الآية ١٩ من سورة الأعلى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 87 الأعلى > الآية ١٩ من سورة الأعلى

صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الأعلى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الأعلى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا نصر بن علي ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كان كل هذا - أو : كان هذا - في صحف إبراهيم وموسى " .

ثم قال : لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس غير هذا ، وحديثا آخر أورده قبل هذا .

وقال النسائي : أخبرنا زكريا بن يحيى ، أخبرنا نصر بن علي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : كلها في صحف إبراهيم وموسى ، فلما نزلت : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] قال : وفى ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) [ النجم : 38 ] .

يعني أن هذه الآية كقوله في سورة " النجم " : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى ) [ النجم : 36 - 42 ] الآيات إلى آخرهن .

وهكذا قال عكرمة - فيما رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن مهران ، عن سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عكرمة - في قوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) يقول : الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى .

وقال أبو العالية : قصة هذه السورة في الصحف الأولى .

واختار ابن جرير أن المراد بقوله : ( إن هذا ) إشارة إلى قوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ) ثم قال : ( إن هذا ) أي : مضمون هذا الكلام ( لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) .

وهذا اختيار حسن قوي .

وقد روي عن قتادة وابن زيد ، نحوه .

والله أعلم .

آخر تفسير سورة " سبح " ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) قال: في الصحف التي أنـزلها الله إبراهيم وموسى أن الآخرة خير من الأولى .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره؛ لأن هذا إشارة إلى حاضر، فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره.

وأما الصحف: فإنها جمع صحيفة، وإنما عُنِي بها: كتب إبراهيم وموسى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخلد، قال: نـزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، وأنـزلت التوراة لستّ ليال خلون من رمضان، وأنـزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة، وأنـزل الإنجيل لثماني عشرة، وأنـزل الفرقان لأربع وعشرين .

آخر تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

صحف إبراهيم وموسى يعني الكتب المنزلة عليهما .

ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف ، وإنما هو على المعنى أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف .

وروى الآجري من حديث أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، فما كانت صحف إبراهيم ؟

قال : كانت أمثالا كلها : أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم .

فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر .

وكان فيها أمثال : وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، يفكر فيها في صنع الله - عز وجل - إليه ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب .

وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد ، ومرمة لمعاش ، ولذة في غير محرم .

وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه .

ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه .

قال : قلت يا رسول الله ، فما كانت صحف موسى ؟

قال : كانت عبرا كلها : عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح !

وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب .

وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها !

وعجبت لمن أيقن بالحساب [ ص: 23 ] غدا ثم هو لا يعمل !

.

قال : قلت يا رسول الله ، فهل في أيدينا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى ، مما أنزل الله عليك ؟

قال : " نعم اقرأ يا أبا ذر : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى " وذكر الحديث .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } اللذين هما أشرف المرسلين، سوى النبي محمد صلى الله وسلم عليه وسلم.فهذه أوامر في كل شريعة، لكونها عائدة إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كل زمان ومكان.تم تفسير سورة سبح، ولله الحمد

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم بين الصحف فقال : ( صحف إبراهيم وموسى ) قال عكرمة والسدي : هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى .

أخبرنا الإمام أبوعلي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني ، حدثنا محمد بن يحيى [ بن أيوب حدثنا سعيد بن كثير حدثنا ] يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما ب " سبح اسم ربك الأعلى " و " قل يا أيها الكافرون " وفي الوتر ب " قل هو الله أحد " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«صحف إبراهيم وموسى» وهي عشر صحف لإبراهيم والتوراة لموسى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن ما أخبرتم به في هذه السورة هو مما ثبت معناه في الصُّحف التي أنزلت قبل القرآن، وهي صُحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ( إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى .

صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى ) أى : إن هذا الذى ذكرناه من فلاح من تزكى ، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على الآخرة ، لكائن وثابت ومذكور فى الصحف الأولى ، التى هى صحف إبراهيم وموسى ، التى أنزلها - سبحانه - على هذين النبيين الكريمين ، ليعلما الناس ما اشتملت عليه من آداب وأحكام ومواعظ .

وفى إبهام هذه الصحف ، ووصفها بالقدم ، ثم بيان أنها لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل ، تنويه بشأنها ، وإعلاء من قدرها .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه قولان: أحدهما: أنه بيان لقوله: ﴿ فِى الصحف الأولى  ﴾ والثاني: أن المراد أنه مذكور في صحف جميع الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى، روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم أنزل الله من كتاب؟

فقال: مائة وأربعة كتب، على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وقيل: إن في صحف إبراهيم: ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هذا ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾ إلى ﴿ أبقى ﴾ يعني أنّ معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف.

وقيل: إلى ما في السورة كلها.

وروي: عن أبي ذر رضي الله عنه «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم أنزل الله من كتاب؟

فقال: مائة وأربعة كتب، منها على آدم: عشر صحف، وعلى شيث: خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس: ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم: عشر صحائف والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان» وقيل: إنّ في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله تعالى على إبراهيم وموسى ومحمد» .

وكان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى وكان علي وابن عباس يقولان ذلك.

وكان يحبها.

وقال: أول من قال «سبحان ربي الأعلى» مكيائيل.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى ﴾ الإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَدْ أفْلَحَ فَإنَّهُ جامِعُ أمْرِ الدِّيانَةِ وخُلاصَةُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.

﴿ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.

قالَ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الأعْلى أعْطاهُ اللَّهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{صُحُفِ إبراهيم وموسى} بدل من الصحف الأولى وفي الأثر وفي صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه

سورة الغاشية مكية وهي ست وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم {هل أتاك حديث الغاشية}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ الصُّحُفِ الأُولى ﴾ وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها ما لا يَخْفى، وكانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَشَرَةً وكَذا صُحُفُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِها ما عَدا التَّوْراةَ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابٍ؟

قالَ: «مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، أنْزَلَ عَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وعَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ».

قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما كانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ؟

قالَ: «أمْثالٌ كُلُّها: أيُّها المَلِكُ المُتَسَلِّطُ عَلى المُبْتَلى المَغْرُورِ لَمْ أبْعَثْكَ لِتَجَمْعَ الدُّنْيا بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ولَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنِّي لا أرُدُّها ولَوْ كانَتْ مِن كافِرٍ، وعَلى العاقِلِ ما لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَلاثُ ساعاتٍ: ساعَةٌ يُناجِي فِيها رَبَّهُ، وساعَةٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ ويَتَذَكَّرُ فِيما صَنَعَ، وساعَةٌ يَخْلُو فِيها لِحاجَتِهِ مِنَ الحَلالِ؛ فَإنَّ في هَذِهِ السّاعَةِ عَوْنًا لِتِلْكَ السّاعاتِ واجْتِماعًا لِلْقُلُوبِ وتَفْرِيغًا لَها، وعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمانِهِ مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ حافِظًا لِلِسانِهِ فَإنَّ مَن حَسَبَ كَلامَهُ مِن عَمَلِهِ أقَلَّ الكَلامَ إلّا فِيما يَعْنِيهِ، وعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ طالِبًا لِثَلاثٍ: مِرَمَّةٍ لِمَعاشٍ أوْ تَزَوُّدٍ لِمُعادٍ أوْ تَلَذُّذٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ».

قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما كانَتْ صُحُفُ مُوسى؟

قالَ: «كانَتْ عِبَرًا كُلُّها: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالمَوْتِ ثُمَّ يَفْرَحُ، ولِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ، ولِمَن يَرى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، ولِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ يَغْضَبُ، ولِمَن أيْقَنَ بِالحِسابِ ثُمَّ لا يَعْمَلُ».

قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى؟

قالَ: «يا أبا ذَرٍّ، نَعَمْ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى ﴾ ﴿ وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ﴾ ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ »».

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الحَدِيثِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «إبْرَهَمَ» بِحَذْفِ الألِفِ والياءِ وبِالهاءِ مَفْتُوحَةً ومَكْسُورَةً وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ بِكَسْرِها لا غَيْرَ.

وقَرَأ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: «إبْراهامَ» بِألْفَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: «إبْراهَمَ» بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ.

وجاءَ كَما قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: «إبْرَهُمَ» بِضَمِّ الهاءِ بِلا ألِفٍ ولا ياءٍ وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ العَرَبِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ؛ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلى الصَّحِيحِ مِنها.

وحَكى الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البُرْهُمَةِ وهي شَدَّةُ النَّظَرِ ونَسَبُهُ قَدْ تَقَدَّمَ وكَذا نَسَبُ مُوسى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما وسَلَّمَ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ يعني: توحيد ربه فَصَلَّى مع الإمام الصلوات الخمس، ويقال قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: أدى زكاة الفطر وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى مع الإمام صلاة العيد.

ويقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: أدى زكاة المال، يعني: نجا من خصومة الفقراء يوم القيامة وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى يعني: كبّر وصلى لله تعالى، ويقال: مَنْ تَزَكَّى يعني: تاب من الذنوب (وذكر اسم ربه) يعني: إذا سمع الآذان خرج إلى الصلاة ثم ذم تارك الجماعة لأجل الاشتغال بالدنيا فقال: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: تختارون عمل الدنيا على عمل الآخرة، قرأ أبو عمرو: بل يؤثرون بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم قال عز وجل: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى يعني: عمل الآخرة خير وأبقى من اشتغال الدنيا وزينتها، ويقال معناه يختارون عيش الدنيا الفانية على عيش الآخرة الباقية وإن عيش الآخرة خير وأبقى لأن في عيش الدنيا عيوباً كثيرة خوف المرض والموت والفقر والذل والهوان والزوال والحبس والمنع وما أشبه ذلك وليس في عيش الآخرة شيء من هذه العيوب، لأجل هذا قيل خير من الدنيا قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى يعني: الذي ذكر في هذه السورة كان في الصحف الأولى يعني: في الكتب الأولى ثم فسره فقال: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ويقال: الذي ذكر في آخر السورة أربع آيات لفي كتب الأولين وكل كتاب مكتوب يسمى الصحف يعني: في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلخ الآية.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨)

وتَزَكَّى معناه: طَهَّرَ نَفْسَه ونماها بالخيرِ، ومِنَ «الأربعين حديثاً» المسندةِ لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري الإمامِ المحدثِ قال في آخرها: وحديثُ تمامِ الأربعينَ حديثاً وهو حديثٌ كبيرٌ جامعٌ لكلِّ خيرٍ حدَّثنا أبو بكرٍ جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيَابِيُّ إملاءً في شهر رجب سنةَ سبعٍ وتسعينَ ومائتين قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ هشامِ بنِ يحيى الغسانيّ قال:

حدثني أبي عن جَدِّي عن أبي إدريسَ الخَوْلاَنِيِّ عَن أَبي ذَرٍّ قال: «دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم جَالِسٌ، فَجَلَسْتُ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةٌ، وَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ قُمْ فَارْكَعْهُمَا، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعْتُهُما، جَلَسْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلاَةِ، فَمَا الصَّلاَةُ؟

/ قالَ: خَيْرٌ مَوْضُوعٌ، فاستكثر أَوِ استقلل» الحديثَ، وفيهِ: «قلتُ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كِتَاباً أَنْزَلَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ-؟

قَالَ: مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ أَنْزَلَ اللَّهُ:

عَلَى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى خَانُوخَ ثَلاَثينَ صَحِيفَةً، وعلى إبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وأَنْزَلَ عَلَى موسى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ، وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، وَالإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، وَالفُرْقَانَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إبْرَاهِيمَ؟

قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالاً كُلُّها:

أَيُّهَا المَلِكُ المُسَلَّطُ المُبْتَلَى المَغْرُورُ، إنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا على بَعْضٍ، ولكني بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنِّي لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ من كافر، وكان فيها أمثال: وعلى بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنِّي لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ، وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ: وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ في صُنْعِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- إلَيْهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لَحَاجَتِهِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ، وَعَلَى العَاقِلِ أَلاَّ يَكُونَ ظَاعِناً إلاَّ لِثَلاَثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعادٍ، أو مَؤُونَةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيراً بِزَمَانِهِ، مُقْبِلاً على شَانِهِ، حَافِظاً للِسَانِهِ، وَمَنْ حَسِبَ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟

قَالَ: كَانَتْ عِبَراً كُلُّهَا: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ، وَعَجِبْتُ لِمَن رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَها بِأَهْلِهَا ثُمَّ اطمأن إلَيْهَا، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غدا ثمّ لا يعمل، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ في أَيْدِينَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ في أَيْدِي إبْرَاهِيمَ وموسى مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ؟

قَالَ: نَعَمْ، اقْرأْ يَا أَبَا ذَرٍّ «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا إلى آخِرِ هذه/ [السورةِ- يعني: أنَّ ذِكْرَ هذه الآيَاتِ لَفِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وموسى- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَوْصِنِي، قَال: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّه- عَزَّ وَجَلَّ- فَإنَّهُ رَأْسُ أَمْرِكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلاَوَةِ القُرْآنَ وَذِكْرِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- فَإنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ في السّماء

وَنُورٌ لَكَ في الأَرْضِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: وَإيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإنَّهُ يُمِيْتُ القَلْبَ، ويَذْهَبَ بِنُورِ الْوَجْهِ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِالجَهَادِ فِإنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إلاَّ مِنْ خَيْرٍ فَإنَّهُ مَطْرَدَةٌ للشَّيْطَانِ وَعَوْنٌ لَكَ على أَمْرِ دِينِكَ» «١» انتهى.

وقوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ أي: وَحَّدَهُ وَصلَّى له الصلواتِ المفروضةَ وغيرَها، وقال أبو سعيد الخدري وغيره: هذه الآيةُ نزلتْ في صَبِيحَةِ يومِ الفِطْرِ «٢» ، ف تَزَكَّى: أدَّى زكاةَ الفِطْرِ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طريق المُصَلَّى، وصَلَّى صلاةَ العِيد، ثم أخْبَرَ تعالى الناسَ أنهم يؤثِرُونَ الحياةَ الدنيا، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العَاجِلِ والجهلُ ببقاءِ الآخرةِ وفَضْلِها، ورَوِّينَا في كتابِ الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «استحيوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحياءِ، قَالَ: فقلنا: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نَسْتَحِي وَالحَمْدُ للَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ، ولكن الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وعى، وَتَحْفَظَ البَطْنَ وَمَا حوى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ والبلى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَركَ زِينَةَ الدّنْيَا، فَمَنْ فَعَل ذَلكَ فَقَدْ استحيا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاء» «٣» انتهى، قال الغَزَّاليُّ: وإيثارُ الحياةِ الدنيا طَبْعٌ غالبٌ على الإنسانِ ولذلك قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ثمَّ بَيَّنَ سبحانه أن الشَّرَّ قَدِيمٌ في الطباعِ وأن ذلكَ مذكورٌ في الكتُبِ السالِفَة فقال: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى، انتهى من «الإحياء» .

وقوله تعالى: إِنَّ هذا قال ابن زيد: الإشارَة ب «هَذَا» إلى هذينِ الخبرينِ: إفْلاحِ مَنْ تَزكّى، وإيثارِ الناسِ للدنيا مَعَ فَضْلِ الآخرة عليها، وهذا هو الأرجَحُ لقرب المشارِ إليه «١» ، وعن أُبيِّ بن كعب قال: كانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأُ في الْوِتْرِ ب «سبح اسم ربك الأعلى» و «قل يا أيها الكافرون» و «قل هو اللَّه أحد» فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يَمُدُّ صَوْتَهُ في الثَّالِثَةِ، ويَرْفَعُ، رواه أبو داود والنسائي وهذا لفظه، ورَواهُ الدارقطني في سُنَنِهِ، ولفْظُه: «فَإذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ المَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ في الأخِيرَةِ، وَيَقُولُ: رَبِّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ» ، انتهى من «السلاح» ،، قالَ النووي ورُوِّينَا في «سُنَنِ أبي داود» و «الترمذي» و «النسائي» عن علي- رضي اللَّه عنه- أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول في آخر وِتْرِهِ: «اللهمَّ إني أعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعوذ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ، وأعوذ بك منكَ، لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» «٢» قال الترمذيّ: حديث حسن، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿ مَن تَزَكّى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.

والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ.

ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلّى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.

والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " .

فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿ وَأبْقى ﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.

﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأبْقى ﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى ﴾ ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ﴾ ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا ﴾ ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى ﴾ ﴿ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ﴾ "أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها.

وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفِي الصُحُفِ الأُولى ﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل للكلام وتنويه به بأنه من الكلام النافع الثابت في كتب إبراهيم وموسى عليهما السلام، قصد به الإِبلاغ للمشركين الذين كانوا يعرفون رسالة إبراهيم ورسالة موسى، ولذلك أكّد هذا الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ ولام الابتداء لأنه مسوق إلى المنكرين.

6 والإِشارة بكلمة ﴿ هذا ﴾ إلى مجموع قوله ﴿ قد أفلح من تزكى إلى قوله وأبقى ﴾ [الأعلى: 14 17] فإن ما قَبْل ذلك من أول السورة إلى قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ [الأعلى: 14]، ليس مما ثَبت معناه في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

روى ابن مردويه والآجُري عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله هل أُنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟

قال: نعم ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والأخرة خير وأبقى ﴾ [الأعلى: 14 17].

ولم أقف على مرتبة هذا الحديث.

ومعنى الظرفية من قوله: ﴿ لفي الصحف ﴾ أن مماثله في المعنى مكتوب في الصحف الأولى، فأطلقت الصحف على ما هو مكتوب فيها على وجه المجاز المرسل كما في قوله تعالى: ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ [ص: 16]، أي ما في قِطِّنا وهو صك الأعمال.

و ﴿ الصحف ﴾ : جمع صحيفة على غير قياس لأن قياس جمعه صحائف، ولكنه مع كونه غير مقيس هو الأفصح كما قالوا: سُفُن في جمع سفينة، ووجه جمع الصحف أن إبراهيم كانت له صحف وأن موسى كانت له صحف كثيرة وهي مجموع صحف أسفار التوراة.

وجاء نظم الكلام على أسلوب الإِجمال والتفصيل ليكون لهذا الخبر مزيد تقرير في أذهان الناس فقوله: ﴿ صحف إبراهيم وموسى ﴾ بدل من ﴿ الصحف الأولى ﴾ .

و ﴿ الأولى ﴾ : وصف لصُحف الذي هو جمع تكسير فله حكم التأنيث.

و ﴿ الأولى ﴾ صيغة تفضيل.

واختلف في الحروف الأصلية للفظ أوّل فقيل: حروفه الأصول همزة فواو (مكررة) فلام ذكره في «اللسان» فيكون وزن أول: أَأَوَل، فقلبت الهمزة الثانية واواً وأدغمت في الواو.

وقيل: أُصوله: وَاوَان ولام وأن الهمزة التي في أوله مزيدة فوزن أول: أفعل وإدغام إحدى الواوين ظاهر.

وقيل: حروفه الأصلية واو وهمزة ولام فأصل أول أوْ ألْ بوزن أفعل قلبت الهمزة التي بعد الواو واواً وأدغما.

و ﴿ الأولى ﴾ : مؤنث أفعل من هذه المادة فإما أن نقول: أصلها أُوْلى سكنت الواو سكوناً ميتاً لوقوعها إثر ضمة، أو أصلها: وُوْلَى بواو مضمومة في أوله وسكنت الواو الثانية أيضاً، أو أصلها: وُألَى بواو مضمومة ثم همزة ساكنة فوقع فيه قلب، فقيل: أولى فوزنها على هذا عُفْلَى.

والمراد بالأولية في وصف الصحف سبق الزمان بالنسبة إلى القرآن لا التي لم يسبقها غيرها لأنه قد روي أن بعض الرسل قبل إبراهيم أنزلت عليه صحف فهو كوصف ﴿ عاد بالأولى ﴾ في قوله: ﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى ﴾ [النجم: 50] وقوله تعالى: ﴿ هذا نذير من النذر الأولى ﴾ [النجم: 56] وفي حديث البخاري: " إنَّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوءة الأولى إذَا لم تستح فاصنع ما شئت ".

وأخرج عبدُ بن حميد وابن مردويه وابن عساكر وأبو بكر الآجُري عن أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صحف إبراهيم كانت عشر صحائف.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَن كانَ صالِحُ عَمَلِهِ زَكِيًّا نامِيًا، قالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ.

لَمْ يَذْكُرِ الثّالِثَ راجِعِ التَّعْلِيقَ ص.

٤٤ .

الرّابِعُ: أنَّهُ عَنى زَكاةَ الأمْوالِ كُلِّها، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ مَنِ ازْدادَ خَيْرًا وصَلاحًا.

﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنْ يَدْعُوَهُ ويَرْغَبَ إلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنْ يَسْتَغْفِرُوهُ ويَتُوبَ إلَيْهِ.

الرّابِعُ: أنْ يَذْكُرَهُ بِقَلْبِهِ عِنْدَ صَلاتِهِ فَيَخافَ عِقابَهُ ويَرْجُو ثَوابَهُ، لِيَكُونَ اسْتِيفاؤُهُ لَها وخُشُوعُهُ فِيها بِحَسْبَ خَوْفِهِ ورَجائِهِ.

الخامِسُ: أنْ يَذْكُرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ عِنْدَ إحْرامِهِ بِصَلاتِهِ، لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ.

السّادِسُ: أنْ يَفْتَتِحَ كُلَّ سُورَةٍ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

وَفي قَوْلِهِ (فَصَلّى) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٌ الخُدْرِيُّ.

الثّالِثُ: هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.

وَذَكَرَ الضَّحّاكُ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِها الكُفّارُ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُها: بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها المُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُها: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا لِلِاسْتِكْثارِ مِنَ الثَّوابِ.

﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الدُّنْيا، وأبْقى لِلْجَزاءِ.

الثّانِي: ما قالَهُ قَتادَةُ خَيْرٌ في الخَيْرِ وأبْقى في البَقاءِ.

وَيَحْتَمِلُ بِهِ وجْهًا ثالِثًا: يَتَحَرَّرُ بِهِ الوَجْهانِ: والآخِرَةُ خَيْرٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ وأبْقى عَلى أهْلِ الجَنَّةِ.

﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى في الصُّحُفِ الأُولى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ هو مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.

الثّالِثُ: هي كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها، وحَكى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في المُبْتَدَإ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِائَةُ صَحِيفَةٍ وخَمْسُ صُحُفٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ، مِنها خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ صَحِيفَةً أنْزَلَها عَلى شِيثِ بْنِ آدَمَ وخَمْسُونَ صَحِيفَةً أنْزَلَها عَلى إدْرِيسَ، وعِشْرُونَ صَحِيفَةً أنْزَلَها عَلى إبْراهِيمَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، والزَّبُورَ عَلى داوُدَ، والإنْجِيلَ عَلى عِيسى، والفُرْقانَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ سبح ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت سورة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿ سبح اسم ربك ﴾ بمكة.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ في سور مثلها.

وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ .

وأخرج أبو عبيد عن تميم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني نسيت أفضل المسبحات فقال أبيّ بن كعب فلعلها ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: نعم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ [ الغاشية: 1] وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي عتبة الخولاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج البزار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في سننه عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فلما سلم قال: هل قرأ أحد منكم ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال رجل: أنا.

قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] .

وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عاشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى ب ﴿ سبح ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الثالثة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] والمعوذتين.

وأخرج البزار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج محمد بن نصر عن أنس مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله قال: أمَّ معاذ قوماً في صلاة المغرب فمر به غلام من الأنصار، وهو يعمل على بعير له، فأطال بهم معاذ، فلما رأى ذلك الغلام ترك الصلاة وانطلق في طلب بعيره، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفتان أنت يا معاذ، ألا يقرأ أحدكم في المغرب ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة عن جابر أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ﴿ بالشمس وضحاها ﴾ و ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] و ﴿ اقرأ باسم ربك الأعلى ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قلنا يا رسول الله كيف نقول في سجودنا؟

فأنزل الله: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في سجودنا سبحان ربي الأعلى» .

وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: وفد حضرمي بن عامر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتقرأ شيئاً من القرآن؟

فقرأ ﴿ سبح اسم ربك لأعلى، الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، والذي أمتن على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى بين شغاف وحشا ﴾ .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزيدنّ فيها فإنها شافية كافية» .

أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما أنزلت ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ [ الواقعة: 74] «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقل: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة فقيل له: أتزيد في القرآن قال: لا إنما أمرنا بشيء فقلته.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقرأ ﴿ سبحان اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.

قال: كذلك هي قراءة أبيّ بن كعب.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبدالله بن الزبير أنه قرأ ﴿ سبح ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه كان يقرؤها كذلك ويقول: من قرأها فليقل سبحان ربي الأعلى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والذي قدر فهدى ﴾ قال: هدى الإِنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم ﴿ والذي أخرج المرعى ﴾ قال: النبات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجعله غثاء ﴾ قال: هشيماً ﴿ أحوى ﴾ قال: متغيراً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ قال: الغثاء الشيء البالي ﴿ وأحوى ﴾ قال: أصفر وأخضر وأبيض ثم ييبس حتى يكون يابساً بعد خضرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ قال: غثاء السيل، و ﴿ أحوى ﴾ قال: أسود.

قوله: تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ الآيات.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يزمل من ثقل الوحي حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن يغشى قلبه فينسى، فقال له جبريل: لم تفعل ذلك؟

قال مخافة أن أنسى.

فأنزل الله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نسي آيات من القرآن ليس بحلال ولا حرام، ثم قال له جبريل: إنه لم ينزل على نبي قبلك إلا نسي وإلا رفع بعضه، وذلك أن موسى أهبط الله عليه ثلاثة عشر سفراً، فلما ألقى الألواح انكسرت وكانت من زمرد فذهب أربعة أسفار وبقي تسعة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينساه فقيل له: كفيناك ذلك ونزلت ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ .

وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ قال: الوسوسة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ قال: ما أخفيت في نفسك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ قال: للخير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ﴾ قال: والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره، ولا يتنكب عبد هذا الذكر زهداً فيه وبغضاً له ولأهله إلا شقي بين الأشقياء.

قوله: تعالى: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية.

أخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله ﴿ وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من الشرك ﴿ وذكر اسم ربه ﴾ قال: وحد الله ﴿ فصلى ﴾ قال: الصلوات الخمس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من قال لا إله إلا الله.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من قال لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من آمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من أكثر الاستغفار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: بعمل صالح.

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في سننه بسند ضعيف عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ وفي لفظ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ فقال: هي زكاة الفطر» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد ﴿ وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: خرج إلى العيد فصلى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: زكاة الفطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه أن عبدالله بن عمر كان يقدم صدقة الفطر حين يغدو ثم يغدو وهو يتلو ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج الطبراني عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية قال: إلقاء القمح قبل الصلاة يوم الفطر في المصلى.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: نزلت في صدقة الفطر، تزكي ثم تصلي.

وأخرج ابن جرير عن أبي خلدة رضي الله عنه قال: دخلت على أبي العالية فقال لي إذا غدوت غداً إلى العيد فمر بي.

قال: فمررت به، فقال: هل طعمت شيئاً.

قلت: نعم.

قال: فأخبرني ما فعلت زكاتك؟

قلت: قد وجهتها.

قال: إنما أردتك لهذا.

ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أدى زكاة الفطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أدى صدقة الفطر ثم خرج فصلى بعدما أدى.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: قدم الزكاة ما استطعت يوم الفطر ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أرأيت قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ للفطر!

قال: لم أسمع بذلك، ولكن الزكاة كلها، ثم عاودته فيها فقال لي: والصدقات كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ يعني من ماله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من أرضى خالقه من ماله.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: تزكى رجل من ماله، وتزكى رجل من خلقه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: رحم الله امرأ تصدق ثم صلى ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية ولفظ ابن أبي شيبة من استطاع أن يقدم بين يدي صلاته صدقة فليفعل.

فإن الله يقول، وذكر الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: لو أن الذي تصدق بالصدقة صلى ركعتين ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية.

وأخرج زيد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا خرج أحدكم يريد الصلاة فلا عليه أن يتصدق بشيء لأن الله يقول: ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من رضخ.

أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فلما بلغ ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم.

فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل وقال: ﴿ بل يؤثرون ﴾ بالياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ قال: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله ﴿ والآخرة خير ﴾ في الخير ﴿ وأبقى ﴾ في البقاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ قال: يعني هذه الأمة، وإنكم ستؤثرون الحياة الدنيا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله ردت عليها وقال الله كذبتم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يلقى الله أحد بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا دخل الجنة ما لم يخلط معها غيرها، رددها ثلاثاً قال قائل من قاصية الناس: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: وما يخلط معها غيرها؟

قال: حب الدنيا وأثرة لها وجمعا لها ورضا بها وعمل الجبارين» .

وأخرج أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» .

وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن موسى بن يسار رضي الله عنه أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها» .

وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .

أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي كلها في صحف إبراهيم وموسى» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، ولفظ سعيد: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى، ولفظ ابن مردويه: وهذه السورة وقوله: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ [ النجم: 37] إلى آخر السورة من صحف إبراهيم وموسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ يقول: قصة هذه السورة في الصحف الأولى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون إن الآخرة خير وأبقى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ الآية قال: في الصحف الأولى إن الآخرة خير من الدنيا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: هو الآيات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: في كتب الله كلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟

قال مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان.

قلت يا رسول الله: فما كانت صحف إبراهيم؟

قال: أمثال كلها أيها الملك المتسلط المبتلي المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكر فيما صنع، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال، فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات واستجماعاً للقلوب وتفريغاً لها، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث مرمة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو تلذذ في غير محرم.

قلت يا رسول الله: فما كانت صحف موسى؟

قال: كانت عبراً كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالموت ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، ولمن أيقن بالقدر ثم ينصب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل.

قلت يا رسول الله: هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟

قال: يا أبا ذر نعم ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ » .

وأخرج البغوي في معجمه «عن عبد الرحمن بن أبي شبرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه فسأله عن أشياء فقال: يا رسول الله كم توتر؟

قال: بثلاث ركعات تقرأ فيها ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] » .

وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الحارث بن عبد المطلب قال: صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا المغرب فقرأ في الركعة الأولى ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ وفي الثانية: ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ هذا ﴾ الإشارة إلى ما ذكر من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، أو إلى ما تضمنته السورة أو إلى القرآن بجملته، والمعنى أنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين كما ثبت في هذا الكتاب.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسوّى ﴾ وجميع آياتها مثل " طه " وكذلك في سورة و " الشمس " و " الليل" و " الضحى " و " اقرأ باسم ربك " من قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى ﴾ إلى آخر السورة.

﴿ قدر ﴾ بالتخفيف: علي ﴿ بل يؤثرون ﴾ على الغيبة: قتيبة وأبو عمرو ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الأعلى ﴾ ه لا ﴿ فسوّى ﴾ ه ص ﴿ فهدى ﴾ ه ك ﴿ المرعى ﴾ ه ك ﴿ أحوى ﴾ ه ط ﴿ فلا تنسى ﴾ ه لا ﴿ الله ﴾ ط ﴿ يخفى ﴾ ج ه للعدول.

وقيل: قوله ﴿ ونيسرك ﴾ معطوف على ﴿ سنقرئك ﴾ وقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ اعتراض فلا وقف ﴿ لليسرى ﴾ ه ك والوصل أليق ﴿ الذكرى ﴾ ه ج ﴿ يخشى ﴾ ه لا ﴿ الأشقى ﴾ ه لا ﴿ الكبرى ﴾ ج ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ ولا يحيا ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ تزكى ﴾ ه لا ﴿ فصلى ﴾ ه ط لأن " بل " للإضراب ﴿ الدنيا ﴾ ه بناء على أن الواو للاستئناف أو الحال أوجه ﴿ وأبقى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ وموسى ﴾ ه.

التفسير: روي أن النبي  كان يحب هذه السورة.

وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد ويتعرفون بركتها.

وعن عقبة بن عامر أنه قال: "لما نزل قوله ﴿ فسبح باسم ربك العظيم  ﴾ قال لنا رسول الله  : اجعلوها في ركوعكم.

ولما نزل قوله ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم" .

ومن الناس من تمسك بالآية في أن الاسم نفس المسمى لأن التسبيح أي التنزيه إنما يكون للمسمى لا للاسم.

وأجاب المحققون عنه بأن الاسم صلة كقوله: " ثم اسم السلام عليكما ".

سلمنا أنه غير صلة ولكن تسبيح اسمه تنزيهه عما لا يليق معناه بذاته  أو صفاته أو بأفعاله أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من هذه، ومن جملة ذلك أن يصان اسمه عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم, وأن لا يسمى غيره بأسمائه الحسنى، وأن لا يطلق عليه من الأسامي إلا ما ورد به الإذن الشرعي.

قال بعض العلماء: لعل الذين نقل عنهم أن الاسم نفس المسمى أرادوا به أن الاسم الذي حدّوه بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان هو نفس مدلول هذا الحد.

قال الفراء لا فرق بين ﴿ سبح اسم ربك ﴾ وبين " سبح باسم ربك".

واعترض عليه بأن الفرق هو أن الأول معناه نزه الاسم من السوء، والثاني معناه سبح الله أي نزهه بسبب ذكر أسمائه العظام، أو متلبساً بذكره إلا أن تجعل الباء صلة في الثاني نحو ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو مضمرة في الأول مثل ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أي من قومه.

نعم لو زعم الفراء أن المعنيين متلازمان جاز.

ومن الملاحدة من طعن في القرآن بأن يقتضي أن يكون للعالم ربان أحدهما عظيم وهو في قوله ﴿ فسبح باسم ربك العظيم  ﴾ والآخر أعلى منه وهو ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ والجواب أنه عظيم في نفسه وأعلى وأجل من جميع الممكنات، والصفة كاشفة لا مميزة ونظيره وصفه بالكبير تارة وبالأكبر أخرى.

والمراد بالعظم والعلو عظم الشرف وعلو القدر فلا استدلال فيه للمشبهة.

ثم شرع في بعض أوصافه الكمالية فقال ﴿ الذي خلق فسوّى ﴾ وقد مر نظيره في " الانفطار" أي خلق الإنسان فجعله منتصب القامة في أحسن تقويم، أو خلق كل حيوان بل كل ممكن فجعله مستعدّاً للكمال اللائق بحاله.

﴿ والذي قدر ﴾ لكل مخلوق ما يصلح له فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به كما يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله أن تمسح العين بورق الرازيانج الرطب فتطلبه إلى أن تجده فيعود بصرها، وإلهامات البهائم والطيور مشروحة مكتوبة في كتب العجائب.

وقال الحكيم: كل مزاج فإنه مستعدّ لقوة خاصة، وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين فالتقدير عبارةعن التصرف في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعدّ لقبول تلك القوى، والهداية عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوّة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة.

وقد خصه بعض المفسرين فقال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.

وقال غيره: هداه لمعيشته ومرعاه.

وقيل: هداه لسبيل الخير والشر.

وقال السدّي: قدر مدة مكث الجنين في الرحم ثم هداه للخروج.

وقال الفراء: قدّر فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وقيل: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان أي قدّر دعاء الكل إلى الإيمان فدعاهم إليه كقوله ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ وقيل: دلهم بأفعاله على توحيده وكبريائه " ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد" ومن جملة ذلك إخراج المرعى وهو الكلأ الأخضر، ثم جعله غثاء وهو مات يبس من النبات فحملته الأهوية وطيرته الرياح.

والظاهر أن أحوى صفة للغثاء.

والحوّة السواد، فالعشب إذا يبس واستولى البرد عليه جعل يضرب إلى السواد، وقد يحتمله السيل فيلصق به أجزاء كدرة.

وقال الفراء وأبو عيبدة: الأحوى هو الأسود لشدّة خضرته وعلى هذا يكون حالاً من ضمير ﴿ المرعى ﴾ أي صيره في حال حوّته غثاء.

وقال جار الله: هو حال من ﴿ المرعى ﴾ أي أخرجه أسود من الخضرة والري فجعله غثاء وحين أمره بالتسبيح بشره وشرفه بإيتاء آية باهرة وهي أن يقرأ عليه جبرائيل ما يقرأ من الوحي الذي هو أشرف أنواع الذكر فيحفظه لا ينساه إلا ما شاء الله أن ينساه وهو أحد طريقي النسخ.

فقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان النبي  إذا نزل عليه القرآن كثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى فقيل له: لا تعجل بالقراءة فإن جبرائيل مأمور بأن يكرر عليك إلى أن تحفظه نظيره ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه  ﴾ وعلى هذا يجوز أن يراد بالتعليم والإقراء شرح الصدر وتقوية الحفظ بحيث يبقى القرآن محفوظاً له من غير دراسة، ومع أنه أمي فيكون إعجازاً.

وعن بعضهم أن قوله ﴿ فلا تنسى ﴾ نهي لا خبر، والألف مزيدة للفاصلة نحو ﴿ الظنونا  ﴾ و ﴿ السبيلا  ﴾ وضعف بأن الزيادة خلاف الأصل فلا يصار إليها إلا لدليل ظاهر.

وأما إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية البشارة بأنا جعلناك بحيث لا تنسى، وإن جعلناه نهياً كان أمراً بالمواظبة على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة والبحث فلا يكون من البشارة في شيء.

وأيضاً النسيان لا يتعلق بقدرة العبد فيلزم أن يحمل النهي عنه على الأمر بالأسباب المانعة منه وهو خلاف الظاهر، أما الاستثناء ففيه قولان: الأول أنه ليس على حقيقته، فقد روي عن الكلبي أنه  لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً.

وعلى هذا فالمقصود من الاستثناء إما نفي النسيان رأساً كما تستعمل القلة في معنى العدم، وإما التبرك بذكر هذه الكلمة وتعليم العباد أن لايتركوها في كل ما يخبرون عنه، وفيه أنه  قادر على إنسائه إلا أنه لا ينسيه بفضله وإحسانه، وفيه لطف للنبي  أن يكون متيقظاً مبالغاً دراسة ما ينزل عليه من الوحي قليلاً كان أو كثيراً، فإن كل جزء من أجزائه يحتمل أن يكون هو المستثنى.

الثاني أنه حقيقة.

ثم حمله مقاتل على النسخ كما مر.

وقال الزجاج: أراد إلا أن يشاء الله فتنساه ثم تذكره بعد النسيان كما روي أنه أسقط في قراءته آية في الصلاة فحسب أبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها.

وقيل: أريد القلة والندرة لا في الواجبات فإنه يورث الخلل في الشرع ولكن في غيرها.

ثم علل حسن النسخ بقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ وإذا كان كذلك كان وضع الحكم ورفعه واقعاً بحسب مصالح المكلفين.

وقيل: أراد أنك تجهر بقراءتك مع قراءة جبرائيل مخافة النسيان والله يعلم ما في نفسك من الحرص على تحفظ الوحي، فلا تفعل فأنا أكفيك ما تخافه.

ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره أي توفيقه للطريقة التي هي أيسر وهي حفظ القرآن والشريعة السهلة السمحة.

وعن ابن مسعود: هي الجنة يعني العمل المؤدي إليها.

والعبارة المشهورة أن يقال: جعل الفعل الفلاني ميسراً لفلان وإنما عكس الترتيب في الآية لدقيقة هي أن الفاعل ما لم يوجد فيه قابلية لصدور الفعل عنه امتنع حصوله منه وهذا معنى قوله  " "كل ميسر لما خلق له" وفي الآية دلالة على أنه  فتح عليه من أبواب قبول الفيض ما لم يفتحه على غيره حتى صار يتيم أبي طالب قدوة للعالمين وهادياً للخلائق أجمعين كما قال ﴿ فذكر إن نفعت الذكرى ﴾ وإن لم تنفع فحذفت إحدى القرينتين للعلم بها كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وهو بناء على الإغلب فإن التذكير إنما يكون غالباً إذا كان رجاء التذكر حاصلاً كقوله ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً  ﴾ وفيه حث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تسمع وتقبل، ويكون مراده البعث على السماع والقبول.

أو تنبيه للنبي  على أن الذكرى لا تنفعهم كما يقال للرجل: أدع فلاناً إن أجابك.

والمعنى ما أراه يجيبك.

ووجه آخر وهو أن تذكير العالم واجب في أوّل الأمر.

وأما التكرير فالضابط فيه هو العرف فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا أردفه بالشرط.

قيل: التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلاً بعواقب الأمور.

والجواب أن أمر الدعوة والبعثة مبنيّ على الظواهر لا على الخفيات.

وروي في الكتب أنه  كان يقول لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى  ﴾ وأنا أشهد أنه لا يتذكر أو يخشى.

وإنما سمى الوعظ بالتذكير لأن حسن هذا الدين مركوز في العقول ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها  ﴾ فكأن هذا العلم كان حاصلاً في نفسه بالقوّة ثم زال عنها بالعوائق والغواشي، وعند بعض العقلاء أن النفوس قبل تعلقها بالأبدان عالمة بما لها أن تعلم إلا أنها نسيتها لاشتغالها بتدبير البدن، ومن هنا قال أفلاطون: لست أعلمكم ما كنتم تجهلون ولكن أذكركم ما كنتم تعلمون.

ثم إنه  بين أن المنتفع بالتذكير من هو فقال ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ قال في التفسير الكبير: إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته، والمتردد فيه، والجاحد له.

والفريقان الأوّلان ينتفعان بالتذكير والتخويف، وكثير من المعاندين إنما يجحدون باللسان فقط، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ والمعرض نادر وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فلهذا وجب تعميم التذكير.

قلت: هذا خلاف القرآن حيث قال ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين  ﴾ وقال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين  ﴾ وخلاف الحديث حيث قال  في بعث النار " من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" وخلاف المعقول فإنه لو سلم أن قسمين من الأقسام الثلاثة ينتفعان بالتذكير وينضم إليه من القسم الثالث بعض آخر فقد لا يلزم أن يكون الثاني أقل من المجموع المفروض لجواز اختلاف الأقسام، بل السبب في تعميم التذكير انتفاع المنتفعين به وهم أهل الخشية أعني العلماء بالله وإلزام الحجة لغيرهم.

والسين في ﴿ سيذكر ﴾ إما لمجرّد الإطماع فإن " سوف " من الله واجب، وإما لأن التذكير متراخ عن التذكير غالباً لتخلل زمان النظر والتأمل بينهما غالباً.

قيل: نزلت الآية في عثمان بن عفان.

وقيل: في أبن أم مكتوم.

ونزل في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة قوله ﴿ ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ﴾ أي السفلى من أطباق النار.

وعن الحسن: النار الكبرى نار جهنم والصغرى نار الدنيا.

فالأشقى هو الكافر على الإطلاق، وذلك أن الكافر أشقى من الفاسق.

ولا يلزم من تخصيص ذكر الكافر بدخول النار أن لا يدخلها الفاسق، وسبب تخصيص الكافر بالذكر أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية فيكون القرآن مسكوتاً عن الشقي الذي هو أهل الفسق، ويحتمل أن يكون الأشقى بمعنى الشقي كقوله ﴿ وهو أهون عليه  ﴾ أي هين فيدخل فيه الفاسق لأنه يجتنب بوجه من الوجوه.

وقوله ﴿ ثم لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ قد مر تفسيره في " طه ".

ومعنى " ثم " تراخى الرتبة لأن هذا النوع من الحياة أفظع من نفس الدخول في النار.

ثم ذكر وعد السعداء بعد وعيد الأشقياء.

ومعنى ﴿ تزكى ﴾ تطهر من أدناس الشرك والمعاصي والعقائد الفاسدة ﴿ وذكر اسم ربه ﴾ بالتوحيد والإخلاص ﴿ فصلى ﴾ أي اشتغل بالخدمة والطاعة حتى يكون كاملاً بحسب قوّته النظرية والعملية بعد تخليته لوح الضمير عن النقوش الفاسدة.

وقال الزجاج: تزكى أي تكثر من التقوى وأصله من الزكاء النماء فيكون تفصيله قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] إلى آخر الآيات.

وفي أوّل البقرة إلى قوله ﴿ هم المفلحون  ﴾ وقال مقاتل: تزكى من الزكاة كتصدّق من الصدقة والمعنى: قد أفلح من تصدّق من ماله وذكر ربه بالتوحيد والصلاة فصلى له.

وخصه قوم بصلاة العيد وصدقة الفطرة أي أفلح من تصدّق قبل خروجه إلى المصلى، وذكر اسم ربه في طريق المصلى أو عند تكبيرة الافتتاح فصلى العيد وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمرو وعلي.

وقد روي مرفوعاً إلى النبي  وضعف بأنه خلاف ما ورد في مواضع أخر من القرآن من تقديم الصلاة على الزكاة.

والجواب إنما ورد هكذا لأن زكاة الفطر مقدّمة على صلاته.

واعترض الثعلبي بأن السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر.

وأجاب الواحدي بأنه لا يمتنع أن يقال لما كان في معلوم الله  أن يكون ذلك أثنى على من فعل ذلك.

استدل على بعض الفقهاء بالآية على وجوب تكبيرة الافتتاح، واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بها على أن التكبيرة الأولى ليست من صلب الصلاة العطف الصلاة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه.

وأجيب بما روي عن ابن عباس أن المراد ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له وبأنه قد يقال " أكرمتني فزرتني " وبالعكس من غير فرق.

وقد يزيف هذا الجواب الثاني بأنه خلاف الظاهر وبأن خصوصية المادة ملغاة فلا يلزم من عدم الفرق في المثال المضروب عدم الفرق فيما يتعلق به حكم شرعي.

ثم وبخهم بقوله ﴿ بل تؤثرون ﴾ إلى آخره.

ثم بين أن ما في السورة من التوحيد والنبوّة والوعيد والوعد كانت ثابتة في صحف الأنبياء الأقدمين لأنها قواعد كلية لا تتغير بتغير الأزمان فهو كقوله ﴿ وإنه لفي زبر الأوّلين  ﴾ وقيل: المشار إليه بهذا هو قوله ﴿ بل تؤثرون ﴾ الآية لأنه أقرب المذكورات، ولأن حاصل جميع الكتب السماوية الزجر عن الدنيا والإقبال على الآخرة.

قال في الكشاف: روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله  : كم أنزل الله من كتاب؟

قال " مائة وأربعة كتب منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان" " فتقدير الآية إن هذا لفي الصحف الأولى التي منها صحف إبراهيم وموسى.

قالوا: في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه الله  حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: من أتى بما تزكو به نفسه، أو أتى بما تظهر نفسه به، وسنذكر في سورة "وَالْشَّمْسِ وَضُحَاهَا" ما تأويل الفلاح؟

[إن شاء الله  ].

وقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ ، يحتمل أن يكون أريد به أنواع العبادات، لا الصلاة المعروفة وحدها؛ لأن الصلاة اسم للدعاء والثناء ولأنواع من الكرامات؛ فإنه يقول: بذكر الرب ما يصل إلى العبادات، ومن أعرض عن ذكره حرم أداء العبادات.

أو يكون منصرفا إلى الصلاة المعروفة؛ فيكون قوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ ، أي: يصلي بتقديمه اسم الرب؛ فيكون ذلك منصرفا إلى الافتتاح؛ فيكون حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن المصلى له أن يفتتح بصلاته بأي أساء الله  أحب.

ثم ذكر اسم الرب يقتضي المعاني التي ذكرنا في قوله  : ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ ، أي: تؤثرون حياتها على حياة الآخرة، ويكومن الخطاب منصرفا إلى المنافقين والكفرة، لا إلى أصحاب النبي  ، ثم كانوا في الإيثار مختلفين؛ فمنهمه من آثرها في أننظر في الدنيا وأعرض عن النظر في الآخرة وجحدها.

ومنهم من كان أغلب سعيه لأمر الدنيا.

ومنهم من كان يؤثر بعض أحوالها على الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ ، أي: إيثار الحياة الآخرة خير وأبقى من إيثار الحياة الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ : قال بعضهم: الآيات الأربع في صحف موسى وإبراهيم، أولهن ﴿ قَدْ أَفْلَحَ...

﴾ إلى قوله ﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

وقال بعضهم: السورة كلها أنزلت على إبراهيم وموسى عليهما السلام، فإن كانت السورة كلها في الصحف الأولى، فجميع ما في هذه السورة ذكر فيها بحق الحاجة لهم إلى تعرفها، ويكون قوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  ﴾ مذكورا بحق الثناء على رسول الله  ووجه الثناء: ما ذكر في قوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...

 ﴾ ، وهو يستحق الثناء بهذا الحرف لما في حفظه -  - جميع ما يوحى إليه بمرة واحدة إكرام له وتفضيل؛ فصلح أن يثنى عليه بهذا.

وفي قوله -  -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ دلالة أن اختلاف الألسن لا يغير الأشياء عن حقائقها؛ لأن الله -  - شهد بكون هذا في الصحف الأولى؛ وليس في الصحف الأولى بهذا اللسان؛ فيكون فيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في تجويز القراءة بالفارسية، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هي الصحف المنزلة على إبراهيم وموسى  .

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى  ﴾ .

اسم الله في مثل هذه الآية هو ما يعرف به، والله إنما يعرف لنا بصفاته، فلا تعرفه أذهاننا إلا بأنه العالم القادر الحكيم إلى آخر ما دلنا عليه النظر في خلقه، وهدانا إليه الوجدان السليم في وصفه.

وهذا هو الاسم الذي يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام في قراءة من قرأ في سورة الرحمن: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الجَلَاِل وَالإِكْرَامِ  ﴾ .

والاسم بهذا المعنى -(ما يعرف به المسمى)- هو الوجه في قوله تعالى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ  ﴾ .

فإن الوجه يعرف به صاحبه، بل لا يكاد يعرف صاحب الوجه إلا بوجهه، والاسم بهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلِّهَا  ﴾ أي رسوم الأشياء وما تعرف الأشياء به.

فاسم الله هو ما يمكن لأذهاننا أن تتوجه إليه به.

والله يأمرنا بتسبيح هذا الاسم، أي تنزيهه عن أن يكون فيه ما لا يليق به من شبه المخلوقات، أو ظهوره في واحد منها بعينه.

أو اتخاذه شريكًا أو ولدًا أو ما ينحو هذا النحو، فلا توجه عقولنا إليه إلا بأنه خالق كل شيء، المحيط علمه بدقائق الموجودات.

كما قال ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  ﴾ فعلينا أن نعرفه بأنه خلق الكائنات وأوجدها وسواها، أي وضع خلقها على نظام كامل لا تفاوت فيه ولا اضطراب، كما تراه فيما يظهر لك من خلق السموات والأرض.

وأنه ﴿ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى  ﴾ ، أي قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه وهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع بما فيه منفعة له ووجه الهرب مما يخشى غائلته.

وأنه ﴿ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى  ﴾ ، أي أنبت النبات جميعه، وما من نبت ينبت إلا وهو يصلح أن يكون مرعى لحيوان ما من الأجناس الحية.

ثم بعد أن أنبت النبات ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى  ﴾ والغثاء هو الهشيم، أو الهالك البالي، والأحوى الذي يميل لونه إلى السواد.

ذكر بعد الخلق التسوية، وبعد تقرير المصالح وتحديدها الهداية، والتسوية والهداية كمالان للخلق والتقدير، وأتبع إخراج المرعى بجعله غثاء أحوى، وجعله غثاء إنما هو إفناؤه وإماتته وإزالة الحياة عنه.

وكان يلوح للذهن أن يعقب إخراج النبات بذكر كمال من كمالات وجوده: كالنضرة والخضرة والترعرع وما أشبه ذلك..

جاء الأسلوب على هذا الوجه لأن الخلق الأول عام في الأجسام الفانية وفي العوالم الباقية: كعوالم ما وراء هذه الخليقة الدنيا، فكله من خلقه، وكله قد سواه ووضعه على أكمل نظام في الدنيا وفيما وراءها.

والتقدير لمصالح الأحياء عام شامل لما للإنسان -بل ولما لغيره- من عالم الملك ونحوه.

فتلك العوالم الروحية حياة، ولحياتها شؤون مقدرة قدرها مبدعها.

وهداية الإنسان إنما هي لروحه الباقية التي لا تفنى، وكذلك هداية الأرواح العالية من سكان تلك العوالم التي لا نعرف منها إلا ما هدانا إليه الوحي، وقليلًا ما أرشدنا إليه العقل، هداية باق إلى شئون باقية إلى أن يشاء الله، فحق أن يتبع الخلق بالتسوية التي لا تفارقه ولا نهاية لها، وتقدير المصالح لكل حي بالهداية التي منها ما لا نهاية له كهداية الإنسان وما يشبهه.

أما النبات فإنما يعقب نموه وبلوغه الغاية منه اليبس والجفاف وصيرورته هشيمًا باليًا.

وهو في هذه الحالة لا يخلو من المنفعة فإنه قد يكون طعامًا لكثير من أنواع الحيوان، وهو هشيم متغير اللون، فكأنه قال الذي أحكم كل شيء صنعه: ما يبقى وما يفنى.

فنحن مأمورون أن نعرف الله جل شأنه بأنه القادر العالم الحكيم الذي شهدت بصفاته هذه آثاره في خلقه التي ذكرها في وصف نفسه في قوله ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  ﴾ إلخ، وأن لا ندخل في هذه الصفات معنى مما لا يليق به كما أدخل الملحدون الذين اتخذوا من دونه شركاء له أو عرفوه بما يشبه به خلقه.

وإنما توجه إلينا الأمر بتسبيح الاسم دون تسبيح الذات ليرشدنا إلى أن مبلغ جهدنا ومنتهى ما تصل إليه عقولنا أن نعرف الصفات بما يدل عليها، أما الذات فهي أعلى وأرفع من أن تتوجه عقولنا إليها إلا بما نلحظ من هذه الصفات التي تقوم عليها الدلائل، وترشد إليها الآيات، لهذا أمرنا بتسبيح اسمه تكليفًا لنا بما يسعه طوقنا.

والله أعلم.

بعد أن أمر الله نبيه بتسبيح اسمه، وعلم أمته المأمورة بأمر الله له كيف يمكنها أن تعرف الاسم الذي تسبحه -على نحو ما ذكرنا- وعد نبيه  بأنه سيقرئه من كتابه ما فيه تنزيه الله وتبيين ما أوجب أن يعرف من صفاته وما فيه تشريع لأحكامه، ووعده بأن ما يقرئه إياه لا ينساه فقال ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى  ﴾ أي سننزل عليك كتابًا تقرأه ولا تنسى منه شيئًا بعد نزوله عليك.

ولما كان الوعد على وجه التأبيد، واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع تغييره، وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه، جاء بالاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ .

فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئًا لم يعجزه ذلك، فالقصد هو إلى نفي النسيان رأسًا.

وقالوا إن ذلك -كما يقول الرجل لصاحبه "أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله"- لا يقصد استثناء شيء.

وهو من استعمال القلة في معنى النفي.

وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  ﴾ .

أي غير مقطوع.

فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب، وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع.

وما ورد من أنه  نسي شيئًا كان يذكره، فذلك -إن صح- فهو في غير ما أنزل الله عليه من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها.

وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله، فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة  ، ويؤمن بكتاب الله، أن يتعلق بشيء من ذلك.

ويقول ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى  ﴾ تأكيد للوعد مع الاستثناء، أي أن الذي وعدك بأن سيقرئك وأنه سيحفظك ما تقرأ فلا تنساه، عالم بالجهر والسر فلا يفوته شيء مما يكون في نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك وخافي سرك، وفي قدرته أن يحفظ عليك ما وهبك وإن كان ذلك من خفيات روحك، ولو شاء لسلبه ولن تستطيع دفعه لأنك لا تستطيع أن تخفي عنه شيئًا.

ولما كان في الوعد بالإقراء الوعد بتشريع الأحكام كما ذكرنا -وقد يكون في الأحكام ما يصعب على المخاطبين احتماله- أردف ذلك الوعد بما يزيده حلاوة في ذوق النفس فقال: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى  ﴾ : أي نوفقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها ولا يصعب على العقول فهمها.

بعدما وعده بذلك الفضل العظيم، أخذ يأمره بتذكير عباده وتنبيههم من غفلاتهم، وتوجيههم إلى ما هو خير لهم من تنزيه اسم الله تعالى والاستعداد لامتثال أوامره والتزام أحكامه، فقال ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى  ﴾ وأشار بقوله ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى  ﴾ إلى ما عليه حال أهل الباطل القائمين على ما ورثوا عن آبائهم، وإلى جمودهم وصلابة جهلهم، وأن الذكرى ربما لا تنجح فيهم.

قالوا "وذلك كما تقول للواعظ عظ المكارين إن سمعوا منك".

وليس الشرط قيدًا في الأمر، فقد أجمع أهل الدين -سلفهم وخلفهم- على أن الأمر بالتذكير عام، نفعت الذكرى أم لم تنفع.

وعمله  شاهد على ذلك.

ولذلك أردف هذا الأمر بقوله ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى  ﴾ فالذكرى نافعة حتمًا في فريق من الناس، وهو الذي يخشى الله ويخشى عاقبة الجحود والعناد مع ظهور الدليل ووضوح وجه الحق، وإنما يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها الأشقى الذي غلبه شقاؤه، وحق عليه الخذلان بإعراضه عن النور الساطع والبرهان القاطع، وهذا الفريق -الذي لا يخلو منه زمن- سيلقى من الله جزاءه، كما قال ﴿ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى  ﴾ وصف النار بالكبرى لأنها نار تلك الدار الآخرة، وهي أشد إيلامًا لمن يعذبون بها من هذه النار التي نعرفها، فتلك أكبر من هذه.

ثم إن من شقي ولقي عذابه بتلك النار يخلد فيها، لا ينقطع عذابه عند غاية، ولا يجد لآلامه نهاية، فهو لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة فيسعد، فنفي الحياة لا يناقض نفي الموت، لأن الحياة المنفية هي الحياة التي يرغب فيها ويتمنى صاحبها أن تدوم.

وحياة المعذب بتلك النار الكبرى ممقوتة ند صاحبها يتمنى لو فقدها في لحظة تمر عليه، فكأنها ليست بحياة.

إياك أن تنخدع بما يقوله أولئك الذين يلبسون لباس العلماء، ويزعمون مزاعم السفهاء من أنه لا يجب عليهم التذكير ولا النصح العام لعامة المسلمين، لأن التذكير لا ينفع، والنصح لا ينجع، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إَنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى  ﴾ فقيد الأمر بالنفع، فإن ذلك منهم ضلال وتضليل، لأن الشرط إنما ذكر لما بيناه.

ولو صدق قولهم لما وجب التذكير في وقت من الأوقات، لأنه لا يخلو زمان من معاندين، ولا يسلم قائل من جاحدين.

وقد يعرف بعضهم أنه إنما ينطق عن هوى، ولكنه يدافع عن جهله، ويحتج لكسله وجبنه، ويحب أن يزين نفسه في أعين الناس، وإن أوقعها في سخط الله.

بعد أن وصل وعيد الأشقياء بذكرهم عاد إلى وعد أهل الخشية بالفلاح، فقال ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى  ﴾ .

وتزكى: تطهر من دنس الرذائل، ورأسها جحود الحق، وقسوة القلب.

والفلاح الفوز والسعادة في الدارين.

وإنما يناله من طهرت نفسه، وزكا سره، وصفا قلبه ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  ﴾ ، أي لاحظ بسره ما يعرف من ربه بأن يحضر في قلبه صفاته العلية فخشع، فصلى ههنا بمعنى خشع ولجا إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ وقد يكون مع الخشوع صلاة من الصلوات المكتوبة أو جميعها، وإنما عبر عن الخشوع بالصلاة لأنه لبها والمقصود منها، وهي بدونه شبح بلا روح.

يقول السامعون لهذا الوعد الكريم - ممن قست قوبهم، ولم يأخذوا من العبادات إلا بصورها، وظنوا أن ذلك غاية ما يطالب الله به عباده -نحن المتطهرون، ونحن الذاكرون، ونحن المصلون، فنحن المفلحون...

فيرد الله قولهم وينفي زعمهم بإثبات أنهم كاذبون وفي زعمهم واهمون، ويحتج عليهم بقوله: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  ﴾ .

ولو صح قولكم لآثرتم الآخرة وهي خير وأبقى.

وإيثار الحياة الدنيا تقديم ملاذها والاشتغال بها والإنفاق فيها مع الانصراف عما يعد السعادة في الدار الآخرة.

أراد الله أن يؤيد الحق الذي يوحيه إلى نبيه بإثبات أنه هو بعينه الحق الذي ذكر في صحف إبراهيم وموسى: فدين الله واحد، وأمره واحد، ووعده ووعيده واحد، وإنما تختلف صوره، وتتعدد مظاهره.

فإذا كان المخاطبون قد آمنوا بإبراهيم أو بموسى فعليهم أن يؤمنوا بمحمد  لأنه لم يأت إلا بما جاء في صحفهم، وإنما هو مذكر أو محي لما مات من شرعهم.

والإشارة في هذا إلى ما تضمنه قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى  وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر