر بن الحارث، واحتج من قال: إنه الوليد بأنه تعالى قال في سورة ن: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين ﴾ فقيل إنه: الوليد بن المغيرة، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: وما يكذب بيوم الدين من قريش أو من قومك إلا كل معتد أثيم، وهذا هو الشخص المعين والقول الثاني: أنه عام في حق جميع الموصوفين بهذه الصفات، أما قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ فالمعنى ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين، بل أفعالهم الماضية صارت سبباً لحصول الرين في قلوبهم، ولأهل اللغة في تفسير لفظة الرين وجوه، ولأهل التفسير وجوه أخر، أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت فيذهب به، قال الليث: ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه، وهو يريد رينا، وريوناً، ومن هذا حديث عمر في أسيفع جهينة لما ركبه الدين أصبح قد رين به قال أبو زيد: يقال: رين بالرجل يران به ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه.
قال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين، والأقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال الزجاج: ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم، يقال: ران على قلبه الذنب يرين ريناً أي غشيه، والرين كالصدإ يغشى القلب ومثله العين، أما أهل التفسير، فلهم وجوه: قال الحسن: ومجاهد هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب، وتغشاه فيموت القلب، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيماً ضخمة» وعن مجاهد القلب كالكف، فإذا أذنب الذنب انقبض، وإذا أذنب ذنباً آخر انقبض ثم يطبع عليه وهو الرين، وقال آخرون: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله، وروي هذا مرفوعاً في حديث أبي هريرة، قلت: لا شك أن تكرر الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان إتيانه بعمل الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أتم، إلى أن يصير بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة من غير روية ولا فكرة، فهذه الهيئة النفسانية، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الهيئة النفسانية، إذا عرفت هذا فنقول: إن الإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله، وكل ما يشغلك بغير الله فهو ظلمة، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد، ولكل واحد من الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثر في حصولها، فذلك هو المراد من قولهم: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة، لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة، فبعضها يكون ريناً وبعضها طبعاً وبعضها أقفالاً، قال القاضي ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع، بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالاً بعد حال متجرئين عليه وقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع، فاستمروا وصعب الأمر عليهم، ولذلك بين أن علة الرين كسبهم، ومعلوم إن إكثارهم من اكتساب الذنوب لا يمنع من الإقلاع والتوبة، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعي إلى الفعل، والداعي إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من غير مرجح، فبأن يكون ممتنعاً حال المرجوحية كان أولى، ولما سلم القاضي أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحاً، فوجب أن يكون الإقلاع في هذه الحالة ممتنعاً، وتمام الكلام قد تقدم مراراً في هذا الكتاب.
أما قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ فاعلم أنهم ذكروا في ﴿ كَلاَّ ﴾ وجوهاً أحدها: قال صاحب الكشاف: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم.
وثانيها: قال القفال: إن الله تعالى حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقاً، فإن الله تعالى يعطيه مالاً وولداً، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال: ﴿ أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً ﴾ وقال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ ولما كان هذا مما قد تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره هاهنا وقال: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ أي ليس الأمر كما يقولون: من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون.
وثانيها: أن يكون ذلك تكريراً وتكون ﴿ كَلاَّ ﴾ هذه هي المذكورة في قوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ ﴾ أما قوله: ﴿ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه: أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون أي ممنوعون، كما يقال في الفرائض: الإخوة يحجبون الأم على الثلث، ومن ذلك يقال: لمن يمنع عن الدخول هو حاجب، لأنه يمنع من رؤيته.
وثانيها: قال أبو مسلم: ﴿ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ أي غير مقربين، والحجاب الرد وهو ضد القبول، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ .
وثالثها: قال القاضي: الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية، فإنه قد يقال: حجب فلان عن الأمير، وإن كان قد رآه من البعد، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال، بل يجب أن يحمل على صيرورته ممنوعاً عن وجدان رحمته تعالى.
ورابعها: قال صاحب الكشاف: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم والجواب: لا شك أن من منع من رؤية شيء يقال: إنه حجب عنه، وأيضاً من منع من الدخول على الأمير يقال: إنه حجب عنه، وأيضاً يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع دفعاً للاشتراك في اللفظ، وذلك هو المنع.
ففي الصورة الأولى حصل المنع من الرؤية، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه، وفي الثالثة: حصل المنع من استحقاق الثلث، فيصير تقدير الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى، وهو إما العلم، وإما الرؤية، ولا يمكن حمله على العلم، لأنه ثابت بالاتفاق للكفار، فوجب حمله على الرؤية.
أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، وكذا ما قاله صاحب الكشاف: ترك للظاهر من غير دليل، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين.
قال مقاتل: معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب، لا يرون ربهم، والمؤمنون يرون ربهم، وقال الكلبي: يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه لابد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه، وعن الشافعي لما حجب قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا، أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم ﴾ فالمعنى لما صاروا محجوبين في عرصة القيامة إما عن رؤية الله على قولنا، أو عن رحمة الله وكرامته على قول المعتزلة، فعند ذلك يؤمر بهم إلى النار ثم إذا دخلوا النار، وبخوا بتكذيبهم بالبعث والجزاء، فقيل لهم: ﴿ هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ ﴾ في الدنيا، والآن قد عاينتموه فذوقوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين يُكَذِّبُونَ ﴾ مما وصف به للذم لا للبيان، كقولك فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع للمعتدي الأثيم عن قوله: ﴿ رَانَ على قُلُوبِهِمْ ﴾ ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها: وهو أن يصر على الكبائر ويسوّف التوبة حتى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه.
وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب.
يقال: ران عليه الذنب وغان عليه، رينا وغينا، والغين: الغيم، ويقال: ران فيه النوم رسخ فيه، ورانت به الخمر: ذهبت به.
وقرئ بإدغام اللام في الراء وبالإظهار، والإدغام أجود.
وأميلت الألف وفخمت ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم.
وكونهم محجوبين عنه: تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم.
قال: إذَا اعْتَرَوْا بَابَ ذِي عُبْيَةٍ رُجِبُوا ** وَالنَّاسُ مِنْ بَيْنِ مَرْجُوبٍ وَمَحْجُوبٍ عن ابن عباس وقتادة وابن أبي مليكة: محجوبين عن رحمته.
وعن ابن كيسان: عن كرامته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنْ هَذا القَوْلِ.
﴿ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ وبَيانٌ لِما أدّى بِهِمُ الى هَذا القَوْلِ، بِأنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ المَعاصِي بِالِانْهِماكِ فِيها حَتّى صارَ ذَلِكَ صَدَأً عَلى قُلُوبِهِمْ فَعَمِيَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ الحَقِّ والباطِلِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ العَبْدَ كُلَّما أذْنَبَ ذَنْبًا حَصَلَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ» والرَّيْنُ الصَّدَأُ، وقَرَأ حَفْصٌ بَلْ رانَ بِإظْهارِ اللّامِ.
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ.
﴿ إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ فَلا يَرَوْنَهُ بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ ومَن أنْكَرَ الرُّؤْيَةَ جَعَلَهُ تَمْثِيلًا لِإهانَتِهِمْ بِإهانَةِ مَن يُمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ عَلى المُلُوكِ، أوْ قَدَّرَ مُضافًا مِثْلَ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ، أوْ قُرْبِ رَبِّهِمْ.
﴿ ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ ﴾ لَيَدْخُلُونَ النّارَ ويُصْلَوْنَ بِها.
﴿ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ تَقُولُهُ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
{كَلاَّ} ردع عن الكسب الرائن على القلب {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ} عن رؤية ربهم {يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} لممنوعون والحجب المنع قال الزجاج في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم وإلا لا يكون التخصيص مفيداً وقال الحسين بن الفضل كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في العقبى عن رؤيته وقال مالك بن أنس رحمه الله لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه وقيل عن كرامة ربهم لأنهم في الدنيا لم يشكروا نعمه فيئسوا في الآخرة عن كرامته مجازاة والأول أصح لأن الرؤية أقوى الكرامات فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا ﴿ إنَّهُمْ ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ﴿ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ لا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ، وهو عَزَّ وجَلَّ حاضِرٌ ناظِرٌ لَهم بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ فالحِجابُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَحْجُوبَ لا يَرى ما حُجِبَ أوِ الحَجْبُ المَنعُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَمْنُوعُونَ فَلا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ.
واحْتَجَّ بِالآيَةِ مالِكٌ عَلى رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ تَعالى مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ وإلّا فَلَوْ حُجِبَ الكُلُّ لَما أغْنى هَذا التَّخْصِيصُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: لِمّا حَجَبَ سُبْحانَهُ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: لَمّا حَجَبَ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ تَجَلّى جَلَّ شَأْنُهُ لِأوْلِيائِهِ حَتّى رَأوْهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَن أنْكَرَ رُؤْيَتَهُ تَعالى كالمُعْتَزِلَةِ قالَ: إنَّ الكَلامَ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْوُجَهاءِ المُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا الأدْنِياءُ المُهانُونَ عِنْدَهم كَما قالَ: إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِبُوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَثَلًا لَمَحْجُوبُونَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ تَقْدِيرُ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ تَقْدِيرُ الكَرامَةِ لَكِنَّهم أرادُوا عُمُومَ المُقَدَّرِ لِلرُّؤْيَةِ وغَيْرِها مِن ألْطافِهِ تَعالى.
والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «مَحْجُوبُونَ» وهو العالَمُ في ( يَوْمَئِذٍ ) والتَّنْوِينُ فِيهِ تَنْوِينُ عِوَضٍ، والمُعَوَّضُ عَنْهُ هُنا: يَقُومُ النّاسُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمَحْجُوبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم بيّن فقال عز وجل: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ يعني: يجحدون بالبعث وَما يُكَذِّبُ بِهِ يعني: بيوم القيامة إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يعني: كل معتد بالظلم آثم عاص لربه ويقال: كل مقيد للخلق أثيم يعني فاجر وهو الوليد بن المغيرة وأصحابه ومن كان في مثل حالهم ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديث الأولين وكذبهم.
ثم قال: كَلَّا يعني: لا يؤمن بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: ختم، ويقال: غطى على قلوبهم مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: ما عملوا من أعمالهم الخبيثة، وروى أبو هريرة- - عن النبيّ أنه قال: «إذَا أَذْنَبَ العَبْدُ ذَنْباً كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاء فِي قَلْبِهِ فَإِذَا تَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإنْ زَادَ زَادَتْ وَذَلِكَ قَوْلِهِ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» ، وقال قتادة: الذنب على الذنب حتى مات القلب (أسود) ويقال: غلف على قلوبهم ويقال: غطا على قلوبهم وقال أهل اللغة الرين: هو الصدأ والصدأ هو اسم البعد كما قال: ويصدهم عن سبيل الله يغشى على القلب ثم قال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ يعني: لا يرونه يوم القيامة ويقال عن رحمته لممنوعون ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ يعني: دخلوا النار ثُمَّ يُقالُ يعني: يقول لهم الخزنة هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني: تجحدون، وقلتم إنه غير كائن ثم قال عز وجل: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ يعني: حقاً إن كتاب المصدقين لفي عليين وهو فوق السماء السابعة، فرفع كتابهم على قدر مرتبتهم ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ ثم وصفه فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً مختوماً في عليين يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني: يشهد على ذلك الكتاب سبعة أملاك من مقربي أهل كل سماء وقال بعضهم: الكتاب أراد به الروح والأعمال يعني: يرفع روحه وأعماله إلى عليين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني الملائِكة قاله ابن عبّاس وغيره «١» ، ويَنْظُرُونَ معناه إلى ما عندَهم مِن النعيم، والنَّضْرةُ: النعمة والرونق، والرحيق: الخمر الصافية، ومَخْتُومٍ يحتملُ أنَّه يُخْتَمُ على كؤوسه التي يشْرَبُ بها تَهَمُّماً وتنظفاً، والظاهر أنه مختُوم شربُه بالرائحةِ المِسْكِيةِ حَسْبَمَا فسَّره قوله: خِتامُهُ مِسْكٌ قال ابن عباس وغيره: خاتمة شربه مسك «٢» ، [وقرأ الكسائي «٣» : «خَاتَمُهُ مِسْكٌ» ] ، ثم حرَّضَ تعالى على الجنةِ بقوله: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.
وقوله تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ المِزَاجُ: الخلطُ، قال ابن عباس وغيره:
تَسْنِيمٍ: أشْرَفُ شرابٍ في الجنةِ، وهو اسْمٌ مذكرٌ لِمَاءِ عينٍ في الجنةِ، وهي عين يشرب بها المقربون صرفاً ويُمْزَجُ رحيقُ الأبرارِ بها «٤» وهذا المعنى في «صحيح البخاري» ، وقال مجاهد ما معناه: أن تسنيماً مصدَرُ من سَنَّمْتُ: إذَا عَلَوْتُ، ومنه السَّنَامُ، فكأنه عينٌ قَدْ عَلِيَتْ على أهل الجنةِ فهي تَنْحَدِر، وقاله مقاتل «٥» ، وجمهور المتأولينَ أنَّ منزلةَ الأبرار دونَ منزلة المقربينَ، وأن الأبرارَ هم أصحابُ اليمين، وأن المقربينَ هم السابقون.
وقوله: يَشْرَبُ بِهَا بمعنى يْشَرَبُها.
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ، فَلْيَرْتَدِعُوا.
وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ.
وكانَ أبُو حاتِمٍ يَقُولُ: " كَلًّا " ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى " حَقًّا " ﴿ إنَّ كِتابَ الفُجّارِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كِتابَ أعْمالِهِمْ ﴿ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الأرْضُ السّابِعَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " سَجِّينٌ " صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ، يُجْعَلُ كِتابُ الفُجّارِ تَحْتَها، وهَذِهِ عَلامَةٌ لِخَسارَتِهِمْ، ودَلالَةٌ عَلى خَساسَةِ مَنزِلَتِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّ كِتابَهم لَفي سَفالٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: لَفي خَسارٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: لَفي حَبْسٍ، فِعِّيلٌ مِنَ السِّجْنِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ هَذا تَعْظِيمٌ لِأمْرِها.
وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ ولا قَوْمُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي في سِجِّينٍ كِتابٌ مَرْقُومٌ، أيْ: مَكْتُوبٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والرَّقْمُ: الكِتابُ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عَرَفَتُ الدِّيارَ كَرَقْمِ الدَّوا ةِ يَزْبُرُهُ الكاتِبُ الحِمْيَرِيُّ وَأنْشَدَهُ الزَّجّاجُ: " يَذْبِرُها " بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، وكَسْرِ الباءِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: زَبَرَ: كَتَبَ، وذَبَرَ: قَرَأ.
ورَوى أبُو عَمْرٍو عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، قالَ: الصَّوابُ: زَبَرْتُ بِالزّايِ- كَتَبْتُ.
وذَبَرْتُ بِالذّالِ- أتْقَنْتُ ما حَفِظْتُ.
قالَ: والبَيْتُ يَزْبُرُها، بِالزّايِ والضَّمِّ.
وقالابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرْوى " يَزْبُرُها " و" يَذْبُرُها " وهو مِثْلُهُ، يُقالُ: زَبَرَ الكِتابَ يَزْبُرُهُ، ويَزْبِرُهُ.
وذَبَرَهُ يَذْبُرُهُ، ويَذْبِرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: رُقِّمَ لَهُ بَشَرٍّ، كَأنَّهُ أُعْلِمَ بِعَلامَةٍ يُعْرَفُ بِها أنَّهُ الكافِرُ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ مُثْبَتٌ لَهم كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ، لا يُنْسى ولا يُمْحى حَتّى يُجازَوْا بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هَذا مُنْتَظِمٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ ﴾ ، وما بَيْنَهُما كَلامٌ مُعْتَرِضٌ.
وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " بَلْ رّانَ " بِفَتْحِ الرّاءِ مُدْغَمَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلْ رِّانَ " مُدْغَمَةً بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " بَلْ " بِإظْهارِ اللّامِ " رانَ " بِفَتْحِ الرّاءِ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: الخَمْرَةُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قُرِئَتْ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، لِقُرْبِ ما بَيْنَ الحَرْفَيْنِ، وإظْهارُ اللّامِ جائِزٌ، لِأنَّهُ مِن كَلِمَةٍ، والرَّأْسُ مِن كَلِمَةٍ أُخْرى.
ويُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا: إذا غُشِيَ عَلى قَلْبِهِ، ويُقالُ: غانَ يَغِينُ غَيْنًا، والغَيْنُ كالغَيْمِ الرَّقِيقِ، والرَّيْنُ كالصَّدَإ يُغْشى عَلى القَلْبِ.
وسَمِعْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ اللُّغَوِيَّ يَقُولُ: الغَيْنُ يُقالُ: بِالرّاءِ، وبِالغَيْنِ، فَفي القُرْآنِ ﴿ كَلا بَلْ رانَ ﴾ وفي الحَدِيثِ: " «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي» " وكَذَلِكَ الرّايَةُ تُقالُ بِالرّاءِ، وبِالغَيْنِ، والرُّمَيْصاءُ تُكْتَبُ " بِالغَيْنِ "، وبِالرّاءِ، لِأنَّ الرَّمْصَ يُكْتَبُ بِهِما.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كَثُرَتْ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبُهم أحاطَتْ بِقُلُوبِهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ حَتّى يَعْمى القَلْبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ﴿ إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنُ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَتِهِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ تَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى رَأوْهُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضى.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُرى فِي القِيامَةِ.
ولَوْلا ذَلِكَ ما كانَ في هَذِهِ الآيَةِ فائِدَةٌ، ولا خَسَّتْ مَنزِلَةُ الكُفّارِ بِأنَّهم يُحْجَبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ.
ثُمَّ مِن بَعْدِ حَجْبِهِمْ عَنِ اللَّهِ يَدْخُلُونَ النّارَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُقالُ ﴾ أيْ: يَقُولُ لَهم خَزَنَةُ النّارِ: ﴿ هَذا ﴾ العَذابُ ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُ بِالعَذابِ الَّذِي يَصْلاهُ.
ثُمَّ أعْلَمَ أيْنَ مَحَلُّ ﴿ كِتابَ الأبْرارِ ﴾ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ وفِيها سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْحٌ مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ مُعَلَّقٌ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ أعْمالُهم مَكْتُوبَةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وفِيها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ كَعْبٌ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّها قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ساقُ العَرْشِ.
والخامِسُ: أنَّهُ سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ في عُلُوٍّ وصُعُودٍ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الفَرّاءُ: في ارْتِفاعٍ بَعْدَ ارْتِفاعٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ أعْلى الأمْكِنَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ﴾ هَذا تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ ﴾ أيْ: يَحْضُرُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبَ، أوْ ذَلِكَ الكِتابَ إذا صُعِدَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الِانْفِطارُ: ١٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ.
والثّانِي: إلى أعْدائِهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ " تُعْرَفُ " بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الرّاءِ " نَضْرَةُ " بِالرَّفْعِ.
قالَ الفَرّاءُ: بَرِيقُ النَّعِيمِ ونَداهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم مِن أهْلِ النَّعِيمِ، لِما تَرى مِنَ الحُسْنِ والنُّورِ.
وفي " الرَّحِيقِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا أيُّ الخَمْرِ هي عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحُدُها: أجْوَدُ الخَمْرِ، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.
والثّانِيَةُ: الخالِصَةُ مِنَ الغِشِّ، قالَهُ الأخْفَشُ.
والثّالِثُ: الخَمْرُ البَيْضاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: الخَمْرُ العَتِيقَةُ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عَيْنٌ في الجَنَّةِ مَشُوبَةٌ بِالمِسْكِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَخْتُومٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مَمْزُوجٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: مَخْتُومٌ عَلى إنائِهِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةُ رِيحٍ، وتِلْكَ العاقِبَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ ، أيْ: عاقِبَتُهُ.
هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.
﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ " خِتامُهُ " بِكَسْرِ الخاءِ، وبِفَتْحِ التّاءِ، وبِألِفٍ بَعْدَهُما، مَرْفُوعَةَ المِيمِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " خاتَمُهُ " بِخاءٍ مَفْتُوحَةٍ، بَعْدَها ألِفٌ، وبَعْدَها تاءٌ مَفْتُوحَةٌ.
ورَوى الشَّيْزَرِيُّ " خاتِمُهُ " مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَكْسِرُ التّاءَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ: " خَتَمُهُ " بِفَتْحِ الخاءِ والتّاءِ و [بِضَمِّ] المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: خَلْطُهُ مِسْكٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ خَتْمَهُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ الإناءُ مِسْكٌ، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ طَعْمَهُ ورِيحَهُ مِسْكٌ، قالَهُ عَلْقَمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ آخِرَ طَعْمِهِ مِسْكٌ] قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ أيْ: فَلْيَجِدُّوا في طَلَبِهِ، ولِيَحْرِصُوا عَلَيْهِ بِطاعَةِ اللَّهِ.
والتَّنافُسُ: كالتَّشاحِّ عَلى الشَّيْءِ، والتَّنازُعِ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يَشْرَبُها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وتُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
والثّانِي: أنَّ التَّسْنِيمَ الماءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما سُمِّيَ تَسْنِيمًا، لِأنَّهُ يَتَسَنَّمُ عَلَيْهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ، فَيَنْصَبُّ عَلَيْهِمُ انْصِبابًا، فَيَشْرَبُونَ الخَمْرَ مِن ذَلِكَ الماءِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ التَّسْنِيمَ أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ.
ويُقالُ: إنَّهُ يَمْتَزِجُ بِماءٍ يَنْزِلُ مِن تَسْنِيمٍ، أيْ: مِن عُلُوٍّ.
وأصْلُ هَذا مِن سَنامِ البَعِيرِ، ومِن تَسْنِيمِ القُبُورِ.
وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ، لِقَوْلِ المُسَيَّبِ بْنِ عَلَسٍ في وصْفِ امْرَأةٍ: كَأنَّ بِرِيقَتِها لَلْمِزا ∗∗∗ جِ مِن ثَلْجِ تَسْنِيمَ شِيبَتْ عُقارا أرادَ: كَأنَّ بِرِيقَتِها عُقارًا شِيبَتْ لِلْمِزاجِ مِن ثَلْجِ تَسْنِيمَ، يُرِيدُ: جَبَلًا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا تَأْتِيهِمْ مِن تَسْنِيمٍ، أيْ: مِن عُلُوٍّ يَتَسَنَّمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الغُرَفِ.
فَـ " عَيْنًا " في هَذا القَوْلِ مَنصُوبَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَيْنًا " مَنصُوبَةً بِقَوْلِهِ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا، أيْ: مِن عَيْنٍ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " يَشْرَبُ بِها " في [هَلْ أتى: ٦] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ وَما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ كَلا إنَّهم عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ ﴾ ﴿ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها يَظْهَرُ أنَّها مِن نَمَطِ المَكِّيِّ، وهو أحَدُ الأقْواِل الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلُ.
و"كَلّا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ رَدًّا لِأقْوالِ قُرَيْشٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْتاحًا بِمَنزِلَةِ "ألّا"، وهَذا قَوْلُ أبِي حاتِمٍ واخْتِيارُهُ، و"الفُجّارُ": الكُفّارُ، و"كِتابُهُمْ" يُرادُ فِيهِ الَّذِي فِيهِ تَحْصِيلُ أمْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: وعِدادُهم وكِتابُ كَوْنِهِمْ هو في سِجِّينٍ، أيْ: هُنالِكَ كَتَبُوا في الأزَلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ وعِيسى: "الفُجّارُ" بِالإمالَةِ، و"الأبْرارُ" بِالفَتْحِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "سِجِّينٍ" ما هُوَ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: هو فَعِيلٌ مِنَ السِجْنِ، كَسِكِّيرٍ وشِرِّيبٍ، أيْ في مَوْضِعٍ ساجِنٍ وساكِرٍ وشارِبٍ، فَجاءَ "سَجِينٍ" بِناءَ مُبالِغَةٍ، قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ في صَخْرَةٍ تَحْتَ الأرْضِ السابِعَةِ، وقالَ كَعْبُ حاكِيًا عَنِ التَوْراةِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هو في شَجَرَةٍ سَوْداءَ هُنالِكَ، وقِيلَ -عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ «فِي بِئْرٍ هُنالِكَ،» وقِيلَ تَحْتَ خَدِّ إبْلِيسَ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: هي الأرْضُ السُفْلى، وقالَهُ البَراءُ عَنِ النَبِيِّ وقالَ عِكْرِمَةُ: "سِجِّينٌ" عِبارَةٌ عَنِ الخَسارِ والهَوانِ، كَما تَقُولُ: بَلَغَ فُلانٌ الحَضِيضَ، إذا صارَ في غايَةِ الخُمُولِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: "سِجِّينٌ" نُونُهُ بَدَلٌ مِن لامَ، هو مِنَ "السِجِّيلِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ هَذا السِجِّينِ وتَعَجُّبٌ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرَ اسْتِفْهامٍ، أيْ: هَذا مِمّا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ قَبْلَ الوَحْيِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كِتابٌ مَرْقُومٌ" مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ في "سِجِّينٍ" فـ "كِتابٌ" مُرْتَفِعٌ عِنْدَهُ عَلى خَبَرِ "إنَّ"، والظَرْفُ الَّذِي هُوَ"لفِي سِجِّينٍ" مُلْغى، ومَن قالَ في "سِجِّينٍ" بِالقَوْلِ الثانِي فـ "كِتابٌ" مُرْتَفِعٌ عِنْدَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، والتَقْدِيرُ، هو كِتابٌ مَرْقُومٌ، ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مُفَسَّرًا لـ"سَجِينٍ"، ما هُوَ؟
و"مَرْقُومٌ" مَعْناهُ: مَكْتُوبُ رَقْمٍ لَهم بِشَرٍّ، ثُمَّ أثْبَتَهُ تَعالى لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الحِسابِ والدِينُ الوَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ" إشارَةٌ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: "كِتابٌ مَرْقُومٌ" وذَلِكَ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَرْفَعُ لِيَوْمِ عَرْضٍ وجَزاءٍ، وبِهَذا يَتِمُّ الوَعِيدُ ويَتَّجِهُ مَعْناهُ و"المُتَعَدِّي": الَّذِي يَتَجاوَزُ حُدُودَ الأشْياءِ، و"أثِيمٌ" مُبالَغَةٌ في "آثِمٍ" وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُتْلى"، بِالتاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُتْلى" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
و"الأساطِيرُ" جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي الحِكاياتُ الَّتِي سُطِرَتْ قَدِيمًا، وقِيلَ هو جَمْعُ أسْطارٍ، وأسْطارٌ جَمْعُ سَطْرٍ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في النَضِرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وكانَ هو قَدْ كَتَبَ بِالحَيْرَةِ أحادِيثَ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، وكانَ يُحَدِّثُ بِها أهْلَ مَكَّةَ، ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بأساطِيرَ الأوَّلِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ لِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ"، ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّ ما كَسَبُوا مِنَ الكُفْرِ والطُغْيانِ والعُتُوِّ قَدْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ، أيْ غَطّى عَلَيْها وغَلَبَ، فَهم مَعَ ذَلِكَ لا يُبْصِرُونَ رُشْدًا، ولا يَخْلُصُ إلى قُلُوبِهِمْ خَبَرٌ، يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها، ورانَ الغِشُّ عَلى قَلْبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ المَوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ثُمَّ لَمّا رَآهُ رانَتْ بِهِ الخَمْـ ـرُ وألّا تَرَيْنَهُ بِاتِّقاءِ والبَيْتُ لِأبِي زُبَيْدٍ، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: الرَيْنُ: الذَنْبُ عَلى الذَنْبِ حَتّى يَمُوتَ القَلْبُ، ويُرْوى عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "إنَّ الرَجُلَ إذا أذْنَبَ صارَتْ نُكْتَةً سَوْداءَ في قَلْبِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى يَتَغَطّى، فَذَلِكَ الرانُّ الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ».
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإدْغامِ اللامِ في الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالفَتْحِ والإدْغامِ، وعَلَّقَ تَعالى اللَوْمَ بِهِمْ فِيما كَسَبُوهُ، -وَإنْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقٍ مِنهُ سُبْحانَهُ واخْتِراعِ-لِأنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ العَبْدِ، و"كَلّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا إنَّهُمْ" يَصْلُحُ فِيها الوَجْهانِ اللَذانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُمْ" وفي "رَبِّهِمْ" هو لِلْكُفّارِ فَمَن قالَ بِالرُؤْيَةِ -وَهم أهْلُ السُنَّةِ، قالَ إنَّ هَؤُلاءِ لا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، فَهم مَحْجُوبُونَ عنهُ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكُ بْنُ أنَسِ عن مَسْألَةِ الرُؤْيَةِ مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ، وإلّا فَلَوْ حَجَبَ الرُؤْيَةَ عَنِ الكُلِّ لَما أغْنى هَذا التَخَصُّصُ، وقالَ الشافِعِيُّ: فَلَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُخْطِ دَلَّ أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِضى.
ومَن قالَ بِألّا رُؤْيَةَ -وَهُوَ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ- قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّهم مَحْجُوبُونَ عن رَحْمَةِ رَبِّهِمْ وغُفْرانِهِ.
و"صَلِيَ الجَحِيمَ" هو مُباشَرَةُ حَرِّ النارِ دُونَ حائِلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُقالُ" هو عَلى مَعْنى التَوْبِيخُ لَهم والتَقْرِيعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ الَّذِي "يُقالُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا" إشارَةٌ إلى تَعْذِيبِهِمْ وكَوْنِهِمْ في الجَحِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الاولين * كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
اعتراض بالردع وبيان له، لأن ﴿ كلاّ ﴾ ردع لقولهم أساطير الأولين، أي أن قولهم باطل.
وحرف ﴿ بل ﴾ للإِبطال تأكيداً لمضمون ﴿ كلاّ ﴾ وبياناً وكشفاً لما حملهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا وأنه ما أعمى بصائرَهم من الرّيْن.
والرّين: الصدأ الذي يعلو حديدَ السيف والمِرآةِ، ويقال في مصدر الرَّين الرانُ مثل العيب والعَاب، والذيْم والذام.
وأصل فعله أن يسند إلى الشيء الذي أصابه الريْن، فيقال: ران السيف وران الثوب، إذا أصابه الريْن، أي صار ذا رين، ولما فيه من معنى التغطئة أطلق على التغطية فجاء منه فعل ران بمعنى غشي، فقالوا: ران النعاس على فلان، ورانت الخمر، وكذلك قوله تعالى: ﴿ ران على قلوبهم ﴾ هو من باب رَان الرينُ على السيف، وليس من باب رانَ السيفُ، ومن استعمال القرآن هذا الفعل صار الناس يقولون: رِين على قلب فلان وفلان مَرينٌ على قلبه.
والمعنى: غَطَّت على قلوبهم أعمالهم أن يدخلها فهمُ القرآن والبوننِ الشاسِع بينه وبين أساطير الأولين.
وقرأ الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيها.
وقرأه عاصم بالوقف على لام (بل) والابتداء بكلمة ران تجنباً للإدغام.
وقرأه حفص بسكتة خفيفة على لام ﴿ بل ﴾ ليبين أنها لام.
قال في «اللسان»: إظهار اللام لغة لأهل الحجاز.
قال سيبويه: هما حسنان، وقال الزجاج: الإِدغام أرجح.
والقلوب: العقول ومَحالُّ الإِدراك.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ ختم اللَّه على قلوبهم ﴾ في سورة البقرة (7).
ومن كلام رعاة الأعراب يخاطبون إبلهم في زمن شدة البرد إذا أوردوها الماءَ فاشمأزت منه لبرده بَرِّديهِ تَجديه سَخيناً أي بَلْ رديه وذلك من المُلَح الشبيهة بالمعاياة إذ في ظاهره طلب تبريده وأنه بالتبريد يوجد سخيناً.
وما كانوا يكسبون} ما عملوه سالفاً من سيئات أعمالهم وجماحهم عن التدبر في الآيات حتى صار الإعراض والعناد خُلُقاً متأصلاً فيهم فلا تفهم عقولهم دلالة الأدلة على مدلولاتها.
روى الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نُكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب صُقِلَ قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
ومجيء ﴿ يكسبون ﴾ بصيغة المضارع دون الماضي لإفادة تكرر ذلك الكسب وتعدده في الماضي.
وفي ذكر فعل ﴿ كانوا ﴾ دون أن يقال: ما يكسبون، إشارة إلى أن المراد: ما كسبوه في أعمارهم من الإشراك قبل مجيء الإسلام فإنهم وإن لم يَكونوا مناط تكليف أيامئذ.
فهم مخالفون لما جاءت به الشرائع السالفة وتواتر وشاع في الأمم من الدعوة إلى توحيد الله بالإلهية على قول الأشعري وأهل السنة في توجيه مؤاخذة أهل الفترة بذنب الإشراك بالله حسبما اقتضته الأدلة من الكتاب والسنة أو مخالفون لمقتضى دلالة العقل الواضحة على قول الماتريدي والمعتزلة ولحق بذلك ما اكتسبوه من وقت مجيء الإسلام إلى أن نزلت هذه السورة فهي مدة ليست بالقصيرة.
و ﴿ كلاّ ﴾ الثانية تأكيد ل ﴿ كلا ﴾ الأولى زيادة في الردع ليصير توبيخاً.
﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ ﴾ ﴿ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم * ثُمَّ يُقَالُ هذا الذى كُنتُمْ بِهِ ﴾ .
جملة: ﴿ إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون ﴾ وما عطف عليها ابتدائية وقد اشتملت الجملة ومعطوفاها على أنواع ثلاثة من الويل وهي الإهانة، والعذاب، والتقريع مع التأييس من الخلاص من العذاب.
فأما الإهانة فحجْبُهم عن ربهم، والحجب هو الستر، ويستعمل في المنع من الحضور لدى الملك ولدى سيد القوم، قال الشاعر الذي لم يسمّ وهو من شواهد «الكشاف»: إذا اعتروا باب ذي عُبِّيَّه رجِبوا *** والناسُ من بين مَرجوب ومَحْجوب وكلا المعنيين مراد هنا لأن المكذبين بيوم الدين لا يرون الله يوم القيامة حين يراه أهل الإيمان.
ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار: ﴿ على الأرائك ينظرون ﴾ [المطففين: 23] وكذلك أيضاً لا يدخلون حضرة القدس قال تعالى: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ [الأعراف: 40]، وليكون الكلام مفيداً للمعنيين قيل: «عن ربهم لمحجوبون» دون أن يقال: عن رؤية ربهم، أو عن وجه ربهم كما قال في آية آل عمران (77): ﴿ ولا ينظر إليهم يوم القيامة.
﴾ وأما العذاب فهو ما في قوله: ثم إنهم لصالوا الجحيم } .
وقد عطفت جملته بحرف ﴿ ثم ﴾ الدالة في عطفها الجُملَ على التراخي الرتبي وهو ارتقاء في الوعيد لأنه وعيد بأنهم من أهل النار وذلك أشد من خزي الإهانة.
و«صالوا» جمع صال وهو الذي مسه حر النار، وتقدم في آخر سورة الانفطار.
والمعنى: أنهم سيصلون عذاب جهنم.
وأما التقريع مع التأييس من التخفيف فهو مضمون جملة: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ فعطف الجملة بحرف ﴿ ثم ﴾ اقتضى تراخي مضمون الجملة على مضمون التي قبلها، أي بُعد درجته في الغرض المسوق له الكلام.
واقتضى اسم الإِشارة أنهم صاروا إلى العذاب، والإِخبار عن العذاب بأنه الذي كانوا به يكذبون يفيد أنه العذاب الذي تكرر وعيدهم به وهم يكذّبونه، وذلك هو الخلود وهو درجة أشد في الوعيد، وبذلك كان مضمون الجملة أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة المعطوفة هي عليها.
أو يكون قوله: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ إشارة إلى جواب مالك خازن جهنم المذكور في قوله تعالى: ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ﴾ [الزخرف: 77، 78] فطوي سؤالهم واقتصر على جواب مالك خازن جهنم اعتماداً على قرينة عطف جملة هذا المقال ب ﴿ ثم ﴾ الدالة على التراخي.
وبني فعل ﴿ يقال ﴾ للمجهول لعدم تعلق الغرض بمعرفة القائل والمقصد هو القول.
وجيء باسم الموصول ليُذَكَّروا تكذيبهم به في الدنيا تنديماً لهم وتحزيناً.
وتقديم ﴿ به ﴾ على ﴿ تكذبون ﴾ للاهتمام بمعاد الضمير مع الرعاية على الفاصلة والباء لتعدية فعل ﴿ تكذبون ﴾ إلى تفرقة بين تعديته إلى الشخص الكاذب فيعدّى بنفسه وبين تعديته إلى الخبر المكذَّب فيعدّى بالباء.
ولعل أصلها باء السببية والمفعول محذوف، أي كذب بسببه من أخبره به، ولذلك قدره بعض المفسرين: هذا الذي كنتم به تكذبون رسل الله في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ ﴾ أمّا (كَلّا) فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَقًّا.
الثّانِي: أنَّ كَلّا لِلزَّجْرِ والتَّنْبِيهِ.
وَأمّا (سِجِّينٍ) فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في سَفالٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في خَسارٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ، رَواهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ مَرْفُوعًا.
قالَ ابْنُ أسْلَمَ: سِجِّينٌ: الأرْضُ السّافِلَةُ، وسِجِّيلٌ: سَماءُ الدُّنْيا.
قالَ مُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ في الأرْضِ السّابِعَةِ، فَيُجْعَلُ كِتابُ الفُجّارِ تَحْتَها.
الرّابِعُ: هو جُبٌّ في جَهَنَّمَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (اَلْفَلَقُ) جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطًّى، وسِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ» .
الخامِسُ: أنَّهُ تَحْتَ خَدِّ إبْلِيسَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
السّادِسُ: أنَّهُ حَجَرٌ أسْوَدُ تَحْتَ الأرْضِ تُكْتَبُ فِيهِ أرْواحُ الكُفّارِ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
السّابِعُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ: ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينًا الثّامِنُ: أنَّهُ السِّجْنُ، وهو فِعِّيلٌ مِن سَجَنْتُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هو الأصْلُ واخْتِلافُ التَّأْوِيلاتِ في مَحَلِّهِ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: لِأنَّهُ يَحُلُّ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ والإبْعادِ لَهُ مَحَلَّ الزَّجْرِ والهَوانِ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَكْتُوبٌ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مَخْتُومٌ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: رُقِمَ لَهُ بَشَرٌ لا يُزادُ فِيهِمْ أحَدٌ، ولا يُنْقَصُ مِنهم أحَدٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وقَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا، إنَّ المَرْقُومَ المَعْلُومَ.
﴿ كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ (رانَ): طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وكَمْ رانَ مِن ذَنْبٍ عَلى قَلْبِ فاجِرٍ ∗∗∗ فَتابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رانَ وانْجَلى الثّالِثُ: وُرُودُ الذَّنْبِ عَلى الذَّنْبِ حَتّى يَعْمى القَلْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كالصَّدَإ يَغْشى القَلْبَ كالغَيْمِ الرَّقِيقِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وعبد بن حميد والحاكم والترمذي وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه.
وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بعض الصحابة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل مؤمناً أسودَّ سدس قلبه، وإن قتل اثنين أسود ثلث قلبه، وإن قتل ثلاثة رين على قلبه فلم يبال ما قتل، فذلك قوله: ﴿ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ » .
وأخرج الفريابي والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال: القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير، فلا يجد له مساغاً يجمع فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيراً دخل في أذنيه حتى يأتي القلب فلا يجد فيه مدخلاً فذلك قوله: ﴿ بل ران على قلوبهم ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يرون أن القلب مثل الكف، وذكر مثله.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ﴾ قال: إذا عمل الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود عليه، فإذا ارتاح العبد، قال: ييسر له عمل صالح فيذهب من السواد بعضه ثم ييسر له عمل صالح أيضاً فيذهب من السواد بعضه، ثم ييسر له أيضاً عمل صالح فيذهب من السواد بعضه، ثم كذلك حتى يذهب السوء كله.
وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «لن تتفكروا بخير ما استغنى أهل بدوكم عن أهل حضركم وليسوقنهم السنون والسنات حتى يكونوا معكم في الديار، ولا تمتنعوا منهم لكثرة من يسير عليكم منهم قال: يقولون طالما جعنا وشبعتم، وطالما شقينا ونعمتم فواسونا اليوم ولتستصعبن بكم الأرض حتى يغيظ أهل حضركم أهل بدوكم، ولتميلن بكم الأرض ميلة يهلك منا من هلك ويبقى من بقي حتى تعتق الرقاب، ثم تهدأ بكم الأرض بعد ذلك حتى يندم المعتقون، ثم تميل بكم الأرض ميلة أخرى فيهلك فيها من هلك ويبقى من بقي يقولون: ربنا نعتق ربنا نعتق، فيكذبهم الله كذبتم كذبتم، أنا أعتق قال: وليبتلين أخريات هذه الأمة بالرجف، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا عاد الله عليهم الرجف والقذف والخذف والمسخ والخسف والصواعق، فإذا قيل: هلك الناس هلك الناس هلك الناس فقد هلكوا، ولن يعذب الله أمة حتى تعذر قالوا: وما عذرها؟
قال: يعترفون بالذنوب ولا يتوبون ولتطمئن القلوب بما فيها من برها وفجورها كما تطمئن الشجرة بما فيها حتى لا يستطيع محسن يزداد إحساناً ولا يستطيع مسيء استعتاباً.
قال الله: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ قال: أعمال السوء ذنب على ذنب حتى مات قلبه واسود.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ قال: أثبتت على قلبه الخطايا حتى غيرته.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ران ﴾ قال: طبع.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الران الطابع.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية كانوا يرون أن الرين هو الطبع.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه كانوا يرون أن القلب مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه، ثم يذنب الذنب فينقبض، حتى يختم عليه ويسمع الخير فلا يجد له مساغاً.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه قال: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإِقفال، والإِقفال أشد ذلك كله.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ﴾ قال: يعمل الذنب فيحيط بالقلب، فكلما عمل ارتفعت حتى يغشى القلب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ﴾ قال: الذنب على الذنب، ثم الذنب على الذنب حتى يغمر القلب فيموت.
وأخرج عبد بن حميد من طريق خليد بن الحكم عن أبي الخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع خصال تفسد القلب: مجاراة الأحمق فإن جاريته كنت مثله، وإن سكت عنه سلمت منه، وكثرة الذنوب مفسدة القلوب، وقد قال: ﴿ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ والخلوة بالنساء، والاستمتاع منهن، والعمل برأيهن، ومجالسة الموتى قيل وما الموتى قال: كل غني قد أبطره غناه» .
أخرج عبد بن حميد عن أبي مليكة الزيادي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ قال: المنان والمختال والذي يقطع يمينه بالكذب ليأكل أموال الناس والله أعلم.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ قال: عليون فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى ﴿ كتاب مرقوم ﴾ قال: رقم لهم بخير ﴿ يشهده المقربون ﴾ قال: المقربون من ملائكة الله.
وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي الله عنه قال: هي قائمة العرش اليمنى.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: عليون السماء السابعة.
وأخرج عبد بن حميد من طريق الأجلح عن الضحاك رضي الله عنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن يعرج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية.
قال الأجلح: فقلت: وما المقربون؟
قال: أقربهم إلى السماء الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة حتى ينتهي به إلى سدرة المنتهى.
فقال الأجلح: فقلت للضحاك: ولم تسمى سدرة المنتهى؟
قال: لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها فيقولون: رب عبدك فلان وهو أعلم به منهم، فيبعث الله إليهم بصك مختوم يأمنه من العذاب، وذلك قوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لفي عليين ﴾ قال: الجنة، وفي قوله: ﴿ يشهده المقربون ﴾ قال: كل أهل سماء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يشهده المقربون ﴾ قال: هم مقربو أهل كل سماء إذا مر بهم عمل المؤمن شيعه مقربو كل أهل سماء حتى ينتهي العمل إلى السماء السابعة، فيشهدون حتى يثبت السماء السابعة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما، كتاب مرقوم في عليين» .
وأخرج عبد بن حميد من طريق خالد بن عرعرة وأبي عجيل أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله تعالى: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ الآية، قال: إن المؤمن يحضره الموت ويحضره رسل ربه فلا هم يستطيعون أن يؤخروه ساعة ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه، فدفعوه إلى ملائكة الرحمة، فأروه ما شاء الله أن يروه من الخير، ثم عرجوا بروحه إلى السماء فيشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة، فيضعونه بين أيديهم، ولا ينتظرون به صلاتكم عليه، فيقولون: اللهم هذا عبدك فلان قبضنا نفسه، فيدعون له بما شاء الله أن يدعوا، فنحن نحب أن يشهدنا اليوم كتابه، فينثر كتابه من تحت العرش فيثبتون اسمه فيه، وهم شهوده، فذلك قوله: ﴿ كتاب مرقوم يشهده المقربون ﴾ وسأله عن قوله: ﴿ إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ الآية، قال: إن العبد الكافر يحضره الموت ويحضره رسل الله، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه فدفعوه إلى ملائكة العذاب، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر ثم هبطوا به إلى الأرض السفلى وهي سجين، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا كتابه فيها، وسأله عن ﴿ سدرة المنتهى ﴾ فقال: هي سدرة نابتة في السماء السابعة، ثم علت على الخلائق إلى ما دونها و ﴿ عندها جنة المأوى ﴾ [ النجم: 15] قال: جنة الشهداء.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء بن يسار قال: لقيت رجلاً من حمير كأنه علامة يقرأ الكتب فقلت له: الأرض التي نحن عليها ما سكانها؟
قال: هي على صخرة خضراء تلك الصخرة على كف ملك، ذلك الملك قائم على ظهر حوت منطو بالسموات والأرض من تحت العرش.
قلت: الأرض الثانية من سكانها؟
قال: سكانها الريح العقيم، لما أراد الله أن يهلك عاداً أوحى إلى خزنتها أن افتحوا عليهم منها باباً.
قالوا: يا ربنا مثل منخر الثور؟
قال: إذن تكفأ الأرض ومن عليها.
فضيق ذلك حتى جعل مثل حلقة الخاتم، فبلغت ما حدث الله.
قلت: الأرض الثالثة من ساكنها؟
قال: فيها حجارة جهنم.
قلت: الأرض الرابعة من ساكنها؟
قال: فيها كبريت جهنم.
قلت: الأرض الخامسة من ساكنها؟
قال: فيها عقارب جهنم.
قلت: الأرض السادسة من ساكنها؟
قال: فيها حيات جهنم.
قلت: الأرض السابعة من ساكنها؟
قال: تلك سجين فيها إبليس موثق يد أمامه ويد خلفه، ورجل خلفه ورجل أمامه.
كان يؤذي الملائكة، فاستعدت عليه فسجن هناك، وله زمان يرسل فيه، فإذا أرسل لم تكن فتنة الناس بأعي عليهم من شيء.
وأخرج ابن المبارك عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد الله يستكثرونه ويزكونه حتى يبلغوا به حيث يشاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم أنكم حفظة على عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه.
إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين.
ويصعدون بعمل العبد يستقلونه ويحتقرونه حتى يبلغوا به إلى حيث شاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم أنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه.
إن عبدي هذا أخلص لي عمله فاجعلوه في عليين» .
وأخرج ابن الضريس عن أم الدرداء قالت: إن درج الجنة على عدد آي القرآن، وإنه يقال لصاحب القرآن اقرأ وارقه فإن كان قد قرأ ثلث القرآن كان على الثلث من درج الجنة، وإن كان قد قرأ نصف القرآن كان على النصف من درج الجنة، وإن كان قد قرأ القرآن كان في أعلى عليين، ولم يكن فوقه أحد من الصديقين والشهداء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: إن لأهل عليين كوى يشرفون منها فإذا أشرف أحدهم أشرقت الجنة، فيقول أهل الجنة قد أشرف رجل من أهل عليين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال: يرى في الجنة كهيئة البرق فيقال: ما هذا؟
قيل: رجل من أهل عليين تحوّل من غرفة إلى غرفة.
<div class="verse-tafsir"
قوله (تعالى (١) ﴿ كَلَّا ﴾ (٢) (٣) ثم استأنف: ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ قال مقاتل: يعني أنهم بعد العرض والحسَاب لا ينظرون إليه، وينظر المؤمنون إلى ربهم (٤) وقال الكلبي: يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته (٥) وقال أبو علي البجلي (٦) (٧) وسئل مَالك بن أنس عن هذه الآية: لمَّا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى (٨) (٩) وروى مالك لنا عن الشافعي -رحمه الله (١٠) (١١) وقال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله -عز وجل (١٢) ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ أعلم أن الكفار يحجبون عنه.
وقوم ذهبوا إلى (أن) (١٣) (١٤) وذلك عدول عن سنن الخطاب، وظاهر الكلام.
(١) ساقط من (ع).
(٢) ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ .
(٣) "معالم التنزيل" 4/ 460، "زاد المسير" 8/ 203 من غير عزو.
(٤) ورد بنحو قوله في "التفسير الكبير" 31/ 97.
(٥) المرجع السابق، وفي "الوسيط" 4/ 446 عزاه إلى الكلبي عن ابن عباس.
(٦) أبو علي البجلي هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي -سبقت ترجمته.
(٧) "الكشف والبيان" ج 13: 55/ أ، "معالم التنزيل" 5/ 460، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 259، "فتح القدير" 5/ 400.
(٨) غير واضحة في (ع).
(٩) ورد قوله في "معالم التنزيل" 4/ 460، "المحرر الوجيز" 5/ 452.
(١٠) في (ع): - -.
(١١) "المحرر الوجيز" 5/ 452، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 259، "لباب التأويل" 4/ 361، "البحر المحيط" 8/ 441، "روح المعاني" 30/ 73.= والخلاصة في مسألة الرؤية: قال السفاريني: لم يمتنع سبحانه من أن يمكن عباده من رؤيته في دار القرار إلا عن الكافر بالله -تعالى- وبكل مكفر اتصف به فكل من حكم الشرع بكفره فهو محجوب عن رؤية ربه، قال علي بن المديني: سألت عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى، فقال ما حجب الله -عز وجل- أحدًا عنه إلا عذبه ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)﴾ قال بالرؤية.
"لوامع الأنوار" 2/ 245.
والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾ (القيامة: 22 - 23) وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلى كل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول - - فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا.
قاله الطحاوي.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 26 - 27.
(١٢) ساقط من (ع).
(١٣) ساقط من (أ).
(١٤) قال بهذا القول: المعتزلة، ونفاة الرؤية.
انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 452، "التفسير الكبير" 31/ 97، "رؤية الله تعالى": د.
آل حمد: 221.
ومن أمثلة قائليه من أصحاب هذه الفرقة: عبد الجبار قال في معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ إنهم ممنوعون من -رحمة الله-؛ لأن الحجب هو المنع، ولذلك يقال فيمن يمنع الوصول إلى الأمير: إنه حاجب له، وإن كان الممنوع مشاهدًا له، وقال أهل الفرائض في الأخوة إنهم يحجبون الأم عن الثلث == إذا منعوها وان لم يكن هناك ستر في الحقيقة، تبين بذلك أنه تعالى يمنعهم بذلك من رحمته وسعة فضله ليبعث السامع بذلك على التمسك بطاعة الله فيكون يوم القيامة من أهل الرحمة لا من المحجوبين عنها.
رؤية الله تعالى د.
آل حمد: 221، نقلًا عن "متشابه القرآن" لعبد الجبار: 683، وانظر: تفسير الفخر: 31/ 96، وقال الزمخشري أيضًا: كلا ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم، وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم واهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم.
"الكشاف" 4/ 196.
وقد ذهب بعض المفسرين كابن عباس إلى القول أنهم محجوبون عن رحمة الله وذهب إليه أيضًا قتادة، وابن أبي مليكة، ومجاهد، ولكن هذا القول منهم على خلاف ما ذكرت المعتزلة من نفي الرؤية إطلاقاً، إذ قوله: وإنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون تحمل معانٍ عدة وليس فيها دلالة ظاهرة ولا دليل يخصص عمومها.
كغيرها من الآيات نحو ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾.
ومما يدل على أنهم يثبتون هؤلاء المفسرين من الصحابة والتابعين قول ابن عباس في معنى الآية قال: إنهم عن النظر إلى ربهم يومئذ لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته.
والخلاصة: قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته إذ كان الخبر عامًا لا دلالة على خصوصه.
"جامع البيان" 30/ 100 - 101.
ولكن ثبت بالأخبار التي بلغت حد التواتر المعنوي عن المصطفى رؤية المؤمنين لربهم تبارك وتعالى في الدار الآخرة لهذا ذهب جمهور المفسرين إلى تفسير حجب الكفار عن ربهم في الآية بالمنع من رؤيته، فمفهوم الآية يدل على ما دل عليه صريح الآيات المثبتة لرؤية المؤمنين لربهم والأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها بين علماء السنة والحديث كذلك فيها النص الصريح على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
- (قلت: سبق ذكر الأدلة في سورة القيامة آية 23) - انظر: "رؤية الله تعالى" د.
آل حمد: 222 <div class="verse-tafsir"
﴿ أَسَاطِيرُ الأولين ﴾ قد ذكر ﴿ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي غطى على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي، وفي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنباً صارت نكتة سوداء في قلبه فإذا زاد ذنب آخر زاد السواد فلا يزال كذلك حتى يتغطى وهو الران» ﴿ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ حُجب الكفار عن الله، على أن المؤمنين لا يُحجبون وقد استدل بها مالك والشافعي على صحة رؤية المؤمن لله في الآخرة، وتأويلها المعتزلة أن معناها محجوبون عن رحمته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ بل ران ﴾ حفص يقف على ﴿ بل ﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل.
وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ ران ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿ تعرف ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ نضرة ﴾ بالرفع: يزيد ويعقوب ﴿ خاتمه ﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: عليّ.
﴿ أهلهم ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما.
الباقون: بضم ميم الجمع فقط ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد وحفص ﴿ هل ثوب الكفار ﴾ بالإدغام: حمزة وعلى وهشام.
الوقوف ﴿ للمطففين ﴾ ه لا ﴿ يستوفون ﴾ ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ يخسرون ﴾ ه للاستفهام ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة ﴿ لرب العالمين ﴾ ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة ﴿ سجين ﴾ ه ط ﴿ ما سجين ﴾ ه ط للحذف أي هو كتاب ﴿ مرقوم ﴾ ه ط لأن ﴿ ويل ﴾ مبتدأ ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ط للابتداء بالنفي ﴿ أثيم ﴾ ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له ﴿ الأوّلين ﴾ ه والوقف لما ذكر ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لمحجوبون ﴾ ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ الجحيم ﴾ ه ك لاختلاف الجملتين ﴿ تكذبون ﴾ ه ك ﴿ عليين ﴾ ه ك ﴿ عليون ﴾ ه ك ﴿ مرقوم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ نعيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال أو صفة ﴿ ينظرون ﴾ ه لا لذلك ﴿ النعيم ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً ﴿ مختوم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ مسك ﴾ ط ﴿ المتنافسون ﴾ ه ط ﴿ تسنيم ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ عيناً ﴾ حال كما قال الزجاج.
فإن أريد النص على المدح جاز الوقف ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ يضحكون ﴾ ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى ﴿ يتغامزون ﴾ ه ك لذلك ﴿ فكهين ﴾ ه ك ﴿ لضالون ﴾ ه لا لأن المنفية حال ﴿ حافظين ﴾ ه ط لتبدل الكلام معنى ﴿ يضحكون ﴾ ه لا ﴿ ينظرون ﴾ ه ط ﴿ يفعلون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف.
والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء.
وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
روي أن رسول الله قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.
قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم.
وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس.
قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟
قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" " وعن علي مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.
كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.
وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.
والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن.
قال الفراء: " من" و " على " يعتقبان في هذا الموضع.
فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك.
وقال أهل البيان: وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر.
وجوز أن يتعلق الجار بـ ﴿ يستوفون ﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.
والضمير في ﴿ كالوهم أو وزنوهم ﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل.
قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد.
ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.
وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا.
وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط.
وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر.
قلت: النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاح لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا" وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى.
وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة.
والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد.
وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف.
والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً.
ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟
ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ ألا يظن ﴾ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي.
والمراد هب أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنون أيضاً كقوله ﴿ إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ﴾ وفي الإشارة إليهمبـ ﴿ أولئك ﴾ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية.
وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم.
ففيه تعظيم شأن المقسم عليه.
عن النبي " يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر " قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة.
وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟
وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم.
وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله.
وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور.
وسجين " فعيل" من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علماً لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية ﴿ كتاب مرقوم ﴾ ليس تفسيراً للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم.
وموقع قوله ﴿ وما أدراك ما سجين ﴾ اعتراض تعظيماً لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كان العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.
وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان.
ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعاً أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته.
وعن أبي هريرة مرفوعاً أنه جب في جهنم.
وقال الكلبي: صخرة تحت الأرض السابعة.
والتحقيق أنه أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيماً لحالهم.
ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله ﴿ الذين يكذبون ﴾ للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله فهو كقولك " فعل فلان الفاسق الخبيث ".
وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به.
ثم بالغ في الذم بقوله ﴿ وما يكذب به إلاّ كلٌّ معتد أثيم ﴾ متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالاً وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره.
أثيم في إعمال القوى البدينة في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضاً.
ثم أضرب عن أن يكون لهم اختبار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها.
قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين ريناً وريوناً إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب.
قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم.
والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا جاء في الحديث " إنه ليغان على قلبي " وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها.
ثم قال ﴿ كلا ﴾ حقاً وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته.
قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم.
وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته.
وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين.
ثم أخبر بقوله ﴿ ثم إنهم لصالوا الجحيم ﴾ أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون عن حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ﴿ ثم يقال ﴾ في معرض التوبيخ ﴿ هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ جمعاً بين عذاب الوجل وعذاب الخجل.
ثم شرع في قصة الأبرار.
وعليون جمع " عليّ " " فعيل " من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفرداً كقنسرين من حيث إنه جعل علماً لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع من السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون.
وقال مقاتل: هو في ساق العرش.
وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش.
وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار.
ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم.
قال " "يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا " وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك.
وقال بعضهم: ينظرون إلى الله بدليل قوله ﴿ تعرف ﴾ يا من له أهل العرفان ﴿ في وجوههم نضرة ﴾ وقوله في موضع آخر ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالاً تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار.
والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها ﴿ مختوم ﴾ أوانيه ﴿ ختامه ﴾ أي ما يختم به ﴿ مسك ﴾ مكان الطينة أو الشمعة.
وإنما ختم تكريماً وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة.
وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب.
وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة.
قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين.
والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه.
عن أبي الدرداء مرفوعاً: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة.
قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم.
ثم رغب في العمل الموجب لهذا الكرامة قائلاً ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.
قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية.
والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل.
وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض.
والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين.
فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجاً لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق.
ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه ﴿ فاليوم ﴾ قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبال وغيرهم من فقراء المؤمنين.
وقيل: جاء علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي .
والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث.
ومعنى ﴿ فكهين ﴾ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم.
قوله ﴿ وما أرسلوا ﴾ حال معترضة إنكاراً من الله عليهم وتهكماً بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم.
وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام.
قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا.
يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها.
فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك.
ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية.
قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين.
ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ﴾
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ : وجه تعييرهم بالتطفيف وإلحاق الوعيد بهم؛ لمكانه وإن كانوا مستوجبين للوعيد، وإن أفوا المكيال، ولم يطففوا فيه؛ إذ كانوا جاحدين بالله ومكذبين بالبعث -: وهوأن الكفرة لم يكونوا اعتقدوا الكفر بالله - - لتلذذ يقع لهم بنفس الكفر، ولا التزموه على التحسين لهم إياه، وإنما أعرضوا عن الإيمان لحبهم الرياسة، ولمأكلة كانت لهم خافوا زوالها عنهم بالإسلام.
أو زهدوا عنه؛ لما يلزمهم بالإيمان مؤن، واختاروا الكفر؛ لئلا يلزمهم [بالإيمان] تحملها؛ فكان يحملهم على الصد عن الإيمان وترك النظر في آيات الله - - وحججه ما ذكرنا؛ فعيروا بالأفعال الدنية التي كانوا يتعاطونها فيما بينهم من التطفيف والهمز واللمز وتركهم إيتاء الزكاة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ ؛ لينقلعوا عنها؛ فيحملهم على الإيمان؛ لأنهم كانوا يتزهدون عنه لحبهم الدنيا، فإذا قوتلوا ضاقت عليهم الدنيا؛ فبعثهم ذلك على الإيمان بالله - - وعلى النظر في آياته.
وذكر أن رسول الله لما تلا هذه الآية على أهل مكمة تركوا التطفيف؛ فلم يطففوا بعد ذلك.
قال أهل اللغة: التطفيف: النقصان، يقال: إناء طفان؛ إذا كان غير مملوء.
وقال الزجاج: يقال: شيء طفيف، أي: يسير، فسمي: مطففا؛ لما يسرق منه شيئا فشيئا في كل مكيال.
وفي هذه [الآية] دلالة أن حرمة الربا عامة على أهل الإديان.
وفيه دلالة أن حرمة الربا ليست لمكان العاقدين، وإنما هي حق على العاقدين لله - - وذلك أن الذي يكال له، كان يأخذ ما يكال له على علم منه بتطفيف البائع، ثم كان يرضى به، ويتجاوز عن ذلك، ومع ذلك لحقهم التعيير بالتطفيف؛ فدل أن حرمته ليست لمكان العاقدين، ولكنها من حق الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ منهم من ذكر أن هذا على التقديم والتأخير، ومعناه: ويل للمطففين على الناس إذا [اكتالوا أو وزنوا]، وإذا اكتالوا استوفوا.
ومنهم من قال بأن ﴿ عَلَى ﴾ هاهنا بمعنى "عن"؛ فكأنه يقول: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا عن الناس يستوفون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ منهم من حمل قوله: هم بعد ذكر الكيل والوزن على التأكيد والمبالغ ة، فإن كان هذا على هذا، فحقه الوقف على قوله: (كالوا)، وعلى قوله: (وزنوا).
ومنهم من قال: معناه: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا له؛ لأن الألف بينهما ليست بمثبتة في المصاحف، وهو مستعمل: كتله، وكلت له،؛ كقوله: وعدته، ووعدت له، فإن كان هذا معناه، لم يستقم الوقف على قوله: (كالوا) و (وزنوا)؛ لأن قوله: (لهم)، تفسير لقوله: (كالوا) أو (وزنوا)، لا يجوز قطع التفسير عما له التفسير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ...
﴾ \[الآية\]: قال أكثر أهل التفسير: ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ : ألا يعلم، وألا يتيقن.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ ، معناه: ألا يشك أولئك في البعث، وهو محتمل لما ذكرنا؛ لأن الشك يوجب الرهبة، وارتفاعه يوجب الأمن؛ ألا ترى أن المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان، فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن يسلك سراقا وقطاع الطريق، فإنه يترهب لذلك؛ فيستعد له بما يدفع عنه نفسه ضرر قطاع الطريق وضرر السراق، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته، ولا يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار به، فكيف لا يشك هؤلاء بكون البعث بما يخبرهم النبي - - ويقيم عليه الحجج، وهذا أقل منازل الأخبار أن تورث شكا.
ثم الأصل أن حرف الشك يستعمل عند استواء طرفي الداعيين، والظن يستعمل عند اختلاف طرفي الداعيين، وهو أن تغلب إحدى الدلالتين على الأخرى؛ لذلك يستقيم الحكم والقول بأكثر الظن، ولا يستقيم بأكثر الشك.
ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه، وإذا تدبر فيه، فهو لا يزال يرتقي في الظن درجة فدرجة؛ حتى ينتهي نهايته بلوغ اليقين ودرك الصواب؛ فلذلك حمل أهل التفسير تأويل الظن هاهنا على اليقين والعلم؛ إذ ذلك نهاية الظن.
وحمله أبو بكر على الشك؛ لما لا ترتفع الشبهة كلها فيما كان طريق معرفته الاجتهاد.
ومثال الظن ممنا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته صار علما؛ كالذي يهدد بالقتل، أو بقطع عضو؛ ليشرب الخمر [أنه يباح] له الشرب، ويجعل المتيقن أنه يفعل به لا محالة لو امتنع عن الشرب؛ لبلوغ الخوف نهايته وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا؛ لما يجوز أن يحصل به ما يمنعه عن القتل؛ فعلى ذلك الحكم في الظن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ للحساب الذي يحصل عليهم؛ فلا يجدون منه مخرجا؛ فيتخلصون من العذاب، ليس على ما يحصل عليه الحساب في الدنيا يجد لنفسه الخلاص ووجه المخرج عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ، سماه: عظيما؛ لما ذكرنا من دوام عذابه ودوام عقابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: لحكمه.
أو لحسابه.
أو لوعده ووعيده.
أو يقومون له مستسلمين خاضعين بجملتهم، وإن كان البعض منهم وجد منه الامتناع عن الاستسلام في الدنيا، فإن الظلمة ينازعونه ويدعون لأنفسهم اشياء، وينكرونها له، فأما يوم القيامة فإنهم جميعا يقرون له وينقادون لحكمه وقضائه؛ لذلك خصه بقيام الناس له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ ﴾ قال الحسن وأبو بكر: حقا؛ أي: بعثهم حق، فيبعثون.
وقال الزجاج: ﴿ كَلاَّ ﴾ : كرف ردع وتنبيه، أي: ليس الأمر على ما ظنوا: أنهم لا يبعثون؛ بل يبعثون ويجازون بأعمالهم؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من طريق الاستدلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ اختلف في السجين: فمنهم من جعله اسم موضع، وأشار إليه فقال: هو صخرة تحت الأرض السابعة يوضع كتاب الفجار تحته إلى يوم القيامة.
ولكن ليس بنا إلى معرفة ذلك الموضع حاجة؛ لأن الذين امتحنوا بجعله في ذلك الموضع قد عرفوه، وهم الملائكة.
ومنهم من زعم أنه حرف مذكور في كتب الأولين، فذكر ذلك في القرآن، فجائز أن يكون المقصود يتحقق بدون الإشارة إليه.
وجائز أن يكون السجين الموضع الذي أعد للكافر في الآخرة للعذاب، لكن أول ما يرد إليه عمله الذي أثبت في كتابه، ثم تلحق به الروح، ثم يتبعهما جسده في الآخرة على ما روي عن النبي : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن" ، فيرد كتابه إلى ذلك السجن، ويرد كتاب الأبرار إلى الجنة التي أعدت له، ثم تتبعه روحه، ثم جسده؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ .
ومنهم من قال: [هو] على التمثيل ليس على تحقيق المكان في العليين؛ وذلك لأن السجن هو مكان أهل الخبث في الدنيا، فمثلت أعمالهم بذلك؛ لخبثها وقبحها، ومثلت أعمال الأبرار بما ذكر من العليين، وذلك مكان أهل الشرف وأولوي القدر؛ فيكون ذلك كناية عن طيبب أعمالهم.
وقال الكسائي: السجن: مشتق من السجه؛ كقولك: رجل فسيق، وشريب، وسكيت.
ثم ذكر كتاب الفجار، والفحور يكون بالكفر وبغيره، فهذا اسم يقع به الاشتراك بين أهل الكفر وأهل الإسلام، لكنه ألحق عند التفسير بما يوجب صرف الوعيد إلى الكفار بقوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وكذلك نجد هذا الشرط ملحقا بالتفسير في جميع ما جرى به الوعيد بالاسم الذي يقع به الاشتراك؛ من نحو الفسق، وترك الصلاة، بقوله - -: ﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ﴾ ، وفيما جرى من الوعيد في الذي لا يؤتي الزكاة؛ فكان في ذكر الاسم الذي يقع به الاشتراك إيجاب الخوف على المسلمين الذين شركوا في ذلك الاسم، فترك قطع الشهادة عليهم بالوعيد؛ لما لم يذكروا عند التفسير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴾ فهو تعظيم ذلك اليوم، ووصفه بنهاية الشدة، أو على الامتنان على نبيه أنه لم يكن يعلم ذلك حين أطلعه الله عليه، وهكذا تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾ \[المطفيين: 19\].
وقوله: ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾ ، أي: الكتاب الذي في السجين مرقوم، والمرقوم، قالوا: مكتوب ومثبت.
والرقم عندنا: هو الإعلام، يقال: رقم الثوب؛ إذا أعلمه؛ فجائز أن يكون علمه هو أن يختم؛ فيكون فيه إخبار أنه لا يزاد على قدر ما عمل، ولا ينقص منها، وهو كما ذكرنا من الفائدة، فيما وصف جبريل - - بالقوة والأمنة بقوله: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ، فوصف بالأمانة؛ ليؤمن الخلق عن خيانته في الكتاب وتغييره، ووصفه بالقوة؛ ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما أرسل على يده، فيغيره، فكذلك وصفه بالختم والأعلام؛ ليؤمن من الزيادة فيه والنقصان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، أي: للمكذبين بجميع ما يحق عليهم تصديقه، وذلك يكون بالإيمان بالله ، وبآياته، ورسله، وبالبعث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ : الدين اسم لشيئين: اسم للجزاء، واسم للاستسلام والخضوع؛ فمسي: يوم الدين؛ لما يدانون بأعمالهم، أو لما يستسلمون لله - - في ذلك اليوم ويخضعون له، وفي تكذيبهم بيوم الدين تكذيب لقدرة الله وتكذيب رسله؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى الإيمان بيوم الدين؛ فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم؛ فيكون تأويله منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق عليهم التصديق به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ : المعتدي هو الذي يتعدى حدود الله ، والأثيم: الذي يتأثم بربه؛ فيكون مجاوزاً به عن الحدود، والتأثم بربه هو الذي يحمله على التكذيب، وإلا لو قام بحفظ حدوده، ولم يأثم بربه، لكان لا يكذب بيوم الدين.
أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : أباطيل الأولين.
وقال أبو عبيدة: الأساطير: هي التي لا أصل لها.
ومعناه عندنا: ما سطره الأولون، أي: كتبه، فالسطر: الكتابة؛ فيخبرون أنها ليست من عند الله ، بل مما كتبها الأولون الذين لا نظام لهم، ولم يكن يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم؛ ولكنهم كانوا يعارضونه بهذا عندما كان يتلو عليهم من نبأ الأولين، وكانوا ينسبونه إلى السحر إذا أتاهم بالآيات المعجزات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: الرين: الستر والغطاء.
وقيل: الرين: الصدأ؛ فالله - - سمى الإيمان الذي هو في النهاية من الخيرات: نوراً، وسمى الكفر الذي هو في النهاية من الشرور: ظلمة، فإذا كان الإيمان منورا للقلب، والكفر مظلما، فإذا اشتغل بالأسباب الداعية إلى الكفر شيئا بعد شيء من الآثام، فكل سبب من ذكل يعمل في إظلام القلب حتى تتم الظلمة؛ على ما روي عن أبي هريرة - - "أن رسول الله سئل عن هذه الآية، فقال: هو العبد يذنب الذنب، فتنكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صفا قلبه، وإن لم يتب، وعاد فأذنب، نكتت في قلبه نكتة سواداء، وإن عاد نكتت في قبله حتى يسود القلب أجمع؛ فذلك الرين" ، ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره شيئا فشيئا بأسباب تتقدم الإيمان حتى يحمله ذلك على الإيمان؛ فذلك تمام الانشراح.
وعلى هذا يخرج تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب - - أن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد عظما، ازداد ذلك البياض، فإذا تستكمل الإيمان ابيض القلب كله.
معنى قولخ: "يبدأ نقطة بيضاء" إلى قوله: "حتى يستكمل الإيمان"، عندنا بالأسباب الداعية إلى الإيمان، فلا يزال ينشرح منه شيء فشيء بكل مقدمه منه حتى يفضي به إلى الإيمان.
ثم إن الله - - سمى السواتر عن الإيمان بأسام، مرة قال: ﴿ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً...
﴾ الآية [الإسراء: 46]، ومرة: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ﴾ ، فكأن الذين وصفوا بالقفل على قلوبهم هم الذين انتهوا في الكفر غايته حتى لا يطمع منهم الإيمان، وهم المتمردون المعتقدون للتكذيب، وهم الرؤساء منهم والأئمة.
ومنهم من هو مطبوع على قلبه، وهم الذين اعتقدوا الكفر لا عن تمرد وعناد، ولكن لما لم تَلُحْ لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان.
وذكر الزجاج أن أول منازل الستر: الغبن، وهو الستر الرقيق كالسحاب الرقيق في السماء، يعمل في غشاء القلب غشاء السحاب الرقيق بلون السماء، ثم إذا ازداد سمي: ربنا ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب، وفي هذا دليل على أن لله تدبيراً وصنعا في أفعال العباد؛ لأنه أنشأ للكفر ظلمة في القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان؛ إذ كل من اعتقد الكفر فهو ليس يعتقده؛ ليمنعه عن درك الأنوار، وإذا لم يوجد منه هذا، ثبت أنه صار كذلك بتدبير الله - - وصنعه؛ إذ لا يجوز أن تحدث الظلمة في القلب إلا بمحدث لها، وإذا انتفى الصنع من الكافر ثبت أنه بتدبير الله - - ما صار كذلك، وأنه أنشأه مظلما، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ .
فذكر أبو بكر الأصم: أن هذا في الدنيا، يقول: إنهم حجبوا عن عبادة ربهم بما عبدوا غير الله ؛ فصارت عبادتهم غير الله حجابا من عبادته.
وذكر أهل التفسير: أن هذا في الآخرة.
ثم منهم من يقول: إنهم حجبوا عن لقاء ربهم، وأوجبوا بهذا القول الرؤية للمؤمنين.
ومنهم من يقول: هم محجوبون، اي: عن كرامته التي أعدها لأوليائه، وعن رحمته، فعوقبوا بالحجب عن ذلك؛ جزاء لصنيعهم؛ لأنهم في الدنيا ضيعوا نعم الله - - فلم يقبلوها بالشكر، ولم يؤمنوا برسوله الذي بعثه رحمة للعالمين؛ فأبسلوا من رحمته وكرامته في الآخرة؛ عقوبة لهم ومجازاة، وهو كقوله : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ، أي: جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به؛ فعلى ما وجد منهم من المعاملة لآياته وحججه بتركهم الالتفات إليها عوملا بمثله في الآخرة.
وقال في آية أخرى: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : من صرف الحجب إلى الدنيا، فهو يقول: ثم إ نهم يصلون الجحيم بعدما عبدوا غير الله ، وحجبوا عن عبادته.
ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة، فهو يقول: إنهم يصلون الجحيم بعدما يظهر فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوخ وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ظهورهم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ تأويله: أنهم يعرفون أنهم يصلونها بتكذيبهم بها، وحجبوا عن الله - - بتكذيبهم بذلك اليوم، وإلا لو آمنوا وأقروا أن النار حق والبعث حق، لم يكونوا يصلونها؛ فيعرفون حتى يقروا بذلك بقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
حقا إنهم عن رؤية ربهم يوم القيامة لممنوعون.
<div class="verse-tafsir" id="91.lQXvW"
سورة المطففين قيل مكية كما ذكر، وقيل مدنية، نزلت في حال أهل المدينة حين قدمها النبي ، حيث كانوا أخبث الناس كيلًا كما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس.
(والمطففون) قد بينهم اللَّه في قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ ، أي إذا كان لهم عند الناس في شىء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامًا كاملًا.
ولهذا عدى ﴿ اكْتَالُوا ﴾ بعلى، فقال اكتالو عليهم ولم يقل منهم لأن؛ ما يأخذونه حق على الناس يستوفونه منهم ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ ، أي إذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسار، ولما كان المعنى على الإعطاء، عدى (كال) إلى الضمير بدون حرف.
وقد يكون على حذف الجار والإيصال كما في قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الآوبر أي جنيت لك، والأصل كالوا لهم.
والأكمؤ: جمع كمأة، وهي ما يعرف عند العامة الآن بعيش الغراب.
والعساقل ضرب منه أبيض، وقيل لونه بين البياض والحمرة.
وبنات الآوبر: ضرب منه كذلك رديء الطعم.
وإنما سمي من يبخس الكيل في حال ويملؤه أو يزيد عليه في حال مطففًا، لأنه يبلغ في كيله طفاف الكيل كسحاب أي ما يقرب من ملئه ولا يملأه في الحالة الأولى، ويبلغ الطفاف أو الطفافة بالضم -وهي ما فوق المكيال- في الحالة الثانية، ولأنه يطلب الغنى بشىء طفيف، وهو ما يأخذه من البخس إذا اكتال منك، ومن الزيادة إذا اكتال عليك.
وقد ذكر اللَّه في هذه السورة تفصيلًا لما أجمله في السورة السابقة، فقد جاء بنوع من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال، ثم جاء بنوع آخر وهو التكذيب بيوم الدين، وبمنشأ ذلك التكذيب وهو الاعتداء وملازمة الآثام، وأتبع ذلك بأثر من آثار التكذيب وهو دعوى أن آيات اللَّه في كتابه هي أساطير الأولين.
كل هذا بيان للفجور المؤدي بصاحبه إلى الجحيم، ثم زاد ما يلاقونه في الآخرة تفصيلًا من حيث ذكر أين يكون كتابهم، وذكر حجبهم عن ربهم، وما يقال لهم من قوارع التبكيت، وكذلك فصل في نعيم الأبرار ما أجمله في السورة المتقدمة كما ترى.
بعد أن قال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ أي هلاك لهم عظيم ونكال ينتظرهم، قال: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾ أي إن تطفيف الكيل واختلاس مال الناس بوسيلة هذا العمل مما لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه يبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله، ولو ظن البعث والحساب لما طفف ولا بخس الميزان.
ولهذا تنزل حالة المطفف منزلة حال من يجهل ظنه بالحياة الآخرة، فضلًا عن اعتقاده فيها، فيستفهم عنه، كما قال: إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم، أي فيه؟
﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، أي يقفون للعرض عليه، ويطول بهم الموقف إعظامًا لجلاله وإجلالًا لمقامه جل شأنه.
واعتبار المطفف كأنه لا يظن سيبعث للقيام بين يدي ربه، وتنزيله منزلة المنكر للبعث، اعتبار حق لا يجادل فيه إلا مغرور باللَّه، أو جاهل بدينه، بل منكر لحقيقته.
وكيف يصر على إيذاء الناس والغض من حقهم من يظن بعض الظن أنه سيقوم بين يدي رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين، القاهر الجبار، ليحاسب على النقير والقطمير والحبة والذرة ؟.
(كلا) لا يقيم على ذلك إلا منكر لما أوعد به، أو متأول فيها يدفع عنه العقاب وينجيه من الحساب، لا يبعد به تأوله عن منزلة المنكر، بل يسقطه مع صاحبه في النار وبئس القرار.
هذا ما ينذر اللَّه به المطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيل ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم فيحرمونهم حق التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك أو نفوذ السلطان، أو باستعمال طرق الحيلة؟
فهل يعد هؤلاء من الشاكين في يوم البعث، فضلًا عن الظانين أو الموقنين؟
لا ريب أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين، وإن زعموا بلسانهم أنهم من الموحدين المؤمنين.
يروى أن أعرابيًا قال لعبد الملك بن مروان: "سمعت ما قال اللَّه في المطففين"؟!
أراد بذلك أن قد حق الوعيد على المطفف على النحو الذي سمعت من التهويل والتعظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تنهب وتسلب وتنتزع الأموال من أيدي أربابها بالقوة والقهر لا بالحيلة والخدعة، استعظامًا لقوتك، وغفلة عن جبروت اللَّه، وتكبرًا على الناس، ولا تكتفي من ذلك بالقليل كما هو شأن المطفف، ولا ترضى بما دون استئصال الأموال ومسح ما يبقى من غبارها بأيدي أهلها؟
فالويل كل الويل لك ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
قرىء (يوم يقوم) بالفتح والجر، وعلى الثاني هو بدل من يوم عظيم، وعلى الأول ظرفًا لـ (مبعوثون)، أو منصوبًا على الاختصاص، وهو ما نختاره لأن المقام له.
كلا ردع لهم عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب، وضعف اعتقادهم به فإن ذلك غرور منهم لا يرجعون فيه إلى سند، وذلك أنهم بعلمهم هذا يعدون من الفجار، والفجار يحاسبون على أعمالهم لا يغفل منها شيء، فإن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم خفيها وجليها، حقيرها وعظيمها، وذلك الكتاب يسمى بسجين وهو مرقوم، أي قد أُثبت فيه العلامات الدالة على الأعمال.
ويفهم من استعمال اللفظ في اللغة، ومن مقابلته بكتاب الأبرار الذي في عليين، أن فيه معنى التسفل، كما أن مقابله معنى التعلي، وقد رأيت في بعض كتب أهل البحث في اللغات أن الوحل يسمى في اللغة الأثيوبية سنجون (بالجيم العجمية مع إمالة في حركة الواو)، ولا يخفى ما في معنى الوحل من التسفل، وقد يكون هذا اللفظ من استعمال عرب اليمن، فإن فيها كثيرًا من الألفاظ الأثيوبية لكثرة المخالطة بينهم وبين أهل الحبشة، استعملوه فيما يقارب الوحل، فلا يبعد أن يقال إن الكتاب فيه أي أنه مكتوب به، أو على التصوير والتمثيل، أي إن الأعمال -لخبثها- تصور وتمثل كأنها مكتوبة به ويكون معنى كون الوحل وما يقاربه كتابًا مرقومًا، أن الأعمال بعد أن خطت به صار ذلك المداد القبيح كتابًا مرموقًا.
وعلى أن سجينًا اسم لما تحصى فيه الأعمال يجوز أن يكون لفظ (كتاب) الأول مصدرًا، أي أن كتبهم وإثبات أسمائهم وأعمالهم هو في ذلك الكتاب الذي هو كالسجل لتلك الأسماء والأعمال، ويقال كتب اللَّه فلانًا في الأشقياء أو في السعداء، أي أدرج اسمه بين أسمائهم فيما قد لهم، فكذلك يقال كتب الفجار في سجين، أي أودع أسماءهم فيه مقرونة إلى أعمالهم.
ويجوز أن يكون كتاب بمعنى المكتوب، ومعنى كونه في سجين أن سجينًا هو ذلك السجل العام المسمى بسجين.
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ إعادة للوعيد الأول في قوله ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ بعبارة أدل على عظم الجرم وأعم تشمل تلك الجريمة وغيرها، وذلك أنه قال في المطففين ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ليبين أن الإصرار على ذلك العمل القبيح يدل على ارتفاع الظن بالبعث، ثم أعاد الوعيد بلفظ المكذبين الذي يشمل أولئك المطففين وغيرهم، وهو الذين يكذبون بيوم الدين، أي يوم الجزاء، سواء كان التكذيب بجحد الخبر به مباشرة أو كان بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب.
وعدم المبالاة هو التكذيب المستبطن في النفس الذي تجري عليه في أعمالها، وإن كانت لا تظهره في أقوالها، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.
ولهذا جعل الاعتداء والإثم مناط التكذيب في قوله ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ ، فإن من كان ميالًا إلى العدل في خلائقه وأفعاله، واقفًا عندما حدد اللَّه لعباده في شرائعه وسننه، لا يعتدي حدو النصفة، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما مال إليه، أما من اعتدى الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام وإتيان ما فيه الغض من حقوق الناس والإضرار بهم والإخلال بنظامهم فذلك الذي يصعب، بل يكاد يمتنع عليه الإذعان بأخبار الآخرة، لأنه يأبى النظر في أدلتها وتدبر البينات القائمة على صدقها، لأن في ذلك قضاء على نفسه بالسفه، وحكما عليها بالظلم -ذلك فيما مضى لها- ثم فيه تخويف لها من ارتكاب مثل عملها فيما يستقبل، وهي جامحة طامحة، فهو لا يريد إلا أن يعللها بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل أو التعلق بالأماني، من نصرة الأولياء، أو توسط الشفعاء.
فلذلك إذا تليت عليه الآيات المنزلة الناطقة بأصدق الخبر عما يكون في ذلك اليوم مما لا مفر منه ﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ .
والأساطير أحاديث لا نظام لها، أي ذلك كلام مكرر الحكاية، يؤثره الآخر عن الأول، والخلف عن السلف، ولكنه ما لاينطبق على الواقع، فهو مما تعودت النفوس سماعه وتعودت سماعه وتعودت ألا تتأثر منه وألا تحلى منه بطائل، فلا يستحق النظر فيه.
هكذا حال القوم يتلى عليهم كتاب اللَّه، وفيه ما ينعى عليهم حالهم ويكشف لهم ما لبسوا على أنفسهم، وبينّ لهم سيئات أعمالهم، فيقولون هذا مفهوم ولكن من ذا الذي يعمل به؟
ولم لم يعمل فلان وفلان حتى كنا نسلك مسلكهم، ونستقيم على طريقهم؟
فهؤلاء واصفون لكتاب اللَّه بأنه أساطير الأولين، وإن لم ينطقوا باللفظ الدال على الوصف ليعللوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وأنهم مع فجورهم ناجون.
(كلا) إن هذه الآيات ليست بأساطير تسطر، وأقاصيص تحكى، وتؤثر وتعاد وتكرر بدون حقيقة ولا أثر، بل هي الحق الذي لا مراء فيه، عرفه منها أهل العدل المتعرضون للرحمة والفضل، وإنما الذي غطى قلوب المكذبين، وحجبها عن فهم ما جاءت به الآيات، تلك الملكات الرديئة، والعادات السيئة والأعمال الخبيثة التي كانوا يكسبونها.
وران على قلبه: أي ركبه وغطاه، ومعنى رين الذنب وركوبه القلب حتى يحجبه عن الفهم هو ما ذكرناه لك من أن المسيء الذي ضربت نفسه بالقبيح يسعى جهده في البعد عن كل ما يكدر صفوه، فهو يعرض عن كل ما يجد فيه تهجينًا لعمله، أو تخويفًا من عاقبة فعله.
وهل يغنيهم هذا العمى من الحق شيئًا؟
(كلا) إنهم سيكونون يوم القيامة في المكان الدون، وموقف الهون، و ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ .
ولا يحجب عن الرب الكريم إلا المخذول المرذول، الذليل المهين ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ ﴾ -بعد أن يطردوا عن أبواب الكرامة- يقذف بهم حيث لا يلقون إلا الأسف والندامة، يقذف بهم في الجحيم يصلونها ويقاسون حرها ﴿ ثُمَّ يُقَالُ ﴾ لهم ﴿ هَذَا ﴾ هو العذاب ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ، تبكيتًا لهم، وزيادة في التنكيل بهم، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر -وهو يتألم له- بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.
(كلا) ردع عن التكذيب المذكور في قوله: ﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ، وإنما يجب تجنبه طلبًا للكرامة في ملازمة التصديق الذي هو ضده، فإن كتاب الأبرار في عليين إلخ.
وقد بينا في السور السابقة معنى (الأبرار)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المفصلة في السور والآيات، فهؤلاء لا يضيع عمل عامل منهم، بل كل ما عمله فقد أحصاه اللَّه في كتاب مرقوم، اسمه عليون.
والكلام على لفظ كتاب الأول كالكلام عليه فيما سبق، وقد رأيت عن بعض الباحثين في اللغات الشرقية أن لفظ علوًا في اللغة الأثيوبية (الحبشية القديمة) معناه النقش باللون الأحمر، فإن لم يكن العليون من العلو فمن الجائز أن اللفظ دخل في لغة أهل اليمن وعرب الجنوب على معنى الزينة، ثم أطلق على كل مزين لطيف، وقد يدل على ذلك تخالف البناء والوزن مع ما هو من معنى العلو.
وهذه الكتب التي تكتب فيها أعمال المجرمين أو أعمال الأبرار مما استأثر اللَّه بعلم حقيقته، "فسجين" و "عليون" موجودان، أودعهما اللَّه أعمال الخاسرين والناجين وليس علينا أن نعرف أنها من أوراق أو أخشاب أو معادن أخر، أو من أرواح غير أجسام، كل ذلك مما لا حاجة إلى البحث فيه لاستكمال الإيمان، وقد يكشفه اللَّه للمصطفين من عباده.
ولهذا قال ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ وجاء بهذه الصفة ليدل بها على أنه أمر محقق الثبوت، حتى أن المقرب ليشهده شهود العيان إذا وصل من القرب إلى الحد الذي يكشف له فيه ذلك الكتاب وأمثاله.
ولما كان المقصود من شهود المقربين هو ما ذكرنا واللَّه أعلم، ظهر وجه ذكر هذه الصفة في جانب كتاب الأبرار، وعدم ذكر مثلها في جانب كتاب الفجار، لأن الفجار لا يشهدهم اللَّه كتبهم وكتب غيرهم لتسفل أرواحهم وتدنسها بأوضار الفجور، فأنَّى يكون لها الاطلاع إلى غيب لا تدنو منه إلا النفوس العالية، والعقول الصافية.
وقيل المراد بالقربين الملائكة، وعليه لا يظهر تخصيص كتاب الأبرار بذلك، فإن كتاب الفجار مشهود لهم كذلك.
بعد أن أكد الخبر بإحصاء أعمال الأبرار، وأن إحصاءها في كتاب رفيع مكرم جليل، أخذ يفصل ما ينالونه من الجزاء على البر والإحسان فقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ .
والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله الخفض والدعة، وما فيه لذة وراحة وليس فيه ألم وعناء، وهو ضد البأساء والبؤس.
و ﴿ الْأَرَائِكِ ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس بيت -أي خيمة- يزين بالثياب والأسرة والستور.
وقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ أي يمدون أعينهم إلى ما شاءوا، لا يغضى الخري من أبصارهم.
و(نضرة النعيم) بهجته وماؤه ورونقه.
و(الرحيق) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، وهو قول الزجاج، وقيل هو أعتق الخمر وأفضلها، وقيل هو صفوتها، وهي معان كلها متقاربة.
و(مختوم) ختمت أوانيه وسدت، وكان ختامها المسك مكان الطينة.
وقيل المراد من (ختامه)، مقطعه بعد الشرب، أي أن الشارب يجد منه رائحة المسك بعد أن يشربه، ولا يجد تلك الرائحة الخبيثة التي يجدها شارب الخمر.
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ، أي في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضًا إليه بالأعمال التي تقرب منه.
وهذه الجملة معترضة ذكرها عقب أنواع النعيم المتقدمة قبل أن يأتي على بقية أوصاف الرحيق، إسراعًا إليك بالترغيب في التسابق إلى ما عد من أنواع السعادة، وقد يعود اسم الإشارة في ذلك إلى الرحيق المختوم، تمييزًا له من بين أنواع النعيم السابقة بالترغيب فيه، والجملة اعتراض على كل حال، وكل نوعين اختلطا فأحدهما مزج صاحبه ومزاجه.
فبعد أن قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾ بيّن ما يمزج بذلك الرحيق إذا رغب راغب أن يمزجه بشيء، ودل على أن مزاجه يكون من التسنيم: وهو ماء يأتي من الأعالي واسمه التسنيم، ليطابق الاسم مسماه، ثم زاده بيانًا بقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ .
فعينًا منصوب على الاختصاص بالمدح، وفيه من البيان ما لا يخفى.
﴿ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ أي يشربون بها الرحيق مزاجًا له إذا أرادوا.
و(المقربون) هم الأبرار بعينهم، ذكرهم بهذا الوصف زيادة في تكريمهم.
كل هذه الأنواع من النعيم التي ذكرت في الآيات مما ترغب فيه الأنفس، وتتسابق إليه الهمم، لهذا حفز اللَّه بها عزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، وليطمع فيها الواقف على أول الطريق، فليزم الجادة الواضحة، ويدع المعوجة الملتبسة، ويسلك سبيل السابقين، وليرد بها من جار على النهج ويقيمه على الصراط المستقيم.
هذا والمفهوم منها ما يشبه ما نحن فيه، فما ظنك بها لو كانت أرقى وأكمل، وأعلى وأفضل وأنه لا يدانيها شيء مما نعهده في الدنيا إلا في الاسم، أو ضرب من الشبه البعيد، كما هو حقيقة أمرها والحق في شأنها؟!
بعد أن ذكر ما أوعد به (الفجار) وهو أهل الجرائم ومقترفو السيئات، وما وعد به (المتقون) وهو أهل البر والإحسان، وما سيلاقيه كل من الفريقين في الدار الآخرة جزاء على عمله -أخذ يذكر ما كان لأحد الفريقين إلى الآخرة في الدنيا، وما سيكون من شأن الفريق الآخر مع الفريق الأول في الآخرة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ﴾ وهو المعتدون الأثمة، الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ذلك لأنه حين رحم اللَّه هذا العالم ببعثه النبي كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته ، ثم يهمس بها بعض من يلبيه ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسر بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.
ومن شأن القوي المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا.
كذلك كان شأن جماعة من قريش -كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد لما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم -إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق، وأزدرى السامعون منهم بالداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا مَرُّوا ﴾ بأحد من أهل الحق يغمز بعضهم بعضًا هزوءًا به.
وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، ورجعوا إليهم فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل، كأن يقولوا: عجبًا!
هذا فلان يقول لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجهوا بالطلب فيما يفوق طاقتكم إلا إلى اللَّه وحده خالق السموات والأرض، فأين الأولياء والشفعاء؟
وكم فعلوا وتركوا، وضروا ونفعوا، وهو ينكر جميع ذلك، كأن الناس جميعًا في ضلال وهو وحده يعرف الحق!
.
.
ونحو ذلك مما يعدونه فكاهة يتلذذون بحكايته.
وإذا رأوا المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون، لأنهم طرحوا ما عليه العامة وذهبوا يعيبون العقائد والأعمال المتوارثة عن الآباء والأجداد.
﴿ وَمَا أُرْسِلُوا ﴾ : أي لم يرسل المؤمنون الصادقون الداعون إلى الحق لأن يكونوا ﴿ حَافِظِينَ ﴾ عليهم، أي على الكافرين والمبتدعين المجرمين، أي لم يمنحهم اللَّه تلك المزية وهي: أن يكونوا رقباء عليهم، يعظونهم ويدعونهم إلى الخير وهجر الشر، فليسوا ملزمين بسماع دعوتهم والإصاخة لأدلتهم، فجملة (وما أرسلوا) وهي من كلام الذين أجرموا، حجدًا لحق المؤمنين في وعظهم وإرشادهم.
ذلك ما كان من معاملة المجرمين للمؤمنين في الدنيا: يهزأون بهم، ويضحكون منهم، ويجعلونهم أحاديث لهو ولغو -فانظر ما تكون معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة.
(فاليوم) أي يوم الدين والجزاء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ ، لا ضحك الجاهل المغرور، بل ضحك الموقن المسرور، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به.
انكشف لهم بالعيان ما كانوا يرجونه من إكرام اللَّه لهم، وخذلانه لأعدائهم، فسروا بذلك وضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم سفه عقولهم وفساد أقوالهم فنكست أعناقهم لخزيهم وذلهم، فما أعظم مجد المؤمنين في ذلك اليوم!
﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ إلى صنع اللَّه بأعدائهم، وتذليله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقًا!
فجملة (هل ثوب) متعلقة بينظرون، ليتحققوا: هلى جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه بهم في الدنيا؟
(وثوب) -مثل أثاب- بمعنى جازى.
يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير أي: هلى جوزي الكفار إلخ، ويجوز أن يكون استئنافًا واستفهامًا تقريريًا، كأنه خطاب للمؤمنين.
أي: هل رأيتم كيف جازى اللَّه الكافرين بأعمالهم؟
أي أنه فعل وجازاهم شر الجزاء وأنتم تعلمون ذلك.
والأول أظهر كما لا يخفى.