الآية ٣ من سورة المطففين

الإسلام > القرآن > سور > سورة 83 المطففين > الآية ٣ من سورة المطففين

وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة المطففين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة المطففين عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي ينقصون والأحسن أن يجعل كالوا و وزنوا " متعديا ويكون هم في محل نصب ومنهم من يجعلها ضميرا مؤكدا للمستتر في قوله كالوا و " وزنوا ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه وكلاهما متقارب وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ) الإسراء 35 وقال ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ) الأنعام 152 وقال ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) الرحمن : 9 وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ ) يقول: وإذا هم كالوا للناس أو وزنوا لهم.

ومن لغة أهل الحجاز أن يقولوا: وزنتك حقك، وكلتك طعامك، بمعنى: وزنت لك وكلت لك.

ومن وجَّه الكلام إلى هذا المعنى جعل الوقف على " هم " ، وجعل " هم " في موضع نصب.

وكان عيسى بن عمر فيما ذُكر عنه يجعلهما حرفين، ويقف على كالوا، وعلى وزنوا، ثم يبتدئ هم يخسرون.

فمن وجَّه الكلام إلى هذا المعنى جعل " هم " في موضع رفع، وجعل كالوا ووزنوا مكتفيين بأنفسهما.

والصواب في ذلك عندي الوقف على " هم " ، لأن كالوا ووزنوا لو كانا مكتفيين، وكانت هم كلاما مستأنفا، كانت كتابة كالوا ووزنوا بألف فاصلة بينها وبين هم مع كل واحد منهما، إذ كان بذلك جرى الكتاب في نظائر ذلك إذا لم يكن متصلا به شيء من كنايات المفعول، فكتابهم ذلك في هذا الموضع بغير ألف أوضح الدليل على أن قوله: ( هُمْ ) إنما هو كناية أسماء المفعول بهم.

فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا على ما بيَّنا.

وقوله: ( يُخْسِرُونَ ) يقول: ينقصونهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وإذا كالوهم أو وزنوهم : أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام ، فتعدى الفعل فنصب ; ومثله نصحتك ونصحت لك ، وأمرتك به وأمرتكه ; قاله الأخفش والفراء .

قال الفراء : وسمعت أعرابية تقول إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل .

وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس .

قال الزجاج : لا يجوز الوقف على ( كالوا ) و ( وزنوا ) حتى تصل به ( هم ) قال : ومن الناس من يجعلها توكيدا ، ويجيز الوقف على ( كالوا ) و ( وزنوا ) والأول الاختيار ; لأنها حرف واحد .

وهو قول الكسائي .

قال أبو عبيد : وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ، ويقف على ( كالوا ) و ( وزنوا ) ويبتدئ ( هم يجسرون ) قال : وأحسب قراءة حمزة كذلك أيضا .قال أبو عبيد : والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين : إحداهما : الخط ; وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف ، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا ( كالوا ) و ( وزنوا ) بالألف ، والأخرى : أنه يقال : كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك ، ووزنت لك ، وهو كلام عربي ; كما يقال : صدتك وصدت لك ، وكسبتك وكسبت لك ، وكذلك شكرتك ونصحتك ونحو ذلك .

قول : يخسرون : أي ينقصون ; والعرب تقول : أخسرت الميزان وخسرته .

و ( هم ) في موضع نصب على قراءة العامة راجع إلى الناس ، تقديره ( وإذا كالوا ) الناس ( أو وزنوهم يخسرون ) وفيه وجهان : أحدهما أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم ، فحذف الجار ، وأوصل الفعل ، كما قال :ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبرأراد : جنيت لك ، والوجه الآخر : أن يكون على حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، والمضاف هو المكيل والموزون .وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم : المكيال والميزان .

وخص الأعاجم ، لأنهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعا ، وكانا مفرقين في الحرمين ; كان أهل مكة يزنون ، وأهل المدينة يكيلون .

وعلى القراءة الثانية ( هم ) في موضع رفع بالابتداء ; أي وإذا كالوا للناس أو [ ص: 217 ] وزنوا لهم فهم يخسرون .

ولا يصح ; لأنه تكون الأولى ملغاة ، ليس لها خبر ، وإنما كانت تستقيم لو كان بعدها : وإذا كالوا هم ينقصون ، أو وزنوا هم يخسرون .الثانية : قال ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خمس بخمس : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر فيهم الطاعون ، وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات ، وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر خرجه أبو بكر البزار بمعناه ، ومالك بن أنس أيضا من حديث ابن عمر .

وقد ذكرناه في كتاب التذكرة .

وقال مالك بن دينار : دخلت على جار لي قد نزل به الموت ، فجعل يقول : جبلين من نار ، جبلين من نار فقلت : ما تقول ؟

أتهجر ؟

قال : يا أبا يحيى ، كان لي مكيالان ، أكيل بأحدهما ، وأكتال بالآخر فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر حتى كسرتهما فقال يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازداد عظما ، فمات من وجعه .وقال عكرمة : أشهد على كل كيال أو وزان أنه في النار .

قيل له : فإن ابنك كيال أو وزان .

فقال : أشهد أنه في النار .

قال الأصمعي : وسمعت أعرابية تقول : لا تلتمس المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل ، ولا ألسنة الموازين .

وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - ، وقال عبد خير : مر علي - رضي الله عنه - على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح ، فأكفأ الميزان ، ثم قال : أقم الوزن بالقسط ; ثم أرجح بعد ذلك ما شئت .

كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ، ويفضل الواجب من النفل .وقال نافع : كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول : اتق الله وأوف الكيل والوزن بالقسط ، فإن المطففين يوم القيامة يوقفون حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم .

وقد روي أن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة ، فقال أبو هريرة : فوجدناه في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى ( كهيعص ) وقرأ في الركعة الثانية ويل للمطففين قال أبو هريرة : فأقول في صلاتي : ويل لأبي فلان ، كان له مكيالان إذا اكتال اكتال بالوافي ، وإذا كال كال بالناقص .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ } أي: إذا أعطوا الناس حقهم، الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، { يُخْسِرُونَ } أي: ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك.

فهذا سرقة [لأموال] الناس ، وعدم إنصاف [لهم] منهم.وإذا كان هذا الوعيد على الذين يبخسون الناس بالمكيال والميزان، فالذي يأخذ أموالهم قهرًا أو سرقة، أولى بهذا الوعيد من المطففين.ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في [عموم هذا] الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد [منهما] يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجج [التي لا يعلمها]، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم أي للناس يقال : وزنتك حقك وكلتك طعامك أي وزنت لك وكلت لك كما يقال : نصحتك ونصحت لك وكسبتك وكسبت لك .

قال أبو عبيدة : وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على " كالوا ووزنوا " ويبتدئ " هم يخسرون " وقال أبو عبيدة : والاختيار الأول يعني : أن كل واحدة كلمة واحدة لأنهم كتبوها بغير ألف ولو كانتا مقطوعتين لكانت : " كالوا [ و ] وزنوا " بالألف كسائر الأفعال مثل جاءوا وقالوا : واتفقت المصاحف على إسقاط الألف ولأنه يقال في اللغة : كلتك ووزنتك كما يقال : كلت لك ووزنت لك .

" يخسرون " أي ينقصون قال نافع : كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول : اتق الله وأوف الكيل والوزن فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا كالوهم» أي كالوا لهم «أو وزنوهم» أي وزنوا لهم «يُخْسِرون» ينقصون الكيل أو الوزن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

عذابٌ شديد للذين يبخسون المكيال والميزان، الذين إذا اشتروا من الناس مكيلا أو موزونًا يوفون لأنفسهم، وإذا باعوا الناس مكيلا أو موزونًا يُنْقصون في المكيال والميزان، فكيف بحال من يسرقهما ويختلسهما، ويبخس الناس أشياءهم؟

إنه أولى بالوعيد من مطففي المكيال والميزان.

ألا يعتقد أولئك المطففون أن الله تعالى باعثهم ومحاسبهم على أعمالهم في يوم عظيم الهول؟

يوم يقوم الناس بين يدي الله، فيحاسبهم على القليل والكثير، وهم فيه خاضعون لله رب العالمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ومعنى : ( كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ) : كالوهم أو وزنوا لهم ، فحذفت اللام ، فتعدى الفعل إلى المفعول ، فهو من باب الحذف والإِيصال .فالواوان فى ( كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ) يعودان إلى الاسم الموصول فى قوله : ( الذين إِذَا اكتالوا ) والضميران المنفصلان " هم " ، يعودان إلى الناس .قال صاحب الكشاف : والضمير فى ( كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ) ضمير منصوب راجع إلأى الناس .

وفيه وجهان : أن يراد : كالوا لهم ، أو وزنوا لهم فحذف الجار ، وأوصل الفعل ، كما فى قول الشاعر :ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ...

ولقد نهيتك عن بنات الأوبربمعنى جنيت لك .

وأن يكون على حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، والمضاف هو المكيل أو الموزون .

.والمعنى : هلاك شديد ، وعذاب أليم ، للمطففين ، وهم الذين يبخسون حقوق الناس فى حالتى الكيل والوزن وما يشبههما ، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا من الناس شيئا حرصوا على أن يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة ، وإذا باعوا لهم شيئا ، عن طريق الكيل أو الوزن أو ما يشبههما ( يُخْسِرُونَ ) أى : ينقصون فى الكيل أو الوزن .يقال : خسَر فلان الميزان وأخْسَره ، إذا نقصه ، ولم يتممه كما يقتضيه العدل والقسط .وافتتحت السورة الكريمة بلفظ " الويل " للإِشعار بالتهديد والتشديد ، والوعيد الأليم لمن يفعل ذلك .

وقوله ( ويل ) مبتدأ ، وهو نكرة ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء .

وخبره " للمطففين " .وقال - سبحانه - ( إِذَا اكتالوا عَلَى الناس ) ولم يقل : من الناس .

للإِشارة إلى ما فى عملهم المنكر من الاستيلاء والقهر والظلم .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ، ويتحامل فيه عليهم ، أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك .ويجوز أن يتعلق " على " بيستوفون ، ويقدم المفعول على الفعل لإِفادة الخصوصية .

أى : يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها .وقال الفراء : " من " و " على " يعتقبان فى هذا الموضوع ، لأنه حق عليه ، فإذا قال : اكتلت عليك ، فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك ، فكقوله : استوفيت منك ..والتعبير بقوله : ( يستوفون ) و ( يخسرون ) يدل على حرصهم الشديد فيما يتعلق بحقوقهم ، وإهمالهم الشنيع لحقوق غيرهم ، إذ استيفاء الشئ ، أخذه وافيا تاما ، فالسين والتاء فيه للمبالغة .وأما ( يخسرون ) فمعناه إيقاع الخسارة على الغير فى حالتى الكيل والوزن وما يشبههما .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن اتصال أول هذه السورة بآخر السورة المتقدمة ظاهر، لأنه تعالى بين في آخر تلك السورة أن يوم القيامة يوم من صفته أنه لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر كله لله وذلك يقتضي تهديداً عظيماً للعصاة، فلهذا أتبعه بقوله: ﴿ وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ ﴾ والمراد الزجر عن التطفيف، وهو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية، وذلك لأن الكثير يظهر فيمنع منه، وذلك القليل إن ظهر أيضاً منع منه، فعلمنا أن التطيف هو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية، وهاهنا مسائل: المسألة الأول: الويل، كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال: ويل لك، وويل عليك.

المسألة الثانية: في اشتقاق لفظ المطفف قولان الأول: أن طف الشيء هو جانبه وحرفه، يقال: طف الوادي والإناء، إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلئ فهو طفافه وطفافه وطففه، ويقال: هذا طف المكيال وطفافه، إذا قارب ملأه لكنه بعد لم يمتلئ، ولهذا قيل: الذي يسيء الكيل ولا يوفيه مطفف، يعني أنه إنما يبلغ الطفاف والثاني: وهو قول الزجاج: أنه إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف، لأنه يكون الذي لا يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف، وهاهنا سؤالات: الأول: وهو أن الاكتيال الأخذ بالكيل، كالاتزان الأخذ بالوزن، ثم إن اللغة المعتادة أن يقال: اكتلت من فلان، ولا يقال: اكتلت على فلان، فما الوجه فيه ههنا؟.

الجواب: من وجهين: الأول: لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً فيه إضرار بهم وتحامل عليهم، أقيم على مقام من الدالة على ذلك الثاني: قال الفراء: المراد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان لأنه حق عليه، فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال أخذت ما عليك، وإذا قال اكتلت منك، فهو كقوله استوفيت منك.

السؤال الثاني: هو أن اللغة المعتادة أن يقال كالوا لهم، أو وزنوا لهم، ولا يقال كلته ووزنته فما وجه قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ ؟

والجواب من وجوه: الأول: أن المراد من قوله (كالوهم أو وزنوهم) كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار وأوصل الفعل.

قال الكسائي والفراء: وهذا من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم يقولون: زنى كذا، كلى كذا، ويقولون صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، فعلى هذا الكناية في كالوهم ووزنوهم في موضع نصب الثاني: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير: وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا موزونهم الثالث: يروى عن عيسى بن عمر، وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين توكيداً لما في كالوا ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا، وزعم الفراء والزجاج أنه غير جائز، لأنه لو كان بمعنى كالوهم لكان في المصحف ألف مثبتة قبل هم، واعترض صاحب الكشاف على هذه الحجة، فقال إن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الحظ والجواب أن إثبات هذه الألف لو لم يكن معتاداً في زمان الصحابة فكان يجب إثباتها في سائر الأعصار، لما أنا نعلم مبالغتهم في ذلك، فثبت أن إثبات هذه الألف كان معتاداً في زمان الصحابة فكان يجب إثباته هاهنا.

السؤال الثالث: ما السبب في أنه قال: ﴿ وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ * الذين إِذَا اكتالوا ﴾ ولم يقل إذا انزنوا، ثم قال: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ فجمع بينهما؟

أن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر.

السؤال الرابع: اللغة المعتادة أن يقال خسرته، فما الوجه في أخسرته؟

الجواب قال الزجاج: أخسرت الميزان وخسرته سواء أي نقصته، وعن المؤرج يخسرون ينقصون بلغة قريش.

المسألة الثالثة: عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله المدينة كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وقيل كان أهل المدينة تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال: «خمس بخمس قيل يا رسول الله، وما خمس بخمس؟

قال ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر».

المسألة الرابعة: الذم إنما لحقهم بمجموع أنهم يأخذون زائداً، ويدفعون ناقصاً، ثم اختلف العلماء، فقال بعضهم: هذه الآية دالة على الوعيد، فلا تتناول إلا إذا بلغ التطفيف حد الكثير، وهو نصاب السرقة، وقال آخرون بل ما يصغر ويكبر دخل تحت الوعيد، لكن بشرط أن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم منها، وهذا هو الأصح.

المسألة الخامسة: احتج أصحاب الوعيد بعموم هذه الآية، قالوا: وهذه الآية واردة في أهل الصلاة لا في الكفار، والذي يدل عليه وجهان الأول: أنه لو كان كافراً لكان ذلك الكفر أولى باقتضاء هذا الويل من التطفيف، فلم يكن حينئذ للتطفيف أثر في هذا الويل، لكن الآية دالة على أن الموجب لهذا الويل هو التطفيف الثاني: أنه تعالى قال: للمخاطبين بهذه الآية: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ فكأنه تعالى هدد المطففين بعذاب يوم القيامة، والتهديد بهذا لا يحصل إلا مع المؤمن، فثبت بهذين الوجهين أن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة والجواب: عنه ما تقدم مراراً، ومن لواحق هذه المسألة أن هذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك ومن يعزم عليه إذ العزم عليه أيضاً من الكبائر.

واعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم، وذلك لأن عامة الخلق يحتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر المكيال والميزان، فلهذا السبب عظم الله أمره فقال: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ  أَلَّا تَطْغَوْا فِى ٱلْمِيزَانِ  وَأَقِيمُوا ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا ٱلْمِيزَانَ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط  ﴾ وعن قتادة: أوف يا ابن آدم الكيل كما تحب أن يوفي لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة، وقال أعرابي لعبد الملك بن مروان: قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففين!

أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم في أخذ القليل، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ الكثير، وتأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

التطفيف: البخس في الكيل والوزن: لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير.

وروى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت فأحسنوا الكيل.

وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان: بكيل بأحدهما ويكتال بالآخر.

وقيل: كان أهل المدينة تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم.

وقال: «خمس بخمس» قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟

قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» وعن علي رضي الله عنه: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.

كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين: بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان؛ وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعاً وكانا مفرّقين في الحرمين: كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون، وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم.

وعن عكرمة: أشهد أنّ كل كيال ووزان في النار.

فقيل له: إنّ ابنك كيال أو وزان؛ فقال: أشهد أنه في النار.

وعن أبيّ رضي الله عنه: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم: أبدل (على) مكان (من) للدلالة على ذلك.

ويجوز أن يتعلق (على) بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة؛ فأما أنفسهم فيستوفون لها؛ وقال الفراء (من) و (على) يعتقبان في هذا الموضع، لأنه حق عليه؛ فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك؛ وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك.

والضمير في ﴿ كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ ضمير منصور راجع إلى الناس.

وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال: وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤاً وَعَسَاقِلاً ** وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ نَبَاتِ الأوْبَرِ والحريص يصيدك إلا الجواد، بمعنى: جنيت لك، ويصيد لك، وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد؛ وذلك أنّ المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأنّ الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه: ركيك؛ لأنّ خط المصحف لم يراع في كثير منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو؛ فمن لم يثبتها قال: المعنى كاف في التفرقة بينهما.

وعن عيسى بن عمر وحمزة: أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا فإن قلت: هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل ﴿ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ ؟

قلت: كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً ﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ ينقصون يقال: خسر الميزان وأخسره ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً ﴿ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ ومحاسبون على مقدار الذرّة والخردلة.

وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، وأعدل كما تحب أن يعدل لك.

وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة.

وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابياً قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين: أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين: بيان بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل، وقيل: الظنّ بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر؛ ونصب ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ﴾ بمبعوثون.

وقرئ بالجر بدلاً من (يوم عظيم) وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين (6) ﴾ بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ مُخْتَلَفٌ فِيها وآيُها سِتٌّ وثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ التَّطْفِيفُ البَخْسُ في الكَيْلِ والوَزْنِ لِأنَّ ما يُبْخَسُ طَفِيفٌ أيْ حَقِيرٌ.

رُوِيَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كانُوا أخْبَثَ النّاسِ كَيْلًا فَنَزَلَتْ فَأحْسَنُوهُ ، وَفِي الحَدِيثِ: «خَمْسٌ بِخَمْسٍ: ما نَقَضَ العَهْدَ قَوْمٌ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ».» ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ أيْ إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ حُقُوقَهم يَأْخُذُونَها وافِيَةً، وإنَّما أبْدَلَ عَلى بِمِن لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اكْتِيالَهم لِما لَهم عَلى النّاسِ، أوِ اكْتِيالٌ يُتَحامَلُ فِيهِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ ﴾ أيْ إذا كالُوا النّاسَ أوْ وزَنُوا لَهم.

﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ فَحَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ كَقَوْلِهِ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلا.

بِمَعْنى جَنَيْتُ لَكَ، أوْ كالُوا مَكِيلَهم فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ مَقامَهُ، ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المُنْفَصِلِ تَأْكِيدًا لِلْمُتَّصِلِ فَإنَّهُ يُخْرِجُ الكَلامَ عَنْ مُقابَلَةِ ما قَبْلَهُ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ اخْتِلافِ حالِهِمْ في الأخْذِ والدَّفْعِ، لا في المُباشَرَةِ وعَدَمِها ويَسْتَدْعِي إثْباتَ الألِفِ بَعْدَ الواوِ كَما هو خَطُّ المُصْحَفِ في نَظائِرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

والضمير المنصوب في {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} راجع إلى الناس أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل وإنما لم يقل أو اتزنوا كما قيل أَوْ وَّزَنُوهُمْ اكتفاء ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة لأنهم يدعون ويحتالون في الملء وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من الجنس في النوعين {يُخْسِرُونَ} ينقصون يقال خسر الميزان واخسره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ لِلنّاسِ وما تَقَدَّمَ في الأخْذِ مِنَ النّاسِ وهَذا في الإعْطاءِ، فالمَعْنى: وإذا كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم لِلْبَيْعِ يُنْقِصُونَ.

وكالَ تُسْتَعْمَلُ مَعَ المَكِيلِ بِاللّامِ وبِدُونِهِ؛ فَقَدْ جاءَ في اللُّغَةِ عَلى ما قِيلَ: كالَ لَهُ وكالَهُ بِمَعْنى كالَ لَهُ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ كالَهُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ عَلى أنَّ الأصْلَ كالَ لَهُ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَناتِ الأوْبَرِ وقَوْلُهم في المَثَلِ: الحَرِيصُ يَصِيدُكَ لا الجَوادُ؛ أيْ: جَنَيْتُ لَكَ ويَصِيدُ لَكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهو مَكِيلٌ ومَوْزُونٌ وإقامَةُ المُضافِ مَقامَهُ، والأصْلُ: وإذا كالُوا مَكِيلَهم أوْ وزَنُوهم وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ وحَمْزَةَ: إنَّ المَكِيلَ لَهُ والمَوْزُونَ لَهُ مَحْذُوفٌ، وهم ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَرْفُوعِ وهو الواوُ وكانا يَقِفانِ عَلى الواوَيْنِ وُقَيْفَةً يُبَيِّنانِ بِها ما أرادُوا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ كَوْنُ الضَّمِيرِ مَرْفُوعًا لِلْمُطَفِّفِينَ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى عَلَيْهِ إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا وإذا تَوَلَّوُا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ هم عَلى الخُصُوصِ أخْسَرُوا، وهو كَلامٌ مُتَنافِرٌ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا في المُباشِرِ وذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ؛ لِأنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ يَدْفَعُهُ المَقامُ فَلَيْسَ المُرادُ أنْ يُحَقِّقَ أنَّ الكَيْلَ صَدَرَ مِنهم لا مِن عَبِيدِهِمْ مَثَلًا والتَّقَوِّي وحْدَهُ يَدْفَعُهُ تَرْكُ الفاءِ في جَوابِ «إذا» لِأنَّ الفَصِيحَ إذْ ذاكَ: فَهم يَخْسَرُونَ فَيَتَعَيَّنُ الحَمْلُ عَلى التَّخْصِيصِ ويَظْهَرُ العُذْرُ في تَرْكِ الفاءِ إذِ المَعْنى لا يَخْسَرُ إلّا هُمْ، ويَلْزَمُ التَّنافُرُ وفَواتُ المُقابَلَةِ هَذا وهْمٌ أوَّلًا في ﴿ كالُوهُمْ ﴾ مانِعٌ مِن هَذا التَّقْدِيرِ أشَدَّ المَنعِ والحَمْلُ عَلى حَذْفِ اِلْخَبَرِ مِن أحَدِهِما وهو شَطْرُ الجَزاءِ لا نَظِيرَ لَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَبْعُدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ مَرْفُوعًا عَدَمُ إثْباتِ الألِفِ بَعْدِ الواوِ.

وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الخَطِّ إثْباتُها بَعْدَها في مِثْلِ ذَلِكَ وجَرى عَلَيْهِ رَسْمُ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ في نَظائِرِهِ وكَوْنُهُ هُنا بِالخُصُوصِ مُخالِفًا لِما تَقَرَّرَ ولِما سُلِكَ في النَّظائِرِ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.

ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى الِاكْتِيالِ في صُورَةِ الِاسْتِيفاءِ وذِكْرِ الكَيْلِ والوَزْنِ في صُورَةِ الإخْسارِ أنَّ المُطَفِّفِينَ كانُوا لا يَأْخُذُونَ ما يُكالُ ويُوزَنُ إلّا بِالمَكايِيلِ دُونَ المَوازِينِ لَتَمَكُّنِهِمْ بِالِاكْتِيالِ مِنَ الِاسْتِيفاءِ والسَّرِقَةِ، وإذا أعْطَوْا كالُوا ووَزَنُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ البَخْسِ في النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، والحاصِلُ أنَّهُ إنَّما جاءَ النَّظْمُ الجَلِيلُ هَكَذا لِيُطابِقَ مَن نَزَلَ فِيهِمْ فالصِّفَةُ تَنْعِي عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن زِيادَةِ البَخْسِ والظُّلْمِ، وهَذا صَحِيحٌ جُعِلَتِ الصِّفَةُ مُخَصِّصَةً لِهَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ كَما هو الأظْهَرُ أوْ كاشِفَةً لِحالِهِمْ فَقَدْ أُرِيدَ بِالأوَّلِ مَعْهُودٌ ذِهْنِيٌّ.

وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا العَلّامَةُ السَّيِّدُ صِبْغَةُ اللَّهِ الحَيْدَرِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ التَّطْفِيفَ في الكَيْلِ يَكُونُ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ لا يُعْبَأُ بِهِ في الأغْلَبِ دُونَ التَّطْفِيفِ في الوَزْنِ، فَإنَّ أدْنى حِيلَةٍ فِيهِ يُفْضِي إلى شَيْءٍ كَثِيرٍ وأيْضًا الغالِبُ فِيما يُوزَنُ ما هو أكْثَرُ قِيمَةً مِمّا يُكالُ، فَإذا أخْبَرَتِ الآيَةُ بِأنَّهم لا يُبْقُونَ عَلى النّاسِ ما هو قَلِيلٌ مَهِينٌ مِن حُقُوقِهِمْ عُلِمَ أنَّهم لا يُبْقُونَ عَلَيْهِمُ الكَثِيرَ الَّذِي لا يَتَسامَحُ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ بَلْ أهْلُ المَرُوءاتِ أيْضًا إلّا نادِرًا بِالطَّرِيقِ الأوْلى بِخِلافِ ما إذا ذُكِرَ أنَّهم يُخْسِرُونَ النّاسَ بِالأشْياءِ الجُزْئِيَّةِ كَما يُفْهَمُ مِن ذِكْرِ الإخْسارِ في الكَيْلِ فَإنَّهُ لا يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهم يُخْسِرُونَهم بِالشَّيْءِ الكَثِيرِ أيْضًا، بَلْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ مِن تَخْصِيصِ الجُزْئِيَّةِ بِالذِّكْرِ أنَّهم لا يَتَجَرَّؤُونَ عَلى إخْسارِهِمْ بِكُلِّيّاتِ الأمْوالِ فَلا بُدَّ في الشِّقِّ الثّانِي مِن ذِكْرِ الإخْسارِ في الوَزْنِ أيْضًا فَتَكُونُ الآيَةُ مُنادِيَةً عَلى ذَمِيمِ أفْعالِهِمْ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ بِشَنِيعِ أحْوالِهِمُ.

انْتَهى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُحْسَمُ السُّؤالُ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: «إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ وإذا وزَنُوهم يُخْسِرُونَ» لِيُعْلَمَ مِنَ القَرِينَتَيْنِ أنَّهم يَسْتَوْفُونَ الكَثِيرَ ويُخْسِرُونَ بِالنَّزْرِ الحَقِيرِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ويَكُونُ في الكَلامِ ما هو مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا عَلَيْهِمُ الكَيْلَ، وكَذَلِكَ إذا اتَّزَنُوا اسْتَوْفَوُا الوَزْنَ، ولَمْ يَذْكُرْ إذا اتَّزَنُوا لِأنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فِيما يُكالُ ويُوزَنُ ومُرادُهُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ إحْدى القَرِينَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى لِدَلالَةِ القَرِينَةِ الآتِيَةِ عَلَيْها وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: إنَّ المُطَفِّفِينَ باعَةٌ وهم في الغالِبِ يَشْتَرُونَ الشَّيْءَ الكَثِيرَ دُفْعَةً ثُمَّ يَبِيعُونَهُ مُتَفَرِّقًا في دُفُعاتٍ، وكَمْ قَدْ رَأيْنا مِنهم مَن يَشْتَرِي مِنَ الزِّراعِينَ مِقْدارًا كَثِيرًا مِنَ الحُبُوبِ مَثَلًا في يَوْمٍ واحِدٍ فَيَدَّخِرُهُ ثُمَّ يَبِيعُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا في أيّامٍ عَدِيدَةٍ، ولَمّا كانَتِ العادَةُ الغالِبَةُ أخْذَ الكَثِيرِ بِالكَيْلِ ذُكِرَ الِاكْتِيالُ فَقَطْ في صُورَةِ الِاسْتِيفاءِ، ولَمّا كانَ ما يَبِيعُونَهُ مُخْتَلِفًا كَثْرَةً وقِلَّةً ذُكِرَ الكَيْلُ والوَزْنُ في صُورَةِ الإعْطاءِ، أوْ لَمّا كانَ اخْتِيارُ ما بِهِ تَعْيِينُ المِقْدارِ مُفَوَّضًا إلى رَأْيِ مَن يَشْتَرِي مِنهم ذُكِرا مَعًا في تِلْكَ الصُّورَةِ إذْ مِنهم مَن يَخْتارُ الكَيْلَ ومِنهم مَن يَخْتارُ الوَزْنَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ العادَةِ الغالِبَةِ أخْذَ الكَثِيرِ في الكَيْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الإطْلاقِ، ولَعَلَّهُ في بَعْضِ المَواضِعِ دُونَ بَعْضٍ، وأهْلُ بَلَدِنا مَدِينَةِ السَّلامِ اليَوْمَ لا يَكْتالُونَ ولا يَكِيلُونَ أصْلًا، وإنَّما عادَتُهُمُ الوَزْنُ والِاتِّزانُ مُطْلَقًا وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَكِيلِ والمَوْزُونِ في الصُّورَتَيْنِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ سُوءِ مُعامَلَةِ المُطَفِّفِينَ في الأخْذِ والإعْطاءِ لا في خُصُوصِيَّةِ المَأْخُوذِ والمُعْطى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي ست وثلاثون آية مكية قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ يعني: الشدة من العذاب للذين ينقصون المكيال والميزان وإنما سمي الذي يخون في المكيال والميزان مطففاً لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء الخفيف الطفيف ثم بين أمرهم فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ يعني: استوفوا من الناس لأنفسهم وعلى بمعنى عن بمعنى إذا اكتالوا عن الناس يستوفون يتمون الكيل والوزن وَإِذا كالُوهُمْ يعني: إذا باعوا من غيرهم ينقصون الكيل أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ يعني: ينقصون الكيل وقال بعضهم كالوهم حرفان يعني: كالوا ثم قال: هم وكذلك وزنوا ثم قال: هم يخسرون وذكر عن حمزة الزيات أنه قال هكذا ومعناه هم إذا كالوا أو وزنوا ينقصون وكان الكسائي يجعلها حرفاً واحداً كالوهم أي: كالوا لهم وكذلك وزنوا لهم وقال أبو عبيدة وهذه هي القراءة لأنهم كتبوها في المصاحف بغير ألف ولو كان مقطوعاً لكتبوا كالواهم بالألف ثم قال عز وجل: أَلا يَظُنُّ يعني: ألا يعلم المطفف وألا يستيقن بالبعث قوله تعالى: أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يعني: يبعثون بعد الموت لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يوم القيامة هولها شديد يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني: في يوم يقوم الخلائق بين يدي الله تعالى وروى أبو هريرة-  - إن النبيّ  قال: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفَ يَوْمٍ يَعْنِي: خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَذَلِكَ الْمَقَامُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَتَوَلِّي الشَّمْسَ» وروى نافع عن ابن عمر عن النبي  قال: «يَقُومُ أَحَدُكُمْ ورشحه إلى أتصاف أُذُنَيْهِ» وقال ابن مسعود: إن الكافر ليلجم بعرقه حتى يقول أرحني ولو إلى النار ثم قال: كَلَّا يعني: لا يستيقنون البعث ثم استأنف، فقال: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ويقال: هذا موصول بكلا إن كتاب يعني حقاً إن كتاب الفجار لَفِي سِجِّينٍ يعني: أعمال الكفار لفي سجين قال مقاتل وقتادة: السجين الأرض السفلى، وقال الزجاج: السجين فعيل من السجن والمعنى: كتابهم في حبس جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وقال مجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السفلى فيجعل كتاب الفجار تحتها، وقال عكرمة: لَفِي سِجِّينٍ أي: لفي خسارة وقال الكلبي: السجين الصخرة التي عليها الأرضون وهي مسجونة فيها أعمال الكفار وأزواجهم فلا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ثم قال: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ ثم أخبر فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً ويقال: مكتوب مختوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يعني: شدة العذاب لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: شدة العذاب للمكذبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «المطفّفين»

وهي مكّيّة في قول جماعة وقال ابن عبّاس وغيره: هي مدنية، وعنه: نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الآية، المُطَفِّفُ الذي يُنْقِصُ الناسَ حُقُوقَهم، والتطفيفُ: النُّقْصَانُ، أصله من الشيء الطفيف، وهو النَّزْرُ، والمطفِّفُ إنما يأخذ بالميزان أو بالمكيال شيئا خفيفا، واكْتالُوا عَلَى النَّاسِ معناه قبضوا منهم، وكالُوهُمْ معناه:

قبّضوهم، ويُخْسِرُونَ معناه: ينقصون.

وقوله سبحانه: أَلا يَظُنُّ بمعنى: يَعْلَمُ ويتحقق، وقال- ص-: أَلا يَظُنُّ ذَكَر أبو البقاء أن «لا» هنا هي النافيةُ دَخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ، وليستْ «أَلاَ» التي للتنبيهِ والاستفتاح لأن مَا بَعْدَ «أَلاَ» التنبيهيَّةِ مُثْبَتٌ وهو هنا منفيٌّ، انتهى،، وقيامُ الناس لربِ العالمينَ يومئذٍ، يختلف الناسُ فيه بحَسْبِ منازِلهم، ورُوِيَ أنه يُخَفَّفُ عن المؤمنِ حتى يكونَ على قَدْرِ الصلاةِ المكتوبةِ، وفي هذا القيام هو إلجامُ العَرَقِ للناسِ كما صرَّح به النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديثِ الصحيحِ، والناسُ أيضاً فيه مختلفون بالتخفيفِ والتشديدِ، قال ابنُ المُبَارَك في «رقائِقه» : أَخبرنا سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ عن أبي عثمانَ النهدي عن سلمان، قال: تدنى الشمسُ من الناسِ يومَ القيامةِ حتى تكونَ من رُؤوسهم قَابَ قوسٍ أو قابَ قوسَينِ فتُعْطي حرَّ عَشْرَ سنين وليسَ على أحد يومئِذ طِحْرِبة ولا تُرَى فيه عورةُ مؤمِنٍ ولا مؤمنةٍ، ولا يَضّرُّ حرُّها يومئِذٍ مؤمناً ولا مؤمنَة، وأما الآخرون أو قال الكفارُ فَتَطْبُخُهُمْ، فإنما تقولُ أجوافُهم غَقْ غَقْ، قال نعيم: الطحربةُ: الخِرْقة/ انتهى،، ونحوُ هذا للمحاسبي قال في «كتاب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ وَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ قالا: فِيها ثَمانِي آياتٍ مَكِّيَّةٌ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا  ﴾ إلى آخِرِها.

وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ، والمَدِينَةِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ، وذَكَرَ هِبَةُ اللَّهِ ابْنُ سَلامَةَ المُفَسِّرُ: أنَّها نَزَلَتْ في الهِجْرَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، نِصْفُها يُقارِبُ مَكَّةَ، ونِصْفُها يُقارِبُ المَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ.» وقالَ السُّدِّيُّ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  المَدِينَةَ، وبِها رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: أبُو جُهَيْنَةَ، ومَعَهُ صاعانِ، يَكِيلُ بِأحَدِهِما، ويَكْتالُ بِالآخَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " الوَيْلِ " في [البَقَرَةِ: ٧٩] .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُطَفِّفُ: الَّذِي لا يُوَفِّي الكَيْلَ، يُقالُ: إناءٌ طَفّانٌ: إذا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوءًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ: مُطَفِّفٌ، لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْرِقُ في المِيزانِ والمِكْيالِ إلّا الشَّيْءَ الطَّفِيفَ، وإنَّما أُخِذَ مِن طَفِّ الشَّيْءِ، وهو جانِبُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ.

فَـ " عَلى " بِمَعْنى " مِن " في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ.

قالَ الفَرّاءُ: " عَلى "، و " مِن " يَعْتَقِبانِ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ [كَيْلا]، وإذا قُلْتَ: اكْتَلْتُ مِنكَ، فَهو كَقَوْلِكَ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ [كَيْلًا] .

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا عَلَيْهِمُ الكَيْلَ، وكَذَلِكَ إذا اتَّزَنُوا، ولَمْ يَذْكُرْ " إذا اتَّزَنُوا " لِأنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فِيما يُكالُ ويُوزَنُ، فَأحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ ﴿ وَإذا كالُوهُمْ ﴾ أيْ: كالُوا لَهم ﴿ أوْ وزَنُوهُمْ ﴾ أيْ: وزَنُوا لَهم.

﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ أيْ: يُنْقِصُونَ في الكَيْلِ، والوَزْنِ.

فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلى " كالُوا "، ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ " هم " تَوْكِيدًا لِما كالُوا، ويَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلى " كالُوا " والِاخْتِيارُ الأوَّلُ.

قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ: إذا صَدَرَ النّاسُ أتَيْنا التّاجِرَ، فَيَكِيلُنا المُدَّ والمُدَّيْنِ إلى المَوْسِمِ المُقْبِلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ ظَنُّوا أنَّهم يُبْعَثُونَ ما نَقَصُوا في الكَيْلِ والوَزْنِ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَبْعُوثُونَ ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: والظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ.

ومَعْنى: يَقُومُ النّاسُ، أيْ: مِن قُبُورِهِمْ ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ: لِأمْرِهِ، أوْ لِجَزائِهِ وحِسابِهِ.

وقِيلَ: يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِفَصْلِ القَضاءِ.

وفي " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ: " يَقُومُ أحَدُهم في رَشْحِهِ إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ "» .

وقالَ كَعْبٌ: يَقِفُونَ ثَلاثَمِائَةِ عامٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُطَفِّفِينَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا لِذِكْرِ الأساطِيرِ، وهَذا عَلى أنَّ هَذا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والوَزْنِ كانَ بِمَكَّةَ حَسَبَ ما هو في كُلِّ أُمَّةٍ، لا سِيَّما مَعَ كُفْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُمْ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، قالَ السُدِّيُّ: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ، لَهُ مِكْيالانِ، يَأْخُذُ بِالأوفى ويُعْطِي بِالأنْقَصِ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ، ويُقالُ: إنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما رُوِيَ عنهُ-: نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ، ونَزَلَ أمْرُ التَطْفِيفِ بِالمَدِينَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ الناسِ فَسادًا في هَذا المَعْنى، فَأصْلَحَهُمُ اللهُ تَعالى.

بِهَذِهِ السُورَةِ، وقالَ آخَرُونَ: نَزَلَتِ السُورَةُ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وذَلِكَ لِيُصْلِحَ اللهُ تَعالى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمْرُ الكَيْلِ والوَزْنِ وكِيدٌ جِدًّا، وتَصَرُّفُهُ في المُدُنِ ضَرُورِيٌّ في الأمْوالِ الَّتِي هي حَرامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، والإفْسادُ فِيهِ كَبِيرَة لا تَنْفَعُ فِيها دافِعٌ إلّا التَوْبَةُ، ولا يَخْلُصُ إلّا رَدُّ المَظْلَمَةِ إلى صاحِبِها.

قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: احْتَضَرَ جارٌ لِي، فَجَعَلَ يَقُولُ: جَبَلانِ مِن نارٍ، فَقُلْتُ لَهُ: ما هَذا؟

فَقالَ: يا أبا يَحْيى، كانَ لِي مِكْيالانِ، آخُذُ بِالوافِي وأُعْطِي بِالناقِصِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أشْهَدُ عَلى كُلِّ كَيّالٍ أو وزّانٍ أنَّهُ في النارِ، وقالَ بَعْضُ العَرَبِ: لا تَلْتَمِسُوا المُرُوءَةَ مِمَّنْ مُرُوءَتُهُ في رُؤُوسِ المَكايِيلِ وألْسِنَةِ المَوازِينِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى الناسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ ﴿ وَإذا كالُوهم أو وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى "وَيْلٌ" مَعْناهُ: الثُبُورُ والحُزْنُ والشَقاءُ الأدْوَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّ وادِيًا في جَهَنَّمَ يُسَمّى "وَيْلًا"، ورُفِعَ "وَيْلٌ" عَلى الِابْتِداءِ، ورُفِعَ عَلى مَعْنى: ثَبَتَ لَهم واسْتَقَرَّ، وما كانَ في حَيِّزِ الدُعاءِ والتَرَقُّبِ فَهو مَنصُوبٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: رَعْيًا وسَقْيًا.

و"المُطَفِّفُ": الَّذِي يَنْقُصُ الناسَ حُقُوقَهُمْ، والتَطْفِيفُ: النُقْصانُ، أصْلُهُ مِنَ الشَيْءِ الطَفِيفُ وهو النَزْرُ، والمُطَفِّفُ إنَّما يَأْخُذُ بِالمِيزانِ شَيْئًا طَفِيفًا.

وقالَ سَلْمانُ: الصَلاةُ مِكْيالٌ، فَمَن أوفى وفِيَ لَهُ، ومَن طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما قالَ اللهُ تَعالى في المُطَفِّفِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَدْخُلُ التَطْفِيفُ في كُلِّ عَمَلِ قَوْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: طَفَّفَتْ مَعْناهُ: نَقَصَتِ الأجْرَ والعَمَلَ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وفاءٌ وتَطْفِيفٌ، فَجاءَ بِالنَقِيضَيْنِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ التَطْفِيفَ هو تَجاوُزُ الحَدِّ في وفاءٍ أو نُقْصانٍ، والمَعْنى والقَرائِنُ بِحَسَبِ قَوْلٍ قَوْلٍ تَبَيَّنُ المُرادَ، وهَذا عِنْدِي حَدٌّ صَحِيحٌ، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى أنَّ التَطْفِيفَ ها هُنا إنَّما أرادَ بِهِ أمْرَ الوَزْنِ والكَيْلِ.

"واكْتالُوا عَلى الناسِ" مَعْناهُ: قَبَضُوا مِنهُمْ، و"كالُوهُمْ" مَعْناهُ: أقْبَضُوهُمْ، يُقالُ: كِلْتُ مِنكَ واكْتَلْتُ عَلَيْكَ، ويُقالُ: كِلْتُكَ وكِلْتُ لَكَ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللامُ تَعَدّى الفِعْلُ، قالَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ∗∗∗ ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَناتِ الأوبَرِ وعَلى هَذا المَعْنى هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وكانَ عِيسى بْنُ عُمَرَ يَجْعَلُها حَرْفَيْنِ، ويَقِفُ عَلى "كالُوا" "أو وزَنُوا" ويَبْتَدِئُ "هم يَخْسَرُونَ"، أيْ: إذا كالُوا أو وزَنُوا، وَرَوَيْتُ عن حَمْزَةَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "هُمْ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ.

وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ عَلى البائِعِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالجَلِيِّ، وصَدْرُ الآيَةِ هو في المُشْتَرِينَ، قَدَّمَهم بِأنَّهم يَسْتَوْفُونَ ويُشاحُّونَ في ذَلِكَ، إذْ لا تُمْكِنُهُمُ الزِيادَةُ عَلى الِاسْتِيفاءِ لِأنَّ البائِعَ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، فَهَذا مَبْلَغُ قُدْرَتِهِمْ في تَرْكِ الفَضِيلَةِ والسَماحَةِ المَندُوبِ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم إذا باعُوا أمْكَنَهم مِنَ الظُلْمِ والتَطْفِيفِ أنْ يَخْسَرُوا لِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكَيْلَ لِلْمُشْتَرِي مِنهم وذَلِكَ هم بِحالَةِ مَن يَخْسَرُ البائِعُ إنْ قَدَرَ.

و"يَخْسَرُونَ" تَعَدّى بِالهَمْزَةِ يُقالُ: خَسِرَ الرَجُلُ وأخْسَرُ غَيْرَهُ، والمَفْعُولُ بـ "كالُوا" مَحْذُوفٌ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ القِيامَةِ وذَكَّرَهم بِها، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قَوْمٍ مِن مُؤْمِنِينَ، وأُرِيدَ بِها -مَعَ ذَلِكَ- مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ويَظُنُّ هُنا بِمَعْنى يَتَحَقَّقُ ويَعْلَمُ.

و"اليَوْمُ العَظِيمُ" يَوْمُ القِيامَةِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ عَمِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، "تَبْعَثُونَ" ونَحْوُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: هو بَدَلٌ مِن "يَوْمٍ عَظِيمٍ" لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ، ويَأْبى ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مُعْرَبٍ.

و"قامَ الناسُ فِيهِ لِرَبِّ العالَمِينَ" يَخْتَلِفُ الناسُ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ، فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ يُقامُ فِيهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ،» وهَذا بِتَقْدِيرِ شِدَّتِهِ، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أرْبَعُونَ سَنَةً رافِعِي رُؤُوسِهِمْ إلى السَماءِ لا يُؤْمَرُونَ ولا يُكَلَّمُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ومِن هَذا كُلِّهِ آثارٌ مَرْوِيَّةٌ، ومَعْناها إنَّ كُلَّ مُدَّةٍ لِقَوْمٍ ما تَقْتَضِي حالَهم وشَدَّةَ أمْرِهِمْ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ القِيامَ فِيهِ عَلى المُؤْمِنِ هو عَلى ما بَيْنَ الظُهْرِ إلى العَصْرِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ عَلى قَدْرِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وفي هَذا القِيامِ هو إلْجامُ العَرَقِ لِلنّاسِ، وهو أيْضًا مُخْتَلَفٌ، فَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ يُلْجِمُ الكافِرَ إلْجامًا، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الناسِ يَكُونُ فِيهِ إلى أنْصافِ ساقَيْهِ، وبَعْضُهم إلى فَوْقٍ، وبَعْضُهم إلى أسْفَلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح السورة باسم الويل مؤذن بأنها تشتمل على وعيد فلفظ ﴿ ويل ﴾ من براعة الاستهلال، ومثله قوله تعالى: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ [المسد: 1].

وقد أخذ أبو بكر بن الخازن من عكسه قوله في طالع قصيدة بتهنئته بمولود: بُشرى فقد أنجز الإِقبال ما وعدا *** والتطفيف: النقص عن حق المقدار في الموزون أو المكيل، وهو مصدر طفف إذ بلغ الطُفافة.

والطُفافَ (بضم الطاء وتخفيف الفاء) مَا قصر عن ملء الإِناء من شراب أو طعام، ويقال: الطَفّ بفتح الطاء دون هاء تأنيث، وتطلق هذه الثلاثة على ما تجاوز حَرف المِكيال مما يُملأ به وإنما يكون شيئاً قليلاً زائداً على ما ملأ الإِناء، فمن ثَمّ سميت طفافة، أي قليل زيادة.

ولا نعرف له فعلاً مجرداً إذ لم ينقل إلا بصيغة التفعيل، وفعله: طفّف، كأنهم راعَوا في صيغة التفعيل معنى التكلف والمحاولة لأن المُطفف يحاول أن ينقص الكيل دون أن يشعر به المُكتال، ويقابله الوفاء.

و ﴿ ويل ﴾ كلمة دعاء بسوء الحال، وهو في القرآن وعيد بالعقاب وتقريع، والويل: اسم وليس بمصدر لعدم وجود فعل له، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ في سورة البقرة (79).

وهو من عمل المتصدين للتجر يغتنمون حاجة الناس إلى الابتياع منهم وإلى البيع لهم لأن التجار هم أصحاب رؤوس الأموال وبيدهم المكاييل والموازين، وكان أهل مكة تجاراً، وكان في يثرب تجار أيضاً وفيهم اليهود مثلُ أبي رافع، وكعب بن الأشرف تاجريْ أهل الحجاز وكانت تجارتهم في التمر والحبوب.

وكان أهل مكة يتعاملون بالوزن لأنهم يتجرون في أصناف السلع ويزنون الذهب والفضة وأهل يثرب يتعاملون بالكيل.

والآية تؤذن بأن التطفيف كان متفشياً في المدينة في أول مدة الهجرة واختلاط المسلمين بالمنافقين يُسبب ذلك.

واجتمعت كلمة المفسرين على أن أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كيلاً فقال جماعة من المفسرين: إن هذه الآية نزلت فيهم فأحسنوا الكيل بعد ذلك.

رواه ابن ماجه عن ابن عباس.

وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنى أبا جُهينة واسمه عمرو كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر.

فجملة الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } إدماج، مسوقة لكشف عادة ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه، والمقصود الجملة المعطوفة عليها وهي جملة: ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ﴾ فهم مذمومون بمجموع ضمن الجملتين.

والاكتيال: افتعال من الكيل، وهو يستعمل في تسلم ما يُكال على طريقة استعمال أفعال: ابتاع، وارتهن، واشتَرى، في معنى أخذ المبيع وأخذ الشيء المرهون وأخذ السلعة المشتراة، فهو مطاوع كال، كما أن ابتاع مطاوع باع، وارتهن مطاوع رهن، واشترى مطاوع شرى، قال تعالى: ﴿ فأرسل معنا أخانا نكتل ﴾ [يوسف: 63] أي نأخذ طعاماً مكيلاً، ثم تنوسي منه معنى المطاوعة.

وحق فعل اكتال أن يتعدى إلى مفعول واحد هو المكيل، فيقال: اكتال فلان طعاماً مثل ابتاع، ويعدى إلى ما زاد على المفعول بحرف الجر مثل (من) الابتدائية فيقال: اكتال طعاماً من فلان، وإنما عدي في الآية بحرف ﴿ على ﴾ لتضمين ﴿ اكتالوا ﴾ معنى التحامل، أي إلقاء المشقة على الغير وظِلمه، ذلك أن شأن التاجر وخُلقه أن يتطلب توفير الربح وأنه مظنة السعة ووجود المال بيده فهو يستعمل حاجة من يأتيه بالسلعة، وعن الفراء (مِن) و(على) يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه فإذا قال: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك فكقوله: استوفيت منك.

فمعنى: ﴿ اكتالوا على الناس ﴾ اشتروا من الناس ما يباع بالكيل، فحذف المفعول لأنه معلوم في فعل ﴿ اكتالوا ﴾ أي اكتالوا مكيلاً، ومعنى كَالُوهم باعوا للناس مكيلاً فحذف المفعول لأنه معلوم.

فالواوان من ﴿ كالوهم أو وزنوهم ﴾ عائدان إلى اسم الموصول والضميران المنفصلان عائدان إلى الناس.

وتعدية «كالوا»، و«وزنوا» إلى الضميرين على حذف لام الجر.

وأصله كَالُوا لهم ووزنوا لهم، كما حذفت اللام في قوله تعالى في سورة البقرة (233) ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ﴾ أي تسترضعوا لأولادكم، وقولهم في المثل الحريصُ يصيدك لا الجوادُ أي الحريص يصيد لك.

وهو حذف كثير مثل قولهم: نصحتك وشكرتك، أصلهما نصحت لك وشكرت لك، لأن فعل كال وفعل وزن لا يتعديان بأنفسهما إلا إلى الشيء المكيل أو الموزون يقال: كال له طعاماً ووزن له فضة، ولكثرة دورانه على اللسان خففوه فقالوا: كاله ووزنه طعاماً على الحذف والإِيصال.

قال الفراء: هو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس يقولون: يكيلنا، يعني ويقولون أيضاً: كالَ له ووزن له.

وهو يريد أن غير أهل الحجاز وقيس لا يقولون: كال له ووزن له، ولا يقولون إلاّ: كاله ووزنه، فيكون فعل كال عندهم مثل باع.

والاقتصار على قوله: إذا اكتالوا } دون أن يقول: وإذا اتَّزنوا كما قال: ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ اكتفاء بذكر الوزن في الثاني تجنباً لفعل: «اتزنوا» لقلة دورانه في الكلام فكان فيه شيء من الثقل.

ولنكتة أخرى وهي أن المطففين هم أهل التجر وهم يأخذون السلع من الجالبين في الغالب بالكيل لأن الجالبين يجلبون التمر والحنطة ونحوهما مما يكال ويدفعون لهم الأثمان عيناً بما يوزن من ذهب أو فضة مسكوكين أو غيرَ مسكوكين، فلذلك اقتُصر في ابتياعهم من الجالبين على الاكتيال نظراً إلى الغالب، وذكر في بيعهم للمبتاعين الكيل والوزن لأنهم يبيعون الأشياء كيلاً ويقبضون الأثمان وزناً.

وفي هذا إشارة إلى أن التطفيف من عمل تجارهم.

و ﴿ يستوفون ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ والاستيفاء أخذ الشيء وافياً، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الفعل مثل: استجاب.

ومعنى ﴿ يخسرون ﴾ يوقعون الذين كالوا لهم أو وزنوا لهم في الخسارة، والخسارة النقص من المال من التبايع.

وهذه الآية تحذير للمسلمين من التساهل في التطفيف إذ وجوده فاشياً في المدينة في أول هجرتهم وذم للمشركين من أهل المدينة وأهل مكة.

وحسبهم أن التطفيف يجمع ظلماً واختلاساً ولؤماً، والعرب كانوا يتعيرون بكل واحد من هذه الخلال متفرّقة ويتبرؤون منها، ثم يأتونها مجتمعة، وناهيك بذلك أفناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ ﴿ وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، إلى أنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ، قالَ الفَرّاءُ: فَهم مِن أوْفى النّاسِ كَيْلًا إلى يَوْمِهِمْ هَذا.

أعْمَضَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ فَحَمَلَهُ عَلى اسْتِيفاءِ العِبادَةِ بَيْنَ النّاسِ جَهْرًا، وفي النُّقْصانِ سِرًّا.

وَفِي (وَيْلٌ) سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.

الثّانِي: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النّارُ، قالَهُ عُمَرُ مَوْلى عَفْرَةَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الهَلاكُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.

الخامِسُ: أنَّهُ أشَقُّ العَذابِ.

السّادِسُ: أنَّهُ النِّداءُ بِالخَسارِ والهَلاكِ، وقَدْ تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في الحَرْبِ والسَّلْبِ.

السّابِعُ: أنَّ أصْلَهُ ويْ لِفُلانٍ، أيِ الجَوْرُ لِفُلانٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُ الحَرْفَيْنِ فَوُصِلا بِلامِ الإضافَةِ.

والمُطَفِّفُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الطَّفِيفِ وهو القَلِيلُ، والمُطَفِّفُ هو المُقَلِّلُ حَقَّ صاحِبِهِ بِنُقْصانِهِ عَنِ الحَقِّ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: بَلْ مَأْخُوذٌ مِن طَفِّ الشَّيْءِ وهي جِهَتُهُ.

﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ أيْ مِنَ النّاسِ، ويُرِيدُ بِالِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةَ عَلى ما اسْتَحَقَّ.

﴿ وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ يَعْنِي كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم بِحَذْفِ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْها، ﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ ، يُنْقِصُونَ فَكانَ المُطَفِّفُ يَأْخُذُ زائِدًا ويُعْطِي ناقِصًا.

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَوْمَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى لِلْقَضاءِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ الرِّشْكِ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «قالَ النَّبِيُّ  لِبَشِيرِ الغِفارِيِّ: (كَيْفَ أنْتَ صانِعٌ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ فِيهِ مِقْدارَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ لِرَبِّ العالَمِينَ، لا يَأْتِيهِمْ فِيهِ خَبَرٌ ولا يُؤْمَرُ فِيهِ بِأمْرٍ)، قالَ بَشِيرٌ: المُسْتَعانُ اللَّهُ» .

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ يَقُومُ لِرَبِّ العالَمِينَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: يَقُومُونَ لِرَبِّ العالَمِينَ في الآخِرَةِ بِحُقُوقِ عِبادِهِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أول ما نزل بالمدينة ﴿ ويل للمطففين ﴾ .

وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله: ﴿ ويل للمطففين ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك.

وأخرج ابن سعد والبزار والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل سباع بن عرفطة على المدينة لما خرج إلى خيبر فقرأ ﴿ ويل للمطففين ﴾ فقلت: هلك فلان له صاع يعطي به وصاع يأخذ به.

وأخرج الحاكم عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ ويل للمطففين ﴾ فبكى وقال: هو الرجل يستأجر الرجل أو الكيال وهو يعلم أنه يخيف في كيله فوزره عليه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سلمان قال: إنما الصلاة مكيال فمن أوفى أوفي له، ومن طفف فقد سمعتم ما قال الله في المطففين.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه قال: تركك المكافأة تطفيف.

قال الله: ﴿ ويل للمطففين ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ .

أخرج مالك وهناد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» .

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ قال: كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم» .

وأخرج عن ابن مسعود إذا حشر الناس قاموا أربعين عاماً.

وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن أبي بزة قال: حدثني من سمع أن عمر قرأ ﴿ ويل للمطففين ﴾ حتى بلغ ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك اليوم على المؤمن كتدلي الشمس من الغروب حتى تغرب.

وأخرج الطبراني عن ابن عمرو أنه قال: «يا رسول الله: كم قيام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة؟

قال: ألف سنة لا يؤذن لهم» .

وأخرج ابن المنذر عن كعب في الآية قال: يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم بالقعود، فأما المؤمن فيهون عليه كالصلاة المكتوبة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: يقومون مقدار ثلاثمائة سنة، ويخفف الله ذلك اليوم ويقصره على المؤمن كمقدار نصف يوم أو كصلاة مكتوبة.

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة يقوم الناس على أقدامهم يوم القيامة ثلاثمائة سنة، ويهون ذلك اليوم على المؤمن كقدر الصلاة المكتوبة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا لا يأتيهم خبر من السماء، ولا يؤمر فيهم بأمر؟

قال بشير: المستعان بالله يا رسول الله.

قال: إذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من شر يوم القيامة ومن شر الحساب» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقعد يقال له بشير ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فرآه شاحباً فقال: ما غير لونك يا بشير؟

قال: اشتريت بعيراً فشرد عليّ فكنت في طلبه، ولم أشترط فيه شرطاً.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن البعير الشرود يرد منه إنما غير لونك غير هذا.

قال: لا.

قال: فكيف بيوم يكون مقداره خمسين ألف سنة ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ » .

أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر بن عطية أن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار عن قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فيهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى السجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم ويوضع تحت خد إبليس لهلاكه للحساب، فذلك قوله تعالى: ﴿ وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ﴾ وقوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ قال: إن روح المؤمن إذا عرج بها إلى السماء فتنفتح لها أبواب السماء، وتلقاه الملائكة بالبشرى حتى ينتهي بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة للحساب يوم القيامة، ويشهد الملائكة المقربون، فذلك قوله: ﴿ وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في الآية قال: قد رقم الله على الفجار ما هم عاملون في سجين، فهو أسفل، والفجار منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم، ورقم على الأبرار ما هم عاملون في عليين، وهم فوق فهم منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سجين أسفل الأرضين.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: عملهم في الأرض السابعة لا يصعد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: تحت الأرض السفلى فيها أرواح الكفار، وأعمالهم أعمال السوء.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والمحاملي في أماليه عن مجاهد رضي الله عنه قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة في جهنم تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: تحت الأرض السفلى.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن قتادة ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: هو أسفل الأرض السابعة ﴿ كتاب مرقوم ﴾ قال: مكتوب.

قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله بن عمر كان يقول: الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سجين الأرض السابعة السفلى» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو قال: الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء.

وأخرج ابن المبارك عن ابن جريج قال: بلغني أن ﴿ سجين ﴾ الأرض السلفى، وفي قوله: ﴿ مرقوم ﴾ قال: مكتوب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كتاب مرقوم ﴾ قال: رقم لهم بشر.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ لفي سجين ﴾ قال: لفي خسار.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملك يرفع العمل للعبد يرى أن في يديه منه سروراً حتى ينتهي إلى الميقات الذي وصفه الله له، فيضع العمل فيه فيناديه الجبار من فوقه إرم بما معك في ﴿ سجين ﴾ وسجين الأرض السابعة.

فيقول الملك: ما رفعت إليه إلا حقاً فيقول: صدقت إرم بما معك في سجين.

وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت: إن لقيت ابني فاقرئه مني السلام فقال لها: غفر الله لك يا أم بشر نحن أسفل من ذلك، فقالت: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين؟

قال: بلى فهو ذلك» .

وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني بما صنع ربك بك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك.

فقال عبد الله: كيف يكون هذا؟

قال: نعم، إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ونفس الكافر في سجين والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ أي كَالُوا لهم أو وَزنوا لهم تقول: كلتني الطعام، كِلْتُك الطعام، تريد كِلتَ لي، وكلت لك (١) (٢) وأنشد (أبو عبيدة) (٣) يصيد قاصدًا والمخُّ رَارُ (٤) وقال الكسائي يقول: زني كذا، كلني كذا.

كالوهم يكيلونهم (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) قوله: ﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ أي ينقصون كقوله: ﴿ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ وقد مر (١٢) قال المفسرون (١٣) (١) قال بذلك ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 519، و"تأويل مشكل القرآن" 228، وهو أيضًا معنى قول الفراء في "معانى القرآن" 3/ 245 - 246.

(٢) "معاني القرآن" 3/ 245 - 246 (٣) ساقط من (أ).

(٤) نسبه أبو عبيدة إلى خفاف، ونسبه المبرد إلى السليك قاله في رثاء فرسه وكان يقال له النَّخَّام.

وقد ورد في "مجاز القرآن" 2/ 289، برواية "قافلًا" بدلًا من "قاصدًا".

والبيت كاملًا: ويُحْضِرُ فوق جُهْدِ الحُضْرِ نَصًّا ...

يصيدكَ قافلًا والمخُّ رَارُ= وقد ورد في "الكامل" 2/ 970، "مجاز القرآن" 2/ 289، ولم أعثر عليه في ديوان خفاف.

(٥) في (أ): يكيلوهم.

(٦) ورد معنى قوله في "بحر العلوم" 3/ 456، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 255، ومعنى قوله: أنه يجعل قوله: "وإذا كالوهم أو وزنوهم" حرفًا واحداً كالوهم أي كالوا لهم، وكذلك وزنوا لهم.

"بحر العلوم" المرجع السابق.

(٧) أي الهاء في "كالوهم" و"وزنوهم".

(٨) "معاني القرآن" 3/ 245 - 246.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 297.

(١٠) وإلى هذا ذهب: الطبري: "جامع البيان" 30/ 91، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 226، والزمخشري في "الكشاف" 4/ 194، والأخفش في "معاني القرآن" 2/ 734 وإليه ذهب أبو عمرو بن العلاء، وهو مذهب أيضا سيبويه.

"إعراب القرآن" للنحاس: 5/ 174.

قال الزمخشري: ولا يصح أن يكون ضميرًا مرفوعًا للمطففين، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا وهو كلام، متنافر، لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر.

"الكشاف" 4/ 194.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 297.

(١٢) ومما جاء في تفسير قوله: ﴿ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ الرحمن: 9، قال ابن عباس، والمفسرون: لا تنقصوا ولا تبخسوا وهذا كقوله تعالى ذكره: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ أي ينقصون وروى أهل اللغة أخسرت الميزان وخسرته.

(١٣) والعبارة التي وردت عن بعض المفسرين في معنى يخسرون أي ينقصون، قال بذلك ابن قتية في: "تفسير غريب القرآن": 519، والطبري في "جامع البيان" 30/ 91، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 456.

وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 458، "زاد المسير" 8/ 200، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 250، "لباب التأويل" 4/ 359، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 516.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ التطفيف في اللغة هو البخس والنقص وفسره بذلك الزمخشري واختاره ابن عطية، وقيل: هو تجاوز الحد في زيادة أو نقصان واختاره ابن الفرس، وهو الأظهر لأن المراد به هنا بخس حقوق الناس في المكيال والميزان، بأن يزيد الإنسان على حقه أو ينقص من حق غيره، وسبب نزول السورة أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فالسورة على هذا مدنية، وقيل مكية لذكر أساطير الأولين، وقيل: نزل بعضها بمكة.

ونزل أمر التطفيف بالمدينة؛ إذ كانوا أشد الناس فساداً في هذا المعنى فأصلحهم الله بهذه السورة ﴿ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ ﴾ معنى اكتالوا على الناس قبضوا منهم بالكيل فعلى بمعنى من وإنما أبدلت منها لما تضمن الكلام من معنى التحامل عليهم، ويجوز أن يتعلق على الناس بيستوفون وقدم المفعول لإفادة التخصيص ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ معنى يخسرون ينقصون حقوق الناس وهو من الخسارة، يقال: خسر الرجل وأخسره غيره إذا جعله يخسر، وكالوهم معناه: كالوا لهم ﴿ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ معناه وزنوا لهم، ثم حذف حرف الجرّ فانتصب المفعول لأن هذين الفعلين يتعدى كل واحد منهما تارة بنفسه وتارة بحرف الجرّ يقال: كلتك وكلت لك ووزنتك ووزنت لك بمعنى واحد.

وحذف المفعول الثاني، وهو المكيل والموزون، والواو التي هي ضمير الفاعل للمطففين والهاء الذي هي ضمير المفعول للناس.

فالمعنى إذا كالوا أو وزنوا لهم طعاماً أو غيره مما يكال أو يوزن يخسرونهم حقوقهم، وقيل: إن (هم) في كالوهم أو وزنوهم تأكيد للضمير الفاعل، ورُوي عن حمزة أنه كان يقف على كالوا ووزنوا ثم يبتدئ (هم) ليبين هذا المعنى، وهو ضعيف من وجهين، أحدهما: أنه لم يثبت في المصحف ألف بعد الواو في كالوا ووزنوا فدلّ ذلك على أن هم ضمير المفعول.

والآخر أن المعنى على هذا أن المطففين إذا تولوا الكيل أو الوزن نقصوا، وليس ذلك بمقصود لأن الكلام واقع في الفعل لا في المباشر، ألا ترى أن اكتالوا على الناس معناه: قبضوا منهم وكالوهم أو وزنوهم معناه: دفعوا لهم.

فقابل القبض بالدفع.

وأما على هذا الوجه الضعيف فهو خروج عن المقصود، قال ابن عطية: ظاهر الآية أن الكيل والوزن على البائعين وليس ذلك بالجلي.

قال: صدر الآية في المشترين، فهم الذين يستوفون أو يشاحُّون ويطلبون الزيادة، وقوله: وإذ كالوهم أو وزنوهم في البائعين فهم الذين يُخْسِرون المشتري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بل ران ﴾ حفص يقف على ﴿ بل ﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل.

وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ ران ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿ تعرف ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ نضرة ﴾ بالرفع: يزيد ويعقوب ﴿ خاتمه ﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: عليّ.

﴿ أهلهم ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما.

الباقون: بضم ميم الجمع فقط ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد وحفص ﴿ هل ثوب الكفار ﴾ بالإدغام: حمزة وعلى وهشام.

الوقوف ﴿ للمطففين ﴾ ه لا ﴿ يستوفون ﴾ ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ يخسرون ﴾ ه للاستفهام ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة ﴿ لرب العالمين ﴾ ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة ﴿ سجين ﴾ ه ط ﴿ ما سجين ﴾ ه ط للحذف أي هو كتاب ﴿ مرقوم ﴾ ه ط لأن ﴿ ويل ﴾ مبتدأ ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ط للابتداء بالنفي ﴿ أثيم ﴾ ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له ﴿ الأوّلين ﴾ ه والوقف لما ذكر ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لمحجوبون ﴾ ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ الجحيم ﴾ ه ك لاختلاف الجملتين ﴿ تكذبون ﴾ ه ك ﴿ عليين ﴾ ه ك ﴿ عليون ﴾ ه ك ﴿ مرقوم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ نعيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال أو صفة ﴿ ينظرون ﴾ ه لا لذلك ﴿ النعيم ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً ﴿ مختوم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ مسك ﴾ ط ﴿ المتنافسون ﴾ ه ط ﴿ تسنيم ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ عيناً ﴾ حال كما قال الزجاج.

فإن أريد النص على المدح جاز الوقف ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ يضحكون ﴾ ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى ﴿ يتغامزون ﴾ ه ك لذلك ﴿ فكهين ﴾ ه ك ﴿ لضالون ﴾ ه لا لأن المنفية حال ﴿ حافظين ﴾ ه ط لتبدل الكلام معنى ﴿ يضحكون ﴾ ه لا ﴿ ينظرون ﴾ ه ط ﴿ يفعلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف.

والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء.

وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

روي أن رسول الله  قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.

قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم.

وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله  فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس.

قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟

قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" " وعن علي  مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.

كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.

والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن.

قال الفراء: " من" و " على " يعتقبان في هذا الموضع.

فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك.

وقال أهل البيان: وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر.

وجوز أن يتعلق الجار بـ ﴿ يستوفون ﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.

والضمير في ﴿ كالوهم أو وزنوهم ﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل.

قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.

وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا.

وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط.

وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر.

قلت: النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاح لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال  ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا" وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى.

وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة.

والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد.

وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.

وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف.

والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً.

ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ ألا يظن ﴾ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي.

والمراد هب أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنون أيضاً كقوله ﴿ إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين  ﴾ وفي الإشارة إليهمبـ ﴿ أولئك ﴾ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية.

وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم.

ففيه تعظيم شأن المقسم عليه.

عن النبي  " يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر " قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة.

وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟

وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم.

وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله ﴿ وقوموا لله قانتين  ﴾ ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله.

وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور.

وسجين " فعيل" من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علماً لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية ﴿ كتاب مرقوم ﴾ ليس تفسيراً للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم.

وموقع قوله ﴿ وما أدراك ما سجين ﴾ اعتراض تعظيماً لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كان العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.

وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان.

ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعاً أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته.

وعن أبي هريرة مرفوعاً أنه جب في جهنم.

وقال الكلبي: صخرة تحت الأرض السابعة.

والتحقيق أنه  أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيماً لحالهم.

ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله ﴿ الذين يكذبون ﴾ للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله  فهو كقولك " فعل فلان الفاسق الخبيث ".

وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به.

ثم بالغ في الذم بقوله ﴿ وما يكذب به إلاّ كلٌّ معتد أثيم ﴾ متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالاً وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره.

أثيم في إعمال القوى البدينة في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضاً.

ثم أضرب عن أن يكون لهم اختبار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها.

قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين ريناً وريوناً إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب.

قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم.

والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا جاء في الحديث " إنه ليغان على قلبي " وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها.

ثم قال ﴿ كلا ﴾ حقاً وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته.

قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم.

وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته.

وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين.

ثم أخبر بقوله ﴿ ثم إنهم لصالوا الجحيم ﴾ أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون عن حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ﴿ ثم يقال ﴾ في معرض التوبيخ ﴿ هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ جمعاً بين عذاب الوجل وعذاب الخجل.

ثم شرع في قصة الأبرار.

وعليون جمع " عليّ " " فعيل " من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفرداً كقنسرين من حيث إنه جعل علماً لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع من السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون.

وقال مقاتل: هو في ساق العرش.

وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش.

وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار.

ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم.

قال  " "يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا " وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك.

وقال بعضهم: ينظرون إلى الله  بدليل قوله ﴿ تعرف ﴾ يا من له أهل العرفان ﴿ في وجوههم نضرة ﴾ وقوله في موضع آخر ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالاً تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار.

والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها ﴿ مختوم ﴾ أوانيه ﴿ ختامه ﴾ أي ما يختم به ﴿ مسك ﴾ مكان الطينة أو الشمعة.

وإنما ختم تكريماً وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة.

وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب.

وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة.

قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين.

والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه.

عن أبي الدرداء مرفوعاً: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة.

قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم.

ثم رغب في العمل الموجب لهذا الكرامة قائلاً ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.

قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية.

والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل.

وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض.

والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين.

فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجاً لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق.

ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه ﴿ فاليوم ﴾ قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبال وغيرهم من فقراء المؤمنين.

وقيل: جاء علي بن أبي طالب  في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي  .

والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث.

ومعنى ﴿ فكهين ﴾ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم.

قوله ﴿ وما أرسلوا ﴾ حال معترضة إنكاراً من الله عليهم وتهكماً بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم.

وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام.

قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا.

يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها.

فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك.

ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية.

قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين.

ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً  ﴾

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ : وجه تعييرهم بالتطفيف وإلحاق الوعيد بهم؛ لمكانه وإن كانوا مستوجبين للوعيد، وإن أفوا المكيال، ولم يطففوا فيه؛ إذ كانوا جاحدين بالله  ومكذبين بالبعث -: وهوأن الكفرة لم يكونوا اعتقدوا الكفر بالله -  - لتلذذ يقع لهم بنفس الكفر، ولا التزموه على التحسين لهم إياه، وإنما أعرضوا عن الإيمان لحبهم الرياسة، ولمأكلة كانت لهم خافوا زوالها عنهم بالإسلام.

أو زهدوا عنه؛ لما يلزمهم بالإيمان مؤن، واختاروا الكفر؛ لئلا يلزمهم [بالإيمان] تحملها؛ فكان يحملهم على الصد عن الإيمان وترك النظر في آيات الله -  - وحججه ما ذكرنا؛ فعيروا بالأفعال الدنية التي كانوا يتعاطونها فيما بينهم من التطفيف والهمز واللمز وتركهم إيتاء الزكاة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ ؛ لينقلعوا عنها؛ فيحملهم على الإيمان؛ لأنهم كانوا يتزهدون عنه لحبهم الدنيا، فإذا قوتلوا ضاقت عليهم الدنيا؛ فبعثهم ذلك على الإيمان بالله -  - وعلى النظر في آياته.

وذكر أن رسول الله  لما تلا هذه الآية على أهل مكمة تركوا التطفيف؛ فلم يطففوا بعد ذلك.

قال أهل اللغة: التطفيف: النقصان، يقال: إناء طفان؛ إذا كان غير مملوء.

وقال الزجاج: يقال: شيء طفيف، أي: يسير، فسمي: مطففا؛ لما يسرق منه شيئا فشيئا في كل مكيال.

وفي هذه [الآية] دلالة أن حرمة الربا عامة على أهل الإديان.

وفيه دلالة أن حرمة الربا ليست لمكان العاقدين، وإنما هي حق على العاقدين لله -  - وذلك أن الذي يكال له، كان يأخذ ما يكال له على علم منه بتطفيف البائع، ثم كان يرضى به، ويتجاوز عن ذلك، ومع ذلك لحقهم التعيير بالتطفيف؛ فدل أن حرمته ليست لمكان العاقدين، ولكنها من حق الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ منهم من ذكر أن هذا على التقديم والتأخير، ومعناه: ويل للمطففين على الناس إذا [اكتالوا أو وزنوا]، وإذا اكتالوا استوفوا.

ومنهم من قال بأن ﴿ عَلَى ﴾ هاهنا بمعنى "عن"؛ فكأنه يقول: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا عن الناس يستوفون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ منهم من حمل قوله: هم بعد ذكر الكيل والوزن على التأكيد والمبالغ ة، فإن كان هذا على هذا، فحقه الوقف على قوله: (كالوا)، وعلى قوله: (وزنوا).

ومنهم من قال: معناه: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا له؛ لأن الألف بينهما ليست بمثبتة في المصاحف، وهو مستعمل: كتله، وكلت له،؛ كقوله: وعدته، ووعدت له، فإن كان هذا معناه، لم يستقم الوقف على قوله: (كالوا) و (وزنوا)؛ لأن قوله: (لهم)، تفسير لقوله: (كالوا) أو (وزنوا)، لا يجوز قطع التفسير عما له التفسير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ...

﴾ \[الآية\]: قال أكثر أهل التفسير: ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ : ألا يعلم، وألا يتيقن.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ ، معناه: ألا يشك أولئك في البعث، وهو محتمل لما ذكرنا؛ لأن الشك يوجب الرهبة، وارتفاعه يوجب الأمن؛ ألا ترى أن المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان، فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن يسلك سراقا وقطاع الطريق، فإنه يترهب لذلك؛ فيستعد له بما يدفع عنه نفسه ضرر قطاع الطريق وضرر السراق، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته، ولا يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار به، فكيف لا يشك هؤلاء بكون البعث بما يخبرهم النبي -  - ويقيم عليه الحجج، وهذا أقل منازل الأخبار أن تورث شكا.

ثم الأصل أن حرف الشك يستعمل عند استواء طرفي الداعيين، والظن يستعمل عند اختلاف طرفي الداعيين، وهو أن تغلب إحدى الدلالتين على الأخرى؛ لذلك يستقيم الحكم والقول بأكثر الظن، ولا يستقيم بأكثر الشك.

ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه، وإذا تدبر فيه، فهو لا يزال يرتقي في الظن درجة فدرجة؛ حتى ينتهي نهايته بلوغ اليقين ودرك الصواب؛ فلذلك حمل أهل التفسير تأويل الظن هاهنا على اليقين والعلم؛ إذ ذلك نهاية الظن.

وحمله أبو بكر على الشك؛ لما لا ترتفع الشبهة كلها فيما كان طريق معرفته الاجتهاد.

ومثال الظن ممنا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته صار علما؛ كالذي يهدد بالقتل، أو بقطع عضو؛ ليشرب الخمر [أنه يباح] له الشرب، ويجعل المتيقن أنه يفعل به لا محالة لو امتنع عن الشرب؛ لبلوغ الخوف نهايته وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا؛ لما يجوز أن يحصل به ما يمنعه عن القتل؛ فعلى ذلك الحكم في الظن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ للحساب الذي يحصل عليهم؛ فلا يجدون منه مخرجا؛ فيتخلصون من العذاب، ليس على ما يحصل عليه الحساب في الدنيا يجد لنفسه الخلاص ووجه المخرج عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ، سماه: عظيما؛ لما ذكرنا من دوام عذابه ودوام عقابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: لحكمه.

أو لحسابه.

أو لوعده ووعيده.

أو يقومون له مستسلمين خاضعين بجملتهم، وإن كان البعض منهم وجد منه الامتناع عن الاستسلام في الدنيا، فإن الظلمة ينازعونه ويدعون لأنفسهم اشياء، وينكرونها له، فأما يوم القيامة فإنهم جميعا يقرون له وينقادون لحكمه وقضائه؛ لذلك خصه بقيام الناس له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ ﴾ قال الحسن وأبو بكر: حقا؛ أي: بعثهم حق، فيبعثون.

وقال الزجاج: ﴿ كَلاَّ ﴾ : كرف ردع وتنبيه، أي: ليس الأمر على ما ظنوا: أنهم لا يبعثون؛ بل يبعثون ويجازون بأعمالهم؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من طريق الاستدلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ اختلف في السجين: فمنهم من جعله اسم موضع، وأشار إليه فقال: هو صخرة تحت الأرض السابعة يوضع كتاب الفجار تحته إلى يوم القيامة.

ولكن ليس بنا إلى معرفة ذلك الموضع حاجة؛ لأن الذين امتحنوا بجعله في ذلك الموضع قد عرفوه، وهم الملائكة.

ومنهم من زعم أنه حرف مذكور في كتب الأولين، فذكر ذلك في القرآن، فجائز أن يكون المقصود يتحقق بدون الإشارة إليه.

وجائز أن يكون السجين الموضع الذي أعد للكافر في الآخرة للعذاب، لكن أول ما يرد إليه عمله الذي أثبت في كتابه، ثم تلحق به الروح، ثم يتبعهما جسده في الآخرة على ما روي عن النبي  : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن" ، فيرد كتابه إلى ذلك السجن، ويرد كتاب الأبرار إلى الجنة التي أعدت له، ثم تتبعه روحه، ثم جسده؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ  ﴾ .

ومنهم من قال: [هو] على التمثيل ليس على تحقيق المكان في العليين؛ وذلك لأن السجن هو مكان أهل الخبث في الدنيا، فمثلت أعمالهم بذلك؛ لخبثها وقبحها، ومثلت أعمال الأبرار بما ذكر من العليين، وذلك مكان أهل الشرف وأولوي القدر؛ فيكون ذلك كناية عن طيبب أعمالهم.

وقال الكسائي: السجن: مشتق من السجه؛ كقولك: رجل فسيق، وشريب، وسكيت.

ثم ذكر كتاب الفجار، والفحور يكون بالكفر وبغيره، فهذا اسم يقع به الاشتراك بين أهل الكفر وأهل الإسلام، لكنه ألحق عند التفسير بما يوجب صرف الوعيد إلى الكفار بقوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وكذلك نجد هذا الشرط ملحقا بالتفسير في جميع ما جرى به الوعيد بالاسم الذي يقع به الاشتراك؛ من نحو الفسق، وترك الصلاة، بقوله -  -: ﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ  ﴾ ، وفيما جرى من الوعيد في الذي لا يؤتي الزكاة؛ فكان في ذكر الاسم الذي يقع به الاشتراك إيجاب الخوف على المسلمين الذين شركوا في ذلك الاسم، فترك قطع الشهادة عليهم بالوعيد؛ لما لم يذكروا عند التفسير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴾ فهو تعظيم ذلك اليوم، ووصفه بنهاية الشدة، أو على الامتنان على نبيه  أنه لم يكن يعلم ذلك حين أطلعه الله عليه، وهكذا تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾ \[المطفيين: 19\].

وقوله: ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾ ، أي: الكتاب الذي في السجين مرقوم، والمرقوم، قالوا: مكتوب ومثبت.

والرقم عندنا: هو الإعلام، يقال: رقم الثوب؛ إذا أعلمه؛ فجائز أن يكون علمه هو أن يختم؛ فيكون فيه إخبار أنه لا يزاد على قدر ما عمل، ولا ينقص منها، وهو كما ذكرنا من الفائدة، فيما وصف جبريل -  - بالقوة والأمنة بقوله: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ  مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ  ﴾ ، فوصف بالأمانة؛ ليؤمن الخلق عن خيانته في الكتاب وتغييره، ووصفه بالقوة؛ ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما أرسل على يده، فيغيره، فكذلك وصفه بالختم والأعلام؛ ليؤمن من الزيادة فيه والنقصان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، أي: للمكذبين بجميع ما يحق عليهم تصديقه، وذلك يكون بالإيمان بالله  ، وبآياته، ورسله، وبالبعث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ : الدين اسم لشيئين: اسم للجزاء، واسم للاستسلام والخضوع؛ فمسي: يوم الدين؛ لما يدانون بأعمالهم، أو لما يستسلمون لله -  - في ذلك اليوم ويخضعون له، وفي تكذيبهم بيوم الدين تكذيب لقدرة الله  وتكذيب رسله؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى الإيمان بيوم الدين؛ فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم؛ فيكون تأويله منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق عليهم التصديق به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ : المعتدي هو الذي يتعدى حدود الله  ، والأثيم: الذي يتأثم بربه؛ فيكون مجاوزاً به عن الحدود، والتأثم بربه هو الذي يحمله على التكذيب، وإلا لو قام بحفظ حدوده، ولم يأثم بربه، لكان لا يكذب بيوم الدين.

أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : أباطيل الأولين.

وقال أبو عبيدة: الأساطير: هي التي لا أصل لها.

ومعناه عندنا: ما سطره الأولون، أي: كتبه، فالسطر: الكتابة؛ فيخبرون أنها ليست من عند الله  ، بل مما كتبها الأولون الذين لا نظام لهم، ولم يكن يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم؛ ولكنهم كانوا يعارضونه بهذا عندما كان يتلو عليهم من نبأ الأولين، وكانوا ينسبونه إلى السحر إذا أتاهم بالآيات المعجزات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: الرين: الستر والغطاء.

وقيل: الرين: الصدأ؛ فالله -  - سمى الإيمان الذي هو في النهاية من الخيرات: نوراً، وسمى الكفر الذي هو في النهاية من الشرور: ظلمة، فإذا كان الإيمان منورا للقلب، والكفر مظلما، فإذا اشتغل بالأسباب الداعية إلى الكفر شيئا بعد شيء من الآثام، فكل سبب من ذكل يعمل في إظلام القلب حتى تتم الظلمة؛ على ما روي عن أبي هريرة -  - "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية، فقال: هو العبد يذنب الذنب، فتنكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صفا قلبه، وإن لم يتب، وعاد فأذنب، نكتت في قلبه نكتة سواداء، وإن عاد نكتت في قبله حتى يسود القلب أجمع؛ فذلك الرين" ، ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره شيئا فشيئا بأسباب تتقدم الإيمان حتى يحمله ذلك على الإيمان؛ فذلك تمام الانشراح.

وعلى هذا يخرج تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب -  - أن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد عظما، ازداد ذلك البياض، فإذا تستكمل الإيمان ابيض القلب كله.

معنى قولخ: "يبدأ نقطة بيضاء" إلى قوله: "حتى يستكمل الإيمان"، عندنا بالأسباب الداعية إلى الإيمان، فلا يزال ينشرح منه شيء فشيء بكل مقدمه منه حتى يفضي به إلى الإيمان.

ثم إن الله -  - سمى السواتر عن الإيمان بأسام، مرة قال: ﴿ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً...

﴾ الآية [الإسراء: 46]، ومرة: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ  ﴾ ، فكأن الذين وصفوا بالقفل على قلوبهم هم الذين انتهوا في الكفر غايته حتى لا يطمع منهم الإيمان، وهم المتمردون المعتقدون للتكذيب، وهم الرؤساء منهم والأئمة.

ومنهم من هو مطبوع على قلبه، وهم الذين اعتقدوا الكفر لا عن تمرد وعناد، ولكن لما لم تَلُحْ لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان.

وذكر الزجاج أن أول منازل الستر: الغبن، وهو الستر الرقيق كالسحاب الرقيق في السماء، يعمل في غشاء القلب غشاء السحاب الرقيق بلون السماء، ثم إذا ازداد سمي: ربنا ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب، وفي هذا دليل على أن لله  تدبيراً وصنعا في أفعال العباد؛ لأنه أنشأ للكفر ظلمة في القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان؛ إذ كل من اعتقد الكفر فهو ليس يعتقده؛ ليمنعه عن درك الأنوار، وإذا لم يوجد منه هذا، ثبت أنه صار كذلك بتدبير الله -  - وصنعه؛ إذ لا يجوز أن تحدث الظلمة في القلب إلا بمحدث لها، وإذا انتفى الصنع من الكافر ثبت أنه بتدبير الله -  - ما صار كذلك، وأنه أنشأه مظلما، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ .

فذكر أبو بكر الأصم: أن هذا في الدنيا، يقول: إنهم حجبوا عن عبادة ربهم بما عبدوا غير الله  ؛ فصارت عبادتهم غير الله حجابا من عبادته.

وذكر أهل التفسير: أن هذا في الآخرة.

ثم منهم من يقول: إنهم حجبوا عن لقاء ربهم، وأوجبوا بهذا القول الرؤية للمؤمنين.

ومنهم من يقول: هم محجوبون، اي: عن كرامته التي أعدها لأوليائه، وعن رحمته، فعوقبوا بالحجب عن ذلك؛ جزاء لصنيعهم؛ لأنهم في الدنيا ضيعوا نعم الله -  - فلم يقبلوها بالشكر، ولم يؤمنوا برسوله الذي بعثه رحمة للعالمين؛ فأبسلوا من رحمته وكرامته في الآخرة؛ عقوبة لهم ومجازاة، وهو كقوله  : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، أي: جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به؛ فعلى ما وجد منهم من المعاملة لآياته وحججه بتركهم الالتفات إليها عوملا بمثله في الآخرة.

وقال في آية أخرى: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : من صرف الحجب إلى الدنيا، فهو يقول: ثم إ نهم يصلون الجحيم بعدما عبدوا غير الله  ، وحجبوا عن عبادته.

ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة، فهو يقول: إنهم يصلون الجحيم بعدما يظهر فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوخ وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ظهورهم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ تأويله: أنهم يعرفون أنهم يصلونها بتكذيبهم بها، وحجبوا عن الله -  - بتكذيبهم بذلك اليوم، وإلا لو آمنوا وأقروا أن النار حق والبعث حق، لم يكونوا يصلونها؛ فيعرفون حتى يقروا بذلك بقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون الكيل والميزان؛ وكان ذلك حال أهل المدينة عند هجرة النبي  إليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.rGqgE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سورة المطففين قيل مكية كما ذكر، وقيل مدنية، نزلت في حال أهل المدينة حين قدمها النبي  ، حيث كانوا أخبث الناس كيلًا كما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس.

(والمطففون) قد بينهم اللَّه في قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  ﴾ ، أي إذا كان لهم عند الناس في شىء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامًا كاملًا.

ولهذا عدى ﴿ اكْتَالُوا  ﴾ بعلى، فقال اكتالو عليهم ولم يقل منهم لأن؛ ما يأخذونه حق على الناس يستوفونه منهم ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ ، أي إذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسار، ولما كان المعنى على الإعطاء، عدى (كال) إلى الضمير بدون حرف.

وقد يكون على حذف الجار والإيصال كما في قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الآوبر أي جنيت لك، والأصل كالوا لهم.

والأكمؤ: جمع كمأة، وهي ما يعرف عند العامة الآن بعيش الغراب.

والعساقل ضرب منه أبيض، وقيل لونه بين البياض والحمرة.

وبنات الآوبر: ضرب منه كذلك رديء الطعم.

وإنما سمي من يبخس الكيل في حال ويملؤه أو يزيد عليه في حال مطففًا، لأنه يبلغ في كيله طفاف الكيل كسحاب أي ما يقرب من ملئه ولا يملأه في الحالة الأولى، ويبلغ الطفاف أو الطفافة بالضم -وهي ما فوق المكيال- في الحالة الثانية، ولأنه يطلب الغنى بشىء طفيف، وهو ما يأخذه من البخس إذا اكتال منك، ومن الزيادة إذا اكتال عليك.

وقد ذكر اللَّه في هذه السورة تفصيلًا لما أجمله في السورة السابقة، فقد جاء بنوع من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال، ثم جاء بنوع آخر وهو التكذيب بيوم الدين، وبمنشأ ذلك التكذيب وهو الاعتداء وملازمة الآثام، وأتبع ذلك بأثر من آثار التكذيب وهو دعوى أن آيات اللَّه في كتابه هي أساطير الأولين.

كل هذا بيان للفجور المؤدي بصاحبه إلى الجحيم، ثم زاد ما يلاقونه في الآخرة تفصيلًا من حيث ذكر أين يكون كتابهم، وذكر حجبهم عن ربهم، وما يقال لهم من قوارع التبكيت، وكذلك فصل في نعيم الأبرار ما أجمله في السورة المتقدمة كما ترى.

بعد أن قال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ أي هلاك لهم عظيم ونكال ينتظرهم، قال: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  ﴾ أي إن تطفيف الكيل واختلاس مال الناس بوسيلة هذا العمل مما لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه يبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله، ولو ظن البعث والحساب لما طفف ولا بخس الميزان.

ولهذا تنزل حالة المطفف منزلة حال من يجهل ظنه بالحياة الآخرة، فضلًا عن اعتقاده فيها، فيستفهم عنه، كما قال: إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم، أي فيه؟

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، أي يقفون للعرض عليه، ويطول بهم الموقف إعظامًا لجلاله وإجلالًا لمقامه جل شأنه.

واعتبار المطفف كأنه لا يظن سيبعث للقيام بين يدي ربه، وتنزيله منزلة المنكر للبعث، اعتبار حق لا يجادل فيه إلا مغرور باللَّه، أو جاهل بدينه، بل منكر لحقيقته.

وكيف يصر على إيذاء الناس والغض من حقهم من يظن بعض الظن أنه سيقوم بين يدي رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين، القاهر الجبار، ليحاسب على النقير والقطمير والحبة والذرة ؟.

(كلا) لا يقيم على ذلك إلا منكر لما أوعد به، أو متأول فيها يدفع عنه العقاب وينجيه من الحساب، لا يبعد به تأوله عن منزلة المنكر، بل يسقطه مع صاحبه في النار وبئس القرار.

هذا ما ينذر اللَّه به المطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيل ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم فيحرمونهم حق التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك أو نفوذ السلطان، أو باستعمال طرق الحيلة؟

فهل يعد هؤلاء من الشاكين في يوم البعث، فضلًا عن الظانين أو الموقنين؟

لا ريب أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين، وإن زعموا بلسانهم أنهم من الموحدين المؤمنين.

يروى أن أعرابيًا قال لعبد الملك بن مروان: "سمعت ما قال اللَّه في المطففين"؟!

أراد بذلك أن قد حق الوعيد على المطفف على النحو الذي سمعت من التهويل والتعظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تنهب وتسلب وتنتزع الأموال من أيدي أربابها بالقوة والقهر لا بالحيلة والخدعة، استعظامًا لقوتك، وغفلة عن جبروت اللَّه، وتكبرًا على الناس، ولا تكتفي من ذلك بالقليل كما هو شأن المطفف، ولا ترضى بما دون استئصال الأموال ومسح ما يبقى من غبارها بأيدي أهلها؟

فالويل كل الويل لك ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قرىء (يوم يقوم) بالفتح والجر، وعلى الثاني هو بدل من يوم عظيم، وعلى الأول ظرفًا لـ (مبعوثون)، أو منصوبًا على الاختصاص، وهو ما نختاره لأن المقام له.

كلا ردع لهم عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب، وضعف اعتقادهم به فإن ذلك غرور منهم لا يرجعون فيه إلى سند، وذلك أنهم بعلمهم هذا يعدون من الفجار، والفجار يحاسبون على أعمالهم لا يغفل منها شيء، فإن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم خفيها وجليها، حقيرها وعظيمها، وذلك الكتاب يسمى بسجين وهو مرقوم، أي قد أُثبت فيه العلامات الدالة على الأعمال.

ويفهم من استعمال اللفظ في اللغة، ومن مقابلته بكتاب الأبرار الذي في عليين، أن فيه معنى التسفل، كما أن مقابله معنى التعلي، وقد رأيت في بعض كتب أهل البحث في اللغات أن الوحل يسمى في اللغة الأثيوبية سنجون (بالجيم العجمية مع إمالة في حركة الواو)، ولا يخفى ما في معنى الوحل من التسفل، وقد يكون هذا اللفظ من استعمال عرب اليمن، فإن فيها كثيرًا من الألفاظ الأثيوبية لكثرة المخالطة بينهم وبين أهل الحبشة، استعملوه فيما يقارب الوحل، فلا يبعد أن يقال إن الكتاب فيه أي أنه مكتوب به، أو على التصوير والتمثيل، أي إن الأعمال -لخبثها- تصور وتمثل كأنها مكتوبة به ويكون معنى كون الوحل وما يقاربه كتابًا مرقومًا، أن الأعمال بعد أن خطت به صار ذلك المداد القبيح كتابًا مرموقًا.

وعلى أن سجينًا اسم لما تحصى فيه الأعمال يجوز أن يكون لفظ (كتاب) الأول مصدرًا، أي أن كتبهم وإثبات أسمائهم وأعمالهم هو في ذلك الكتاب الذي هو كالسجل لتلك الأسماء والأعمال، ويقال كتب اللَّه فلانًا في الأشقياء أو في السعداء، أي أدرج اسمه بين أسمائهم فيما قد لهم، فكذلك يقال كتب الفجار في سجين، أي أودع أسماءهم فيه مقرونة إلى أعمالهم.

ويجوز أن يكون كتاب بمعنى المكتوب، ومعنى كونه في سجين أن سجينًا هو ذلك السجل العام المسمى بسجين.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ إعادة للوعيد الأول في قوله ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ بعبارة أدل على عظم الجرم وأعم تشمل تلك الجريمة وغيرها، وذلك أنه قال في المطففين ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ليبين أن الإصرار على ذلك العمل القبيح يدل على ارتفاع الظن بالبعث، ثم أعاد الوعيد بلفظ المكذبين الذي يشمل أولئك المطففين وغيرهم، وهو الذين يكذبون بيوم الدين، أي يوم الجزاء، سواء كان التكذيب بجحد الخبر به مباشرة أو كان بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب.

وعدم المبالاة هو التكذيب المستبطن في النفس الذي تجري عليه في أعمالها، وإن كانت لا تظهره في أقوالها، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.

ولهذا جعل الاعتداء والإثم مناط التكذيب في قوله ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  ﴾ ، فإن من كان ميالًا إلى العدل في خلائقه وأفعاله، واقفًا عندما حدد اللَّه لعباده في شرائعه وسننه، لا يعتدي حدو النصفة، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما مال إليه، أما من اعتدى الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام وإتيان ما فيه الغض من حقوق الناس والإضرار بهم والإخلال بنظامهم فذلك الذي يصعب، بل يكاد يمتنع عليه الإذعان بأخبار الآخرة، لأنه يأبى النظر في أدلتها وتدبر البينات القائمة على صدقها، لأن في ذلك قضاء على نفسه بالسفه، وحكما عليها بالظلم -ذلك فيما مضى لها- ثم فيه تخويف لها من ارتكاب مثل عملها فيما يستقبل، وهي جامحة طامحة، فهو لا يريد إلا أن يعللها بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل أو التعلق بالأماني، من نصرة الأولياء، أو توسط الشفعاء.

فلذلك إذا تليت عليه الآيات المنزلة الناطقة بأصدق الخبر عما يكون في ذلك اليوم مما لا مفر منه ﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ .

والأساطير أحاديث لا نظام لها، أي ذلك كلام مكرر الحكاية، يؤثره الآخر عن الأول، والخلف عن السلف، ولكنه ما لاينطبق على الواقع، فهو مما تعودت النفوس سماعه وتعودت سماعه وتعودت ألا تتأثر منه وألا تحلى منه بطائل، فلا يستحق النظر فيه.

هكذا حال القوم يتلى عليهم كتاب اللَّه، وفيه ما ينعى عليهم حالهم ويكشف لهم ما لبسوا على أنفسهم، وبينّ لهم سيئات أعمالهم، فيقولون هذا مفهوم ولكن من ذا الذي يعمل به؟

ولم لم يعمل فلان وفلان حتى كنا نسلك مسلكهم، ونستقيم على طريقهم؟

فهؤلاء واصفون لكتاب اللَّه بأنه أساطير الأولين، وإن لم ينطقوا باللفظ الدال على الوصف ليعللوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وأنهم مع فجورهم ناجون.

(كلا) إن هذه الآيات ليست بأساطير تسطر، وأقاصيص تحكى، وتؤثر وتعاد وتكرر بدون حقيقة ولا أثر، بل هي الحق الذي لا مراء فيه، عرفه منها أهل العدل المتعرضون للرحمة والفضل، وإنما الذي غطى قلوب المكذبين، وحجبها عن فهم ما جاءت به الآيات، تلك الملكات الرديئة، والعادات السيئة والأعمال الخبيثة التي كانوا يكسبونها.

وران على قلبه: أي ركبه وغطاه، ومعنى رين الذنب وركوبه القلب حتى يحجبه عن الفهم هو ما ذكرناه لك من أن المسيء الذي ضربت نفسه بالقبيح يسعى جهده في البعد عن كل ما يكدر صفوه، فهو يعرض عن كل ما يجد فيه تهجينًا لعمله، أو تخويفًا من عاقبة فعله.

وهل يغنيهم هذا العمى من الحق شيئًا؟

(كلا) إنهم سيكونون يوم القيامة في المكان الدون، وموقف الهون، و ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ  ﴾ .

ولا يحجب عن الرب الكريم إلا المخذول المرذول، الذليل المهين ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ  ﴾ -بعد أن يطردوا عن أبواب الكرامة- يقذف بهم حيث لا يلقون إلا الأسف والندامة، يقذف بهم في الجحيم يصلونها ويقاسون حرها ﴿ ثُمَّ يُقَالُ  ﴾ لهم ﴿ هَذَا  ﴾ هو العذاب ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، تبكيتًا لهم، وزيادة في التنكيل بهم، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر -وهو يتألم له- بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.

(كلا) ردع عن التكذيب المذكور في قوله: ﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، وإنما يجب تجنبه طلبًا للكرامة في ملازمة التصديق الذي هو ضده، فإن كتاب الأبرار في عليين إلخ.

وقد بينا في السور السابقة معنى (الأبرار)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المفصلة في السور والآيات، فهؤلاء لا يضيع عمل عامل منهم، بل كل ما عمله فقد أحصاه اللَّه في كتاب مرقوم، اسمه عليون.

والكلام على لفظ كتاب الأول كالكلام عليه فيما سبق، وقد رأيت عن بعض الباحثين في اللغات الشرقية أن لفظ علوًا في اللغة الأثيوبية (الحبشية القديمة) معناه النقش باللون الأحمر، فإن لم يكن العليون من العلو فمن الجائز أن اللفظ دخل في لغة أهل اليمن وعرب الجنوب على معنى الزينة، ثم أطلق على كل مزين لطيف، وقد يدل على ذلك تخالف البناء والوزن مع ما هو من معنى العلو.

وهذه الكتب التي تكتب فيها أعمال المجرمين أو أعمال الأبرار مما استأثر اللَّه بعلم حقيقته، "فسجين" و "عليون" موجودان، أودعهما اللَّه أعمال الخاسرين والناجين وليس علينا أن نعرف أنها من أوراق أو أخشاب أو معادن أخر، أو من أرواح غير أجسام، كل ذلك مما لا حاجة إلى البحث فيه لاستكمال الإيمان، وقد يكشفه اللَّه للمصطفين من عباده.

ولهذا قال ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ وجاء بهذه الصفة ليدل بها على أنه أمر محقق الثبوت، حتى أن المقرب ليشهده شهود العيان إذا وصل من القرب إلى الحد الذي يكشف له فيه ذلك الكتاب وأمثاله.

ولما كان المقصود من شهود المقربين هو ما ذكرنا واللَّه أعلم، ظهر وجه ذكر هذه الصفة في جانب كتاب الأبرار، وعدم ذكر مثلها في جانب كتاب الفجار، لأن الفجار لا يشهدهم اللَّه كتبهم وكتب غيرهم لتسفل أرواحهم وتدنسها بأوضار الفجور، فأنَّى يكون لها الاطلاع إلى غيب لا تدنو منه إلا النفوس العالية، والعقول الصافية.

وقيل المراد بالقربين الملائكة، وعليه لا يظهر تخصيص كتاب الأبرار بذلك، فإن كتاب الفجار مشهود لهم كذلك.

بعد أن أكد الخبر بإحصاء أعمال الأبرار، وأن إحصاءها في كتاب رفيع مكرم جليل، أخذ يفصل ما ينالونه من الجزاء على البر والإحسان فقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  ﴾ .

والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله الخفض والدعة، وما فيه لذة وراحة وليس فيه ألم وعناء، وهو ضد البأساء والبؤس.

و ﴿ الْأَرَائِكِ  ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس بيت -أي خيمة- يزين بالثياب والأسرة والستور.

وقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ  ﴾ أي يمدون أعينهم إلى ما شاءوا، لا يغضى الخري من أبصارهم.

و(نضرة النعيم) بهجته وماؤه ورونقه.

و(الرحيق) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، وهو قول الزجاج، وقيل هو أعتق الخمر وأفضلها، وقيل هو صفوتها، وهي معان كلها متقاربة.

و(مختوم) ختمت أوانيه وسدت، وكان ختامها المسك مكان الطينة.

وقيل المراد من (ختامه)، مقطعه بعد الشرب، أي أن الشارب يجد منه رائحة المسك بعد أن يشربه، ولا يجد تلك الرائحة الخبيثة التي يجدها شارب الخمر.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  ﴾ ، أي في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضًا إليه بالأعمال التي تقرب منه.

وهذه الجملة معترضة ذكرها عقب أنواع النعيم المتقدمة قبل أن يأتي على بقية أوصاف الرحيق، إسراعًا إليك بالترغيب في التسابق إلى ما عد من أنواع السعادة، وقد يعود اسم الإشارة في ذلك إلى الرحيق المختوم، تمييزًا له من بين أنواع النعيم السابقة بالترغيب فيه، والجملة اعتراض على كل حال، وكل نوعين اختلطا فأحدهما مزج صاحبه ومزاجه.

فبعد أن قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ  خِتَامُهُ مِسْكٌ  ﴾ بيّن ما يمزج بذلك الرحيق إذا رغب راغب أن يمزجه بشيء، ودل على أن مزاجه يكون من التسنيم: وهو ماء يأتي من الأعالي واسمه التسنيم، ليطابق الاسم مسماه، ثم زاده بيانًا بقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

فعينًا منصوب على الاختصاص بالمدح، وفيه من البيان ما لا يخفى.

﴿ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ أي يشربون بها الرحيق مزاجًا له إذا أرادوا.

و(المقربون) هم الأبرار بعينهم، ذكرهم بهذا الوصف زيادة في تكريمهم.

كل هذه الأنواع من النعيم التي ذكرت في الآيات مما ترغب فيه الأنفس، وتتسابق إليه الهمم، لهذا حفز اللَّه بها عزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، وليطمع فيها الواقف على أول الطريق، فليزم الجادة الواضحة، ويدع المعوجة الملتبسة، ويسلك سبيل السابقين، وليرد بها من جار على النهج ويقيمه على الصراط المستقيم.

هذا والمفهوم منها ما يشبه ما نحن فيه، فما ظنك بها لو كانت أرقى وأكمل، وأعلى وأفضل وأنه لا يدانيها شيء مما نعهده في الدنيا إلا في الاسم، أو ضرب من الشبه البعيد، كما هو حقيقة أمرها والحق في شأنها؟!

بعد أن ذكر ما أوعد به (الفجار) وهو أهل الجرائم ومقترفو السيئات، وما وعد به (المتقون) وهو أهل البر والإحسان، وما سيلاقيه كل من الفريقين في الدار الآخرة جزاء على عمله -أخذ يذكر ما كان لأحد الفريقين إلى الآخرة في الدنيا، وما سيكون من شأن الفريق الآخر مع الفريق الأول في الآخرة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا  ﴾ وهو المعتدون الأثمة، الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ذلك لأنه حين رحم اللَّه هذا العالم ببعثه النبي  كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته  ، ثم يهمس بها بعض من يلبيه ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسر بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القوي المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا.

كذلك كان شأن جماعة من قريش -كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد لما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم -إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق، وأزدرى السامعون منهم بالداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا مَرُّوا  ﴾ بأحد من أهل الحق يغمز بعضهم بعضًا هزوءًا به.

وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، ورجعوا إليهم فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل، كأن يقولوا: عجبًا!

هذا فلان يقول لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجهوا بالطلب فيما يفوق طاقتكم إلا إلى اللَّه وحده خالق السموات والأرض، فأين الأولياء والشفعاء؟

وكم فعلوا وتركوا، وضروا ونفعوا، وهو ينكر جميع ذلك، كأن الناس جميعًا في ضلال وهو وحده يعرف الحق!

.

.

ونحو ذلك مما يعدونه فكاهة يتلذذون بحكايته.

وإذا رأوا المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون، لأنهم طرحوا ما عليه العامة وذهبوا يعيبون العقائد والأعمال المتوارثة عن الآباء والأجداد.

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا  ﴾ : أي لم يرسل المؤمنون الصادقون الداعون إلى الحق لأن يكونوا ﴿ حَافِظِينَ  ﴾ عليهم، أي على الكافرين والمبتدعين المجرمين، أي لم يمنحهم اللَّه تلك المزية وهي: أن يكونوا رقباء عليهم، يعظونهم ويدعونهم إلى الخير وهجر الشر، فليسوا ملزمين بسماع دعوتهم والإصاخة لأدلتهم، فجملة (وما أرسلوا) وهي من كلام الذين أجرموا، حجدًا لحق المؤمنين في وعظهم وإرشادهم.

ذلك ما كان من معاملة المجرمين للمؤمنين في الدنيا: يهزأون بهم، ويضحكون منهم، ويجعلونهم أحاديث لهو ولغو -فانظر ما تكون معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة.

(فاليوم) أي يوم الدين والجزاء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  ﴾ ، لا ضحك الجاهل المغرور، بل ضحك الموقن المسرور، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به.

انكشف لهم بالعيان ما كانوا يرجونه من إكرام اللَّه لهم، وخذلانه لأعدائهم، فسروا بذلك وضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم سفه عقولهم وفساد أقوالهم فنكست أعناقهم لخزيهم وذلهم، فما أعظم مجد المؤمنين في ذلك اليوم!

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ  ﴾ إلى صنع اللَّه بأعدائهم، وتذليله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقًا!

فجملة (هل ثوب) متعلقة بينظرون، ليتحققوا: هلى جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه بهم في الدنيا؟

(وثوب) -مثل أثاب- بمعنى جازى.

يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير أي: هلى جوزي الكفار إلخ، ويجوز أن يكون استئنافًا واستفهامًا تقريريًا، كأنه خطاب للمؤمنين.

أي: هل رأيتم كيف جازى اللَّه الكافرين بأعمالهم؟

أي أنه فعل وجازاهم شر الجزاء وأنتم تعلمون ذلك.

والأول أظهر كما لا يخفى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل