الإسلام > القرآن > سور > سورة 91 الشمس > الآية ١٤ من سورة الشمس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة الشمس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
قال الله : ( فكذبوه فعقروها ) أي : كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ، ( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أي : غضب عليهم ، فدمر عليهم ، ( فسواها ) أي : فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء .
قال قتادة : بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وأنثاهم ، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنوبهم فسواها .
وقوله: ( فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ) يقول: فكذّبوا صالحا في خبره الذي أخبرهم به، من أن الله الذي جعل شِرْبَ الناقة يوما، ولهم شِرْبُ يوم معلوم، وأن الله يُحِلّ بهم نقمته، إن هم عقروها، كما وصفهم جلّ ثناؤه فقال: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ، وقد يُحتمل أن يكون التكذيب بالعقْر.
وإذا كان ذلك كذلك، جاز تقديم التكذيب قبل العقر، والعقر قبل التكذيب، وذلك أن كلّ فعل وقع عن سبب حَسُنَ ابتداؤه قبل السبب وبعده، كقول القائل: أعطيت فأحسنت، وأحسنت فأعطيت؛ لأن الإعطاء هو الإحسان، ومن الإحسان الإعطاء، وكذلك لو كان العقر هو سبب التكذيب، جاز تقديم أيّ ذلك شاء المتكلم.
وقد زعم بعضهم أن قوله: ( فَكَذَّبُوهُ ) كلمة مكتفية بنفسها، وأن قوله: ( فَعَقَرُوهَا ) جواب لقوله: ( إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ) كأنه قيل: إذ انبعث أشقاها فعقرها، فقال: وكيف قيل ( فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ) وقد كان القوم قبل قتل الناقة مُسَلِّمين، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم آخر.
قيل: جاء الخبر أنهم بعد تسليمهم ذلك أجمعوا على منعها الشرب، ورضوا بقتلها، وعن رضا جميعهم قَتَلها قاتِلُها، وعقَرَها من عقرها ولذلك نُسب التكذيب والعقر إلى جميعهم، فقال جلّ ثناؤه: ( فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ).
وقوله: ( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ) يقول تعالى ذكره: فدمَّر عليهم ربهم بذنبهم ذلك، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله صالحا، وعقرهم ناقته ( فَسَوَّاهَا ) يقول: فسوّى الدمدمة عليهم جميعهم، فلم يُفْلِت منهم أحد.
كما حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ) ذُكر لنا أن أحيمر ثَمود أبى أن يعقرها، حتى بايعه صغيرُهم وكبيرُهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسوّاها.
حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا قُتيبة، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت الحسن يقول: لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبل، فقطع الله قلوبهم.
فكذبوه أي كذبوا صالحا - عليه السلام - في قوله لهم : " إنكم تعذبون إن عقرتموها " .فعقروها أي عقرها الأشقى .
وأضيف إلى الكل ; لأنهم رضوا بفعله .
وقال قتادة : ذكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم ، ذكرهم وأنثاهم .
وقال الفراء : عقرها اثنان : والعرب تقول : هذان أفضل الناس ، وهذان خير الناس ، وهذه المرأة أشقى القوم فلهذا لم يقل : أشقياها .قوله تعالى : فدمدم عليهم ربهم بذنبهم أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب والعقر .
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : دمدم عليهم قال : دمر عليهم ربهم بذنبهم أي بجرمهم .
وقال الفراء : دمدم أي أرجف .
وحقيقة الدمدمة تضعيف [ ص: 71 ] العذاب وترديده .
ويقال : دممت على الشيء أي أطبقت عليه ، ودمم عليه القبر : أطبقه .
وناقة مدومة : ألبسها الشحم .
فإذا كررت الإطباق قلت : دمدمت .
والدمدمة : إهلاك باستئصال قاله المؤرج .
وفي الصحاح : ودمدمت الشيء : إذا ألزقته بالأرض وطحطحته .
ودمدم الله عليهم : أي أهلكهم .
القشيري : وقيل دمدمت على الميت التراب : أي سويت عليه .
فقوله : فدمدم عليهم أي أهلكهم ، فجعلهم تحت التراب .فسواها أي سوى عليهم الأرض .
وعلى الأول فسواها أي فسوى الدمدمة والإهلاك عليهم .
وذلك أن الصيحة أهلكتهم ، فأتت على صغيرهم وكبيرهم .وقال ابن الأنباري : دمدم أي غضب .
والدمدمة : الكلام الذي يزعج الرجل .
وقال بعض اللغويين : الدمدمة : الإدامة تقول العرب : ناقة مدمدمة أي سمينة .وقيل : فسواها أي فسوى الأمة في إنزال العذاب بهم ، صغيرهم وكبيرهم ، وضيعهم وشريفهم ، وذكرهم وأنثاهم .
وقرأ ابن الزبير ( فدهدم ) وهما ، لغتان كما يقال : امتقع لونه وانتقع .
{ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ } أي: دمر عليهم وعمهم بعقابه، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم، والرجفة من تحتهم، فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعيًا ولا مجيبا.{ فَسَوَّاهَا } عليهم أي: سوى بينهم بالعقوبة
( فكذبوه ) يعني صالحا ، ( فعقروها ) يعني الناقة .
( فدمدم عليهم ربهم ) قال عطاء ومقاتل : فدمر عليهم ربهم فأهلكهم .
قال المؤرج : الدمدمة إهلاك باستئصال .
( بذنبهم ) بتكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة ، ( فسواها ) فسوى الدمدمة عليهم جميعا ، وعمهم بها فلم يفلت منهم أحد .
وقال الفراء : سوى الأمة وأنزل العذاب بصغيرها وكبيرها ، يعني سوى بينهم .
«فكذبوه» في قوله ذلك عن الله المرتب عليه نزول العذاب بهم إن خالفوه «فعقروها» قتلوها ليسلم لهم ماء شربها «فدمدم» أطبق «عليهم ربهم» العذاب «بذنبهم فسواها» أي الدمدمة عليهم، أي عمهم بها فلم يفلت منهم أحد.
كذَّبت ثمود نبيها ببلوغها الغاية في العصيان، إذ نهض أكثر القبيلة شقاوة لعقر الناقة، فقال لهم رسول الله صالح عليه السلام: احذروا أن تمسوا الناقة بسوء؛ فإنها آية أرسلها الله إليكم، تدل على صدق نبيكم، واحذروا أن تعتدوا على سقيها، فإن لها شِرْب يوم ولكم شِرْب يوم معلوم.
فشق عليهم ذلك، فكذبوه فيما توعَّدهم به فنحروها، فأطبق عليهم ربهم العقوبة بجرمهم، فجعلها عليهم على السواء فلم يُفْلِت منهم أحد.
ولا يخاف- جلت قدرته- تبعة ما أنزله بهم من شديد العقاب.
وقوله - سبحانه - : ( فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ) بيان لموقفهم السيئ من تحذير نبيهم لهم ، ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب هذا التكذيب .وقوله : ( فَدَمْدَمَ ) - بزنة فعلل - بمعنى تضعيف العذاب وترديده ، يقال : دمدمت على الشئ ، أى : أطبقت عليه ، ودمدم عليه القبر ، أى : أطبقه عليه .أى : فكذبت قوم صالح نبيهم ، وأصروا على هذا التكذيب ، وتجاوزوا ذلك إلى عقر الناقة التى نهاهم عن مسها بسوء .
.
فكانت نتيجة ذلك ، أن أهلكهم الله - تعالى - وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فقد أطبق عليهم الأرض ، وسواها من فوقهم جميعا دون أن يفلت منهم أحد ، وصاروا كلهم تحت ترابها ، ونجى - سبحانه - صالحا ومن آمن معه .
بفضله ورحمته .
ثم بين تعالى أن القوم لم يمتنعوا عن تكذيب صالح، وعن عقر الناقة بسبب العذاب الذي أنذرهم الله تعالى به وهو المراد بقوله: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ﴾ ثم يجوز أن يكون المباشر للعقر واحداً وهو قدار، فيضاف الفعل إليه بالمباشرة، كما قال: فتعاطى فعقر ويضاف الفعل إلى الجماعة لرضاهم بما فعل ذلك الواحد.
قال قتادة: ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، وهو قول أكثر المفسرين.
وقال الفراء: قيل إنهما كانا إثنين.
أما قوله تعالى: ﴿ فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴾ فاعلم أن في الدمدمة وجوهاً أحدها: قال الزجاج: معنى دمدم أطبق عليهم العذاب، يقال: دمدمت على الشيء إذا أطبقت عليه، ويقال: ناقة مدمومة، أي قد ألبسها الشحم، فإذا كررت الإطباق قلت دمدمت عليه.
قال الواحدي: الدم في اللغة اللطخ، ويقال للشيء السمين: كأنما دم بالشحم دماً، فجعل الزجاج دمدم من هذا الحرف على التضعيف نحو كبكبوا وبابه، فعلى هذا معنى دمدم عليهم، أطبق عليهم العذاب وعمهم كالشيء الذي يلطخ به من جميع الجوانب الوجه الثاني: تقول للشيء: يدفن دمدمت عليه، أي سويت عليه، فيجوز أن يكون معنى فدمدم عليهم، فسوى عليهم الأرض بأن أهلكهم فجعلهم تحت التراب الوجه الثالث: قال ابن الأنباري: دمدم غضب، والدمدمة الكلام الذي يزعج الرجل.
ورابعها: دمدم عليهم أرجف الأرض بهم رواه ثعلب عن ابن الأعرابي، وهو قول الفراء، أما قوله: ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ يحتمل وجهين، وذلك لأنا إن فسرنا الدمدمة بالإطباق والعموم، كان معنى ﴿ فسوى ﴾ الدمدمة عليهم وعمهم بها، وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل عليه السلام، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعاً، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وإن فسرناها بالتسوية، كان المراد فسوى عليهم الأرض.
أما قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
الباء في ﴿ بِطَغْوَاهَا ﴾ مثلها في: كتبت بالقلم.
والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واواً في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزيا وصديا، يعني: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرءته على الله.
وقيل: كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى كقوله: ﴿ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية ﴾ [الحاقة: 5] ، وقرأ الحسن: ﴿ بطغواها ﴾ بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر ﴿ إِذِ انبعث ﴾ منصوب بكذبت.
أو بالطغوى.
و ﴿ أشقاها ﴾ قدار بن سالف.
ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم.
والضمير في ﴿ لَهُمْ ﴾ يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى العقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ.
و ﴿ نَاقَةَ الله ﴾ نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبي الصبي، بإضمار: ذروا أو أحذروا عقرها ﴿ وسقياها ﴾ فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا ﴿ فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ ﴾ فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشحم ﴿ بِذَنبِهِمْ ﴾ بسبب ذنبهم.
وفيه إنذار عظيم بعاقبه الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ الضمير للدمدمة، أي: فسوّاها بينهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها (15) ﴾ أي: عاقبتها وتبعتها؛ كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء.
ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض.
أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها.
وفي مصاحف أهل المدينة والشأم: فلا يخاف.
وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يخف.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدّق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» .
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فِيما حَذَّرَهم مِنهُ مِن حُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا.
﴿ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وهو مِن تَكْرِيرِ قَوْلِهِمْ ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ إذا ألْبَسَها الشَّحْمَ.
﴿ بِذَنْبِهِمْ ﴾ بِسَبَبِهِ.
﴿ فَسَوّاها ﴾ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ بَيْنَهم أوْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنهم صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ، أوْ ثَمُودُ بِالإهْلاكِ.
﴿ وَلا يَخافُ عُقْباها ﴾ أيْ عاقِبَةَ الدَّمْدَمَةِ أوْ عاقِبَةَ هَلاكِ ثَمُودَ وتَبِعَتَها فَيُبْقِي بَعْضَ الإبْقاءِ، والواوُ لِلْحالِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ فَلا عَلى العَطْفِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ والشَّمْسِ فَكَأنَّما تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ».»
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)
{فَكَذَّبُوهُ} فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا {فَعَقَرُوهَا} أي الناقة أسند الفعل إليهم وإن كان العاقر واحداً
لقوله فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر لرضاهم به {فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} أهلكهم هلاك استئصال {بِذَنبِهِمْ} بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة {فَسَوَّاهَا} فسوى الدمدمة عليهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ أيْ: في وعِيدِهِ إيّاهم كَما حُكِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فالتَّكْذِيبُ لِخَبَرٍ مُقَدَّرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِخَبَرٍ تَضَمَّنَهُ الأمْرُ التَّحْذِيرِيُّ السّابِقُ وهو الخَبَرُ بِحُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ما حَذَّرَهم مِنهُ وقِيلَ: إنَّ ما قالَهُ لَهم مِنَ الأمْرِ قالَهُ ناقِلًا لَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ، ومَآلُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: إنَّهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها ﴾ فالتَّكْذِيبُ لِذَلِكَ وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ ﴿ فَعَقَرُوها ﴾ أيْ: فَنَحَرُوها أوْ فَقَتَلُوها، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأشْقى وجَمْعُهُ عَلى تَقْدِيرِ وحْدَتِهِ لِرِضا الكُلِّ بِفِعْلِهِ.
قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم.
﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وقالُوا: دَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرَ؛ أيْ: أطْبَقَهُ وهو مِمّا تُكَرَّرُ فِيهِ الفاءُ، فَوَزْنُهُ فَعْفَلَ لا فَعْلَلَ مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ إذا لَبِسَها الشَّحْمُ وغَطّاها، وقالَ في القامُوسِ: مَعْناهُ أتَمَّ العَذابَ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُؤَرِّخٌ: الدَّمْدَمَةُ إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وفي الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ ألْزَقْتُهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتُهُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «فَدَهْدَمَ» بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ.
﴿ بِذَنْبِهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمُ المَحْكِيِّ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ الفاءِ عَلَيْهِ لِلْإنْذارِ بِعاقِبَةِ الذَّنْبِ لِيَعْتَبِرَ بِهِ كُلُّ مُذْنِبٍ.
﴿ فَسَوّاها ﴾ الضَّمِيرُ لِلدَّمْدَمَةِ المَفْهُومَةِ مِن دَمْدَمَ؛ أيْ: فَجَعَلَ الدَّمْدَمَةَ سَواءً بَيْنَهم أوْ جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً فَلَمْ يُفْلِتْ سُبْحانَهُ مِنهم أحَدًا لا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا أوْ هو لِثَمُودَ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ كَما في «طَغْواها وأشْقاها» والمَعْنى ما ذُكِرَ أيْضًا أوْ فَسَوّاها بِالأرْضِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها يعني: بطغيانهم، حملهم على ذلك التكذيب إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها يعني: إذا قام أشقى ثمود، وكلهم أشقياء في علم الله تعالى، وأشقاهم عاقر الناقة، وهو قدار بن سالف، ومصدع بن دهر فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ يعني: صالحاً ناقَةَ اللَّهِ يعني: احذروا ناقة الله وَسُقْياها يعني: لا تأخذوا سقياها، ومعناه ولا تعقروا ناقة الله، وذروا شربها.
وقد ذكرناه في سورة الأعراف فَكَذَّبُوهُ يعني: صالحاً بالعذاب فَعَقَرُوها يعني: فعقروا الناقة، ويقال: في الآية تقديم فعقروها، فخوفهم صالح بالعذاب، فكذبوه.
ثم قال عز وجل: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ يعني: أنزل عليهم ربهم عقوبة بِذَنْبِهِمْ والدَّمْدَمة، المبالغة في العقوبة والنكال.
ثم قال: فَسَوَّاها يعني: فسواها في الهلاك يعني: الصغير والكبير وَلا يَخافُ عُقْباها قرأ نافع، وابن عامر فلا يخاف بالفاء، والباقون بالواو.
فمن قرأ بالفاء، وصل الذي بعدها بالذي قبلها، وهو قوله فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ يعني: أطبق عليهم العذاب بذنبهم فَسَوَّاها يعني: فسوى الأرض عليهم، ولا يخاف عقبى هلكهم، ولا يقدر أن يرجعوا إلى السلامة.
ومن قرأ بالواو، فمعناه التقديم والتأخير، يعني: الذي عقرها، وهو لا يخاف عقبى عقرها.
ويقال: إن الله تعالى أهلكهم، ولم يخف ثأرها وعاقبتها على غير وجه التقديم.
وروى الضحاك، عن علي، عن النبيّ أنه قال لعلي : «أتَدْرِي مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ» ، قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: «عَاقِرُ النَّاقَةِ» فقال: «أتَدْرِي مَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «قَاتِلُكَ» .
والله أعلم.
يعودَ على الأَرْضِ، أو على الظُّلْمَةِ، وإنْ كان لم يَجْرِ لذلك ذِكْرٌ، فالمعنَى يقتضيه قاله الزجاج، و «جَلَّى» معناه كَشَفَ وضَوَى والفاعل ب «جَلَّى» على هذه التأويلاتِ النهارُ، ويحتمل أن يكونَ الفاعلَ اللَّهُ تعالى، كأنّه قال: والنهارِ، إذ جَلَّى اللَّهُ الشمسَ، فأقْسمَ بالنهار في أكملِ حالاتِه، و «يغْشَى» معناه: يُغَطِّي، والضميرُ للشمسِ على تجوُّزٍ في المعْنَى أو للأَرض.
وقوله تعالى: وَما بَناها وكلُّ ما بعدَه من نظائرِه في السورةِ يحتملُ أَن تَكُوْنَ «ما» فيه بمعنى الذي قاله أبو عبيدة، أي: ومَنْ بَناهَا، وهو قولُ الحسن ومجاهد، فيجيءُ القسمُ باللَّه تعالى «١» ، ويحتملُ أَنْ تَكُونَ مَا في جميعِ ذلك مصدرية قاله قتادةُ والمبردُ والزجاجُ، كأنَّه قالَ: والسماءِ وبنائِها «٢» ، و «طحا» بمعنى: دَحَا، ت: قال الهروي:
قوله تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها أي بَسَطَها فأوسَعَها، ويقال طَحَا بِه الأمْرُ أي اتَّسَعَ به في المَذْهَبِ، انتهى، والنفسُ التي أقْسَمَ بِها سبحانه اسْمُ جنسٍ، وتسويتُها إكمالُ عقلها ونظرها.
الثعلبيّ: وسَوَّاها أي: عدّل خلقها، انتهى.
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢)
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
وقوله سبحانه: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها أي: عرَّفَها طرق «٣» ذلكَ، وجَعَلَ لها قوةً يصحُّ معها اكتسابُ الفُجُور أو اكتسابُ التقوى، وجوابُ القَسَمِ في قوله: قَدْ أَفْلَحَ والتقديرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، زاد- ص-: وحُذِفَتْ اللامُ للطُولِ انتهى، والفاعلُ ب «زكى» يحتملُ أَن يكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قاله ابن عباس وغيره «٤» ، ويحتمل أن يكون الإنسان قاله
الحسن وغيره «١» ، وزَكَّاها أي طهّرها ونمّاها بالخيرات ودَسَّاها معناه: أخْفَاهَا وحَقَّرَها وصَغَّرَ قدْرَها بالمعاصِي والبخلِ بما يَجِبُ وأَصلُ «دَسَّى» : دَسَّسَ ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وَدَسَّسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فَأَصْبَحَت ...
حَلائِلُهُ مِنْهُ أَرامِلَ ضُيَّعَا «٢»
ت: قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: ومن عيوبِ النفس الشفقةُ عليها، والقيامُ بتَعَهُّدِها وتحصيلِ مآربِها، ومداواتُها الإعراضُ عَنْها وقلةُ الاشْتِغَالِ بها، كذلك سمعتُ جَدِّي يقول: مَنْ كَرُمَتْ عليه نفسهُ هَانَ عليه دينُه، انتهى من تأليفه في عيوب النفس، وروي: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآيةَ قال: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا» «٣» ، قال «صاحبُ الكَلِمُ الفَارِقِيَّةِ والْحِكَمِ الحقيقيَّةِ» : النفسُ الزكيَّةُ زِينَتُها نَزَاهَتُها، وعافيتُها عِفَّتُها، وطَهَارَتُها وَرَعُها، وغِنَاها ثِقَتُها بمولاها وعلمُها بأنَّه لا ينساها، انتهى، ولما ذَكَر تعالى خَيْبَة مَنْ دسَّى نفسَه ذكرَ فرقةً فَعَلَتْ ذلكَ ليعتبرَ بهم، وينتهى/ عن مثلِ فعلِهم، والطَّغْوَى: مصدرٌ وقال ابن عباس:
الطغوى هنا العذابُ.
كذَّبُوا به حتَّى نَزلَ بهِم ويؤيدُه قولُه تعالى: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ»
[الحاقة: ٥] وقال جمهورُ من المتأولين: الباءُ سببيةٌ والمعنى: كذّبت ثمود نبيّها بسبب طغيانها، وأَشْقاها: هو قدار بن سالف، وقد تقدم قصصُهم، ت:
وناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها قيل: نَصْبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ تقديرُه احْفَظُوا أو ذَرُوا، وقال- ص-:
ناقَةَ اللَّهِ الجمهورُ: بنصبِ ناقَةَ على التحذيرِ أي احذرُوا ناقةَ اللَّهِ، وهو مما يجبُ إضمارُ عامِله، انتهى، وفَدَمْدَمَ معناه أنْزَلَ العذابَ مُقَلْقِلاً لهمْ مكرَّراً ذلك، وهي الدَّمْدَمَةُ، الثعلبيُّ: قال مؤرج: الدمدمةُ أهلاكٌ باستئصالٍ، انتهى، وكذلكَ قال أبو حيانٍ «٥» ، وقال الهروي: قال الأزهريُّ: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي: أطبق عليهم العذاب، وقيل
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ أي: غَضِبَ عليهم، انتهى.
وقوله تعالى: فَسَوَّاها أي فَسَوَّى القبيلةَ في الهَلاَكِ لَم يَنْجُ مِنْهم أَحَدٌ، وقرأ نافع وابن عامر «١» : «فَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا» والمعنى: فَلاَ دَرَكَ عَلَى اللَّهِ تعالى في فعلهِ بهم وهذا قول ابن عباس والحسن «٢» ، ويحتملُ أنْ يكونَ الفاعل ب يَخافُ صالحا ع أي: لا يخاف عُقْبَى هذه الفعلةِ بهم إذ كَانَ قَدْ أنذَرهم، وقرأ الباقون: «ولاَ يَخَافُ» بالواوِ فَتَحْتَمِلُ الوجهينِ، وتحتملُ هذه القراءةُ وجْهاً ثالثاً: أنْ يكونَ الفاعلُ ب يَخافُ المنبعثَ قاله الزجاجُ والضحاكُ والسدي، وغيرُهم، وتكون الواوُ واوَ الحالِ، كأنّه قال: انْبَعَثَ لِعَقْرِهَا وهو لا يخاف عقبى فعله «٣» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها بِطُغْيانِها.
والمَعْنى: أنَّ الطُّغْيانَ حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ.
قالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِطَغْواها: طُغْيانَها، وهُما مَصْدَرانِ، إلّا أنَّ الطَّغْوى أشْكَلُ بِرُؤُوسِ الآياتِ، فاخْتِيرَ لِذَلِكَ.
وقِيلَ: كَذَّبُوا العَذابَ ﴿ إذِ انْبَعَثَ ﴾ أيِ: انْتَدَبَ ﴿ أشْقاها ﴾ وهُوَ: عاقِرُ النّاقَةِ لِعَقْرِها ﴿ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ وهو صالِحٌ ﴿ ناقَةَ اللَّهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ النّاقَةَ عَلى التَّحْذِيرِ، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ وشِرْبَها.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ " و " ذَرُوا " سَقَياها " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: سُقْياها: شُرْبُها مِنَ الماءِ.
والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِيَوْمِ شُرْبِها ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ في تَحْذِيرِهِ إيّاهُمُ العَذابَ بِعَقْرِها ﴿ فَعَقَرُوها ﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَقْرِ " في [الأعْرافِ: ٧٧] ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ.
يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: إذا أطْبَقْتَ فَكَرَّرْتَ الإطْباقَ.
وقالَ المُؤَرِّجُ: الدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَوّاها ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الإهْلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: سَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ صَغِيرَهُمْ، وكَبِيرَهم.
والثّانِي: سَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: سَوّى بُيُوتَهم عَلى قُبُورِهِمْ.
وكانُوا قَدْ حَفَرُوا قُبُورًا فاضْطَجَعُوا فِيها، فَلَمّا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا زُلْزِلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَخافُ عُقْباها ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، " فَلا يَخافُ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفَ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ، والكُوفَةِ، والبَصْرَةِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى: لا يَخافُ اللَّهُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً في إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْشى عُقْبى ما صَنَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي عَقَرَها، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخِفْ عُقْبى ما صَنَعَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ.
فَعَلى هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ لَمْ يَخَفْ عُقْباها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والشَمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ والقَمَرِ إذا تَلاها ﴾ ﴿ والنَهارِ إذا جَلاها ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا يَغْشاها ﴾ ﴿ والسَماءِ وما بَناها ﴾ ﴿ والأرْضِ وما طَحاها ﴾ ﴿ وَنَفْسٍ وما سَوّاها ﴾ ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ ﴿ وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ﴾ ﴿ إذِ انْبَعَثَ أشْقاها ﴾ ﴿ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها ﴾ ﴿ وَلا يَخافُ عُقْباها ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿ وَلا تَضْحى ﴾ ، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ.
والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو.
و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ.
واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿ جَلاها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ.
ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بَناها ﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها.
و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها ﴾ ...
الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها ﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و ﴿ زَكّاها ﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و ﴿ دَسّاها ﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ ﴾ ، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ.
و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ.
و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
﴿ دساها * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبعث أشقاها * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﴾ ﴿ وسقياها * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴾ .
إن كانت جملة ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ [الشمس: 9] الخ معترضة كانت هذه جواباً للقسم باعتبار ما فرع عليها بقوله: ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ﴾ أي حقاً لقد كان ذلك لِذلك، ولام الجواب محذوف تخفيفاً لاستطالة القسم، وقد مثلوا لحذف اللام بهذه الآية وهو نظير قوله تعالى: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ إلى قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ [البروج: 1 4].
والمقصود: التعريض بتهديد المشركين الذين كذّبوا الرسول طغياناً هم يعلمونه من أنفسهم كما كذبت ثمود رسولهم طغياناً، وذلك هو المحتاج إلى التأكيد بالقَسَم لأن المشركين لم يهتدوا إلى أن ما حل بثمود من الاستئصال كان لأجل تكذيبهم رسول الله إليهم، فنبههم الله بهذا ليتدبروا أو لتنزيل علم من علم ذلك منهم منزلة الإِنكار لعدم جَرْي أمرهم على موجَب العلم، فكأنه قيل: أقسم لَيصيبكم عذابٌ كما أصاب ثمود، ولقد أصاب المشركين عذاب السيف بأيدي الذين عادَوْهم وآذوهم وأخرجوهم، وذلك أقسى عليهم وأنكى.
فمفعول ﴿ كذبت ﴾ محذوف لدلالة قوله بعده: ﴿ فقال لهم رسول الله ﴾ والتقدير: كذبوا رسول الله.
وتقدم ذكْر ثمود ورسولهم صالح عليه السلام في سورة الأعراف.
وباء ﴿ بطغواها ﴾ للسببية، أي كانت طغواها سبب تكذيبهم رسول الله إليهم.
والطغوى: اسم مصدر يقال: طغا طَغْوا وطُغياناً، والطغيان: فرط الكِبر، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة البقرة (15)، وفيه تعريض بتنظير مشركي قريش في تكذيبهم بثمود في أن سبب تكذيبهم هو الطغيان والتكبر عن اتباع من لا يرون له فضلاً عليهم: ﴿ وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31].
و ﴿ إذْ ﴾ ظرف للزمن الماضي يتعلق ب ﴿ طغواها ﴾ لأن وقت انبعاث أشقاها لعقر الناقة هو الوقت الذي بدت فيه شدة طغواها فبعثوا أشقاهم لعقر الناقة التي جُعلت لهم آية وذلك منتهى الجُرأة.
و ﴿ انبعث ﴾ : مطاوع بَعَث، فالمعنى: إذ بعثوا أشقاهم فانبعث وانتدب لذلك.
و ﴿ إذ ﴾ مضاف إلى جملة: ﴿ انبعث أشقاها ﴾ .
وقدم ذكر هذا الظرف عن موقعه بعد قوله: ﴿ فقال لهم رسول الله ناقة الله ﴾ لأن انبعاث أشقاها لعقر الناقة جُزئي من جزئيات طغواهم فهو أشد تعلقاً بالتكذيب المسبب عن الطغوى ففي تقديمه قضاء لحق هذا الاتصال، ولإفادة أن انبعاث أشقاهم لعقر الناقة كان عن إغراء منهم إياه، ولا يفوت مع ذلك أنه وقع بعد أن قال لهم رسول الله ناقة الله، ويستفاد أيضاً من قوله: ﴿ فعقروها ﴾ .
و ﴿ أشقاها ﴾ : أشدها شِقوة، وعني به رجل منهم سماه المفسرون قُدار (بضم القاف وتخفيف الدال المهملة) بن سالف، وزيادته عليهم في الشقاوة بأنه الذي باشر الجريمة وإن كان عن ملإ منهم وإغراء.
والفاء من قوله: ﴿ فقال لهم رسول الله ﴾ عاطفة على ﴿ كذبت ﴾ فتفيد الترتيب والتعقيب كما هو الغالب فيها، ويَكون معنى الكلام: كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحداهم بآية الناقة وحذَّرهم من التعرض لها بسوء ومِن منعهم شربها في نوبتها من السُّقيا، وعطف على ﴿ فكذبوه ﴾ ، أي فيما أنذرهم به فعقروها بالتكذيب المذكور أول مرة غير التكذيب المذكور ثانياً.
وهذا يقتضي أن آية الناقة أرسلت لهم بعد أن كذبوا وهو الشأن في آيات الرسل، وهو ظاهر ما جاء في سورة هود.
ويجوز أن تكون الفاء للترتيب الذكري المجرد وهي تفيد عطف مفصل على مجمل مثل قوله تعالى: ﴿ فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ﴾ [البقرة: 36] فإن إزلالهما إبعادهما وهو يحصل بعد الإِخراج لا قبله.
وقوله: ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ [الأعراف: 4]، فيكون المعنى: كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها.
ثم فُصل ذلك بقوله: ﴿ فقال لهم رسول اللَّه ﴾ إلى قوله: ﴿ فعقروها ﴾ ، والعقر عند انبعاث أشقاها، وعليه فلا ضرورة إلى اعتبار الظرف وهو: ﴿ إذ انبعث أشقاها ﴾ مقدَّماً من تأخير.
وأعيدت عليهم ضمائر الجمع باعتبار أنهم جمع وإن كانت الضمائر قبله مراعىً فيها أن ثمود اسم قبيلة.
وانتصب ﴿ ناقة اللَّه ﴾ على التحذير، والتقدير: احذروا ناقة الله.
والمراد: التحذير من أن يؤذوها، فالكلام من تعليق الحكم بالذوات، والمرادُ: أحوالها.
وإضافة ﴿ ناقة ﴾ إلى اسم الجلالة لأنها آية جعلها الله على صدق رسالة صالح عليه السلام ولأن خروجها لهم كان خارقاً للعادة.
والسقيا: اسم مصدر سَقى، وهو معطوف على التحذير، أي احذروا سقيها، أي احذروا غصب سقيها، فالكلام على حذف مضاف، أو أطلق السقيا على الماء الذي تسقى منه إطلاقاً للمصدر على المفعول فيرجع إلى إضافة الحكم إلى الذات.
والمراد: حالة تعرف من المقام، فإن مادة سقيا تؤذن بأن المراد التحذير من أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم نوبتها.
والتكذيب المعقب به تحذيره إياهم بقوله: ﴿ ناقة اللَّه ﴾ ، تكذيب ثاننٍ وهو تكذيبهم بما اقتضاه التحذير من الوعيد.
والإِنذار بالعذاب إن لم يحذروا الاعتداء على تلك الناقة، وهو المصرح به في آية سورة الأعراف (73) في قوله: ﴿ ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
﴾ وبهذا الاعتبار استقام التعبير عن مقابلة التحذير بالتكذيب مع أن التحذير إنشاء، فالتكذيب إنما يتوجه إلى ما في التحذير من الإِنذار بالعذاب.
والعَقْر: جرح البعير في يديه ليبرك على الأرض من الألم فينحَر في لبته، فالعقر كناية مشهورة عن النحر لتلازمهما.
فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ } ﴿ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ .
أي صاح عليهم ربهم صيحة غضب.
والمراد بهذه الدمدمة صوت الصاعقة والرجفة التي أهلكوا بها قال تعالى: ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ [الحجر: 73]، وإسناد ذلك إلى الله مجاز عقلي لأن الله هو خالق الصيحة وكيفياتها.
فوزن دَمْدَم فَعْلَل، وقال أكثر المفسرين: دمدم عليهم أطبق عليهم الأرض، يقال: دَمَّمَ عليه القبر، إذا أطبقه ودَمْدَم مكرر دَمَّم للمبالغة مثل كَبْكَب، وعليه فوزن دَمْدَم فَعْلَلَ.
وفرع على «دمدم عليهم» ﴿ فسواها ﴾ أي فاستَووا في إصابتها لهم، فضمير النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من «دمدم عليهم».
ومن فسروا «دمدم» بمعنى: أطبق عليهم الأرض قالوا معنَى «سوَّاها»: جعل الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم، وجَعَلوا ضمير المؤنث عائداً إلى الأرض المفهومة من فعل «دمدم» فيكون كقوله تعالى: ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ [النساء: 42].
وبين ﴿ فسواها ﴾ هنا وقوله: ﴿ وما سواها ﴾ [الشمس: 7] قبله محسن الجناس التام.
والعقبى: ما يحصل عقِب فعل من الأفعال مِن تبعة لفاعِلِه أو مَثوبة، ولما كان المذكور عقاباً وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنّى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدَأ له بال حتى يثأر لنفسه، ولذلك يقولون: الثَّأْر المُنِيم، أي الذي يزيل النوم عن صاحبه، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذراً من أن يتمكن مغلوبُه من الثأر، أخْبَرَ الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبُه على أخذ الثأر منه، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين، وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز فجملة ﴿ فلا يخاف عقباها ﴾ تذييل للكلام وإيذان بالختام.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ فلا يخاف عقباها ﴾ تمثيلاً لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك مَن يثأر له فيكون المثَل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿ فلا يخاف عقباها ﴾ بفاء العطف تفريعاً على ﴿ فدمدم عليهم ربهم ﴾ وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام...
ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله منهم مع قوَّتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين.
وقرأ الباقون من العشرة: ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ بواو العطف أو الحال، وهي كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة، وهي رواية قُرائها.
وقال ابن القاسم وابن وهب: أخرج لنا مالك مصحفاً لجدِّه وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كَتب المصاحف وفيه ﴿ ولا يخاف ﴾ بالواو، وهذا يقتضي أن بعض مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرأوا بذلك لمخالفته روايتهم.
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِطُغْيانِها ومَعْصِيَتِها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: بِأجْمَعِها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: بِعَذابِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالُوا كانَ اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى.
﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ، وهو مِثْلُ دَمْدَمَ، كَلِمَةٌ بِالحَبَشِيَّةِ نَطَقَتْ بِها العَرَبُ.
﴿ فَسَوّاها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَوّى بَيْنِهِمْ في الهَلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ويَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: فَسَوّى بِهِمُ الأرْضَ، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَوّى مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ.
﴿ وَلا يَخافُ عُقْباها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا يَخافُ اللَّهُ عُقْبى ما صَنَعَ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا يَخافُ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ مِن عَقْرِها، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ولا يَخافُ صالِحٌ عُقْبى عَقْرِها، لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم ونَجّاهُ اللَّهُ تَعالى حِينَ أهْلَكَهم.
أخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: ضوءها ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: تبعها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: أضاءها ﴿ والسماء وما بناها ﴾ قال: الله بنى السماء ﴿ وما طحاها ﴾ قال: دحاها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: عرفها شقاءها وسعادتها ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ قال: أغواها.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: يتلو النهار ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ يقول: ما خلق الله فيها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: علمها الطاعة والمعصية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: تبعها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب غشي عبادي في خلقي العظيم ولليل مهابة والذي خلقه أحق أن يهاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ قال: قسمها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: بين الخير والشر.
وأخرج الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ فألهمها ﴾ قال: علمها ﴿ فجورها وتقواها ﴾ .
وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين: «أن رجلاً قال يا رسول الله: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيهما يستقبلون ما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة؟
قال: بل شيء قضي عليهم.
قال: فلم يعملون إذا؟
قال: من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين هيأه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا هذه الآية ﴿ ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وقف ثم قال: اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وخير من زكاها» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
قال وهو في الصلاة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الهاجرة فرفع صوته فقرأ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ ، ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] فقال له أبيّ بن كعب: يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء قال: لا ولكني أردت أن أوقت لكم» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: ضوؤها ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: تبعها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: أضاء ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ قال: يغشاها الليل ﴿ والسماء وما بناها ﴾ قال: الله بني السماء والأرض ﴿ وما طحاها ﴾ قال: دحاها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: عرفها شقاءها ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ قال: أصلحها ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ قال: أغواها ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ قال: بمعصيتها ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: الله لا يخاف عقباها.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: إشراقها ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: يتلوها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: حين ينجلي ﴿ ونفس وما سواها ﴾ قال: سوى خلقها ولم ينقص منه شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: هذا النهار ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: يتلو صبيحة الهلال إذا سقطت رؤي عند سقوطها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: إذا غشيها النهار ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ قال إذا غشيها الليل ﴿ والسماء وما بناها ﴾ قال وما خلقها ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ قال: بسطها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: بين لها الفجور من التقوى ﴿ قد أفلح ﴾ قال: وقع القسم هاهنا ﴿ من زكاها ﴾ قال: من عمل خيراً فزكاها بطاعة الله ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ قال: من إثمها وفجرها ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ قال: بالطغيان ﴿ إذ انبعث أشقاها ﴾ قال: أحيمر ثمود.
﴿ فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ﴾ قال: يقول الله: خلوا بينها وبين قسم الله الذي قسم لها من هذا الماء ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ﴾ قال: ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها ﴾ يقول: لا يخاف تبعتها.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: إذا تبعها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: إذا تبع الشمس.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ قال: بسطها.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ونفس وما سواها ﴾ قال: سوى خلقها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فألهمها ﴾ قال: ألزمها ﴿ فجورها وتقواها ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: الطاعة والمعصية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: الفاجرة ألهمها الفجور، والتقية ألهمها التقوى.
وأخرج ابن مردويه في قوله: ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ يقول: بين للعباد الرشد من الغيّ وألهم كل نفس ما خلقها له وكتب عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ الآية، قال: أفلح من زكاه الله وخاب من دساه الله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية: قد أفلح من زكى نفسه وأصلحها، وخاب من أهلكها وأضلها.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في الآية، يقول: أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح، وخاب من دس نفسه بالعمل السيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة من ﴿ دساها ﴾ قال: من خسرها.
وأخرج حسين في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه، ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ يقول: قد خاب من دس الله نفسه فأضله ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: لا يخاف من أحد تابعه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ يعني: مكر بها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ الآية، قال: «أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس خيبها الله من كل خير» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ قال: اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، فقال: كذبت ثمود بعذابها.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن زمعة قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: ﴿ إذا انبعث أشقاها ﴾ قال: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبغوي وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ألا أحدثك بأشقى الناس؟
قال: بلى.
قال: رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا، يعني ترقوته حتى تبتل منه هذه، يعني لحيته» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم مثله من حديث صهيب وجابر بن سمرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: ذاك ربنا لا يخاف منهم تبعة بما صنع بهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: لم يخف الذي عقرها عقباها.
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ أي بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، وذلك أن قوله: ﴿ نَاقَةَ اللَّهِ ﴾ يدل انتصابه على التحذير، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم في هذه القصة.
﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: فدمر عليهم ربهم (١) (٢) (٣) وقال المؤرج: الدمدمة: إهلاك باستئصال (٤) وقال ابن الأعرابي: دمدم: إذا عَذَّب عذابًا تامًا (٥) وذكر الزجاج: أصل هذا الحرف، فقال: معنى دمدم: أطبق عليهم العذاب،، يقال: دمدمته على الشيء إذا أطبقت عليه، وكذلك دمدمت عليه القبر وما أشبهه، ويقال: ناقة الله مَدْمُومة أي قد ألْبَسَها الشحم، فإذا كررت الأطباق قلت: دمدمت عليه (٦) (٧) ﴿ فَكُبْكِبُوا ﴾ (٨) (٩) قال عطاء عن ابن عباس: يريد فسوي عليهم الأرض (١٠) ويجوز أن يكون المعنى: ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ ﴾ أطبق عليهم العذاب، وعمهم (١١) ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعًا فاستوت على صغيرهم، وكبيرهم، (قاله مقاتل (١٢) (١٣) وقال ابن الأنباري: دمدم: غضب قال وتكون الدمدمة الكلام الذي يُزْعج الرجل.
وأكثر (١٤) (١٥) ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ ﴾ : أرجف الأرض بهم (١٦) ونحو ذلك روى ثعلب عن ابن الأعرابي في هذه الآية قال: دمدم: أرجف (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله: ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ قال الفراء: سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرهَا، بمعنى: سوَّى بينهم (٢١) ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ .
(١) ساقط من (ع).
(٢) "تفسير مقاتل" 241 ب، كما ورد قوله من طريق الضحاك عنه في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 79، كما ورد منسوبًا إلى عطاء في: "معالم التنزيل" 4/ 494.
(٣) "معالم التنزيل" 4/ 494.
(٤) "الكشف والبيان" 13/ 101 ب، "معالم التنزيل" 4/ 494 وعزاه إلى المؤرج، ولعله خطأ، "زاد المسير" 8/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 79، "فتح القدير" 5/ 450.
(٥) "تهذيب اللغة" 14/ 83 (دمم).
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 333 بنحوه.
(٧) "تهذيب اللغة" 14/ 81 (دمم).
(٨) سورة الشعراء: 94، قال تعالى: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴾ .
(٩) ويجوز أن يكون في (أ)، وهو مكرر، وفي غير موضعه.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) في (ع): (وعمقهم).
(١٢) ورد معنى قوله في "تفسيره" 241 ب، "زاد المسير" 8/ 259 - 260.
(١٣) ساقط من (أ).
(١٤) في (أ): (أكثر) بغير واو.
(١٥) ممن قال بذلك: السجستاني في "نزهة القلوب" ص 230، والفراء في "معاني القرآن" 2/ 269.
(١٦) لم أعثر على نصه فيما بين يدي من كتب، وقد ورد في "تهذيب اللغة" 14/ 81 حاشية من نسخة م، أما الذي ورد عنه في متن "التهذيب" قال: أطبق عليهم العذاب، وانظر: "لسان العرب" 12/ 209 (دمم).
(١٧) "التفسير الكبير" 31/ 196.
(١٨) "معاني القرآن" 3/ 269.
(١٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٠) من قوله: (ومعنى الدم في اللغة ..) إلى: (أرجف لهم)، قد أورده الفخر في: "التفسير الكبير" 31/ 196 بنصه نقلاً عن الواحدي.
(٢١) "معاني القرآن" 3/ 269.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﴾ يعني صالحاً عليه السلام ﴿ نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره احفظوا ناقة الله، أو احذروا ناقة الله وسقياها، شربها من الماء ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾ نسب العقر إلى جماعة لأنهم اتفقوا عليه وباشره واحد منهم ﴿ فَدَمْدَمَ ﴾ عبارة عن إنزال العذاب بهم وفيه تهويل ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي بسبب ذنبهم وهو التكذيب أو عقر الناقة ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ قال ابن عطية: معناه فسوّى القبيلة في الهلاك لم يفلت أحد منهم وقال الزمخشري: الضمير للدمدمة أي سواها بينهم ﴿ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ ضمير الفاعل لله تعالى والضمير في عقباها للدمدمة والتسوية وهو الهلاك: أي لا يخاف عقابة إهلاكهم، ولا دَرْكَ عليه في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم، وفي ذلك احتقار لهم وقيل: إن ضمير الفاعل لصالح وهذا بعيد وقرأ أشقاها فلا يخاف بالفاء وبالواو وقيل: في القراءة بالواو الفاعل أشقاها.
والجملة في موضع الحال أي انبعث ولم يخف عقبى فعلته وهذا بعيد.
القراءات: ﴿ تلاها ﴾ و ﴿ طحاها ﴾ مثل ﴿ دحاها ﴾ مثل ﴿ دحاها ﴾ في " النازعات " ﴿ فلا يخاف ﴾ بالفاء وضم الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير بناء على أن ﴿ قد أفلح ﴾ جواب القسم واللام محذوف أي لقد أفلح.
الوقوف: ﴿ وضحاها ﴾ ه لا ﴿ تلاها ﴾ ه ك ﴿ جلاها ﴾ ه ك ﴿ يغشاها ﴾ ه ك ﴿ بناها ﴾ ه ك ﴿ طحاها ﴾ ه ك ﴿ سوّاها ﴾ ه لا ص ﴿ وتقواها ﴾ ه لا ﴿ زكاها ﴾ ه ك ﴿ دساها ﴾ ه ط ﴿ بطغواها ﴾ ه ط لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ كذب ﴾ أو بالطغوى ﴿ أشقاها ﴾ ه ﴿ وسقياها ﴾ ه ﴿ فعقروها ﴾ م ط ﴿ فسوّاها ﴾ ه ط ﴿ عقباها ﴾ ه.
التفسير: قال النحويون: إن في ناصب ﴿ إذا تلاها ﴾ وما بعده إشكالاً لأن " ما " سوى الواو الأولى إن كن للقسم لزم اجتماع أقسام كثيرة على مقسم به واحد وهو مستنكر عند الخليل وسيبويه، لأن استئناف قسم آخر دليل على أن القسم الأول قد استوفى حقه من الجواب فيلزم التغليظ، وإن كن عاطفة لزم العطف على عاملين بحرف واحد وذلك أن حرف العطف ناب عن واو القسم المقتضي للجر وعن الفعل الذي يقتضي انتصاب الظرف.
والجواب أنا نختار الثاني ولزوم العطف على عاملين ممنوع لأن حرف العطف ناب عن واو القسم النائب عن الفعل المتعدّي بالباء، وكما أن واو القسم تعمل الجر في القسم والنصب في الظرف إذا قلت مثلاً ابتداء ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ لقيامه مقام قولك " اقسم بالليل إذا يغشى" فكذا حرف العطف النائب منابه نظيره قولك " ضرب زيد عمراً وبكر خالداً " فترفع بالواو وتنصب لقيامه مقام ضرب.
قال بعض المتكلمين: المضاف في هذه الأقسام محذوف تقديره ورب الشمس إلى آخرها.
وزيف بلزوم التكرار في قوله ﴿ وما بناها ﴾ وما بعده.
وأجيب بأن " ما " في ﴿ وما بناها ﴾ وما بعده مصدرية.
واعترض عليه في الكشاف بأنه يلزم من عطف قوله ﴿ فألهمهما ﴾ على قوله ﴿ وما سوّاها ﴾ فساد النظم فالوجه أن تكون " ما " موصولة.
وإنما أوثرت على " من " لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الذي سوّاها، على أنه قد جاء " ما " مستعملاً في " من " كقولهم " سبحان ما سخركن لنا ".
أما الذين لم يقدروا المضاف فأورد عليهم أنه يلزم تأخير القسم برب السماء وبانيها عن القسم بالسماء.
والجواب أن الله عز قائلاً أراد أن نتدرج من المحسوسات إلى المعقولات ومن المصنوعات إلى الصانع، ولا يخفى أن المحسوسات أظهرها هو الشمس فذكرها مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها.
فأول أعظم الأوصاف الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار، وثانيها تلو القمر لها غاية في منتصف الشهر أو تلوه لها في أخذ الضور عنها أو في غروبه ليلة الهلال بعدها قاله قتادة والكلبي.
وقيل: في كبر الجرم بحسب الحس وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
والثالث والرابع بروزها لمجيء النهار واختفاؤها لمجيء الليل.
ثم ذكر ذاته المقدسة وعقبه بأنواع تدابيره في السماء والأرض وفي البسائط وما يتركب منها وأشرفها النفس.
ولنشتغل بتفسير بعض الألفاظ.
قال الليث: الضحو ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك.
والضحاء بالمد إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف.
وتلاها تبعها بإحدى المعانى المذكورة، والتجلية الكشف والعيان.
والضمير في ﴿ جلاها ﴾ للشمس في الظاهر على ما قال الزجاج وغيره، لأن النهار كلما كان أصدق نوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً فإن الكشف والعيان يدل على قوة المؤثر وكماله لا قوة الأثر وكماله، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها.
وذهب جم غفير إلى أن الضمير يعود إلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض بدلالة قرائن الأحوال وسياق الكلام، ولعل الوجه الأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور أقرب منه إلى المقدر، ولأنه يلزم تفريق الضمائر في ﴿ يغشاها ﴾ للشمس بالاتفاق وكذا في ﴿ ضحاها ﴾ و ﴿ تلاها ﴾ ولأن غشيان الليل الشمس عبارة عن ذهاب الضوء وحصول الظلمة بسبب غيبة الشمس في الأفق، فكذا تجلية النهار إياها يجب أن تكون إشارة إلى كمال الضوء وظهوره للحس بواسطة ظهور الشمس فوق الأفق.
والحاصل أن الذهن كما ينتقل من عدم الأثر إلى عدم المؤثر فجعل كأن لعدم الأثر تأثيراً في عدم المؤثر، فكذلك ينتقل من وجود الأثر إلى وجود المؤثر فيصح أن يقال: إن وجود الأثر علة لوجود المؤثر وهذا معنى كون النهار مجلياً للشمس.
والطحو مثل الدحو وقد مر في " النازعات " أي بسطها على الماء.
وتنكير النفس إما للتنويع أي نفس خاصة من بين النفوس وهي النفس القدسية النبوية التي تصلح لرياسة ما سواها من النفوس، وإما للتكثير على الوجه المذكور في قوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ وتسويتها إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وهي الحواس الظاهرة والباطنة والقوى الطبيعية المخدومة والخادمة وغيرها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قالت المعتزلة: هو كقول ﴿ وهديناه النجدين ﴾ أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر ويعضده ما بعده ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ﴾ والتدسية ضد التزكية.
وأصل دسي دسس قلب أحد حرفي التضعيف ياء كما في " قضيت ".
والتدسيس مبالغة الدس وهو الإخفاء في التراب قال عز من قائل ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ والضمير في " زكى " و " دس " ل " من " وقال أهل السنة: الضمير أن لله و" من " عبارة عن النفس والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعال وخلقها طاهرة، وخابت نفس دساها الله وخلقها كافرة فاجرة.
وقد يروى هذا الوجه عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي قالوا: أصل الإلهام من قولهم " لهم الشيء والتهمة " إذا ابتلعه و" ألهمته إياه " أي أبلعته ذلك.
فالإلهام الإبلاع أي وضع الإيمان في قلب المؤمن والكفر في قلب الكافر.
ثم وعظهم بقصة ثمود لقربها من ديارهم.
ولأهل التأويل أن يقولوا: إنما خص هذه القصة لأن ناقة الله هي البدن وعبر بصالح عن الروح، ولما كانت قصة ثمود مناسبة لأحوال النفس الإنسانية كما مرت في التأويلات، وكانت هذه السورة مسوقة لبيان مراتب النفس في السعادة والشقاوة،وخصت القصة بالذكر لذلك، وعلى هذا التأويل قد يراد بالشمس تجلي النفس الناطقة على البدن بالتدبير الكامل، وبالقمر الروح الحيواني.
أو شمس المعرفة، وقمر المكاشفة، ونهار وليل المحو، وسماء الروح وأرض القلب كما مر مراراً.
والطغوى اسم من الطغيان كالتقوى من الوقاية قلبت ياؤه واواً فرقاً بين ما هي اسم وبين ما هي صفة كقولهم " امرأة خزياً وصدياً " والباء للآلة أي فعلت التكذيب بواسطة طغيانها.
وقيل: المضاف محذوف والمجموع صفة للعذاب والباء للإلصاق أي كذبت ثمود بما أوعدت من العذاب ذي الطغوى كقوله ﴿ فأهلكوا بالطاغية ﴾ والأول أوضح لئلا يكون قوله ﴿ فكذبوه ﴾ تكراراً.
ومعنى ﴿ انبعث ﴾ تحركت داعيته وقوي عزمه على العقر.
﴿ وأشقاها ﴾ عاقر الناقة قدار بن سالف، أو هو مع من ساعده على ذلك فإن أفعل التفضيل يجوز أن لا يفرق فيه بين الواحد.
والجمع وعلى هذا يجوز أن يكون الضمير في ﴿ لهم ﴾ عائداً إلى الجماعة الأشقياء، وعلى الأول يكون عائداً إلى قوم صالح.
و ﴿ ناقة الله ﴾ نصب على التحذير أي احذروا عقرها ﴿ وسقياها ﴾ فلا تعتدوا بها فإن لها شرباً ولكم شرب يوم ﴿ فكذبوه ﴾ فيام أوعدهم به من نزول العذاب إن فعلوا فعقروا الناقة ﴿ فدمدم ﴾ أي فأطبق ﴿ عليهم ﴾ العذاب.
قالوا: هو مضعف من قولهم " ناقة مدمدمة " إذا ألبست الشحم.
والباء في ﴿ بذنبهم ﴾ للسببية فسوى الدمدمة بينهم بحيث لم يهرب منها أحد ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ كما يخاف ملوك الدنيا فينزجر عن استيفاء العقوبة.
وجوز أن يكون الضمير لثمود أي فسوّاها بالأرض، أو في الهلاك ولا يخاف تبعه بهلاكها وهو أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ ﴾ : ولم يبين لمن كذبوا، وقد بينه في آية أخرى فقال: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِطَغْوَاهَآ ﴾ يحتمل وجهين: أي: لأجل معصيتها وطغيانها؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم وتركهم التفكر في أمره؛ وإلا لو تفكروا فيما جاءهم به رسول الله [لم يجدوا] موضع التكذيب.
والثاني: بأهل طغواها، أي: كذبت ثمود بسبب أهل الطغيان؛ فيكون في هذه الآية إبناء أنهم لم يكذبوا رسولهم بشبهة اعترضت لهم، أو بحجة كانت لهم، بل كذبوه عن عناد منهم، وتيقين منهم برسالته، وذلك أن حجة نبيهم صالح - - جاوزت الحجج؛ لأنهم أوتوا الناقة على سؤال سبق منهم، وعلى تعد في السؤال؛ إذ كان لهم أن يطالبوه بالحجة على دعى الرسالة، ولم يكن لهم أن ينصوا السؤال على شيء يشيرون إليه، فهم بإشارتهم إلى سؤال الناقة كانوا معتدين فيه.
ثم من حكمة الله - - أن الحجة إذا كانت على أثر السؤال، ثم ظهر التكذيب من السائلين هو الاستئصال في الدنيا، وقد وجد من أولئك القوم السؤال والتكذيب؛ فعوقبوا بالاستئصال، قال الله - -: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ ؛ فبين الله - - المعنى الذي [لأجله] لم يرسل الآيات التي سألت الكفرة رسول الله ، وهو أنهم لو أوتوا، ثم عندوا، استؤصلوا؛ فقد أراد الله - - إبقاء أمته إلى أن تقوم الساعة، وأرسله رحمة للعالمين، وجعل حجته من وجه فيها رحمة للعالمين، وهي القتال، ووجه الرحمة فيه: أنهم كانوا يمتنعون عن ابتاعه؛ لحب الدنيا وشهواتها؛ فكان يمنعهم ذلك عن النظر في حججه وآيات رسالته؛ فكان في الجهاد ما يضيق عليهم المعاش، ويضطرهم إلى النظر في الحجج؛ فيحملهم ذلك على تصديقه والإيمان به؛ فثبت أن في القتال رحمة عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ .
أي: قام أشقاها، وصار أشقاها بما أحدث من الكفر بعقر الناقة.
وروي عن عمار بن ياسر - - أنه قال: قال رسول الله لعلي - -: "ألا أخبرك بأشقى الناس، رجلين؟
قال: بلى، يا رسول الله.
فقال: أحيمر ثمود، عاقر الناقة، والذي يضرب على هذه - وأشار إلى هامته - حتى بيتل منها هذه وأشار إلى لحيته" فصار عاقر الناقة أشقى الناس بما ذكرنا.
وجائز أن يكون قاتل علي، صار أشقى الناس؛ لأنه استحل قتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴾ : فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أحذروا ناقة الله، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
والثاني: أي: قال لهم: ذروا ناقة الله تأكل في أرض الله، وذروا بين النقة وسقياها - أي: شربها - ثم أضيفت الناقة إلى الله - - لوجهين: أحدهما: أن الله - - لم يأذن لأحد بالتملك عليها؛ حتى ينسب إليه الملك، بل بقيت غير مملوكة لأحد؛ فأضيفت إلى الله - - كما أضيفت إليه المساجد؛ لما لا ملك لأحد عليها.
أو أضيفت إلى الله - - على معنى التفضيل، والأصل أن إضافة الأشياء إلى الله - - بحق الجزيئات على تفضيل تلك الأجزاء من بين غيرها، وإضافة الأشياء إلى الله - - يحق الكليات، تخرج مخرج تعظيم الله ، فإذا قيل: رب المساجد، أريد به: تفضيل المساجد من بين سائر البقاع، وإذا قيل: رب العرش، أريد به تعظيم العرش، وكذلك إذا قيل: رب الناقة، أريد به تعظيم أمرها، وإذا قيل: رب العالمين، ورب كل شيء، أرشيد به تعظيم الرب، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ﴾ : يحتمل أن يكونوا كذبوا صالحا في رسالته، أو كذبوه فيما أخبرهم من حلول العذاب بهم إذا عقروا الناقة، فعقروها مع ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ ﴾ ، قال بعضهم: اي: أطبق عليهم العذاب على الصغير والكبير، ومنه من يقال: بعير مدموم؛ إذا كان سمينا أطبق شحمه على لحمه.
وقال بعضهم: دمدم علهيم، أي: دمر عليهم بذنبهم، وذنبهم ما تعدا من تكذيبهم الرسول، وعقرهم الناقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سواهم بالأرض؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ﴾ .
أو سوى بين الصغير والكبير وفي الإهلاك؛ فالصغار منهم يومئذ ماتوا بآجالهم، والكبار منهم استؤصلوا بذنوبهم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ : جائز أن تكون الإضافة منصرفة إلى الله ، وهو أن يكون الله لما أهلكهم لم يخف تبعة الإهلاك.
ووجه الخوف: هوأنه فيما أهلكهم، أهلكهم بما أوجبت الحكمة إهلاكهم، ولم يلحقه تقصير في الحكمة، ولا وجد العائب في ذلك مقالا.
وهكذا قال الحسن: ذلك ربنا، لم يخف مما أنزل عليهم العذاب.
أو يكون منصرفا إلى العاقر؛ فيكون معناه: أنه عقرها، ولم يخف العاقبة التي حذرهم بها صالح - - من قوله: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ ، أي: لم يعلم ما يحل به من عقر تلك الناقة، ولو علم لم يفعل.
ويجوز استعمال الخوف في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته، صار علما.
ثم الحكمة في ذكر قصة ثمود وجهان: أحدهما: أن في ذكرها تثبيت [رسالة محمد صلوات الله عليه، وهو أن النبي ] لم يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم الأنباء والأخبار، ولا كان يعرف الكتابة؛ ليقع له المعرفة بهما؛ فثبت أنه بالوحي علم.
والثاني: أن في ذكرها تحذيرا لمكذبي الرسل، فحذروا بها لمتنعوا عن تكذيبه؛ فلا يحل بهم كما حل بمكذبي صالح - - من يأسه وعذابه، والله يهدي.
فكذبوا رسولهم في شأن الناقة، فقتلها أشقاهم مع رضاهم بما فعل، فكانوا شركاء في الإثم، فأطبق الله عليهم عذابه، فأهلكهم بالصيحة بسبب ذنوبهم، وسوّاهم في العقوبة التي أهلكهم بها.
<div class="verse-tafsir" id="91.X2mEz"
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ضحى الشمس: ضوئها.
يقسم بالشمس نفسها، سواء ظهرت أو غابت.
لأنها خلق عظيم، ويقسم بضوئها لأنه مبعث الحياة، ومجلي الهداية في عالمها الفخيم.
وهل كنت ترى حيًا أو تبصر ناميًا، أو هل كنت تجد نفسك لولا ضياء الشمس جل مبدعه.
﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ يقسم بالقمر إذا تلا الشمس، وذلك في الليالي البيض من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة.
وهو قسم بالقمر عند امتلائه، أو قربه من الامتلاء، إذ يضئ الليل كله من غروب الشمس إلى الفجر، وهو قسم في الحقيقة بالضياء في طور آخر من أطواره، وهو ظهوره وانتشاره الليل كله.
وقال الحسن والفراء: تلاها تبعها في كل وقت، لأنه يستضئ منها، فهو يتلوها لذلك.
ولكن التقييد بقوله: (إذا تلاها)، يدل على أن القسم متعلق بالقمر وهو في حالة خاصة، فهو مقسم به على طور خاص، وهو ما ذكرناه، ثم عاد إلى القسم بالضياء تحت عنوان أخر فقال: ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ ، أي والنهار إذا جلى الشمس، أي أظهرها، ولا يخفي أن النهار هو وقت انتشار ضوء الشمس من وقت شروقها أو قربه إلى وقت غروبها..
كل ذلك للإشارة إلى تعظيم أمر الضياء، وإعظام قدر النعمة فيه، وألفات أذهاننا إلى أنه من آيات الله الكبرى ونعمه العظمي.
وقوله: ﴿ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ بيان للحالة التي ينطق فيها النهار بتلك الحكمة الباهرة، والآية الظاهرة، وهي حالة الصحو.
أما يوم الغيم الذي لا تظهر فيه الشمس، فحاله معك أشبه بحال الليل الذي يقسم به في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ .
بعد أن أقسم بالضياء تحت أسماء مختلفة، أقسم بالليل في حالة واحدة، وهي حالة ما يغشي الشمس، أي يعرض دون ضوئها فيحجبه عن الأبصار، وذلك في ليالي الظلمة الحالكة التي لا أثر لضوء الشمس فيها، لا مباشرة كما في النهار، ولا بالواسطة كضوء القمر المستفاد منها.
وهذه الليالي هي قليلة كما لا يخفي، فإن أغلب ليالي الشهر لا تخلو من ضوء القمر في أول الليل أو في آخره أو في جميعه، وهو ضوء مستفاد من الشمس، وإنما هي ليلة أو ليلتان وبعض ليال أخر.
ولقلة أوقات الظلمة عبر في جانبها بالمضارع المفيد للحاق الشيء وعروضه متأخرًا عما هو أصل في نفسه، أما النهار فانه يجلي الشمس دائمًا من أوله إلى أخره، وذلك شان له في ذاته، ولا ينفك عنه إلا لعارض كالغيم أو الكسوف قليل العروض، ولهذا عبر في جانبه بالماضي المفيد لوقوع المعني في فاعله بدون إفادة أنه مما ينفك عنه وأقسم بالظلمة هنا -كما اقسم بها في سورة الفجر- لأنه أمر يهولك ويدخل عليك فيه من انقباض النفس عن الحركة، واضطرارها للوقوف عن العمل، وركونها إلى السكون، ما لا تجد عنه مفرًا فهذا سلطان من الخوف مبهم لا تحيط بأسبابه ولا بتفصيل أطواره، فهو أشبه بالجلال الإلهي يأخذك من جميع أطرافك وأنت لا تدري من أين أخذك!
وهو مظهر من مظاهره ثم في هذا السكون من راحة الجسم والعقل وتعويض ما فقداه بالتعب بياض النهار ما لا تحصي فوائده، فلذلك اقسم الله به ليوجه نظرنا إلى ما فيه من ذلك كله.
﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ : السماء اسم لما علاك وارتفع فوق راسك.
وأنت إنما تتصور -عند سماعك لفظ السماء- هذا الكون الذي فوقك فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب تجري في مجاريها وتتحرك في مداراتها، هذا هو السماء وقد بناه الله أي رفعه، وجعل كل كوكب من الكواكب منه بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة أو جدران تحيط بك، وشد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة، كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينها مما تتماسك به.
والذي بني السماء هو الله جل شأنه، غير أنه لما كان الخطاب موجهًا إلى قوم لا يعرفون الله بصفاته الجليلة، وكان مرمى الخطاب أن ينظروا في هذا الكون العظيم نظرة من يطلب للأثر مؤثرًا ما، وللمسبب سببًا ما، لينتقلوا من ذلك إلى معرفة الله تعالى، عبر عن نفسه جل شأنه بما التي هي الغاية في الإبهام، على أن من وما بالنسبة إلى الله سواء، لأن من للعاقل الذي يعرفه المتخاطبون وما لغير العاقل كذلك.
والله جل شأنه لا يطلق عليه العاقل ولا غير العاقل بذلك المعني، وإنما هو عالم يعلو تصوره على منال العقول، فيعبّر عنه بكل لفظ يفيد اللذات الموجودة مع مراعاة التنزيه.
(وطحا الأرض): وطأها وجعلها فراشا، كما قال: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية، كما يزعم بعض الجاهلين، والذي طحاها هو الله.
بعد أن اقسم الله بالضياء والظلمة، أقسم بالسماء وما فيها من الكواكب جملة، وبالذي بناها وجعلها مصدرًا للضياء لأن الشمس والقمر وسائر الكواكب من أجزاء ذلك البناء، وبالأرض والذي جعلها لنا فراشًا وجعلها مصدرًا للظلمة، فإنها هي التي يحجب بعض أجزائها ضوء الشمس عن البعض الآخر فيظهر الظلام في هذا الآخر.
ولما لم يذكر في جانب السماء سوى البناء -وهو ربط بعض أجرامها ببعض- ولم يذكر إيجاد كل جرم، لان هذا البناء الظاهر هو الذي تفهمه عقول المخاطبين، وفيه منافعهم من انتشار الضياء وقيام أعلام الهداية -اقتصر في جانب الأرض بذكر الطحو، وهو التمهيد وفيه منافع الناس من سكنى الأرض والانتفاع بما يوجد على ظهرها من نبات وحيوان.
بعد هذا اقسم بالنفس الإنسانية والذي (سواها): أي عد لها بان ركب فيها قواها الباطنة والظاهرة، وحدد لكل قوة وظيفة تؤديها، وألف لها الجسم الذي تستخدمه من أعضاء قابلة لاستعمال تلك القوى، لهذا فرع على التسوية قوله ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ فإن تمام التسوية أن وهبها العقل الذي يميز بين الخير والشر، والفجور: إتيان ما ينتهي بالنفس إلى الخسران والهلكة، والتقوى: إتيان ما يحفظ النفس من سوء العاقبة.
والأعمال التي بها تشقي النفوس معروفة لذوي العقول كالأعمال التي بها تسعد.
فهذه الآية في معناها كآية ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ .
فقد منح الله النفوس قوة التمييز، كما وهبها قوة الاختيار، فمن رجح طريق الخير افلح، ومن رجح طريق الشر خاب، ولهذا استطرد عقب ذكر الإلهام بقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ أي قد ربح وفاز من زكى نفسه ونماها وأعلاها حتى بلغ بها ما هي مستعدة له من كمال القوى العقلية والعملية، وأثمرت بذلك ثمراتها الطيبة له ولمن حوله من الناس.
﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ ، التدسية: النقص والإخفاء.
ومن سلك سبيل الشر، وطاوع داعي الشهوة البهيمية، فقد فعل ما يفعل سائر البهائم، فلم يظهر عمل القوة العاقلة التي خص بها الإنسان، فاندرج صاحب تلك النفس في عداد سائر الحيوان دون الإنسان، وبذلك يختفي من بين العقلاء، ويذهب امتيازه الذي كرم الله به نوعه.
وهل تكون خيبة أعظم، وخسران أكبر من هذا المسخ الذي يجلبه الشخص على نفسه بسوء عمله؟
فما أجمل هذا التعبير!
وما أحواه للمعاني الرفيعة!
ثم هل التفت إلى ما في التزكية مما يناسب النور والسماء؟!
وما في التدسية مما يلائم الظلمة والأرض؟!
وجواب القسم محذوف -مثله في سورة البروج- وأقام الدليل عليه بما جاء في قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ .
وهذا من ضروب الإيجاز التي اختص بها القران دون سائر الكلام.
وسنذكر ذلك الجواب بعد تفسير الدليل عليه.
ثمود: قوم من العرب البائدة، بعث الله إليهم نبيًا اسمه صالح ، ولما سأله قومه آية على صدقه جعل الله آيته في ناقته، وقد جاء في كتابنا العزيز أن هذه الآية هي أن جعل لها شربًا تختص به، ولهم شرب يختصون به في يوم معلوم، وأن تأكل في أرض الله ولا يمسها أحد بسوء، فإذا مسوها بسوء، أخذهم العذاب.
فالآية -في الحقيقة- هي أخذهم بالعذاب إذا مسوها بالسوء.
قال في سورة هود ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ .
وقال في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وكان على القوم جميعًا أن يرعوا أمر الله في هذه الناقة فلا يداعوا أحدا يصيبها بالأذى، ولكنهم طغوا وخرجوا عما يرشد إليه العقل الصحيح، فكذبوا صالحًا ، فهذا قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ أي كذبت بنبيها بسبب طغيانها وبغيها، ثم اتبعت واحدًا من هذه القبيلة -سماه المفسرون، ولا حاجة بنا إلى تسميته لأنه يجب علينا أن نقف عند ما وقف عنده الكتاب- وكان ذلك المنبعث أشقي القبيلة لأنه تحرش للشر من دونهم، وانطلق ينحر الناقة، فهذا قوله تعالى ﴿ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ أي أن التكذيب كان عند ذلك، أي كان ذلك علامة التكذيب الظاهرة، فإنه كذب صالحًا في وعيده بالعذاب، وانبعث يهلك الناقة..
ولما سكت القوم وتركوه يفعل، كانوا مكذبين مثله.
﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ صالح: احذروا واتقوا ﴿ نَاقَةَ اللَّهِ ﴾ التي جعلها آية نبيه.
﴿ وَسُقْيَاهَا ﴾ : أي شربها الذي اختصها الله به في يومها، فلا تؤذوا الناقة، ولا تتعدوا عليها في شربها ويوم شربها ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فيما جاء به، ولم يسمع ذلك الشقي ذلك التحذير، ولم يصغ إلى الإنذار ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾ ، العاقر لها: ذلك المعتدي الذي لقبه بأشقاها ولكنهم لما سكتوا عنه، ولم يمنعوه، ورضوا بفعله، نسب العقر إليهم جميعًا، فلذلك عمتهم النقمة ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ ﴾ : أي أطبق عليهم العذاب، وقال بعضهم الدمدمة: إهلاك في استئصال.
وقيل: الدمدمة التدمير.
﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي سوى القبيلة -وهي ثمود- في العقوبة، فلم يفلت منها أحد، أو المعني سواها بالأرض، أي دمر مساكنها على ساكنيها.
﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ أي أن الله في عزته وجبروته أهلك هؤلاء المكذبين ولا يخاف عاقبة إهلاكهم لأنه لا هو ظالم فيخفيه الحق، ولا هو ضعيف فيتناوله المكروه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
في هذا الذي سمعته في خبر ثمود ما يدلك على جواب القسم، كأنه قال ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ إلخ، لينزلن بالمكذبين منكم مثل ما نزل بثمود، إذ كذبت نبيها فأصابها العذاب، فلستم بأشد باسًا منها، ولا شقيكم أشد بطشًا من شقيها.
ولقد صدق الله وعده فأهلك من أهلك منهم في واقعة بدر بأيدي المؤمنين، ثم لم يزل العذاب والخزي ينزل بالمكذبين من أهل مكة ومن حولهم، بالقتل تارة، والأبعاد أُخرى، حتى لم يبق في جزيرة العرب مكذب، ولو استمرت الدعوة على ما كانت عليه من نشأتها أيام الصحابة ، لم يبقي في الأرض مكذب.
والله أعلم.