الآية ٥ من سورة المطففين

الإسلام > القرآن > سور > سورة 83 المطففين > الآية ٥ من سورة المطففين

لِيَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة المطففين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة المطففين عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب من خسر فيه أدخل نارا حامية

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ليوم عظيم شأنه: هائل أمره، فظيع هوله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

شأنه وهو يوم القيامة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم توعد تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: { أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدى الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ليوم عظيم"، يعني يوم القيامة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليوم عظيم» أي فيه وهو يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

عذابٌ شديد للذين يبخسون المكيال والميزان، الذين إذا اشتروا من الناس مكيلا أو موزونًا يوفون لأنفسهم، وإذا باعوا الناس مكيلا أو موزونًا يُنْقصون في المكيال والميزان، فكيف بحال من يسرقهما ويختلسهما، ويبخس الناس أشياءهم؟

إنه أولى بالوعيد من مطففي المكيال والميزان.

ألا يعتقد أولئك المطففون أن الله تعالى باعثهم ومحاسبهم على أعمالهم في يوم عظيم الهول؟

يوم يقوم الناس بين يدي الله، فيحاسبهم على القليل والكثير، وهم فيه خاضعون لله رب العالمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ووصف اليوم بالعظيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى وبخ هؤلاء المطففين فقال: ﴿ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ ﴾ الذين يطففون ﴿ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو يوم القيامة، وفي الظن هاهنا قولان: الأول: أن المراد منه العلم، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدقين بالبعث، ويحتمل أن لا يكونوا كذلك أما الاحتمال الأول: فهو ما روي أن المسلمين من أهل المدينة وهم الأوس والخزرج كانوا كذلك، وحين ورد النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك شائعاً فيهم، وكانوا مصدقين بالبعث والنشور، فلا جرم ذكروا به، وأما إن قلنا: بأن المخاطبين بهذه الآية ما كانوا مؤمنين بالبعث إلا أنهم كانوا متمكنين من الاستدلال عليه، لما في العقول من إيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء، أو إمكان ذلك إن لم يثبت وجوبه، وهذا مما يجوز أن يخاطب به من ينكر البعث، والمعنى ألا يتفكرون حتى يعلموا أنهم مبعوثون، لكنهم قد أعرضوا عن التفكر، وأراحوا أنفسهم عن متاعبه ومشاقه، وإنما يجعل العلم الاستدلال ظناً، لأن أكثر العلوم الاستدلالية راجع إلى الأغلب في الرأي، ولم يكن كالشك الذي يعتدل الوجهان فيه لا جرم سمي ذلك ظناً القول الثاني: أن المراد من الظن هاهنا هو الظن نفسه لا العلم، ويكون المعنى أن هؤلاء المطففين هب أنهم لا يجزمون بالبعث ولكن لا أقل من الظن، فإن الأليق بحكمة الله ورحمته ورعايته مصالح خلقه أن لا يهمل أمرهم بعد الموت بالكلية، وأن يكون لهم حشر ونشر، وأن هذا الظن كاف في حصول الخوف، كأنه سبحانه وتعالى يقول: هب أن هؤلاء لا يقطعون به أفلا يظنونه أيضاً، فأما قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يَوْمٍ ﴾ بالنصب والجر، أما النصب فقال الزجاج: يوم منصوب بقوله: ﴿ مَّبْعُوثُونَ ﴾ والمعنى ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة، وقال الفراء: وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى يفعل فنصب، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ ﴾ وأما الجر فلكونه بدلاً من ﴿ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

المسألة الثانية: هذا القيام له صفات: الصفة الأولى: سببه وفيه وجوه: أحدها: وهو الأصح أن الناس يقومون لمحاسبة رب العالمين، فيظهر هناك هذا التطفيف الذي يظن أنه حقير، فيعرف هناك كثرته واجتماعه، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ  ﴾ .

وثانيها: أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها فتقوم تلك الأجساد من مراقدها، فذاك هو المراد من قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ .

وثالثها: قال أبو مسلم معنى: ﴿ يَقُومُ الناس ﴾ هو كقوله: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين  ﴾ أي لعبادته فقوله: ﴿ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ أي لمحض أمره وطعته لا لشيء آخر، على ما قرره في قوله: ﴿ والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .

الصفة الثانية: كيفية ذلك القيام، روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ قال: «يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» وعن ابن عمر: أنه قرأ هذه السورة، فلما بلغ قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ بكى نحيباً حتى عجز عن قراءة ما بعده.

الصفة الثالثة: كمية ذلك القيام، روى عنه عليه السلام أنه قال: «يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر» وعن ابن مسعود: «يمكثون أربعين عاماً ثم يخاطبون» وقال ابن عباس: وهو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة.

واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعاً من التهديد، فقال أولا: ﴿ وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ  ﴾ وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، ثم قال ثانياً: ﴿ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال ثالثاً: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة، ثم قال رابعاً: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ وفيه نوعان من التهديد أحدهما: كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذلة والانكسار والثاني: أنه وصف نفسه بكونه رباً للعالمين، ثم هاهنا سؤال وهو كأنه قال قائل: كيف يليق بك مع غاية عظمتك أي تهيء هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيلة لأجل الشيء الحقير الطفيف؟

فكأنه سبحانه يجيب، فيقول عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة في القدرة والعظمة في الحكمة، فعظمة القدرة ظهرت بكوني رباً للعالمين، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن انتصف للمظلوم من الظالم بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف، فإن الشيء كلما كان أحقر وأصغر كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين في محفل القيامة، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف.

وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ويقال: من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة، والذي يرى عيب الناس، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حق نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه، فهو من هذه الجملة والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

التطفيف: البخس في الكيل والوزن: لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير.

وروى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت فأحسنوا الكيل.

وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان: بكيل بأحدهما ويكتال بالآخر.

وقيل: كان أهل المدينة تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم.

وقال: «خمس بخمس» قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟

قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» وعن علي رضي الله عنه: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.

كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين: بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان؛ وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعاً وكانا مفرّقين في الحرمين: كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون، وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم.

وعن عكرمة: أشهد أنّ كل كيال ووزان في النار.

فقيل له: إنّ ابنك كيال أو وزان؛ فقال: أشهد أنه في النار.

وعن أبيّ رضي الله عنه: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم: أبدل (على) مكان (من) للدلالة على ذلك.

ويجوز أن يتعلق (على) بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة؛ فأما أنفسهم فيستوفون لها؛ وقال الفراء (من) و (على) يعتقبان في هذا الموضع، لأنه حق عليه؛ فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك؛ وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك.

والضمير في ﴿ كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ ضمير منصور راجع إلى الناس.

وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال: وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤاً وَعَسَاقِلاً ** وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ نَبَاتِ الأوْبَرِ والحريص يصيدك إلا الجواد، بمعنى: جنيت لك، ويصيد لك، وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد؛ وذلك أنّ المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأنّ الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه: ركيك؛ لأنّ خط المصحف لم يراع في كثير منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو؛ فمن لم يثبتها قال: المعنى كاف في التفرقة بينهما.

وعن عيسى بن عمر وحمزة: أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا فإن قلت: هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل ﴿ أَوْ وَّزَنُوهُمْ ﴾ ؟

قلت: كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً ﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ ينقصون يقال: خسر الميزان وأخسره ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً ﴿ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ ومحاسبون على مقدار الذرّة والخردلة.

وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، وأعدل كما تحب أن يعدل لك.

وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة.

وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابياً قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين: أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين: بيان بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل، وقيل: الظنّ بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر؛ ونصب ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ﴾ بمبعوثون.

وقرئ بالجر بدلاً من (يوم عظيم) وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين (6) ﴾ بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ فَإنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاسَرْ عَلى أمْثالِ هَذِهِ القَبائِحِ، فَكَيْفَ بِمَن تَيَقَّنَهُ وفِيهِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ.

﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ عَظَّمَهُ لِعِظَمِ ما يَكُونُ فِيهِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ ﴾ نُصِبَ بِمَبْعُوثُونَ أوْ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالجَرِّ ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ لِحُكْمِهِ.

وَفِي هَذا الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وذِكْرِ الظَّنِّ ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعِظَمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلَّهِ، والتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِرَبِّ العالَمِينَ مُبالَغاتٌ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني يوم القيامة أدخل همزة الاستفهام على النافية توبيخاً وليست ألا هذه للتنبيه وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة ولو نوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابياً قال له لقد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ونصب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّطْفِيفِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ ولا نافِيَةٌ، فَلَيْسَتْ ألا هَذِهِ الِاسْتِفْتاحِيَّةَ أوِ التَّنْبِيهِيَّةَ بَلْ مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، والظَّنُّ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ، ( وأُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى المُطَفِّفِينَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ الَّذِي هو وصْفُهُمْ؛ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ مُتَعَرِّضَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِوَصْفِهِ، وأمّا الضَّمِيرُ فَلا يَتَعَرَّضُ لِلْوَصْفِ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ عَنْ سائِرِ النّاسِ أكْمَلَ امْتِيازٍ نازِلُونَ مَنزِلَةَ الأُمُورِ المُشارِ إلَيْها إشارَةً حِسِّيَّةً، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الشَّرارَةِ والفَسادِ؛ أيْ: لا يَظُنُّ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ الشَّنِيعِ الهائِلِ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُ عِظَمِهِ؛ فَإنَّ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ وإنْ كانَ ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ القَبائِحِ فَكَيْفَ بِمَن يَتَيَقَّنُهُ.

ووُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ لِعَظَمِ ما فِيهِ كَما أنَّ جَعْلَهُ عِلَّةً لِلْبَعْثِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا؛ أيْ: لِحِسابِ يَوْمٍ، وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، والأوَّلُ أوْلى وأبْلَغُ.

وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم أسْوَأ حالًا مِنَ الكُفّارِ لِأنَّهُ أثْبَتَ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْكُفّارِ ظَنًّا حَيْثُ حَكى سُبْحانَهُ عَنْهُمْ: ﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ ولَمْ يُثْبِتْهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم.

والمُرادُ أنَّهُ تَعالى نَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يَظُنُّ لِيَصِحَّ الإنْكارُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي ست وثلاثون آية مكية قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ يعني: الشدة من العذاب للذين ينقصون المكيال والميزان وإنما سمي الذي يخون في المكيال والميزان مطففاً لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء الخفيف الطفيف ثم بين أمرهم فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ يعني: استوفوا من الناس لأنفسهم وعلى بمعنى عن بمعنى إذا اكتالوا عن الناس يستوفون يتمون الكيل والوزن وَإِذا كالُوهُمْ يعني: إذا باعوا من غيرهم ينقصون الكيل أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ يعني: ينقصون الكيل وقال بعضهم كالوهم حرفان يعني: كالوا ثم قال: هم وكذلك وزنوا ثم قال: هم يخسرون وذكر عن حمزة الزيات أنه قال هكذا ومعناه هم إذا كالوا أو وزنوا ينقصون وكان الكسائي يجعلها حرفاً واحداً كالوهم أي: كالوا لهم وكذلك وزنوا لهم وقال أبو عبيدة وهذه هي القراءة لأنهم كتبوها في المصاحف بغير ألف ولو كان مقطوعاً لكتبوا كالواهم بالألف ثم قال عز وجل: أَلا يَظُنُّ يعني: ألا يعلم المطفف وألا يستيقن بالبعث قوله تعالى: أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يعني: يبعثون بعد الموت لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يوم القيامة هولها شديد يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني: في يوم يقوم الخلائق بين يدي الله تعالى وروى أبو هريرة-  - إن النبيّ  قال: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفَ يَوْمٍ يَعْنِي: خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَذَلِكَ الْمَقَامُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَتَوَلِّي الشَّمْسَ» وروى نافع عن ابن عمر عن النبي  قال: «يَقُومُ أَحَدُكُمْ ورشحه إلى أتصاف أُذُنَيْهِ» وقال ابن مسعود: إن الكافر ليلجم بعرقه حتى يقول أرحني ولو إلى النار ثم قال: كَلَّا يعني: لا يستيقنون البعث ثم استأنف، فقال: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ويقال: هذا موصول بكلا إن كتاب يعني حقاً إن كتاب الفجار لَفِي سِجِّينٍ يعني: أعمال الكفار لفي سجين قال مقاتل وقتادة: السجين الأرض السفلى، وقال الزجاج: السجين فعيل من السجن والمعنى: كتابهم في حبس جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وقال مجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السفلى فيجعل كتاب الفجار تحتها، وقال عكرمة: لَفِي سِجِّينٍ أي: لفي خسارة وقال الكلبي: السجين الصخرة التي عليها الأرضون وهي مسجونة فيها أعمال الكفار وأزواجهم فلا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ثم قال: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ ثم أخبر فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً ويقال: مكتوب مختوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يعني: شدة العذاب لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: شدة العذاب للمكذبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «المطفّفين»

وهي مكّيّة في قول جماعة وقال ابن عبّاس وغيره: هي مدنية، وعنه: نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الآية، المُطَفِّفُ الذي يُنْقِصُ الناسَ حُقُوقَهم، والتطفيفُ: النُّقْصَانُ، أصله من الشيء الطفيف، وهو النَّزْرُ، والمطفِّفُ إنما يأخذ بالميزان أو بالمكيال شيئا خفيفا، واكْتالُوا عَلَى النَّاسِ معناه قبضوا منهم، وكالُوهُمْ معناه:

قبّضوهم، ويُخْسِرُونَ معناه: ينقصون.

وقوله سبحانه: أَلا يَظُنُّ بمعنى: يَعْلَمُ ويتحقق، وقال- ص-: أَلا يَظُنُّ ذَكَر أبو البقاء أن «لا» هنا هي النافيةُ دَخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ، وليستْ «أَلاَ» التي للتنبيهِ والاستفتاح لأن مَا بَعْدَ «أَلاَ» التنبيهيَّةِ مُثْبَتٌ وهو هنا منفيٌّ، انتهى،، وقيامُ الناس لربِ العالمينَ يومئذٍ، يختلف الناسُ فيه بحَسْبِ منازِلهم، ورُوِيَ أنه يُخَفَّفُ عن المؤمنِ حتى يكونَ على قَدْرِ الصلاةِ المكتوبةِ، وفي هذا القيام هو إلجامُ العَرَقِ للناسِ كما صرَّح به النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديثِ الصحيحِ، والناسُ أيضاً فيه مختلفون بالتخفيفِ والتشديدِ، قال ابنُ المُبَارَك في «رقائِقه» : أَخبرنا سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ عن أبي عثمانَ النهدي عن سلمان، قال: تدنى الشمسُ من الناسِ يومَ القيامةِ حتى تكونَ من رُؤوسهم قَابَ قوسٍ أو قابَ قوسَينِ فتُعْطي حرَّ عَشْرَ سنين وليسَ على أحد يومئِذ طِحْرِبة ولا تُرَى فيه عورةُ مؤمِنٍ ولا مؤمنةٍ، ولا يَضّرُّ حرُّها يومئِذٍ مؤمناً ولا مؤمنَة، وأما الآخرون أو قال الكفارُ فَتَطْبُخُهُمْ، فإنما تقولُ أجوافُهم غَقْ غَقْ، قال نعيم: الطحربةُ: الخِرْقة/ انتهى،، ونحوُ هذا للمحاسبي قال في «كتاب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ وَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ قالا: فِيها ثَمانِي آياتٍ مَكِّيَّةٌ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا  ﴾ إلى آخِرِها.

وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ، والمَدِينَةِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ، وذَكَرَ هِبَةُ اللَّهِ ابْنُ سَلامَةَ المُفَسِّرُ: أنَّها نَزَلَتْ في الهِجْرَةِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، نِصْفُها يُقارِبُ مَكَّةَ، ونِصْفُها يُقارِبُ المَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ.» وقالَ السُّدِّيُّ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  المَدِينَةَ، وبِها رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: أبُو جُهَيْنَةَ، ومَعَهُ صاعانِ، يَكِيلُ بِأحَدِهِما، ويَكْتالُ بِالآخَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " الوَيْلِ " في [البَقَرَةِ: ٧٩] .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُطَفِّفُ: الَّذِي لا يُوَفِّي الكَيْلَ، يُقالُ: إناءٌ طَفّانٌ: إذا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوءًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ: مُطَفِّفٌ، لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْرِقُ في المِيزانِ والمِكْيالِ إلّا الشَّيْءَ الطَّفِيفَ، وإنَّما أُخِذَ مِن طَفِّ الشَّيْءِ، وهو جانِبُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ.

فَـ " عَلى " بِمَعْنى " مِن " في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ.

قالَ الفَرّاءُ: " عَلى "، و " مِن " يَعْتَقِبانِ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ [كَيْلا]، وإذا قُلْتَ: اكْتَلْتُ مِنكَ، فَهو كَقَوْلِكَ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ [كَيْلًا] .

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا عَلَيْهِمُ الكَيْلَ، وكَذَلِكَ إذا اتَّزَنُوا، ولَمْ يَذْكُرْ " إذا اتَّزَنُوا " لِأنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فِيما يُكالُ ويُوزَنُ، فَأحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ ﴿ وَإذا كالُوهُمْ ﴾ أيْ: كالُوا لَهم ﴿ أوْ وزَنُوهُمْ ﴾ أيْ: وزَنُوا لَهم.

﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ أيْ: يُنْقِصُونَ في الكَيْلِ، والوَزْنِ.

فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلى " كالُوا "، ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ " هم " تَوْكِيدًا لِما كالُوا، ويَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلى " كالُوا " والِاخْتِيارُ الأوَّلُ.

قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ: إذا صَدَرَ النّاسُ أتَيْنا التّاجِرَ، فَيَكِيلُنا المُدَّ والمُدَّيْنِ إلى المَوْسِمِ المُقْبِلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ ظَنُّوا أنَّهم يُبْعَثُونَ ما نَقَصُوا في الكَيْلِ والوَزْنِ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَبْعُوثُونَ ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: والظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ.

ومَعْنى: يَقُومُ النّاسُ، أيْ: مِن قُبُورِهِمْ ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ: لِأمْرِهِ، أوْ لِجَزائِهِ وحِسابِهِ.

وقِيلَ: يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِفَصْلِ القَضاءِ.

وفي " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ: " يَقُومُ أحَدُهم في رَشْحِهِ إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ "» .

وقالَ كَعْبٌ: يَقِفُونَ ثَلاثَمِائَةِ عامٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُطَفِّفِينَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا لِذِكْرِ الأساطِيرِ، وهَذا عَلى أنَّ هَذا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والوَزْنِ كانَ بِمَكَّةَ حَسَبَ ما هو في كُلِّ أُمَّةٍ، لا سِيَّما مَعَ كُفْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُمْ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، قالَ السُدِّيُّ: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ، لَهُ مِكْيالانِ، يَأْخُذُ بِالأوفى ويُعْطِي بِالأنْقَصِ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ، ويُقالُ: إنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما رُوِيَ عنهُ-: نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ، ونَزَلَ أمْرُ التَطْفِيفِ بِالمَدِينَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ الناسِ فَسادًا في هَذا المَعْنى، فَأصْلَحَهُمُ اللهُ تَعالى.

بِهَذِهِ السُورَةِ، وقالَ آخَرُونَ: نَزَلَتِ السُورَةُ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وذَلِكَ لِيُصْلِحَ اللهُ تَعالى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمْرُ الكَيْلِ والوَزْنِ وكِيدٌ جِدًّا، وتَصَرُّفُهُ في المُدُنِ ضَرُورِيٌّ في الأمْوالِ الَّتِي هي حَرامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، والإفْسادُ فِيهِ كَبِيرَة لا تَنْفَعُ فِيها دافِعٌ إلّا التَوْبَةُ، ولا يَخْلُصُ إلّا رَدُّ المَظْلَمَةِ إلى صاحِبِها.

قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: احْتَضَرَ جارٌ لِي، فَجَعَلَ يَقُولُ: جَبَلانِ مِن نارٍ، فَقُلْتُ لَهُ: ما هَذا؟

فَقالَ: يا أبا يَحْيى، كانَ لِي مِكْيالانِ، آخُذُ بِالوافِي وأُعْطِي بِالناقِصِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أشْهَدُ عَلى كُلِّ كَيّالٍ أو وزّانٍ أنَّهُ في النارِ، وقالَ بَعْضُ العَرَبِ: لا تَلْتَمِسُوا المُرُوءَةَ مِمَّنْ مُرُوءَتُهُ في رُؤُوسِ المَكايِيلِ وألْسِنَةِ المَوازِينِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى الناسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ ﴿ وَإذا كالُوهم أو وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى "وَيْلٌ" مَعْناهُ: الثُبُورُ والحُزْنُ والشَقاءُ الأدْوَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّ وادِيًا في جَهَنَّمَ يُسَمّى "وَيْلًا"، ورُفِعَ "وَيْلٌ" عَلى الِابْتِداءِ، ورُفِعَ عَلى مَعْنى: ثَبَتَ لَهم واسْتَقَرَّ، وما كانَ في حَيِّزِ الدُعاءِ والتَرَقُّبِ فَهو مَنصُوبٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: رَعْيًا وسَقْيًا.

و"المُطَفِّفُ": الَّذِي يَنْقُصُ الناسَ حُقُوقَهُمْ، والتَطْفِيفُ: النُقْصانُ، أصْلُهُ مِنَ الشَيْءِ الطَفِيفُ وهو النَزْرُ، والمُطَفِّفُ إنَّما يَأْخُذُ بِالمِيزانِ شَيْئًا طَفِيفًا.

وقالَ سَلْمانُ: الصَلاةُ مِكْيالٌ، فَمَن أوفى وفِيَ لَهُ، ومَن طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما قالَ اللهُ تَعالى في المُطَفِّفِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَدْخُلُ التَطْفِيفُ في كُلِّ عَمَلِ قَوْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: طَفَّفَتْ مَعْناهُ: نَقَصَتِ الأجْرَ والعَمَلَ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وفاءٌ وتَطْفِيفٌ، فَجاءَ بِالنَقِيضَيْنِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ التَطْفِيفَ هو تَجاوُزُ الحَدِّ في وفاءٍ أو نُقْصانٍ، والمَعْنى والقَرائِنُ بِحَسَبِ قَوْلٍ قَوْلٍ تَبَيَّنُ المُرادَ، وهَذا عِنْدِي حَدٌّ صَحِيحٌ، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى أنَّ التَطْفِيفَ ها هُنا إنَّما أرادَ بِهِ أمْرَ الوَزْنِ والكَيْلِ.

"واكْتالُوا عَلى الناسِ" مَعْناهُ: قَبَضُوا مِنهُمْ، و"كالُوهُمْ" مَعْناهُ: أقْبَضُوهُمْ، يُقالُ: كِلْتُ مِنكَ واكْتَلْتُ عَلَيْكَ، ويُقالُ: كِلْتُكَ وكِلْتُ لَكَ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللامُ تَعَدّى الفِعْلُ، قالَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ∗∗∗ ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَناتِ الأوبَرِ وعَلى هَذا المَعْنى هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وكانَ عِيسى بْنُ عُمَرَ يَجْعَلُها حَرْفَيْنِ، ويَقِفُ عَلى "كالُوا" "أو وزَنُوا" ويَبْتَدِئُ "هم يَخْسَرُونَ"، أيْ: إذا كالُوا أو وزَنُوا، وَرَوَيْتُ عن حَمْزَةَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "هُمْ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ.

وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ عَلى البائِعِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالجَلِيِّ، وصَدْرُ الآيَةِ هو في المُشْتَرِينَ، قَدَّمَهم بِأنَّهم يَسْتَوْفُونَ ويُشاحُّونَ في ذَلِكَ، إذْ لا تُمْكِنُهُمُ الزِيادَةُ عَلى الِاسْتِيفاءِ لِأنَّ البائِعَ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، فَهَذا مَبْلَغُ قُدْرَتِهِمْ في تَرْكِ الفَضِيلَةِ والسَماحَةِ المَندُوبِ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم إذا باعُوا أمْكَنَهم مِنَ الظُلْمِ والتَطْفِيفِ أنْ يَخْسَرُوا لِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكَيْلَ لِلْمُشْتَرِي مِنهم وذَلِكَ هم بِحالَةِ مَن يَخْسَرُ البائِعُ إنْ قَدَرَ.

و"يَخْسَرُونَ" تَعَدّى بِالهَمْزَةِ يُقالُ: خَسِرَ الرَجُلُ وأخْسَرُ غَيْرَهُ، والمَفْعُولُ بـ "كالُوا" مَحْذُوفٌ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ القِيامَةِ وذَكَّرَهم بِها، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قَوْمٍ مِن مُؤْمِنِينَ، وأُرِيدَ بِها -مَعَ ذَلِكَ- مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ويَظُنُّ هُنا بِمَعْنى يَتَحَقَّقُ ويَعْلَمُ.

و"اليَوْمُ العَظِيمُ" يَوْمُ القِيامَةِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ عَمِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، "تَبْعَثُونَ" ونَحْوُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: هو بَدَلٌ مِن "يَوْمٍ عَظِيمٍ" لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ، ويَأْبى ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مُعْرَبٍ.

و"قامَ الناسُ فِيهِ لِرَبِّ العالَمِينَ" يَخْتَلِفُ الناسُ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ، فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ يُقامُ فِيهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ،» وهَذا بِتَقْدِيرِ شِدَّتِهِ، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أرْبَعُونَ سَنَةً رافِعِي رُؤُوسِهِمْ إلى السَماءِ لا يُؤْمَرُونَ ولا يُكَلَّمُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ومِن هَذا كُلِّهِ آثارٌ مَرْوِيَّةٌ، ومَعْناها إنَّ كُلَّ مُدَّةٍ لِقَوْمٍ ما تَقْتَضِي حالَهم وشَدَّةَ أمْرِهِمْ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ القِيامَ فِيهِ عَلى المُؤْمِنِ هو عَلى ما بَيْنَ الظُهْرِ إلى العَصْرِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ عَلى قَدْرِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وفي هَذا القِيامِ هو إلْجامُ العَرَقِ لِلنّاسِ، وهو أيْضًا مُخْتَلَفٌ، فَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ يُلْجِمُ الكافِرَ إلْجامًا، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الناسِ يَكُونُ فِيهِ إلى أنْصافِ ساقَيْهِ، وبَعْضُهم إلى فَوْقٍ، وبَعْضُهم إلى أسْفَلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ناشئ عن الوعيد والتقريع لهم بالويل على التطفيف وما وصفوا به من الاعتداء على حقوق المبتاعين.

والهمزة للاستفهام التعجيبي بحيث يَسأل السائل عن علمهم بالبعث، وهذا يرجح أن الخطاب في قوله: ﴿ ويل للمطففين ﴾ [المطففين: 1] موجه إلى المسلمين.

ويرجع الإِنكار والتعجيب من ذلك إلى إنكار ما سيق هذا لأجله وهو فعل التطفيف.

فأما المسلمون الخلص فلا شك أنهم انتهوا عن التطفيف بخلاف المنافقين.

والظن: مستعمل في معناه الحقيقي المشهور وهو اعتقاد وقوع الشيء اعتقاداً راجحاً على طريقة قوله تعالى: ﴿ إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ﴾ [الجاثية: 32].

وفي العدول عن الإِضمار إلى اسم الإِشارة في قوله: ﴿ ألا يظن أولئك ﴾ لقصد تمييزهم وتشهير ذكرهم في مقام الذم، ولأنّ الإِشارة إليهم بعد وصفهم ب«المطففين» تؤذن بأن الوصف ملحوظ في الإِشارة فيؤذن ذلك بتعليل الإِنكار.

واللام في قوله: ﴿ ليوم عظيم ﴾ لام التوقيت مثل ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ [الإسراء: 78].

وفائدة لام التوقيت إدماج الرد على شبهتهم الحاملة لهم على إنكار البعث باعتقادهم أنه لو كان بعث لبُعثت أمواتُ القرون الغابرة، فأومأ قوله ﴿ ليوم ﴾ أن للبعث وقتاً معيناً يقع عنده لا قبله.

ووصف يوم ب ﴿ عظيم ﴾ باعتبار عظمة ما يقع فيه من الأهوال، فهو وصف مجازي عقلي.

و ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ بدل من «يوم عظيم» بدلاً مطابقاً وفتحته فتحة بناء مثل ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ﴾ في سورة الانفطار (19) على قراءة الجمهور ذلك بالفتح.

ومعنى يقوم الناس} أنهم يكونون قياماً، فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة.

واللام في ﴿ لرب العالمين ﴾ للأجل، أي لأجل ربوبيته وتلقي حكمه.

والتعبير عن الله تعالى بوصف «رب العالمين» لاستحضار عظمته بأنه مالك أصناف المخلوقات.

واللام في ﴿ العالمين ﴾ للاستغراق كما تقدم في سورة الفاتحة.

قال في «الكشاف» «وفي هذا الإِنكار، والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته ب«رب العالمين» بيان بليغ لعظيم الذنب وتفاقم الإِثم في التطفيف وفيما كان مثل حالهِ من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية» اه.

ولما كان الحامل لهم على التطفيف احتقارهم أهل الجَلب من أهل البوادي فلا يقيمون لهم ما هو شعار العدل والمساواة، كان التطفيف لذلك منبئاً عن إثم احتقار الحقوق، وذلك قد صار خلقاً لهم حتى تخلقوا بمكابرة دعاة الحق، وقد أشار إلى هذا التنويه به قوله تعالى: ﴿ والسماء رفعها ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ﴾ [الرحمن: 7 9] وقولُه حكاية عن شعيب: ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ [الشعراء: 182، 183].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ ﴿ وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ ﴿ ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، إلى أنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ، قالَ الفَرّاءُ: فَهم مِن أوْفى النّاسِ كَيْلًا إلى يَوْمِهِمْ هَذا.

أعْمَضَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ فَحَمَلَهُ عَلى اسْتِيفاءِ العِبادَةِ بَيْنَ النّاسِ جَهْرًا، وفي النُّقْصانِ سِرًّا.

وَفِي (وَيْلٌ) سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.

الثّانِي: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النّارُ، قالَهُ عُمَرُ مَوْلى عَفْرَةَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الهَلاكُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.

الخامِسُ: أنَّهُ أشَقُّ العَذابِ.

السّادِسُ: أنَّهُ النِّداءُ بِالخَسارِ والهَلاكِ، وقَدْ تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في الحَرْبِ والسَّلْبِ.

السّابِعُ: أنَّ أصْلَهُ ويْ لِفُلانٍ، أيِ الجَوْرُ لِفُلانٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُ الحَرْفَيْنِ فَوُصِلا بِلامِ الإضافَةِ.

والمُطَفِّفُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الطَّفِيفِ وهو القَلِيلُ، والمُطَفِّفُ هو المُقَلِّلُ حَقَّ صاحِبِهِ بِنُقْصانِهِ عَنِ الحَقِّ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: بَلْ مَأْخُوذٌ مِن طَفِّ الشَّيْءِ وهي جِهَتُهُ.

﴿ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ أيْ مِنَ النّاسِ، ويُرِيدُ بِالِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةَ عَلى ما اسْتَحَقَّ.

﴿ وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ ﴾ يَعْنِي كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم بِحَذْفِ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْها، ﴿ يُخْسِرُونَ ﴾ ، يُنْقِصُونَ فَكانَ المُطَفِّفُ يَأْخُذُ زائِدًا ويُعْطِي ناقِصًا.

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَوْمَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى لِلْقَضاءِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ الرِّشْكِ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «قالَ النَّبِيُّ  لِبَشِيرِ الغِفارِيِّ: (كَيْفَ أنْتَ صانِعٌ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ فِيهِ مِقْدارَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ لِرَبِّ العالَمِينَ، لا يَأْتِيهِمْ فِيهِ خَبَرٌ ولا يُؤْمَرُ فِيهِ بِأمْرٍ)، قالَ بَشِيرٌ: المُسْتَعانُ اللَّهُ» .

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ يَقُومُ لِرَبِّ العالَمِينَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: يَقُومُونَ لِرَبِّ العالَمِينَ في الآخِرَةِ بِحُقُوقِ عِبادِهِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أول ما نزل بالمدينة ﴿ ويل للمطففين ﴾ .

وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله: ﴿ ويل للمطففين ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك.

وأخرج ابن سعد والبزار والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل سباع بن عرفطة على المدينة لما خرج إلى خيبر فقرأ ﴿ ويل للمطففين ﴾ فقلت: هلك فلان له صاع يعطي به وصاع يأخذ به.

وأخرج الحاكم عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ ويل للمطففين ﴾ فبكى وقال: هو الرجل يستأجر الرجل أو الكيال وهو يعلم أنه يخيف في كيله فوزره عليه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سلمان قال: إنما الصلاة مكيال فمن أوفى أوفي له، ومن طفف فقد سمعتم ما قال الله في المطففين.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه قال: تركك المكافأة تطفيف.

قال الله: ﴿ ويل للمطففين ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ .

أخرج مالك وهناد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» .

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ قال: كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم» .

وأخرج عن ابن مسعود إذا حشر الناس قاموا أربعين عاماً.

وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن أبي بزة قال: حدثني من سمع أن عمر قرأ ﴿ ويل للمطففين ﴾ حتى بلغ ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك اليوم على المؤمن كتدلي الشمس من الغروب حتى تغرب.

وأخرج الطبراني عن ابن عمرو أنه قال: «يا رسول الله: كم قيام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة؟

قال: ألف سنة لا يؤذن لهم» .

وأخرج ابن المنذر عن كعب في الآية قال: يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم بالقعود، فأما المؤمن فيهون عليه كالصلاة المكتوبة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: يقومون مقدار ثلاثمائة سنة، ويخفف الله ذلك اليوم ويقصره على المؤمن كمقدار نصف يوم أو كصلاة مكتوبة.

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة يقوم الناس على أقدامهم يوم القيامة ثلاثمائة سنة، ويهون ذلك اليوم على المؤمن كقدر الصلاة المكتوبة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا لا يأتيهم خبر من السماء، ولا يؤمر فيهم بأمر؟

قال بشير: المستعان بالله يا رسول الله.

قال: إذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من شر يوم القيامة ومن شر الحساب» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقعد يقال له بشير ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فرآه شاحباً فقال: ما غير لونك يا بشير؟

قال: اشتريت بعيراً فشرد عليّ فكنت في طلبه، ولم أشترط فيه شرطاً.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن البعير الشرود يرد منه إنما غير لونك غير هذا.

قال: لا.

قال: فكيف بيوم يكون مقداره خمسين ألف سنة ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ » .

أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر بن عطية أن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار عن قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فيهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى السجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم ويوضع تحت خد إبليس لهلاكه للحساب، فذلك قوله تعالى: ﴿ وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ﴾ وقوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ قال: إن روح المؤمن إذا عرج بها إلى السماء فتنفتح لها أبواب السماء، وتلقاه الملائكة بالبشرى حتى ينتهي بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة للحساب يوم القيامة، ويشهد الملائكة المقربون، فذلك قوله: ﴿ وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في الآية قال: قد رقم الله على الفجار ما هم عاملون في سجين، فهو أسفل، والفجار منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم، ورقم على الأبرار ما هم عاملون في عليين، وهم فوق فهم منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سجين أسفل الأرضين.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: عملهم في الأرض السابعة لا يصعد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: تحت الأرض السفلى فيها أرواح الكفار، وأعمالهم أعمال السوء.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والمحاملي في أماليه عن مجاهد رضي الله عنه قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة في جهنم تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: تحت الأرض السفلى.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن قتادة ﴿ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ قال: هو أسفل الأرض السابعة ﴿ كتاب مرقوم ﴾ قال: مكتوب.

قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله بن عمر كان يقول: الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سجين الأرض السابعة السفلى» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو قال: الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء.

وأخرج ابن المبارك عن ابن جريج قال: بلغني أن ﴿ سجين ﴾ الأرض السلفى، وفي قوله: ﴿ مرقوم ﴾ قال: مكتوب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كتاب مرقوم ﴾ قال: رقم لهم بشر.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ لفي سجين ﴾ قال: لفي خسار.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملك يرفع العمل للعبد يرى أن في يديه منه سروراً حتى ينتهي إلى الميقات الذي وصفه الله له، فيضع العمل فيه فيناديه الجبار من فوقه إرم بما معك في ﴿ سجين ﴾ وسجين الأرض السابعة.

فيقول الملك: ما رفعت إليه إلا حقاً فيقول: صدقت إرم بما معك في سجين.

وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت: إن لقيت ابني فاقرئه مني السلام فقال لها: غفر الله لك يا أم بشر نحن أسفل من ذلك، فقالت: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين؟

قال: بلى فهو ذلك» .

وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني بما صنع ربك بك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك.

فقال عبد الله: كيف يكون هذا؟

قال: نعم، إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ونفس الكافر في سجين والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة.

قال ابن عباس: يريد ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة (١) ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ ﴾ (٢) (٣) (٤) وقال (٥) (٦) وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ﴾ أي: من قبورهم (٧) ﴿ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي لأمره ولجزائه وحسَابه، وروي مرفوعًا، وبه قال جماعة المفسرين أن المعنى يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم (٨) (١) "الوسيط" 4/ 441.

(٢) ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .

(٣) في (أ): لا.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 298.

(٥) في (أ): قال.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 246.

(٧) قال بذلك سعيد بن جبير انظر: "النكت والعيون" 6/ 227، "معالم التنزيل" 4/ 458 وعنه أنه قال أنه جبريل يقوم لرب العالمين، وبعضهم قال يقومون بين يديه للقضاء وقيل غير ذلك "النكت والعيون" المرجع السابق.

(٨) الحديث أخرجه البخاري في: "الجامع الصحيح" 3/ 321 - 322: ح: 4938: كتاب التفسير: باب: 83 والحديث: عن نافع عن عبد الله بن عمر -  ما أن النبي -  - قال: يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه، كما وردت بنفس المرجع: 4/ 197: ح 6531: كتاب الرقاق: باب: 47 وأخرجه مسلم في "صحيحه" 7/ 201: ح 60: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب: 15 والترمذي في "سننه" 5/ 434: ح 3335 و3336، كتاب التفسير: باب: 75، وقال هذا حديث حسن صحيح.

كما ورد هذا الحديث من طريق أبي هريرة -  - أن رسول الله قال: يعَرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عَرَقهم في الأرض سبعين ذِراعًا ويُلجمهم حتى يبلغ آذانهم، وحده الرواية قد أخرجها: البخاري "الجامع الصحيح" 4/ 197: ح 6532: كتاب الرقاق: باب: 47.= وبنحوه في: "صحيح مسلم" 17/ 202: ح 61: باب: 15.، وعن المقداد بن الاْسود حديثا مرفوعًا بمعنى رواية أبي هريرة، انظر: "صحيح مسلم" 17/ 202: ح 62: باب: 15.، وانظر هذه الرواية والتي من طريق ابن عمر، والمقداد بن الأسود في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 355، "جامع البيان" 30/ 92 - 94، "بحر العلوم" 3/ 456، "معالم التنزيل" 458/ 4، "زاد المسير" 8/ 201، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 254، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 516 - 517.

"الدر المنثور" 8/ 442 وعزاه أيضًا إلى مالك، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني يوم القيامة، وهذا تهديد للمطففين وإنكار لفعلهم، وكان عبد الله بن عمر إذا مر بالبائع يقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين ﴾ الظرف منصوب بقوله: مبعوثون وقيل: بفعل مضمر أو بدل من يوم عظيم، وقيام الناس يوم القيامة على حسب اختلافهم، فمنهم من يقوم خمسين ألف سنة وأقل من ذلك حتى أن المؤمن يقوم على قدر الصلاة مكتوبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بل ران ﴾ حفص يقف على ﴿ بل ﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل.

وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ ران ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿ تعرف ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ نضرة ﴾ بالرفع: يزيد ويعقوب ﴿ خاتمه ﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: عليّ.

﴿ أهلهم ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما.

الباقون: بضم ميم الجمع فقط ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد وحفص ﴿ هل ثوب الكفار ﴾ بالإدغام: حمزة وعلى وهشام.

الوقوف ﴿ للمطففين ﴾ ه لا ﴿ يستوفون ﴾ ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ يخسرون ﴾ ه للاستفهام ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة ﴿ لرب العالمين ﴾ ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة ﴿ سجين ﴾ ه ط ﴿ ما سجين ﴾ ه ط للحذف أي هو كتاب ﴿ مرقوم ﴾ ه ط لأن ﴿ ويل ﴾ مبتدأ ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ط للابتداء بالنفي ﴿ أثيم ﴾ ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له ﴿ الأوّلين ﴾ ه والوقف لما ذكر ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لمحجوبون ﴾ ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ الجحيم ﴾ ه ك لاختلاف الجملتين ﴿ تكذبون ﴾ ه ك ﴿ عليين ﴾ ه ك ﴿ عليون ﴾ ه ك ﴿ مرقوم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ نعيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال أو صفة ﴿ ينظرون ﴾ ه لا لذلك ﴿ النعيم ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً ﴿ مختوم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ مسك ﴾ ط ﴿ المتنافسون ﴾ ه ط ﴿ تسنيم ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ عيناً ﴾ حال كما قال الزجاج.

فإن أريد النص على المدح جاز الوقف ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ يضحكون ﴾ ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى ﴿ يتغامزون ﴾ ه ك لذلك ﴿ فكهين ﴾ ه ك ﴿ لضالون ﴾ ه لا لأن المنفية حال ﴿ حافظين ﴾ ه ط لتبدل الكلام معنى ﴿ يضحكون ﴾ ه لا ﴿ ينظرون ﴾ ه ط ﴿ يفعلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف.

والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء.

وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

روي أن رسول الله  قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.

قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم.

وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله  فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس.

قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟

قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" " وعن علي  مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.

كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.

والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن.

قال الفراء: " من" و " على " يعتقبان في هذا الموضع.

فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك.

وقال أهل البيان: وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر.

وجوز أن يتعلق الجار بـ ﴿ يستوفون ﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.

والضمير في ﴿ كالوهم أو وزنوهم ﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل.

قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.

وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا.

وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط.

وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر.

قلت: النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاح لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال  ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا" وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى.

وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة.

والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد.

وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.

وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف.

والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً.

ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ ألا يظن ﴾ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي.

والمراد هب أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنون أيضاً كقوله ﴿ إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين  ﴾ وفي الإشارة إليهمبـ ﴿ أولئك ﴾ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية.

وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم.

ففيه تعظيم شأن المقسم عليه.

عن النبي  " يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر " قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة.

وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟

وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم.

وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله ﴿ وقوموا لله قانتين  ﴾ ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله.

وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور.

وسجين " فعيل" من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علماً لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية ﴿ كتاب مرقوم ﴾ ليس تفسيراً للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم.

وموقع قوله ﴿ وما أدراك ما سجين ﴾ اعتراض تعظيماً لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كان العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.

وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان.

ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعاً أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته.

وعن أبي هريرة مرفوعاً أنه جب في جهنم.

وقال الكلبي: صخرة تحت الأرض السابعة.

والتحقيق أنه  أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيماً لحالهم.

ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله ﴿ الذين يكذبون ﴾ للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله  فهو كقولك " فعل فلان الفاسق الخبيث ".

وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به.

ثم بالغ في الذم بقوله ﴿ وما يكذب به إلاّ كلٌّ معتد أثيم ﴾ متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالاً وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره.

أثيم في إعمال القوى البدينة في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضاً.

ثم أضرب عن أن يكون لهم اختبار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها.

قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين ريناً وريوناً إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب.

قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم.

والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا جاء في الحديث " إنه ليغان على قلبي " وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها.

ثم قال ﴿ كلا ﴾ حقاً وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته.

قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم.

وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته.

وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين.

ثم أخبر بقوله ﴿ ثم إنهم لصالوا الجحيم ﴾ أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون عن حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ﴿ ثم يقال ﴾ في معرض التوبيخ ﴿ هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ جمعاً بين عذاب الوجل وعذاب الخجل.

ثم شرع في قصة الأبرار.

وعليون جمع " عليّ " " فعيل " من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفرداً كقنسرين من حيث إنه جعل علماً لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع من السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون.

وقال مقاتل: هو في ساق العرش.

وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش.

وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار.

ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم.

قال  " "يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا " وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك.

وقال بعضهم: ينظرون إلى الله  بدليل قوله ﴿ تعرف ﴾ يا من له أهل العرفان ﴿ في وجوههم نضرة ﴾ وقوله في موضع آخر ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالاً تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار.

والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها ﴿ مختوم ﴾ أوانيه ﴿ ختامه ﴾ أي ما يختم به ﴿ مسك ﴾ مكان الطينة أو الشمعة.

وإنما ختم تكريماً وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة.

وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب.

وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة.

قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين.

والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه.

عن أبي الدرداء مرفوعاً: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة.

قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم.

ثم رغب في العمل الموجب لهذا الكرامة قائلاً ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.

قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية.

والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل.

وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض.

والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين.

فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجاً لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق.

ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه ﴿ فاليوم ﴾ قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبال وغيرهم من فقراء المؤمنين.

وقيل: جاء علي بن أبي طالب  في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي  .

والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث.

ومعنى ﴿ فكهين ﴾ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم.

قوله ﴿ وما أرسلوا ﴾ حال معترضة إنكاراً من الله عليهم وتهكماً بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم.

وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام.

قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا.

يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها.

فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك.

ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية.

قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين.

ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً  ﴾

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ : وجه تعييرهم بالتطفيف وإلحاق الوعيد بهم؛ لمكانه وإن كانوا مستوجبين للوعيد، وإن أفوا المكيال، ولم يطففوا فيه؛ إذ كانوا جاحدين بالله  ومكذبين بالبعث -: وهوأن الكفرة لم يكونوا اعتقدوا الكفر بالله -  - لتلذذ يقع لهم بنفس الكفر، ولا التزموه على التحسين لهم إياه، وإنما أعرضوا عن الإيمان لحبهم الرياسة، ولمأكلة كانت لهم خافوا زوالها عنهم بالإسلام.

أو زهدوا عنه؛ لما يلزمهم بالإيمان مؤن، واختاروا الكفر؛ لئلا يلزمهم [بالإيمان] تحملها؛ فكان يحملهم على الصد عن الإيمان وترك النظر في آيات الله -  - وحججه ما ذكرنا؛ فعيروا بالأفعال الدنية التي كانوا يتعاطونها فيما بينهم من التطفيف والهمز واللمز وتركهم إيتاء الزكاة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ ؛ لينقلعوا عنها؛ فيحملهم على الإيمان؛ لأنهم كانوا يتزهدون عنه لحبهم الدنيا، فإذا قوتلوا ضاقت عليهم الدنيا؛ فبعثهم ذلك على الإيمان بالله -  - وعلى النظر في آياته.

وذكر أن رسول الله  لما تلا هذه الآية على أهل مكمة تركوا التطفيف؛ فلم يطففوا بعد ذلك.

قال أهل اللغة: التطفيف: النقصان، يقال: إناء طفان؛ إذا كان غير مملوء.

وقال الزجاج: يقال: شيء طفيف، أي: يسير، فسمي: مطففا؛ لما يسرق منه شيئا فشيئا في كل مكيال.

وفي هذه [الآية] دلالة أن حرمة الربا عامة على أهل الإديان.

وفيه دلالة أن حرمة الربا ليست لمكان العاقدين، وإنما هي حق على العاقدين لله -  - وذلك أن الذي يكال له، كان يأخذ ما يكال له على علم منه بتطفيف البائع، ثم كان يرضى به، ويتجاوز عن ذلك، ومع ذلك لحقهم التعيير بالتطفيف؛ فدل أن حرمته ليست لمكان العاقدين، ولكنها من حق الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ منهم من ذكر أن هذا على التقديم والتأخير، ومعناه: ويل للمطففين على الناس إذا [اكتالوا أو وزنوا]، وإذا اكتالوا استوفوا.

ومنهم من قال بأن ﴿ عَلَى ﴾ هاهنا بمعنى "عن"؛ فكأنه يقول: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا عن الناس يستوفون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ منهم من حمل قوله: هم بعد ذكر الكيل والوزن على التأكيد والمبالغ ة، فإن كان هذا على هذا، فحقه الوقف على قوله: (كالوا)، وعلى قوله: (وزنوا).

ومنهم من قال: معناه: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا له؛ لأن الألف بينهما ليست بمثبتة في المصاحف، وهو مستعمل: كتله، وكلت له،؛ كقوله: وعدته، ووعدت له، فإن كان هذا معناه، لم يستقم الوقف على قوله: (كالوا) و (وزنوا)؛ لأن قوله: (لهم)، تفسير لقوله: (كالوا) أو (وزنوا)، لا يجوز قطع التفسير عما له التفسير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ...

﴾ \[الآية\]: قال أكثر أهل التفسير: ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ : ألا يعلم، وألا يتيقن.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَلا يَظُنُّ ﴾ ، معناه: ألا يشك أولئك في البعث، وهو محتمل لما ذكرنا؛ لأن الشك يوجب الرهبة، وارتفاعه يوجب الأمن؛ ألا ترى أن المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان، فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن يسلك سراقا وقطاع الطريق، فإنه يترهب لذلك؛ فيستعد له بما يدفع عنه نفسه ضرر قطاع الطريق وضرر السراق، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته، ولا يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار به، فكيف لا يشك هؤلاء بكون البعث بما يخبرهم النبي -  - ويقيم عليه الحجج، وهذا أقل منازل الأخبار أن تورث شكا.

ثم الأصل أن حرف الشك يستعمل عند استواء طرفي الداعيين، والظن يستعمل عند اختلاف طرفي الداعيين، وهو أن تغلب إحدى الدلالتين على الأخرى؛ لذلك يستقيم الحكم والقول بأكثر الظن، ولا يستقيم بأكثر الشك.

ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه، وإذا تدبر فيه، فهو لا يزال يرتقي في الظن درجة فدرجة؛ حتى ينتهي نهايته بلوغ اليقين ودرك الصواب؛ فلذلك حمل أهل التفسير تأويل الظن هاهنا على اليقين والعلم؛ إذ ذلك نهاية الظن.

وحمله أبو بكر على الشك؛ لما لا ترتفع الشبهة كلها فيما كان طريق معرفته الاجتهاد.

ومثال الظن ممنا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته صار علما؛ كالذي يهدد بالقتل، أو بقطع عضو؛ ليشرب الخمر [أنه يباح] له الشرب، ويجعل المتيقن أنه يفعل به لا محالة لو امتنع عن الشرب؛ لبلوغ الخوف نهايته وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا؛ لما يجوز أن يحصل به ما يمنعه عن القتل؛ فعلى ذلك الحكم في الظن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ للحساب الذي يحصل عليهم؛ فلا يجدون منه مخرجا؛ فيتخلصون من العذاب، ليس على ما يحصل عليه الحساب في الدنيا يجد لنفسه الخلاص ووجه المخرج عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ، سماه: عظيما؛ لما ذكرنا من دوام عذابه ودوام عقابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: لحكمه.

أو لحسابه.

أو لوعده ووعيده.

أو يقومون له مستسلمين خاضعين بجملتهم، وإن كان البعض منهم وجد منه الامتناع عن الاستسلام في الدنيا، فإن الظلمة ينازعونه ويدعون لأنفسهم اشياء، وينكرونها له، فأما يوم القيامة فإنهم جميعا يقرون له وينقادون لحكمه وقضائه؛ لذلك خصه بقيام الناس له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ ﴾ قال الحسن وأبو بكر: حقا؛ أي: بعثهم حق، فيبعثون.

وقال الزجاج: ﴿ كَلاَّ ﴾ : كرف ردع وتنبيه، أي: ليس الأمر على ما ظنوا: أنهم لا يبعثون؛ بل يبعثون ويجازون بأعمالهم؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من طريق الاستدلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ اختلف في السجين: فمنهم من جعله اسم موضع، وأشار إليه فقال: هو صخرة تحت الأرض السابعة يوضع كتاب الفجار تحته إلى يوم القيامة.

ولكن ليس بنا إلى معرفة ذلك الموضع حاجة؛ لأن الذين امتحنوا بجعله في ذلك الموضع قد عرفوه، وهم الملائكة.

ومنهم من زعم أنه حرف مذكور في كتب الأولين، فذكر ذلك في القرآن، فجائز أن يكون المقصود يتحقق بدون الإشارة إليه.

وجائز أن يكون السجين الموضع الذي أعد للكافر في الآخرة للعذاب، لكن أول ما يرد إليه عمله الذي أثبت في كتابه، ثم تلحق به الروح، ثم يتبعهما جسده في الآخرة على ما روي عن النبي  : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن" ، فيرد كتابه إلى ذلك السجن، ويرد كتاب الأبرار إلى الجنة التي أعدت له، ثم تتبعه روحه، ثم جسده؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ  ﴾ .

ومنهم من قال: [هو] على التمثيل ليس على تحقيق المكان في العليين؛ وذلك لأن السجن هو مكان أهل الخبث في الدنيا، فمثلت أعمالهم بذلك؛ لخبثها وقبحها، ومثلت أعمال الأبرار بما ذكر من العليين، وذلك مكان أهل الشرف وأولوي القدر؛ فيكون ذلك كناية عن طيبب أعمالهم.

وقال الكسائي: السجن: مشتق من السجه؛ كقولك: رجل فسيق، وشريب، وسكيت.

ثم ذكر كتاب الفجار، والفحور يكون بالكفر وبغيره، فهذا اسم يقع به الاشتراك بين أهل الكفر وأهل الإسلام، لكنه ألحق عند التفسير بما يوجب صرف الوعيد إلى الكفار بقوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وكذلك نجد هذا الشرط ملحقا بالتفسير في جميع ما جرى به الوعيد بالاسم الذي يقع به الاشتراك؛ من نحو الفسق، وترك الصلاة، بقوله -  -: ﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ  ﴾ ، وفيما جرى من الوعيد في الذي لا يؤتي الزكاة؛ فكان في ذكر الاسم الذي يقع به الاشتراك إيجاب الخوف على المسلمين الذين شركوا في ذلك الاسم، فترك قطع الشهادة عليهم بالوعيد؛ لما لم يذكروا عند التفسير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴾ فهو تعظيم ذلك اليوم، ووصفه بنهاية الشدة، أو على الامتنان على نبيه  أنه لم يكن يعلم ذلك حين أطلعه الله عليه، وهكذا تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾ \[المطفيين: 19\].

وقوله: ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾ ، أي: الكتاب الذي في السجين مرقوم، والمرقوم، قالوا: مكتوب ومثبت.

والرقم عندنا: هو الإعلام، يقال: رقم الثوب؛ إذا أعلمه؛ فجائز أن يكون علمه هو أن يختم؛ فيكون فيه إخبار أنه لا يزاد على قدر ما عمل، ولا ينقص منها، وهو كما ذكرنا من الفائدة، فيما وصف جبريل -  - بالقوة والأمنة بقوله: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ  مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ  ﴾ ، فوصف بالأمانة؛ ليؤمن الخلق عن خيانته في الكتاب وتغييره، ووصفه بالقوة؛ ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما أرسل على يده، فيغيره، فكذلك وصفه بالختم والأعلام؛ ليؤمن من الزيادة فيه والنقصان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، أي: للمكذبين بجميع ما يحق عليهم تصديقه، وذلك يكون بالإيمان بالله  ، وبآياته، ورسله، وبالبعث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ : الدين اسم لشيئين: اسم للجزاء، واسم للاستسلام والخضوع؛ فمسي: يوم الدين؛ لما يدانون بأعمالهم، أو لما يستسلمون لله -  - في ذلك اليوم ويخضعون له، وفي تكذيبهم بيوم الدين تكذيب لقدرة الله  وتكذيب رسله؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى الإيمان بيوم الدين؛ فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم؛ فيكون تأويله منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق عليهم التصديق به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ : المعتدي هو الذي يتعدى حدود الله  ، والأثيم: الذي يتأثم بربه؛ فيكون مجاوزاً به عن الحدود، والتأثم بربه هو الذي يحمله على التكذيب، وإلا لو قام بحفظ حدوده، ولم يأثم بربه، لكان لا يكذب بيوم الدين.

أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : أباطيل الأولين.

وقال أبو عبيدة: الأساطير: هي التي لا أصل لها.

ومعناه عندنا: ما سطره الأولون، أي: كتبه، فالسطر: الكتابة؛ فيخبرون أنها ليست من عند الله  ، بل مما كتبها الأولون الذين لا نظام لهم، ولم يكن يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم؛ ولكنهم كانوا يعارضونه بهذا عندما كان يتلو عليهم من نبأ الأولين، وكانوا ينسبونه إلى السحر إذا أتاهم بالآيات المعجزات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: الرين: الستر والغطاء.

وقيل: الرين: الصدأ؛ فالله -  - سمى الإيمان الذي هو في النهاية من الخيرات: نوراً، وسمى الكفر الذي هو في النهاية من الشرور: ظلمة، فإذا كان الإيمان منورا للقلب، والكفر مظلما، فإذا اشتغل بالأسباب الداعية إلى الكفر شيئا بعد شيء من الآثام، فكل سبب من ذكل يعمل في إظلام القلب حتى تتم الظلمة؛ على ما روي عن أبي هريرة -  - "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية، فقال: هو العبد يذنب الذنب، فتنكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صفا قلبه، وإن لم يتب، وعاد فأذنب، نكتت في قلبه نكتة سواداء، وإن عاد نكتت في قبله حتى يسود القلب أجمع؛ فذلك الرين" ، ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره شيئا فشيئا بأسباب تتقدم الإيمان حتى يحمله ذلك على الإيمان؛ فذلك تمام الانشراح.

وعلى هذا يخرج تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب -  - أن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد عظما، ازداد ذلك البياض، فإذا تستكمل الإيمان ابيض القلب كله.

معنى قولخ: "يبدأ نقطة بيضاء" إلى قوله: "حتى يستكمل الإيمان"، عندنا بالأسباب الداعية إلى الإيمان، فلا يزال ينشرح منه شيء فشيء بكل مقدمه منه حتى يفضي به إلى الإيمان.

ثم إن الله -  - سمى السواتر عن الإيمان بأسام، مرة قال: ﴿ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً...

﴾ الآية [الإسراء: 46]، ومرة: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ  ﴾ ، فكأن الذين وصفوا بالقفل على قلوبهم هم الذين انتهوا في الكفر غايته حتى لا يطمع منهم الإيمان، وهم المتمردون المعتقدون للتكذيب، وهم الرؤساء منهم والأئمة.

ومنهم من هو مطبوع على قلبه، وهم الذين اعتقدوا الكفر لا عن تمرد وعناد، ولكن لما لم تَلُحْ لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان.

وذكر الزجاج أن أول منازل الستر: الغبن، وهو الستر الرقيق كالسحاب الرقيق في السماء، يعمل في غشاء القلب غشاء السحاب الرقيق بلون السماء، ثم إذا ازداد سمي: ربنا ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب، وفي هذا دليل على أن لله  تدبيراً وصنعا في أفعال العباد؛ لأنه أنشأ للكفر ظلمة في القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان؛ إذ كل من اعتقد الكفر فهو ليس يعتقده؛ ليمنعه عن درك الأنوار، وإذا لم يوجد منه هذا، ثبت أنه صار كذلك بتدبير الله -  - وصنعه؛ إذ لا يجوز أن تحدث الظلمة في القلب إلا بمحدث لها، وإذا انتفى الصنع من الكافر ثبت أنه بتدبير الله -  - ما صار كذلك، وأنه أنشأه مظلما، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ .

فذكر أبو بكر الأصم: أن هذا في الدنيا، يقول: إنهم حجبوا عن عبادة ربهم بما عبدوا غير الله  ؛ فصارت عبادتهم غير الله حجابا من عبادته.

وذكر أهل التفسير: أن هذا في الآخرة.

ثم منهم من يقول: إنهم حجبوا عن لقاء ربهم، وأوجبوا بهذا القول الرؤية للمؤمنين.

ومنهم من يقول: هم محجوبون، اي: عن كرامته التي أعدها لأوليائه، وعن رحمته، فعوقبوا بالحجب عن ذلك؛ جزاء لصنيعهم؛ لأنهم في الدنيا ضيعوا نعم الله -  - فلم يقبلوها بالشكر، ولم يؤمنوا برسوله الذي بعثه رحمة للعالمين؛ فأبسلوا من رحمته وكرامته في الآخرة؛ عقوبة لهم ومجازاة، وهو كقوله  : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، أي: جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به؛ فعلى ما وجد منهم من المعاملة لآياته وحججه بتركهم الالتفات إليها عوملا بمثله في الآخرة.

وقال في آية أخرى: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : من صرف الحجب إلى الدنيا، فهو يقول: ثم إ نهم يصلون الجحيم بعدما عبدوا غير الله  ، وحجبوا عن عبادته.

ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة، فهو يقول: إنهم يصلون الجحيم بعدما يظهر فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوخ وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ظهورهم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ تأويله: أنهم يعرفون أنهم يصلونها بتكذيبهم بها، وحجبوا عن الله -  - بتكذيبهم بذلك اليوم، وإلا لو آمنوا وأقروا أن النار حق والبعث حق، لم يكونوا يصلونها؛ فيعرفون حتى يقروا بذلك بقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

للحساب والجزاء في يوم عظيم لما فيه من المحن والأهوال.

<div class="verse-tafsir" id="91.6BXqk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سورة المطففين قيل مكية كما ذكر، وقيل مدنية، نزلت في حال أهل المدينة حين قدمها النبي  ، حيث كانوا أخبث الناس كيلًا كما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس.

(والمطففون) قد بينهم اللَّه في قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  ﴾ ، أي إذا كان لهم عند الناس في شىء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامًا كاملًا.

ولهذا عدى ﴿ اكْتَالُوا  ﴾ بعلى، فقال اكتالو عليهم ولم يقل منهم لأن؛ ما يأخذونه حق على الناس يستوفونه منهم ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ ، أي إذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسار، ولما كان المعنى على الإعطاء، عدى (كال) إلى الضمير بدون حرف.

وقد يكون على حذف الجار والإيصال كما في قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الآوبر أي جنيت لك، والأصل كالوا لهم.

والأكمؤ: جمع كمأة، وهي ما يعرف عند العامة الآن بعيش الغراب.

والعساقل ضرب منه أبيض، وقيل لونه بين البياض والحمرة.

وبنات الآوبر: ضرب منه كذلك رديء الطعم.

وإنما سمي من يبخس الكيل في حال ويملؤه أو يزيد عليه في حال مطففًا، لأنه يبلغ في كيله طفاف الكيل كسحاب أي ما يقرب من ملئه ولا يملأه في الحالة الأولى، ويبلغ الطفاف أو الطفافة بالضم -وهي ما فوق المكيال- في الحالة الثانية، ولأنه يطلب الغنى بشىء طفيف، وهو ما يأخذه من البخس إذا اكتال منك، ومن الزيادة إذا اكتال عليك.

وقد ذكر اللَّه في هذه السورة تفصيلًا لما أجمله في السورة السابقة، فقد جاء بنوع من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال، ثم جاء بنوع آخر وهو التكذيب بيوم الدين، وبمنشأ ذلك التكذيب وهو الاعتداء وملازمة الآثام، وأتبع ذلك بأثر من آثار التكذيب وهو دعوى أن آيات اللَّه في كتابه هي أساطير الأولين.

كل هذا بيان للفجور المؤدي بصاحبه إلى الجحيم، ثم زاد ما يلاقونه في الآخرة تفصيلًا من حيث ذكر أين يكون كتابهم، وذكر حجبهم عن ربهم، وما يقال لهم من قوارع التبكيت، وكذلك فصل في نعيم الأبرار ما أجمله في السورة المتقدمة كما ترى.

بعد أن قال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ أي هلاك لهم عظيم ونكال ينتظرهم، قال: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  ﴾ أي إن تطفيف الكيل واختلاس مال الناس بوسيلة هذا العمل مما لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه يبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله، ولو ظن البعث والحساب لما طفف ولا بخس الميزان.

ولهذا تنزل حالة المطفف منزلة حال من يجهل ظنه بالحياة الآخرة، فضلًا عن اعتقاده فيها، فيستفهم عنه، كما قال: إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم، أي فيه؟

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، أي يقفون للعرض عليه، ويطول بهم الموقف إعظامًا لجلاله وإجلالًا لمقامه جل شأنه.

واعتبار المطفف كأنه لا يظن سيبعث للقيام بين يدي ربه، وتنزيله منزلة المنكر للبعث، اعتبار حق لا يجادل فيه إلا مغرور باللَّه، أو جاهل بدينه، بل منكر لحقيقته.

وكيف يصر على إيذاء الناس والغض من حقهم من يظن بعض الظن أنه سيقوم بين يدي رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين، القاهر الجبار، ليحاسب على النقير والقطمير والحبة والذرة ؟.

(كلا) لا يقيم على ذلك إلا منكر لما أوعد به، أو متأول فيها يدفع عنه العقاب وينجيه من الحساب، لا يبعد به تأوله عن منزلة المنكر، بل يسقطه مع صاحبه في النار وبئس القرار.

هذا ما ينذر اللَّه به المطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيل ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم فيحرمونهم حق التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك أو نفوذ السلطان، أو باستعمال طرق الحيلة؟

فهل يعد هؤلاء من الشاكين في يوم البعث، فضلًا عن الظانين أو الموقنين؟

لا ريب أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين، وإن زعموا بلسانهم أنهم من الموحدين المؤمنين.

يروى أن أعرابيًا قال لعبد الملك بن مروان: "سمعت ما قال اللَّه في المطففين"؟!

أراد بذلك أن قد حق الوعيد على المطفف على النحو الذي سمعت من التهويل والتعظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تنهب وتسلب وتنتزع الأموال من أيدي أربابها بالقوة والقهر لا بالحيلة والخدعة، استعظامًا لقوتك، وغفلة عن جبروت اللَّه، وتكبرًا على الناس، ولا تكتفي من ذلك بالقليل كما هو شأن المطفف، ولا ترضى بما دون استئصال الأموال ومسح ما يبقى من غبارها بأيدي أهلها؟

فالويل كل الويل لك ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قرىء (يوم يقوم) بالفتح والجر، وعلى الثاني هو بدل من يوم عظيم، وعلى الأول ظرفًا لـ (مبعوثون)، أو منصوبًا على الاختصاص، وهو ما نختاره لأن المقام له.

كلا ردع لهم عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب، وضعف اعتقادهم به فإن ذلك غرور منهم لا يرجعون فيه إلى سند، وذلك أنهم بعلمهم هذا يعدون من الفجار، والفجار يحاسبون على أعمالهم لا يغفل منها شيء، فإن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم خفيها وجليها، حقيرها وعظيمها، وذلك الكتاب يسمى بسجين وهو مرقوم، أي قد أُثبت فيه العلامات الدالة على الأعمال.

ويفهم من استعمال اللفظ في اللغة، ومن مقابلته بكتاب الأبرار الذي في عليين، أن فيه معنى التسفل، كما أن مقابله معنى التعلي، وقد رأيت في بعض كتب أهل البحث في اللغات أن الوحل يسمى في اللغة الأثيوبية سنجون (بالجيم العجمية مع إمالة في حركة الواو)، ولا يخفى ما في معنى الوحل من التسفل، وقد يكون هذا اللفظ من استعمال عرب اليمن، فإن فيها كثيرًا من الألفاظ الأثيوبية لكثرة المخالطة بينهم وبين أهل الحبشة، استعملوه فيما يقارب الوحل، فلا يبعد أن يقال إن الكتاب فيه أي أنه مكتوب به، أو على التصوير والتمثيل، أي إن الأعمال -لخبثها- تصور وتمثل كأنها مكتوبة به ويكون معنى كون الوحل وما يقاربه كتابًا مرقومًا، أن الأعمال بعد أن خطت به صار ذلك المداد القبيح كتابًا مرموقًا.

وعلى أن سجينًا اسم لما تحصى فيه الأعمال يجوز أن يكون لفظ (كتاب) الأول مصدرًا، أي أن كتبهم وإثبات أسمائهم وأعمالهم هو في ذلك الكتاب الذي هو كالسجل لتلك الأسماء والأعمال، ويقال كتب اللَّه فلانًا في الأشقياء أو في السعداء، أي أدرج اسمه بين أسمائهم فيما قد لهم، فكذلك يقال كتب الفجار في سجين، أي أودع أسماءهم فيه مقرونة إلى أعمالهم.

ويجوز أن يكون كتاب بمعنى المكتوب، ومعنى كونه في سجين أن سجينًا هو ذلك السجل العام المسمى بسجين.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ إعادة للوعيد الأول في قوله ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ بعبارة أدل على عظم الجرم وأعم تشمل تلك الجريمة وغيرها، وذلك أنه قال في المطففين ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ليبين أن الإصرار على ذلك العمل القبيح يدل على ارتفاع الظن بالبعث، ثم أعاد الوعيد بلفظ المكذبين الذي يشمل أولئك المطففين وغيرهم، وهو الذين يكذبون بيوم الدين، أي يوم الجزاء، سواء كان التكذيب بجحد الخبر به مباشرة أو كان بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب.

وعدم المبالاة هو التكذيب المستبطن في النفس الذي تجري عليه في أعمالها، وإن كانت لا تظهره في أقوالها، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.

ولهذا جعل الاعتداء والإثم مناط التكذيب في قوله ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  ﴾ ، فإن من كان ميالًا إلى العدل في خلائقه وأفعاله، واقفًا عندما حدد اللَّه لعباده في شرائعه وسننه، لا يعتدي حدو النصفة، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما مال إليه، أما من اعتدى الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام وإتيان ما فيه الغض من حقوق الناس والإضرار بهم والإخلال بنظامهم فذلك الذي يصعب، بل يكاد يمتنع عليه الإذعان بأخبار الآخرة، لأنه يأبى النظر في أدلتها وتدبر البينات القائمة على صدقها، لأن في ذلك قضاء على نفسه بالسفه، وحكما عليها بالظلم -ذلك فيما مضى لها- ثم فيه تخويف لها من ارتكاب مثل عملها فيما يستقبل، وهي جامحة طامحة، فهو لا يريد إلا أن يعللها بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل أو التعلق بالأماني، من نصرة الأولياء، أو توسط الشفعاء.

فلذلك إذا تليت عليه الآيات المنزلة الناطقة بأصدق الخبر عما يكون في ذلك اليوم مما لا مفر منه ﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ .

والأساطير أحاديث لا نظام لها، أي ذلك كلام مكرر الحكاية، يؤثره الآخر عن الأول، والخلف عن السلف، ولكنه ما لاينطبق على الواقع، فهو مما تعودت النفوس سماعه وتعودت سماعه وتعودت ألا تتأثر منه وألا تحلى منه بطائل، فلا يستحق النظر فيه.

هكذا حال القوم يتلى عليهم كتاب اللَّه، وفيه ما ينعى عليهم حالهم ويكشف لهم ما لبسوا على أنفسهم، وبينّ لهم سيئات أعمالهم، فيقولون هذا مفهوم ولكن من ذا الذي يعمل به؟

ولم لم يعمل فلان وفلان حتى كنا نسلك مسلكهم، ونستقيم على طريقهم؟

فهؤلاء واصفون لكتاب اللَّه بأنه أساطير الأولين، وإن لم ينطقوا باللفظ الدال على الوصف ليعللوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وأنهم مع فجورهم ناجون.

(كلا) إن هذه الآيات ليست بأساطير تسطر، وأقاصيص تحكى، وتؤثر وتعاد وتكرر بدون حقيقة ولا أثر، بل هي الحق الذي لا مراء فيه، عرفه منها أهل العدل المتعرضون للرحمة والفضل، وإنما الذي غطى قلوب المكذبين، وحجبها عن فهم ما جاءت به الآيات، تلك الملكات الرديئة، والعادات السيئة والأعمال الخبيثة التي كانوا يكسبونها.

وران على قلبه: أي ركبه وغطاه، ومعنى رين الذنب وركوبه القلب حتى يحجبه عن الفهم هو ما ذكرناه لك من أن المسيء الذي ضربت نفسه بالقبيح يسعى جهده في البعد عن كل ما يكدر صفوه، فهو يعرض عن كل ما يجد فيه تهجينًا لعمله، أو تخويفًا من عاقبة فعله.

وهل يغنيهم هذا العمى من الحق شيئًا؟

(كلا) إنهم سيكونون يوم القيامة في المكان الدون، وموقف الهون، و ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ  ﴾ .

ولا يحجب عن الرب الكريم إلا المخذول المرذول، الذليل المهين ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ  ﴾ -بعد أن يطردوا عن أبواب الكرامة- يقذف بهم حيث لا يلقون إلا الأسف والندامة، يقذف بهم في الجحيم يصلونها ويقاسون حرها ﴿ ثُمَّ يُقَالُ  ﴾ لهم ﴿ هَذَا  ﴾ هو العذاب ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، تبكيتًا لهم، وزيادة في التنكيل بهم، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر -وهو يتألم له- بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.

(كلا) ردع عن التكذيب المذكور في قوله: ﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، وإنما يجب تجنبه طلبًا للكرامة في ملازمة التصديق الذي هو ضده، فإن كتاب الأبرار في عليين إلخ.

وقد بينا في السور السابقة معنى (الأبرار)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المفصلة في السور والآيات، فهؤلاء لا يضيع عمل عامل منهم، بل كل ما عمله فقد أحصاه اللَّه في كتاب مرقوم، اسمه عليون.

والكلام على لفظ كتاب الأول كالكلام عليه فيما سبق، وقد رأيت عن بعض الباحثين في اللغات الشرقية أن لفظ علوًا في اللغة الأثيوبية (الحبشية القديمة) معناه النقش باللون الأحمر، فإن لم يكن العليون من العلو فمن الجائز أن اللفظ دخل في لغة أهل اليمن وعرب الجنوب على معنى الزينة، ثم أطلق على كل مزين لطيف، وقد يدل على ذلك تخالف البناء والوزن مع ما هو من معنى العلو.

وهذه الكتب التي تكتب فيها أعمال المجرمين أو أعمال الأبرار مما استأثر اللَّه بعلم حقيقته، "فسجين" و "عليون" موجودان، أودعهما اللَّه أعمال الخاسرين والناجين وليس علينا أن نعرف أنها من أوراق أو أخشاب أو معادن أخر، أو من أرواح غير أجسام، كل ذلك مما لا حاجة إلى البحث فيه لاستكمال الإيمان، وقد يكشفه اللَّه للمصطفين من عباده.

ولهذا قال ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ وجاء بهذه الصفة ليدل بها على أنه أمر محقق الثبوت، حتى أن المقرب ليشهده شهود العيان إذا وصل من القرب إلى الحد الذي يكشف له فيه ذلك الكتاب وأمثاله.

ولما كان المقصود من شهود المقربين هو ما ذكرنا واللَّه أعلم، ظهر وجه ذكر هذه الصفة في جانب كتاب الأبرار، وعدم ذكر مثلها في جانب كتاب الفجار، لأن الفجار لا يشهدهم اللَّه كتبهم وكتب غيرهم لتسفل أرواحهم وتدنسها بأوضار الفجور، فأنَّى يكون لها الاطلاع إلى غيب لا تدنو منه إلا النفوس العالية، والعقول الصافية.

وقيل المراد بالقربين الملائكة، وعليه لا يظهر تخصيص كتاب الأبرار بذلك، فإن كتاب الفجار مشهود لهم كذلك.

بعد أن أكد الخبر بإحصاء أعمال الأبرار، وأن إحصاءها في كتاب رفيع مكرم جليل، أخذ يفصل ما ينالونه من الجزاء على البر والإحسان فقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  ﴾ .

والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله الخفض والدعة، وما فيه لذة وراحة وليس فيه ألم وعناء، وهو ضد البأساء والبؤس.

و ﴿ الْأَرَائِكِ  ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس بيت -أي خيمة- يزين بالثياب والأسرة والستور.

وقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ  ﴾ أي يمدون أعينهم إلى ما شاءوا، لا يغضى الخري من أبصارهم.

و(نضرة النعيم) بهجته وماؤه ورونقه.

و(الرحيق) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، وهو قول الزجاج، وقيل هو أعتق الخمر وأفضلها، وقيل هو صفوتها، وهي معان كلها متقاربة.

و(مختوم) ختمت أوانيه وسدت، وكان ختامها المسك مكان الطينة.

وقيل المراد من (ختامه)، مقطعه بعد الشرب، أي أن الشارب يجد منه رائحة المسك بعد أن يشربه، ولا يجد تلك الرائحة الخبيثة التي يجدها شارب الخمر.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  ﴾ ، أي في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضًا إليه بالأعمال التي تقرب منه.

وهذه الجملة معترضة ذكرها عقب أنواع النعيم المتقدمة قبل أن يأتي على بقية أوصاف الرحيق، إسراعًا إليك بالترغيب في التسابق إلى ما عد من أنواع السعادة، وقد يعود اسم الإشارة في ذلك إلى الرحيق المختوم، تمييزًا له من بين أنواع النعيم السابقة بالترغيب فيه، والجملة اعتراض على كل حال، وكل نوعين اختلطا فأحدهما مزج صاحبه ومزاجه.

فبعد أن قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ  خِتَامُهُ مِسْكٌ  ﴾ بيّن ما يمزج بذلك الرحيق إذا رغب راغب أن يمزجه بشيء، ودل على أن مزاجه يكون من التسنيم: وهو ماء يأتي من الأعالي واسمه التسنيم، ليطابق الاسم مسماه، ثم زاده بيانًا بقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

فعينًا منصوب على الاختصاص بالمدح، وفيه من البيان ما لا يخفى.

﴿ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ أي يشربون بها الرحيق مزاجًا له إذا أرادوا.

و(المقربون) هم الأبرار بعينهم، ذكرهم بهذا الوصف زيادة في تكريمهم.

كل هذه الأنواع من النعيم التي ذكرت في الآيات مما ترغب فيه الأنفس، وتتسابق إليه الهمم، لهذا حفز اللَّه بها عزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، وليطمع فيها الواقف على أول الطريق، فليزم الجادة الواضحة، ويدع المعوجة الملتبسة، ويسلك سبيل السابقين، وليرد بها من جار على النهج ويقيمه على الصراط المستقيم.

هذا والمفهوم منها ما يشبه ما نحن فيه، فما ظنك بها لو كانت أرقى وأكمل، وأعلى وأفضل وأنه لا يدانيها شيء مما نعهده في الدنيا إلا في الاسم، أو ضرب من الشبه البعيد، كما هو حقيقة أمرها والحق في شأنها؟!

بعد أن ذكر ما أوعد به (الفجار) وهو أهل الجرائم ومقترفو السيئات، وما وعد به (المتقون) وهو أهل البر والإحسان، وما سيلاقيه كل من الفريقين في الدار الآخرة جزاء على عمله -أخذ يذكر ما كان لأحد الفريقين إلى الآخرة في الدنيا، وما سيكون من شأن الفريق الآخر مع الفريق الأول في الآخرة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا  ﴾ وهو المعتدون الأثمة، الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ذلك لأنه حين رحم اللَّه هذا العالم ببعثه النبي  كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته  ، ثم يهمس بها بعض من يلبيه ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسر بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القوي المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا.

كذلك كان شأن جماعة من قريش -كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد لما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم -إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق، وأزدرى السامعون منهم بالداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا مَرُّوا  ﴾ بأحد من أهل الحق يغمز بعضهم بعضًا هزوءًا به.

وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، ورجعوا إليهم فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل، كأن يقولوا: عجبًا!

هذا فلان يقول لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجهوا بالطلب فيما يفوق طاقتكم إلا إلى اللَّه وحده خالق السموات والأرض، فأين الأولياء والشفعاء؟

وكم فعلوا وتركوا، وضروا ونفعوا، وهو ينكر جميع ذلك، كأن الناس جميعًا في ضلال وهو وحده يعرف الحق!

.

.

ونحو ذلك مما يعدونه فكاهة يتلذذون بحكايته.

وإذا رأوا المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون، لأنهم طرحوا ما عليه العامة وذهبوا يعيبون العقائد والأعمال المتوارثة عن الآباء والأجداد.

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا  ﴾ : أي لم يرسل المؤمنون الصادقون الداعون إلى الحق لأن يكونوا ﴿ حَافِظِينَ  ﴾ عليهم، أي على الكافرين والمبتدعين المجرمين، أي لم يمنحهم اللَّه تلك المزية وهي: أن يكونوا رقباء عليهم، يعظونهم ويدعونهم إلى الخير وهجر الشر، فليسوا ملزمين بسماع دعوتهم والإصاخة لأدلتهم، فجملة (وما أرسلوا) وهي من كلام الذين أجرموا، حجدًا لحق المؤمنين في وعظهم وإرشادهم.

ذلك ما كان من معاملة المجرمين للمؤمنين في الدنيا: يهزأون بهم، ويضحكون منهم، ويجعلونهم أحاديث لهو ولغو -فانظر ما تكون معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة.

(فاليوم) أي يوم الدين والجزاء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  ﴾ ، لا ضحك الجاهل المغرور، بل ضحك الموقن المسرور، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به.

انكشف لهم بالعيان ما كانوا يرجونه من إكرام اللَّه لهم، وخذلانه لأعدائهم، فسروا بذلك وضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم سفه عقولهم وفساد أقوالهم فنكست أعناقهم لخزيهم وذلهم، فما أعظم مجد المؤمنين في ذلك اليوم!

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ  ﴾ إلى صنع اللَّه بأعدائهم، وتذليله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقًا!

فجملة (هل ثوب) متعلقة بينظرون، ليتحققوا: هلى جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه بهم في الدنيا؟

(وثوب) -مثل أثاب- بمعنى جازى.

يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير أي: هلى جوزي الكفار إلخ، ويجوز أن يكون استئنافًا واستفهامًا تقريريًا، كأنه خطاب للمؤمنين.

أي: هل رأيتم كيف جازى اللَّه الكافرين بأعمالهم؟

أي أنه فعل وجازاهم شر الجزاء وأنتم تعلمون ذلك.

والأول أظهر كما لا يخفى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله