الإسلام > القرآن > سور > سورة 91 الشمس > الآية ٩ من سورة الشمس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة الشمس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( قد أفلح من زكاها ) يحتمل أن يكون المعنى : قد أفلح من زكى نفسه ، أي : بطاعة الله - كما قال قتادة - وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل .
ويروى نحوه عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير .
وكقوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) [ الأعلى : 14 ، 15 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) قوله: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) يقول: قد أفلح من زكَّى الله نفسه، فكثَّر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) يقول: قد أفلح من زكَّى اللهُ نفسه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خَصِيفٍ، عن مجاهد وسعيد بن جُبير وعكرِمة: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) قالوا: من أصلحها.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد وسعيد بن جُبير، ولم يذكر عكرِمة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) من عمل خيرا زكَّاها بطاعة الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) قال: قد أفلح من زكَّى نفسَه بعمل صالح.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) يقول: قد أفلح من زكى اللهُ نفسَه .
وهذا هو موضع القسم؛ كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، &; 24-457 &; عن قتادة، قال: قد وقع القسم ها هنا( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) وقد ذكرتُ ما تقول أهل العربية في ذلك فيما مضى من نظائره قبل.
قوله تعالى : قد أفلح من زكاها هذا جواب القسم ، بمعنى : لقد أفلح .
قال الزجاج : اللام حذفت ; لأن الكلام طال ، فصار طوله عوضا منها .
وقيل : الجواب محذوف أي والشمس وكذا وكذا لتبعثن .
الزمخشري : تقديره ليدمدمن الله عليهم أي على أهل مكة ، لتكذيبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما دمدم على ثمود ; لأنهم كذبوا صالحا .
وأما قد أفلح من زكاها فكلام تابع لأوله لقوله : فألهمها فجورها وتقواها على سبيل الاستطراد ، وليس من [ ص: 69 ] جواب القسم في شيء .
وقيل : هو على التقديم والتأخير بغير حذف والمعنى : قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ، والشمس وضحاها .
أفلح فاز .
من زكاها أي من زكى الله نفسه بالطاعة .
وقوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } أي: طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح.
"قد أفلح من زكاها"، وهذا موضع القسم، أي فازت وسعدت نفس زكاها الله، أي أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة.
«قد أفلح» حذفت منه اللام لطول الكلام «مَنْ زكَّاها» طهرها من الذنوب.
أقسم الله بالشمس ونهارها وإشراقها ضحى، وبالقمر إذا تبعها في الطلوع والأفول، وبالنهار إذا جلَّى الظلمة وكشفها، وبالليل عندما يغطي الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، وبالسماء وبنائها المحكم، وبالأرض وبَسْطها، وبكل نفس وإكمال الله خلقها لأداء مهمتها، فبيَّن لها طريق الشر وطريق الخير، قد فاز مَن طهَّرها ونمَّاها بالخير، وقد خسر مَن أخفى نفسه في المعاصي.
وقوله - سبحانه - : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا .
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) يصح أن يكون جوابا للقسم .
والفلاح : الظفر بالمطلوب .والتزكية : التزود من الخير والطاعة ، والحرص على تطهير النفس من كل سوء .
فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء، وفي الآية قولان أحدهما: أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية والثاني: قد أفلح من زكاها الله، وقبل القاضي هذا التأويل، وقال المراد منه أن الله حكم بتزكيتها وسماها بذلك، كما يقال في العرف: إن فلاناً يزكي فلاناً، ثم قال: والأول أقرب، لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهراً، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو في حكم المذكور لا أنه مذكور.
واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد، بألهمها ما ذكرناه فوجب حمل اللفظ عليه.
وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف، لأن بناء التفعيلات على التكوين، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به يمتنع تغيره، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب، وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال.
أما قوله ذكر النفس قد تقدم، قلنا: هذا بالعكس أولى، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد، وقوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا ﴾ أقرب إلى قوله: ﴿ مَا ﴾ منه إلى قوله: ﴿ وَنَفْسٍ ﴾ فكان الترجيح لما ذكرناه، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسيط عن سعيد بن أبي هلال أنه عليه السلام كان إذا قرأ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها ﴾ وقف وقال: اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها وأنت مولاها، وزكها أنت خير من زكاها أما قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ضحاها: ضؤوها إذا أشرقت وقام سلطانها؛ ولذلك قيل: وقت الضحى، كأن وجهه شمس الضحى.
وقيل: الضحوة ارتفاع النهار.
والضحى فوق ذلك.
والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف ﴿ إِذَا تلاها ﴾ طالعاً عند غروبها آخذاً من نورها؛ وذلك في النصف الأوّل من الشهر.
وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور ﴿ إِذَا جلاها ﴾ عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء.
وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب (إذا) معضل: لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو.
وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكن عوامل على الفعل والجار جميعاً، كما تقول: ضرب زيد عمراً، وبكر خالداً؛ فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما.
جعلت (ما) مصدرية في قوله: ﴿ وَمَا بناها ﴾ ﴿ وَمَا طحاها ﴾ ﴿ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ وليس بالوجه لقوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا ﴾ وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا.
فإن قلت: لم نكرت النفس؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفساً خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس.
والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾ [التكوير: 14] .
ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما بدليل قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها (9) وَقَدْ خَابَ مَن دساها (10) ﴾ فجعله فاعل التزكية، والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنمار والإعلاء بالتقوى.
والتدسية: النقص والإخفاء بالفجوز.
وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى.
وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى ﴾ ، [الأعلى: 14] ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ [طه: 111] .
وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكّى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى (من) لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون على الله قدراً هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه، فإن قلت: فأين جواب القسم؟
قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً.
وأما ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها (9) ﴾ فكلام تابع لقوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ أنْماها بِالعِلْمِ والعَمَلِ جَوابُ القَسَمِ، وحَذْفُ اللّامِ لِلطُّولِ كَأنَّهُ لَمّا أرادَ بِهِ الحَثَّ عَلى تَكْمِيلِ النَّفْسِ والمُبالَغَةِ فِيهِ أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ ووُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ الَّذِي هو أقْصى دَرَجاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، ويُذَكِّرُهم عَظائِمَ آلائِهِ لِيَحْمِلَهم عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهى كَمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.
وقِيلَ: هو اسْتِطْرادٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ النَّفْسِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ نَقَصَها وأخْفاها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ، وأصْلُ دَسّى دَسَّسَ كَتَقَضّى وتَقَضَّضَ.
<div class="verse-tafsir"
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)
{قَدْ أَفْلَحَ} جواب القسم والتقدير لقد أفلح قال الزجاج صار طول الكلام عوضاً عن اللام وقيل الجواب محذوف وهو الأظهر تقديره ليدمدمن من الله عليهم أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً وأما قد أفلح فكلام تابع لقول فألهمها فجورها وتقواها على سبيل الاستطراد ليس من جواب القسم فى شئ {مَن زكاها} طهرها الله وأصلحها وجعلها زاكية
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ جَوابُ القَسَمِ عَلى ما أخْرَجَهُ الجَماعَةُ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزُّجّاجُ وغَيْرُهُ، وحَذْفُ اللّامِ كَثِيرٌ لا سِيَّما عِنْدَ طُولِ الكَلامِ المُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِسَدِّهِ مَسَدَّها، وفاعِلُ ﴿ زَكّاها ﴾ ضَمِيرُ «مَن» والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلنَّفْسِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ وتَكْرِيرُ «قَدْ» فِيهِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ والإيذانِ بِتَعَلُّقِ القَسَمِ بِهِ أصالَةً، والتَّزْكِيَةُ التَّنْمِيَةُ والتَّدْسِيَةُ الإخْفاءُ وأصْلُ دَسّى دَسَّسَ فَأُبْدِلَ مِن ثالِثِ التَّماثُلاتِ ياءً، ثُمَّ أُبْدِلَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وأطْلَقَ بَعْضُهم فَقالَ: أُبْدِلَ مِن ذَلِكَ حَرْفُ عِلَّةٍ كَما قالُوا في تَقَضَّضَ تَقَضّى ودَسَّسَ مُبالَغَةً في دَسَّ بِمَعْنى أخْفى قالَ الشّاعِرُ: ودَسَسْتَ عَمْرًا في التُّرابِ فَأصْبَحَتْ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وفِي الكَشّافِ: التَّزْكِيَةُ الإنْماءُ والإعْلاءُ، والتَّدْسِيَةُ النَّقْصُ والإخْفاءُ؛ أيْ: لَقَدْ فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ ونَجا مَن كُلِّ مَكْرُوهٍ مَن أنْمى نَفْسَهُ وأعْلاها بِالتَّقْوى عِلْمًا وعَمَلًا، ولَقَدْ خَسِرَ مَن نَقَصَها وأخْفاها بِالفُجُورِ جَهْلًا وفُسُوقًا.
وجُوِّزَ أنْ تُفَسَّرَ التَّزْكِيَةُ بِالتَّطْهِيرِ مِن دَنَسِ الهَيُولى والتَّدْسِيَةُ بِالإخْفاءِ فِيهِ والتَّلَوُّثِ بِهِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الوَعْدِ والوَعِيدِ المَذْكُورَيْنِ مَعَ إقْسامِهِ تَعالى عَلَيْهِما بِما أقْسَمَ بِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ بِوُجُودِهِ تَعالى ووُجُوبِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَذْكُرُ عَظائِمَ آلائِهِ وجَلائِلَ نَعْمائِهِ جَلَّ وعَلا مِنَ اللُّطْفِ بِعِبادِهِ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وهي خمس عشرة آية مكية قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها أقسم الله تعالى بالشمس، وضوئها حرها.
ويقال: بخالق الشمس وضحاها، يعني: ارتفاع النهار.
ويقال: حر الشمس يسمى ضحى.
قرأ ابن كثير، وابن عامر وعاصم وضحها بالتفخيم، وكذلك تلاها إلى آخر السورة.
وقرأ حمزة والكسائي كلها بالإمالة، وقرأ نافع، وأبو عمرو بين ذلك.
ثم قال عز وجل: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها يعني: يتبع الشمس والهاء، كناية عن الشمس.
وقال قتادة: والشمس هو النهار، والْقَمَرِ إِذا تَلاها قال: يتلوها صبيحة الهلال، وإذا سقطت الشمس، رأيت الهلال عند سقوطها.
ثم قال عز وجل: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها يعني: إذا أضاء واستنار، فقال القتبي: هذا من الاختصار وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ويعني: والأرض أو الدنيا، يعني: النهار أذا أضاء الدنيا.
وقال الكلبي: معناه إذا جلى النهار ظلمة الليل.
ثم قال عز وجل: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها يعني: غطى ضوء النهار، ويقال: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها يعني: غطى الأرض وسترها.
ثم قال: وَالسَّماءِ وَما بَناها يعني: خلقها.
ويقال: وَالسَّماءِ وَما بَناها يعني: الله تعالى بناها، فأقسم بنفسه، ويقال: ما للصلة، ومعناه والسماء وبنائها.
ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها يعني: والذي بسطها على الماء من تحت الكعبة.
ثم قال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها يعني: ونفس والذي سوى خلقها، ويقال: ونفس وما خلقها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها يعني: ألهمها الطاعة والمعصية، ويقال: عرفها، وبين لها ما تأتى وما تذر.
ثم قال عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يعني: أصلحها الله، وعرفها وهذا جواب القسم لقد أفلح، ولكن اللام حذفت لثقلها، لأن الكلام طال.
ثم قال وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها يعني: خسر من أغفلها وأغواها، وخذلها وأضلها.
وقال القتبي: معناه قد أفلح من زكى نفسه، أي: أنماها وأعلاها، بالطاعة والبر والصدقة، وقد خاب من دساها، يعني: نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وبركوب عمل المعاصي.
وأصله دسس، فجعل مكان إحدى السينين ياء، كما يقال: قصيت أظفاري، وأصله قصصت.
قال وأصل هذا؟
أن أجواد العرب، كانوا ينزلون في أرفع المواضع، ويوقدون من النار للطارقين، لتكون أنفسهم أشهر، واللئام ينزلون الأطراف والأهضام، لتخفي أماكنهم على الطارقين، فأخفوا أنفسهم.
والبار أيضاً أظهر نفسه بأعمال البر، والفاجر دساها.
ويقال: إن الله تعالى، يطلب من عباده المؤمنين يوم القيامة ستة أشياء بمكان النعمة، الشكر: وبمكان الشدة وبمكان الصحة العمل بالطاعة، وبمكان الذنوب التوبة، وبمكان العمل الإخلاص، فمن يجىء بهذه الأشياء، فقد أفلح ونما، ومن لم يجىء بهذه الأشياء، فقد خسر وغبن.
<div class="verse-tafsir"
يعودَ على الأَرْضِ، أو على الظُّلْمَةِ، وإنْ كان لم يَجْرِ لذلك ذِكْرٌ، فالمعنَى يقتضيه قاله الزجاج، و «جَلَّى» معناه كَشَفَ وضَوَى والفاعل ب «جَلَّى» على هذه التأويلاتِ النهارُ، ويحتمل أن يكونَ الفاعلَ اللَّهُ تعالى، كأنّه قال: والنهارِ، إذ جَلَّى اللَّهُ الشمسَ، فأقْسمَ بالنهار في أكملِ حالاتِه، و «يغْشَى» معناه: يُغَطِّي، والضميرُ للشمسِ على تجوُّزٍ في المعْنَى أو للأَرض.
وقوله تعالى: وَما بَناها وكلُّ ما بعدَه من نظائرِه في السورةِ يحتملُ أَن تَكُوْنَ «ما» فيه بمعنى الذي قاله أبو عبيدة، أي: ومَنْ بَناهَا، وهو قولُ الحسن ومجاهد، فيجيءُ القسمُ باللَّه تعالى «١» ، ويحتملُ أَنْ تَكُونَ مَا في جميعِ ذلك مصدرية قاله قتادةُ والمبردُ والزجاجُ، كأنَّه قالَ: والسماءِ وبنائِها «٢» ، و «طحا» بمعنى: دَحَا، ت: قال الهروي:
قوله تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها أي بَسَطَها فأوسَعَها، ويقال طَحَا بِه الأمْرُ أي اتَّسَعَ به في المَذْهَبِ، انتهى، والنفسُ التي أقْسَمَ بِها سبحانه اسْمُ جنسٍ، وتسويتُها إكمالُ عقلها ونظرها.
الثعلبيّ: وسَوَّاها أي: عدّل خلقها، انتهى.
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢)
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
وقوله سبحانه: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها أي: عرَّفَها طرق «٣» ذلكَ، وجَعَلَ لها قوةً يصحُّ معها اكتسابُ الفُجُور أو اكتسابُ التقوى، وجوابُ القَسَمِ في قوله: قَدْ أَفْلَحَ والتقديرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، زاد- ص-: وحُذِفَتْ اللامُ للطُولِ انتهى، والفاعلُ ب «زكى» يحتملُ أَن يكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قاله ابن عباس وغيره «٤» ، ويحتمل أن يكون الإنسان قاله
الحسن وغيره «١» ، وزَكَّاها أي طهّرها ونمّاها بالخيرات ودَسَّاها معناه: أخْفَاهَا وحَقَّرَها وصَغَّرَ قدْرَها بالمعاصِي والبخلِ بما يَجِبُ وأَصلُ «دَسَّى» : دَسَّسَ ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وَدَسَّسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فَأَصْبَحَت ...
حَلائِلُهُ مِنْهُ أَرامِلَ ضُيَّعَا «٢»
ت: قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: ومن عيوبِ النفس الشفقةُ عليها، والقيامُ بتَعَهُّدِها وتحصيلِ مآربِها، ومداواتُها الإعراضُ عَنْها وقلةُ الاشْتِغَالِ بها، كذلك سمعتُ جَدِّي يقول: مَنْ كَرُمَتْ عليه نفسهُ هَانَ عليه دينُه، انتهى من تأليفه في عيوب النفس، وروي: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآيةَ قال: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا» «٣» ، قال «صاحبُ الكَلِمُ الفَارِقِيَّةِ والْحِكَمِ الحقيقيَّةِ» : النفسُ الزكيَّةُ زِينَتُها نَزَاهَتُها، وعافيتُها عِفَّتُها، وطَهَارَتُها وَرَعُها، وغِنَاها ثِقَتُها بمولاها وعلمُها بأنَّه لا ينساها، انتهى، ولما ذَكَر تعالى خَيْبَة مَنْ دسَّى نفسَه ذكرَ فرقةً فَعَلَتْ ذلكَ ليعتبرَ بهم، وينتهى/ عن مثلِ فعلِهم، والطَّغْوَى: مصدرٌ وقال ابن عباس:
الطغوى هنا العذابُ.
كذَّبُوا به حتَّى نَزلَ بهِم ويؤيدُه قولُه تعالى: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ»
[الحاقة: ٥] وقال جمهورُ من المتأولين: الباءُ سببيةٌ والمعنى: كذّبت ثمود نبيّها بسبب طغيانها، وأَشْقاها: هو قدار بن سالف، وقد تقدم قصصُهم، ت:
وناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها قيل: نَصْبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ تقديرُه احْفَظُوا أو ذَرُوا، وقال- ص-:
ناقَةَ اللَّهِ الجمهورُ: بنصبِ ناقَةَ على التحذيرِ أي احذرُوا ناقةَ اللَّهِ، وهو مما يجبُ إضمارُ عامِله، انتهى، وفَدَمْدَمَ معناه أنْزَلَ العذابَ مُقَلْقِلاً لهمْ مكرَّراً ذلك، وهي الدَّمْدَمَةُ، الثعلبيُّ: قال مؤرج: الدمدمةُ أهلاكٌ باستئصالٍ، انتهى، وكذلكَ قال أبو حيانٍ «٥» ، وقال الهروي: قال الأزهريُّ: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي: أطبق عليهم العذاب، وقيل
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ أي: غَضِبَ عليهم، انتهى.
وقوله تعالى: فَسَوَّاها أي فَسَوَّى القبيلةَ في الهَلاَكِ لَم يَنْجُ مِنْهم أَحَدٌ، وقرأ نافع وابن عامر «١» : «فَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا» والمعنى: فَلاَ دَرَكَ عَلَى اللَّهِ تعالى في فعلهِ بهم وهذا قول ابن عباس والحسن «٢» ، ويحتملُ أنْ يكونَ الفاعل ب يَخافُ صالحا ع أي: لا يخاف عُقْبَى هذه الفعلةِ بهم إذ كَانَ قَدْ أنذَرهم، وقرأ الباقون: «ولاَ يَخَافُ» بالواوِ فَتَحْتَمِلُ الوجهينِ، وتحتملُ هذه القراءةُ وجْهاً ثالثاً: أنْ يكونَ الفاعلُ ب يَخافُ المنبعثَ قاله الزجاجُ والضحاكُ والسدي، وغيرُهم، وتكون الواوُ واوَ الحالِ، كأنّه قال: انْبَعَثَ لِعَقْرِهَا وهو لا يخاف عقبى فعله «٣» .
سُورَةُ الشَّمْسِ وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.
والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿ والقَمَرِ إذا تَلاها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ.
ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّهارِ إذا جَلاها ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشاها ﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ وما بَناها ﴾ في " ما " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ.
وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿ وَما طَحاها ﴾ ﴿ وَما سَوّاها ﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ.
والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
ومَعْنى ﴿ زَكّاها ﴾ : أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿ دَسّاها ﴾ : خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ.
والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها.
فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ.
واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والشَمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ والقَمَرِ إذا تَلاها ﴾ ﴿ والنَهارِ إذا جَلاها ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا يَغْشاها ﴾ ﴿ والسَماءِ وما بَناها ﴾ ﴿ والأرْضِ وما طَحاها ﴾ ﴿ وَنَفْسٍ وما سَوّاها ﴾ ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ ﴿ وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ﴾ ﴿ إذِ انْبَعَثَ أشْقاها ﴾ ﴿ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها ﴾ ﴿ وَلا يَخافُ عُقْباها ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿ وَلا تَضْحى ﴾ ، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ.
والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو.
و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ.
واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿ جَلاها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ.
ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بَناها ﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها.
و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها ﴾ ...
الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها ﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و ﴿ زَكّاها ﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و ﴿ دَسّاها ﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ ﴾ ، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ.
و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ.
و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
يجوز أن تكون الجملة جواب القسم، وإن المعنى تحقيق فلاح المؤمنين وخَيبة المشركين كما جُعل في سورة الليل (4، 5) جوابَ القسم قولْه: ﴿ إن سعيكم لشتى فأما من أعطى ﴾ الخ.
ويجوز أن تكون جملةً معترضة بين القَسم والجواب لمناسبة ذكر إلهام الفجور والتقوى، أي أفلح من زكّى نفسه واتّبع ما ألهمه الله من التقوى، وخاب من اختار الفجور بعد أن ألهم التمييز بين الأمرين بالإِدراك والإِرشاد الإلهي.
وهذه الجملة توطئة لجملة: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ [الشمس: 11] فإن ما أصاب ثمودا كان من خيبتهم لأنهم دَسَّوا أنفسهم بالطغوى.
وقدم الفلاح على الخيبة لمناسبته للتقوى، وأردف بخيبة من دسى نفسه لتهيئة الانتقال إلى الموعظة بما حصل لثمود من عقاب على ما هو أثر التدسية.
و ﴿ مَن ﴾ صادقة على الإِنسان، أي الذي زكى نفسه بأن اختار لها ما به كمالها ودفع الرذائل عنها، فالإِنسان والنفس شيء واحد، ونزلا منزلة شيئين باختلاف الإِرادة والاكتساب.
والتزكية: الزيادة من الخير.
ومعنى: ﴿ دساها ﴾ حال بينها وبين فعل الخير.
وأصل فعل دسّى: دسّ، إذا أدخل شيئاً تحت شيء فأخفاه، فأبدلوا الحرف المضاعف ياء طلباً للتخفيف كما قالوا: تقضّى البازي أو تقضض، وقالوا: تظنيت، أي من الظن.
وإن كانت جملة ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ جواب القسم فجملة ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ [الشمس: 11] في موقع الدليل لمضمون جملة ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ أي خاب كخيبة ثمود.
والفلاح: النجاح بحصول المطلوب، والخيبة ضده، أي أن يُحرم الطالب مما طلبه.
فالإِنسان يرغب في الملائم النافع، فمن الناس من يطلب ما به النفع والكمال الدائمان، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف، فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح، والثاني يحصِّل نفعاً عارضاً زائلاً وكمالاً موقتاً ينقلب انحطاطاً فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب، وقد عبر عن ذلك هنا بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخر بالربح والخسارة.
والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والخيبة فيها.
وفي هذه الآيات مُحسّن الطباق غير مرّة فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مثل الشمس والقمر لاختلاف وقت ظهورهما، ومثل النهار والليل، والتجلية والغشي، والسماء والأرض، والبناء والطحو، والفجور والتقوى، والفلاح والخيبة، والتزكية والتدسية.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الشَّمْسِ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ هَذانِ قَسَمانِ: قَسَمٌ بِالشَّمْسِ، وقَسَمٌ بِضُحاها، وفي ضُحاها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو إشْراقُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: هو انْبِساطُها، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
الثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: هَذا النَّهارُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ ما ظَهَرَ بِها مِن كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَيَكُونُ القَسَمُ بِها وبِالمَخْلُوَقاتِ كُلِّها.
﴿ والقَمَرِ إذا تَلاها ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ يُرى القَمَرُ عِنْدَ سُقُوطِها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّالِثُ: في الشَّهْرِ كُلِّهِ فَهو في النِّصْفِ الأوَّلِ يَتْلُوها، وتَكُونُ أمامَهُ وهو وراءَها، وإذا كانَ في النِّصْفِ الأخِيرِ كانَ هو أمامَها وهي وراءَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ خَلَفَها في اللَّيْلِ، فَكانَ لَهُ مِثْلُ ما لَها في النَّهارِ لِأنَّ تَأْثِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في زَمانِهِ، فَلِلشَّمْسِ النَّهارُ.
وَلِلْقَمَرِ اللَّيْلُ.
﴿ والنَّهارِ إذا جَلاها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضاءَها، يَعْنِي الشَّمْسَ لِأنَّ ضَوْءُها بِالنَّهارِ يُجَلِّي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أظْهَرَها، لِأنَّ ظُهُورَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ تُجْلَبُ لَنا كالشَّمْسِ بَيْنَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ النَّهارَ جَلّى ما في الأرْضِ مِن حَيَوانِها حَتّى ظَهَرَ لِاسْتِتارِهِ لَيْلًا وانْتِشارِهِ نَهارًا.
﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشاها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أظْلَمَها، يَعْنِي الشَّمْسَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: يَسْتُرُها، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها ∗∗∗ وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي ﴿ والسَّماءِ وما بَناها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: والسَّماءِ وبِنائِها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ ومَن بَناها وهو اللَّهُ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: والسَّماءِ وما في بِنائِها، يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ والنُّجُومِ، فَيَكُونُ هَذا قَسَمًا بِما في السَّماءِ، ويَكُونُ ما تَقَدَّمَهُ قَسَمًا بِما في الأرْضِ.
﴿ والأرْضِ وما طَحاها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بَسَطَها، قالَهُ سُفْيانُ وأبُو صالِحٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ قَسَّمَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَعْنِي ما خَلَقَ فِيها، قالَهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ، ويَكُونُ طَحاها بِمَعْنى خَلَقَها، قالَ الشّاعِرُ وما تَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ ما خَرَجَ مِنها مِن نَباتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ، لِأنَّهُ حَياةٌ لِما خُلِقَ عَلَيْها.
﴿ وَنَفْسٍ وما سَوّاها ﴾ في النَّفْسِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ، ومَن سَوّاها: اللَّهُ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها كُلُّ نَفْسٍ.
وَفي مَعْنى سَوّاها عَلى هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الصِّحَّةِ، وسَوّى بَيْنَهم في العَذابِ جَمِيعًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: سَوّى خُلُقَها وعَدَّلَ خَلْقَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: سَوّاها بِالعَقْلِ الَّذِي فَضَّلَها بِهِ عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ.
﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ في " ألْهَمَها " تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أعْلَمَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ألْزَمَها، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَفي ﴿ فُجُورَها وتَقْواها ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشَّقاءُ والسَّعادَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الشَّرُّ والخَيْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: الرَّهْبَةُ والرَّغْبَةُ لِأنَّهُما داعِيا الفُجُورِ والتَّقْوى.
وَرَوى جُوَيْبِرُ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ رَفَعَ صَوْتَهُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها، وأنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها)» .
﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ عَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيها أحَدَ عَشَرَ قَسَمًا.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ.
الثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ.
وَفي زَكّاها وجْهانِ: أحَدُهُما: طَهَّرَها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أصْلَحَها، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
﴿ وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى ما قَضى وقَدْ خابَ مَن دَسّى اللَّهُ نَفْسَهُ.
الثّانِي: مَن دَسّى نَفْسَهُ.
وَفي ﴿ دَسّاها ﴾ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أغْواها وأضَلَّها، قالَهُ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، لِأنَّهُ دَسّى نَفْسَهُ في المَعاصِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهم فِيهِمْ أرامِلَ ضُيَّعا الثّانِي: إثْمُها وفُجُورُها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: خُسْرُها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: كَذِبُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: أشْقاها، قالَهُ ابْنُ سَلامٍ.
السّادِسُ: جَنَّبَها في الخَيْرِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
السّابِعُ: أخْفاها وأخْمَلَها بِالبُخْلِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: ضوءها ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: تبعها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: أضاءها ﴿ والسماء وما بناها ﴾ قال: الله بنى السماء ﴿ وما طحاها ﴾ قال: دحاها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: عرفها شقاءها وسعادتها ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ قال: أغواها.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: يتلو النهار ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ يقول: ما خلق الله فيها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: علمها الطاعة والمعصية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: تبعها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب غشي عبادي في خلقي العظيم ولليل مهابة والذي خلقه أحق أن يهاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ قال: قسمها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: بين الخير والشر.
وأخرج الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ فألهمها ﴾ قال: علمها ﴿ فجورها وتقواها ﴾ .
وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين: «أن رجلاً قال يا رسول الله: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيهما يستقبلون ما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة؟
قال: بل شيء قضي عليهم.
قال: فلم يعملون إذا؟
قال: من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين هيأه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا هذه الآية ﴿ ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وقف ثم قال: اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وخير من زكاها» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
قال وهو في الصلاة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الهاجرة فرفع صوته فقرأ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ ، ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] فقال له أبيّ بن كعب: يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء قال: لا ولكني أردت أن أوقت لكم» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: ضوؤها ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: تبعها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: أضاء ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ قال: يغشاها الليل ﴿ والسماء وما بناها ﴾ قال: الله بني السماء والأرض ﴿ وما طحاها ﴾ قال: دحاها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: عرفها شقاءها ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ قال: أصلحها ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ قال: أغواها ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ قال: بمعصيتها ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: الله لا يخاف عقباها.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: إشراقها ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: يتلوها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: حين ينجلي ﴿ ونفس وما سواها ﴾ قال: سوى خلقها ولم ينقص منه شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ والشمس وضحاها ﴾ قال: هذا النهار ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: يتلو صبيحة الهلال إذا سقطت رؤي عند سقوطها ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ قال: إذا غشيها النهار ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ قال إذا غشيها الليل ﴿ والسماء وما بناها ﴾ قال وما خلقها ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ قال: بسطها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: بين لها الفجور من التقوى ﴿ قد أفلح ﴾ قال: وقع القسم هاهنا ﴿ من زكاها ﴾ قال: من عمل خيراً فزكاها بطاعة الله ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ قال: من إثمها وفجرها ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ قال: بالطغيان ﴿ إذ انبعث أشقاها ﴾ قال: أحيمر ثمود.
﴿ فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ﴾ قال: يقول الله: خلوا بينها وبين قسم الله الذي قسم لها من هذا الماء ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ﴾ قال: ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها ﴾ يقول: لا يخاف تبعتها.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: إذا تبعها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ قال: إذا تبع الشمس.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ قال: بسطها.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ونفس وما سواها ﴾ قال: سوى خلقها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فألهمها ﴾ قال: ألزمها ﴿ فجورها وتقواها ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: الطاعة والمعصية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قال: الفاجرة ألهمها الفجور، والتقية ألهمها التقوى.
وأخرج ابن مردويه في قوله: ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ يقول: بين للعباد الرشد من الغيّ وألهم كل نفس ما خلقها له وكتب عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ الآية، قال: أفلح من زكاه الله وخاب من دساه الله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية: قد أفلح من زكى نفسه وأصلحها، وخاب من أهلكها وأضلها.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في الآية، يقول: أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح، وخاب من دس نفسه بالعمل السيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة من ﴿ دساها ﴾ قال: من خسرها.
وأخرج حسين في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه، ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ يقول: قد خاب من دس الله نفسه فأضله ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: لا يخاف من أحد تابعه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ يعني: مكر بها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ الآية، قال: «أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس خيبها الله من كل خير» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ قال: اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، فقال: كذبت ثمود بعذابها.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن زمعة قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: ﴿ إذا انبعث أشقاها ﴾ قال: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبغوي وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ألا أحدثك بأشقى الناس؟
قال: بلى.
قال: رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا، يعني ترقوته حتى تبتل منه هذه، يعني لحيته» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم مثله من حديث صهيب وجابر بن سمرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: ذاك ربنا لا يخاف منهم تبعة بما صنع بهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ قال: لم يخف الذي عقرها عقباها.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ وقال ابن عباس (في رواية عطاء (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) والمعني: وفقها للطاعة حتى عمل بها.
(١) ورد قوله من غير ذكر أحد الطريقين إليه في: "زاد المسير" 8/ 208، و"الدر المنثور" 8/ 531، وعزاه إلى حسين في الاستقامة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
كما ورد معنى قوله في "جامع البيان" 30/ 211 من طريق علي الوالبي.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤) "جامع البيان" 30/ 211، قال: (من أصلحها).
(٥) المرجع السابق بنفس العبارة.
(٦) المرجع السابق، وانظر: "النكت والعيون" 6/ 284.
(٧) "تفسير مقاتل" 241 أ، "زاد المسير" 8/ 258.
وما بين القوسين ساقط من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ والشمس وَضُحَاهَا ﴾ الضحى ارتفاع الضوء وكماله، والضحاء بالفتح والمد بعد ذلك إلى الزوال، وقيل: الضحى النهار كله، والأول هو المعروف في اللغة ﴿ والقمر إِذَا تَلاَهَا ﴾ أي تبعها وفي اتباعه لها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتبعها في كثرة الضوء، لأنه أضوء الكواكب بعد الشمس، ولاسيما ليلة البدر: والآخر: أنه يتبعها في طلوعه لأنه يطلع بعد غروبها، وذلك في النصف الاول من الشهر والضمير الفاعل للنهار، لأن الشمس تنجلي بالنهار فكأنه هو الذي جلاّها، وقيل: الضمير الفاعل لله، وقيل: الضمير المفعول للظلمة أو الأرض أو الدنيا، وهذا كله بعيد لأنه لم يتقدم ما يعود الضمير عليه ﴿ والليل إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ أي يغطيها وضمير المفعول للشمس وضمير الفاعل لليل على الأصح ﴿ والسمآء وَمَا بَنَاهَا ﴾ قيل: إن ما في قوله وما بناها وما طحاها وما سوّاها موصولة بمعنى من والمراد الله تعالى، وقيل: إنها مصدرية كأنه قال: والسماء وبنيانها، وضعف الزمخشري ذلك بقوله: فألهمها فإن المراد الله باتفاق، وهذا القول يؤدي إلى فساد النظم، وضعّف بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على الخالق.
فإن قيل: لم عدل عن من إلى قوله ما في قول من جعلها موصولة؟
فالجواب: أنه فعل ذلك لإرادة الوصفية كأنه قال والقادر الذي بناها ﴿ طَحَاهَا ﴾ أي مدها ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ تسوية النفس إكمال عقلها وفهمها، فإن قيل: لم نكّر النفس؟
فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أراد الجنس كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ [التكوير: 14] والآخر أنه أراد نفس آدم والأول هو المختار ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ أي عرّفها طريق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو، كقوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ [الإنسان: 3] ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ هذا جواب القسم عند الجمهور، وقال الزمخشري: الجواب محذوف تقديره: ليدمدمَنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، كما دَمْدم على قوم ثمود لتكذيبهم صالحاً عليه الصلاة والسلام، قال: وأما قد فلح فكلام تابع لقوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ على سبيل الاستطراد، وهذا بعيد، والفاعل بزكاها ضمير يعود على من، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه أي طهّرها من الذنوب والعيوب، وقيل: الفاعل ضمير الله تعالى، والأول أظهر، ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ أي حقرها بالكفر والمعاصي، وأصله دسس بمعنى: أخفى فكأنه أخفى نفسه لما حقرها، وأبدل من السين الأخيرة حرف علة كقولهم: قصيّت أظفاري وأصله قصَصْتُ ﴿ بِطَغْوَاهَآ ﴾ هو مصدر بمعنى الطغيان قلبت فيه الياء واواً على لغة من يقول: طغيت، والباء الخافضة كقولك كتبت بالقلم أو سببية، والمعنى بسبب طغيانها وقال ابن عباس: معناه ثمود بعذابها ويؤيده قوله: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية ﴾ [الحاقة: 5] ﴿ إِذِ انبعث أَشْقَاهَا ﴾ العامل في إذ كذبت أو طغوها ومعنى انبعث: خرج لعقر الناقة بسرعة ونشاط، وأشقاها: هو الذي عقر الناقة وهو أحيمر ثمود واسمه قدار بن سالف، ويحتمل أن يكون أشقاها واقعاً على جماعة، لأن أفعل التي للتفضيل إذا أظفته يستوي فيه الواحد والجمع والأول أظهر وأشهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تلاها ﴾ و ﴿ طحاها ﴾ مثل ﴿ دحاها ﴾ مثل ﴿ دحاها ﴾ في " النازعات " ﴿ فلا يخاف ﴾ بالفاء وضم الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير بناء على أن ﴿ قد أفلح ﴾ جواب القسم واللام محذوف أي لقد أفلح.
الوقوف: ﴿ وضحاها ﴾ ه لا ﴿ تلاها ﴾ ه ك ﴿ جلاها ﴾ ه ك ﴿ يغشاها ﴾ ه ك ﴿ بناها ﴾ ه ك ﴿ طحاها ﴾ ه ك ﴿ سوّاها ﴾ ه لا ص ﴿ وتقواها ﴾ ه لا ﴿ زكاها ﴾ ه ك ﴿ دساها ﴾ ه ط ﴿ بطغواها ﴾ ه ط لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ كذب ﴾ أو بالطغوى ﴿ أشقاها ﴾ ه ﴿ وسقياها ﴾ ه ﴿ فعقروها ﴾ م ط ﴿ فسوّاها ﴾ ه ط ﴿ عقباها ﴾ ه.
التفسير: قال النحويون: إن في ناصب ﴿ إذا تلاها ﴾ وما بعده إشكالاً لأن " ما " سوى الواو الأولى إن كن للقسم لزم اجتماع أقسام كثيرة على مقسم به واحد وهو مستنكر عند الخليل وسيبويه، لأن استئناف قسم آخر دليل على أن القسم الأول قد استوفى حقه من الجواب فيلزم التغليظ، وإن كن عاطفة لزم العطف على عاملين بحرف واحد وذلك أن حرف العطف ناب عن واو القسم المقتضي للجر وعن الفعل الذي يقتضي انتصاب الظرف.
والجواب أنا نختار الثاني ولزوم العطف على عاملين ممنوع لأن حرف العطف ناب عن واو القسم النائب عن الفعل المتعدّي بالباء، وكما أن واو القسم تعمل الجر في القسم والنصب في الظرف إذا قلت مثلاً ابتداء ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ لقيامه مقام قولك " اقسم بالليل إذا يغشى" فكذا حرف العطف النائب منابه نظيره قولك " ضرب زيد عمراً وبكر خالداً " فترفع بالواو وتنصب لقيامه مقام ضرب.
قال بعض المتكلمين: المضاف في هذه الأقسام محذوف تقديره ورب الشمس إلى آخرها.
وزيف بلزوم التكرار في قوله ﴿ وما بناها ﴾ وما بعده.
وأجيب بأن " ما " في ﴿ وما بناها ﴾ وما بعده مصدرية.
واعترض عليه في الكشاف بأنه يلزم من عطف قوله ﴿ فألهمهما ﴾ على قوله ﴿ وما سوّاها ﴾ فساد النظم فالوجه أن تكون " ما " موصولة.
وإنما أوثرت على " من " لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الذي سوّاها، على أنه قد جاء " ما " مستعملاً في " من " كقولهم " سبحان ما سخركن لنا ".
أما الذين لم يقدروا المضاف فأورد عليهم أنه يلزم تأخير القسم برب السماء وبانيها عن القسم بالسماء.
والجواب أن الله عز قائلاً أراد أن نتدرج من المحسوسات إلى المعقولات ومن المصنوعات إلى الصانع، ولا يخفى أن المحسوسات أظهرها هو الشمس فذكرها مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها.
فأول أعظم الأوصاف الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار، وثانيها تلو القمر لها غاية في منتصف الشهر أو تلوه لها في أخذ الضور عنها أو في غروبه ليلة الهلال بعدها قاله قتادة والكلبي.
وقيل: في كبر الجرم بحسب الحس وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
والثالث والرابع بروزها لمجيء النهار واختفاؤها لمجيء الليل.
ثم ذكر ذاته المقدسة وعقبه بأنواع تدابيره في السماء والأرض وفي البسائط وما يتركب منها وأشرفها النفس.
ولنشتغل بتفسير بعض الألفاظ.
قال الليث: الضحو ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك.
والضحاء بالمد إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف.
وتلاها تبعها بإحدى المعانى المذكورة، والتجلية الكشف والعيان.
والضمير في ﴿ جلاها ﴾ للشمس في الظاهر على ما قال الزجاج وغيره، لأن النهار كلما كان أصدق نوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً فإن الكشف والعيان يدل على قوة المؤثر وكماله لا قوة الأثر وكماله، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها.
وذهب جم غفير إلى أن الضمير يعود إلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض بدلالة قرائن الأحوال وسياق الكلام، ولعل الوجه الأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور أقرب منه إلى المقدر، ولأنه يلزم تفريق الضمائر في ﴿ يغشاها ﴾ للشمس بالاتفاق وكذا في ﴿ ضحاها ﴾ و ﴿ تلاها ﴾ ولأن غشيان الليل الشمس عبارة عن ذهاب الضوء وحصول الظلمة بسبب غيبة الشمس في الأفق، فكذا تجلية النهار إياها يجب أن تكون إشارة إلى كمال الضوء وظهوره للحس بواسطة ظهور الشمس فوق الأفق.
والحاصل أن الذهن كما ينتقل من عدم الأثر إلى عدم المؤثر فجعل كأن لعدم الأثر تأثيراً في عدم المؤثر، فكذلك ينتقل من وجود الأثر إلى وجود المؤثر فيصح أن يقال: إن وجود الأثر علة لوجود المؤثر وهذا معنى كون النهار مجلياً للشمس.
والطحو مثل الدحو وقد مر في " النازعات " أي بسطها على الماء.
وتنكير النفس إما للتنويع أي نفس خاصة من بين النفوس وهي النفس القدسية النبوية التي تصلح لرياسة ما سواها من النفوس، وإما للتكثير على الوجه المذكور في قوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ وتسويتها إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وهي الحواس الظاهرة والباطنة والقوى الطبيعية المخدومة والخادمة وغيرها ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ قالت المعتزلة: هو كقول ﴿ وهديناه النجدين ﴾ أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر ويعضده ما بعده ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ﴾ والتدسية ضد التزكية.
وأصل دسي دسس قلب أحد حرفي التضعيف ياء كما في " قضيت ".
والتدسيس مبالغة الدس وهو الإخفاء في التراب قال عز من قائل ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ والضمير في " زكى " و " دس " ل " من " وقال أهل السنة: الضمير أن لله و" من " عبارة عن النفس والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعال وخلقها طاهرة، وخابت نفس دساها الله وخلقها كافرة فاجرة.
وقد يروى هذا الوجه عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي قالوا: أصل الإلهام من قولهم " لهم الشيء والتهمة " إذا ابتلعه و" ألهمته إياه " أي أبلعته ذلك.
فالإلهام الإبلاع أي وضع الإيمان في قلب المؤمن والكفر في قلب الكافر.
ثم وعظهم بقصة ثمود لقربها من ديارهم.
ولأهل التأويل أن يقولوا: إنما خص هذه القصة لأن ناقة الله هي البدن وعبر بصالح عن الروح، ولما كانت قصة ثمود مناسبة لأحوال النفس الإنسانية كما مرت في التأويلات، وكانت هذه السورة مسوقة لبيان مراتب النفس في السعادة والشقاوة،وخصت القصة بالذكر لذلك، وعلى هذا التأويل قد يراد بالشمس تجلي النفس الناطقة على البدن بالتدبير الكامل، وبالقمر الروح الحيواني.
أو شمس المعرفة، وقمر المكاشفة، ونهار وليل المحو، وسماء الروح وأرض القلب كما مر مراراً.
والطغوى اسم من الطغيان كالتقوى من الوقاية قلبت ياؤه واواً فرقاً بين ما هي اسم وبين ما هي صفة كقولهم " امرأة خزياً وصدياً " والباء للآلة أي فعلت التكذيب بواسطة طغيانها.
وقيل: المضاف محذوف والمجموع صفة للعذاب والباء للإلصاق أي كذبت ثمود بما أوعدت من العذاب ذي الطغوى كقوله ﴿ فأهلكوا بالطاغية ﴾ والأول أوضح لئلا يكون قوله ﴿ فكذبوه ﴾ تكراراً.
ومعنى ﴿ انبعث ﴾ تحركت داعيته وقوي عزمه على العقر.
﴿ وأشقاها ﴾ عاقر الناقة قدار بن سالف، أو هو مع من ساعده على ذلك فإن أفعل التفضيل يجوز أن لا يفرق فيه بين الواحد.
والجمع وعلى هذا يجوز أن يكون الضمير في ﴿ لهم ﴾ عائداً إلى الجماعة الأشقياء، وعلى الأول يكون عائداً إلى قوم صالح.
و ﴿ ناقة الله ﴾ نصب على التحذير أي احذروا عقرها ﴿ وسقياها ﴾ فلا تعتدوا بها فإن لها شرباً ولكم شرب يوم ﴿ فكذبوه ﴾ فيام أوعدهم به من نزول العذاب إن فعلوا فعقروا الناقة ﴿ فدمدم ﴾ أي فأطبق ﴿ عليهم ﴾ العذاب.
قالوا: هو مضعف من قولهم " ناقة مدمدمة " إذا ألبست الشحم.
والباء في ﴿ بذنبهم ﴾ للسببية فسوى الدمدمة بينهم بحيث لم يهرب منها أحد ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ كما يخاف ملوك الدنيا فينزجر عن استيفاء العقوبة.
وجوز أن يكون الضمير لثمود أي فسوّاها بالأرض، أو في الهلاك ولا يخاف تبعه بهلاكها وهو أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ .
قالوا: تأويله: والشمس وضوئها.
وقيل: وحرها.
وقيل: وبهائها.
وهذا في موضع القسم؛ وذلك لأن الله - - جعل في الشمس معاني تدل على لطائف حكمته و[عجائب تدبيره، وجعلها في النهاية في البركات، وفي النهاية في الآيات فمن] عجيب تدبيره أنه جعل نورها بحيث يهلك نور الظلل حتى إذا بدت في مكان أذهبت نور الظل، ونور السراج، ونور القمر، وستر نورها الكواكب عن أن ترى، وجعلها بحيث يظهر بها هباء الهواء، فبين أن الهواء إذا هباء؛ ألا ترى أنك إذا نظرت في المشكاة حين سقوط الشمس فيها تبين لك بها هباء الهواء، ولو أراد أحد من الخلائق أن يتدارك المعنى الذي به استنار هذا الشمس كل هذا لم يقف عليه.
ثم من بركتها أن بحرارتها مصالح الأغذية، وبها مصالح النبات، وبها ييبس الحب، وبها تنضج الفواكه.
وعن عجيب تدبيره أنه جعلها بالنائي عن كل شيء له بها صلاح؛ إذ لو دنت منها، لكانت تحرق الأشياء كلها.
ومن آياتها أن جعلت بحيث تسير وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام ما يتعذر على الذي خلق السير والمشي قطع تلك المسافة يمدد كثيرة.
وهي أيضا تظهر جود الرب - لأن منافعها تعم الخلق كله: برهم وفجارهم، والولي منهم والعدو.
فأقسم الله - - بها؛ ليزيل عن الكفرة الشبهة التي تعرض لهم في أمر الدين؛ إما في التوحيد، أو في الرسالة، أو في البعث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا ﴾ : جائز أن يتلوها في كل ما ذكرنا في الشمس من المنافع والمعاني؛ فيكون ثانيها في العمل، فإنه يقع به صلاح الأغذية أيضا، وهو ينير أيضا إلا أنه لا ينتهي منتهاها ولا يبلع مبلغها، والله أعلم.
وقال بعضهم: إذا تلاها، أي: يتلوها في أول ما يهل؛ فإنه إذا وجبت الشمس في آخر اليوم من الشهر تلا غروبها طلوع الهلال.
وقال بعضهم: إنه يتلوها إذا صار بدرا، وفي هذا دلالة أن منشئهما واحد؛ لأن منافعهما تعم الخلق جميعا، ولو لم يكن مدبرهما واحدا، لكانت لا تعم، بل يمنع كل واحد منهما مُنْشَأَه عن إيصال النفع إلى قوم عدوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا ﴾ : يحتمل أوجها: يحتمل أن يكون النهار جلى الدنيا.
ويحتمل أن يكون جلى الأرض.
ويحتمل أن يكون جلى الشمس.
ويحتمل أن تكون تجلى الأبصار بنورها عن ظلمة الليل التي يغشاها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ : ينصرف إلى الأوجه التي ذكرنا أيضا، أي: يغشى الدنيا، أو الأرض، أو الشمس، أو يغشى الأبصار بظلمتها عن الخلائق، والله أعلم.
ثم الليل والنهار زيادة سلطان ليست للشمس ولا للقمر؛ لأن من سلطان الليل والنهار أنهما يفنيان الآجال، ويقطعان الأعمال، ولا تهيأ لأحد الامتناع والتحرز من سلطانهما، ويتهيأ للخلق دفع أذى الشمس والقمر عن أنفسهم بالحيل والأسباب؛ فكان في ذكر الليل والنهار زيادة معنى ليس ذلك في ذكر الشمس والقمر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ : قال الزجاج: "ما" بمعنى: "الذي"، وقد تستعمل في مثله، كقول العرب: "سبحان ما سبحت له السماوات والأرض"، أي: سبحان الذي سبحت له.
وقال بعضهم: "ما" هاهنا بمعنى "من"؛ كأنه يقول: والسماء ومن بناها.
وقال بعضهم: "ما" هاهنا تجعل الفعل الماضي بمعنى المصدر، تقول: أعجبني ما صنعت، أي: أعجبني صنعك؛ فيكون معناه: والسماء وبنائها.
فإن كان التأويل على الوجهين الأولين، رجع القسم إلى الله ، والسماء، وإلى ما تقدم من الشمس والقمر والنهار والليل.
وإن كان على التأويل الآخر، رجع القسم إلى ما خلق وهو السماء، فإن بناء السماء عينها.
وقال أبو بكر الأصم: إن هذه الماءات في قوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ ، تخرج على التعجب، على شرط التقديم، وإن كانت مؤخرة في اللفظ؛ كأنه يقول [الله] : وما السماء؟
ثم أجاب: بناها بأن رفع سمكها وسواها ورفعها بغير عمد ترونها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾ ، أي: بسطها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ : قالوا تسويتها في أن خلقها باليدين والرجلين والعينين ونحوها، فإن كان على هذا فالتسوية ترجع إلى الأغلب لا إلى الجملة؛ إذ ليس لكل نفس هذه الجوارح جملة؛ فيكون معناه: أنه سوى أكثر النفوس بما ذكر من اليدين والرجلين، وذلك جائز في الكلام، وهو كقوله - -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ ، ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، ومعناه: أنه جعله سكنا ومقرا لأكثر الخلائق لا للجملة، وجعل النهار لأكثر الخلائق معاشا لا للجملة، والله أعلم.
وقيل: سوى جوارحها وأطرافها ما لو لم يكن له جارحة من تلك الجوارح يوصف بالنقصان، وهذا أعم من الأول.
ويحتمل: ﴿ سَوَّاهَا ﴾ على ما عليه مصلحتها، وتملك التقلب والتعيش، ليس على ما عليه سائر الحيوان.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون قوله: ﴿ سَوَّاهَا ﴾ ، أي: جعلها بحيث احتمال الكلفة والمحنة، كقوله - -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، وتميز القبيح والحسن، وتعرف عواقب الأمور من الخير والشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ : هذا يحتمل أوجها: أحدها: أي: بين لها فجورها وتقواها وعلمها، فمن زعم أن المعارف ضرورية خلقة، يحتج بهذه الآية، فيقول: أخبر - - أنه علمها فجورها وتقواها، وأنه وضع في نفسه ما يعرف به قبح كل قبيح، وحسن [كل حسن].
والأصل فيه عندنا: أنه يعرف حسن الأشياء وقبحها جملة ببداية العقول، ولكن العقول لا تعرف حسن كل شيء على الإشارة إليه، ولا قبح كل قبيح على الإشارة إليه؛ وإنما ترعف ذلك إما بخبر يرد على ألسن الرسل عليهم السلام، أو باستعمال الفكر؛ ألا ترى أنك تجد النفس من طبعها أنها تألف الملاذ والمنافع، وتنفر عن المكاره والآلام، ولكنها لا تعرف معرفة كل منتفع على الإشارة إليه ولا ضرارة أعين الأشياء؛ وإنما تعرف ذلك بالذوق.
وكذلك العين تدرك الألوان، لكنها لا تعرف حسنه وقبحه؛ بل العقل هو الذي يفصل بينهما، فعلى ذلك قد جعل في طبع العقل قبح القبائح جملة وحسن الحسن، ولكن لا يفصل بينهما على الإشارة إلى كل من نفسه إلا بما ذكرنا؛ فيكون قوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ، أي: جعل في نفسها ما يبين القبيح من الحسن، والخبيث من الطيب، ويبين قبح الفجور وحسن التقوى، ويلزمه المحنة والكلفة بذلك، ثم يصل إلى معرفة ذلك إما بالرسل، وإما باستعمال الفكر.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يلهمها تقواها إذا وفى بما لله عليه من الاستقامة على الطريقة والمجاهدة؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، فوعد الهداية بالجهاد، وقال - -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ ، ثم كانت الإجابة مضمنة شريطة، وهي أن يستجيب له الداعي فيما دعاه إليه؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ ، وقال - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...
﴾ الآية [المائدة: 12]؛ فثبت أن الذي يلهم التقوى هو الذي يقوم بوفاء ما عليه، فإذا قام به ألهمه التقوى، وبين له سبيل الفجور.
وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ، أي: ألزمها فجورها وتقواها؛ فتكومن تقواها لها، وفجورها عليها، لا يؤخذ أحد بفجور أحد، وفي هذا دليل على أن التقوى إذا ذكر مفردا انصرف إلى الخيرات أجمع، وإذا قرن به البر والإعطاء، انصرف إلى الالتقاء عن المحارم، كقوله - - ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ...
﴾ ، وإذا قيل: بر، واتقى، أريد به: أنه بكل ما يحمد عليه، واتقى عن لك ما يذم عليه فاعله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ : فموقع ما تقدم من القسم بالشمس والقمر الليل والنهار على هذا، فقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ في الآخرة ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ في الآخرة؛ فيكون هذا منصرفا إلى الجزاء في الآخرة؛ على ما يذكر في قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من الوجه الذي نذكره، إن شاء الله .
ثم اختلفوا في تأويل الفلاح: قال بعضهم: أفلح، أى: سعد.
ومنهم من يقول: أي: بقي في الخيرات، والفلاح: البقاء.
ومنهم من يقول: أفلح، أي: فاز، والمفلح في الجملة هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يحذر؛ فيدخل في ذلك السعادة والبقاء والفوز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن زَكَّاهَا ﴾ : جائز أن يكون منصرفا إلى الله .
وجائز أن ينصرف إلى العبد، قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقال - -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ...
﴾ ، فبين الله - - أنه هو الذي تفضل بتزكية من زكا.
وجائز أن يصرف إلى العبد؛ فيكون قوله: ﴿ مَن زَكَّاهَا ﴾ ، أي: صاحبها، وكذلك قوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ يحتل هذين الوجهين؛ فيكون الله - - هو الذي أنشأ فعل الضلال؛ فيكون الفعل من حيث الإنشاء من الله ، ومن حيث العمل من العبد.
ثم قوله: ﴿ مَن دَسَّاهَا ﴾ ، أي: أخفاها، وإخفاؤها: أنه صيرها بحيث لا تذكر في المحافل إلا بالذم، وزكى الأخرى، أي: أظهرها حتى ينظر إليها الناس بعين التبجيل والتعظيم.
وهذا شأن المتقي أن يكون مسجلا معظما فيما بين الخلق، والفاجر يعيش مذموما مهانا فيما بين الخلق.
أو يرجع الإظهار الإخفاء إلى الآخرة: فيجلّ قدر المتقي المزكي، ويخمل ذكر الفاجر.
وقوله - عزو جل -: ﴿ دَسَّاهَا ﴾ من "دسَّسْت"، فأسقط السين، وأبدل مكانها الياء.
ثم الإضافة في قوله: ﴿ دَسَّاهَا ﴾ إلى الله - - على خلق ذلك الفعل منه، وفي قوله: ﴿ زَكَّاهَا ﴾ على التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قد فاز بمطلوبه من طهّر نفسه بتحليتها بالفضائل، وتخليتها عن الرذائل.
<div class="verse-tafsir" id="91.dEoqG"
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ضحى الشمس: ضوئها.
يقسم بالشمس نفسها، سواء ظهرت أو غابت.
لأنها خلق عظيم، ويقسم بضوئها لأنه مبعث الحياة، ومجلي الهداية في عالمها الفخيم.
وهل كنت ترى حيًا أو تبصر ناميًا، أو هل كنت تجد نفسك لولا ضياء الشمس جل مبدعه.
﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ يقسم بالقمر إذا تلا الشمس، وذلك في الليالي البيض من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة.
وهو قسم بالقمر عند امتلائه، أو قربه من الامتلاء، إذ يضئ الليل كله من غروب الشمس إلى الفجر، وهو قسم في الحقيقة بالضياء في طور آخر من أطواره، وهو ظهوره وانتشاره الليل كله.
وقال الحسن والفراء: تلاها تبعها في كل وقت، لأنه يستضئ منها، فهو يتلوها لذلك.
ولكن التقييد بقوله: (إذا تلاها)، يدل على أن القسم متعلق بالقمر وهو في حالة خاصة، فهو مقسم به على طور خاص، وهو ما ذكرناه، ثم عاد إلى القسم بالضياء تحت عنوان أخر فقال: ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ ، أي والنهار إذا جلى الشمس، أي أظهرها، ولا يخفي أن النهار هو وقت انتشار ضوء الشمس من وقت شروقها أو قربه إلى وقت غروبها..
كل ذلك للإشارة إلى تعظيم أمر الضياء، وإعظام قدر النعمة فيه، وألفات أذهاننا إلى أنه من آيات الله الكبرى ونعمه العظمي.
وقوله: ﴿ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ بيان للحالة التي ينطق فيها النهار بتلك الحكمة الباهرة، والآية الظاهرة، وهي حالة الصحو.
أما يوم الغيم الذي لا تظهر فيه الشمس، فحاله معك أشبه بحال الليل الذي يقسم به في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ .
بعد أن أقسم بالضياء تحت أسماء مختلفة، أقسم بالليل في حالة واحدة، وهي حالة ما يغشي الشمس، أي يعرض دون ضوئها فيحجبه عن الأبصار، وذلك في ليالي الظلمة الحالكة التي لا أثر لضوء الشمس فيها، لا مباشرة كما في النهار، ولا بالواسطة كضوء القمر المستفاد منها.
وهذه الليالي هي قليلة كما لا يخفي، فإن أغلب ليالي الشهر لا تخلو من ضوء القمر في أول الليل أو في آخره أو في جميعه، وهو ضوء مستفاد من الشمس، وإنما هي ليلة أو ليلتان وبعض ليال أخر.
ولقلة أوقات الظلمة عبر في جانبها بالمضارع المفيد للحاق الشيء وعروضه متأخرًا عما هو أصل في نفسه، أما النهار فانه يجلي الشمس دائمًا من أوله إلى أخره، وذلك شان له في ذاته، ولا ينفك عنه إلا لعارض كالغيم أو الكسوف قليل العروض، ولهذا عبر في جانبه بالماضي المفيد لوقوع المعني في فاعله بدون إفادة أنه مما ينفك عنه وأقسم بالظلمة هنا -كما اقسم بها في سورة الفجر- لأنه أمر يهولك ويدخل عليك فيه من انقباض النفس عن الحركة، واضطرارها للوقوف عن العمل، وركونها إلى السكون، ما لا تجد عنه مفرًا فهذا سلطان من الخوف مبهم لا تحيط بأسبابه ولا بتفصيل أطواره، فهو أشبه بالجلال الإلهي يأخذك من جميع أطرافك وأنت لا تدري من أين أخذك!
وهو مظهر من مظاهره ثم في هذا السكون من راحة الجسم والعقل وتعويض ما فقداه بالتعب بياض النهار ما لا تحصي فوائده، فلذلك اقسم الله به ليوجه نظرنا إلى ما فيه من ذلك كله.
﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ : السماء اسم لما علاك وارتفع فوق راسك.
وأنت إنما تتصور -عند سماعك لفظ السماء- هذا الكون الذي فوقك فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب تجري في مجاريها وتتحرك في مداراتها، هذا هو السماء وقد بناه الله أي رفعه، وجعل كل كوكب من الكواكب منه بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة أو جدران تحيط بك، وشد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة، كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينها مما تتماسك به.
والذي بني السماء هو الله جل شأنه، غير أنه لما كان الخطاب موجهًا إلى قوم لا يعرفون الله بصفاته الجليلة، وكان مرمى الخطاب أن ينظروا في هذا الكون العظيم نظرة من يطلب للأثر مؤثرًا ما، وللمسبب سببًا ما، لينتقلوا من ذلك إلى معرفة الله تعالى، عبر عن نفسه جل شأنه بما التي هي الغاية في الإبهام، على أن من وما بالنسبة إلى الله سواء، لأن من للعاقل الذي يعرفه المتخاطبون وما لغير العاقل كذلك.
والله جل شأنه لا يطلق عليه العاقل ولا غير العاقل بذلك المعني، وإنما هو عالم يعلو تصوره على منال العقول، فيعبّر عنه بكل لفظ يفيد اللذات الموجودة مع مراعاة التنزيه.
(وطحا الأرض): وطأها وجعلها فراشا، كما قال: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية، كما يزعم بعض الجاهلين، والذي طحاها هو الله.
بعد أن اقسم الله بالضياء والظلمة، أقسم بالسماء وما فيها من الكواكب جملة، وبالذي بناها وجعلها مصدرًا للضياء لأن الشمس والقمر وسائر الكواكب من أجزاء ذلك البناء، وبالأرض والذي جعلها لنا فراشًا وجعلها مصدرًا للظلمة، فإنها هي التي يحجب بعض أجزائها ضوء الشمس عن البعض الآخر فيظهر الظلام في هذا الآخر.
ولما لم يذكر في جانب السماء سوى البناء -وهو ربط بعض أجرامها ببعض- ولم يذكر إيجاد كل جرم، لان هذا البناء الظاهر هو الذي تفهمه عقول المخاطبين، وفيه منافعهم من انتشار الضياء وقيام أعلام الهداية -اقتصر في جانب الأرض بذكر الطحو، وهو التمهيد وفيه منافع الناس من سكنى الأرض والانتفاع بما يوجد على ظهرها من نبات وحيوان.
بعد هذا اقسم بالنفس الإنسانية والذي (سواها): أي عد لها بان ركب فيها قواها الباطنة والظاهرة، وحدد لكل قوة وظيفة تؤديها، وألف لها الجسم الذي تستخدمه من أعضاء قابلة لاستعمال تلك القوى، لهذا فرع على التسوية قوله ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ فإن تمام التسوية أن وهبها العقل الذي يميز بين الخير والشر، والفجور: إتيان ما ينتهي بالنفس إلى الخسران والهلكة، والتقوى: إتيان ما يحفظ النفس من سوء العاقبة.
والأعمال التي بها تشقي النفوس معروفة لذوي العقول كالأعمال التي بها تسعد.
فهذه الآية في معناها كآية ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ .
فقد منح الله النفوس قوة التمييز، كما وهبها قوة الاختيار، فمن رجح طريق الخير افلح، ومن رجح طريق الشر خاب، ولهذا استطرد عقب ذكر الإلهام بقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ أي قد ربح وفاز من زكى نفسه ونماها وأعلاها حتى بلغ بها ما هي مستعدة له من كمال القوى العقلية والعملية، وأثمرت بذلك ثمراتها الطيبة له ولمن حوله من الناس.
﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ ، التدسية: النقص والإخفاء.
ومن سلك سبيل الشر، وطاوع داعي الشهوة البهيمية، فقد فعل ما يفعل سائر البهائم، فلم يظهر عمل القوة العاقلة التي خص بها الإنسان، فاندرج صاحب تلك النفس في عداد سائر الحيوان دون الإنسان، وبذلك يختفي من بين العقلاء، ويذهب امتيازه الذي كرم الله به نوعه.
وهل تكون خيبة أعظم، وخسران أكبر من هذا المسخ الذي يجلبه الشخص على نفسه بسوء عمله؟
فما أجمل هذا التعبير!
وما أحواه للمعاني الرفيعة!
ثم هل التفت إلى ما في التزكية مما يناسب النور والسماء؟!
وما في التدسية مما يلائم الظلمة والأرض؟!
وجواب القسم محذوف -مثله في سورة البروج- وأقام الدليل عليه بما جاء في قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ .
وهذا من ضروب الإيجاز التي اختص بها القران دون سائر الكلام.
وسنذكر ذلك الجواب بعد تفسير الدليل عليه.
ثمود: قوم من العرب البائدة، بعث الله إليهم نبيًا اسمه صالح ، ولما سأله قومه آية على صدقه جعل الله آيته في ناقته، وقد جاء في كتابنا العزيز أن هذه الآية هي أن جعل لها شربًا تختص به، ولهم شرب يختصون به في يوم معلوم، وأن تأكل في أرض الله ولا يمسها أحد بسوء، فإذا مسوها بسوء، أخذهم العذاب.
فالآية -في الحقيقة- هي أخذهم بالعذاب إذا مسوها بالسوء.
قال في سورة هود ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ .
وقال في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وكان على القوم جميعًا أن يرعوا أمر الله في هذه الناقة فلا يداعوا أحدا يصيبها بالأذى، ولكنهم طغوا وخرجوا عما يرشد إليه العقل الصحيح، فكذبوا صالحًا ، فهذا قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ أي كذبت بنبيها بسبب طغيانها وبغيها، ثم اتبعت واحدًا من هذه القبيلة -سماه المفسرون، ولا حاجة بنا إلى تسميته لأنه يجب علينا أن نقف عند ما وقف عنده الكتاب- وكان ذلك المنبعث أشقي القبيلة لأنه تحرش للشر من دونهم، وانطلق ينحر الناقة، فهذا قوله تعالى ﴿ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ أي أن التكذيب كان عند ذلك، أي كان ذلك علامة التكذيب الظاهرة، فإنه كذب صالحًا في وعيده بالعذاب، وانبعث يهلك الناقة..
ولما سكت القوم وتركوه يفعل، كانوا مكذبين مثله.
﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ صالح: احذروا واتقوا ﴿ نَاقَةَ اللَّهِ ﴾ التي جعلها آية نبيه.
﴿ وَسُقْيَاهَا ﴾ : أي شربها الذي اختصها الله به في يومها، فلا تؤذوا الناقة، ولا تتعدوا عليها في شربها ويوم شربها ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فيما جاء به، ولم يسمع ذلك الشقي ذلك التحذير، ولم يصغ إلى الإنذار ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾ ، العاقر لها: ذلك المعتدي الذي لقبه بأشقاها ولكنهم لما سكتوا عنه، ولم يمنعوه، ورضوا بفعله، نسب العقر إليهم جميعًا، فلذلك عمتهم النقمة ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ ﴾ : أي أطبق عليهم العذاب، وقال بعضهم الدمدمة: إهلاك في استئصال.
وقيل: الدمدمة التدمير.
﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي سوى القبيلة -وهي ثمود- في العقوبة، فلم يفلت منها أحد، أو المعني سواها بالأرض، أي دمر مساكنها على ساكنيها.
﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ أي أن الله في عزته وجبروته أهلك هؤلاء المكذبين ولا يخاف عاقبة إهلاكهم لأنه لا هو ظالم فيخفيه الحق، ولا هو ضعيف فيتناوله المكروه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
في هذا الذي سمعته في خبر ثمود ما يدلك على جواب القسم، كأنه قال ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ إلخ، لينزلن بالمكذبين منكم مثل ما نزل بثمود، إذ كذبت نبيها فأصابها العذاب، فلستم بأشد باسًا منها، ولا شقيكم أشد بطشًا من شقيها.
ولقد صدق الله وعده فأهلك من أهلك منهم في واقعة بدر بأيدي المؤمنين، ثم لم يزل العذاب والخزي ينزل بالمكذبين من أهل مكة ومن حولهم، بالقتل تارة، والأبعاد أُخرى، حتى لم يبق في جزيرة العرب مكذب، ولو استمرت الدعوة على ما كانت عليه من نشأتها أيام الصحابة ، لم يبقي في الأرض مكذب.
والله أعلم.