الآية ٢ من سورة الأعلى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 87 الأعلى > الآية ٢ من سورة الأعلى

ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الأعلى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢ من سورة الأعلى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) يقول: الذي خلق الأشياء فسوىّ خلقها، وعدّلها، والتسوية التعديل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذي خلق فسوى قد تقدم معنى التسوية في ( الانفطار ) وغيرها .

أي سوى ما خلق ، فلم يكن في خلقه تثبيج .

وقال الزجاج : أي عدل قامته .

وعن ابن عباس : حسن ما خلق .

وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه .

وقيل : خلق في أصلاب الآباء ، وسوى في أرحام الأمهات .

وقيل : خلق الأجساد ، فسوى الأفهام .

وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"الذي خلق فسوى"، قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فسوى اليدين والرجلين والعينين.

وقال الزجاج: خلق الإنسان مستوياً، ومعنى سوى: عدل قامته.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذي خلق فسوى» مخلوقه، جعله متناسب الأجزاء غير متفاوت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

نَزِّه اسم ربك الأعلى عن الشريك والنقائص تنزيهًا يليق بعظمته سبحانه، الذي خلق المخلوقات، فأتقن خلقها، وأحسنه، والذي قدَّر جميع المقدرات، فهدى كل خلق إلى ما يناسبه، والذي أنبت الكلأ الأخضر، فجعله بعد ذلك هشيمًا جافًا متغيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال : ( الذي خَلَقَ فسوى ) أى : خلق كل شئ فسوى خلقه تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ودلالة على أنه صادر عن عالم ، وأنه صنعه حكيم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ اسم رَبّكَ ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد الأمر بتنزيه اسم الله وتقديسه والثاني: أن الاسم صلة والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى.

أما على الوجه الأول ففي اللفظ احتمالات أحدها: أن المراد نزه اسم ربك عن أن تسمي به غيره، فيكون ذلك نهياً على أن يدعى غيره باسمه، كما كان المشركون يسمون الصنم باللات، ومسيلمة برحمان اليمامة.

وثانيها: أن لا يفسر أسماءه بما لا يصح ثبوته في حقه سبحانه نحو أن يفسر الأعلى بالعلو في المكان والاستواء بالاستقرار بل يفسر العلو بالقهر والاقتداء والاستواء بالاستيلاء.

وثالثها: أن يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم، ويدخل فيه أن يذكر تلك الأسماء عند الغفلة وعدم الوقوف على معانيها وحقائقها.

ورابعها: أن يكون المراد بسبح باسم ربك، أي مجده بأسمائه التي أنزلتها عليك وعرفتك أنها أسماؤه كقوله: ﴿ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن  ﴾ ونظير هذا التأويل قوله تعالى: ﴿ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم  ﴾ ومقصود الكلام من هذا التأويل أمران: أحدهما: ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى ﴾ ، أي صل باسم ربك، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية والثاني: أن لا يذكر العبد ربه إلا بأسماء التي ورد التوقيف بها، قال الفراء: لا فرق بين ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ ﴾ وبين ﴿ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ ﴾ قال الواحدي: وبينهما فرق لأن معنى ﴿ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ ﴾ نزه الله تعالى بذكر اسمه المنبئ عن تنزيهه وعلوه عما يقول المبطلون، و ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ ﴾ أي نزه الاسم من السوء.

وخامسها: قال أبو مسلم: المراد من الاسم هاهنا الصفة، وكذا في قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا  ﴾ أما على الوجه الثاني وهو أن يكون الاسم صلة ويكون المعنى سبح ربك وهو اختيار جمع من المحققين، قالوا: لأن الاسم في الحقيقة لفظة مؤلفة من حروف ولا يجب تنزيهها كما يجب في الله تعالى، ولكن المذكور إذا كان في غاية العظمة لا يذكر هو بل يذكر اسمه فيقال: سبح اسمه، ومجد ذكره، كما يقال: سلام على المجلس العالي، وقال لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما *** أي السلام وهذه طريقة مشهورة في اللغة، ونقول على هذا الوجه: تسبيح الله يحتمل وجهين: الأول: أن لا يعامل الكفار معاملة يقدمون بسببها على ذكر الله بما لا ينبغي على ما قال: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ .

الثاني: أنه عبارة عن تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وفي أسمائه وفي أحكامه، أما في ذاته فأن يعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما في صفاته، فأن يعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة، وأما في أفعاله فأن يعتقد أنه مالك مطلق، فلا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور، وقالت المعتزلة هو أن يعتقد أن كل ما فعله فهو صواب حسن، وأنه لا يفعل القبيح ولا يرضى به، وأما في أسمائه فأن لا يذكر سبحانه إلا بالأسماء التي ورد التوقيف بها، هذا عندنا وأما عند المعتزلة فهو أن لا يذكر إلا بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه سواء ورد الإذن بها أو لم يرد، وأما في أحكامه فهو أن يعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه.

بل إما لمحض المالكية على ما هو قولنا، أو لرعاية مصالح العباد على ما (هو) قول المعتزلة.

المسألة الثانية: من الناس من تمسك بهذه الآية في أن الإسم نفس المسمى، فأقول: إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع، فلابد هاهنا من بيان أن الإسم ما هو والمسمى ما هو حتى يمكننا أن نخوض في الاسم هل هو نفس المسمى أم لا، فنقول: وإن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ، وبالمسمى تلك الذات، فالعاقل لا يمكنه أن يقول: الاسم هو المسمى، وإن كان المراد، من الاسم هو تلك الذات، وبالمسمى أيضاً تلك الذات كان قولنا الاسم نفس المسمى، هو أن تلك الذات نفس تلك الذات، وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل، فعلمنا أن هذه المسألة في وصفها ركيكة.

وإن كان كذلك كان الخوض في ذكر الاستدلال عليه أرك وأبعد بل هاهنا دقيقة، وهي أن قولنا: اسم لفظة جعلناها اسماً لكل ما دل على معنى غير مقترن بزمان، والاسم كذلك فيلزم أن يكون الاسم إسماً لنفسه فهاهنا الاسم نفس المسمى فلعل العلماء الأولين ذكروا ذلك فاشتبه الأمر على المتأخرين، وظنوا أن الاسم في جميع المواضع نفس المسمى، هذا حاصل التحقيق في هذه المسألة، ولنرجع إلى الكلام المألوف، قالوا: الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى أن أحداً لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا فمعنى ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ ﴾ سبح ربك، والرب أيضاً اسم فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه، واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لما بينا في المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر وارداً بتسبيح الاسم، ويمكن أن يكون المراد تسبيح المسمى وذكر الاسم صلة فيه.

ويمكن أن يكون المراد سبح باسم ربك كما يقال: ﴿ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم  ﴾ ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه.

المسألة الثالثة: روى عن عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم ﴾ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله: ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول: في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثم من العلماء من قال: إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله: ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ ﴾ أي صل باسم ربك، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ ورد في بيان أوقات الصلاة.

المسألة الرابعة: قرأ علي عليه السلام وابن عمر: (سبحان ربي الأعلى * الذي خلق فسوى) ولعل الوجه فيه أن قوله: ﴿ سَبِّحِ ﴾ أمر بالتسبيح فلابد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله: سبحان ربي الأعلى.

المسألة الخامسة: تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله: ﴿ رَبّكَ الأعلى ﴾ والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال، لأنه تعالى إما أن يكون متناهياً أو غير متناه، فإن كان متناهياً كان طرفه الفوقاني متناهياً، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول: بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضاً فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهياً من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايراً للجانب غير المتناهي فيكون مركباً من جزأين، وكل مركب ممكن، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود، هذا محال.

فثبت أن العلو هاهنا ليس بمعنى العلو في الجهة، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك، والسورة هاهنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله: ﴿ الأعلى ﴾ بقوله: ﴿ الذي خَلَقَ فسوى ﴾ والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة.

المسألة السادسة: من الملحدين من قال: بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه، أما العظيم فقوله: ﴿ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم ﴾ وأما الأعلى منه فقوله: ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى ﴾ فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه.

واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال، ثم نقول ليس في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر، بل ليس فيه إلا أنه أعلى، ثم لنا فيه تأويلات.

الأول: أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا.

الثاني: أن قوله: ﴿ الأعلى ﴾ تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه: الأَعْلَى أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته، وهو كما تقول: اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل.

والثالث: أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير.

المسألة السابعة: روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول: «لو علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة» وروى: أن عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ: (سبح اسم ربك الأعلى، الذي يسر على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشاً، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى، ألا بلى ألا بلى) فقالت عائشة: لا آب غائبكم، ولا زالت نساؤكم في لزبة والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى ﴾ فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالتسبيح، فكأن سائلاً قال: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة، فما الدليل على وجود الرب؟

فقال: ﴿ الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى ﴾ واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند أكابر الأنبياء عليهم السلام والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام، أنه قال: ﴿ الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ  ﴾ وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهرون عليهما السلام: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى  ﴾ ؟

قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى  ﴾ وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله: ﴿ ﴾ هذا إشارة إلى الخلق، ثم قال: ﴿ ﴾ وهذا إشارة إلى الهداية، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة في هذه السورة، فقال: ﴿ الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى ﴾ وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيراً لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر، ومشاهدة الإنسان لها، واطلاعه عليها أتم، فلا جرم كانت أقوى في الدلالة، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ خَلَقَ فسوى ﴾ يحتمل أن يريد به الناس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً أحدها: أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة، على ما قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه، فقال: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ .

وثانيها: أن كل حيوان فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط، وغير مستعد لسائر الأعمال، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا.

وثالثها: أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات، وأما من حمله على جميع الحيوانات.

قال: المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، وأما من حمله على جميع المخلوقات، قال: المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفاً بوصف الأحكام والإتقان، مبرأ عن الفسخ والاضطراب.

المسألة الثانية: قرأ الجمهور: ﴿ قدَّرَ ﴾ مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم، وأما التخفيف فقال القفال: معناه ملك فهدى وتأويله: أنه خلق فسوى، وملك ما خلق، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه، ومنهم من قال: هما لغتان بمعنى واحد، وعليه قوله تعالى: ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون  ﴾ بالتشديد والتخفيف.

المسألة الثالثة: أن قوله: ﴿ قدَّرَ ﴾ يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقداراً معلوماً على ما قال: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات، بل العالم كله من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، تفسير هذه الآية.

وتفصيل هذه الجملة.

أما قوله: ﴿ فهدى ﴾ فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى، وقوله: ﴿ فهدى ﴾ عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة، وللمفسرين فيه وجوه، قال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وقال آخرون: هداه للمعيشة ورعاه، وقال آخرون: هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة، وذلك لأنه جعله حساساً دراكاً متمكناً من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال: ﴿ إِنَّا هديناه السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً  ﴾ وقال: ﴿ ﴾ وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء: قدر فهدى وأضل، فاكتفى بذكر إحداهما: كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر  ﴾ وقال آخرون: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي  ﴾ أي تدعو، وقد دعى الكل إلى الإيمان، وقال آخرون: هدى أي دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبريائه، ونعوت صمديته، وفردانيته، وذلك لأن العاقل يرى في العالم أفعال محكمة متقنة منتسقة منتظمة، فهي لا محالة تدل على الصانع القديم، وقال قتادة في قوله: ﴿ فهدى ﴾ إن الله تعالى ما أكره عبداً على معصية، ولا على ضلالة، ولا رضيها له ولا أمره بها، ولكن رضي لكم الطاعة، وأمركم بها، ونهاكم عن المعصية، واعلم أن هذه الأقوال على كثرتها لا تخرج عن قسمين، فمنهم من حمل قوله: ﴿ فهدى ﴾ على ما يتعلق بالدين كقوله: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ ومنهم من حمله على ما يرجع إلى مصالح الدنيا، والأول أقوى، لأن قوله: ﴿ خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ ﴾ يرجع إلى أحوال الدنيا، ويدخل فيه إكمال العقل والقوى، ثم أتبعه بقوله: ﴿ فهدى ﴾ أي كلفه ودله على الدين، أما قوله تعالى: ﴿ والذي أَخْرَجَ المرعى ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما بين ما يختص به الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير الناس من النعم: فقال: ﴿ والذي أَخْرَجَ المرعى ﴾ أي هو القادر على إنبات العشب لا الأصنام التي عبدتها الكفرة، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ومن الثمار والزروع والحشيش، قال ابن عباس: المرعى الكلأ الأخضر، ثم قال: فجعله غثاء أحوى وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الغثاء ما يبس من النبت فحملته الأودية والمياه وألوت به الرياح، وقال قطرب واحد الغثاء غثاءة.

المسألة الثانية: الحوة السواد، وقال بعضهم: الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة، وفي أحوى قولان: أحدهما: أنه نعت الغثاء أي صار بعد الخضرة يابساً فتغير إلى السواد، وسبب ذلك السواد أمور أحدها: أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء، ومن شأن البرودة أنها تبيض الرطب وتسود اليابس.

وثانيها: أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود.

وثالثها: أن يحملها الريح فتلصق بها الغبار الكثير فتسود القول الثاني: وهو اختيار الفراء وأبي عبيدة، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته، كما قيل: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ  ﴾ أي سوداوان لشدة خضرتهما، والتقدير الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا  قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا  ﴾ أي أنزل قيماً ولم يجعل له عوجاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تسبيح اسمه عز وعلا: تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي إلحاد في أسمائه، كالجبر والتشبيه ونحو ذلك، مثل أن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلوّ في المكان والاستواء على العرش حقيقة؛ وأن يصان عن الابتذال والذكر، لا على وجه الخشوع والتعظيم.

ويجوز أن يكون ﴿ الأعلى ﴾ صفة للرب، والاسم؛ وقرأ علي رضي الله عنه: سبحان ربي الأعلى.

وفي الحديث: لما نزلت: فسبح باسم ربك العظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال: «اجعلوها في سجودكم» وكانوا يقولون في الركوع: اللهم لك ركعت، وفي السجود: اللهم لك سجدت ﴿ خَلَقَ فسوى ﴾ أي خلق كل شيء فسوّى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم ﴿ قَدَّرَ فهدى ﴾ قدّر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به يحكى أنّ الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله أنّ مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوى تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله وهدايات الله للإنسان إلى ما لا يحدّ من مصالحه وما لا يحصر من حوائجه في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض: باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى.

وقرئ: ﴿ قدر ﴾ بالتخفيف ﴿ أحوى ﴾ صفة لغثاء، أي ﴿ أَخْرَجَ المرعى ﴾ أنبته ﴿ فَجَعَلَهُ ﴾ بعد خضرته ورفيفه ﴿ غُثَاءً أحوى ﴾ دربنا أسود.

ويجوز أن يكون ﴿ أحوى ﴾ حالا من المرعى، أي: أخرجه أحوى أسود من شدّة الخضرة والري، فجعله غثاء بعد حوّيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ نَزِّهِ اسْمَهُ عَنِ الإلْحادِ فِيهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ وإطْلاقِهِ عَلى غَيْرِهِ زاعِمًا أنَّهُما فِيهِ سَواءٌ وذِكْرُهُ لا عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وقُرِئَ «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى».

وَفِي الحَدِيثِ: «لَمّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْعَلُوها: في سُجُودِكُمْ» وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ.» ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ بِأنْ جَعْلَ لَهُ ما بِهِ يَتَأتّى كَمالُهُ ويَتِمُّ مَعاشُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذي خلق فسوى} أى خلق كل شئ فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتاً غير ملتئم ولكن على أحكام واتساق ودلالة على أنه صادر عن عالم حكيم أو سوَّاه على ما فيه منفعة ومصلحة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ إلَخْ إنْ كانَ صِفَةً لِلرَّبِّ كَما هو الظّاهِرُ لَزِمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِصِفَةِ غَيْرِهِ وهو لا يَجُوزُ فَلا يُقالُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، وإنْ كانَ صِفَةً لِاسْمٍ أيْضًا اخْتَلَّ المَعْنى؛ إذِ الِاسْمُ لا يَتَّصِفُ بِالخَلْقِ وما بَعْدَهُ.

وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الثّانِي ولا اخْتِلالَ، إمّا لِأنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُقْحَمًا كانَ ﴿ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ بِمَنزِلَةِ رَبِّكَ، فَصَحَّ وصْفُهُ بِما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ، والجَوابُ المَقْبُولُ أنَّ ﴿ الَّذِي ﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَفْعُولُ ﴿ خَلَقَ ﴾ مَحْذُوفٌ؛ ولِذا قِيلَ بِالعُمُومِ؛ أيِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

﴿ فَسَوّى ﴾ أيْ: فَجَعَلَهُ مُتَساوِيًا وهو أصْلُ مَعْناهُ، والمُرادُ فَجَعَلَ خَلْقَهُ كَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ؛ أيْ: فَجَعَلَ الأشْياءَ سَواءً في بابِ الأحْكامِ والإتْقانِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ أتْقَنَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ورُدَّ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ العُمُومِ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ مَعَ أنَّ مَذْهَبَهُ مَذْهَبُهم قالَ هُنا بِالعُمُومِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدِ العُمُومَ الحَقِيقِيَّ أوْ أرادَهُ لَكِنْ عَلى مَعْنى: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في أفْعالِ العِبادِ بِأقْدارِهِ سُبْحانَهُ وتَمْكِينِهِمْ عَلى خَلْقِها بِاخْتِيارِهِمْ وقُدَرِهِمُ المَوْهُوبَةِ لَهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ: خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ ﴿ فَسَوّى ﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ وعَيْنَيْهِ ورِجْلَيْهِ.

وعَنِ الزَّجّاجِ خَلَقَ الإنْسانَ فَعَدَلَ قامَتَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَنكُوسًا كالبَهائِمِ، وفي كُلٍّ تَخْصِيصٌ لا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحَذْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي تسع عشرة آية مكية قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال الكلبي: يعني: صلِّ بأمر ربك، ويقال سبح هو من التنزيه والبراءة يعني: نَزِّه ربك، والاسم صلة، ويقال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يعني: قل سبحان ربي الأعلى كما روي في الخبر أنه قيل: يا رسول الله ما نقول في ركوعنا فنزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى بمعنى العالي كقوله أكبر بمعنى الكبير والعلو هو القهر والغلبة يعني أمره نافذ على خلقه فلما نزل فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فقال رسول الله  : «اجْعَلُوها فِي رِكُوعِكُم» فقالوا: فما نقول في سجودنا؟

فنزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال-  -: «اجْعَلُوها فِي سِجُودِكُم» ، ويقال: «سبح اسم ربك» يعني: اذكر توحيد ربك الأعلى، ويقال كان بدء قوله: «سبحان ربي الأعلى» أي ميكائيل خطر على باله عظمة الرب جلا وعلا سلطانه فقال: يا رب أعطني قوة حتى أنظر إلى عظمتك، وسلطانك، فأعطاه قوة أهل السموات فطار خمسة آلاف سنة فنظر فإذا الحجاب على حاله واحترق جناحه من نور العرش ثم سأل القوة فأعطاه القوة ضعف ذلك فجعل يطير ويرتفع عشرة آلاف سنة حتى احترق جناحه وصار في آخره كالفرخ ورأى الحجاب والعرش على حاله فخر ساجداً وقال: «سبحان ربي الأعلى» يعني: تعالى من أن يكون محسوساً معقولاً ثم سأل ربه أن يعيده إلى مكانه إلى حاله الأولى ثم قال عز وجل: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى يعني: الذي خلق كل ذي روح، وجميع خلقه، ويقال: سبح الله تعالى الذي خلقك فسوى خلقك يعني: اليدين والرجلين والعينين ولم يخلقك زمناً ولا مكفوفاً، كما قال وصوَّركم فأحسن صوركم قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى يعني: قدر لكل شيء شكله، يعني: لكل ذكر وأنثى من شكله وهداه للأكل والشرب والجماع، ويقال الذي قدر فهدى يعني فهداه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ويقال الذي قدر فهدى سبح لله الذي خلقك وقدر آجالك وأرزاقك وأعمالك وهداك إلى المعرفة والإسلام والأكل والشرب فصلّ بابن آدم وسبح لهذا المنعم المكرم السيد الذي هو الأحد الصمد، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: 3] ثم قال عز وجل: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى يعني: أنبت الكلأ ويقال هو العشب والحشيش وألقت وما أشبه، قرأ الكسائي: وَالَّذِي قَدَّرَ بالتخفيف، والباقون بالتشديد ومعناها واحد يقال: قدره الأمر وقدرته قوله تعالى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى يعني: جعل المرعى يابساً بعد خضرته، وقال القتبي: غثاء يعني يابساً، أحوى يعني أسود من قدمه واحتراقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فصار أحوى، فهذا صفة «١» .

وقولُهُ تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال الحسنُ وقتادة ومالك بن أنس: هذه الآيةُ في معنى قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ...

[القيامة: ١٦] الآية، وَعَدَهُ اللَّه أنْ يُقْرِئَه وأخبرَه أنه لاَ يَنْسى نِسْياناً لا يكونُ بعدَه ذِكر «٢» ، وقيل: بلِ المعنى: أنه أمره تعالى بأنْ لا يَنْسَى على معنى التَّثْبِيتِ والتأكيدِ، وقال الجنيد: معنى فَلا تَنْسى لاَ تَتْرُكِ العمَلَ/ بما تَضَمَّنَ مِنْ أمْرٍ ونهي.

وقوله تعالى: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قال الحسنُ وغيرهُ: معناه: مما قَضَى اللَّهُ بِنَسْخِه ورَفْعِ تلاوتِه وحُكْمه «٣» ، وقال ابن عباس: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: أنْ يُنْسِيَكَهُ لِيُسَنَّ بهِ «٤» على نَحْوِ قولِه- عليه الصَّلاةُ والسلام-: «إنِّي لأنسى أوْ أنسى لأَسُنَّ» .

قَالَ ع «٥» :

ونسيان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممتنعٌ فيما أُمِرَ بتبليغهِ إذ هُو معصومٌ فإذا بَلغَهُ وَوَعَى عنه فالنسيانُ جائِزٌ على أن يَتَذَكَّرَ بعدَ ذلك، أو على أنْ يسنّ، أو على النسخ.

وقوله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى معناه: نَذْهَبُ بك نحوَ الأمورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دنياكَ وَأُخْرَاكَ من النَّصْرِ والظَفَرِ، ورِفعةِ الرسالةِ وعلو المنزلةِ يومَ القيامةِ، والرفعةِ في الجنة، ثم أمرَه تعالى بالتَّذكيرِ، قال بعضُ الحذَّاقِ: قوله تعالى: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى اعْتِرَاضٌ بَينَ الكلامينِ على جِهَةِ التوبِيخِ لقريشٍ، ثم أخبرَ تعالى أنّه سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ والدارَ الآخِرَةِ وهمُ العلماءُ والمؤمنونَ، كُلٌّ بقدْرِ ما وُفِّقَ له، ويَتَجَنَّبُ الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الأعْلى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَفِي مَعْنى ﴿ سَبِّحِ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: عَظِّمْ.

والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ.

وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿ والَّذِي قَدَّرَ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿ فَهَدى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.

والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿ فَجَعَلَهُ ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿ غُثاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحْوى ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ  ﴾ ، فَلا يَشاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿ وَما يَخْفى ﴾ مِنهُما ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿ مَن يَخْشى ﴾ ﴿ وَيَتَجَنَّبُها ﴾ وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿ الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى ﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ ﴿ والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ﴾ ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى ﴾ ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى ﴾ ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ ﴿ فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى ﴾ ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى ﴾ ﴿ وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى ﴾ ﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ "سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ  « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.

و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ  كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ  : "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ : نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.

و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ.

و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ  ﴾ الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ  كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ  في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ  « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونِسْيانُ النَبِيِّ  مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.

ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الافتتاح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسبح اسمَ ربه بالقول، يؤذن بأنه سيُلقي إليه عقبه بشارة وخيراً له وذلك قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [الأعلى: 6] الآيات كما سيأتي ففيه براعة استهلال.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والتسبيح: التنزيه عن النقائص وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم الله تعالى وكذلك الأفعال المشتقة منه لا ترفع ولا تنصب على المفعولية إلا ما هو اسم لله، وكذلك أسماء المصدر منه نحو: سبحان الله، وهو من المعاني الدينية، فالأشبه أنه منقول إلى العربية من العبرانية وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ في سورة البقرة (30).

وإذْ عُدِّي فعلُ الأمر بالتسبيح هنا إلى اسْم فقد تعين أن المأمور به قول دال على تنزيه الله بطريقة إجراء الأخبار الطيبة أو التوصيف بالأوصاف المقدسة لإِثباتها إلى ما يدل على ذاته تعالى من الأسماء والمعاني، ولما كان أقوالاً كانت متعلقة باسم الله باعتبار دلالته على الذات، فالمأمور به إجراء الأخبار الشريفة والصفات الرفيعة على الأسماء الدالة على الله تعالى من أعلام وصفات ونحوها، وذلك آيل إلى تنزيه المسمَّى بتلك الأسماء.

ولهذا يكثر في القرآن إناطة التسبيح بلفظ اسم الله نحو قوله: ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ [الواقعة: 74] وقد تقدم ذلك في مبحث الكلام على البسملة في أول هذا التفسير.

فتسبيح اسم الله النطقُ بتنزيهه في الخُوَيصَّة وبينَ الناس بذكر يليق بجلاله من العقائد والأعمال كالسجود والحمد.

ويشمل ذلك استحضارَ الناطق بألفاظ التسبيح معانيَ تلك الألفاظ إذ المقصود من الكلام معناه.

وبتظاهُرِ النطق مع استحضار المعنى يتكرر المعنى على ذهن المتكلم ويتجدد ما في نفسه من تعظيم لله تعالى.

وأما تفكر العبد في عظمة الله تعالى وترديد تنزيهه في ذهنه فهو تسبيح لذات الله ومسمَّى اسمه ولا يسمى تسبيح اسممِ الله، لأن ذلك لا يجري على لفظ من أسماء الله تعالى، فهذا تسبيح ذات الله وليس تسبيحاً لاسمه.

وهذا ملاك التفرقة بين تعلق لفظ التسبيح بلفظ اسم الله نحو ﴿ سبح اسم ربك ﴾ ، وبين تعلقه بدون اسم نحو ﴿ ومن الليل فاسجُد له وسبحه ﴾ [الإنسان: 26] ونحو ﴿ ويسبحونه وله يسجدون ﴾ [الأعراف: 206] فإذا قلنا: ﴿ اللَّه أحد ﴾ [الإخلاص: 1] أو قلنا: ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ﴾ [الحشر: 23] إلى آخر السورة كان ذلك تسبيحاً لاسمه تعالى، وإذا نفينا الإِلاهية عن الأصنام لأنها لا تخلق كما في قوله تعالى: ﴿ إن الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ﴾ [الحج: 73] كان ذلك تسبيحاً لذات الله لا لاسمه لأن اسمه لم يجر عليه في هذا الكلام إخبار ولا توصيف.

فهذا مناط الفرق بين استعمال ﴿ سبح اسم ربك ﴾ واستعمال ﴿ وسبحه ﴾ ومَآل الإطلاقين في المعنى واحد لأن كلا الإِطلاقين مراد به الإِرشاد إلى معرفة أن الله منزه عن النقائص.

واعلم أن مما يدل على إرادة التسبيح بالقول وجودَ قرينة في الكلام تقتضيه مثللِ التوقيت بالوقت في قوله تعالى: ﴿ وسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ [الأحزاب: 42] فإن الذي يكلف بتوقيته هو الأقوال والأفعال دون العقائد، ومثل تعدية الفعل بالباء مثل قوله تعالى: ﴿ وسبحوا بحمد ربهم ﴾ [السجدة: 15] فإن الحمد قول فلا يصاحب إلا قولاً مثله.

وتعريف: ﴿ اسم ﴾ بطريق الإضافة إلى ﴿ ربك ﴾ دون تعريفه بالإضافة إلى عَلَم الجلالة نحو: سبح اسمَ الله، لما يُشعر به وصف رب من أنه الخالق المدبر.

وأما إضافة (رب) إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم فلتشريفه بهذه الإضافة وأن يكون له حظ زائد على التكليف بالتسبيح.

ثم أجري على لفظ ﴿ ربك ﴾ صفة ﴿ الأعلى ﴾ وما بعدها من الصلات الدالة على تصرفات قدرته، فهو مستحق للتنزيه لصفات ذاته ولِصفات إنعامه على الناس بخلقهم في أحسن تقويم، وهدايتهم، ورزقهم، ورزق أنعامهم، للإِيماء إلى موجب الأمر بتسبيح اسمه بأنه حقيق بالتنزيه استحقاقاً لذاته ولوصفه بصفة أنه خالق المخلوقات خلقاً يدل على العلم والحكمة وإتقان الصنع، وبأنه أنعم بالهدى والرزق الذين بهما استقامة حال البشر في النفس والجسد وأوثرت الصفات الثلاث الأول لما لها من المناسبة لغرض السورة كما سنبينه.

فلفظ ﴿ الأعلى ﴾ اسم يفيد الزيادة في صفة العلو، أي الارتفاع.

والارتفاع معدود في عرف الناس من الكمال فلا ينْسب العلوّ بدون تقييد إلا إلى شيء غير مذموم في العرف، ولذلك إذا لم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه أفاد التفضيل المطلق كما في وصفه تعالى هنا.

ولهذا حكَى عن فرعون أنه قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [النازعات: 24].

والعلوّ المشتقُّ منه وصفه تعالى: ﴿ الأعلى ﴾ علوّ مجازي، وهو الكمال التام الدائم.

ولم يعدَّ وصفه تعالى: ﴿ الأعلى ﴾ في عداد الأسماء الحسنى استغناء عن اسمه ﴿ العليُّ ﴾ لأن أسماء الله توقيفية فلا يعد من صفات الله تعالى بمنزلة الاسم إلا ما كثر إطلاقه إطلاقَ الأسماء، وهو أوغل من الصفات، قال الغزالي: والعلوّ في الرتبة العقلية مثل العلوّ في التدريجات الحسية، ومثال الدرجة العقلية، كالتفاوت بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل والكامل والناقص اه.

وإيثار هذا الوصف في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت على تلقيه وما تضمنه من التذكير وذلك لعلو شأنه فهو من متعلقات وصف العلوّ الإلهي إذ هو كلامه.

وهذا الوصف هو ملاك القانون في تفسير صفات الله تعالى ومحاملها على ما يليق بوصف الأعلى فلذلك وجب تأويل المتشابهات من الصفات.

وقد جُعل من قوله تعالى: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ دعاء السجود في الصلاة إذ ورد أن يقول الساجد: سبحان ربي الأعلى، ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر التنزيه القولي.

وجملة: ﴿ الذي خلق فسوى ﴾ اشتملت على وصفين: وصف الخلق ووصف تسويه الخلق، وحذف مفعول ﴿ خلق ﴾ فيجوز أن يقدر عامّاً، وهو ما قدره جمهور المفسرين، وروي عن عطاء، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل، أي خلق كل مخلوق فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [طه: 50].

ويجوز أن يقدر خاصاً، أي خلق الإنسان كما قدره الزجاج، أو خلق آدم كما روي عن الضحاك، أي بقرينة قرن فعل ﴿ خلق ﴾ بفعل «سوى» قال تعالى: ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ﴾ [الحجر: 29] الآية.

وعطف جملة: ﴿ فسوى ﴾ بالفاء دون الواو للإِشارة إلى أن مضمونها هو المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة: يا لهفَ زيَابةً للحارث الصّ *** ابححِ فالغَانِم فالآيب لأن التلهف يحق إذا صبحهم فغنم أموالَهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا استرجاعه.

فالفاء من قوله: ﴿ فسوى ﴾ للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم في اعتبار المعتبر على التسويه، وإن كان حصول التسويه مقارناً لحصول الخلق.

والتسويه: تسويةُ ما خلقَه فإن حمل على العموم فالتسوية أنْ جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادِلاً، أي مناسباً للأعمال التي في جبلته فاعوجاج زُبَانَى العقرببِ من تسويه خلقها لتدفع عن نفسها بها بسهولة.

ولكونه مقارناً للخلقة عطف على فعل ﴿ خلق ﴾ بالفاء المفيدة للتسبب، أي ترتَّبَ على الخَلق تسويتُه.

والتقديرُ: وضْعُ المقدارِ وإيجادُه في الأشياء في ذواتها وقواها، يقال: قَدَّر بالتضعيف وقدَر بالتخفيف بمعنىً.

وقرأ الجمهور بالتشديد وقرأها الكسائي وحده بالتخفيف.

والمقدار: أصله كمية الشيء التي تُضبط بالذرع أو الكيل أو الوزن أو العَدّ، وأطلق هنا على تكوين المخلوقات على كيفيات منظّمة مطردة من تركيب الأجزاء الجسدية الظاهرة مثل اليدين، والباطنة مثل القلب، ومن إيداع القُوى العقلية كالحس والاستطاعة وحِيلَ الصناعة.

وإعادة اسم الموصول في قوله: ﴿ والذي قدر ﴾ وقوله: ﴿ والذي أخرج المرعى ﴾ مع إغناء حرف العطف عن تكريره، للاهتمام بكل صلة من هذه الصلات وإثباتها لمدلول الموصول وهذا من مقتضيات الإطناب.

وعطْفُ قوله: ﴿ فهدى ﴾ بالفاء مثل عطف ﴿ فسوى ﴾ ، فإن حمل ﴿ خلق ﴾ و ﴿ قدّر ﴾ على عموم المفعول كانت الهداية عامة.

والقول في وجه عطف ﴿ فهدى ﴾ بالفاء مثل القول في عطف ﴿ فسوى ﴾ .

وعطف ﴿ فهدى ﴾ على ﴿ قدر ﴾ عطفُ المسبَّب على السبب أي فهدى كلَّ مقدر إلى ما قدر له فهداية الإنسان وأنواع جنسه من الحيوان الذي له الإِدراك والإِرادة هي هداية الإِلهام إلى كيفية استعمال ما قدَّر فيه من المقادير والقوى فيما يناسب استعماله فيه فكلما حصل شيء من آثار ذلك التقدير حصل بأثره الاهتداء إلى تنفيذه.

والمعنى: قَدّر الأشياءَ كلها فهداها إلى أداء وظائفها كما قدّرها لها، فالله لما قدّر للإِنسان أن يكون قابلاً للنطق والعِلم والصناعة بما وَهَبَه من العقل وآلات الجسد هداهُ لاستعمال فكره لما يُحصِّل له ما خُلق له، ولمَّا قَدر البقرةَ للدَّر ألهمها الرَعْي ورِثْمَانَ ولدها لِتَدرَّ بذلك للحالب، ولمّا قدر النحل لإنتاج العسَل ألهمها أن ترعى النَّور والثمار وألهمها بناء الجِبْح وخلاياه المسدسة التي تضع فيها العسل.

ومن أجلِّ مظاهر التقدير والهداية تقدير قوى التناسل للحيوان لبقاء النوع.

فمفعول «هدى» محذوف لإفادة العموم وهو عام مخصوص بما فيه قابلية الهَدْي فهو مخصوص بذوات الإِدراك والإِرادة وهي أنواع الحيوان فإن الأنواع التي خلقها الله وقدَّر نظامها ولم يقدِّر لها الإِدراك مثل تقدير الإِثمار للشجر، وإنتاج الزريعة لتجدد الإِنبات، فذلك غير مراد من قوله: ﴿ فهدى ﴾ لأنها مخلوقة ومقدّرة ولكنها غير مهدية لعدم صلاحها للاهتداء، وإن جعل مفعول ﴿ خلق ﴾ خاصاً، وهو الإنسان كان مفعول ﴿ قدر ﴾ على وزانه، أي تقدير كمال قوى الإِنسان، وكانت الهداية هداية خاصة وهي دلالة الإِدراك والعقل.

وأوثر وصفا التسوية والهداية من بين صفات الأفعال التي هي نِعم على الناس ودالة على استحقاق الله تعالى للتنزيه لأن هذين الوصفين مناسبة بما اشتملت عليه من السورة فإن الذي يسوي خَلق النبي صلى الله عليه وسلم تسوية تلائم ما خلَقه لأجله من تحمل أعباء الرسالة لا يفوته أن يهيئه لحفظ ما يوحيه إليه وتيسيره عليه وإعطائه شريعة مناسبة لذلك التيسير قال تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [الأعلى: 6] وقال: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [الأعلى: 8].

وقوله: ﴿ والذي أخرج المرعى ﴾ تذكير لخلق جنس النبات من شجر وغيره.

واقتُصر على بعض أنواعه وهو الكلأ لأنه معاش السوائم التي ينتفع الناس بها.

والمرادُ: إخراجه من الأرض وهو إنباته.

والمرعى: النبت الذي ترعاه السوائم، وأصله: إما مصدر ميمي أطلق على الشيء المَرْعِيّ من إطلاق المصدر على المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق وإما اسم مكان الرعي أطلق على ما ينبت فيه ويُرعَى إطلاقاً مجازياً بعلاقة الحلول كما أطلق اسم الوادي على الماء الجاري فيه.

والقرينة جعله مفعولاً ل ﴿ أخرج ﴾ ، وإيثار كلمة ﴿ المرعى ﴾ دون لفظ النبات، لما يشعر به مادة الرعي من نفع الأنعام به ونفعها للناس الذين يتخذونها مع رعاية الفاصلة...

والغُثاء: بضم الغين المعجمة وتخفيف المثلثة، ويقال بتشديد المثلثة هو اليابس من النبت.

والأحوى: الموصوف بالحُوَّة بضم الحاء وتشديد الواو، وهي من الألوان: سُمرة تقرب من السواد.

وهو صفة ﴿ غثاء ﴾ لأن الغثاء يابس فتصير خضرته حُوّة.

وهذا الوصف أحوى لاستحضار تغيُّر لونه بعد أن كان أخضر يانعاً وذلك دليل على تصرفه تعالى بالإنشاء وبالإنهاء.

وفي وصف إخراج الله تعالى المرعى وجعله غُثاء أحوى مع ما سبقه من الأوصاف في سياق المناسبة بينها وبين الغرض المسوق له الكلام إيماء إلى تمثيل حال القرآن وهدايته وما اشتمل عليه من الشريعة التي تنفع الناس بحال الغيث الذي يَنبت به المرعَى فتنتفع به الدواب والأنعام، وإلى أن هذه الشريعة تكمل ويبلغ ما أراد الله فيها كما يكمل المرعَى ويبلغ نُضجه حين يصير غثاء أحوى، على طريقة تمثيلية مكنية رُمز إليها بذكر لازم الغيث وهو المرعى.

وقد جاء بيان هذا الإِيماء وتفصيله بقول النبي صلى الله عليه وسلم «مثل ما بَعَثني الله به من الهُدى والعِلم كمثَل الغيث الكثير أصابَ أرضاً فكان منها نَقِيُّةٌ قَبِلَتْ الماء فأنبتت الكلأ والعُشُبَ الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقوا وزرعوا» الحديث.

ويجوز أن يكون المقصود من جملة: ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ إدماج العبرة بتصاريف ما أودع الله في المخلوقات من مختلف الأطوار من الشيء إلى ضده للتذكير بالفناء بعد الحياة كما قال تعالى: ﴿ اللَّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ﴾ [الروم: 54] للإِشارة إلى أن مدة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدة القصيرة، فاستعير لعطف ﴿ جعله غثاء ﴾ الحرفُ الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف بعدَ زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى: ﴿ فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ﴾ [يونس: 24].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأعْلى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَظِّمْ رَبَّكَ الأعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، والِاسْمُ صِلَةٌ قُصِدَ بِها تَعْظِيمُ المُسَمّى، كَما قالَ لَبِيدٌ إلى الحَوْلِ ثَمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ الثّانِي: نَزِّهَ اسْمَ رَبِّكَ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، قالَ جَرِيرٌ قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا الرّابِعُ: صَلِّ لِرَبِّكَ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ (اِسْمَ رَبِّكَ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِأمْرِ رَبِّكَ.

الثّانِي: بِذِكْرِ رَبِّكَ أنْ تُفْتَتَحَ بِهِ الصَّلاةُ.

الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ ذاكِرًا لِرَبِّكَ بِقَلْبِكَ في نِيَّتِكَ لِلصَّلاةِ.

وَرُوِيَ أنَّ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ عُمَرَ كانُوا إذا افْتَتَحُوا قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ قالُوا: (سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى) امْتِثالًا لِأمْرِهِ تَعالى في ابْتِدائِها، فَصارَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في قِراءَتِها، وقِيلَ إنَّها في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى) وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ.

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أنْشَأ خَلْقَهم ثُمَّ سَوّاهم فَأكْمَلَهم.

الثّانِي: خَلَقَهم خَلْقًا كامِلًا وسَوّى لِكُلِّ جارِحَةٍ مَثَلًا.

الثّالِثُ: خَلَقَهم بِإنْعامِهِ وسَوّى بَيْنَهم في أحْكامِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَ آدَمَ فَسَوّى خَلْقَهُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: خَلَقَ في أصْلابِ الرِّجالِ، وسَوّى في أرْحامِ الأُمَّهاتِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ.

﴿ والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَداهُ لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعاشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.

الثّالِثُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ كَيْفَ يَأْتِي الأُنْثى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: قَدَّرَ خَلْقَهم في الأرْحامِ، وهُداهُمُ الخُرُوجَ لِلتَّمامِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: خَلَقَهم لِلْجَزاءِ، وهُداهم لِلْعَمَلِ.

﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ يَعْنِي النَّباتَ، لِأنَّ البَهائِمَ تَرْعاهُ، قالَ الشّاعِرُ وقَدْ يَنْبُتُ المَرْعى عَلى دِمَنِ الثَّرى ∗∗∗ وتَبْقى حَزّازاتُ النُّفُوسِ كَما هِيا ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الغُثاءَ ما يَبِسَ مِنَ النَّباتِ حَتّى صارَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ.

والأحْوى: الأسْوَدُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ وَهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّ الغُثاءَ ما احْتَمَلَ السَّيْلُ مِنَ النَّباتِ، والأحْوى: المُتَغَيِّرُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

الثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، ومَعْناهُ أحَوى فَصارَ غُثاءً، والأحْوى: ألْوانُ النَّباتِ الحَيِّ مِن أخْضَرَ وأحْمَرَ وأصْفَرَ وأبْيَضَ، ويُعَبِّرُ عَنْ جَمِيعِهِ بِالسَّوادِ كَما سُمِّيَ بِهِ سَوادُ العِراقِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ وغَيْثٍ دائِمِ التَّهْتا ∗∗∗ نِ حاوِي النَّبْتِ أدْهَمَ والغُثاءُ: المَيِّتُ اليابِسُ، قالَ قَتادَةُ: وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْكُفّارِ لِذَهابِ الدُّنْيا بَعْدَ نَضارَتِها.

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى، أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنَّ يَتَرَخَّصَ لَكَ فِيهِ، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ هَذا نَهْيًا عَنِ الشِّرْكِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يَنْسى ما يُقْرِئُهُ مِنَ القُرْآنِ، حَكى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ يَقْرَؤُهُ خِيفَةَ أنْ يَنْساهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ» .

﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ عَلَيْكَ فَلا تَقْرَأْهُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الجَهْرَ ما حَفِظْتَهُ مِنَ القُرْآنِ في صَدْرِكَ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن حِفْظِكَ.

الثّانِي: أنَّ الجَهْرَ ما عَلِمَهُ، وما يَخْفى ما سَيَتَعَلَّمُهُ مِن بَعْدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الجَهْرَ ما قَدْ أظْهَرُهُ، وما يَخْفى ما تَرَكَهُ مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُيَسِّرُكَ لِأنْ تَعْمَلَ خَيْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: لِلدِّينِ واليُسْرِ ولَيْسَ بِالعُسْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وفِيما يُذَكِّرُ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِاَللَّهِ رَغْبَةً ورَهْبَةً، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلامٍ.

الثّانِي: يَعْنِي ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، فَتَكُونُ (إنْ) بِمَعْنى ما الشَّرْطُ، لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى ﴾ يَعْنِي يَخْشى اللَّهَ، وقَدْ يَتَذَكَّرُ مَن يَرْجُوهُ، إلّا أنَّ تَذْكِرَةَ الخاشِي أبْلَغُ مِن تَذْكِرَةِ الرّاجِي فَلِذَلِكَ عَلَّقَها بِالخَشْيَةِ دُونَ الرَّجاءِ، وإنْ تَعَلَّقَتْ بِالخَشْيَةِ والرَّجاءِ.

﴿ وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى ﴾ يَعْنِي يَتَجَنَّبُ التَّذْكِرَةَ الكافِرُ الَّذِي قَدْ صارَ بِكُفْرِهِ شَقِيًّا.

﴿ الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هي نارُ جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: الكُبْرى نارُ الكُفّارِ في الطَّبَقَةِ السُّفْلى مِن جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ المُذْنِبِينَ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِن جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَمُوتُ ولا يَجِدُ رُوحَ الحَياةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ يُعَذَّبُ لا يَسْتَرِيحُ ولا يَنْتَفِعُ بِالحَياةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ ؎ ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ سبح ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت سورة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿ سبح اسم ربك ﴾ بمكة.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ في سور مثلها.

وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ .

وأخرج أبو عبيد عن تميم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني نسيت أفضل المسبحات فقال أبيّ بن كعب فلعلها ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: نعم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ [ الغاشية: 1] وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي عتبة الخولاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج البزار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في سننه عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فلما سلم قال: هل قرأ أحد منكم ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال رجل: أنا.

قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] .

وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عاشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى ب ﴿ سبح ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الثالثة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] والمعوذتين.

وأخرج البزار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج محمد بن نصر عن أنس مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله قال: أمَّ معاذ قوماً في صلاة المغرب فمر به غلام من الأنصار، وهو يعمل على بعير له، فأطال بهم معاذ، فلما رأى ذلك الغلام ترك الصلاة وانطلق في طلب بعيره، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفتان أنت يا معاذ، ألا يقرأ أحدكم في المغرب ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة عن جابر أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ﴿ بالشمس وضحاها ﴾ و ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] و ﴿ اقرأ باسم ربك الأعلى ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قلنا يا رسول الله كيف نقول في سجودنا؟

فأنزل الله: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في سجودنا سبحان ربي الأعلى» .

وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: وفد حضرمي بن عامر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتقرأ شيئاً من القرآن؟

فقرأ ﴿ سبح اسم ربك لأعلى، الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، والذي أمتن على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى بين شغاف وحشا ﴾ .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزيدنّ فيها فإنها شافية كافية» .

أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما أنزلت ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ [ الواقعة: 74] «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقل: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة فقيل له: أتزيد في القرآن قال: لا إنما أمرنا بشيء فقلته.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقرأ ﴿ سبحان اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.

قال: كذلك هي قراءة أبيّ بن كعب.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبدالله بن الزبير أنه قرأ ﴿ سبح ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه كان يقرؤها كذلك ويقول: من قرأها فليقل سبحان ربي الأعلى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والذي قدر فهدى ﴾ قال: هدى الإِنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم ﴿ والذي أخرج المرعى ﴾ قال: النبات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجعله غثاء ﴾ قال: هشيماً ﴿ أحوى ﴾ قال: متغيراً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ قال: الغثاء الشيء البالي ﴿ وأحوى ﴾ قال: أصفر وأخضر وأبيض ثم ييبس حتى يكون يابساً بعد خضرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ قال: غثاء السيل، و ﴿ أحوى ﴾ قال: أسود.

قوله: تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ الآيات.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يزمل من ثقل الوحي حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن يغشى قلبه فينسى، فقال له جبريل: لم تفعل ذلك؟

قال مخافة أن أنسى.

فأنزل الله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نسي آيات من القرآن ليس بحلال ولا حرام، ثم قال له جبريل: إنه لم ينزل على نبي قبلك إلا نسي وإلا رفع بعضه، وذلك أن موسى أهبط الله عليه ثلاثة عشر سفراً، فلما ألقى الألواح انكسرت وكانت من زمرد فذهب أربعة أسفار وبقي تسعة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينساه فقيل له: كفيناك ذلك ونزلت ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ .

وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ قال: الوسوسة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ قال: ما أخفيت في نفسك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ قال: للخير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ﴾ قال: والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره، ولا يتنكب عبد هذا الذكر زهداً فيه وبغضاً له ولأهله إلا شقي بين الأشقياء.

قوله: تعالى: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية.

أخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله ﴿ وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من الشرك ﴿ وذكر اسم ربه ﴾ قال: وحد الله ﴿ فصلى ﴾ قال: الصلوات الخمس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من قال لا إله إلا الله.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من قال لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من آمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من أكثر الاستغفار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: بعمل صالح.

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في سننه بسند ضعيف عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ وفي لفظ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ فقال: هي زكاة الفطر» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد ﴿ وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: خرج إلى العيد فصلى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: زكاة الفطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه أن عبدالله بن عمر كان يقدم صدقة الفطر حين يغدو ثم يغدو وهو يتلو ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج الطبراني عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية قال: إلقاء القمح قبل الصلاة يوم الفطر في المصلى.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: نزلت في صدقة الفطر، تزكي ثم تصلي.

وأخرج ابن جرير عن أبي خلدة رضي الله عنه قال: دخلت على أبي العالية فقال لي إذا غدوت غداً إلى العيد فمر بي.

قال: فمررت به، فقال: هل طعمت شيئاً.

قلت: نعم.

قال: فأخبرني ما فعلت زكاتك؟

قلت: قد وجهتها.

قال: إنما أردتك لهذا.

ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أدى زكاة الفطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أدى صدقة الفطر ثم خرج فصلى بعدما أدى.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: قدم الزكاة ما استطعت يوم الفطر ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أرأيت قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ للفطر!

قال: لم أسمع بذلك، ولكن الزكاة كلها، ثم عاودته فيها فقال لي: والصدقات كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ يعني من ماله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من أرضى خالقه من ماله.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: تزكى رجل من ماله، وتزكى رجل من خلقه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: رحم الله امرأ تصدق ثم صلى ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية ولفظ ابن أبي شيبة من استطاع أن يقدم بين يدي صلاته صدقة فليفعل.

فإن الله يقول، وذكر الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: لو أن الذي تصدق بالصدقة صلى ركعتين ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية.

وأخرج زيد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا خرج أحدكم يريد الصلاة فلا عليه أن يتصدق بشيء لأن الله يقول: ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من رضخ.

أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فلما بلغ ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم.

فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل وقال: ﴿ بل يؤثرون ﴾ بالياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ قال: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله ﴿ والآخرة خير ﴾ في الخير ﴿ وأبقى ﴾ في البقاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ قال: يعني هذه الأمة، وإنكم ستؤثرون الحياة الدنيا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله ردت عليها وقال الله كذبتم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يلقى الله أحد بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا دخل الجنة ما لم يخلط معها غيرها، رددها ثلاثاً قال قائل من قاصية الناس: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: وما يخلط معها غيرها؟

قال: حب الدنيا وأثرة لها وجمعا لها ورضا بها وعمل الجبارين» .

وأخرج أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» .

وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن موسى بن يسار رضي الله عنه أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها» .

وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .

أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي كلها في صحف إبراهيم وموسى» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، ولفظ سعيد: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى، ولفظ ابن مردويه: وهذه السورة وقوله: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ [ النجم: 37] إلى آخر السورة من صحف إبراهيم وموسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ يقول: قصة هذه السورة في الصحف الأولى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون إن الآخرة خير وأبقى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ الآية قال: في الصحف الأولى إن الآخرة خير من الدنيا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: هو الآيات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: في كتب الله كلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟

قال مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان.

قلت يا رسول الله: فما كانت صحف إبراهيم؟

قال: أمثال كلها أيها الملك المتسلط المبتلي المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكر فيما صنع، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال، فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات واستجماعاً للقلوب وتفريغاً لها، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث مرمة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو تلذذ في غير محرم.

قلت يا رسول الله: فما كانت صحف موسى؟

قال: كانت عبراً كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالموت ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، ولمن أيقن بالقدر ثم ينصب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل.

قلت يا رسول الله: هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟

قال: يا أبا ذر نعم ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ » .

وأخرج البغوي في معجمه «عن عبد الرحمن بن أبي شبرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه فسأله عن أشياء فقال: يا رسول الله كم توتر؟

قال: بثلاث ركعات تقرأ فيها ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] » .

وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الحارث بن عبد المطلب قال: صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا المغرب فقرأ في الركعة الأولى ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ وفي الثانية: ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ قال عطاء: أحسن مَا خلق (١) (٢) وقال مقاتل: خلق لكل دَابة مَا يصلح لها من الخلق (٣) وقال أبو إسحق: خلق الإنسان مستويًا [["معاني القرآن وإعرابه": 5/ 315، وهذا القول من الزجاج على سبيل التمثيل، وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره، قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ == [الشمس: 7]، ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ البقرة: 29]، فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته، ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ  ﴾ وما يوجد من التفاوت، وعدم التسوية، فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق، فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع، فما عُدم منها فالعدم بإرادة الخالق بالتسوية، وذلك أمر عَدَمي يكفي فيها عدم الإبداع والتأثير، ففي قوله: ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ التفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية، كما أن الجهل، والصمم، والعمى، والخرس، والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلْقها وإيجادها، والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خلقه سبحانه في مرتبة خلقه، وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له.

قاله ابن قيم الجوزية في: "شفاء العليل": 118.]].

وعلى هذا معنى: "سوى" عَدّل قامته (٤) ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ ﴾ وقرئ بالتخفيف (٥) (٦) (٧) (٨) قال عطاء: قدر من النسل مَا أراد (٩) (١٠) ﴿ فَهَدَى ﴾ .

الذكر، والأنثى كيف يأتيها، وهو قول ابن عباس (١١) (١٢) (١٣) قال عطاء: مثل قوله: ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ (١٤) (١٥) واختاره صاحب النظم، قال: معنى هذا (١٦) (١٧) (١٨) وذكر مقاتل قولًا آخر فقال: هداه لمعيشته ومرعَاه (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال الفراء: قدر فهدى وأضل، واكتفى من ذكر الضلال بالهدى (٢٣) (٢٤) قوله (تعالى) (٢٥) ﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾ أنبت العشب، وما ترعَاه السوائم.

﴿ فَجَعَلَهُ ﴾ (٢٦) ﴿ غُثَاءً ﴾ هشيما جافًا كالغثاء الذي تراه فوق السيل.

قال المبرد: الغثاء: مَا تحطم من يبس البقل يأتي به السيل فيقذفه على جانب الوادي (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ أَحْوَى ﴾ .

فيه وجهان أحدهما: أنه من نعت الغثاء، والمعنى فجعله يابسًا أسود بعد الخضرة.

قال عطاء: يريد بعد الخضرة والحسن صَار متغيرًا إلى السواد (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ربع الخمائل في الدرين الأسود (٣٧) وذكر أبو عبيدة (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) ﴿ أَحْوَى ﴾ في موضع نصب حال من المرعى، المعنى: الذي أخرج المرعى أحوى، أي أخضر يضرب إلى الحوَّهَ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً ﴾ ، وأحوى على هذا صفة للمرعى، والمعنى أسودّ من الري لشدة الخضرة كقوله: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ  ﴾ ، وقد مر (٤٥) لَمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ...

وفي اللثَّاتِ (٤٦) (٤٧) (قوله تعالى) (٤٨) ﴿ سَنُقْرِئُكَ ﴾ (٤٩) ﴿ فَلَا تَنْسَى ﴾ ما تقرأه.

والمعنى: نجعلك قارئًا للقرآن تقرأه فلا تنساه.

قال أبو إسحق: أعلم الله أنه سيجعل للنبي -  - آية يتبين له بها الفَضْيلة (٥٠) (٥١) (٥٢) وقال مجاهد (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦)  - إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسَانه، مخافة أن ينسى، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم (٥٧) ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾ أي سنعلمك فتحفظه، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى (٥٨) ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ (٥٩) قوله (تعالى) (٦٠) ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ (٦١) قال عطاء عن ابن عباس: إلا مَا شاء الله أن ينسيَك (٦٢) (٦٣) (٦٤) ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا  ﴾ ، والإنساء (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) وقال الكلبي - ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ استثناء منه، وله الاستثناء في كل شيء، ولم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا (٦٩) (٧٠) ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ (٧١) (٧٢) قال أبو إسحق: إلا مَا شاء الله، ثم يَذْكُره بعد (٧٣) يعني أنه قد ينسى مَا شاء الله، ثم يَذْكُر بعد ما قد نسيه، ولا ينسى نسيانًا كليًا.

وقوله (٧٤) (٧٥) ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ ﴾ أي من القول، والفعل (٧٦) ﴿ وَمَا يَخْفَى ﴾ منهما.

والمعنى يعلم العلانية، والسر.

وهذا يتصل بما قبله على معنى يعلم ما تجهر به يا محمد مما تقرؤه على جبريل، ويعلم ما تخفيه في نفسك من القراءة مخافة النسيان (٧٧) وكثير من المفسرين (٧٨) ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾ وقوله (٧٩) (٨٠) ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ قال عطاء: نيسرك يا محمد في جميع أمورك لليسرى (٨١) وقال مقاتل: نهون عليك عمل الجنة (٨٢) (٨٣) وروي عن ابن مسعود أنه قال: اليسرى الجنة (٨٤) وذُكر قولان آخران: أحدهما: نهون عليك الوحي، وتحفظه، وتعمله (٨٥) (٨٦) (١) ورد قوله في: "شفاء العليل" في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل: لابن قيم الجوزية: 117 - 118، وإحسان خلقه يتضمن تسويته، وتناسب خلقه وأجزائه؛ بحيث لم يحصل فيها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال، فالخلق: الإيجاد، والتسوية: إتقانه وإحسان خلْقه، قاله ابن قيم الجوزية: "شفاء العليل": 118.

(٢) "معالم التنزيل": 4/ 475، بنحوه، "روح المعاني": 30/ 104، "شفاء العليل": 118 وورد غير معزو في "لباب التأويل": 4/ 369.

(٣) لم أعثر على قوله في تفسيره، ولا غيره من كتب التفسير، وقد ورد في: "شفاء العليل": 118.

(٤) ما مضى من الأقوال داخله في المرتبة الأولى من مراتب الهداية، وهي الهداية العامة؛ هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، المتضمنة أربعة أمور عامة وهي: الخلق، التسوية، التقدير، الهداية: "شفاء العليل": 117.

(٥) قرأ بذلك: الكسائي وحده: "قدَرَ" خفيفاً، وقرأ الباقون: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ ﴾ مشددة.

انظر: كتاب "السبعة": 680، "القراءات وعلل النحويين فيها": 2/ 767، و"الحجة": 6/ 398، "المبسوط": 405، "النشر": 2/ 399، "الوافي": 379.

(٦) أي قَدَر، وقَدِّر.

فكلا الوجهين حسن.

قاله أبو علي: "الحجة": 6/ 398.

(٧) في: ع: ذكرنا.

(٨) المواضع التي ذكر فيها ﴿ قُدِرَ ﴾ : سورة فصلت: 10: قال تعالى: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ﴾ : سورة المدثر: 18 - 20 قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾.

(٩) "شفاء العليل": 118، بإضافة: ثم هدى الذكر للأنثى.

(١٠) "تفسير مقاتل": 237/ ب، "شفاء العليل": 118، وانظر "الوسيط": 3/ 470 وعزاه إلى المفسرين.

(١١) "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 15، "شفاء العليل": 118.

(١٢) "الكشف والبيان": ج: 13: 77/ أ، "معالم التنزيل": 4/ 475، "المحرر الوجيز": 5/ 469 بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 15، "شفاء العليل": 118.

(١٣) ساقط من: أ.

(١٤) سورة طه: 50.

(١٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٦) في: ع: هذي.

(١٧) في: ع: معرفة.

(١٨) "الوسيط": 4/ 470، "شفاء العليل": 118.

(١٩) "شفاء العليل": 118، "التفسير الكبير": 31/ 140 من غير عزو، ولم أعثر على قوله في تفسيره.

(٢٠) بياض في: ع.

(٢١) ورد معنى قوله في: "تفسير الإمام مجاهد": 722، "جامع البيان": 30/ 152، "الكشف والبيان" -ج: 13: 77/ أ، "النكت والعيون": 6/ 252، وبمثل قوله ورد في "معالم التنزيل": 4/ 475، "زاد المسير": 8/ 228، "التفسير الكبير": 31/ 140 من غير عزو، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 15 بنحوه، "تفسير القرآن العظيم": 4/ 534 بمعناه، "الدر المنثور": 8/ 482 وعزاه أيضًا إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر "شفاء العليل": 118.

(٢٢) ورد معنى قوله في "معالم التنزيل": 4/ 475، "زاد المسير": 8/ 228، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 26، "روح المعاني": 30/ 104، "شفاء العليل": 118.

(٢٣) في: أ: الهدا.

(٢٤) "معاني القرآن": 3/ 256 بنصه.

والآية أعم من هذا كله، وأضعف الأقوال فيها قول الفراء، إذ المراد: هاهنا: الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، وليس المراد به الإيمان والضلال بمشيئة، وهو نظير قوله: ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ طه: 50، فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج، والهداية: التعليم، والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه، وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية، فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله: ناطقه، وبهيمة، وطيره، ودوابه، فصيحه، وأعجمه، وكذلك قول من قال: إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضًا، وهو فردٌ واحدٌ من أفراد الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت، والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه.

قاله ابن قيم الجوزية "شفاء العليل": 119.

وقال الشيخ السعدي: وهذه هي الهداية العامة التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته.

تيسير الكريم الرحمن: 5/ 403.

(٢٥) بياض من: ع: 5 (٢٦) ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾ .

(٢٧) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في الكامل، قال: فالغثاء ما يَبسَ من البقل حتى يصير حُطاماً، وينتهي في اليبس فيسودّ، فيقال له: غثاء، وهشيم، ودِنْدِن، وثن على قدر اختلاف أجناسه: 1/ 113.

(٢٨) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢٩) "تفسير مقاتل": 237/ ب.

(٣٠) في: أ: قوله.

(٣١) ساقط من: ع.

(٣٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٤) ورد معنى قوله في "تفسير مقاتل": 237/ ب.

(٣٥) وإلى معنى هذا ذهب قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وابن عباس.

"تفسير عبد الرزاق": 2/ 367 "جامع البيان": 30/ 153.

== وإليه ذهب ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن": 524، وانظر: "معالم التنزيل": 4/ 476، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 17، "لباب التأويل": 4/ 370.

كما ذهب إلى ذلك الفراء في "معاني القرآن": 3/ 256، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن": 2/ 295 (٣٦) لم أعثر على قائله.

(٣٧) لم أعثر على مصادر له.

(٣٨) غثاء أحوى (٣٩) "معاني القرآن": 3/ 256، وذكر الوجهين أيضًا، وقال: الأحوى الذي قد أسودّ عن العتق، ويكون أيضًا أخرج المرعى أحوى فجعلة غثاء، فيكون مؤخراً معناه التقديم.

(٤٠) "الكامل": 1/ 305، واستدل في الآية لمن قال في السواد، ثم قال: وإنما سمي السواد سواداً لعِمارتِهِ، وكل خضرة عند العرب سواد.

(٤١) "معاني القرآن وإعرابه": 5/ 315.

(٤٢) ما بين القوسين ساقط من: أ.

(٤٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤٤) ومما جاء في تفسير قوله: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ : قال أبو عبيدة: في خضرتهما قد اسودتا == من الري، قال أبو إسحق: وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى السواد، ومعنى الدهمة في كلام العرب السواد.

قال الليث: أدهام الزرع إذ علاه السواد رياً.

قال ابن عباس: شديد الخضرة إلى السواد.

وقال الكلبي: خضراوان قد كلاهما سواد من شدة الخضرة والري، والأصل في ذلك أن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، سمت العرب الأخضر أسود، والأسود أخضر.

والوجه الثاني: رده الطبري، قال: وهذا القول، وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات، قد تسميه العرب أسود، غير صواب عندي، بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير إذ لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأما وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير.

"جامع البيان" - 30/ 153.

(٤٥) في: أ: الثات.

(٤٦) ورد البيت في ديوانه: 1/ 32، "تهذيب اللغة": 5/ 293: مادة: (حوى)، "لسان العرب": 1/ 507: مادة: (شنب)، "النكت والعيون": 6/ 253، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 17، وقد نسبه إلى الأعشى وهو خطأ، "فتح القدير": 5/ 423، "روح المعاني": 30/ 104، "البحر المحيط": 8/ 457، ومعنى البيت قال الأزهري: والحوَّه في الشفاه شبيه باللمى واللمس، براوية "لمس" بدلاً من "لعس"، والشنب: اختلفوا فيه، قال بعضهم: هو تحزيز أطراف الأسنان، وقيل: هو صفاؤها ونقاؤها، وقيل: هو تفليجها، وقيل: هو طيب نكهتها.

انظر "تهذيب اللغة": 5/ 293: مادة: (حوى)، "لسان العرب": 1/ 507: مادة: (شنب).

(٤٧) ساقط من: ع.

(٤٨) ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾ .

(٤٩) الفضيلة: هكذا وردت في "معاني القرآن وإعرابه": مخطوط: 29/ ب، ووردت في المطبوع الفضلية: 5: 315، ولعله خطأ مطبعي.

(٥٠) "معاني القرآن وإعرابه": 5/ 315 - 316 بتصرف.

(٥١) وعن قتادة قال: كان الله ينسى نبيه -  - ما يشاء، وعنه أيضًا كان -  - لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله.

انظر "تفسير عبد الرزاق": 2/ 367، "جامع البيان": 30/ 154، "الكشف والبيان": ج 13: 77/ أ، "النكت والعيون": 6/ 253، "المحرر الوجيز": 5/ 469، "البحر المحيط": 8/ 458.

(٥٢) "الكشف والبيان": ج 13: 77/ أ، "معالم التنزيل": 4/ 476، "التفسير الكبير".

31/ 142، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 18، "لباب التأويل": 4/ 370 من غير عزو، "فتح القدير": 5/ 424.

(٥٣) "تفسير مقاتل": 237/ ب، "التفسير الكبير": 31/ 142، وورد بمثله من غير نسبة في "لباب التأويل": 4/ 370.

(٥٤) المرجعان السابقان، بإضافة: الكشف ج: 13: 77/ أ، "معالم التنزيل": 4/ 476، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 18، "فتح القدير": 5/ 424.

(٥٥) ساقط من: أ.

(٥٦) بياض في: ع.

(٥٧) قوله أن يقضي: بياض في: ع.

(٥٨) بياض في: ع.

(٥٩) ساقط من: ع.

(٦٠) ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ .

(٦١) "البحر المحيط": 8/ 458 - 459، "الدر المنثور": 8/ 483، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(٦٢) "التفسير الكبير": 31/ 143، والذي ورد عنه في تفسيره: 237/ ب قال: يعني ما شاء الله فينسخها وباتي بخير منها.

(٦٣) في: أ: حكمته.

(٦٤) في: أ: الإنسان.

(٦٥) "النكت والعيون": 6/ 253، "المحرر الوجيز": 5/ 469، "زاد المسير": 8/ 229، "البحر المحيط": 8/ 458، وانظر "تفسير الحسن البصري": 2/ 412.

(٦٦) المراجع السابقة عدا تفسير الحسن.

(٦٧) ما بين القوسين ساقط من: أ.

(٦٨) ورد معنى قوله في "التفسير الكبير": 31/ 142.

(٦٩) من قوله: واختار إلى شيئا: كرر في نسخه: أ.

(٧٠) سورة هود: 107 - 108.

(٧١) "معاني القرآن": 3/ 256 بنحوه.

وفيه الحالف التمام.

(٧٢) "معاني القرآن وإعرابه": 5/ 316 مختصرًا.

(٧٣) في: أ: قوله.

(٧٤) ساقط من: ع.

(٧٥) هذا من قول الثعلبي في "الكشف والبيان": ج 13: 77/ ب.

(٧٦) ورد هذا القول في "الكشف والبيان": ج 13: 77/ ب.

(٧٧) منهم قتادة، قال: الوسوسة.

"تفسير عبد الرزاق": 2/ 367، ولم أعثر على غيره ممن قال بذلك.

وذهب إلى القول بعموم معنى الآية: الطبري في "جامع البيان": 30/ 154، وسعيد بن جبير كما في "الدر المنثور": 8/ 484، والشوكاني في "فتح القدير": 5/ 424.

(٧٨) في: أ: قوله.

(٧٩) ساقط من: ع.

(٨٠) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨١) "معالم التنزيل": 4/ 476، "فتح القدير": 5/ 424.

(٨٢) "النكت والعيون": 6/ 254، "معالم التنزيل": 4/ 476، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 19، "الدر المنثور": 8/ 484، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.

(٨٣) "النكت والعيون": 6/ 254، "التفسير الكبير": 31/ 144، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 19.

(٨٤) تعمله: كررت في نسخه: أ.

(٨٥) "فتح القدير": 5/ 424، وبمثله من غير عزو ورد في "معالم التنزيل": 4/ 476، == "التفسير الكبير": 31/ 144، "الجامع لأحكام القرآن": 20/ 19.

(٨٦) ورد هذا القول من غير عزو في المراجع السابقة، وقال الشوكاني: الأولى حمل الآية على العموم أي: نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك.

"فتح القدير": 5/ 424.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذي خَلَقَ فسوى ﴾ حذف مفعول خلق وسوّى لقصد الإجمال الذي يفيد العموم والمراد خلق كل شيء فسوّاه، أي اتقن خلقته وانظر ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ [الانفطار: 7] ﴿ والذي قَدَّرَ فهدى ﴾ قدّر بالتشديد يحتمل أن يكون من القدر والقضاء، أو من التقدير، والموازنة بين الأشياء، وقرأ الكسائي بالتخفيف فيحتمل أن يكون من القدرة أو للتقدير، وحذف المفعول ليفيد العموم.

فإن كان من التقدير فالمعنى: قدّر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به، وقيل: هدى الناس للخير والشر والبهائم للمراتع، وهذه الأقوال أمثلة والأول أعم وأرجح، فإن هداية الإنسان وسائر الحيوانات إلى مصالحها باب واسع فيه عجائب وغرائب، وقال الفراء: المعنى هدى وأضلّ، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى وهذا بعيد ﴿ والذي أَخْرَجَ المرعى * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى ﴾ المرعى هو النبات الذي ترعاه البهائم، والغثاء هو النبات اليابس المحتطم، وأحوى معناه أسود وهو صفة لغثاء، والمعنى أن الله أخرج المرعى أخضر فجعله بعد خضرته غثاء أسود، لأن الغثاء إذا قدم تعفن واسودّ، وقيل: إن أحوى حال من المرعى، ومعناه: الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وتقديره: الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، وفي هذا القول تكلف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسوّى ﴾ وجميع آياتها مثل " طه " وكذلك في سورة و " الشمس " و " الليل" و " الضحى " و " اقرأ باسم ربك " من قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى ﴾ إلى آخر السورة.

﴿ قدر ﴾ بالتخفيف: علي ﴿ بل يؤثرون ﴾ على الغيبة: قتيبة وأبو عمرو ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الأعلى ﴾ ه لا ﴿ فسوّى ﴾ ه ص ﴿ فهدى ﴾ ه ك ﴿ المرعى ﴾ ه ك ﴿ أحوى ﴾ ه ط ﴿ فلا تنسى ﴾ ه لا ﴿ الله ﴾ ط ﴿ يخفى ﴾ ج ه للعدول.

وقيل: قوله ﴿ ونيسرك ﴾ معطوف على ﴿ سنقرئك ﴾ وقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ اعتراض فلا وقف ﴿ لليسرى ﴾ ه ك والوصل أليق ﴿ الذكرى ﴾ ه ج ﴿ يخشى ﴾ ه لا ﴿ الأشقى ﴾ ه لا ﴿ الكبرى ﴾ ج ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ ولا يحيا ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ تزكى ﴾ ه لا ﴿ فصلى ﴾ ه ط لأن " بل " للإضراب ﴿ الدنيا ﴾ ه بناء على أن الواو للاستئناف أو الحال أوجه ﴿ وأبقى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ وموسى ﴾ ه.

التفسير: روي أن النبي  كان يحب هذه السورة.

وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد ويتعرفون بركتها.

وعن عقبة بن عامر أنه قال: "لما نزل قوله ﴿ فسبح باسم ربك العظيم  ﴾ قال لنا رسول الله  : اجعلوها في ركوعكم.

ولما نزل قوله ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم" .

ومن الناس من تمسك بالآية في أن الاسم نفس المسمى لأن التسبيح أي التنزيه إنما يكون للمسمى لا للاسم.

وأجاب المحققون عنه بأن الاسم صلة كقوله: " ثم اسم السلام عليكما ".

سلمنا أنه غير صلة ولكن تسبيح اسمه تنزيهه عما لا يليق معناه بذاته  أو صفاته أو بأفعاله أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من هذه، ومن جملة ذلك أن يصان اسمه عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم, وأن لا يسمى غيره بأسمائه الحسنى، وأن لا يطلق عليه من الأسامي إلا ما ورد به الإذن الشرعي.

قال بعض العلماء: لعل الذين نقل عنهم أن الاسم نفس المسمى أرادوا به أن الاسم الذي حدّوه بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان هو نفس مدلول هذا الحد.

قال الفراء لا فرق بين ﴿ سبح اسم ربك ﴾ وبين " سبح باسم ربك".

واعترض عليه بأن الفرق هو أن الأول معناه نزه الاسم من السوء، والثاني معناه سبح الله أي نزهه بسبب ذكر أسمائه العظام، أو متلبساً بذكره إلا أن تجعل الباء صلة في الثاني نحو ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو مضمرة في الأول مثل ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أي من قومه.

نعم لو زعم الفراء أن المعنيين متلازمان جاز.

ومن الملاحدة من طعن في القرآن بأن يقتضي أن يكون للعالم ربان أحدهما عظيم وهو في قوله ﴿ فسبح باسم ربك العظيم  ﴾ والآخر أعلى منه وهو ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ والجواب أنه عظيم في نفسه وأعلى وأجل من جميع الممكنات، والصفة كاشفة لا مميزة ونظيره وصفه بالكبير تارة وبالأكبر أخرى.

والمراد بالعظم والعلو عظم الشرف وعلو القدر فلا استدلال فيه للمشبهة.

ثم شرع في بعض أوصافه الكمالية فقال ﴿ الذي خلق فسوّى ﴾ وقد مر نظيره في " الانفطار" أي خلق الإنسان فجعله منتصب القامة في أحسن تقويم، أو خلق كل حيوان بل كل ممكن فجعله مستعدّاً للكمال اللائق بحاله.

﴿ والذي قدر ﴾ لكل مخلوق ما يصلح له فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به كما يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله أن تمسح العين بورق الرازيانج الرطب فتطلبه إلى أن تجده فيعود بصرها، وإلهامات البهائم والطيور مشروحة مكتوبة في كتب العجائب.

وقال الحكيم: كل مزاج فإنه مستعدّ لقوة خاصة، وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين فالتقدير عبارةعن التصرف في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعدّ لقبول تلك القوى، والهداية عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوّة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة.

وقد خصه بعض المفسرين فقال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.

وقال غيره: هداه لمعيشته ومرعاه.

وقيل: هداه لسبيل الخير والشر.

وقال السدّي: قدر مدة مكث الجنين في الرحم ثم هداه للخروج.

وقال الفراء: قدّر فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وقيل: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان أي قدّر دعاء الكل إلى الإيمان فدعاهم إليه كقوله ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ وقيل: دلهم بأفعاله على توحيده وكبريائه " ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد" ومن جملة ذلك إخراج المرعى وهو الكلأ الأخضر، ثم جعله غثاء وهو مات يبس من النبات فحملته الأهوية وطيرته الرياح.

والظاهر أن أحوى صفة للغثاء.

والحوّة السواد، فالعشب إذا يبس واستولى البرد عليه جعل يضرب إلى السواد، وقد يحتمله السيل فيلصق به أجزاء كدرة.

وقال الفراء وأبو عيبدة: الأحوى هو الأسود لشدّة خضرته وعلى هذا يكون حالاً من ضمير ﴿ المرعى ﴾ أي صيره في حال حوّته غثاء.

وقال جار الله: هو حال من ﴿ المرعى ﴾ أي أخرجه أسود من الخضرة والري فجعله غثاء وحين أمره بالتسبيح بشره وشرفه بإيتاء آية باهرة وهي أن يقرأ عليه جبرائيل ما يقرأ من الوحي الذي هو أشرف أنواع الذكر فيحفظه لا ينساه إلا ما شاء الله أن ينساه وهو أحد طريقي النسخ.

فقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان النبي  إذا نزل عليه القرآن كثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى فقيل له: لا تعجل بالقراءة فإن جبرائيل مأمور بأن يكرر عليك إلى أن تحفظه نظيره ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه  ﴾ وعلى هذا يجوز أن يراد بالتعليم والإقراء شرح الصدر وتقوية الحفظ بحيث يبقى القرآن محفوظاً له من غير دراسة، ومع أنه أمي فيكون إعجازاً.

وعن بعضهم أن قوله ﴿ فلا تنسى ﴾ نهي لا خبر، والألف مزيدة للفاصلة نحو ﴿ الظنونا  ﴾ و ﴿ السبيلا  ﴾ وضعف بأن الزيادة خلاف الأصل فلا يصار إليها إلا لدليل ظاهر.

وأما إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية البشارة بأنا جعلناك بحيث لا تنسى، وإن جعلناه نهياً كان أمراً بالمواظبة على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة والبحث فلا يكون من البشارة في شيء.

وأيضاً النسيان لا يتعلق بقدرة العبد فيلزم أن يحمل النهي عنه على الأمر بالأسباب المانعة منه وهو خلاف الظاهر، أما الاستثناء ففيه قولان: الأول أنه ليس على حقيقته، فقد روي عن الكلبي أنه  لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً.

وعلى هذا فالمقصود من الاستثناء إما نفي النسيان رأساً كما تستعمل القلة في معنى العدم، وإما التبرك بذكر هذه الكلمة وتعليم العباد أن لايتركوها في كل ما يخبرون عنه، وفيه أنه  قادر على إنسائه إلا أنه لا ينسيه بفضله وإحسانه، وفيه لطف للنبي  أن يكون متيقظاً مبالغاً دراسة ما ينزل عليه من الوحي قليلاً كان أو كثيراً، فإن كل جزء من أجزائه يحتمل أن يكون هو المستثنى.

الثاني أنه حقيقة.

ثم حمله مقاتل على النسخ كما مر.

وقال الزجاج: أراد إلا أن يشاء الله فتنساه ثم تذكره بعد النسيان كما روي أنه أسقط في قراءته آية في الصلاة فحسب أبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها.

وقيل: أريد القلة والندرة لا في الواجبات فإنه يورث الخلل في الشرع ولكن في غيرها.

ثم علل حسن النسخ بقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ وإذا كان كذلك كان وضع الحكم ورفعه واقعاً بحسب مصالح المكلفين.

وقيل: أراد أنك تجهر بقراءتك مع قراءة جبرائيل مخافة النسيان والله يعلم ما في نفسك من الحرص على تحفظ الوحي، فلا تفعل فأنا أكفيك ما تخافه.

ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره أي توفيقه للطريقة التي هي أيسر وهي حفظ القرآن والشريعة السهلة السمحة.

وعن ابن مسعود: هي الجنة يعني العمل المؤدي إليها.

والعبارة المشهورة أن يقال: جعل الفعل الفلاني ميسراً لفلان وإنما عكس الترتيب في الآية لدقيقة هي أن الفاعل ما لم يوجد فيه قابلية لصدور الفعل عنه امتنع حصوله منه وهذا معنى قوله  " "كل ميسر لما خلق له" وفي الآية دلالة على أنه  فتح عليه من أبواب قبول الفيض ما لم يفتحه على غيره حتى صار يتيم أبي طالب قدوة للعالمين وهادياً للخلائق أجمعين كما قال ﴿ فذكر إن نفعت الذكرى ﴾ وإن لم تنفع فحذفت إحدى القرينتين للعلم بها كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وهو بناء على الإغلب فإن التذكير إنما يكون غالباً إذا كان رجاء التذكر حاصلاً كقوله ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً  ﴾ وفيه حث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تسمع وتقبل، ويكون مراده البعث على السماع والقبول.

أو تنبيه للنبي  على أن الذكرى لا تنفعهم كما يقال للرجل: أدع فلاناً إن أجابك.

والمعنى ما أراه يجيبك.

ووجه آخر وهو أن تذكير العالم واجب في أوّل الأمر.

وأما التكرير فالضابط فيه هو العرف فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا أردفه بالشرط.

قيل: التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلاً بعواقب الأمور.

والجواب أن أمر الدعوة والبعثة مبنيّ على الظواهر لا على الخفيات.

وروي في الكتب أنه  كان يقول لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى  ﴾ وأنا أشهد أنه لا يتذكر أو يخشى.

وإنما سمى الوعظ بالتذكير لأن حسن هذا الدين مركوز في العقول ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها  ﴾ فكأن هذا العلم كان حاصلاً في نفسه بالقوّة ثم زال عنها بالعوائق والغواشي، وعند بعض العقلاء أن النفوس قبل تعلقها بالأبدان عالمة بما لها أن تعلم إلا أنها نسيتها لاشتغالها بتدبير البدن، ومن هنا قال أفلاطون: لست أعلمكم ما كنتم تجهلون ولكن أذكركم ما كنتم تعلمون.

ثم إنه  بين أن المنتفع بالتذكير من هو فقال ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ قال في التفسير الكبير: إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته، والمتردد فيه، والجاحد له.

والفريقان الأوّلان ينتفعان بالتذكير والتخويف، وكثير من المعاندين إنما يجحدون باللسان فقط، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ والمعرض نادر وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فلهذا وجب تعميم التذكير.

قلت: هذا خلاف القرآن حيث قال ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين  ﴾ وقال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين  ﴾ وخلاف الحديث حيث قال  في بعث النار " من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" وخلاف المعقول فإنه لو سلم أن قسمين من الأقسام الثلاثة ينتفعان بالتذكير وينضم إليه من القسم الثالث بعض آخر فقد لا يلزم أن يكون الثاني أقل من المجموع المفروض لجواز اختلاف الأقسام، بل السبب في تعميم التذكير انتفاع المنتفعين به وهم أهل الخشية أعني العلماء بالله وإلزام الحجة لغيرهم.

والسين في ﴿ سيذكر ﴾ إما لمجرّد الإطماع فإن " سوف " من الله واجب، وإما لأن التذكير متراخ عن التذكير غالباً لتخلل زمان النظر والتأمل بينهما غالباً.

قيل: نزلت الآية في عثمان بن عفان.

وقيل: في أبن أم مكتوم.

ونزل في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة قوله ﴿ ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ﴾ أي السفلى من أطباق النار.

وعن الحسن: النار الكبرى نار جهنم والصغرى نار الدنيا.

فالأشقى هو الكافر على الإطلاق، وذلك أن الكافر أشقى من الفاسق.

ولا يلزم من تخصيص ذكر الكافر بدخول النار أن لا يدخلها الفاسق، وسبب تخصيص الكافر بالذكر أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية فيكون القرآن مسكوتاً عن الشقي الذي هو أهل الفسق، ويحتمل أن يكون الأشقى بمعنى الشقي كقوله ﴿ وهو أهون عليه  ﴾ أي هين فيدخل فيه الفاسق لأنه يجتنب بوجه من الوجوه.

وقوله ﴿ ثم لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ قد مر تفسيره في " طه ".

ومعنى " ثم " تراخى الرتبة لأن هذا النوع من الحياة أفظع من نفس الدخول في النار.

ثم ذكر وعد السعداء بعد وعيد الأشقياء.

ومعنى ﴿ تزكى ﴾ تطهر من أدناس الشرك والمعاصي والعقائد الفاسدة ﴿ وذكر اسم ربه ﴾ بالتوحيد والإخلاص ﴿ فصلى ﴾ أي اشتغل بالخدمة والطاعة حتى يكون كاملاً بحسب قوّته النظرية والعملية بعد تخليته لوح الضمير عن النقوش الفاسدة.

وقال الزجاج: تزكى أي تكثر من التقوى وأصله من الزكاء النماء فيكون تفصيله قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] إلى آخر الآيات.

وفي أوّل البقرة إلى قوله ﴿ هم المفلحون  ﴾ وقال مقاتل: تزكى من الزكاة كتصدّق من الصدقة والمعنى: قد أفلح من تصدّق من ماله وذكر ربه بالتوحيد والصلاة فصلى له.

وخصه قوم بصلاة العيد وصدقة الفطرة أي أفلح من تصدّق قبل خروجه إلى المصلى، وذكر اسم ربه في طريق المصلى أو عند تكبيرة الافتتاح فصلى العيد وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمرو وعلي.

وقد روي مرفوعاً إلى النبي  وضعف بأنه خلاف ما ورد في مواضع أخر من القرآن من تقديم الصلاة على الزكاة.

والجواب إنما ورد هكذا لأن زكاة الفطر مقدّمة على صلاته.

واعترض الثعلبي بأن السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر.

وأجاب الواحدي بأنه لا يمتنع أن يقال لما كان في معلوم الله  أن يكون ذلك أثنى على من فعل ذلك.

استدل على بعض الفقهاء بالآية على وجوب تكبيرة الافتتاح، واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بها على أن التكبيرة الأولى ليست من صلب الصلاة العطف الصلاة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه.

وأجيب بما روي عن ابن عباس أن المراد ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له وبأنه قد يقال " أكرمتني فزرتني " وبالعكس من غير فرق.

وقد يزيف هذا الجواب الثاني بأنه خلاف الظاهر وبأن خصوصية المادة ملغاة فلا يلزم من عدم الفرق في المثال المضروب عدم الفرق فيما يتعلق به حكم شرعي.

ثم وبخهم بقوله ﴿ بل تؤثرون ﴾ إلى آخره.

ثم بين أن ما في السورة من التوحيد والنبوّة والوعيد والوعد كانت ثابتة في صحف الأنبياء الأقدمين لأنها قواعد كلية لا تتغير بتغير الأزمان فهو كقوله ﴿ وإنه لفي زبر الأوّلين  ﴾ وقيل: المشار إليه بهذا هو قوله ﴿ بل تؤثرون ﴾ الآية لأنه أقرب المذكورات، ولأن حاصل جميع الكتب السماوية الزجر عن الدنيا والإقبال على الآخرة.

قال في الكشاف: روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله  : كم أنزل الله من كتاب؟

قال " مائة وأربعة كتب منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان" " فتقدير الآية إن هذا لفي الصحف الأولى التي منها صحف إبراهيم وموسى.

قالوا: في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه الله  حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ قيل فيه من أوجه: أحدها: أن سبح ربك.

وقيل: سبح اسمه.

وقيل: سبح ربك بأسمائه.

فمن قال: سبح ربك، فمعناه: أن نزهه عن جميع المعاني التي يحتملها غيره من الآفات والحاجات والأضداد والأنداد، فيكون القول به توحيدا.

وروي عن مقاتل بن سليمان أنه قال: وحد ربك، وتوحيده ما ذكرنا.

وقال بعض المفسرين: تأويله: أن صل لربك؛ وهذا محتمل؛ لأن الصلاة بنفسها تسبيح؛ لأنه بالافتتاح يقطع وجوه المعاملات بينه وبين الخلق، ويمنع نفسه عن حوائجها؛ فيجعلها لله  ، وهذاهو التوحيد والإيمان؛ لأنه بالإيمان يجعل الأشياء كلها لله  سالمة؛ فصارت الصلاة تسبيحا لعينها، لا للتسبيح المجعول فيها.

ومن حمل التسبيح على الاسم، فقال: نزه اسمه، فذلك يرجع إلى الأسماء الذاتية، [و]هو ألا يشرك غيره فيسميه بها، والأسماء الذاتية قوله: الله الذي لا إله غيره الرحمن، وما أشبهه من الأسماء، وتنزيهه للأسماء الصفاتية: أن ينزهها عن المعاني التي استوجب الخلق الوصف به، كقولك: عالم، حكيم، رحيم، مجيد؛ فمن وصف بالعلم من الخلائق فإنما استوجب الوصف به بأغيار دخلن فيه، واستوجب الوصف بالحكمة والوصف بالمدح بالأغيار، والله -  - استحق الوصف به بذاته، لا بأغيار، فينصرف التنزيه إلى الأغيار؛ إذ صفاته ليست بأغيار للذات؛ وهي لا تفارق الذات، فالامتداح الواقع بالصفات امتداح بالذات الموصوف بها، والله الموفق.

وقال بعضهم: معناه: سبح بالحمد والثناء؛ وهو يرجع إلى ما ذكرنا من التأويل الأول، وهو أن يحمده بالثناء الذي يتضمن التوحيد والتنزيه عن معاني الخلق.

من قال: سبح ربك بأسمائه؛ فهذا ظاهر، وهو أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأسماءه معروفة، لا نحتاج إلى إظهارها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ ظاهره يقتضي أن يكون هناك أدون وأسفل، وكذلك قول: "الله أكبر" ظاهره يقتضي الأصغر، ولكن معنى قوله: ﴿ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ أي: هو أعلى من أن تمسه حاجة أو تلحقه آفة، وكذلك هذا في الأكبر، ويكون الأكبر والأعلى في النهاية عن تنزيه المعاني التي ذكرنا، وهو كقولك: هو أحسن وأجمل، فإذا قلت: أحسن وأجمل، أردت به النهاية في الحسن والجمال.

أو يكون ﴿ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ بمعنى: العلي و"الأكبر" بمعنى: الكبير، وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن يكون سواه على ما قدره، خلافا لأفعال الخلق؛ لأن الفعل من الخلق يخرج مرة سويا على [ما] قدر، ومرة بخلافه.

أو يكون سوى الخلق كله في دلالة وحدانيته وشهادة ربوبيته، فما من خلق خلقه إلا إذا تفكر فيه العاقل، دلت خلقته على معرفة الصانع، ووحدانية الرب.

أو سواه على ما فيه مصلحته ومنفعته.

أو سواه على ما له خلق؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أمر بالركوع والسجود خلقه من وجه يتمكن من الركوع والسجود؛ فهذا معنى قولنا: إنه سواه على ما له خلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: هداه إلى ما أحوجه إليه، فهدى العبد [إلى] معيشته من أين يأخذها؟

وهدى كل دابة إلى رزقها وعيشها، فعرفت كل دابة رزقها.

أو يكون قوله: ﴿ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: هدى به.

أو تكون الهداية منصرفة إلى أمر الدين، وذلك يرجع إلى الخصوص من الخلق الذين لهم عقول مميزة؛ فيكون معناه: هدى فيمن هدى.

وطعنت المعتزلة علينا بهذه الآية، فقالت: إن الله -  - يقول: ﴿ قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ ، وأنتم تقولون: قدر فأضل؛ ولكن هذا التحقيق يرجع إليهم؛ لأنهم يحملون تأويل الهداية على البيان، وإذا كان كذلك وقد بين الله  سبيل الهدى وسبيل الضلال جميعا، فإذن قد أضله؛ حيث بين له سبيل الضلال على قولهم.

ثم ليس في قوله: ﴿ قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ نفي الإضلال؛ إذ التخصيص بالذكر لا يدل على نفى ذلك عما عداه؛ فلم يجب قطع الحكم على ما ذكروه، وقد ذكره في موضع آخر المكرمين بالهدى؛ فقال: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ؛ فثبت أن الهدى راجع إلى الخصوص؛ فقوله: ﴿ قَدَّرَ ﴾ ، أي: قدر لخلقه معايشهم، وهداهم وجه أخذ المعيشة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴾ : في هذه الآية تعريف الرب الأعلى؛ كأنه يقول: الرب الأعلى: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ ﴾ .

ثم ذكر هذه الأشياء التي يعرف انقضاؤها وبدؤها وإنشاؤها وإهلاكها من المرعى وغيره؛ لأن وجه الدلالة بمعرفة الصانع بالأشياء التي يعرف بدؤها وانقضاؤها وحدوثها.

وفناؤها أقرب منه بالأشياء التي لم يشهد الخلق بدءها ولا انقضاءها، وهي السماوات والأرضون؛ إذ المرء يصل إلى وحدانية الرب ومعرفة الصانع بالأشياء التي تحدث وتتغير بأدنى نظر وتأمل، ولا يصل إلى ذلك فيما يدوم إلا بلطائف الفكر، وفضر بصر، وزيادة تأمل.

وجائز ا، يكون خص المرعى بالذكر؛ لما بالمراعي قوام هذا الخلق؛ لأنه لا بد للبشر من الدواب والأنعام؛ للتعيش، والدواب حياتها بالمراعي؛ فكان قوام الخلق في التحصيل بإخراج المراعي، فذكرهم هذا؛ ليستأدي منهم الشكر؛ إذا كانت الدواب لم تنشأ لأنفسها، وإنما أنشئت للخلق؛ ليتمتعوا بها، ثم الله -  - بفضله أنشأ للدواب مراعي، وقدر لها أوقاتها، ولم يضيعها، فكيف يضيع هذا الخلق، وهم الذين قصد إليهم من خلق هذا العالم، فلا يرزقهم، ويخرجهم من تدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴾ قيل: الغثاء: اليابس الذي تحمله السيول والأمطار ﴿ أَحْوَىٰ ﴾ أي: أسود من قدمهز وقيل: الأحوى: هو الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وهو على التقديم والتأخير؛ أي: جعله غثاء بعدما كان أحوى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الَّذي خلق الانسان سويًّا، وعدل قامته.

<div class="verse-tafsir" id="91.yM9wq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى  ﴾ .

اسم الله في مثل هذه الآية هو ما يعرف به، والله إنما يعرف لنا بصفاته، فلا تعرفه أذهاننا إلا بأنه العالم القادر الحكيم إلى آخر ما دلنا عليه النظر في خلقه، وهدانا إليه الوجدان السليم في وصفه.

وهذا هو الاسم الذي يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام في قراءة من قرأ في سورة الرحمن: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الجَلَاِل وَالإِكْرَامِ  ﴾ .

والاسم بهذا المعنى -(ما يعرف به المسمى)- هو الوجه في قوله تعالى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ  ﴾ .

فإن الوجه يعرف به صاحبه، بل لا يكاد يعرف صاحب الوجه إلا بوجهه، والاسم بهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلِّهَا  ﴾ أي رسوم الأشياء وما تعرف الأشياء به.

فاسم الله هو ما يمكن لأذهاننا أن تتوجه إليه به.

والله يأمرنا بتسبيح هذا الاسم، أي تنزيهه عن أن يكون فيه ما لا يليق به من شبه المخلوقات، أو ظهوره في واحد منها بعينه.

أو اتخاذه شريكًا أو ولدًا أو ما ينحو هذا النحو، فلا توجه عقولنا إليه إلا بأنه خالق كل شيء، المحيط علمه بدقائق الموجودات.

كما قال ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  ﴾ فعلينا أن نعرفه بأنه خلق الكائنات وأوجدها وسواها، أي وضع خلقها على نظام كامل لا تفاوت فيه ولا اضطراب، كما تراه فيما يظهر لك من خلق السموات والأرض.

وأنه ﴿ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى  ﴾ ، أي قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه وهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع بما فيه منفعة له ووجه الهرب مما يخشى غائلته.

وأنه ﴿ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى  ﴾ ، أي أنبت النبات جميعه، وما من نبت ينبت إلا وهو يصلح أن يكون مرعى لحيوان ما من الأجناس الحية.

ثم بعد أن أنبت النبات ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى  ﴾ والغثاء هو الهشيم، أو الهالك البالي، والأحوى الذي يميل لونه إلى السواد.

ذكر بعد الخلق التسوية، وبعد تقرير المصالح وتحديدها الهداية، والتسوية والهداية كمالان للخلق والتقدير، وأتبع إخراج المرعى بجعله غثاء أحوى، وجعله غثاء إنما هو إفناؤه وإماتته وإزالة الحياة عنه.

وكان يلوح للذهن أن يعقب إخراج النبات بذكر كمال من كمالات وجوده: كالنضرة والخضرة والترعرع وما أشبه ذلك..

جاء الأسلوب على هذا الوجه لأن الخلق الأول عام في الأجسام الفانية وفي العوالم الباقية: كعوالم ما وراء هذه الخليقة الدنيا، فكله من خلقه، وكله قد سواه ووضعه على أكمل نظام في الدنيا وفيما وراءها.

والتقدير لمصالح الأحياء عام شامل لما للإنسان -بل ولما لغيره- من عالم الملك ونحوه.

فتلك العوالم الروحية حياة، ولحياتها شؤون مقدرة قدرها مبدعها.

وهداية الإنسان إنما هي لروحه الباقية التي لا تفنى، وكذلك هداية الأرواح العالية من سكان تلك العوالم التي لا نعرف منها إلا ما هدانا إليه الوحي، وقليلًا ما أرشدنا إليه العقل، هداية باق إلى شئون باقية إلى أن يشاء الله، فحق أن يتبع الخلق بالتسوية التي لا تفارقه ولا نهاية لها، وتقدير المصالح لكل حي بالهداية التي منها ما لا نهاية له كهداية الإنسان وما يشبهه.

أما النبات فإنما يعقب نموه وبلوغه الغاية منه اليبس والجفاف وصيرورته هشيمًا باليًا.

وهو في هذه الحالة لا يخلو من المنفعة فإنه قد يكون طعامًا لكثير من أنواع الحيوان، وهو هشيم متغير اللون، فكأنه قال الذي أحكم كل شيء صنعه: ما يبقى وما يفنى.

فنحن مأمورون أن نعرف الله جل شأنه بأنه القادر العالم الحكيم الذي شهدت بصفاته هذه آثاره في خلقه التي ذكرها في وصف نفسه في قوله ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  ﴾ إلخ، وأن لا ندخل في هذه الصفات معنى مما لا يليق به كما أدخل الملحدون الذين اتخذوا من دونه شركاء له أو عرفوه بما يشبه به خلقه.

وإنما توجه إلينا الأمر بتسبيح الاسم دون تسبيح الذات ليرشدنا إلى أن مبلغ جهدنا ومنتهى ما تصل إليه عقولنا أن نعرف الصفات بما يدل عليها، أما الذات فهي أعلى وأرفع من أن تتوجه عقولنا إليها إلا بما نلحظ من هذه الصفات التي تقوم عليها الدلائل، وترشد إليها الآيات، لهذا أمرنا بتسبيح اسمه تكليفًا لنا بما يسعه طوقنا.

والله أعلم.

بعد أن أمر الله نبيه بتسبيح اسمه، وعلم أمته المأمورة بأمر الله له كيف يمكنها أن تعرف الاسم الذي تسبحه -على نحو ما ذكرنا- وعد نبيه  بأنه سيقرئه من كتابه ما فيه تنزيه الله وتبيين ما أوجب أن يعرف من صفاته وما فيه تشريع لأحكامه، ووعده بأن ما يقرئه إياه لا ينساه فقال ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى  ﴾ أي سننزل عليك كتابًا تقرأه ولا تنسى منه شيئًا بعد نزوله عليك.

ولما كان الوعد على وجه التأبيد، واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع تغييره، وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه، جاء بالاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ .

فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئًا لم يعجزه ذلك، فالقصد هو إلى نفي النسيان رأسًا.

وقالوا إن ذلك -كما يقول الرجل لصاحبه "أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله"- لا يقصد استثناء شيء.

وهو من استعمال القلة في معنى النفي.

وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  ﴾ .

أي غير مقطوع.

فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب، وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع.

وما ورد من أنه  نسي شيئًا كان يذكره، فذلك -إن صح- فهو في غير ما أنزل الله عليه من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها.

وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله، فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة  ، ويؤمن بكتاب الله، أن يتعلق بشيء من ذلك.

ويقول ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى  ﴾ تأكيد للوعد مع الاستثناء، أي أن الذي وعدك بأن سيقرئك وأنه سيحفظك ما تقرأ فلا تنساه، عالم بالجهر والسر فلا يفوته شيء مما يكون في نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك وخافي سرك، وفي قدرته أن يحفظ عليك ما وهبك وإن كان ذلك من خفيات روحك، ولو شاء لسلبه ولن تستطيع دفعه لأنك لا تستطيع أن تخفي عنه شيئًا.

ولما كان في الوعد بالإقراء الوعد بتشريع الأحكام كما ذكرنا -وقد يكون في الأحكام ما يصعب على المخاطبين احتماله- أردف ذلك الوعد بما يزيده حلاوة في ذوق النفس فقال: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى  ﴾ : أي نوفقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها ولا يصعب على العقول فهمها.

بعدما وعده بذلك الفضل العظيم، أخذ يأمره بتذكير عباده وتنبيههم من غفلاتهم، وتوجيههم إلى ما هو خير لهم من تنزيه اسم الله تعالى والاستعداد لامتثال أوامره والتزام أحكامه، فقال ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى  ﴾ وأشار بقوله ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى  ﴾ إلى ما عليه حال أهل الباطل القائمين على ما ورثوا عن آبائهم، وإلى جمودهم وصلابة جهلهم، وأن الذكرى ربما لا تنجح فيهم.

قالوا "وذلك كما تقول للواعظ عظ المكارين إن سمعوا منك".

وليس الشرط قيدًا في الأمر، فقد أجمع أهل الدين -سلفهم وخلفهم- على أن الأمر بالتذكير عام، نفعت الذكرى أم لم تنفع.

وعمله  شاهد على ذلك.

ولذلك أردف هذا الأمر بقوله ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى  ﴾ فالذكرى نافعة حتمًا في فريق من الناس، وهو الذي يخشى الله ويخشى عاقبة الجحود والعناد مع ظهور الدليل ووضوح وجه الحق، وإنما يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها الأشقى الذي غلبه شقاؤه، وحق عليه الخذلان بإعراضه عن النور الساطع والبرهان القاطع، وهذا الفريق -الذي لا يخلو منه زمن- سيلقى من الله جزاءه، كما قال ﴿ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى  ﴾ وصف النار بالكبرى لأنها نار تلك الدار الآخرة، وهي أشد إيلامًا لمن يعذبون بها من هذه النار التي نعرفها، فتلك أكبر من هذه.

ثم إن من شقي ولقي عذابه بتلك النار يخلد فيها، لا ينقطع عذابه عند غاية، ولا يجد لآلامه نهاية، فهو لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة فيسعد، فنفي الحياة لا يناقض نفي الموت، لأن الحياة المنفية هي الحياة التي يرغب فيها ويتمنى صاحبها أن تدوم.

وحياة المعذب بتلك النار الكبرى ممقوتة ند صاحبها يتمنى لو فقدها في لحظة تمر عليه، فكأنها ليست بحياة.

إياك أن تنخدع بما يقوله أولئك الذين يلبسون لباس العلماء، ويزعمون مزاعم السفهاء من أنه لا يجب عليهم التذكير ولا النصح العام لعامة المسلمين، لأن التذكير لا ينفع، والنصح لا ينجع، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إَنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى  ﴾ فقيد الأمر بالنفع، فإن ذلك منهم ضلال وتضليل، لأن الشرط إنما ذكر لما بيناه.

ولو صدق قولهم لما وجب التذكير في وقت من الأوقات، لأنه لا يخلو زمان من معاندين، ولا يسلم قائل من جاحدين.

وقد يعرف بعضهم أنه إنما ينطق عن هوى، ولكنه يدافع عن جهله، ويحتج لكسله وجبنه، ويحب أن يزين نفسه في أعين الناس، وإن أوقعها في سخط الله.

بعد أن وصل وعيد الأشقياء بذكرهم عاد إلى وعد أهل الخشية بالفلاح، فقال ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى  ﴾ .

وتزكى: تطهر من دنس الرذائل، ورأسها جحود الحق، وقسوة القلب.

والفلاح الفوز والسعادة في الدارين.

وإنما يناله من طهرت نفسه، وزكا سره، وصفا قلبه ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  ﴾ ، أي لاحظ بسره ما يعرف من ربه بأن يحضر في قلبه صفاته العلية فخشع، فصلى ههنا بمعنى خشع ولجا إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ وقد يكون مع الخشوع صلاة من الصلوات المكتوبة أو جميعها، وإنما عبر عن الخشوع بالصلاة لأنه لبها والمقصود منها، وهي بدونه شبح بلا روح.

يقول السامعون لهذا الوعد الكريم - ممن قست قوبهم، ولم يأخذوا من العبادات إلا بصورها، وظنوا أن ذلك غاية ما يطالب الله به عباده -نحن المتطهرون، ونحن الذاكرون، ونحن المصلون، فنحن المفلحون...

فيرد الله قولهم وينفي زعمهم بإثبات أنهم كاذبون وفي زعمهم واهمون، ويحتج عليهم بقوله: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  ﴾ .

ولو صح قولكم لآثرتم الآخرة وهي خير وأبقى.

وإيثار الحياة الدنيا تقديم ملاذها والاشتغال بها والإنفاق فيها مع الانصراف عما يعد السعادة في الدار الآخرة.

أراد الله أن يؤيد الحق الذي يوحيه إلى نبيه بإثبات أنه هو بعينه الحق الذي ذكر في صحف إبراهيم وموسى: فدين الله واحد، وأمره واحد، ووعده ووعيده واحد، وإنما تختلف صوره، وتتعدد مظاهره.

فإذا كان المخاطبون قد آمنوا بإبراهيم أو بموسى فعليهم أن يؤمنوا بمحمد  لأنه لم يأت إلا بما جاء في صحفهم، وإنما هو مذكر أو محي لما مات من شرعهم.

والإشارة في هذا إلى ما تضمنه قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى  وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله