الآية ٣٠ من سورة المطففين

الإسلام > القرآن > سور > سورة 83 المطففين > الآية ٣٠ من سورة المطففين

وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة المطففين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة المطففين عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي محتقرين لهم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) يقول تعالى ذكره: وكان هؤلاء الذين أجرموا إذا مرّ الذين آمنوا بهم يتغامزون؛ يقول: كان بعضهم يغمز بعضا بالمؤمن، استهزاء به وسخرية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإذا مروا بهم عند إتيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتغامزون يغمز بعضهم بعضا ، ويشيرون بأعينهم .

وقيل : أي يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به يقال : غمزت الشيء بيدي ; قال :وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيماوقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد غمزني ، فقبضت رجلي .

الحديث ; وقد مضى في ( النساء ) .

وغمزته بعيني .

وقيل : الغمز : بمعنى العيب ، يقال غمزه : أي عابه ، وما في فلان غمزة أي عيب .

وقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلمزهم المنافقون ، وضحكوا عليهم وتغامزوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وإذا مروا بهم"، يعني من فقراء المؤمنين بالكفار، "يتغامزون"، والغمز الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاءً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا مروا» أي المؤمنون «بهم يتغامزون» يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم، وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين.

وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار، كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ) أى : وإذا مر هؤلاء المجرمون بالمؤمنين سخروا منهم ، وتغامزوا فيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء المؤمنين .والتغامز : تفاعل من الغمز وهو الإِشارة بالجفون والحواجب على سبيل الطعن والتهكم .أى : يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شظف العيش ، ومن غير ذلك من الأحوال التى لا يرضاها المشركون لجهلهم وغرورهم وبلادة حسهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا في استهزائهم وضحكهم، ثم بين أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين: الأول: أن المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ ﴾ أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل السهمي كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم الثاني: جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة فأولها: قوله: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون أي يستهزئون بهم وبدينهم.

وثانيها: قوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ أي يتفاعلون من الغمز، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون الغمز أيضاً بمعنى العيب وغمزه إذا عابه، وما في فلان غميزة أي ما يعاب به، والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء ويعيبونهم، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فَكِهِينَ ﴾ معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا، أو يتفكهون بذكر المسلمين بالسوء، قرأ عاصم في رواية حفص عنه: ﴿ فَكِهِينَ ﴾ بغير ألف في هذا الموضع وحده، وفي سائر القرآن ﴿ فاكهين ﴾ بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف، فقيل: هما لغتان، وقيل: فاكهين أي متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم بالدنيا وفكهين معجبين.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّونَ ﴾ أي هم على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل له وجود أم لا، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حافظين ﴾ يعني أن الله تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما يصنعونه من حق أو باطل، فيعبون عليهم ما يعتقدونه ضلالاً، بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم.

أما قوله تعالى: ﴿ فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أن في هذا اليوم الذي هو يوم تصقع الأعمال والمحاسبة يضحك المؤمن من الكافر، وفي سبب هذا الضحك وجوه: أحدها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء، ولأنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم قد باعوا باقياً بفان ويرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد، ودخلوا الجنة فأجلسوا على الأرائك ينظرون إليهم كيف يعذبون في النار وكيف يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضاً الثاني: قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذاك هو سبب الضحك.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ عَلَى الأرائك يَنظُرُونَ ﴾ حال من يضحكون أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر.

ثم قال تعالى: ﴿ هَلْ ثُوّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ثوب بمعنى أثيب أي الله المثيب، قال أوس: سأجزيك أو يجزيك عني مثوب *** وحسبك أن يثني عليك وتحمدي قال المبرد: وهو فعل من الثواب، وهو ما يثوب أي يرجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو شر، والثواب يستعمل في المكافأة بالشر، ونشد أبو عبيدة: ألا أبلغ أبا حسن رسولا *** فما لك لا تجيء إلى الثواب والأولى أن يحمل ذلك على سبيل التهكم كقوله: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم  ﴾ والمعنى كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة؟

فيكون هذا القول زائداً في سرورهم، لأنه يقتضي زيادة في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم، والمقصود منها أحوال القيامة.

والله أعلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم مشركو مكة: أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم: كانوا يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم.

وقيل: جاء علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يَتَغَامَزُونَ ﴾ يغمز بعضهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم ﴿ فَكِهِينَ ﴾ ملتذين بذكرهم والسخرية منهم، أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال ﴿ وَمَا أُرْسِلُواْ ﴾ على المسلمين ﴿ حافظين ﴾ موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم؛ وهذا تهكم بهم.

أو هو من جملة قول الكفار، وإنهم إذا رأوا المسلين قالوا: إنّ هؤلاء لضالون؛ وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام وجدّهم في ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ قُرَيْشٍ.

﴿ كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ﴾ يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمْ.

﴿ وَإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ مُتَلَذِّذِينَ بِالسُّخْرِيَةِ مِنهُمْ، وقَرَأ حَفْصٌ فَكِهِينَ.

﴿ وَإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ نَسَبُوهم إلى الضَّلالِ.

﴿ وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ.

﴿ حافِظِينَ ﴾ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} يشير بعضهم إلى بعض بالعين طعناً فيهم وعيباً لهم قيل جاء على رضى الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا وقالوا أتزون هذا الأصلع فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.

﴿ كانُوا ﴾ أيْ: في الدُّنْيا كَما قالَ قَتادَةُ ﴿ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ.

وفِي البَحْرِ: رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ إلَخْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وفي الكَشّافِ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنِ المُنافِقِينَ وأنَّهم قالُوا: رَبُّنا اليَوْمَ الأصْلَعُ؛ أيْ: سَيِّدُنا؛ يَعْنُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا؛ أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿ وإذا مَرُّوا ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿ بِهِمْ ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ أجْرَمُوا وهم في أنْدِيَتِهِمْ ﴿ يَتَغامَزُونَ ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ «مَرُّوا» لِلْمُؤْمِنِينَ وضَمِيرِ «بِهِمْ» لِلْمُجْرِمِينَ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ بِحِكايَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَكْسَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ ﴿ وإذا انْقَلَبُوا ﴾ أيِ المُجْرِمُونَ ورَجَعُوا مِن مَجالِسِهِمْ ﴿ إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ مُلْتَذِّينَ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.

وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّهم يَعُدُّونَ صَنِيعَهم ذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما اكْتَسَبُوهُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ أهْلِهِمْ أوْ إلى أنَّ لَهُ وقْعًا في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يَفْعَلُوهُ مُراعاةً لِأحَدٍ وإنَّما فَعَلُوهُ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ.

وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِما رَأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: «فاكِهِينَ» بِالألِفِ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ، قِيلَ: مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مادِحِينَ.

﴿ وإذا رَأوْهُمْ ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ أيْنَما كانُوا ﴿ قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ ﴾ يَعْنُونَ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المَرْئِيِّينَ، مِنهم والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِسَبِّهِمْ.

﴿ وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ وهَذا تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما جَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، والأصْلُ: وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا بِالمَعْنى عَلى نَحْوِ: قالَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذا، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ صَدِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ يعني: المؤمنين الصالحين لفي نعيم في الجنة على الارائك ينظرون يعني على سرر في الحجال ينظرون إلى أهل النار، ويقال: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يعني: أثر النعمة وسرورهم في وجوههم ظاهر يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ يعني: يسقون خمراً بيضاء، وقال الزجاج: الرحيق الشراب الذي لا غش فيه، قال القتبي: الرحيق الخمر العتيقة، ثم قال: مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ يعني: إذا شرب منه رجل وجد عند فراغه من الشراب ريح المسك قرأ الكسائي مسك، وروي عن الضحاك أنه قرأ مثله والباقون ختامه مسك ومعناهما واحد، والخاتم اسم والختام مصدر يعني: يجد شاربه ريح المسك حين ينزع الإناء من فيه ثم قال عز وجل: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ يعني: بمثل هذا الثواب فليتبادر المتبادرون، ويقال: فليتحاسد المتحاسدون ويقال: فليواظب المواظبون وليجتهد المجتهدون وهذا كما قال لمثل هذا فليعمل العاملون ثم قال: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ يعني: مزاج الخمر من ماء اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب في الجنة وإنما سمي تسنيماً لأنه يتسنم عليهم فينصب عليهم انصباباً، وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الرجل يقول إني لفي السنام من قومه فهو في السنام من الشراب، وقال القتبي أصله من سنام البعير يعني: المرتفع ثم وصفه فقال عز وجل: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ يعني: التسنيم عيناً يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لأصحاب اليمين ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني: أشركوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ يعني: من ضعفاء المؤمنين يضحكون ويسخرون ويستهزءون بهم وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ يعني: يطعنون ويغتابون وذلك أن علي بن أبي طالب-  - مر بنفر من المنافقين ومعه نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، ويقال حكاية عن كفار مكة أنهم كانوا يضحكون من ضعفاء المسلمين وإذا مروا بهم وهم جلوس يتغامزون يعني: يتطاعنون بينهم ويقولون هؤلاء الكسالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يعني: رجعوا معجبين بما هم فيه وَإِذا رَأَوْهُمْ يعني: رأوا المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ يعني: تركوا طريقهم وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يعني: ما أرسل هؤلاء حافظين على أصحاب النبيّ  ليحفظوا عليهم أعمالهم، قال مقاتل: هذا كله في المنافقين يعني: ما وكل المنافقون بالمؤمنين يحفظون عليهم أعمالهم، قرأ عاصم في رواية حفص انقلبوا فكهين بغير ألف وفي رواية حفص والباقون بالألف ومعناهما واحد وقال بعضهم: فاكهين ناعمين فكهين فرحين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا يعني في الدنيا، يَضْحَكُونَ من المؤمنينَ، رُوِيَ أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في صناديدِ قريشٍ وضَعَفَةِ المؤمنين، والضميرُ في مَرُّوا

للمؤمنينَ ويحتملُ أن يكونَ للكفارِ، وأما ضميرُ يَتَغامَزُونَ

فهو للكفارِ لا يحتمل غير ذلك، وفَكِهِينَ أي: أصحابُ فُكَاهَةِ/ وَنَشَاطٍ وسرورٍ باسْتِخْفَافِهم بالمؤمنين، وأما الضميرُ في رَأَوْهُمْ وفي قالُوا فقال الطبريُّ «١» وغيره: هو للكفارِ، وقال بعضُهم: بل المعنى بالعَكْسِ، وإنمَا المعْنَى وإذا رأى المؤمنونَ الكفَّارَ قالوا: إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ، وما أُرْسِلَ المؤمِنونَ حافِظِينَ على الكفَّارِ، وهذا كلَّه مَنْسُوخٌ على هذا التأويل، ت: والأول أظهر.

وقوله تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ أي: إلى أعدائهم في النار، قال كعب: لأهل الجنةِ كُوًى ينظرون منها «٢» ، وقال غيره: بينهم جِسْمٌ عظيم شَفَّافٌ يرونَ معه حالَهم، ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، قال أحمد بن يحيى:

الأريكَةُ: السريرُ في الحَجَلَةِ ولا يسمى مِنْفَرِداً أريكةً، وسمعتُ الأزهريَّ يقولُ: كل ما اتّكئ عليه فهو أريكةٌ، انتهى، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ أي: جزاءَ ما كانوا يفعلون، وهَلْ ثُوِّبَ تقرير وتوقيف للنبي صلّى الله عليه وسلّم وأمّته.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿ كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  ، مِثْلُ عَمّارٍ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ، وغَيْرِهِمْ.

﴿ يَضْحَكُونَ ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ﴿ وَإذا مَرُّوا ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ ﴿ بِهِمْ ﴾ أيْ: بِالكُفّارِ ﴿ يَتَغامَزُونَ ﴾ أيْ: يُشِيرُونَ بِالجَفْنِ والحاجِبِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ ﴿ وَإذا انْقَلَبُوا ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ ﴿ إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ أيْ: مُتَعَجِّبِينَ بِما هم فِيهِ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِهِمْ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " فَكِهِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى القِراءَتَيْنِ في [يَس: ٥٥] ﴿ وَإذا رَأوْهُمْ ﴾ أيْ: رَأوْا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ ﴾ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرْسِلُوا ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ حافِظِينَ ﴾ يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ، أيْ: لَمْ يُوَكَّلُوا بِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿ فاليَوْمَ ﴾ يَعْنِي: في الآخِرَةِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ إذا رَأوْهم يُعَذَّبُونَ في النّارِ.

قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها: اخْرُجُوا، وتُفَتَّحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا أقْبَلُوا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، غُلِّقَتْ أبْوابُها دُونَهم.

والمُؤْمِنُونَ ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ إلى عَذابِ عَدُوِّهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ: لِكُلِّ رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ثُلْمَةٌ يَنْظُرُونَ إلى أعْداءِ اللَّهِ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى ما أكْرَمَهم بِهِ، فَهم يُكَلِّمُونَ أهْلَ النّارِ ويُكَلِّمُونَهم إلى أنْ تُطْبِقَ النّارُ عَلى أهْلِها، فَتُسَدُّ حِينَئِذٍ الكُوى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ﴿ هَلْ ثُوِّبَ ﴾ بِإدْغامِ اللّامِ.

أيْ: هَلْ جُوزُوا وأُثِيبُوا عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا؟

وهَذا الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ﴾ ﴿ وَإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ ﴾ ﴿ وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ﴾ ﴿ فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "مَرُّوا" لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْكُفّارِ، وأمّا الضَمِيرُ في "يَتَغامَزُونَ" فَهو لِلْكُفّارِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْقَلَبُوا" و"فاكِهِينَ" مَعْناهُ: أصْحابُ فاكِهَةٍ ومَزْجٍ ونَشاطٍ وسُرُورٍ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، يُقالُ: رَجُلٌ فاكِهٌ كَلابِن وتامِرٌ وهَكَذا، بِألِفٍ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ويُقالُ: رَجُلٌ فَكِهٌ، مِن هَذا المَعْنى، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فَكِهِينَ" بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

وَأمّا الضَمِيرُ فِي: "رَأوا" وفي "قالُوا" فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هو لِلْكَفّارِ، والمَعْنى أنَّهم يَرْمُونَ المُؤْمِنِينَ بِالضَلالِ، والكُفّارُ لَمْ يُرْسَلُوا عَلى المُؤْمِنِينَ حَفَظَةً لَهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المَعْنى بِالعَكْسِ، وإنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإذا رَأى المُؤْمِنُونَ الكُفّارَ قالُوا: إنَّهم لَضالُّونَ، وهو الحَقُّ فِيهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ الكَلامَ بَيْنَهُمْ، فَكَأنَّ في الآيَةِ حَضًّا عَلى المُوادَعَةِ، أيْ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُرْسَلُوا حافِظِينَ عَلى الكَفّارِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِآيَةِ السَيْفِ.

ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نُطِقَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ: "فاليَوْمَ" عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ، و"الَّذِينَ" رُفَعَ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: إلى أعْدائِهِمْ في النارِ، قالَ كَعْبٌ: لِأهْلِ الجَنَّةِ كُوى يَنْظُرُونَ مِنها، وقالَ غَيْرُهُ: بَيْنَهم جِسْمٌ عَظِيمٌ شَفّافٌ يَرَوْنَ مَعَهُ حالَهم.

و"هَلْ ثُوِّبَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ"، فالنَظَرُ واقِعٌ عَلى "هَلْ ثُوِّبَ"، والمَعْنى: هَلْ جُوزِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "هَثُّوِّبَ" بِإدْغامِ اللامِ في الثاءِ، لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ، وقَرَأ الباقُونَ: "هَلْ ثُوِّبَ" لا يُدْغِمُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "ما كانُوا" حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أو عَذابُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُطَفِّفِينَ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه من جملة القول الذي يقال يوم القيامة للفجار المحكيّ بقوله تعالى: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ [المطففين: 17] لأنه مرتبط بقوله في آخره: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ إذ يتعين أن يكون قوله: ﴿ فَاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ حكاية كلام يصدر في يوم القيامة، إذ تعريف «اليوم» باللام ونصبه على الظرفية يقتضيان أنه يوم حاضر موقّت به الفعل المتعلق هو به، ومعلوم أن اليوم الذي يَضحَك فيه المؤمنون من الكفار وهم على الأرائك هو يوم حاضر حين نزول هذه الآيات وسيأتي مزيد إيضاح لهذا ولأن قوله: ﴿ كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ ظاهر في أنه حكاية كوننٍ مضى، وكذلك معطوفاته من قوله: «وإذا مَرّوا، وإذا انقلبوا، وإذا رَأوهم» فدل السياق على أن هذا الكلام حكاية قول ينادي به يوم القيامة مِن حضرة القدس على رؤوس الأشهاد.

فإذا جريتَ على ثاني الوجهين المتقدمين في موقع جُمل ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ [المطففين: 18] الآيات، من أنها محكية بالقول الواقع في قوله تعالى: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ [المطففين: 17] إلى هنا فهذه متصلة بها.

والتعبير عنهم بالذين أجرموا إظهار في مقام الإِضمار على طريقة الالتفات إذ مقتضى الظاهر أن يقال لهم: إنكم كنتم من الذين آمنوا تضحكون، وهكذا على طريق الخطاب وإن جريت على الوجه الأول بجعل تلك الجمل اعتراضاً، فهذه الجملة مبدأ كلام متصل بقوله: ﴿ ثم إنهم لصَالوا الجحيم ﴾ [المطففين: 16] واقع موقع بدل الاشتمال لمضمون جملة: ﴿ إنهم لصالوا الجحيم ﴾ [المطففين: 16] باعتبار ما جاء في آخر هذا من قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ فالتعبير بالذين أجرموا إذَن جار على مقتضى الظاهر وليس بالتفات.

وقد اتّضح بما قرَّرناه تناسب نظم هذه الآيات من قوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ [المطففين: 18] إلى هنا مزِيدَ اتضاح، وذلك مما أغفل المفسرون العناية بتوضيحه، سوى أن ابن عطية أورد كلمة مجملة فقال: «ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: ﴿ فاليوم ﴾ على حكاية ما يقال اه.

و ﴿ إذا ﴾ في المواضع الثلاثة مستعمل للزمان الماضي كقوله تعالى: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ﴾ [التوبة: 92] وقوله: ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ [النساء: 83].

والمقصود من ذكره أنه بعد أن ذكر حال المشركين على حِدة، وذكر حال المسلمين على حِدة، أعقب بما فيه صفة لعاقبة المشركين في معاملتهم للمؤمنين في الدنيا ليعلموا جزاء الفريقين معاً.

وإصدار ذلك المقال يوم القيامة مستعمل في التنديم والتشميت كما اقتضته خلاصته من قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ إلى آخر السورة.

والافتتاح ب ﴿ إن الذين أجرموا ﴾ بصورة الكلام المؤكد لإفادة الاهتمام بالكلام وذلك كثير في افتتاح الكلام المراد إعلانه ليتوجه بذلك الافتتاح جميع السامعين إلى استماعه للإِشعار بأنه خبر مهم.

والمراد ب ﴿ الذين أجرموا ﴾ المشركون من أهل مكة وخاصة صناديدهم.

وهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، والنضْر بن الحارث، كانوا يضحكون من عمار بن ياسر، وخباب بن الأرَتّ، وبلال، وصهيب، ويستهزئون بهم.

وعبر بالموصول وهذه الصلة: ﴿ الذين أجرموا ﴾ للتنبيه على أن ما أخبر به عنهم هو إجرام، وليظهر موقع قوله: ﴿ هل ثُوِّب الكفار ما كانوا يفعلون ﴾ [المطففين: 36].

والإِجرام: ارتكاب الجُرم وهو الإثم العظيم، وأعظم بالإِجرام الكُفر ويؤذن تركيب «كانوا يضحكون» بأن ذلك صفة ملازمة لهم في الماضي، وصوغ ﴿ يضحكون ﴾ بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدن لهم.

وتعدية فعل ﴿ يضحكون ﴾ إلى الباعث على الضحك بحرف ﴿ مِن ﴾ هو الغالب في تعدية أفعال هذه المادة على أن (مِن) ابتدائية تشبَّه الحالةُ التي تبعث على الضحك بمكان يَصدر عنه الضحك، ومثله أفعال: سخر منه، وعجب منه.

ومعنى يضحكون منهم: يضحكون من حالهم فكان المشركون لبطرهم يهزأوون بالمؤمنين ومعظمهم ضعاف أهل مكة فيضحكون منهم، والظاهر أن هذا يحصل في نواديهم حين يتحدثون بحالهم بخلاف قوله: ﴿ وإذا مرّوا بهم يتغامزون ﴾ .

واعلم أنه إذا كان سبب الضحك حالة خاصة من أحوال كان المجرور اسم تلك الحالة نحو: ﴿ فتبسم ضاحكاً مِن قولها ﴾ [النمل: 19] وإذا كان مجموعَ هيئة الشيء كان المجرور اسم الذات صاحبة الأحوال لأن اسم الذات أجمع للمعروف من أحوالها نحو: ﴿ وكنتم منهم تضحكون ﴾ [المؤمنون: 110].

وقول عبد يغوث الحارث: وتَضحك منّي شَيْخَةٌ عبشميّة *** كأنْ لَم تَرى قبلي أسيراً يمانياً والتغامز: تفاعل من الغمز ويُطلق على جسّ الشيء باليد جسّاً مكيناً، ومنه غمز القناة لتقويمها وإزالةِ كعوبها.

وفي حديث عائشة: «لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمزَ رِجْلَيَّ فقبضتُهما».

ويطلق الغمز على تحريك الطَّرْف لقصد تنبيه الناظر لما عسى أن يفوته النظر إليه من أحوال في المقام وكلا الإِطلاقين يصح حمل المعنى في الآية عليه.

وضمير ﴿ مروا ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ الذين أجرموا ﴾ فيكون ضمير ﴿ بهم ﴾ عائداً إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾ ، ويجوز العكس، وأما ضمير ﴿ يتغامزون ﴾ فمتمحّض للعود إلى ﴿ الذين أجرموا ﴾ .

والمعنى: وإذا مرّ المؤمنون بالذين أجرموا وهم في مجالسهم يتغامز المجرمون حين مرور المؤمنين أوْ وإذا مرّ الذين أجرموا بالذين آمنوا وهم في عملهم وفي عسر حالهم يتغامز المجرمون حين مرورهم، وإنما يتغامزون من دون إعلان السخرية بهم اتقاء لتطاول المؤمنين عليهم بالسب لأن المؤمنين قد كانوا كثيراً بمكة حين نزول هذه السورة، فكان هذا دأب المشركين في معاملتهم وهو الذي يُقرَّعُون به يوم القيامة.

والإِنقلاب: الرجوع إلى الموضع الذي جيء منه.

يقال: انقلب المسافر إلى أهله وفي دعاء السفر: «أعوذُ بك من كآبة المنقلب».

وأصله مستعار من قَلَب الثوب، إذا صرفه من وجه إلى وجه آخر، يقال: قلب الشيء، إذا أرجعه.

وأهل الرجل: زوجه وأبناؤه، وذكر الأهل هنا لأنهم ينبسط إليهم بالحديث فلذلك قيل: ﴿ إلى أهلهم ﴾ دون: إلى بيوتهم.

والمعنى: وإذا رجع الذين أجرموا إلى بيوتهم وخلَصوا مع أهلهم تحدثوا أحاديث الفكاهة معهم بذكر المؤمنين وذمهم.

وتكرير فعل: ﴿ انقلبوا ﴾ بقوله: ﴿ انقلبوا فاكهين ﴾ من النسج الجزل في الكلام كان يكفي أن يقول: وإذا انقلبوا إلى أهلهم فَكِهوا، أو إذا انقلبوا إلى أهلهم كانوا فاكهين.

وذلك لما في إعادة الفعل من زيادة تقرير معناه في ذهن السامع لأنه مما ينبغي الاعتناء به، ولزيادة تقرير ما في الفعل من إفادة التجدد حتى يكون فيه استحضار الحالة.

قال ابن جنّي في كتاب «التنبيه على إعراب الحماسة» عند قول الأحوص: فإذَا تَزولُ تزولُ عن مُتَخَمِّطٍ *** تُخْشَى بَوادِرُه على الأقران محال أن تقول إذا قمتُ قمتُ وإذا أقعدُ أقعد لأنه ليس في الثاني غير ما في الأول، أي فلا يستقيم جعل الثاني جواباً للأول.

وإنما جاز أن يقول فإذا تزول تزول لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة ومثله قول الله تعالى: ﴿ هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ﴾ [القصص: 63] ولو قال: هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفدِ القول شيئاً لأنه كقولك الذي ضربتُه ضربتُه والتي أكرمتُها أكرمتُها ولكن لما اتصل ب ﴿ أغويناهم ﴾ الثانية قولُه: ﴿ كما غوينا ﴾ أفاد الكلام كقولك الذي ضربتُه ضربتُه لأنه جاهل.

وقد كان أبو عَلي امتنع في هذه الآية مما أخذناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك اه.

وقد مضى ذلك في سورة القصص وفي سورة الفرقان.

و ﴿ فاكهين ﴾ اسم فاعل فاكه، وهو من فَكِه من باب فرح إذا مزَح وتحدَّث فأضحَكَ، والمعنى: فاكهين بالتحدث عن المؤمنين، فحذف متعلق ﴿ فاكهين ﴾ للعلم بأنه من قبيل متعلقات الأفعال المذكورة معه.

وقرأ الجمهور: ﴿ فاكهين ﴾ بصيغة الفاعل.

وقرأه حفص عن عاصم وأبو جعفر «فكهين» بدون ألف بعد الفاء على أنه جمع فَكِه، وهو صفة مشبهة وهما بمعنى واحد مثل فارح وفرح.

وقال الفراء: هما لغتان.

وجملة: ﴿ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ﴾ حكت ما يقوله الذين أجرموا في المؤمنين إذا شاهدوهم أي يجمعون بين الأذى بالإِشارات وبالهيئة وبسوء القول في غيبتهم وسوء القول إعلاناً به على مسامع المؤمنين لعلهم يرجعون عن الإِسلام إلى الكفر، أم كان قولاً يقوله بعضهم لبعض إذا رأوا المؤمنين كما يفكهون بالحديث عن المؤمنين في خلواتهم، وبذلك أيضاً فارق مضمون هذه الجملة مضمون الجمل التي قبلها مع ما في هذه الجملة من عموم أحوال رؤيتهم سواء كانت في حال المرور بهم أو مشاهدة في مقرهم.

ومرادهم بالضلال: فساد الرأي.

لأن المشركين لا يعرفون الضلال الشرعي، أي هؤلاء سيئوا الرأي إذِ اتبعوا الإِسلام وانسلخوا عن قومهم، وفرطوا في نعيم الحياة طمعاً في نعيم بعد الموت وأقبلوا على الصلاة والتخلّق بالأخلاق التي يراها المشركون أوهاماً وعنتاً لأنهم بمعزل عن مقدرة قَدْر الكمال النفساني وما همهم إلا التلذذ الجثماني.

وكلمة ﴿ إذا ﴾ في كل جملة من الجمل الثلاث ظرف متعلّق بالفعل الموالي له في كل جملة.

ولم يعرج أحد من المفسّرين على بيان مفاد جملة: ﴿ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ﴾ مع ما قبلها.

وقال المهايمي في «تبصرة الرحمان»: «وإذا رأوهم يُؤْثِرون الكمالاتتِ الحقيقية على الحسية» فقدَّر مفعولاً محذوفاً لفعل ﴿ رأوهم ﴾ لإِبداء المغايرة بين مضمون هذه الجملة ومضمون الجُمل التي قبلها وقد علمت عدم الاحتياج إليه ولقد أحسن في التنبيه عليه.

وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد تحقيق الخبر.

وجملة: ﴿ وما أرسلوا عليهم حافظين ﴾ في موضع الحال أي يلمزوهم بالضلال في حال أنهم لم يرسلهم مرسل ليكونوا موكلين بأعمالهم فدل على أن حالهم كحال المرسَل ولذلك نُفي أن يكونوا أرسلوا حافظين عليهم فإن شدة الحرص على أن يقولوا: إن هؤلاء لضالون، كلما رأوهم يشبه حال المرسَل ليتتبع أحوال أحد ومن شأن الرسول الحرص على التبليغ.

والخبر مستعمل في التهكم بالمشركين، أي لم يكونوا مقَيَّضين للرقابة عليهم والاعتناء بصلاحهم.

فمعنى الحِفظ هنا الرَّقابة ولذلك عدّي بحرف (على) ليتسلط النفي على الإِرسال والحِفظ ومعنَى الاستعلاء المجازي الذي أفاده حرف (على) فينتفي حالُهم الممثَّلُ.

وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بمفاد حرف الاستعلاء وبمجروره معَ الرعاية على الفاصلة.

وأفادت فاء السّببيّة في قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ ، أن استهزاءهم بالمؤمنين في الدنيا كان سبباً في جزائهم بما هو من نوعه في الآخرة إذ جعل الله الذين آمنوا يضحكون من المشركين فكان جزاء وفاقاً.

وتقديم «اليوم» على ﴿ يضحكون ﴾ للاهتمام به لأنه يوم الجزاء العظيم الأبدي وقوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ في اتصال نظمه بما قبله غموض.

وسكت عنه جميع المفسرين عدا ابن عطية.

ذلك أن تعريف اليوم باللام مع كونه ظرفاً منصوباً يقتضي أن اليوم مراد به يومٌ حاضر في وقت نزول الآية نظير وقتتِ كلام المتكلم إذا قال: اليوم يكون كذا، يتعين أنه يخبر عن يومه الحاضر، فليس ضَحِك الذين آمنوا على الكفار بحاصل في وقت نزول الآية وإنما يحصل يوم الجَزاء، ولا يستقيم تفسير قوله: ﴿ فاليوم ﴾ بمعنى: فيوم القيامة الذين آمنوا يضحكون من الكفار، لأنه لو كان كذلك لكان مقتضى النظم أن يقال فيومئذ الذين آمنوا من الكفار يضحكون.

وابن عطية استشعر إشكالها فقال: «ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: ﴿ فاليوم ﴾ على حكاية ما يقال يومئذ وما يكون اه.

وهو انقداح زناد يحتاج في تَنَوُّرِهِ إلى أعواد.

فإمّا أن نجعل ما قبله متصلاً بالكلام الذي يقال لهم يوم القيامة ابتداء من قوله: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ [المطففين: 17] إلى هنا كما تقدم.

وإمّا أن يجعل قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا ﴾ الخ مقول قول محذوف دل عليه قوله في الآية قبله: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ .

والتقدير: يقال لهم اليومَ الذين آمنوا يضحكون منكم.

وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: ﴿ الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ دون أن يقال: فاليوم يضحك الذين آمنوا، لإِفادة الحصر وهو قصر إضافي في مقابلة قوله: ﴿ كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ أي زال استهزاء المشركين بالمؤمنين فاليومَ المؤمنون يضحكون من الكفار دون العكس.

وتقديم ﴿ من الكفار ﴾ على متعلَّقه وهو ﴿ يضحكون ﴾ للاهتمام بالمضحوك منهم تعجيلاً لإِساءتهم عند سماع هذا التقريع.

وقوله: ﴿ من الكفار ﴾ إظهار في مقام الإِضمار، عُدل عن أن يقال: منهم يضحكون، لما في الوصف المظهر من الذم للكفار.

ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ من الكفار يضحكون ﴾ تقديره: ينظرونهم، أي يشاهدون المشركين في العذاب والإِهانة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ فَكِهِينَ بِغَيْرِ ألْفٍ وقَرَأ غَيْرُهُ بِألْفٍ، وفي القِراءَتَيْنِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَرِحِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُعْجَبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وقَدْ فَكِهْتُ مِنَ الدُّنْيا فَقاتِلُوا يَوْمَ الخَمِيسِ بِلا سِلاحٍ ظاهِرٍ الثّالِثُ: لاهِينَ.

الرّابِعُ: ناعِمِينَ، حَكى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَرَوى عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (قالَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ: وعِزَّتِي لا أجْمَعُ عَلى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، ولا أجْمَعُ لَهُ أمْنَيْنَ، فَإذا خافَنِي في الدُّنْيا أمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا أمِنَنِي في الدُّنْيا أخَفْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ)» .

﴿ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ هَذا سُؤالُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ عَنِ الكُفّارِ حِينَ فارَقُوهم، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ هَلْ أُثِيبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَعْلَمُونَ في الكُفْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هَلْ جُوزِيَ الكُفّارُ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَيَكُونُ (ثُوِّبَ) مَأْخُوذًا مِن إعْطاءِ الثَّوابِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ هَلْ رَجَعَ الكُفّارُ في الآخِرَةِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ويَكُونُ مَأْخُوذًا مِنَ المَثابِ الَّذِي هو الرُّجُوعُ، لا مِنَ الثَّوابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ أيْ مَرْجِعًا.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: هَلْ رَجَعَ مِن عَذابِ الكُفّارِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم عُذِّبُوا، وجازَ أنْ يَظُنُّوا في كَرَمِ اللَّهِ أنَّهم قَدْ رُحِمُوا.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك ﴾ قال: عاقبته مسك، قوم يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: شراب من أشرف الشراب عيناً في الجنة يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: الخمر ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: طينه مسك ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: تسنيم عليهم من فوق دورهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الحسن ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: هي الخمرة ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: الخمر ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: آخر طعمه مسك.

وأخرج عبد بن حميد عن علقمة ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: خلطه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مالك بن الحارث ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: هي عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: التسنيم أفضل شراب أهل الجنة.

ألم تسمع يقال للرجل إنه لفي السنام من قوله.

وأخرج ابن المنذر عن علي قال: ﴿ نضرة النعيم ﴾ هي عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فيجري عليهم نضرة النعيم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ﴿ مختوم ﴾ قال: ممزوج ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: طعمه وريحه.

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: الرحيق الخمر والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق عليّ عن ابن عباس ﴿ من رحيق مختوم ﴾ قال: ختم بالمسك.

وأخرج الفريابي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: ليس بخاتم يختم به، ولكن خلطه مسك.

ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول خلطه من الطيب كذا وكذا.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن علقمة مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن أبي الدرداء ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلى وجد ريحها.

وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي سعيد رفعه: «أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم» .

وأخرج البيهقي عن عطاء قال: التسنيم اسم العين التي تمزج بها الخمر.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﴿ تسنيم ﴾ أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين ويمزج لأصحاب اليمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين ويشرب بها المقربون صرفاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: هذا مما قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن حذيفة بن اليمان قال: تسنيم عين في عدن يشرب بها المقربون صرفاً ويجري تحتهم أسفل منهم إلى أصحاب اليمين فيمزج أشربتهم كلها الماء والخمر واللبن والعسل يطيب بها أشربتهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: تسنيم عين تثعب عليهم من فوق وهو شراب المقربين.

أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ قال: في الدنيا ويقولون والله إن هؤلاء لكذبة، وما هم على شيء، استهزاء بهم.

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في البعث عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المستهزئين بالناس في الدنيا يرفع لأحدهم يوم القيامة باب من أبواب الجنة فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه، فإذا أتاه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إنه ليفتح له الباب فيقول: هلم هلم فلا يأتيه من إياسه» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ قال: قال كعب: إن بين أهل الجنة وأهل النار كوى لا يشاء الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ هل ثوِّب ﴾ قال: جوزي.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله (١) ﴿ يَتَغَامَزُونَ ﴾ (٢) (يتفاعلون من الغمز، وهي الإشارة بالجَفنِ، والحَاجبِ، ويكون الغمز بمعنى العيب، غمزه إذا عابه، وما في فلان غميزة، أي مَا يعاب به (٣) (١) في (أ): قوله.

(٢) ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ .

(٣) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة": 8/ 55 - 56: مادة: (غمز)، وانظر: "لسان العرب" 5/ 388، 390: مادة: (غمز).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ نزلت هذه الآية في صناديد قريش، كأبي جهل وغيره، مر بهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ أي يغمز بعضهم إلى بعض ويشير بعينيه، والضمير في مروا يحتمل أن يكون للمؤمنين أو للكفار، والضمير في يتغامزون للكفار لا غير ﴿ فَكِهِينَ ﴾ من الفكاهة وهي اللهو، أي يتفكرون بذكر المؤمنين، والاستخفاف بهم قاله الزمخشري.

ويحتمل أن يريد يتفكهون بنعيم الدنيا ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ ﴾ أي إذا رأى الكفار المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، وقيل: إذا رأى المؤمنون الكفار نسبوهم إلى الضلال والأول أظهر وأشهر ﴿ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾ أي ما أرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وكأنه قال: كلامهم بالمؤمنين فضول منهم ﴿ فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ ﴾ يعني باليوم يوم القيامة إذ قد تقدم ذكره، فيضحك المؤمنون فيه من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ معنى ثوب جوزي، يقال: ثوبه وأثابه إذا جازاه.

وهذه الجملة يحتمل أن تكون متصلة بما قبلها في موضع مفعول ينظرون، فتوصل مع ما قبلها أو تكون توقيفاً فيوقف قبلها ويكون معمول ﴿ ينظرون ﴾ محذوفاً حسبما ذكرنا في ينظرون الذي قبل هذا وهذا أرجح لاتفاق الموضعين.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بل ران ﴾ حفص يقف على ﴿ بل ﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل.

وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ ران ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿ تعرف ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ نضرة ﴾ بالرفع: يزيد ويعقوب ﴿ خاتمه ﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: عليّ.

﴿ أهلهم ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما.

الباقون: بضم ميم الجمع فقط ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد وحفص ﴿ هل ثوب الكفار ﴾ بالإدغام: حمزة وعلى وهشام.

الوقوف ﴿ للمطففين ﴾ ه لا ﴿ يستوفون ﴾ ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ يخسرون ﴾ ه للاستفهام ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة ﴿ لرب العالمين ﴾ ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة ﴿ سجين ﴾ ه ط ﴿ ما سجين ﴾ ه ط للحذف أي هو كتاب ﴿ مرقوم ﴾ ه ط لأن ﴿ ويل ﴾ مبتدأ ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ط للابتداء بالنفي ﴿ أثيم ﴾ ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له ﴿ الأوّلين ﴾ ه والوقف لما ذكر ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لمحجوبون ﴾ ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ الجحيم ﴾ ه ك لاختلاف الجملتين ﴿ تكذبون ﴾ ه ك ﴿ عليين ﴾ ه ك ﴿ عليون ﴾ ه ك ﴿ مرقوم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ نعيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال أو صفة ﴿ ينظرون ﴾ ه لا لذلك ﴿ النعيم ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً ﴿ مختوم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ مسك ﴾ ط ﴿ المتنافسون ﴾ ه ط ﴿ تسنيم ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ عيناً ﴾ حال كما قال الزجاج.

فإن أريد النص على المدح جاز الوقف ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ يضحكون ﴾ ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى ﴿ يتغامزون ﴾ ه ك لذلك ﴿ فكهين ﴾ ه ك ﴿ لضالون ﴾ ه لا لأن المنفية حال ﴿ حافظين ﴾ ه ط لتبدل الكلام معنى ﴿ يضحكون ﴾ ه لا ﴿ ينظرون ﴾ ه ط ﴿ يفعلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف.

والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء.

وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

روي أن رسول الله  قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.

قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم.

وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله  فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس.

قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟

قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" " وعن علي  مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.

كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.

والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن.

قال الفراء: " من" و " على " يعتقبان في هذا الموضع.

فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك.

وقال أهل البيان: وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر.

وجوز أن يتعلق الجار بـ ﴿ يستوفون ﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.

والضمير في ﴿ كالوهم أو وزنوهم ﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل.

قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.

وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا.

وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط.

وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر.

قلت: النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاح لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال  ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا" وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى.

وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة.

والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد.

وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.

وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف.

والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً.

ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ ألا يظن ﴾ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي.

والمراد هب أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنون أيضاً كقوله ﴿ إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين  ﴾ وفي الإشارة إليهمبـ ﴿ أولئك ﴾ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية.

وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم.

ففيه تعظيم شأن المقسم عليه.

عن النبي  " يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر " قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة.

وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟

وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم.

وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله ﴿ وقوموا لله قانتين  ﴾ ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله.

وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور.

وسجين " فعيل" من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علماً لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية ﴿ كتاب مرقوم ﴾ ليس تفسيراً للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم.

وموقع قوله ﴿ وما أدراك ما سجين ﴾ اعتراض تعظيماً لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كان العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.

وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان.

ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعاً أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته.

وعن أبي هريرة مرفوعاً أنه جب في جهنم.

وقال الكلبي: صخرة تحت الأرض السابعة.

والتحقيق أنه  أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيماً لحالهم.

ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله ﴿ الذين يكذبون ﴾ للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله  فهو كقولك " فعل فلان الفاسق الخبيث ".

وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به.

ثم بالغ في الذم بقوله ﴿ وما يكذب به إلاّ كلٌّ معتد أثيم ﴾ متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالاً وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره.

أثيم في إعمال القوى البدينة في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضاً.

ثم أضرب عن أن يكون لهم اختبار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها.

قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين ريناً وريوناً إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب.

قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم.

والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا جاء في الحديث " إنه ليغان على قلبي " وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها.

ثم قال ﴿ كلا ﴾ حقاً وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته.

قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم.

وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته.

وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين.

ثم أخبر بقوله ﴿ ثم إنهم لصالوا الجحيم ﴾ أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون عن حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ﴿ ثم يقال ﴾ في معرض التوبيخ ﴿ هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ جمعاً بين عذاب الوجل وعذاب الخجل.

ثم شرع في قصة الأبرار.

وعليون جمع " عليّ " " فعيل " من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفرداً كقنسرين من حيث إنه جعل علماً لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع من السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون.

وقال مقاتل: هو في ساق العرش.

وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش.

وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار.

ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم.

قال  " "يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا " وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك.

وقال بعضهم: ينظرون إلى الله  بدليل قوله ﴿ تعرف ﴾ يا من له أهل العرفان ﴿ في وجوههم نضرة ﴾ وقوله في موضع آخر ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالاً تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار.

والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها ﴿ مختوم ﴾ أوانيه ﴿ ختامه ﴾ أي ما يختم به ﴿ مسك ﴾ مكان الطينة أو الشمعة.

وإنما ختم تكريماً وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة.

وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب.

وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة.

قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين.

والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه.

عن أبي الدرداء مرفوعاً: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة.

قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم.

ثم رغب في العمل الموجب لهذا الكرامة قائلاً ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.

قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية.

والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل.

وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض.

والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين.

فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجاً لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق.

ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه ﴿ فاليوم ﴾ قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبال وغيرهم من فقراء المؤمنين.

وقيل: جاء علي بن أبي طالب  في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي  .

والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث.

ومعنى ﴿ فكهين ﴾ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم.

قوله ﴿ وما أرسلوا ﴾ حال معترضة إنكاراً من الله عليهم وتهكماً بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم.

وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام.

قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا.

يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها.

فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك.

ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية.

قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين.

ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً  ﴾

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزو جل -: ﴿ إِِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ : وجه ذكر صنيع الكفرة بالمؤمنين في القرِآن، وجعله آية تتلى وإن كان المؤمنون بذلك عارفين - يخرح على [ثلاثة أوجه]: أحدها: [أن] فيه تبيين موقع الحجج في قلوب المؤمنين وعملها بهم؛ وذلك أن المؤمنين لما سخت أنفسهم باحتمال الأذى والمكروه من الكافرين، انتصبوا لمعاداة آبائهم وأجدادهم وأهاليهم، ورفضوا شهواتهم، وتركوا أموالهم، واختاروا اتباع محمد  ودينه، ومعلوم أنهم لم يحملوا أنفسهم كل هذه المؤن؛ طمعا ورغبة في الدنيا؛ لما لم يكن عند رسول الله  ما يرغب في مثله من نعيم الدنيا؛ فثبت أن الحجج هي التي حملتهم ودعتهم إلى متابعته لا غير؛ فيكون فيما ذكرنا تثبيت رسالته، وإن لم يكن في الآية إشارة إلى الحجج التي اضطرتهم إلى تصديقه والانقياد له؛ فيكون في ذكره تقرير لمن تأخر عنهم من المؤمنين لرسالته،  .

والثاني: أن أولئك المؤمنين صبروا على ما نالهم من المكاره، واستقبلهم من أنواع الأذى في قيامهم بأمر الله  ؛ ليكون في ذكره تذكير لمن تأخر من المؤمنين: أن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا عذر لهم في الامتناع عن القيام بما ذكرنا وإن نالهم من ذلك أذى ومكروه؛ بل الواجب عليهم الصبر على ما يصيبهم، والقيام بما يحق عليهم.

أو ذكر ما لقي الأوائل من السلف من المعاداة والشدائد من الكفرة بإظهارهم دين الإسلام، ثم نلنا نحن هذه الرتبة، وأكرمنا بالهدى بلا مشقة وعناء؛ لنشكر الله  بذلك ونحمده عليه؛ لعظمة ثنائه لدينا، وجزيل مننه علينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ فضحكهم لا يكون لأحد وجهين: إما على التعجب منهم أن كيف اختاروا متابعة محمد  ، وحملوا أنفسهم في الشدائد، ورضوا بزوال النعيم عنهم من غير منفعة لهم في ذلك، وهم قوم كانوا لا يؤمنون بالبعث؛ فكانوا يكذبون بما وعد المؤمنون من النعيم في الآخرة؛ وكان يحملهم ذلك على التعجب؛ فيضحكون متعجبين منهم.

أو كانوا يضحكون على استهزائهم بالمؤمنين، يقولون: إن هؤلاء بمحمد  وصدقوه فيما يخبرهم من نعيم الآخرة، ولا يعرفون أنه كذلك، وكانوا يجهلون المؤمنين على ما جهلوا بأنفسهم، وظنوا أن لا بعث ولا جنة ولا نار.

قال أبو بكر: المجرم: هو الوثاب في المعاصي.

وذكر أبو بكر أن في ذكر صنيع الكفار بالمؤمنين دلالة رسالة النبي  ، وذلك أنهم كانوا يضحكون من المؤمنين، ويتغامزون، وينسبونهم إلى الضلال سرا من المسلمين، فأطلع الله -  - نبيه -  - على ما أسروا من الأفعال؛ ليجعل لهم من أفعالهم حجة عليهم لنبوته ورسالته،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴾ قال بعضهم: لاهين، أو معجبين بحال المؤمنين، أو مسرورين، كما قال -  -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ ﴾ : يجوز أن يكونوا نسبوهم إلى الضلال؛ لتركهم دين آبائهم، ورأوا ما اختاروا من تحمل الشدائد، ورضوا بضيق من العيش ضلالاً منهم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾ أي: لم يرسلوا بحفظ أعمال المسلمين؛ فيكون في ذكر هذا تسفيه أحلامهم، وهو أنهم تركوا النظر في أحوال أنفسهم، وجعلوا يعدون على المسلمين عيوبهم كأنهم أرسلوا عليهم حفاظا، وما أرسلوا.

أو يكون هذا إخبار عن الكفار أنهم يقولون: ما أرسل على أحد حافظ يحفظ عليه أعماله؛ فيكون هذا على الإنكار منهم بالكارم الكاتبين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ يكون ضحكهم على المجازاة للكفرة بما كانوا يضحكون منهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴾ منهم من وقف على قوله: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ﴾ .

ومنهم من رأى موضع الوقف على قوله: ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ .

فإذا وقفت على قوله: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ﴾ كان معناه: أنهم ينظرون: هل جوزي الكفار ما أوعدهم الرسل في الدنيا أو لا بعد؟

وإذا وقفت على قوله: ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ ، كان قوله -  -: ﴿ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ ﴾ ، أي: قد جوزي الكفار ما كانوا يفعلون، فهم ينظرون كيف يعاقبون.

ثم القول: أن كيف احتملت أنفسهم النظر إلى الكفار بما هم فيه من التعذيب، والمرء إذا رأى أحدا في شدة العذاب، لم يحتمل طبعه ذلك، ونغص عليه العيش؛ فجائز أن يكون الله -  - أنشأهم على خلقة لا تقبل المكاره ولا تجدها؛ بل تنال اللذات كلها والمسار.

أو ارتفع عنهم المكروه؛ لبلوغ العداوة بينهم وبين أهل النار غايتها، وكذلك يرى المرء في الشاهد إذا عادى إنسانا واشتدت العداوة فيما بينهما، ثم رآه يعذب بألوان العذاب، لم يثقل عليه ذلك؛ بل أحب أن يزاد منه.

ثم جائز أن يرفع إليهم أهل النار إذا اشتاقوا النظر إليهم، فيرونهم.

أو يجعل في بصرهم من القوة ما ينتهي إلى ذلك المكان.

ثم ذكر بعضهم أن هذه السورة مكية.

ومنهم من ذكر أنها نزلت بين مكة والمدينة، وهي مكية.

ومنهم من ذكر أن أولها مدنية وآخرها مكية، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا مرّوا بالمؤمنين غمز بعضهم لبعض سخرية وتَنَدُّرًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.OAe0x"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سورة المطففين قيل مكية كما ذكر، وقيل مدنية، نزلت في حال أهل المدينة حين قدمها النبي  ، حيث كانوا أخبث الناس كيلًا كما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس.

(والمطففون) قد بينهم اللَّه في قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  ﴾ ، أي إذا كان لهم عند الناس في شىء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامًا كاملًا.

ولهذا عدى ﴿ اكْتَالُوا  ﴾ بعلى، فقال اكتالو عليهم ولم يقل منهم لأن؛ ما يأخذونه حق على الناس يستوفونه منهم ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ ، أي إذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسار، ولما كان المعنى على الإعطاء، عدى (كال) إلى الضمير بدون حرف.

وقد يكون على حذف الجار والإيصال كما في قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الآوبر أي جنيت لك، والأصل كالوا لهم.

والأكمؤ: جمع كمأة، وهي ما يعرف عند العامة الآن بعيش الغراب.

والعساقل ضرب منه أبيض، وقيل لونه بين البياض والحمرة.

وبنات الآوبر: ضرب منه كذلك رديء الطعم.

وإنما سمي من يبخس الكيل في حال ويملؤه أو يزيد عليه في حال مطففًا، لأنه يبلغ في كيله طفاف الكيل كسحاب أي ما يقرب من ملئه ولا يملأه في الحالة الأولى، ويبلغ الطفاف أو الطفافة بالضم -وهي ما فوق المكيال- في الحالة الثانية، ولأنه يطلب الغنى بشىء طفيف، وهو ما يأخذه من البخس إذا اكتال منك، ومن الزيادة إذا اكتال عليك.

وقد ذكر اللَّه في هذه السورة تفصيلًا لما أجمله في السورة السابقة، فقد جاء بنوع من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال، ثم جاء بنوع آخر وهو التكذيب بيوم الدين، وبمنشأ ذلك التكذيب وهو الاعتداء وملازمة الآثام، وأتبع ذلك بأثر من آثار التكذيب وهو دعوى أن آيات اللَّه في كتابه هي أساطير الأولين.

كل هذا بيان للفجور المؤدي بصاحبه إلى الجحيم، ثم زاد ما يلاقونه في الآخرة تفصيلًا من حيث ذكر أين يكون كتابهم، وذكر حجبهم عن ربهم، وما يقال لهم من قوارع التبكيت، وكذلك فصل في نعيم الأبرار ما أجمله في السورة المتقدمة كما ترى.

بعد أن قال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ أي هلاك لهم عظيم ونكال ينتظرهم، قال: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  ﴾ أي إن تطفيف الكيل واختلاس مال الناس بوسيلة هذا العمل مما لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه يبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله، ولو ظن البعث والحساب لما طفف ولا بخس الميزان.

ولهذا تنزل حالة المطفف منزلة حال من يجهل ظنه بالحياة الآخرة، فضلًا عن اعتقاده فيها، فيستفهم عنه، كما قال: إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم، أي فيه؟

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، أي يقفون للعرض عليه، ويطول بهم الموقف إعظامًا لجلاله وإجلالًا لمقامه جل شأنه.

واعتبار المطفف كأنه لا يظن سيبعث للقيام بين يدي ربه، وتنزيله منزلة المنكر للبعث، اعتبار حق لا يجادل فيه إلا مغرور باللَّه، أو جاهل بدينه، بل منكر لحقيقته.

وكيف يصر على إيذاء الناس والغض من حقهم من يظن بعض الظن أنه سيقوم بين يدي رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين، القاهر الجبار، ليحاسب على النقير والقطمير والحبة والذرة ؟.

(كلا) لا يقيم على ذلك إلا منكر لما أوعد به، أو متأول فيها يدفع عنه العقاب وينجيه من الحساب، لا يبعد به تأوله عن منزلة المنكر، بل يسقطه مع صاحبه في النار وبئس القرار.

هذا ما ينذر اللَّه به المطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيل ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم فيحرمونهم حق التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك أو نفوذ السلطان، أو باستعمال طرق الحيلة؟

فهل يعد هؤلاء من الشاكين في يوم البعث، فضلًا عن الظانين أو الموقنين؟

لا ريب أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين، وإن زعموا بلسانهم أنهم من الموحدين المؤمنين.

يروى أن أعرابيًا قال لعبد الملك بن مروان: "سمعت ما قال اللَّه في المطففين"؟!

أراد بذلك أن قد حق الوعيد على المطفف على النحو الذي سمعت من التهويل والتعظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تنهب وتسلب وتنتزع الأموال من أيدي أربابها بالقوة والقهر لا بالحيلة والخدعة، استعظامًا لقوتك، وغفلة عن جبروت اللَّه، وتكبرًا على الناس، ولا تكتفي من ذلك بالقليل كما هو شأن المطفف، ولا ترضى بما دون استئصال الأموال ومسح ما يبقى من غبارها بأيدي أهلها؟

فالويل كل الويل لك ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قرىء (يوم يقوم) بالفتح والجر، وعلى الثاني هو بدل من يوم عظيم، وعلى الأول ظرفًا لـ (مبعوثون)، أو منصوبًا على الاختصاص، وهو ما نختاره لأن المقام له.

كلا ردع لهم عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب، وضعف اعتقادهم به فإن ذلك غرور منهم لا يرجعون فيه إلى سند، وذلك أنهم بعلمهم هذا يعدون من الفجار، والفجار يحاسبون على أعمالهم لا يغفل منها شيء، فإن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم خفيها وجليها، حقيرها وعظيمها، وذلك الكتاب يسمى بسجين وهو مرقوم، أي قد أُثبت فيه العلامات الدالة على الأعمال.

ويفهم من استعمال اللفظ في اللغة، ومن مقابلته بكتاب الأبرار الذي في عليين، أن فيه معنى التسفل، كما أن مقابله معنى التعلي، وقد رأيت في بعض كتب أهل البحث في اللغات أن الوحل يسمى في اللغة الأثيوبية سنجون (بالجيم العجمية مع إمالة في حركة الواو)، ولا يخفى ما في معنى الوحل من التسفل، وقد يكون هذا اللفظ من استعمال عرب اليمن، فإن فيها كثيرًا من الألفاظ الأثيوبية لكثرة المخالطة بينهم وبين أهل الحبشة، استعملوه فيما يقارب الوحل، فلا يبعد أن يقال إن الكتاب فيه أي أنه مكتوب به، أو على التصوير والتمثيل، أي إن الأعمال -لخبثها- تصور وتمثل كأنها مكتوبة به ويكون معنى كون الوحل وما يقاربه كتابًا مرقومًا، أن الأعمال بعد أن خطت به صار ذلك المداد القبيح كتابًا مرموقًا.

وعلى أن سجينًا اسم لما تحصى فيه الأعمال يجوز أن يكون لفظ (كتاب) الأول مصدرًا، أي أن كتبهم وإثبات أسمائهم وأعمالهم هو في ذلك الكتاب الذي هو كالسجل لتلك الأسماء والأعمال، ويقال كتب اللَّه فلانًا في الأشقياء أو في السعداء، أي أدرج اسمه بين أسمائهم فيما قد لهم، فكذلك يقال كتب الفجار في سجين، أي أودع أسماءهم فيه مقرونة إلى أعمالهم.

ويجوز أن يكون كتاب بمعنى المكتوب، ومعنى كونه في سجين أن سجينًا هو ذلك السجل العام المسمى بسجين.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ إعادة للوعيد الأول في قوله ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ بعبارة أدل على عظم الجرم وأعم تشمل تلك الجريمة وغيرها، وذلك أنه قال في المطففين ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ليبين أن الإصرار على ذلك العمل القبيح يدل على ارتفاع الظن بالبعث، ثم أعاد الوعيد بلفظ المكذبين الذي يشمل أولئك المطففين وغيرهم، وهو الذين يكذبون بيوم الدين، أي يوم الجزاء، سواء كان التكذيب بجحد الخبر به مباشرة أو كان بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب.

وعدم المبالاة هو التكذيب المستبطن في النفس الذي تجري عليه في أعمالها، وإن كانت لا تظهره في أقوالها، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.

ولهذا جعل الاعتداء والإثم مناط التكذيب في قوله ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  ﴾ ، فإن من كان ميالًا إلى العدل في خلائقه وأفعاله، واقفًا عندما حدد اللَّه لعباده في شرائعه وسننه، لا يعتدي حدو النصفة، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما مال إليه، أما من اعتدى الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام وإتيان ما فيه الغض من حقوق الناس والإضرار بهم والإخلال بنظامهم فذلك الذي يصعب، بل يكاد يمتنع عليه الإذعان بأخبار الآخرة، لأنه يأبى النظر في أدلتها وتدبر البينات القائمة على صدقها، لأن في ذلك قضاء على نفسه بالسفه، وحكما عليها بالظلم -ذلك فيما مضى لها- ثم فيه تخويف لها من ارتكاب مثل عملها فيما يستقبل، وهي جامحة طامحة، فهو لا يريد إلا أن يعللها بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل أو التعلق بالأماني، من نصرة الأولياء، أو توسط الشفعاء.

فلذلك إذا تليت عليه الآيات المنزلة الناطقة بأصدق الخبر عما يكون في ذلك اليوم مما لا مفر منه ﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ .

والأساطير أحاديث لا نظام لها، أي ذلك كلام مكرر الحكاية، يؤثره الآخر عن الأول، والخلف عن السلف، ولكنه ما لاينطبق على الواقع، فهو مما تعودت النفوس سماعه وتعودت سماعه وتعودت ألا تتأثر منه وألا تحلى منه بطائل، فلا يستحق النظر فيه.

هكذا حال القوم يتلى عليهم كتاب اللَّه، وفيه ما ينعى عليهم حالهم ويكشف لهم ما لبسوا على أنفسهم، وبينّ لهم سيئات أعمالهم، فيقولون هذا مفهوم ولكن من ذا الذي يعمل به؟

ولم لم يعمل فلان وفلان حتى كنا نسلك مسلكهم، ونستقيم على طريقهم؟

فهؤلاء واصفون لكتاب اللَّه بأنه أساطير الأولين، وإن لم ينطقوا باللفظ الدال على الوصف ليعللوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وأنهم مع فجورهم ناجون.

(كلا) إن هذه الآيات ليست بأساطير تسطر، وأقاصيص تحكى، وتؤثر وتعاد وتكرر بدون حقيقة ولا أثر، بل هي الحق الذي لا مراء فيه، عرفه منها أهل العدل المتعرضون للرحمة والفضل، وإنما الذي غطى قلوب المكذبين، وحجبها عن فهم ما جاءت به الآيات، تلك الملكات الرديئة، والعادات السيئة والأعمال الخبيثة التي كانوا يكسبونها.

وران على قلبه: أي ركبه وغطاه، ومعنى رين الذنب وركوبه القلب حتى يحجبه عن الفهم هو ما ذكرناه لك من أن المسيء الذي ضربت نفسه بالقبيح يسعى جهده في البعد عن كل ما يكدر صفوه، فهو يعرض عن كل ما يجد فيه تهجينًا لعمله، أو تخويفًا من عاقبة فعله.

وهل يغنيهم هذا العمى من الحق شيئًا؟

(كلا) إنهم سيكونون يوم القيامة في المكان الدون، وموقف الهون، و ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ  ﴾ .

ولا يحجب عن الرب الكريم إلا المخذول المرذول، الذليل المهين ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ  ﴾ -بعد أن يطردوا عن أبواب الكرامة- يقذف بهم حيث لا يلقون إلا الأسف والندامة، يقذف بهم في الجحيم يصلونها ويقاسون حرها ﴿ ثُمَّ يُقَالُ  ﴾ لهم ﴿ هَذَا  ﴾ هو العذاب ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، تبكيتًا لهم، وزيادة في التنكيل بهم، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر -وهو يتألم له- بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.

(كلا) ردع عن التكذيب المذكور في قوله: ﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، وإنما يجب تجنبه طلبًا للكرامة في ملازمة التصديق الذي هو ضده، فإن كتاب الأبرار في عليين إلخ.

وقد بينا في السور السابقة معنى (الأبرار)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المفصلة في السور والآيات، فهؤلاء لا يضيع عمل عامل منهم، بل كل ما عمله فقد أحصاه اللَّه في كتاب مرقوم، اسمه عليون.

والكلام على لفظ كتاب الأول كالكلام عليه فيما سبق، وقد رأيت عن بعض الباحثين في اللغات الشرقية أن لفظ علوًا في اللغة الأثيوبية (الحبشية القديمة) معناه النقش باللون الأحمر، فإن لم يكن العليون من العلو فمن الجائز أن اللفظ دخل في لغة أهل اليمن وعرب الجنوب على معنى الزينة، ثم أطلق على كل مزين لطيف، وقد يدل على ذلك تخالف البناء والوزن مع ما هو من معنى العلو.

وهذه الكتب التي تكتب فيها أعمال المجرمين أو أعمال الأبرار مما استأثر اللَّه بعلم حقيقته، "فسجين" و "عليون" موجودان، أودعهما اللَّه أعمال الخاسرين والناجين وليس علينا أن نعرف أنها من أوراق أو أخشاب أو معادن أخر، أو من أرواح غير أجسام، كل ذلك مما لا حاجة إلى البحث فيه لاستكمال الإيمان، وقد يكشفه اللَّه للمصطفين من عباده.

ولهذا قال ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ وجاء بهذه الصفة ليدل بها على أنه أمر محقق الثبوت، حتى أن المقرب ليشهده شهود العيان إذا وصل من القرب إلى الحد الذي يكشف له فيه ذلك الكتاب وأمثاله.

ولما كان المقصود من شهود المقربين هو ما ذكرنا واللَّه أعلم، ظهر وجه ذكر هذه الصفة في جانب كتاب الأبرار، وعدم ذكر مثلها في جانب كتاب الفجار، لأن الفجار لا يشهدهم اللَّه كتبهم وكتب غيرهم لتسفل أرواحهم وتدنسها بأوضار الفجور، فأنَّى يكون لها الاطلاع إلى غيب لا تدنو منه إلا النفوس العالية، والعقول الصافية.

وقيل المراد بالقربين الملائكة، وعليه لا يظهر تخصيص كتاب الأبرار بذلك، فإن كتاب الفجار مشهود لهم كذلك.

بعد أن أكد الخبر بإحصاء أعمال الأبرار، وأن إحصاءها في كتاب رفيع مكرم جليل، أخذ يفصل ما ينالونه من الجزاء على البر والإحسان فقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  ﴾ .

والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله الخفض والدعة، وما فيه لذة وراحة وليس فيه ألم وعناء، وهو ضد البأساء والبؤس.

و ﴿ الْأَرَائِكِ  ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس بيت -أي خيمة- يزين بالثياب والأسرة والستور.

وقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ  ﴾ أي يمدون أعينهم إلى ما شاءوا، لا يغضى الخري من أبصارهم.

و(نضرة النعيم) بهجته وماؤه ورونقه.

و(الرحيق) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، وهو قول الزجاج، وقيل هو أعتق الخمر وأفضلها، وقيل هو صفوتها، وهي معان كلها متقاربة.

و(مختوم) ختمت أوانيه وسدت، وكان ختامها المسك مكان الطينة.

وقيل المراد من (ختامه)، مقطعه بعد الشرب، أي أن الشارب يجد منه رائحة المسك بعد أن يشربه، ولا يجد تلك الرائحة الخبيثة التي يجدها شارب الخمر.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  ﴾ ، أي في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضًا إليه بالأعمال التي تقرب منه.

وهذه الجملة معترضة ذكرها عقب أنواع النعيم المتقدمة قبل أن يأتي على بقية أوصاف الرحيق، إسراعًا إليك بالترغيب في التسابق إلى ما عد من أنواع السعادة، وقد يعود اسم الإشارة في ذلك إلى الرحيق المختوم، تمييزًا له من بين أنواع النعيم السابقة بالترغيب فيه، والجملة اعتراض على كل حال، وكل نوعين اختلطا فأحدهما مزج صاحبه ومزاجه.

فبعد أن قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ  خِتَامُهُ مِسْكٌ  ﴾ بيّن ما يمزج بذلك الرحيق إذا رغب راغب أن يمزجه بشيء، ودل على أن مزاجه يكون من التسنيم: وهو ماء يأتي من الأعالي واسمه التسنيم، ليطابق الاسم مسماه، ثم زاده بيانًا بقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

فعينًا منصوب على الاختصاص بالمدح، وفيه من البيان ما لا يخفى.

﴿ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ أي يشربون بها الرحيق مزاجًا له إذا أرادوا.

و(المقربون) هم الأبرار بعينهم، ذكرهم بهذا الوصف زيادة في تكريمهم.

كل هذه الأنواع من النعيم التي ذكرت في الآيات مما ترغب فيه الأنفس، وتتسابق إليه الهمم، لهذا حفز اللَّه بها عزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، وليطمع فيها الواقف على أول الطريق، فليزم الجادة الواضحة، ويدع المعوجة الملتبسة، ويسلك سبيل السابقين، وليرد بها من جار على النهج ويقيمه على الصراط المستقيم.

هذا والمفهوم منها ما يشبه ما نحن فيه، فما ظنك بها لو كانت أرقى وأكمل، وأعلى وأفضل وأنه لا يدانيها شيء مما نعهده في الدنيا إلا في الاسم، أو ضرب من الشبه البعيد، كما هو حقيقة أمرها والحق في شأنها؟!

بعد أن ذكر ما أوعد به (الفجار) وهو أهل الجرائم ومقترفو السيئات، وما وعد به (المتقون) وهو أهل البر والإحسان، وما سيلاقيه كل من الفريقين في الدار الآخرة جزاء على عمله -أخذ يذكر ما كان لأحد الفريقين إلى الآخرة في الدنيا، وما سيكون من شأن الفريق الآخر مع الفريق الأول في الآخرة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا  ﴾ وهو المعتدون الأثمة، الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ذلك لأنه حين رحم اللَّه هذا العالم ببعثه النبي  كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته  ، ثم يهمس بها بعض من يلبيه ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسر بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القوي المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا.

كذلك كان شأن جماعة من قريش -كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد لما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم -إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق، وأزدرى السامعون منهم بالداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا مَرُّوا  ﴾ بأحد من أهل الحق يغمز بعضهم بعضًا هزوءًا به.

وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، ورجعوا إليهم فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل، كأن يقولوا: عجبًا!

هذا فلان يقول لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجهوا بالطلب فيما يفوق طاقتكم إلا إلى اللَّه وحده خالق السموات والأرض، فأين الأولياء والشفعاء؟

وكم فعلوا وتركوا، وضروا ونفعوا، وهو ينكر جميع ذلك، كأن الناس جميعًا في ضلال وهو وحده يعرف الحق!

.

.

ونحو ذلك مما يعدونه فكاهة يتلذذون بحكايته.

وإذا رأوا المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون، لأنهم طرحوا ما عليه العامة وذهبوا يعيبون العقائد والأعمال المتوارثة عن الآباء والأجداد.

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا  ﴾ : أي لم يرسل المؤمنون الصادقون الداعون إلى الحق لأن يكونوا ﴿ حَافِظِينَ  ﴾ عليهم، أي على الكافرين والمبتدعين المجرمين، أي لم يمنحهم اللَّه تلك المزية وهي: أن يكونوا رقباء عليهم، يعظونهم ويدعونهم إلى الخير وهجر الشر، فليسوا ملزمين بسماع دعوتهم والإصاخة لأدلتهم، فجملة (وما أرسلوا) وهي من كلام الذين أجرموا، حجدًا لحق المؤمنين في وعظهم وإرشادهم.

ذلك ما كان من معاملة المجرمين للمؤمنين في الدنيا: يهزأون بهم، ويضحكون منهم، ويجعلونهم أحاديث لهو ولغو -فانظر ما تكون معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة.

(فاليوم) أي يوم الدين والجزاء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  ﴾ ، لا ضحك الجاهل المغرور، بل ضحك الموقن المسرور، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به.

انكشف لهم بالعيان ما كانوا يرجونه من إكرام اللَّه لهم، وخذلانه لأعدائهم، فسروا بذلك وضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم سفه عقولهم وفساد أقوالهم فنكست أعناقهم لخزيهم وذلهم، فما أعظم مجد المؤمنين في ذلك اليوم!

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ  ﴾ إلى صنع اللَّه بأعدائهم، وتذليله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقًا!

فجملة (هل ثوب) متعلقة بينظرون، ليتحققوا: هلى جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه بهم في الدنيا؟

(وثوب) -مثل أثاب- بمعنى جازى.

يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير أي: هلى جوزي الكفار إلخ، ويجوز أن يكون استئنافًا واستفهامًا تقريريًا، كأنه خطاب للمؤمنين.

أي: هل رأيتم كيف جازى اللَّه الكافرين بأعمالهم؟

أي أنه فعل وجازاهم شر الجزاء وأنتم تعلمون ذلك.

والأول أظهر كما لا يخفى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله